← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفارسي، وهكذا هو في "النهاية" (١) عنه. والثاني: أنه من حينه، ومقتضى إيراد الرافعي (٢) أن غير الفارسي قائل به، والإمام في "النهاية" (٣) ذكره احتمالًا في التفريع على قول الفارسي، وأنه على بعده أمثل من استناد الانفساخ إلى الأصل. والثالث: أنه لا ينفسخ، بل ينفسخ، وهو المنصوص عليه (٤)، واعلم أن التردد في أن الفسخ هل من حينه أو من أصله؟! لا اختصاص له بهذا الموضع، وإنما ذكرته ليتبين غير الفارسي قائل بالانفساخ. وقد نقل الهروي عن الشافعي أنه قال (٥): إذا قال: بعت هذا منك بألف، فأنكر المشتري وحلف عليه، يقول القاضي للمشتري: قل: قد فسخت البيع، ويقول للبائع: قل: قد قبلت الفسخ، فإن لم يفعل، فإن [ذهب] (٦) ذاهب إلى أنه يصير ملكًا للبائع بالجحود، والحلف كان مذهبًا، ثم قال الهروي: إن قوله: فإن ذهب ذاهب إلى آخره لنسبة قول من يقول: أن البيع ينفسخ بنفس التحالف، ويمكن أن يخرج في مسألة التحالف وجه من هذا النص: أن بعد التحالف إذا أبيا الرضا بأحد الثمنين ينفسخ العقد، ولا يقف على فسخ من جهتهما، ولا من جهة القاضي. قلت: وهذا التخريج صحيح إن كان قول الشافعي: إن ذهب ذاهب إلى كذا كان مذهبًا قولًا للشافعي. والأصحاب كثيرًا ما يعتمدون ذلك. إذا عرف ذلك، فقد استدل للانفساخ بنفس التحالف بثلاثة أدلة:

стр. 107

أحدها: قوله في الحديث: "وترادَّا" ولولا الانفساخ لما وجب الترادُّ. الثاني: القياس على اللعان كما ذكر المصنف؛ لأنه عند الشافعي يمين. الثالث: أن كلًّا منهما يثبت بيمينه ثمنًا، فإذا حلفا وتعارضا صار الثمن مجهولًا، وهذان ذكرهما المصنف، وبعضهم يعبر عن هذا الدليل الثالث بأنه إذا صدقنا كلًّا منهما بيمينه صار كأن البايع باع بألفين، والمشتري اشترى بألف عند الاختلاف بين الإيجاب والقبول لا يصح العقد، فإذا أفضى الأمر إلى هذا وتأكد بالأيمان، قدرنا صيغة العقد كانت على الاختلاف. والجواب: عن الأول على تقدير صحته أن المراد: ترادَّا بالفسخ؛ جمعًا بين الأحاديث؛ لأن في بعضها إثبات الخيار، وعن الثاني: أن الانفساخ يقع بلعان الزوج، ولا يقع بيمين أحد المتبايعين، فلا يصح اعتبار أحدهما بالآخر، وإنما وقع بلعان الزوج؛ لأن يمينه قائمة مقام طلاقه، بخلاف ما نحن فيه. وعن الثالث: أن ذلك باطل بما إذا حصل ذلك بالبينة من كل منهما، وإذ والصحيح المنصوص أنه لا ينفسخ إلَّا بالفسخ. قال الشافعي في "المختصر": "فإذا حلفا معًا قيل للمشتري: أنت بالخيار" (١)، وهذا نص. وقال القاضي أبو حامد فيما حكاه القاضي أبو الطيب (٢): إن هذا هو المنصوص للشافعي في كتبه الجديدة والقديمة لا أعرف له غير هذا؛ لأنه قال: إذا تحالفا فللبائع أن يأخذ بما حلف المشتري عليه، وللمشتري أن

стр. 108

ياخذ بما حلف البائع عليه. وقد أطبق الأصحاب على تصحيح هذا القول، إلَّا سلامة المقدسي شارح "المفتاح"، فإنه صحح الانفساخ بنفس التحالف، وكذلك يقتضيه كلام أبي الحسن بن خيران في "اللطيف". واستدلوا له بحديث ذكروه، أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وللمبتاع الخيار"، ولا أعرف هذا الحديث، وإنما في الحديث إثبات الخيار للمشتري بعد حلف البائع، والتحالف لا يُعرف له ذكر في طرق الحديث، فأولى الاستدلال بالمعنى لكلٍّ من الوجهين كما فعل المصنف. ومما استدل به لهذا القول من جهة المعنى: ما ذكره المصنف من القياس على البينة من طريق الأولى، ولأنَّ البيع وقع صحيحًا باتفاقهما، فلا ينفسخ إلَّا بالفسخ كسائر البيوع. وقد ينقض هذه بمسألة اختلاط الثمار ونحوها حيث قلنا بالانفساح على قول، وكذلك في العبد إذا أبق، ولا جرم ظنَّ ابن الرفعة (١) أن ذلك يجوز أن يكون مأخذ القائل بالانفساخ لا ما ذكر من الاستدلال له، وفيما قال نظر؛ لأن ذلك محله إذا كان قبل تمام القبض، والتحالف ها هنا قد يكون بعد القبض التام، والخلاف جارٍ فيه، وبالجملة؛ فالقول بالانفساخ بنفس التحالف مع علمنا بوقوع البيع الصحيح، وبقاء المبيع على صفته لا وجه له. وقد أشار المصنف إلى هذا المعنى بقوله: لأن العقد في الباطن صحيح؛ لأنه وقع على ثمن معلوم، وفي ضمن ذلك رد لقول الأول أنه صار الثمن مجهولًا.

стр. 109

التفريع: إن قلنا: ينفسخ بنفس التحالف فتصادقا بعده، لم يعد البيع، بل لا بد من تجديد عقد، هكذا أطلقه الخراسانيون والرافعي (١)، ومن العراقيين الشيخ أبو حامد، وجزموا به، وسيأتي عن العراقين إجراء الخلاف في أن الانفساخ بنفس التحالف هل ينقد باطنًا أو لا (٢)؟ ويأتي عن المحاملي أن في الفسخ إذا قلنا: لا ينقد باطنًا أن لهما أن يتقارَّا على العقد، ومن مجموع هذين يأتي هنا خلاف في أنهما تصادقا، هل يحتاج إلى تجديد عقدٍ أو لا؟ ثم على المشهور هل ينفسخ في الحال أو تبين ارتفاعه من أصله؟! فيه وجهان؛ أصحهما الأول؛ لنفوذ تصرفات المشتري قبل الاختلاف، هكذا قالوه، وهو يقتضي أن نفوذ تصرفات المشتري متفق عليه. وكذلك قال الإمام: "إنه لا خلاف أن المشتري لو كان تصرف تصرفًا مزيلًا للملك، ثم فرض الاختلاف من بعدُ، فلا يتبيَّن فساد العقد وارتفاعه" (٣)، وقال أيضًا: "إنه لا خلاف أن الزوائد التي حدثت بعد العقد وقبل التخالف مقررةٌ على المشتري" (٤). لكن الإمام قال عقب ذلك: "إن الشيخ أبا علي ذكر في تفريع مذهب الفارسي: أنا نتبين فساد التصرفات التي جَرت قبل التحالف، قال: وهذا وفاء بحق التبين والاستناد، ومَصيرٌ إلى أنَّا نجعل كأَنَّ العقد لم يَجْرِ، وهذا يتضمن ارتدادَ الزوائد إلى البائع لا محالة. هكذا ذكر الشيخ أبو علي" (٥).

стр. 110

ثم استبعد الإمام ذلك، وقد قدمت بعض هذا التفريع عند تحرير مذهب الفارسي، وأنه قائل بارتفاعه من أصله وذلك النقل عنه مستفاد من كلام الشيخ أبي علي، هذا وحينئذ لا يصح الاستدلال عليه بنفوذ تصرفات المشتري؛ إذ لا يسلم ذلك، لكن يستدل لذلك بالدليل الدال على أن الفسوخ كلها لا دفع العقود من أصلها، بل من حينها. وقد صرح صاحب "التتمة" بإثبات الخلاف في الزوائد الحاصلة بعد العقد، أما من العين كالولد، والنتاج، والثمرة، والبيض، واللبن، أولًا من العين؛ كالكسب والغلة، وقال: إن قلنا: نتبين أن لا عقد، فيجب رد الجميع على البائع، وإذا قلنا: يفسخ بعد التحالف، فالزوائد كلها للمشتري وجزم بنفوذ التصرفات. وإن قلنا: يرتفع العقد من أصله قال: لأنا نجعل كأن العقد لم يكن بين المتعاقدين بيمينهما؛ لأن يمينهما حجة عليهما. فأما فيما يتصل بحقٍّ ثالث، فلا يجعل ليمينهما حكم، وصار كرجل اشترى عبدًا وباعه من آخر، ثم إن المشتري الأول مع البائع الأول اتفقا على أن العقد حين الأصل يحكم بارتفاع العقد بينهما من الأصل حتى يجب على البائع رد الثمن على المشتري، وعلى المشتري ردِّ ما في يده من اكتسابه على البائع، ولكن لا يقبل قوله في حق المشتري الثاني حتى لا ينتزع العبد من يده، وهذا الذي قاله فيه نظر إذا قلنا بالانفساخ ظاهرًا وباطنًا، بخلاف الإقرار الذي هو حجة في الظاهر فُقد، ومن جملة التصرفات التي يمضيها الإجازة ولا النكاح والأجرة كالمهر ملك للمشتري. قلت: أما عدم إبطال عقد الإجارة الماضي فظاهر، وأما الحكم ببقاء الإجارة، فسيأتي أنه كمن أجر داره ثم باعها. والله أعلم. وإذا قلنا: أنه لا بد من إنشاء الفسخ، فمَن الذي يفسخه؟! فيه وجهان؛

стр. 111

أحدهما: وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ، والقاضي حسين، وصاحب "التتمة" والروياني في "الحلية" وابن أبي عصرون، وهو الذي أورده الغزالي في "الخلاصة": أنه لا بد من الحاكم لفسخ النكاح بالعيب، هكذا قاسه المصنف وقاسه القاضي حسين والرافعي (١) وغيرهما على العُنَّة وقاسه الماوردي عليهما معًا، وقاسه الشيخ أبو حامد على العُنَّة والإعسار بالنفقة (٢). وهذه المسائل الثلاث مختلف فيها أيضًا، ففسخ النكاح بالعيب فيه وجهان: أحدهما: لا بد من الرفع إلى الحاكم، وهو اختيار الشيخ أبي حامد وابن الصباغ، ومال إليه الرافعي (٣). والثاني: ينفرد به الزوجان، وهو جواب الإمام، ورجحه مرجحون، وهذا الخلاف في استقلال الزوجين قبل المرافعة، وأما العُنَّة فلا بدَّ من الرفع إلى القاضي، فإذا رفعت إلى القاضي وجاء وقت الفسخ هل تستقل المرأة بالفسخ؟! فيه وجهان أقر بهما، وذكر في "التتمة" أنه المذهب: الاستقلال. والثاني: أن الفسخ إلى القاضي فيفسخ بنفسه أو بأمرها بالفسخ، ويشبه أن يكون هذا الخلاف بعينه جاريًا في عيب النكاح بعد المرافعة. وأما الإعسار بالنفقة فقيل: إنها تستقل به لخيار الرد بالعيب، والصحيح أنه لا بد من الرفع إلى القاضي. ثم فيه وجهان؛ أصحهما: أن القاضي يفسخ بنفسه أو يأذن لها في الفسخ. والثاني: أنها تستقل بالفسخ بعد ثبوت الإعسار عنده، هذا ما حكاه

стр. 112

الرافعي في المسائل الثلاث (١). وقد ظهر لك منه أن في العيب والعنة الأرجح عنده الاستقلال، وفي الإعسار الأرجح أنه لا بد من القاضي، ودلك يقدح في قياس الرافعي هنا على العُنَّة، ولا يتم القياس المذكور إلَّا من عند من يرى أنه لا يتعاطى الفسخ بالعنة وعيب النكاح إلَّا القاضي، وهو خلاف ما قال صاحب "التتمة" أنه المذهب، وسكت الرافعي عليه بعد حكايته. وقال الإمام: "قال بعض أئمتنا: القاضي هو الذي يفسخ النكاح عند تحقق العُنَّة وجهًا واحدًا، والزوجة تتعاطي الفسخ بالإعسار بالنفقة، قال: ولستُ أرى بين العُنَّة والإعسار فرقًا، فإن الأمرين جميعًا متعلقان بالاجتهاد، فليخرَّج الأمر فيهما على التردد الذي ذكرناه في التحالف" (٢). والوجه الثاني: أن للمتعاقدين أن يفسخا، ولأحدهما أن ينفرد به كالرد بالعيب؛ لأن النقص دخل على كل منهما، فهما كمتبايعين وجد كل منهما بما حصل له عينًا. وقال الغزالي (٣) تبعًا للإمام (٤): إنه الأقيس وقاسه على فسخ البائع بإفلاس المشتري، وصححه الغزالي في "البسيط" والجرجاني، وقال الرافعي: "أنه الأظهر" (٥)، ورده ابن الصباغ بأنا لا نعلم أيهما يستدرك ظلامته؛ لأن أحدهما ظالم، وإنما يفسخه الحاكم؛ لتعذر إمضائه في الحكم. قلت: وهذا أحسن، وتصحيح الفسخ إذا صدر من الظالم وحده بعيد، ثم

стр. 113

إن كلام الرافعي يقتضي أن حقيقة هذا الوجه أن لكل منهما أن يفسخ مع أن للحاكم أن يفسخ أيضًا، فيكون الفسخ ثابتًا لكلٍّ من الثلاثة، وعلى هذا يكون للحاكم الفسخ بلا خلاف، وإنما الخلاف في ثبوته للمتعاقدين. فعلى الوجه الأول: لا يثبت، وعلى الأصح: يثبت لهما أيضًا، ورأيت أكثر الكتب ساكتة عن ذلك، وفي قياسهم على الرد بالعيب ما يمنع منه. ألا ترى إلى قول الماوردي: "أيهما فسخ صح اعتبارًا بفسخ العيوب الذي يكون موقوفًا على المتعاقدين دون غيرهما" (١)، وألا ترى إلى قول الشيخ أبي حامد بعد حكاية الخلاف أنه حصل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الفسخ يقع بنفس التحالف. والثاني: بالتحالف وفسخ الحاكم. والثالث: بالتحالف وفسخ أحدهما. وكذلك عبر الشيخ أبو (٢) حامد ممن تبعه، ولم يذكروا الحاكم على هذا الوجه، ورأيت في "الإشراف" لأبي سعد الهروي ما يقتضي المنع منه، فإنه قال تفريعًا على أنهما يفسخان، أن معناه: أن القاضي يقول لهما: إما أن ترضيا بأحد الثمنين، وإما أن أحملكما على الفسخ بالإجبار. نظيره المُولِي إذا امتنع عن الفيئة أجبره القاضي على الطلاق بالحبس. قلت: فهذا الكلام يدل على أن القاضي لا يتولى الفسخ بنفسه على هذا القول، وإلَّا لما احتاج إلى الإجبار، لكنه لما نظره بالمُولي اقتضى ذلك أنهما إذا امتنعا من الفسخ، وداما على التنازع للقاضي أن يفسخ؛ لأجل امتناعهما كما يطلق على المُولي إذا امتنع، ولا يكون له من الأول أن يفسخ، كما يفهمه كلام الرافعي (٣) حتى لو فسخ قبل امتناعهما لم ينفذ،

стр. 114

فتحرر أنه على هذا القول الفسخ حق لهما، لا يتعاطاه الحاكم إلا بامتناعهما، فحينئذ يتعاطاه كما في المُولي على الأصح أو يجبرهما عليه على قول، كنظره في "الإملاء"، وعلى الوجه الأول يتعاطاه الحاكم أو مَنْ يفوضه إليه، وليس لهما أن يتعاطياه بغير إذنه، فهذا أقرب إلى القياس، وإما أنَّا نفوض الأمر إلى خبرة (١) الحاكم والمتبايعين من أراد منهم فسخ العقد فليس عهد بذلك، ولا ينحى في هذا قول الرافعي (٢): أن الحاكم إنما يفسخ إذا استمر على النزاع؛ لأنه لا يلزم من ذلك امتناعهما بعد طلبه. فرع إذا قلنا بإنشاء الفسخ، فهل يرتفع العقد من حين الفسخ أو من أصله، والقياس أن يأتي فيه الخلاف كالرد بالعيب، فإن الخلاف فيه بعد القبض وقبله، وحينئذ يأتي من الكلام في الزوائد، ويتبع التصرفات بالقبض ما قدمناه في التفريع على الانفساخ بنفس التحالف، وإن كان الأصحاب لم يصرحوا بذلك هنا. وقد كنا قدمنا في باب الرد بالعيب أنا لا نعلم خلافًا في عدم رد الزوائد إذا كان الرد بعد القبض، والذي حكيناه هنا عن الإمام (٣) في تفريع الشيخ أبي عليٍّ على قول الفارسي. وعن صاحب "التتمة" على قول الانفساخ يقتضي قوله: رد الزوائد، فإما أن يحمل ذلك على ما إذا جرى التحالف قبل القبض، وإما أن يلحق الخلاف هناك، ولا يتجه فرق بين الفسخ والانفساخ إن قيل بارتفاع العقد من أصله فيهما، فإنه يلزم منه رد الزوائد، وإن لم يصرحوا به. فرع حيث قلنا: للحاكم الفسخ، فذلك إذا التمسا الفسخ، او استمرَّا على النزاع، فإن القاضي لا يمكِّنهما من ذلك، بل يفسخ إما

стр. 115

استبدادًا على الوجه الثاني القائل بأن الفسخ للحاكم، وإما بعد أمرهما وامتناعهما على الوجه الثالث القائل بأن الفسخ للمتبايعين، فإن الحاكم إذا أمرهما وامتنعا فسخ خلافًا لإطلاق الرافعي المقتضى؛ لأن الحاكم يفسخ عند استمرارهما على المنازعة من غير عرض الفسخ عليهما وامتناعهما منه. والحاصل: أنا إذا قلنا: الفسخ للمتبايعين، فلا حق للحاكم فيه إلَّا إذا امتنعا منه، فيقوم عنهما كما في سائر الحقوق الواجبة، قال أبو سعد الهروي: وغلط من قال من أصحابنا: إن الفسخ من القاضي يقف على طلب المتبايعين أو أحدهما؛ لأن القاضي لا يتركهما يتماديان في الخصومة، بل يقول لهما: إما أن ترضيا بأحد الثمنين، وأما إن أفسخ بينكما، كالفسق بالشقاق بين الزوجين، وكمسألة المُولي لنا أما إذا أعرضا عن الخصومة ولم يتوافقا على شيء، ولكن زعم المشتري أنه ترك المبيع في يد البائع إن كان قبل القبض، وقال البائع: لست أطالب المشتري بالمزيد الذي ادعيته فاتركنا، ولا يفسخ العقد بيننا، ففيه تردد الإمام (١)، والذي قاله الماوردي: "أنه لا يجوز للحاكم الفسخ إلا عن مسألتهما بعد عرض ذلك على كلٍّ منهما، كما يعرضه على الثاني بعد يمين الأول" (٢). قلت: ومن ذلك يتبين أن الحاكم لا يبتدر الفسخ بعد التحالف، وكذلك يقتضي كلام كثير من الأصحاب إذا فوضنا الفسخ إليهما إن ذلك مشروطًا بامتناعهما، فحينئذ يجوز لكل منهما، ولا للحاكم أن يبتدر الفسخ حتى يتحقق عدم الرضا منهما، فلو رضي أحدهما لم يجز الفسخ، ولا خلاف في ذلك، وإنما نبهت على ذلك؛ لأن عبارة بعض المختصرات توهم استقلال

стр. 116

كل منهم بالفسخ، وذلك محمول على ما قلناه، وممن (١) صرح باشتراط ذلك صاحب "التهذيب"؛ إذ قال: "ولكل واحد منهما انفراده إذا لم يوافقه صاحبه" (٢)، وكلام الرافعي (٣) وغيره أيضًا يقتضي ذلك، وإنما الذي تقدم التوقف فيه من كلام الرافعي إيهامه أن فسخ الحاكم يكون عند استمرارهما عند المنازعة من غير طلبهما للفسخ ولا امتناعهما منه، وينبغي أن يحمل كلامه على حالة الامتناع، وإن كانت عبارة "المنهاج" (٤) و"الحاوي" (٥) بعيدة عن هذا التأويل. تنبيه: تقدم من كلام ابن الصباغ ورده القول بأن لكل من المتبايعين الفسخ بأنا لا ندري المظلوم منهما، وهذا الكلام يقتضي أنه إن صدر الفسخ منهما جميعًا صح دون ما إذا صدر من أحدهما، وذلك يأتي منه وجه رابع غير الثلاثة المتقدمة لا يعرف أحدًا قال به إلَّا ما سنذكره في الانفساخ باطنًا، وقول الإمام (٦) إنه إن صدر من المحق نفذ باطنًا وإلَّا فلَا، والأصحاب ها هنا في تفويض الفسخ إلى المتبايعين وجهوه بأن البائع لم يسلم له الثمن والمشتري لم يسلم له السلعة، فهما كمتبايعين وجد كل منهما عيبًا، وهذا الكلام من الأصحاب إن صح وجب أن يقال مثله في الانفساخ باطنًا سواء أصدر من المحق أم من غيره، وإلَّا يأتي التفصيل الذي سنحكيه عن الإمام،

стр. 117

والأقرب عدم صحته؛ لأنا نقطع بأن الظالم منهما لم يثبت عليه شيء، ولو صدق وصل إلى حقه، فتشبيهه بمن وجد عيبًا ممتنع، فيجب أن يفوض إليه الفسخ باطنًا ولا ظاهرًا؛ لعدم تحقق موجبه، وأن ياتي وجه رابع كما اقتضاه كلام ابن الصباغ أنه لا ينفسخ إلَّا بفسخهما جميعًا؛ ليعرف فسخ المحق منهما أو فسخ الحاكم، ولم أر أحدًا ذكر هذا الوجه، ويجب القول به، ويبعد كل البعد أن يكون البائع بظلمه وجحده الحق مع تمكنه من الوصول إلى الثمن الذي وقع به العقد يتسلط على الفسخ، وقد رأيت الشاشي ﵀ في "الحلية" نقل الخلاف في أن الفسخ للحاكم أو للمتبايعين، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد وجهًا آخر أن لكل واحد منهما أن ينفرد بفسخه. قلت: وهذا الكلام يقتضي إثبات الوجه الرابع الذي أشرت إليه، وأنه فهم من قولهم الفسخ للمتبايعين اجتماعهما على الفسخ ومغايرته لما حكاه الشيخ أبو حامد، وهو إن كان متجهًا في المعنى لكني متوقف في إثباته نقلًا، فإن الشاشي ﵀ أخذ ذلك من ابن الصباغ، وابن الصباغ حكى القول بأن الفسخ للحاكم لم يقل ما حكاه الشيخ أبو حامد، ولم ينقل غير ذلك، والشيخ أبو حامد حكى ذلك في "تعليقته" كذلك، وغيره من الأصحاب؛ منهم من يطلق أن الفسخ للمتبايعين. ومنهم من يبين أن المراد لكل منهما كما بينه الشيخ أبو [حامد] (١)، ولم أر أحدًا جمع بينهما، كما فعله الشاشي. فيحتمل: أن تكون العبارتان راجعتين إلى معنى واحد، كما ذكرناه ولا يكونان وجهين، كما ظنه الشاشي. ويحتمل: أن يكونا وجهين متغايرين كما ظنه، وهو متجه في المعنى بعيد في الحكاية.

стр. 118

قال المصنف ﵀: فصْل [الفسخ ظاهرًا أو باطنًا] وإذا فسخ أو انفسخ، فهل ينفسخ ظاهرًا وباطنًا أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ينفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه فسخ بالتحالف، فوقع ظاهرًا وباطنًا كفسخ النكاح باللعان، ولأنه فسخ بيع؛ لاستدراك الظُّلامة، فصح ظاهرًا وباطنًا، كالرد بالعيب. والثاني: أنه ينفسخ في الظاهر دون الباطن؛ لأن سبب الفسخ هو الجهل بالثمن، والثمن معلوم في الباطن مجهول في الظاهر، فلما اختصت الجهالة بالظاهر دون الباطن اختص البطلان بالظاهر دون الباطن. والثالث: [أنه] (١) إن كان البائع هو الظالم وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن؛ لأنه يمكنه أن يصدق المشتري، ويأخذ منه الثمن ويسلم إليه المبيع؛ فإذا لم يفعل كان ممتنعًا من تسليم المبيع بظلم، فلم ينفسخ البيع، وإن كان البائع مظلومًا، انفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه تعذر عليه أخذ الثمن ووجد عين ماله، فجاز له أن يفسخ ويأخذ عين ماله، كما لو أفلس [المشتري] (٢)، ووجد البائع عين ماله.

стр. 119

فإن قلنا: إن الفسخ يقع في الظاهر والباطن، عاد المبيع إلى ملك البائع، وإلى تصرفه. وإن قلنا: أن الفسخ في الظاهر دون الباطن نظرتَ: فإن كان البائع هو الظالم، لم يجز له قبض المبيع والتصرف فيه، بل يلزمه [أن يأخذ] (١) ما أقرّ به المشتري من الثمن، ويسلم المبيع إليه، وإن كان مظلومًا، لم يجز له التصرف في المبيع بالوطء والهبة؛ لأنه على ملك المشتري، ولكن يستحق البائع الثمن في ذمة المشتري، ولا يقدر على أخذه منه، فيبيع من المبيع بقدر حقه، كما نقول فيمن له على رجل دين، ولا يقدر على أخذه منه، ووجد شيئًا من مالِه. الأوجه الثلاثة في حالة الفسخ مشهورة في الطرق، وأما في حالة الانفساخ إذا قلنا به بنفس التحالف، فكذلك على ما قاله المصنف، والشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، والماوردي (٢) والمحاملي، وابن الصباغ، وصاحب "التتمة" وغيرهم (٣). وجزم طائفة بالانفساخ ظاهرًا وباطنًا منهم القاضي حسين، والفوراني، والإمام (٤)، ولأجل ذلك قال الرافعي: "إنهم اختلفوا في جريان الخلاف" (٥)، وسمى النووي في "الروضة" (٦) اختلافهم في ذلك

стр. 120

وجهين، والأصح طريقة إجراء الخلاف؛ لأن الأكثرين عليها، ولأن مدارك الخلاف موجودة في الحالتين. وأما الترجيح فمختلف كما سيأتي، وهل يطرد الخلاف في جميع صور إنشاء الفسخ سواء أصدر من القاضي أم من المتعاقدين أو مختص ببعض الأحوال الذي دل عليه كلام الشيخ أبي حامد في "التعليقة الكبرى"، والمحاملي في "المجموع": أنه جاز مطلقًا، ورأى الإمام (١) أنه يختص من صور النسخ بفسخ القاضي، فإن فسخه يرجع إلى مصلحة. قال الغزالي: "والظاهر الانفساخ باطنًا؛ لينتفع به المحق" (٢). وأما فسخ المتعاقدين إذا رأيناه، قال الإمام (٣): فإن صدر من المحق، فالوجه بتقيده باطنًا، وإن صدر من المبطل، فالوجه القطع بمنعه، وإن صدر منهما، فلا شك في الانفساخ باطنًا، وليس كذلك موضع الخلاف؛ لأنه صدر من محق بيقين، فإن كان هو البائع، فكالرجوع بالفلس، وإن كان المشتري فالمبيع لم يسلم بالثمن الواقع في علم الله تعالى، فإذا تعذر استيفاء المبيع على الجهة المستحقة في العقد، فثبوت الخيار للمشتري أوجه، فإِنَّ مَنْ لم يثبت الخيار للبائع تعذر الفلس، أثبت الخيار للمشتري بتعذرات؛ نظرًا على المبيع، وعلل في "الوسيط" (٤)، فيما إذا صدر منهما بأن ذلك كالإقالة، وهو بعيد، فإن الإقالة يشترط فيها أن تكون واردة منهما على هبة العقود من الإيجاب والقبول. والفسخ ها هنا قد لا يكون على هذه الصفة، بل يكون صادرًا من كل منها

стр. 121

على وجه الاستقلال مع تراخي أحدهما عن الآخر، وتعليل الإمام سالم عن هذه الأعراض، غير أنه إنما يتم له ذلك في الصور الثلاث بعد تقرير أن فسخ البائع إذا كان محقًّا كرجوع المفلس، وفسخ المشتري المحق أولى، والذي يخص الانفساخ بالظاهر مطلقًا قد سارع في ذلك؛ لأنه إنما تعذر بتقيده في الظاهر دون الباطن، وكل منهما قد يتوصل إلى الظَّفَر بحقه، بخلاف الفلس والتعذرات المحققة الموجبة لفسخ المشتري، ولو أن أحد المتبايعين جحد الآخر البيع بالكلية وحلف عليه ولم يكن للمدعي بينة فما أظن الأصحاب يسمحون بإثبات الفسخ له فضلًا عن القطع به، ولو كان التعذر في الظاهر مبنيًّا لذلك لكنا نقول للمدعي: إن كنت محقًّا، فلك فيما بينك وبين الله تعالى أن تفسخ. نعم قد تقدم من نقل الهروي عن الشافعي نص (١) يقتضي التعريض يقول: إنه بالجحود والحلف ينفسخ العقد، والمشهور خلافه، وأيضًا فليس فيه إثبات الفسخ لأحدهما، لكن قد يقال: إن الشرع لما جوز الفسخ بعد التحالف فالأليق أن يعوض ذلك إلى المحق ونتيجته الانفساخ باطنًا، ولما كان المحق غير معلوم كان لنا في الطريق إليه أمران؛ إما أن يقول بفسخ كل منهما، فيتحقق صدور الفسخ من المحق، كما نبهت عليه فيما تقدم، وقلت: إنه لم يصرح به أحد من الأصحاب مع حسنة واحدة من كلام ابن الصباغ، وإما أن يقال: إنا نعوضه في الظاهر إليهما ونحكم بانفساخه بكل منهما ظاهرًا، فمن كان هو المحق، وفسخ؛ فقد نفذ ظاهرًا وباطنًا، والحاكم كالمحق؛ لأنَّا نقطع بتفويض الفسخ إليه؛ إما استقلالًا: إما على وجه، وإما بحكم امتناعهما على وجه. والطريقة الأولى أقرب إلى التحقيق، والثانية أقرب إلى كلام الأصحاب، وعلى كل حال، فيظهر في فسخ المحق الانفساخ ظاهرًا وباطنًا ولا يلزم

стр. 122

القطع بذلك ونفي الخلاف، بل إن هذا هو الراجح، وفي فسخ المبطل عدم الانفساخ باطنًا، وفي نسخ الحاكم أنه كفسخ المحق. واعلم أن إطلاق الوجه الثالث يشمل ما إذا كان الفاسخ هو البائع أو المشتري أو الحاكم، لكن الحكم بالانفساخ باطنًا؛ لكون البائع مظلومًا، وقد صدر الفسخ من المشتري وحده مشكل، وعلة الوجه المذكور لا يقتضيه، وقد تقدم التنبيه على ذلك، والحكم بعدم الانفساخ باطنًا إذا كان البائع ظالمًا، وقد صدر الفسخ منه صحيح. لكن إذا صدر الفسخ من المشتري أو الحاكم، ينبغي النفوذ باطنًا؛ لأن المشتري مظلوم، فكما رفعنا العقد؛ مراعاة لحق البائع يرفعه؛ مراعاة لحق المشتري، إلَّا فما الفرق؟ وكيف يجري الوجه المفصل في فسخ الحاكم أو المشتري؟ وقد خطر لي في حل هذا الإشكال أمور غير سالمة من نظر: أحدها: أن يحمل كلام الأصحاب على صورة واحدة، وهي: ما إذا كان الفاسخ هو البائع كما يرشد إليه علة الوجه المذكور التي ذكرها المصنف حتى إذا كان الفاسخ هو المشتري ينعكس الحكم، وهذا يرده قول المصنف في أول الفصل، إذا فسخ أو انفسخ، فإن ذلك يقتضي جريان الوجه الثالث على القول بالانفساخ. وثانيها: أن يحمله على ما إذا كان الاختلاف والثمن في الذمة، وحينئذ يرجح جانب البائع على جانب المشتري، فإن البائع لو لم يفسخ بقيت العين على ملك المشتري، وحصل للبائع الضرر، والمشتري إذا لم يفسخ لم يحصل له ضرر؛ لأن الثمن الذي في ذمته لا يجب عليه تسليم ما لم يتسلم العين، فكذلك مكنا البائع من الفسخ دون المشتري، وينطبق عليه تفصيل صاحب الوجه المذكور، وكونه خص ذلك بالبائع، واستشعرت هذا من

стр. 123

قول الرافعي عقب حكاية الأوجه المذكورة: "أن هذا كله مفرغ في قالب واحد، وهو أن يكون الاختلاف في قدر الثمن، وللإمام عبارة تحوي هذه الصورة وغيرها من الصور" (١). وذكر تفصيل الإمام (٢) بين فسخ المحق وغيره، وهذا الحمل لو صح لاقتضى القول بالفسخ باطنًا فيما إذا كان المحق هو المشتري، والثمن معين، فإنه حينئذ يكون كالبائع، وحينئذ يقال: الفسخ ينفذ باطنًا، إذا صدر من المحق، وكان يتوصل إلى استرجاع عين، وفي ذلك موافقة للإمام من وجه دون وجه، لكن هذا يخدشه أن المشتري أيضًا قد يكون له غرض في ارتفاع العقد باطنًا، وإن كان الثمن في الذمة؛ لأن المبيع إذا بقي على ملكه تلحقه جنايته وتجب عليه فطرته، وقد يقال: تجب عليه نفقته كالمغصوب؛ لأن المنع من التمكن ليس منه، وإذا كان للمشتري اتجه أن يمكنه من الفسخ ورفعه باطنًا لحقه كالبائع. وثالثها: إذا جعل الوجهين الأولين عامَّين في حالة الفسخ والانفساخ، ورخص الوجه الثالث بحالة الفسخ، وهذا وإن كان صدر كلام المصنف يخالفه فهو أقرب من حيث المعنى؛ لأن الانفساخ لا فرق فيه بين البائع والمشتري، إلَّا أن يقال: جانب البيع أرجح، كما بدأنا به في اليمين، وهو بعيد في هذا الموضع. وعند هذا يتبين الأقرب أنا إذا قلنا بالانفساخ ارتفع باطنًا، وإن قلنا بالفسخ نفذ من المحق أو الحاكم دون غيرهما، ولا يلتزم نفي الخلاف في شيء من ذلك، كما اقتضاه كلام الإمام (٣).

стр. 124

وقد ذكر الرافعي (١) ﵀ الأوجه الثلاثة، ولم يصحح منها، ثم ذكر ما قلناه إن [ذُكِر مفرع في قالب واحد] (٢)، وهو أن يكون الاختلاف في قدر الثمن، وللإمام عبارة تحوي هذه الصورة وغيرها إلى آخره، وهذا الكلام منه يشعر بأن كلام الإمام التحالف ما تقدم في المعنى، وأنت قد بان لك أنه مخالف، وأنه يحسن أن تَجعل وجهًا غير الثلاثة المتقدمة في كلام الرافعي وغيره. ثم الرافعي ﵀ إن أراد أن يكون الثمن في الذمة؛ فهو متجه بعض اتجاه على ما قدمته في تخريج كلام الأصحاب، وأنه لا ضرورة للمشتري إلى الفسخ حينئذ، لكني أوردت عليه ما تقدم، وأيضًا فعبارة الرافعي ليست موفية بذلك؛ إذ الاختلاف في قدر الثمن قد يكون وهو معين، وقد يكون الثمن في الذمة، ولا يختلفان في قدره، بل في جنسه أو صفته. ثم إن النووي ﵀ أسقط في "الروضة" (٣) هذا الكلام، واقتصر حكاية كلام الإمام مخالف، وهو وإن سلم من هذا الإشكال، فلم يوف بالاختصار، وأوهم أن كلام الإمام مخالف للأوجه الثلاثة، وذلك وإن كان حقًّا، فهو مخالف لمدلول كلام الرافعي (٤). ثم إن النووي أسقط في "الروضة" (٥) نسبة تعليل نفوذ الفسخ منهما إلى "الوسيط" (٦)، وجعله مدرجًا مع كلام الإمام، وعطف عليه أنه إن صدر من المبطل، فطريق إنشاء الفسخ، وإن صدر من القاضي، فالظاهر الانفساخ باطنًا ويقويه من عبارة "الروضة" أن ذلك بقية كلام الرافعي، وهو من كلام الغزالي ذكره الرافعي بعد حكايته عنه التعليل المذكور عن "الوسيط" (٧)،

стр. 125

وإذا أردت ذلك، فانظر "الشرح" (١) و "النهاية" (٢) و "الروضة" (٣). وقد بقي من شرح هذه المسألة أمران: أحدهما: أن العراقيين أطبقوا على حكاية الأوجه الثلاثة، هكذا مرسلة في الأموال كلها في هذا الباب، والماوردي (٤) وغيره من العراقيين قالوا في كتاب الدعاوى: إن قلنا: العقد ينفسخ بنفس التحالف؛ انفسخ ظاهرًا وباطنًا. وإن قلنا: يفسخه الحاكم، فهو لا يجوز له ما لم يعرض عليهما الرضا بأحد الأمرين، فإذا عرض عليهما ذلك وأبياه وفسخه، هل ينفسخ ظاهرًا فقط أو ظاهرًا وباطنًا فيه وجهان، وفي هذا بعض الموافقة لطريقة الخراسانيين، [والخراسانيون] (٥) لم يرسلوا الأوجه الثلاثة هكذا، بل لهم طريقان على القول بالفسخ: إحداهما: إن كان المشتري كاذبًا انفسخ باطنًا، وإن كان البائع كاذبًا فوجهان، وهذه طريقة القاضي حسين والفوراني. والثانية: إن كان البائع كاذبًا فلا ينفسخ باطنًا وجهًا واحدًا، وإن كان صادقًا فوجهان، وهذه طريقة الشيخ أبي محمد. قال الإمام: "والطريقة المشهورة هي الأولى" (٦)، ومن الطريقتين ينتظم ثلاثة أوجه تفريعًا على قولنا: إن العقد لا ينفسخ بنفس التحالف، وأما إذا قلنا: ينفسخ بنفس التحالف، فالمراوزة المذكورون يطبقون على الانفساخ باطنًا.

стр. 126

والوجه الثالث المذكور، قال الماوردي: "إن أبا إسحاق المروزي أشار إليه" (١)، والوجهان الأولان أطلق في "التعليق" عن ابن أبي هريرة أنهما قولان، وإذا قلنا بأن الفسخ لا ينفذ باطنًا إذا صدر من المبطل على الأصح، فطريق الصادق أنشأ الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه هكذا، قاله الغزالي (٢) والرافعي (٣) عنه كما تقدم، وهو مستمر على قولنا: إن الفسخ من الصادق نافذ أو منهما. أما من يقول: بأن الفسخ يختص بالظاهر مطلقًا، كما هو الوجه الثاني، فلا نقول بذلك، وإذا صدر الفسخ من الحاكم. وقلنا: بالوجه الضعيف أنه لا ينفذ باطنًا. قال الإمام: "فالظاهر أنه ينفذ فسخ المحق باطنًا، وإن كان لا يستقل به في الظاهر. هكذا ذكره شيخي، والدليل الباتُّ فيه: أنا لو لم نثبت هذا المسلَك، لما كان في الحكم بالفسخ ظاهرًا فائدة" (٤). قلت: وهذا على قوله: إن الفسخ إذا صدر من المحق حيث يفوضه إلى المتعاقدين نافذ قطعًا، أما من يخصه بالظاهر مطلقًا، فلاءَمَ على طريقته الاحتمال منقدح فيه إذا قلنا: الفسخ يختص بالقاضي، ودعوى الإمام أنا لو لم نثبت هذا المسلك لم يكن في الفسخ فائدة قد يمنع بأن فائدته الظفر بمال من له عليه حق. الأمر الثاني: في الاستدلال للأوجه المذكورة: أما الأول: القائل بالانفساخ باطنًا، فقاسه في الكتاب على اللعان، والرد

стр. 127

بالعيب. وقاسه الشيخ أبو حامد مع ذلك على النكاحين إذا لم يعلم السابق منهما، فإنا نفسخ العقد في الظاهر والباطن. وأجاب عنه: بأنا جهلنا عين السابق ولا نرجو التوصل إليه فيما بعد، وها هنا وإن جهلنا عين الثمن، فلم نأيس من الوقوف عليه فور أنه أن يعلم عين السابق في النكاح، ولكن أشكل بعد ذلك، فتوقف، ولأجل ظهور والجواب عن هذا القياس - والله أعلم - تركه المصنف. والجواب: عن قياسه على اللعان تقدم في تقرير أنه لا ينفسخ بنفس التحالف، وأما قياسه على العيب: ففيما إذا صدر الفسخ من المحق قياس صحيح، بل هو فرد من أفراد العيب، فلا جرم نقول بالانفساخ باطنًا. وأما إذا صدر من غير المحق، فالجواب: أن الموجب للانفساخ باطنًا هو العيب، وهو حاصل في الباطن، ولا كذلك هنا، وبهذا نعلم تقرير الوجه الثاني، فيما إذا صدرَ الفسخ من غير المحق. وجوابه إذا صدر من المحق: فالحق من الوجهين التفصيل كما ذكره الإمام، لا كما أطلقه صاحب الوجه الثالث، ولا شك أن هذا التفصيل في الانفساخ باطنًا بين المحق وغيره هو الصحيح. أما الانفساخ ظاهرًا: إذا صدر من غير المحق، ففي النفس منه مسألة قد تقدم التنبيه عليها ولم ينج منها من القائلين بالفسخ إلَّا من قال: بأن الفسخ يختص بالحاكم، كما رجحه ابن الصباغ وغيره أو من يقول بأنه لا ينفذ الفسخ ظاهرًا ولا باطنًا إلا باجتماعهما عليه أو الحاكم كما قدمته. وقلت: إني لم أر أحدًا قال به غير ما نقله الشاشي، وإما أنا نقول: ينفسخ ظاهرًا بفسخ أحدهما، ثم يتردد هل ينفسخ باطنًا أو لا؟ فما الداعي إلى ذلك.

стр. 128

فإن قلت: التحالف موجب الفسخ، فجريانه كوجود العيب بالنسبة إليهما. قلت: لم يقم على ذلك دليل، فإنا إن أخذنا ذلك من جهة التعذر لم يستمر إلى فَيْءِ المحق خاصة، وإن أخذناه من الحديث، فهو إنما يقتضي أن المشتري بالخيار بعد حلف البائع، فإن أخذنا بظاهره اقتضى إثبات الخيار للمشتري فقط، وأنه إذا فسخ نفذ ظاهرًا وباطنًا، محقًّا (١) كان أو مبطلًا، ولا ينفذ من البائع ظاهرًا ولا باطنًا محقًّا كان أو مبطلًا، وهذا لا يُعرف من قال به، وإن قلنا بما قاله الأصحاب في تفسيره من أنه مخير إن شاء أخذه بما حلف عليه البائع، وإن شاء حلف، لم يكن فيه دليل على الحكم بعد التحالف لا في فسخ ولا انفساخ، ومن جملة ما استدل به للوجه الثاني: أن حكم الحاكم لا يُحيل الأمور عما هي عليه، وهو الاستدلال ضعيف؛ لأن هذا إنشاء فسخ كإنشائه الفسوخ والعقود، وليس كالحكم والإلزام الذي نقول بأنه لا يعبر ما في نفس الأمر. وممن صحح الانفساخ ظاهرًا وباطنًا الروياني في "الحلية" على قوله: إن الفاسخ هو الحاكم وهو صحيح؛ لأن الحاكم كالمحق. وأيدَّ الهروي الوجه الثالث بما تقدم عن الشافعي: أن البائع إذا ادعى البيع بثمن وأنكره المشتري وحلف عليه، يأمرهما الحاكم بالفسخ، فإن لم يفعل، فإن ذهب ذاهب إلى أنه يصير ملكًا للبائع بالجحود، والحلف كان مذهبًا، وقال: إن التفصيل المذكور أخذ من هذا النص، ولم يتبين لي وجه أخذه من ذلك تبينًا واضحًا. ثم قال الهروي: إذا قلنا: الفسخ ينفذ في الظاهر دون الباطن من غير تفصيل، فلو كان البائع مظلومًا هل يثبت له فسخ البيع، "فيدخلوا بان] (٢)

стр. 129

أحدهما، وهو المنصوص عليه في الإقرار: نعم، كما لو أفلس المشتري. والثاني: لا؛ لأن الاستبقاء من الظالم يتيسر بأن يوجد منه سرًّا أو علانية بخلاف المفلس. قلت: وفي إثبات هذين الوجهين مع التفريع على أنه لا ينفسخ في الباطن. قلت: وجعله على أحد الجوابين كغريم المفلس يقتضي الانفساخ باطنًا، فلا يظهر إجراء الوجهين مع هذا التفريع لا في الباطن، ولا في الظاهر. والتفريع الذي ذكره المصنف كما قال: إذا قلنا بالانفساخ باطنًا تصرف كل منهما فيما عاد إليه بأنواع التصرفات، وإن كانت جارية جاز له أن يطأها ويعتقها، ولا يجوز لهما أن يتقارَّا على العقد. وإن قلنا: الفسخ يختص بالظاهر دون الباطن، فإن تقارَّا على العقد قال المحاملي والروياني (١) جاز، وقل من نبه عليه في هذا الموضع غيرهما، وإن لم يتقارَّا فقد ذكر المصنف وغيره من العراقيين العبارة التي في الكتاب. وذكر الرافعي عبارة أخرى وهي: "أنه لا يجوز لهما التصرف، لكن إن كان البائع صادقًا، فقد ظَفِرَ بمال من ظلمه، وهو المبيع الذي استرده، فله بيعه بالحاكم على وجه، وبنفسه على الأصح، ويستوفي حقه من ثمنه" (٢) ويرد الباقي، وإن كان أقل من حقه فالباقي دين له في ذمة المشتري؛ أي: فيما بينه وبين الله، والمقصود من العبارتين واحد، وأحسن من العبارتين وأوفى بالمقصود أن يقال: أنه لا يجوز للظالم منهما التصرف، فيما عاد إليه.

стр. 130

بشيء من التصرفات ولا بالقبض، فطريقه أن يسأل الآخر الإقالة أو يسلم إليه ماله، ويتسلم العوض، هكذا أطلقه الشيخ أبو حامد، وينبغي أن يتعين عليه أن يسلم المال؛ لأنه إقرار بالحق، فلا يخير بينه وبين طلب الإقالة، وهو مقتضى كلام المحاملي والمصنف، وأما المظلوم فلا يتصرف بالوطء والهبة والعتق، ولكن حكمه حكم من ظفر بمال من ظلمه، فإن كان المظلوم البائع، فيأخذ مقدار الثمن، وإن كان المشتري، فيأخذ مقدار المبيع بطريقه، وإن تلف هذا المأخوذ في يد آخذه كان من ضمانه. قال ابن الصباغ: وليكن ذلك على الخلاف، والمأخوذ بالظَّفَر، وفي ضمانه وجهان، والمقصود بذلك كله فيما بينه وبين الله تعالى. وكلام المصنف يقتضي أنه يبيع بعض المبيع إذا كان يفي بحقه، وذلك صحيح فيما يتحرى أما ما لا يتحرى فيبيعه كله، ويستوفي منه قدر حقه ويحفظ الباقي، وذلك مبين في بابه. واعلم أن شرط ذلك ألَّا يظفر البائع للمشتري بجنس، فلو ظفر بجنس ثمنه لم يكن له استبقاؤه من المبيع المخالف للجنس على الأصح، كما هو مبين في بابه. والله أعلم. وليس فرض المصنف وغيره الكلام والتفصيل في البائع؛ لأن ذلك مختص به، ولا حرج على الحاكم في تسليمه لكل منهما ما عاد إليه، وإن قلنا باختصاص الفسخ بالظاهر؛ لأن كلًّا منهما يحتمل أن يكون هو المظلوم، فيستحق وضع يده بطريق الظَّفَر لا بطريق الانفساخ في الباطن، ولم يتعين الظلم في واحد حتى يقطع بعدم استحقاقه في الباطن، فافهم ذلك، فإنه يزيل عند الإشكال في الحكم للبائع بالمبيع مع قولنا بعدم الانفساخ باطنًا، والقطع بانتقال الملك للمشتري. نعم في الحكم لما حكمه للظالم بوضع يده على ما يأخذه، وإن لم

стр. 131

يتعين، وفيه إشكال، وهذا مما يضعف القول باقتصار الفسخ على الظاهر. وقول المصنف: فيبيع من المبيع بقدر حقه محمول على الخلاف المتقدم هل يبيع بنفسه أو بالحاكم، ولا حاجة [إلى على] (١) الوجه الثالث؛ لأنه إن كان البائع مظلومًا، فهو كالأول، وإن كان ظالمًا، فهو كالثاني، فعند التفريع تعود الثلاثة إلى وجهين، ويدخل الثالث فيهما. وأيضًا فإنا قلنا: إذا قلنا بالفسخ وقد تقدم متى نقول بذلك، وهو الوجه الأول مطلقًا. وعلى الثالث: إذا كان البائع مظلومًا. وعلى المختار، وهو قول الإمام (٢) إذا كان الفاسخ محقًّا من كلٍّ منهما، وقد علمت بما نبه عليه المحاملي أن محل ما ذكره المصنف وغيره فيما إذا لم يتقارَّا على العقد، وأنه ليس الحكم بالانفساخ ظاهرًا فقط مانعًا من تقارّهما. فرع قال القاضي الحسين: "لو قال البائع: أنا كالمتردد لست أتيقن كوني كاذبًا ولا صادقًا حل له أن يمسكها بناء للأمر على ظاهر أنه لا يكذب" (٣). فرع المبيع بعد الانفساخ في يد المشتري هل هو بمنزلة المستام أو كيف حكمه، ويظهر أثر ذلك في كيفية ضمانه إذا تلف، بعد ذلك كلام صاحب "التتمة" يقتضي أنه والتالف قبل التحالف على حد سواء وسنذكره فرعًا (٤) على المشتري في الحكم الظاهر جزمًا، وفي الباطن حيث نقول به

стр. 132

رده إن كان باقيًا بحاله، وأما الزوائد كالولد والمهر، فما حدث قبل التحالف قد تقدم الكلام فيه على قول الانفساخ، وحكينا الخلاف في ردها، والمشهور أنها تبقى للمشتري، وعلى قول الفسخ تقدم منا بحث يقتضي إثبات الخلاف وإن لم نره منقولًا، وما حدث بعد التحالف وقبل الفسخ إذا قلنا: لا بد من الفسخ على الصحيح، فالظاهر أنه كالحادث قبل التحالف، وفيه احتمال لإشرافه على الزوال، وما حدث بعد التحالف على القول بالانفساخ، أو بعد الفسخ، فلا شك أنه للبائع، وإن كان المبيع فسيأتي حكمه. فرع هل يحل وطء الجارية المبيعة بعد الترافع والتنازع وقبل التحالف؟! فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لقيام الملك. والثاني: لا؛ لإشرافه على الزوال، وفي الوطء بعد التحالف، وقبل الفسخ وجهان مرتبان، وأولى تقدم الحل. فرع ذكر الهروي هنا لو كان المشتري ممتنعًا عن أداء الثمن بطريق التغيب بعد الإقرار واليسار، فهل يثبت للبائع فسخ البيع؟! فيه وجهان: أصحهما: لا، وهكذا إذا امتنع الزوج عن الإنفاق تغيبًا! فيه وجهان: الأصح: أنه لا يثبت لها فسخ النكاح. * * *

стр. 133

قال المصنف ﵀: فصْل [الاختلاف بعد هلاك السلعة] [وإن اختلفا] (١) في الثمن بعد هلاك السلعة في يد المشتري، تحالفا، وفسخ البيع بينهما؛ لأن التحالف يثبت لرفع الضرر واستدراك الظلامة، وهذا المعنى موجود بعد هلاك السلعة، فوجب أن يثبت التحالف. تقدم أن المخالف في ذلك أبو حنيفة، وأبو يوسف (٢)، ورواية عن مالك (٣)، ورواية عن أحمد (٤). وكان محمد بن الحسن (٥) مخالفًا في ذلك أيضًا. قال الشافعي في "المختصر": "فرجع محمد بن الحسن إلى ما قلنا وخالف صاحبيه، وقال: ما أعلم ما قالا إلَّا خلاف القياس والسنة والمعقول إذا تناقضاه والسلعة قائمة تناقضا وهي فائتة؛ لأن الحكم أن يفسخ العقد،

стр. 134

فقائم وفائت سواء" (١). وقد نصب الأصحاب المسألة في مسائل الخلاف ومعتمدنا في ذلك أمور منها: حديث ابن عباس الذي صدَّر به المصنف الباب، فإنه بإطلاقه يقتضي ذلك. ومنها: حديث ابن مسعود المتقدم الذي فيه: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ. . ." (٢) الحديث، ولم يفصل بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة فيما ثبت من الروايات. ومنها: قياس حالة التلف على حالة البقاء التي وافقوا عليها، وادعوا ورود النص فيها؛ لأن اليمين يعرض للردع والزجر ورد المبطل إلى الحق، وهذا يوجب التسوية بين حالة البقاء وحالة التلف، ولأن الموجب التحالف كون كل منهما مدعيًا ومُدعىً عليه، وذلك موجود في الحالتين، ولأن المشتري يحلف بالاتفاق في حالة التلف، فكذلك البائع؛ لاستوائهما في الدعوى، ولأن مستند اليمين الإنكار، ونحن نقطع بأن ذلك لا يختلف بالنسبة إلى حالة البقاء وحالة التلف، وقد يعلق المخالف بمقدمتين: إحداهما: أن بعض رواة حديث ابن مسعود قال فيه: "وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ" (٣). والثانية: أن التحالف على خلاف القياس ثَبَّتَ حالة البقاء للحديث، فلا يتعدى إلى حالة التلف. والجواب: عن المقدمة الأولى بما تقدم أن هذه الزيادة باطلة لا أصل لها

стр. 135

ولم يصححها أحد من أصحاب الحديث، وقد وردت رواية أخرى بضد ذلك، قيل فيها: "وَالْمَبِيعُ مُسْتَهْلَكٌ" (١). وكلاهما ضعيفتان، فإن لم يثبتا وهو الحق، فلا إشكال، وإن ثبتنا فكذلك لا يصير مطلقًا قد قيد بقيدين فيبقى على إطلاقه على المشهور في الأصول، وإن فرضنا ثبوت روايتهم وحدها ولا يكون ذلك، فقد يقال: يقتضي ذلك الاقتصار على حالة البقاء؛ إما حملًا للمطلق على المقيد، وإما عملًا بالمفهوم، واقتضائه أن الحكم حالة التلف بخلافه، وإما لأن هذه زيادة في الحديث يجب قبولها، وتكون هي محل النص، وغيرها لا يلحق بها للمقدمة الثانية في كلام المخالف. وأجاب الأصحاب عن الأولين: بأن أبا حنيفة لا يقول بحمل المطلق على المقيد، وإن اتحدت الواقعة كما فعلوا في قوله: "لا نكاح إلا بشهود" و "لَا نِكَاحَ [إِلَّا] (٢) بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ" (٣) تركوا المطلق على إطلاقه، ولا بالمفهوم، ونحن وإن قلنا بالمفهوم فيقدم القياس عليه، هكذا قال المصنف في "النكت" (٤): أنا نقدم القياس على دليل الشرط، وأطلق القياس وهو مقتضى كلام الشيخ أبي حامد. وقال القاضي أبو الطيب: إنا نقول بدليل الخطاب، ولكنا نقدم التنبيه عليه، والتنبيه يدل على أن السلعة إذا كانت تالفة أولى بالتحالف، ومراده بالبينة مفهوم الموافقة، ولا شك أنه مقدم على مفهوم المخالفة. وأما ما اقتضاه كلام المصنف من تقديم القياس مطلقًا على مفهوم المخالفة، ففيه نظر، وينبغي أن يبنى على أن المفهوم من دلالة اللفظ أو من

стр. 136

جهة صون الكلام عن عدم الفائدة، فعلى الأول يقدم على القياس، وعلى الثاني يقدم القياس عليه. وقد استدلوا على أن التحالف حالة الهلاك أولى، بأن السلعة إذا كانت قائمة يمكن أن يستدل على صدق أحدهما ببقائها، وقدر قيمتها، ولا يمكن ذلك مع تلفها، فإذا تحالفا حال قيام السلعة فحال تلفها أولى. واعترض بعض المتأخرين من أصحابنا على ذلك: بأن الثمن غير معتبر بالقيمة، ولا يرجح دعوى أحدهما بموافقتها، والذي قاله صحيح، إلا أنه لا ينافي الأولوية؛ لأن التحالف إذا أثبت ذلك الأمر المخيل، وأسقط الشرع اعتباره، فلأن يثبت مع التساوي من كل الوجوه أولى، وإن لم يثبت الأولوية كما قال القاضي أبو الطيب، فلا شك أن المساواة حاصلة، فالقياس حاصل كما قاله المصنف، وبالمساواة يشعر كلام الشافعي الذي قدمته عن "المختصر". وأما حمل المُطلق على المقيد هنا، فعندي فيه نظر؛ لأن ذلك إنما يجب في صورة يكون العامل بالمقيد فيها عاملًا بالمطلق، كالأمر برقبة ورقبة مؤمنه، أما ما نحن فيه فإن المطلق فيه يقتضي التخالف في كل صور الاختلاف؛ لأن أداة الشرط تقتضي ذلك، والتقييد ذكر بعض الأحوال، فهو يشبه تخصيص العام بذكر بعضه، والأكثرون لا يقولون به، فبطل التعلق به أيضًا. وأما التعلق بأن هذه زيادة، والزيادة مقبولة، فذلك يتوقف على صحتها، وعلى أن ذلك حديث واحد لم يتعدد مجلسه، وكلا الأمرين لم يثبت، وهذا الجواب الذي قلته عن حمل المطلق على المقيد، إنما يحتاج إليه على مذهب الشافعي القائل: بأن حمل المطلق على المقيد من ناحية اللفظ.

стр. 137

وقد نقل الشيخ أبو حامد عن ابن أبي هريرة: أن ذلك من ناحية العلة، والمعنى، فعلى هذا لم يُبن المطلق على المقيد هنا؛ لأنه لا علة تجمع بينهما، وهذا الذي نقله عن ابن أبي هريرة غريب في الأصول في المقيد بقيد واحد متحد السبب، والمعروف المشهور ذلك فيما إذا اختلف السبب أو قيد بقيدين مختلفين. ولكن الشيخ أبا حامد نقله هنا وبنى عليه الجواب، وإليه جنح الغزالي في "المأخذ"، قال الغزالي: وكيف يستبعدون ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ" (١). فألغوا هذا التقييد وألحقوا به غير المؤبر، لمَّا أن اعتقدوا أنه في معناه، ولم يبالوا بالتقييد الملفوظ به، ولم يتجه لهم في تلك المسألة حمل التقييد على محمل، وقد اتجه لنا في هذه المسألة حمله على التنبيه كما تقدم. قلت: وهذا يصلح أن يكون جوابًا على تقدير أنها زيادة ثابتة أيضًا، وربما تعلقوا بأنه وأن لم تثبت هذه الزيادة فهي مرادة بالأحاديث المطلقة بدليل قوله: "وَتَرَادَّا"، والتراد لا يكون إلَّا مع قيام السلعة. والجواب: أن هذا اللفظ أيضًا لم يثبت، والثابت من الأحاديث ليس فيه ذلك، وقد تقدم بيانها أول الباب، وبتقدير ثبوته، فالتراد موجود في بدل التالف، وأما الجواب عن المقدمة الثانية، فببيان أن التحالف غير خارج عن القياس، بل هو على وفق القياس للأقيسة التي ذكرناها، وهذا موضع يجب الاعتناء به والتمهل فيه، فإنهم يزعمون أن المدعي حقيقة هو البائع؛ لأنه موافق المشتري على انتقال الملك إليه، ويدعي زيادة في الثمن، والمشتري مُدَّعىً عليه فحسب؛ لأنه لا يدعي على البائع شيئًا، فكان القياس أن الثمن مقصوده على المشتري، لكنا حلفنا البائع للحديث، على خلاف القياس في

стр. 138

المحل الذي ورد فيه، وهو حال قيام السلعة، فلا تعدية إلى غيره. ومحل هذا الكلام إذا كان المبيع مقبوضًا بيد المشتري حتى يكون مدعى عليه فقط، أما لو كان قبل القبض فكل منهما مدَّعٍ ومدَّعىً عليه، فيتحالفان بالقياس لا بالحديث وحده؛ لأن البائع مدعي تسليم الثمن، والمشتري مدعي تسليم المبيع. فالأحوال أربعة قبل القبض، والسلعة قائمة يتحالفان على وفق القياس، وقبل القبض والسلعة تالفة لا تَحالف؛ لأنه انفسخ العقد، وهاتان الصورتان متفق عليهما، وبعد القبض والسلعة قائمة يتحالفان بالحديث على خلاف القياس عندهم، وعلى وفق القياس عندنا وبعد القبض والسلعة تالفة هو محل النزاع للمأخذين، ولما كان هذا مأخذهم أثبتوا التحالف مع الوارث قبل القبض وفيما إذا هلكت السلعة بإتلاف أجنبي في يد البائع؛ لأن كون كل منهما مدّعيًا ومدعىً عليه حاصل هذا مذهب أبي حنيفة ﵀ (١). وأما أبو يوسف (٢) فإنه لم يقل بجريان التحالف مع الوارث؛ جمودًا على الحديث، والحق أنه إذا كان مأخذ أبي حنيفة ﵀ ذلك لم يلزمه من إثبات التحالف في الصورتين المذكورتين إشكال، لكن النزاع في ذلك المأخذ، وأيضًا فإنهم قالوا بالتحالف فيما إذا اشترى عبدًا بجارية وتقابضا، ثم هلك أحدهما، ثم اختلفا، فقال أحدهما: كان مع العبد ثوب وأنكر الآخر، فأثبتوا التحالف في هذه الصورة مع عدم ورود الحديث فيها، وهو بعد القبض ولنا ولهم في البحث في المسألة طريقتان: إحداهما: طريقة أبي زيد من أصحابهم في تقرير أن التحالف على وفق القياس أو خلافه، قال أصحابنا: إن كل واحد من المتبايعين يدعي عقدًا غير

стр. 139

العقد الذي يدعيه الآخر، فهو كما لو ادعى أحدهما بيعًا، والآخر هبة، فإن اليمين على كل واحد منهما، ولا منافاة بأن يقال: إنهما اتفقا على انتقال الملك واختلفا في طريقه، هل هو بعوض أو غير عوض، فلذلك هنا البيع بألف غير البيع بخمس قطعًا، فدعوى أحدهما غير دعوى الآخر ومؤيده أنه لو أقام كل منهما بينة تعارضتا، ولا نقول: إنهما اجتمعتا على الخمس المائة، كما نقول في الشهادة على الديون، ودعوى المشتري بالشراء بالخمسمائة دعوى صحيحة، بدليل أنه لو أقام بينة سمعت بالاتفاق منا ومنهم، ولو لم يكن مدعيًا حقيقة لما سمعت بينته، وهذا أقوى حجة عليهم. قالوا: قولكم: إن المشتري يدعي عقدًا آخر لا يسمع؛ لأن العقد لا يراد لعينه، وإنما يراد لحكمه، وحكم العقد الذي يدعيه المشتري ليس إلَّا الملك واليد، وقد حصل بالعقد الذي أقوله البائع به، فالمشتري لا يدعي لنفسه مقصودًا، فبطلت دعواه كمن قال: لزيد عليَّ ألف من ثمن هذا العبد الذي في يدي، فقال المقر له: لي عليك ألف من قرض أو غصب والعبد عبدك ملكته من غيري، فإنه يأخذه بالألف ولا يلتفت إلى السبب. واعتذروا عن قبول بينة المشتري بأنه مدع في الصورة، والبينة تكتفي فيها بالاستناد إلى صورة الدعوى، واليمين لا يعتمد صورة الإنكار بل يعتمد المقصود منه، بدليل أن المودع إذا ادعى رد الوديعة قبلت بينته من حيث إنه في الصورة مُدَّعٍ، ويحلف من حيث إنه في الحقيقة منكر؛ لأنه يدفع الضمان عن نفسه، فالبينة تعتمد الصورة، واليمين يعتمد الحقيقة، فلذلك تقبل بينة المشتري كالمودع سواء، وإنما كان كذلك؛ لأن الشهود لا يعلمون باطن الأمر وحقيقته، وإنما ينقلون ما ظهر إلى مجلس القاضي، واليمين يجب على الخصم وهو عالم بحقيقة الحال، فلذلك اعتمدت البينة الصورة، واليمين الحقيقة، والبائع هو المدعي حقيقة لا غير، فلا يمين عليه.

стр. 140

أجاب أصحابنا: بأن دعوى المشتري صحيحة؛ لأنها مقيدة في المال؛ لأنها إذا ثبتت بموافقة صاحبه، أو بالبينة سقطت عنه الزيادة، وكل ما كان كذلك، فهي صحيحة، ويستفيد بها أيضًا أنه عند الإقالة والفسخ بسبب آخر لا يرجع إلَّا بذلك القدر. وقولهم: إن المشتري لا يدعي إلَّا الملك واليد وهما سالمان له، قلنا: هو يدعي سلامتهما بعقد بخمسمائة، وصاحبه يدعي سلامتهما بعقد بألف، وقولهم: إن العقد لا يراد لعينه، وإنما يراد لحكمه. فجوابه: أن الأحكام مبنية على استبيانها، ولا يجوز الإعراض عنها على أن دعوى السبب إذا أفادت اعتبرت، وقد بينا فائدته في مسألتنا. وأما المسألة التي فرضوها فهي ممنوعة عندنا متى لم يتوافقا على السبب لا يجب عليه الألف، كذلك قال أبو المظفر بن السمعاني: والمسألة فيها وجهان في المذهب، فهو جواب على أحد الوجهين وعلى الوجه الثاني يمكن أن يقال: إن ذلك لا يختلف الغرض كما في المثال المفروض، وفي مسألتنا يختلف الغرض، فلا يجري فيه؛ ولذلك إذا قال له: عليّ ألف من ثمن عبد لم أقبضه إذا سلمه سلمت الألف، فالصحيح القطع بالقبول، وكأنه إنما أقر له مشروطًا بذلك الشرط، وكذلك البائع إنما أقر بالبيع على ذلك، كأنه أقر بملك مستفاد بمبلغ من الثمن معلوم، ولم يقر بما سواه، وأما عذرهم عن التنبه وتقسيمهم المدعي إلى مُدَّعٍ صورة ومدَّعٍ حقيقة، فلا معنى له؛ لأن كل صورة لها حقيقة لا باطلة، أليس إذا قامت بينة المشتري يقضي القاضي بها، فكيف يقضي بشيء لا حقيقة له، وأليس يمين البائع يفيد سقوط دعوى المشتري، كما يفيد يمين المشتري، سقوط دعوى البائع، فإذا كانت فائدتها حاصلة فلا بد أن يتوجه، ثم ما ذكروه من ذلك منتقض بالتحالف حال قيام المبيع، وكون حلف البائع ثابتًا بالنص لا ينجيهم من ذلك، بل هو

стр. 141

مؤكد للنقض، وإنما يكون ذلك عذرًا فيما خالف قياس المذهبين. أما إذا انفرد قياس الخصم في صورة النقض كان لازمًا له، وكذلك ينتقض قولهم بالمختلفين في البيع والهبة، فقد وافقوا على أنهما يحلفان بعد التلف، وإنما اعتذروا له عن إقامة المشتري البينة بعبارة أخرى غير ما تقدم وهي: أن المقصود دفع اليمين، وذلك يجوز إذا أتى بصيغة الإثبات كالمودع، ورُدَّ ذلك بأنه لو كان نافيًا حقيقة لم ينفعه العدول إلى صيغة الإثبات، كالداخل مع الخارج على مذهبهم. قال الأصحاب: وإنما صدقنا المودع بيمينه، وإن كان مدعيًا من كل وجه لحاجة إخفاء الودائع، وفي تكليف الإشهاد إظهار لها، وفي تعريض المودع لضمان التلف، أو الرد من غير مخلص منع الناس من قبول الودائع، وقد اعترف المودع بأمانته، فلزمه تصديقه، وليس لما ذكروه من أنه مُدَّع صورة لا حقيقة. الطريقة الثانية في البحث: طريقة مشايخهم غير أبي زيد قالوا: الهلاك لا يكون محل فسخ العقد بدليل الرد بالعيب، فإنه لا يرد بعد التلف، وكذلك غريم المفلس لا يرجع إذا كانت السلعة هالكة عندكم. والجواب: أن التحالف ليس لفسخ العقد، وإنما التحالف لصحة الدعوى من الجانبين، ثم إذا تخالفا ولم يكن الأخذ مأخذ القولين أولى من الآخر بطل العقد، وعلى أحد الوجهين من غير فسخ، وفسخ إن لم يتفقا على القول الآخر، وهذا بعد الهلاك جائز، كما لو اتفقا بعد هلاك السلعة على جهالة الثمن. وأما الرد بالعيب فإنما امتنع بعد التلف؛ لأن المقصود دفع الضرر عن المشتري، ولذلك يكون بالفسخ تارةً وبالرجوع إلى الأرش أخرى، فأصلح الجهتين عند قيام المبيع هو رد المبيع وفسخ العقد، وأصلح الجهتين عند

стр. 142

هلاك المبيع الرجوع بالأرش؛ لأنه أقل للمنازعة. وأيضًا فالرد يعتمد المردود، وهو مفقود، ولذلك قال الغزالي: "لا رد؛ إذ لا مردود" (١)، والفسخ يعتمد العقد وهو موجود، وهذا المعنى قد يؤخذ من كلام الشافعي المتقدم عن "المختصر" في قوله: "لأن الحكم أن يفسخ العقد، فقائم وفائت سواء" (٢)، ويؤيده أن من اشترى جارية بثوب فسلم الثوب وقبض الجارية ووجد بها عيبًا، وقد تلف الثوب في يد صاحبه، فإنه يرد الجارية ويفسخ البيع ويرجع بقيمة الثوب، وتلفه لا يمنع من ورود الفسخ عليه، وهذا ينقض عليهم ما ألزموا به. وأما امتناع رجوع غريم المفلس، فلأنه لم يجد سلعته بعينها، وهو سبب الفسخ عند الفلس، فلم يلزم ما ذكروه، والفسخ بالإقالة بعد التلف على وجه ممتنع؛ لأنه لا ضرورة إليها، والأصح جوازه، ويرد على طريقة مشايخهم ما إذا اشترى عبد الجارية وهلك أحدهما ووجد بالآخر عيبًا، فإنه يصح الفسخ على ما تقدم عنهم وهو فسخ، ورد على الهالك، فإن اعتذروا بأن الهالك بيع للقائم قلنا: كل واحد منهما مقصود بالعقد، فلا يجعل أحدها تابعًا، ثم يبطل بما إذا باع سلعتين وهلكت إحداهما ثم اختلفا، فإنهما لا يتحالفان عندهم، ولا يجعل الهالك تبعًا للقائم، ورد عليهم أيضًا ما إذا قتل المبيع في يد البائع بجناية أجنبي، فإنهم قد قالوا بالتحالف والفسخ يرد على تالف، فإن قالوا: البيع انتقل إلى القيمة. فقد أجاب المصنف في "النكت": بأن البيع لا ينتقل من شيء إلى شيء، قال: ولو انتقل لفسد البيع إذا زادت القيمة على الثمن أو نقصت؛ لأنه ربا، ويرد عليهم الشراء الفاسد إذا تلف الشيء عند المشتري، فإنهم جوزوا

стр. 143

الفسخ فيه على ما قاله صاحب "الكفاية" (١) في النظر. وقول المصنف: "بعد هلاك السلعة في يد المشتري"، احتراز من هلاكها في يد البائع؛ لأنه ينفسخ العقد. وقوله: "وفسخ البيع بينهما" تحقيق لأثر التحالف، وأنه لا يمنع منه هلاك على ما يوهمه الخصم على ما تقدم في الطريقة الثانية، وقد يعترض على المصنف في تعليله بدفع الضرر، واستدراك الظلامة، ودعوى وجود ذلك بعد الهلاك بالرد بالعيب، فإن هذا المعنى موجود فيه، والحكم مفقود، وجوابه بالفرق على ما تقدم. تنبيه: علمت بما تقدم هنا مبالغة الأصحاب في تقرير أن العقد الذي يدعيه البائع مغاير للعقد الذي يدعيه المشتري وغير متضمن له، والرافعي (٢) وغيره من الأصحاب يقولون في ضابط التحالف: أن يختلفا في صفة عقد بعد الاتفاق على صحته، وهذا يوهم أن العقد الذي يدعيه المشتري يوافقه البائع على صحته، وهو خلاف ما تقرر في البحث مع الحنفية. وطريق الجمع بين الكلامين: أن البيع الذي يدعيه البائع مغاير للبيع الذي يدعيه المشتري بالشخص قطعًا، وهذا هو المراد بالبحث مع الحنفية، ومع اختلافهما بالشخص هما عقد واحد بالنوع يجمعهما مسمى البيع، وهذا هو المراد من قول الرافعي (٣) وغيره في ضابط التحالف: أن يتفقا على عقد صحيح، أي: بالنوع كبيع أو إجارة أو صداق، ولا يلغى الاتفاق على جنس العقد والاختلاف في نوعه؛ كالبيع والهبة، وليس المراد أن يتفقا على صحة

стр. 144

عقد واحد بالشخص ويختلفا في صفته؛ لأن تلك الصفة من جملة (١)، فالاختلاف فيها اختلاف فيه. تنبيه آخر: قول المصنف: "بعد هلاك السلعة في يد المشتري"، ظاهرة الهلاك الحسي والهلاك الشرعي في معناه، فإنه لو أعتق العبد أو باعه أو وهبه أو استولد الجارية ثم اختلفا بعد ذلك، تحالفا عندنا. وأما مذهب أبي حنيفة (٢): * * *

стр. 145

قال المصنف ﵀: فإذا تحالفا رجع بقيمته. إذا تحالفا في الصورة التي تكلم فيها، وهي بعد هلاك المبيع إما حسًّا كالتلف، وإما شرعًا كالعتق والبيع والوقف والاستيلاد والهبة، رجع بقيمته أي: إذا فسخ على الصحيح، أو قلنا: ينفسخ بنفس التحالف على القول، فإذا كلام المصنف على المذهب لا بد فيه من إضمار تقديره تحالفا وفسخ، دل عليه قوله قبل ذلك: وفسخ البيع بينهما، ولو قال: فإذا فسخ رجع بقيمته كان أبين، وإنما ثبت له الرجوع إلى (١) بدله؛ لأنا نقدر كأنه تلف في يده على وجه السوم أو البيع الفاسد. وأما قوله: "إنه يرجع بقيمته"، فهكذا أطلقه الأكثرون، وقال الماوردي: "إن كان مما لا مثل له وجب رد قيمته، وإن كان مما له مثل؛ فعلى وجهين: أحدهما: عليه رد مثله كالمغصوب. والثاني: وهو أصح أن عليه غرم قيمته؛ لأنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل، وإنما ضمنه بالعوض بخلاف الغصب" (٢). فإن صح ما ادعى الماوردي أنه الأصح، فيكون إطلاق الأكثرين مستمرًّا، وإلَّا فيحمل على ما إذا كان متقومًا، وعليه حمله بعض الشارحين، وقد طرد الماوردي ذلك في المقبوض بالسوم والبيع الفاسد، وكل عقد مفسوخ، كلها يضمن المثلي فيها بالقيمة عنده.
следующие страницы →