مؤكد للنقض، وإنما يكون ذلك عذرًا فيما خالف قياس المذهبين.
أما إذا انفرد قياس الخصم في صورة النقض كان لازمًا له، وكذلك ينتقض قولهم بالمختلفين في البيع والهبة، فقد وافقوا على أنهما يحلفان بعد التلف، وإنما اعتذروا له عن إقامة المشتري البينة بعبارة أخرى غير ما تقدم وهي: أن المقصود دفع اليمين، وذلك يجوز إذا أتى بصيغة الإثبات كالمودع، ورُدَّ ذلك بأنه لو كان نافيًا حقيقة لم ينفعه العدول إلى صيغة الإثبات، كالداخل مع الخارج على مذهبهم.
قال الأصحاب: وإنما صدقنا المودع بيمينه، وإن كان مدعيًا من كل وجه لحاجة إخفاء الودائع، وفي تكليف الإشهاد إظهار لها، وفي تعريض المودع لضمان التلف، أو الرد من غير مخلص منع الناس من قبول الودائع، وقد اعترف المودع بأمانته، فلزمه تصديقه، وليس لما ذكروه من أنه مُدَّع صورة لا حقيقة.
الطريقة الثانية في البحث: طريقة مشايخهم غير أبي زيد قالوا: الهلاك لا يكون محل فسخ العقد بدليل الرد بالعيب، فإنه لا يرد بعد التلف، وكذلك غريم المفلس لا يرجع إذا كانت السلعة هالكة عندكم.
والجواب: أن التحالف ليس لفسخ العقد، وإنما التحالف لصحة الدعوى من الجانبين، ثم إذا تخالفا ولم يكن الأخذ مأخذ القولين أولى من الآخر بطل العقد، وعلى أحد الوجهين من غير فسخ، وفسخ إن لم يتفقا على القول الآخر، وهذا بعد الهلاك جائز، كما لو اتفقا بعد هلاك السلعة على جهالة الثمن.
وأما الرد بالعيب فإنما امتنع بعد التلف؛ لأن المقصود دفع الضرر عن المشتري، ولذلك يكون بالفسخ تارةً وبالرجوع إلى الأرش أخرى، فأصلح الجهتين عند قيام المبيع هو رد المبيع وفسخ العقد، وأصلح الجهتين عند
стр. 142
هلاك المبيع الرجوع بالأرش؛ لأنه أقل للمنازعة.
وأيضًا فالرد يعتمد المردود، وهو مفقود، ولذلك قال الغزالي: "لا رد؛ إذ لا مردود" (١)، والفسخ يعتمد العقد وهو موجود، وهذا المعنى قد يؤخذ من كلام الشافعي المتقدم عن "المختصر" في قوله: "لأن الحكم أن يفسخ العقد، فقائم وفائت سواء" (٢)، ويؤيده أن من اشترى جارية بثوب فسلم الثوب وقبض الجارية ووجد بها عيبًا، وقد تلف الثوب في يد صاحبه، فإنه يرد الجارية ويفسخ البيع ويرجع بقيمة الثوب، وتلفه لا يمنع من ورود الفسخ عليه، وهذا ينقض عليهم ما ألزموا به.
وأما امتناع رجوع غريم المفلس، فلأنه لم يجد سلعته بعينها، وهو سبب الفسخ عند الفلس، فلم يلزم ما ذكروه، والفسخ بالإقالة بعد التلف على وجه ممتنع؛ لأنه لا ضرورة إليها، والأصح جوازه، ويرد على طريقة مشايخهم ما إذا اشترى عبد الجارية وهلك أحدهما ووجد بالآخر عيبًا، فإنه يصح الفسخ على ما تقدم عنهم وهو فسخ، ورد على الهالك، فإن اعتذروا بأن الهالك بيع للقائم قلنا: كل واحد منهما مقصود بالعقد، فلا يجعل أحدها تابعًا، ثم يبطل بما إذا باع سلعتين وهلكت إحداهما ثم اختلفا، فإنهما لا يتحالفان عندهم، ولا يجعل الهالك تبعًا للقائم، ورد عليهم أيضًا ما إذا قتل المبيع في يد البائع بجناية أجنبي، فإنهم قد قالوا بالتحالف والفسخ يرد على تالف، فإن قالوا: البيع انتقل إلى القيمة.
فقد أجاب المصنف في "النكت": بأن البيع لا ينتقل من شيء إلى شيء، قال: ولو انتقل لفسد البيع إذا زادت القيمة على الثمن أو نقصت؛ لأنه ربا، ويرد عليهم الشراء الفاسد إذا تلف الشيء عند المشتري، فإنهم جوزوا
стр. 143
الفسخ فيه على ما قاله صاحب "الكفاية" (١) في النظر.
وقول المصنف: "بعد هلاك السلعة في يد المشتري"، احتراز من هلاكها في يد البائع؛ لأنه ينفسخ العقد.
وقوله: "وفسخ البيع بينهما" تحقيق لأثر التحالف، وأنه لا يمنع منه هلاك على ما يوهمه الخصم على ما تقدم في الطريقة الثانية، وقد يعترض على المصنف في تعليله بدفع الضرر، واستدراك الظلامة، ودعوى وجود ذلك بعد الهلاك بالرد بالعيب، فإن هذا المعنى موجود فيه، والحكم مفقود، وجوابه بالفرق على ما تقدم.
تنبيه:
علمت بما تقدم هنا مبالغة الأصحاب في تقرير أن العقد الذي يدعيه البائع مغاير للعقد الذي يدعيه المشتري وغير متضمن له، والرافعي (٢) وغيره من الأصحاب يقولون في ضابط التحالف: أن يختلفا في صفة عقد بعد الاتفاق على صحته، وهذا يوهم أن العقد الذي يدعيه المشتري يوافقه البائع على صحته، وهو خلاف ما تقرر في البحث مع الحنفية.
وطريق الجمع بين الكلامين: أن البيع الذي يدعيه البائع مغاير للبيع الذي يدعيه المشتري بالشخص قطعًا، وهذا هو المراد بالبحث مع الحنفية، ومع اختلافهما بالشخص هما عقد واحد بالنوع يجمعهما مسمى البيع، وهذا هو المراد من قول الرافعي (٣) وغيره في ضابط التحالف: أن يتفقا على عقد صحيح، أي: بالنوع كبيع أو إجارة أو صداق، ولا يلغى الاتفاق على جنس العقد والاختلاف في نوعه؛ كالبيع والهبة، وليس المراد أن يتفقا على صحة
стр. 144
عقد واحد بالشخص ويختلفا في صفته؛ لأن تلك الصفة من جملة (١)، فالاختلاف فيها اختلاف فيه.
تنبيه آخر:
قول المصنف: "بعد هلاك السلعة في يد المشتري"، ظاهرة الهلاك الحسي والهلاك الشرعي في معناه، فإنه لو أعتق العبد أو باعه أو وهبه أو استولد الجارية ثم اختلفا بعد ذلك، تحالفا عندنا.
وأما مذهب أبي حنيفة (٢):
* * *
стр. 145
قال المصنف ﵀:
فإذا تحالفا رجع بقيمته.
إذا تحالفا في الصورة التي تكلم فيها، وهي بعد هلاك المبيع إما حسًّا كالتلف، وإما شرعًا كالعتق والبيع والوقف والاستيلاد والهبة، رجع بقيمته أي: إذا فسخ على الصحيح، أو قلنا: ينفسخ بنفس التحالف على القول، فإذا كلام المصنف على المذهب لا بد فيه من إضمار تقديره تحالفا وفسخ، دل عليه قوله قبل ذلك: وفسخ البيع بينهما، ولو قال: فإذا فسخ رجع بقيمته كان أبين، وإنما ثبت له الرجوع إلى (١) بدله؛ لأنا نقدر كأنه تلف في يده على وجه السوم أو البيع الفاسد.
وأما قوله: "إنه يرجع بقيمته"، فهكذا أطلقه الأكثرون، وقال الماوردي:
"إن كان مما لا مثل له وجب رد قيمته، وإن كان مما له مثل؛ فعلى وجهين:
أحدهما: عليه رد مثله كالمغصوب.
والثاني: وهو أصح أن عليه غرم قيمته؛ لأنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل، وإنما ضمنه بالعوض بخلاف الغصب" (٢).
فإن صح ما ادعى الماوردي أنه الأصح، فيكون إطلاق الأكثرين مستمرًّا، وإلَّا فيحمل على ما إذا كان متقومًا، وعليه حمله بعض الشارحين، وقد طرد الماوردي ذلك في المقبوض بالسوم والبيع الفاسد، وكل عقد مفسوخ، كلها يضمن المثلي فيها بالقيمة عنده.
стр. 146
وقد قدمت في باب بيع الأصول والثمار، في فرع نقله أحمد بن بشرى في نصوص الشافعي، أنه إذا اشترى الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط التبعية وقطع منها شيئًا، قال الشافعي: "فإن كان له مثل رده، ولا أعلم له مثلًا، وإن لم يكن فقيمته" (١)، فهذا النص يدل على أن المثلي في البيع الفاسد يضمن بالمثل، كما هو القياس، وهو، وهو الأقرب.
وقول الماوردي: "أنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل، وإنما ضمنه بالعوض" (٢).
جوابه: أن ضمانه بالعوض قد زال بالفسخ، وصار كما لو لم يرد عليه عقد.
وحكمه: أن يضمن بالمثل، ثم إن الماوردي يطرد ذلك في المأخوذ بالسوم والبيع الفاسد، ويعلل بالعلة المذكورة، ولا يتم له فيهما دعوى أنه لم يضمنه بالمثل؛ لأنه إن أراد في زعمه، وأنه لم يأخذه على ذلك، فلا اعتبار بذلك، ألا ترى أن الغاصب لو ظن عدم الضمان أصلًا لم يلتفت إليه، وإن أراد في حكم الشرع، فهذا محل النزاع.
ونحن نقول: إنه يضمنه بالمثل، وإن أراد أنه دخل مع المالك على أن يضمنه بالعوض لا بالمثل، قلنا: ذلك بناء على ظن الصحة أو بقاء العقد، فأما عند الفساد، أو الانفساخ، أو التلف، أو التلف في المستام، قبل الشراء، فلم يتفقا فيها على شيء، ثم يلزمه على مساقه أن يوافق ابن خيران في إيجاب الأقل كما سيأتي، فقد تبين أن الظاهر والأوفق للقياس الذي لا معارض له، أنه يضمن المثلي بالمثل في البيع الفاسد والمفسوخ والمستام
стр. 147
على ما قال الماوردي، لكن إطلاق كثير من الأصحاب يوافق الماوردي (١)، وإن كان بعض الشارحين يحمل ذلك الإطلاق على المتقوم.
فكتب: أود نقلًا آخر أعتضد به مع ما نقله أحمد بن بشرى، أو أقف على النص المذكور في كلام الشافعي، فإن كتاب أحمد بن بشرى المذكور غريب لم ينته عندي إلى قوة أن اقتصر عليه في النقل؛ لغرابته وغرابة مصنفه، وعدم خبرتي بحاله، ووثوقي بنسخته، وقد رأيت بعد ذلك في "الأم" في باب اختلاف المُسلِف والمُسلَف في الثمن بعد أن ذكر صورًا من التحالف والتفاسخ، قال: "فإن كان الثمن في هذا كله دراهم أو دنانير رد مثلها، أو طعامًا رد مثله، وإن لم يوجد رد قيمته، وكذلك لو كانت سلعة غير مكيلة ولا موزونة، ففاتت رد قيمتها" (٢). انتهى.
وهذا النص من الشافعي بدل؛ لأنه يرد المثل في المثلي على وفق القياس.
ولذلك في "الأم" قبيل هذا الباب، قال الشافعي: "وإن أسلف سلفًا فاسدًا وقبضه رده، وإن استهلكه رد مثله إن كان له مثل، أو قيمته إن لم يكن له مثل" (٣).
وإذا كان هذا نص الشافعي في المقبوض بالسلم الفاسد، فالمقبوض بالبيع الفاسد مثله، واندفع ما قاله الماوردي (٤) في البيع الفاسد.
فإن قلت: قد قال المصنف والماوردي أيضًا في العارية أن المستعار إذا كان مثليًا، وقلنا: يضمن بأقصى القيم ضمن بالمثل.
стр. 148
وإن قلنا: بقيمة يوم التلف ضمن بالقيمة، وهذا من المصنف تصريح بإيجاب القيمة في المستعار المثلي؛ لأن الصحيح عنده وعند غيره أن الاعتبار بيوم التلف، ويوافقه إطلاق كثير من الأصحاب: أن العارية يضمن بقيمتها يوم التلف، وإذا ثبت ذلك في العارية لم يبعد طرده في المستام والبيع الفاسد والمفسوخ، فكيف وإطلاق المصنف وغيره في هذه المسائل على ذلك، وفي ذلك أقوى شاهد من حيث النقل لما قاله الماوردي. قلت: الظاهر أن مستند من قال ذلك في العارية أن المثلي ربما نقص بالاستعمال، فلو ضمنا المثل لكنا قد أوجبنا الأجزاء المستحقة، وهذا المعنى مفقود في المسائل التي نحن فيها على أن ذلك غير مسلم في العارية أيضًا، فقد نبه ابن أبي عصرون في "الانتصار" على أن أصح الطريق أنه يضمن المستعار المثلي بمثله.
والطريق الثاني: ما ذكره المصنف، ثم استدل بأن نقصان ما لا مثل له كان بالاستعمال المأذون فيه، والمثل لا ينقص بالاستعمال، فتعين المثل فيه.
وقال: قلته تخريجًا، ثم إنه جزم بذلك في "المرشد"، فهذه المسائل الأربعة: المستام، والبيع الفاسد، والمفسوخ، والعارية، قد ردت علينا بعد أن كنا نستبينها (١) على رأي الماوردي، والمصنف من ضمان المثلي بالمثل مع مسألتين أخريين صحيحتين؛ وهما: الماء في المفازة، ولبن المصرَّاة لا يضمنهما بالمثل، وإن كانا مثليين لعلة معروفة في غير هذا الموضع، والخمر في الصيف؛ كالماء في المفازة، وذلك مبين في باب الغصب.
فرع
ما ذكرناه من وجوب القيمة في الهلاك الحسي لا خلاف فيه، وهو كذلك في الهلاك الشرعي؛ كالاستيلاد، والعتق، والوقف، والهبة
стр. 149
المقترنة بالقبض والبيع إلَّا ما سنحكيه عن مذهب الفارسي، ولا أنقله عنه في الاستيلاد صريحًا بل في الأربعة الأخيرة.
* * *
стр. 150
قال المصنف ﵀:
ومتى يعتبر قيمته فيه وجهان؛ أحدهما: تجب قيمته يوم التلف.
الثاني: تجب قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف.
وقد ذكرنا دليل الوجهين في هلاك السلعة في البيع الفاسد.
إذا أوجبنا القيمة إما في المتقوم قطعًا، وإما في المثلي على وجه، فأي قيمة تعتبر فيه؟
أربعة أوجه الوجهان المذكوران في الكتاب، وعليهما اقتصر العراقيون والبغوي في "التهذيب" (١)، والجرجاني في "الشافي":
الأول: قيمته يوم التلف؛ لأن مورد الفسخ العين لو بقيت، والقيمة حلف عنها، فإذا فاتت اعتبرت قيمتها من وقت فواتها (٢).
والثاني: أقصى القيم من القبض إلى التلف؛ لأن يده يد ضمان، وكان الفسخ ممكنًا في كل وقت من القبض إلى التلف هكذا وجهوه (٣).
والثالث: حكاه الشيخ أبو محمد اعتبار قيمة يوم القبض؛ لأنه يوم دخوله في ضمانه، فإن كانت زيادة بعد فهي في ملكه، وإن كان نقصان فهو من ضمانه، فلا يرجع ضرره إلى البائع (٤).
стр. 151
الرابع: حكاه القاضي حسين ولم يذكر سواه، أنه يلزمه أقل ما كانت قيمته من يوم العقد إلى يوم القبض؛ لأنها إن كانت يوم العقد أقل فالزيادة على ملك المشتري، وإن كانت أكثر من يوم القبض، فالنقصان حدث في ضمان البائع، فلا يغرم له، وما بعد القبض لا عبرة فيه بالزيادة والنقصان؛ لأن الزيادة حدثت على ملكه، والنقصان من ضمانه، ومنهم من يتساهل في إطلاق الأقوال على هذه الأوجه (١)، وهو الذي أورده في "المنهاج" (٢).
والأول: هو الأصح عند الغزالي (٣) والرافعي في "المحرر" (٤)، وهو مقتضى إيراد صاحب "التهذيب" (٥).
والثاني: وهو الأصح عند الروياني في "الحلية"، وابن أبي عصرون ويقتضي كلام المصنف أنه الصحيح عنده؛ لأنه هنا الحلقة بالبيع الفاسد، وفي البيع رجح الفاسد الضمان بأقصى القيم، وقال عن الأول: إنه ليس بشيء.
والرابع: قال الإمام: "أنه أضعف الطرق" (٦)، وضعف الغزالي في "البسيط" وجوب أقصى القيم من جهة القياس، وكشف الغطاء في ذلك بذكر أمرين: أحدهما: قال الشيخ أبو علي: هذا الخلاف ناظر إلى أن العقد يرتفع من أصله أو من حينه إن قلنا بالأول، فالواجب أقصى القيم، وإن قلنا بالثاني اعتبرنا قيمة يوم التلف، قال ابن الرفعة: "والثالث والرابع ناظران
стр. 152
بتعليلهما إلى أن الفسخ من حينه" (١).
قلت: وتعليلهما يقتضي ذلك، وإذا نظرنا إلى الخلاف مطلقًا أمكن أن يقال: أنا إذا قلنا: العقد يرتفع من أصله صار كالمقبوض بالعقد الفاسد، وفيه الأوجه الثلاثة، الأول: وإن قلنا من حينه فتعليل الأوجه الأربعة يرشد إلى جريانها، ويحتمل أن يقال: إن الوجه الرابع يمكن جريانه على القول بالارتفاع من أصله؛ لأنه ليس معنى ذلك يتبين بطلان العقد، بل ارتفاع آثاره على ما تقدم في باب الرد بالعيب.
وقد قلنا ها هنا: إن على هذا القول قد قيل: إن الزوائد لا ترد فلا مانع من أن يقال أيضًا بالوجه الرابع على مساق ذلك، وإذا تحرر عندك ذلك عرفت أن الأوجه الأربعة جارية مطلقًا من غير بناء على الأصل المذكور، نعم تقوى إذا قلنا: يرتفع العقد من أصله وجوب أقصى القيم.
وقال صاحب "التتمة": إن قلنا: يرتفع العقد من أصله، فكالمأخوذ بالسوم؛ يعني فيأتي فيه الوجه الأول أقصى القيم، والثالث اعتبار يوم القبض؛ لأنه حكاهما في السوم، وعلى ما حكاه غيره يأتي فيه الوجه الثاني أيضًا.
قال: وإن قلنا: من حينه فأقل قيمة من العقد إلى القبض، كما هو الوجه الرابع، ولم يحك غير ذلك، والكلام عليه كما تقدم، وأما إلحاقه بالسوم فسيأتي الكلام فيه، والذين أطلقوا الخلاف من غير نظر إلى الأصل المذكور، منهم: من يُلحقه بالسوم، وممن فعل ذلك ابن الصباغ.
ومنهم: من يلحقه بالبيع الفاسد؛ كالمصنف، والمحاملي، والجرجاني والروياني في "الحلية".
стр. 153
ومنهم: من يذكر تعليل كل وجه -كما ذكرناه- من غير تعرض للإلحاق بشيء من المسألتين.
وممن فعل ذلك الإمام (١)، وصاحب "التهذيب" (٢)، ومما يجب البينة له أولًا أن الأوجه الثلاثة الأول جارية في البيع الفاسد والسوم "وكل ضامن غير متعدٍّ ولا متصرف في غصب"، هكذا قاله الإمام (٣)، ثم إن الصحيح في البيع الفاسد الضمان بأقصى القيم، وهو الذي رجحه الأكثرون، وعليه يدل نصه في "المختصر" في باب الغصب (٤) وهو الحق؛ لأنه مأمور بالرد في كل وقت، ولا يحل له إمساكه، كما صرح به الأصحاب.
وقول المصنف: في توجيه ضمانه "يوم التلف أنه مأذون في إمساكه" غير مُسَلَّم، ولذلك قال: "إنه ليس بشيء"، ويتأول ذلك على أن المراد أنه قبض بالإذن، وليس كالمغصوب على أنا نمنع الإذن؛ لأن الإذن إنما يستفاد من العقد، وقد تبين فساده وهو إنما أقبضه ظانًّا صحة العقد، فحيث لا عقد لا إذن، فلا إشكال في أن الصحيح في البيع الفاسد وجوب أكثر القيم، وأما السوم: فجماعة منهم الإمام، والمتولي اقتضى كلامهم التسوية بينه وبين البيع الفاسد.
لكن الرافعي قال في باب العارية: "أن الأصح في المأخوذ بالسوم على ما ذكره في "النهاية" أن الاعتبار بقيمة يوم القبض. قال: وقال غيره: الأصح فيه كهو في العارية" (٥) يعني، فيعتبر يوم التلف.
стр. 154
والذي يتجه عندي في المأخوذ بالسوم أنه لا يضمن بالأكثر؛ لصحة الإذن في قبضه في نفس الأمر بالتسوية بينه وبين البيع الفاسد الذي يجب رده في كل لحظه بعيد، ومسألة التحالف التي نحن فيها مترددة تشبه البيع الفاسد من جهة تقدير انفساخ العقد، وارتفاع أثره يشبه السوم من جهة أنه مقبوض بحق، وكان مأذونًا له في إمساكه قطعًا ظاهرًا أو باطنًا، فإن فرعنا على انفساخ العقد من أصله، فالوجه وجوب أقصى القيم.
وعلى المذهب الصحيح ارتفاعه من حينه، فإلحاقه بالسوم والعارية أشبه من إلحاقه بالبيع الفاسد، بل هو أولى من السوم، والعارية باعتبار حالة التلف؛ لتحقق الملك فيه وعدم ارتفاعه إلا من حينه، وذلك الوقت الذي تعلق حق البائع بها، فإذا فاتت رجع إلى قيمتها ذلك الوقت.
وقول صاحب الوجه الثالث: أن الزيادة بعد القبض في ملكه مسلم، ولكن هو لو كان باقيًا وجب رده ولا تصر تلك الزيادة أو النقصان، فكما لا ينظر إليهما عند وجوده، فكذلك عند تلفه، فقد تبين أن الأصح وجوب قيمة يوم التلف، كما صححه الغزالي (١)، والرافعي (٢) والأَرْغِيَاني (٣) في "فتاوى النهاية"، ومن القائلين بهذا الوجه من يقيسه على العارية.
وأما الوجه الرابع، فيظهر ضعفه مما سنذكره.
واعلم أنه تقدم في باب بيع المصراة، والرد بالعيب أن في القيمة المعتبرة لمعرفة الأرش وفيما إذا تلف أحد العبدين ووجد عيبًا بالباقي، وجوزنا
стр. 155
إفراده بالرد واسترجاع حصة التالف من الثمن ثلاثة أوجه، والصحيح منها هناك اعتبار أقل القيمتين، ولم يقل أحد هناك بالوجه الثاني هنا، وهو اعتبار الأكثر ولم كان كذلك، وكان الأصح هنا غير الأصح هناك؟
قال الرافعي: "يجوز أن يكون السبب فيه ما أشار إليه الإمام -وقد رأيته في كلام الإمام (١) -وهو أن النظر إلى القيمة هناك ليس ليغرم، ولكن ليعرف منها الأرش الذي هو جزء من الثمن، وتوزيع الثمن على قيمة التالف والباقي" (٢)، وذلك يستدعي لا محالة نظرًا إلى يوم العقد.
وقد يظن ظانٌّ أن الاعتبار بحالة الضمان فعنده قرر الضمان، فأما اعتبار التلف، فلا يقتضيه هذا الأصل والقيمة في مسألتنا مغرومة، فاعتبار العقد فيها بعيد، واعتبار التلف قريب، فليفصل الناظر بين البابين.
وإذا قلنا فيما إذا تلف أحد العبدين: إنه يضم قيمة التالف إلى الباقي ويسترد جملة الثمن، فقيمة التالف مغرومة، فالقول فيه كالقول في مسألة التحالف قاله الإمام (٣)، أي: فيأتي فيها الأوجه الأربعة، ويكون الأصح فيها اعتبار قيمة يوم التلف، وقد قدمته في ذلك الباب.
ومن كلام الإمام هذا يظهر ضعف الوجه الرابع هنا الذي هو الأصح في ذلك الباب فيما إذا كانت القيمة معيارًا، لكنا قد قدمنا في باب الرد بالعيب وبه جزم الرافعي: "أن المشتري إذا رد المبيع بالعيب والثمن بألف يرجع بمثله، إن كان مثليًّا، وقيمته إن كان متقومًا أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض" (٤) وهي مغرومة، وقد نظروا فيها إلى العقد، وهو يشكل على ما قاله الإمام إن كان الأمر، كما قال الرافعي هناك.
стр. 156
ولما ذكر ابن الرفعة ما قاله الإمام هنا في مسألة العيب قال: و من هذا إن صح بنا الخلاف في مسألة التحالف "على أن الفسخ به يرفع العقد من أصله أو من حينه" (١)، وصح أن الحكم في مسألة العيب، كهو في التحالف يتعين إثبات خلاف في أن انفساخ العقد بعد قبض المبيع بالرد بالعيب يرفع العقد من أصله أو من حينه، وإن كان الإمام (٢) والغزالي (٣)، قد قالا بأنه يرفع العقد من حينه، وإنما الخلاف في رده بالعيب قبل القبض.
قلت: لو صح هذان الأمران، وأن لا مأخذ للخلاف سوى البناء على الأصل المذكور لزم، لكنا قد بينا أن الخلاف يمكن جريانه مطلقًا، وأن الأكثرين لم يبنوه على ذلك، ولا الإمام والغزالي لم يتعرضا لما قاله الشيخ أبو علي من البناء عليه، فلذلك لا يلزمهما إثبات الخلاف فيما بعد القبض.
وقد تقدم عن المتولي في باب العيب إثباته، فلعَل من يقول به هو الذي يقول هنا بالبناء المذكور من لا يقول به في العيب يثبت الخلاف هنا فيه، وفي مسألة العيب لمأخذ آخر، وهو ما تقدم في تعليل الأوجه.
ويحتمل: أن بعض من بناه على ذلك يقول به في التحالف خاصة، ويثبت الخلاف في أنه ينفسخ من أصله أو من حينه فيه، ويكون الخلاف عنده فيه له مأخذان هذا وغيره.
وفي مسألة العيب يثبت الخلاف للمأخذ الآخر للبناء على الارتفاع من أصله أو من حينه، فلا يلزم إثبات الخلاف في الارتفاع من حينه أو من أصله بعد القبض في مسألة العيب.
стр. 157
فرع
قال الغزالي في "الوسيط" بعد أن ذكر الأوجه الأربعة في اعتبار القيمة: إن ذلك الخلاف يجري فيما "إذا اشترى عبدين وتلف أحدهما وتحالفا، وقلنا تضم قيمة التالف إلى القائم" (١).
قال ابن الرفعة (٢): هذا يفهم أن لنا خلافًا في أنه هل يرد مع القائم قيمة التالف أو لا، وهذا لا يعرفه في كلام غيره.
نعم! يجوز أن يثبت الخلاف في جواز رد الباقي وقيمة التالف أو رد قيمتهما معًا؛ نظرًا إلى أن الصفقة لا تفرق كما مثله في الرد بالعيب أنه يرجع بأرشهما معًا، ويجوز أن يقال على تقدير إثبات الخلاف في رد القائم مع قيمة التالف أو رد قيمتهما معًا بعد الفسخ بالتحالف: أن مأخذه النظر إلى جعل الفسخ بمنزلة ابتداء العقد حتى يقول: لا يرد على الآبق، بل على قيمته، فإنه إذا كان لذلك كان في وروده على الباقي وقيمة التالف الخلاف في تفريق الصفقة في الحكم؛ لأن بيع الأعيان يخالف حكمه حكم ما في الذمة، وكل هذا بحث، ولم أر فيه نقلًا، فليتأمل.
قلت: والعجب منه ﵀ فإن الخلاف في رد الباقي، وقيمة التالف ذكره الرافعي، وقال: "فيه الخلاف المذكور في مثله إذا وجد الباقي معيبًا، إن قلنا: يرد فيضم قيمة التالف إليه، وفي القيمة المعتبرة هذه الأوجه" (٣).
وأما جعل مأخذه النظر إلى جعل الفسخ بمنزلة ابتداء العقد فضعيف؛ لأن القائل بامتناع ورود الفسخ على الآبق يجوزه على القيمة، كما في التالف، والقائل بجوازه يجعل القيمة للحيلوله، ويجب ردها عند عود
стр. 158
الآبق، فحكم القيمة مخالف لبيع العين على كل تقدير، فلو صح ما قاله ابن الرفعة لكان مأخذه الخلاف في تفريق الصفقة في الأحكام، لا جعل الفسخ بمنزلة العقد أو لا.
* * *
стр. 159
قال المصنف ﵀:
[وإذا] (١) زادت القيمة على ما ادعاه البائع من الثمن، وجب ذلك، وحكى عن أبي علي بن خيران أنه قال: ما زاد على الثمن لا يجب؛ لأن البائع لا يدعيه، فلم يجب، كما لو أقر لرجل بما لا يدعيه [والأول هو المذهب] (٢)؛ لأنه بالفسخ سقط اعتبار [الثمن، فصار الاعتبار بالقيمة، فوجب أن يجب قدر القيمة] (٣).
وجوب القيمة سواء أكانت أزيد من الثمن أو أقل قطع به الأكثرون منهم الماوردي (٤)، والقاضي الحسين، والرافعي (٥)، لما ذكره المصنف ونص عليه الشافعي في "الأم" في باب اختلاف المسلف والمسلف في الثمن، وما قاله ابن خيران حكاه المصنف، والشاشي في "الحلية"، والروياني (٦) وغلطه، والنووي في "الروضة" (٧) وضعفه.
قال ابن الرفعة: "وهو نازع إلى أن الفسخ لا ينفذ في الباطن" (٨)، فإنه إذا كان كذلك لم يستحق الزائد، كما لا يستحقه إذا استرد العين عند بقائها
стр. 160
وباعها كلها بأكثر مما يدعيه من الثمن؛ لكونه لم يجد من يشتري بعضها، فإن القدر الزائد على ما يدعيه لا يكون له، بل يكون في يده ملكًا للمشتري، بخلاف ما إذا قلنا: إن الفسخ ينفذ في الباطن، فإن كل المبيع يرجع إليه زادت قيمته أو نقصت.
قلت: ويشهد له ما حكاه المصنف من التعليل وقياسه على الإقرار الذي هو حجة في الظاهر فقط، غير أنه يخدشه شيء، وهو: إن جعلنا المبيع في يده إذا استرده بمنزلة المأخوذ بالظفر إنما هو في الباطن، أما في الظاهر فهو محكوم له به كله، وكلام ابن خيران هنا ظاهره أنه فيما يحكم به الحاكم ظاهرًا، فلا يحسن بناؤه على ذلك.
وفائدة التحالف عند ابن خيران أنه إذا فسخ يستحق البائع ما ادعاه من الثمن زائدًا على قول المشتري؛ إذ لو لم يفسخ لم يعطه المشتري إلَّا ما أقر له به من الثمن الناقص، وفائدته عندنا الرجوع إلى القيمة بكل حال، ولو فرضنا أن القيمة أقل من الثمن الذي أقر به المشتري، فقد يقال: ينبغي ألَّا يجري التحالف؛ لأنه لا فائدة فيه؛ لأن مقدارها واجب بقي العقد أو فسخ، فإن ذلك القدر مستحق على كل حال، والعقود تصان عن الفسخ، فينبغي أن يشرع التحالف حينئذٍ لا فائدة، فأي فائدة للتحالف ومقدار القيمة مستحق على التقديرين والزائد عليها إلى مقدار الثمن الناقص مستحق عند بقاء العقد باعترافهما، والزائد على ذلك مما يدعيه البائع لا يجب له.
وإن قيل: إن المقصود بالتحالف أن المشتري قد يعرف عند عرض اليمين عليه، فيحصل للبائع غرضه من إثبات الثمن الزائد، وكل منهما قد يقصد تصديق قوله، فيقول: هذا صحيح، ولكن ينبغي إذا تم التحالف لا يشرع لهما إنشاء الفسخ إذا كانت القيمة مساوية للثمن الناقص؛ إذ لا فائدة فيه.
نعم؛ للمشتري حينئذٍ فيه فائدة، وهو النقص عما أقر به من الثمن وغاية
стр. 161
ما يتعذر به عن هذا أن على تقدير بقاء العقد يكون ذلك القدر مستحقًّا عن جهة الثمن، وعلى تقدير الفسخ يكون عن جهة القيمة، وقد يكون لأحدهما غرض في اختلافهما.
وقد ذكرت الحنفية من جملة اعتراضاتهم علينا في التحالف بعد التلف أنكم حكمتم للبائع بأكثر مما يدعي، أو على المشتري بأقل مما يغرمه.
وأجاب أصحابنا: بأنا فسخنا العقد، فهذا غير ما يبدأ أعيانه، كما أن عند قيام السلعة يحكم للبائع بالعين ولا يدعيها، ولم ينقل الأصحاب هذا الوجه في هذا الباب إلّا عن ابن خيران، وفي الصداق نقلوه عنه، وعن ابن الوكيل (١)، فالظاهر أن ابن الوكيل يوافقه هنا أيضًا.
* * *
стр. 162
قال المصنف ﵀:
[وإن اختلفا في قيمة] (١) السلعة، فالقول قول المشتري؛ لأنه غارم، فكان القول قوله كالغاصب.
هذا لا خلاف وقاسه على الغاصب؛ لأن أسوأ الدرجات أن يكون مثله، ومع ذلك، فالقول قوله في القيمة، ولو أقام البائع بينة سمعت، وتفاصيل ذلك مذكورة في باب الغصب، والمراد هنا: أن يختلفا في قيمته في اليوم الذي نعتبره على الأوجه المتقدمة.
فرع
ذكر المصنف الحكم عند تلف المبيع، وأنه يرد القيمة، ولا شك أن للمبيع أحوالًا:
أحدها: أن يكون تالفًا، وقد عُرِفَ حكمه.
والثاني: أن يكون باقيًا بحاله من غير زيادة ولا نقصان، وحكمه بعد التحالف الفسخ بعينه، وسكت عنه المصنف فيما تقدم؛ لوضوحه ومعرفته من قوة كلامه.
والثالث: أن يكون باقيًا، ولكن حدث له تغير.
وفيه مسائل: إحداها: إذا حدث به عيب رده مع الأرش، وهو قدر ما نقص من القيمة؛ لأن الكل مضمون على المشتري بالقيمة، فيكون البعض مضمونًا ببعض القيمة بخلاف ما إذا تعيب المبيع في يد البائع، وأفضى الأمر إلى الأرش يجب جزء من الثمن؛ لأن الكل مضمون على البائع
стр. 163
بالثمن، فلذلك بعضه ببعضه.
قال الشيخ أبو علي: هذا أصل مطرد في المسائل أن كُلَّ موضع لو تلف لكل كان مضمونًا على الشخص بالقيمة، فإذا تلف بعضه كان (١) مضمونًا عليه ببعض القيمة كالمغصوب وغيره إلَّا في صورة: وهي إذا عجل زكاة ماله، ثم تلف ماله قبل الحول، وكان ما عجل تالفًا؛ يغرم المسكين القيمة، ولو كان معيبًا، ففي الأرش وجهان، وهذه المسألة مبنية موضعها، وميل الشيخ إلى طرد الأصل فيها، وكذلك الإمام (٢) قال باطراد الأصل المذكور وانعكاسه.
وَحُمِلَ نص الشافعي على أن الإمام يخرج من المال العام أرش الشاة التي عابت في يد المسكين، ويضمه إلى الشاة ولا يغرمه للمسكين على الاستحباب عند اتساع المال.
وقال: لا يجوز أن يعتقد خلاف هذا الأصل، وأنه منعكس، فإن المبيع إذا عاب في يد البائع لم يلتزم البائع للمشتري أرش العيب؛ لأن المبيع لو تلف في يده لم يلتزم قيمته، بل الحكم الانفساخ، ولا يمكنا أن نثبت في العيب الانفساخ، فإن الفائت بالعيب جزء ليس مقصودًا مفردًا على حاله، فكان أقرب الأمور يخير المشتري في الفسخ.
قال ابن الرفعة: "وهذا الأصل يُسْتثنى منه مسائل:
منها: المسألة التي نحن فيها، فإن الإمام حكى في آخر "النهاية" عن الشيخ أبي علي أنه تشبث بإجراء الخلاف فيها بعد أن قال: إن صاحب الوجه بعدم الرجوع بالأرش إن طرده فيها كان قريبًا من حرف الإجماع.
ومنها: لو رد المبيع بعيب، فوجد الثمن قد تعيب في يد البائع، كان
стр. 164
المشتري مخيرًا بين أن يبيع به ولا أرش له، وبين أن يأخذ القيمة على أحد الوجهين.
ومنها: لو تعيب الصداق في يد الزوجة قبل الطلاق، وعاد الشطر إليه لم تغرم الزوجة الأرش إذا اختار الزوج الرجوع إلى الشطر، ولو تلف لغرمت نصف القيمة على ما حكاه الغزالي.
ومنها: اللقطة إذا حضر مالكها وقد تعيبت في يد الملتقط، فإنه يجري فيها مثل هذا الخلاف، مع أن ذلك لو تلف لرجع بالقيمة.
ومنها: القرض إذا تعيب في يد المقترض، فإنه مخير، إن شاء رجع فيه ناقصًا ولا أرش له، وإن شاء رجع بمثله إن كان من ذوات الأمثال، كما حكاه الماوردي ولم يحكِ سواه، وحكى فيما إذا كان الواجب رد القيمة خلاف كل هذه الصور خارجة من القاعدة في المطرد، وأما في العكس فلا يخرج منها شيء نعلمه الآن" (١).
نعم المشتري من الغاصب إذا تلفت العين في يده وغرم قيمتها لا يرجع بها على الغاصب، ولو تعيبت في يده وغرم الأرش يرجع به على الغاصب، كما حكاه الغزالي (٢) عن نص الشافعي، ومع هذا يصح أن يقال: يد ضامنة يستقر عليها ضمان الكل، ولا يستقر عليها ضمان البعض، وهو خارج عن اتباع الجزء الكل أيضًا، يعني: فترد على الطرد من هذا الوجه وعلى العكس من جهة الغاصب يرجع عليه بالبعض دون الكل.
قلت: وهذه الصور الست لا ترد على الإمام، وقد تعرض ابن الرفعة في "شرح الوسيط" لعدم ورودها عليه، أما الخلاف في مسألة التحالف، فهو ضعيف جدًّا، والإمام ذكر في آخر "النهاية" (٣) أن ذلك خرق الإجماع
стр. 165
والصور الخمسة الباقية ذلك فيها مفروض فيما إذا كان الرجوع إلى العين بالاختيار حيث نقول له: ألَّا يرجع فيه ويرجع في بدلها، والقاعدة التي ذكرناها فيما إذا كانت العين ترجع إليه لا محالة، كما في التحالف والزكاة المعجلة، فلا يرد ذلك عليها؛ ولهذا إذا قلنا: يرد الثمن إليه عند رد المبيع بالعيب قهرًا ولا يخير وكان معيبًا يثبت له الأرش.
قال ابن الرفعة: "ومن هنا يُعْرَفُ أن الخلاف الذي تشبث به الشيخ أبو علي في التحالف: أن البائع هل يرجع بعد التحالف إلى الغير والأرش أو يخير بين أن يأخذ بدلها أو يقنع بها ولا أرش له، كما في مسألة الرد بالعيب، لا أنه يرجع في العين حتمًا، ولا يكون له الأرش" (١).
قلت: وهو كذلك، والإمام إنما حكاه في آخر "النهاية" (٢) على هذا الوجه، فإنه حكاه في مسألة الثمن إذا تعيب، ثم قال: إن ذلك الوجه إن طرد في التحالف؛ كان خرقًا للإجماع، وإن سلم بطل في العيب أيضًا، ثم قال: وتشبث الشيخ أبو علي بإجراء الخلاف في مسألة التحالف، فليس مراده إلَّا الخلاف المذكور، وهو تخيير المشتري.
وعلى كل حال، فالتنبيه على هذه المسائل وأجوبتها مما يستفاد، والمذكور في مسألة الصداق من تخيير الزوج بين الرجوع إلى قيمة النصف السليم والرجوع إلى نصف المعيب من غير أرش هو ظاهر المذهب، وفيه احتمال للإمام أقامه الغزالي (٣) وجهًا أن عليها الأرش؛ أخذًا من القاعدة المذكورة، واستناد الإمام (٤) في هذه المسألة إليها يدل على أنها من
стр. 166
القاعدة، ويرد العذر المتقدم عنه، لكنه لمخالفته فيها، فإما أن يجعل ذلك الاعتذار عن المذهب، وإما أن ينظر في صحة القاعدة، وكذلك المذكور رد المعيب بعد تعيب الثمن هو الصحيح عند الأكثرين؟
وقد قدمت في باب الرد بالعيب فيه، وفي مسألة الصداق وجهًا، وللإمام في مسألة العيب احتمال أيضًا، والأصح في اللقطة غرامة الأرش؛ جريًا على مقتضى القاعدة.
• وأما مسألة القرض ففرق الماوردي (١) بينها وبين المغصوب بأن القرض يزيل الملك، والغصب لا يزيل الملك، وفرق في القرض بين المثلي والمتقوم بأن ماله مثل ليس للقيمة فيه مدخل، فكذلك الأرش وما لا مثل له لمَّا دخلته القيمة دخله الأرش، وها هنا في المتقوم كذلك، والمثلي لم يدخل في القاعدة، وإنما يردُّ لو جعل ضمان الأرش تابعًا لضمان الكل مثليًّا كان أو متقومًا، وإنما كان الحكم في القرض كذلك؛ لأن المقرض حقه ثابت في البدل وهو المثل في المثلي، والقيمة في المتقوم.
وله استرجاع العين إذا كانت باقية بحالها على الصحيح، فإن قنع بها فذاك، وإلَّا ففي المثل ليس إلَّا المثل الواجب؛ إذ في تكليف المقرض رد العين مع الأرش خروج بالكلية عن الواجب، وأما في المتقوم، فإيجاب الأرش مع رد الغير ناقصة، ليس فيه خروج عن الواجب، فإن الأرش بعض القيمة الواجبة، والعين الناقصة بعض الواجب، هذا ما ظهر لي في تعليل قول الماوردي (٢) إن كان الأصحاب يوافقونه عليه، وقياسه أن يقول بمثله فيما إذا رد المبيع بعيب، وقد عاب الثمن المثلي في يد البائع. لكنا قدمنا أن أكثر الأصحاب قالوا بذلك، فيما إذا كان الثمن متقومًا أيضًا، وكذلك
стр. 167
مسألة الصداق، فهذه المسائل تحتاج إلى تأمل.
• ومسألة الشاة المعجلة من جنسها، والأصح فيها عدم وجوب الأرش، وقد رأيت أنا من جنس هذه المسائل على وجهٍ مسألةً؛ وهي أن المستعار إذا تلف كله في يد المستعير في غير الوجه المأذون فيه ضمنه المستعير على المشهور في المذهب الذي لا يكاد يعرف خلافه إلَّا قول غريب، وإذا تلف جزوه بغير السبب المأذون فيه؛ ففيه وجهان: أصحهما الضمان، فعلى الوجه الآخر: تُسْتَثْنَى هذه المسألة من طرد القاعدة، ويمكن (١) أن تورد من وجه آخر، فإن المستعار إذا تلف كله في الوجه المأذون فيه ضمن في وجه مشهور، وإن كان الأصح خلافه.
والأجزاء المستحقة مع بقاء الثوب لا تضمن إلَّا على وجه ضعيف، ومهما اختلفا في الأرش، فالقول قول المشتري، كما لو اختلفا في القيمة.
المسألة الثانية: أن كل واحد من التلف والتعييب قد يكون حقيقيًّا، وقد يكون حكميًّا، فالتالف الحكمي الوقف والعتق والبيع والهبة مع الإقباض، وقد قدمنا ذلك، فتجب القيمة، وهذه التصرفات ماضية على الصحة.
وقال أبو بكر الفارسي: يتبين بالتحالف فسادها وترد العين، والصحيح الأول، وقد تقدم من ذلك عند التفريع على الانفساخ بنفس التحالف ما فيه الكفاية، والتعييب الحكمي كتزويج الأمة أو العبد، فعليه ما بين قيمتها مزوجة وخلية، وإن وطئها الزوج، فإن كانت (٢) ثيبًا، فلا شيء بسببه، وإن كانت بكرًا، فافتضها غرم المشتري أيضًا أرش البكارة، ويعود إلى البائع، والنكاح صحيح.
стр. 168
وعن الفارسي: أنه يبطل النكاح، ولو كان العبد المبيع قد أبق من يد المشتري حين تحالفا أو قبل أن يتحالفا لم يمتنع الفسخ، ولا التحالف قطعًا؛ لأنه لا يزيد على هلاكه ويغرم المشتري قيمته؛ لتعذر حصوله، وكذا لو كاتبه كتابة صحيحة على المذهب الجديد في امتناع بيع المكاتب.
وإن رهنه فالبائع بالخيار إن شاء صبر إلى فكاكه بشرط ألَّا يفسخ الآن على تسبيبه عليه، وإن شاء أخذ القيمة، وإن أجره بنى على جواز بيع المستأجر إن منعناه، فكما لو رهنه، وإن جوزناه فللبائع أخذه، لكن ينزل عند المستأجر إلى انقضاء المدة، والأجرة المسماة للمشتري، وعليه للبائع أجرة المثل للمدة الباقية وإن كان أجَّره للبائع فله أخذه قطعًا.
وفي انفساخ الإجارة وجهان، كما لو باع الدار لمستأجرها إن قلنا: لا ينفسخ، فعلى البائع الأجرة المسماة للمشتري، وعلى المشتري أجرة مثل المدة الباقية للبائع.
واعلم أن هذه المسائل الأربعة: مسألة الإباق، والكتابة، والرهن، والإجارة، تشترك في وجوب القيمة بعد الفسخ، وتشارك التلف الحسي في ذلك، وتفارقه وتفترق فيما بينها في شيء، وهو أن الفسخ في التلف الحسي يرد على القيمة قطعًا.
وفي الصور الأربعة اختلفوا هل يرد على القيمة كما في التلف الحسي أو على العين وتؤخذ القيمة للحيلولة؟
والخلاف في الصور الأربعة على مراتب ففي الآبق وجهان: أحدهما: أن الفسخ يرد على قيمته؛ لامتناع تملك الآبق بالبيع، فكذا بالفسخ وتعذر لامتناع تملكه؛ كالتالف وأصحهما على ما ذكره القاضي الحسين والإمام (١)
стр. 169
والرافعي (١) وهو الحق أن الفسخ يرد على عينه؛ لأنها هي المعقود عليها، وقد ارتفع العقد فعادت إلى ما كانت عليه قبل العقد وتدخل في ملك البائع، ولكن يجب على المشتري القيمة للحيلولة؛ لأن الإباق وجد في يده فشابه المغصوب إذا أبق من يد الغاصب.
وفي المكاتب والمرهون طريقان: إحداهما: أنه كالآبق، فيجري فيه الوجهان، وأصحهما القطع بأن الفسخ وارد على القيمة، ويبقى الملك في المكاتب والمرهون للمشتري، وهذه طريقة الشيخ أبي (٢) محمد، واستدلوا لها بخروج المكاتب والمرهون عن قبول التصرف لنقص في الملك بخلاف الآبق، فإن منع التصرف فيه لا لنقص في ملك الرقبة، وإنما هو للعجز عن تسليمه؛ ولذلك يرجع البائع عند فلس المشتري في الآبق، ولا يرجع [فيه] (٣)، والمكاتب. والعين المستأجرة هل هي كالمرهون والمكاتب أو كالابق؛ لأن حق المكتري لا يتعلق بمورد البيع والفسخ وهو الرقبة، فيه احتمالان للإمام أظهرهما عنده الثاني، والاحتمال الأول لعل مأخذه أن مورد الإجارة العين، كما هو رأي أبي إسحاق، وهو الذي قاله القاضي حسين؛ أعني الاحتمال الثاني.
فحصل من ذلك أن الفسخ يرد على القيمة في الآبق على غير الأصح والمستأجر أولى، والمرهون والمكاتب أولى، وهو الأصح فيه.
قال ابن الرفعة: "ومثل هذا الخلاف يشبه أن يكون فيما إذا اطلع البائع على عيب بالثمن المعين، وقد ضل المبيع أو أبق، فردَّ الثمن بالعيب هل يرد الفسخ على القيمة أو على العين" (٤).
стр. 170
وحقيقة الخلاف ترجع إلى أنا هل نلاحظ في الفسوخ بالنسبة إلى الملك شرائط العقود أو لا؟! ولأجل ذلك جرى الخلاف فيما إذا باع حليًّا زِنْتُه ألف بألف، ثم اطلع على عيب به بعد حدوث عيب انكسار به عند (١) المشتري، فهل يلاحظ فيه قاعدة الربويات حتى يمتنع أخذ الأرش عن القديم أو الحادث أو لا يلاحظ؟ بل يغرم البائع أرش العيب القديم، وإن كان الغزالي جعل باديه غير ذلك، وشاهد ما ذكرته طرد الخلاف فيما إذا غصب حُليًّا زنته ألف وقيمته أكثر من ذلك، وتلف في يده، وهو من جنس نقد البلد.
قلت: وإطلاق القول بأنه يُرَاعى في الفسوخ شرائط العقود يقتضي ألَّا يجوز رجوع البائع عند فلس المشتري في الآبق، وقد تقدم خلافه.
ومسألة الحلي قد تقدم إشباع الكلام فيها، ولا يلزم أن يكون مأخذها ما ذكر، وليس في مسألة الغصب شاهد بَيِّن لما ذكره؛ لأنه لا فسخ فيها. والله أعلم.
إذا عرفت هذا الخلاف في مسألة الإباق والكتابة والإجارة والرهن، ففائدة إذا عاد الآبق أو زالت الكتابة والرهن والإجارة، فإن قلنا: الفسخ وارد على القيمة، كما في التلف فلا يجب على المشتري رد الآبق والمكاتب والمرهون والمؤجر بعد زوال الموانع على البائع لبقائهم على ملكه، ولا يلزم البائع قبوله، وليس للمشتري المطالبة بما بدل من القيمة فلو تراضيا على رده جاز.
قال ابن الرفعة: لكنا هل نجعل تراضيهما بمنزلة ابتداء ابتياع حتى يشترط فيه ما يشترط في الابتداء؟! فيه نظر، واحتمال يقرب مما إذا قلنا تنفيذ الوارث للوصية ابتداء عطية منه.
стр. 171
قلت: وتخريجها على ذلك بعيد؛ لأن من اكتفى بالإجارة في الوصية اعتمد الخبر، والوجه هنا القطع باشتراط شروط الابتداء. والله أعلم.
وإذا قلنا بأن الفسخ وارد على الغير، فهي على ملك البائع، والقيمة التي أخذها للحيلولة، فإذا زالت الموانع ثبت للمشتري رد العيب واسترداد القيمة عند ارتفاع الحيلولة، فهذه فائدة في الخلاف في المتعقب.
ومن فوائده في الحال: أن البائع لو قال: لا آخذ القيمة وأصبر إلى رجوع الآبق، فتقدم أولًا ما قاله الإمام في المرهون، حكى الإمام بعد حكاية الطريقين في المرهون والمكاتب: أن الشيخ أبا علي قال عند جريان التحالف (١) والمبيع مرهون: "لو اختار البائع الفسخ والرجوع إلى القيمة، فله ذلك، ولو قال: أصبر حتى يفك الرهن، فله ذلك.
قال الإمام: وهذا عندما يخرج على ما ذكرناه، فإن عجل الفسخ وأراد القيمة أجيب إليها.
ثم القول في المرهون عند انفكاك الرهن هل يعود إليه؟ على ما مضى، وإن لم يرد القيمة.
وقال: أؤخر إلى انفكاك الرهن فيخرج الخلاف المتقدم.
إن قلنا: الملك في المرهون ينقلب إليه، فله أن يؤخر طلب القيمة، وهذا يُنَبِّه على أصل، وهو أن كل ما يجب بدله لمكان الحيلولة وكان زوالها ممكنًا، فإن طلبه ذو الحق لزم إسعافه، وإن لم يطلبه، فأراد الضامن أن يجبره على قبوله، فإن الأصح أنه يجبر على القبول، فنقول في مسألتنا: إن قلنا: أصل حق البائع القيمة، ولا معدل عنها، فيظهر إجباره على قبولها" (٢). انتهى
стр. 172
كلام الإمام، وهكذا وجدته في "النهاية" في نسختين، وفيه إشكال في قوله: الأصح أنه يجبر.
وقد نقل ابن الرفعة كلام الإمام إلى قوله: فإن طلبه ذو الحق وجب إسعافه وإن لم يطلبه لم يجبر عليه، وليس كما لو أراد مَنْ عليه دين مستقر أن يجبر مستحقه على قبوله، حيث يجبر على الأصح، وهذا الذي نقله ابن الرفعة جيد من جهة المعنى، لكني لم أره في "النهاية" في هاتين النسختين.
ثم قال ابن الرفعة: وهذا ظاهر إذا كان تأخير الطلب إلى الفكاك بعد فسخ العقد أو انفساخه.
أما لو قال: أنا أنتظر بالفسخ الفكاك، فهل له ذلك أو لا؟! الكلام فيه ينبني على أن حق الفسخ بعد التحالف، هل يكون على الفور أو لا؟! والذي يشبه أن لا حتى لو لم يفسخاه على الفور كان لهما ولأحدهما فسخه بعد ذلك لبقاء الضرر المحوج إلى الفسخ، وإذا كان كذلك لم يتجه إجبار البائع على قبول القيمة بحال عند اختياره الانتظار بالفسخ، اللهم إلا أن يختار المشتري الفسخ في الحال، فإنه ثابت له في الظاهر، وإن كان كاذبًا في نفس الأمر، فعند ذلك يطرقه ما ذكره الإمام قال: والمذكور في "الحاوي" (١) أن التحالف والفسخ إذا وُجِدَ والمبيع مرهون لا ينفسخ، وهل له أن يأخذ المشتري بفكاكه قبل محله؟! فيه وجهان، كَمَن أذن لغيره في رهن عبده، فإن منع في الرهن ضمن المشتري قيمته للبائع، وأن افتكه منه رده على بائعه وبرئ من ضمانه.
قال ابن الرفعة: وهذا يقتضي الجزم بورود الفسخ على عين الرهن، وبه تكمل فيه ثلاث طرق.
стр. 173
قلت: وقد يكون الماوردي اقتصر على ذكر أحد الوجهين في ورود الفسخ على العين، فلا تكون طريقة ثالثة وجزمه بأنه لا ينفسخ الرهن زيادة فائدة لم يتعرض لها فيما تقدم على قول ورود الفسخ على العين، ويتبين لأنا وإن قلنا برجوع الملك إلى البائع لا ينفسخ الرهن، بل يصير حكمه حكم المستعار للرهن، وقد يتخذ من هذا أن البائع إذا طلب تأخير القيمة بعد الفسخ لا يجاب على الأصح، بل يجبر على قبولها، وإن أخر الفسخ.
أجيب: وهذا الذي وعدت بالتنبيه عليه، وإن كان الرافعي (١) ﵀ أطلق القول بأن البائع مخير بين الصبر إلى الفكاك وبين أخذ القيمة، وحيث قلنا: يجاب على قولنا بأن القيمة للحيلولة على وجه؛ فذلك لأنها غير الحق وليس كما لو طلَّق قبل الدخول والصداق مرهون حيث يجبره على قبول القيمة؛ لأنها عين الحق، فهذا ما يتعلق بالمرهون الآبق، فإذا قال البائع: لا آخذ القيمة، وأصبر إلى رجوع الآبق، فإن كان ذلك قبل الفسخ. أجيب: على مقتضى ما تقدم من أن الفسخ ليس على الفور، وإن كان بعد الفسخ، فإن قلنا: الفسخ وارد على القيمة، فهل يجبر على قبولها أو الإبراء أو لا يجبر؟! يُبْنَى على نظيره فيمن له دين حالّ، هل يجبر على قبضه حيث لا مانع منه أو يبرأ، وإن قلنا: الفسخ وارد على العين وبدل المشتري القيمة مخافة أن يطلبها منه في وقت بخلو يده عن النقد فيه، فهل يجبر البائع على قبولها؟!
قال ابن الرفعة: لم أرَ فيه نقلًا، ويشبه أن يكون فيه وجهان، كما ذكرهما الغزالي فيما إذا طلق الزوج والصداق مرهون، وقال: أنتظر الفكاك للرجوع.
стр. 174
وقلنا: إنه لو تلف في تلك الحال لا ضمان عليها، فبدلت له القيمة، هل يلزمه قبولها أو لا؟! وجهان منشأ الوجوب أن هذا وعد، وربما يبدو وله المطالبة بالقيمة، وبخلو يدها في ذلك الوقت عن النقد.
قال: فإن قلت: القيمة في الصداق والحالة هذه لو أحدث لم يكن للحيلولة بخلاف ما نحن فيه.
قلت: صحيح لكن إذا كان الإجبار على القبض لأجل هذه العلة مع أنه يسقط الحق من العين بالكلية، فلأن يكون فيما نحن فيه هو لا يسقط التعلق بالعين أولى.
نعم قد يقال: حضور العبد قد يكون عند خلو يد البائع عن النقد، وفي تكليفه للتحصيل له ضرر أيضًا، والضرر لا يُزَالُ بالضرر، فيجوز لذلك ألَّا يجبر على قبض القيمة وجهًا واحدًا، كما لا يجبر المغصوب منه على أخذ قيمة المغصوب إذا أبق من يد الغاصب.
نعم! الإمام خرَّج في إجبار المغصوب منه على أخذ القيمة للحيلولة وجهًا، وما ذكرناه يدفعه، وإن لم يندفع فلا شك أنه يجري ها هنا؛ إذ يظهر أنا على ما عليه نفرع بجعل الحكم في فروع المسألة، كما في العبد المغصوب، حتى يقول: يطالب المشتري بقيمة منافعه قبل أداء القيمة، وبعد أدائها يكون فيه الخلاف، ولا نظر إلى أنه ها هنا غير آثم بخلاف الغاصب؛ لأن ما عده الضمان لا ينظر [فيه] (١) إلى ذلك.
قال: "وليعرف أنا إذا قلنا: الفسخ يرد على القيمة كان في اعتبارها الأقوال الأربعة في حال تلف المبيع، فإن قلنا: يرد على الغير، فالاعتبار في القيمة التي تؤخذ للحيلولة بيوم التغريم" (٢).
стр. 175
وقال أيضًا: "قال بعض الشارحين: لو وجد الفسخ وقد دبر المشتري المبيع ينبغي أن يخرج على الخلاف في المهر إذا كان عبدًا فدبرته، ثم طلقها الزوج قبل المسيس هل يرجع في شطره؟! فيه وجهان: أي: إن قلنا: لا كان كما لو وهبه، وإلا ورد الفسخ على عينه ويبطل التدبير" (١).
قال ابن الرفعة: "والذي يتعين أنه يرد على عينه ويفارق الصداق؛ لأن الزيادة المتصلة تمنع الرجوع فيه دون غيره، يعني: والتدبير كونه قربه كالزيادة المتصلة" (٢). وهو جواب صحيح.
وقد ذكر الرافعي (٣) وجهين في رجوع الواهب ورد المبيع بالعيب بعد تدبير العبد الذي هو ثمن الأصح انتقاض التدبير وعدم امتناع الرد والرجوع.
فرع
ما تقدم في تعليل ورود الفسخ على القيمة في الآبق، وقياسه على التالف حسًّا يشعر بأن الفسخ في حال التلف الحسي وارد على القيمة قطعًا، ولك أن تقول: لم لا يقدر الفسخ مستندًا إلى قبيل التلف، ويكون الفسخ واردًا على العين، ويتبين هلاكها على ملك البائع، كما قالوا بمثله في تلف المبيع قبل القبض.
والأصل في الانفساخ إذا ورد على العقد أن يرتفع أثره، ويرجع كل من العوضين إلى باذله، وتقدير استناد الفسخ إلى ما قبل التلف أسهل من عدم العمل بمقتضى الفسخ وجعل القيمة بدلًا عن الفائت، وإذا استشكلت ذلك في التالف حسًّا، فأنت في الآبق على الوجه الذاهب إلى ذلك فيه أشد
стр. 176
استشكالًا، وكيف يحكم بارتفاع العقد ويبقى الآبق الذي هو أحد أركان العقد باقيًا على حكمه؟! فالأولى فيه أن يقال بورود الفسخ على العين جزمًا.
وأما التالف فقد عرفت ما يقتضيه النظر، ولم أر فيه تصريحًا إلا ما يقتضيه تعليلهم هنا في الآبق والمرهون، فينبغي أن يُتأمل ذلك ويحمل كلامهم على أن المراد رد القيمة وليس المراد بها مورد الفسخ، بل مورد الفسخ العين بتقدير استناد الفسخ إلى ما قبل التلف على ملك المشتري، وعدم تقدير انقلابه إلى ملك البائع إن كان أحد يقول بذلك ولا إخاله، فكان ينبغي أن يُعتبر قيمته يوم التغريم، وما تقدم من بناء الشيخ أبي علي الخلاف في وقت اعتبار القيمة على الارتفاع من أصله، أو من حينه تُشعر بما قلته من تقدير الانفساخ قبيل التلف.
وقولهم في تعليل بعض الأوجه المذكورة إن القيمة خلف عن العين تشعر بخلافه، فليتأمل هذا البحث الذي حركته، فإني لم أجد فيه صريحًا، وهذا إنما يأتي في التلف الحِسّي، ولا يأتي في التلف الشرعي كالعتق ونحوه إلّا على مذهب الفارسي، فإنه يقول بارتفاعه من الأصل بالكلية.
وقياسه: أن يقول عند التلف الحسي بتلفه على ملك البائع، وورود الفسخ على عينه بطريق الأوْلى.
واعلم أنه لا يمنع من التقدير المذكور الحكم بضمان المشتري للقيمة؛ لأن ذلك لوجود التلف تحت يده وهي ضامنة.
المسألة الثالثة: إذا وجده زائدًا، فلا يمتنع التحالف والفسخ، وقد تقدم الكلام في الزيادة المنفصلة، وأما المتصلة فلا أثر لها هنا.
* * *
стр. 177
قال المصنف ﵀:
وإن تقايلا أو وجد بالمبيع عيبًا فرده، واختلفا في الثمن، فقال البائع: الثمن ألف، وقال المشتري: ألفان، فالقول قول البائع؛ لأن البيع قد انفسخ، والمشتري مدَّع، والبائع منكر فكان القول قوله.
صورة المسألة أن يكون بعد قبض الثمن، والحكم بعد ذلك واضح لا إشكال فيه، وقد جزم الرافعي بالمسألتين في آخر اختلاف المتبايعين، وقد ذكر المسألة الثانية في فروع ختم بها باب الرد بالعيب.
فقال: "عن ابن أبي هريرة: قال: أعيتني هذه المسألة، والأولى أن يتحالفا، وتبقى السلعة في يد المشتري، وله الأرش على البائع، فقيل له: إذا لم تعرف الثمن كيف تعرف الأرش؟! قال: احكم بالأرش في القدر المتفق عليه، وعن أبي إسحاق: أن القول قول البائع؛ لأنه الغارم كما لو اختلفا في المثمن بعد الإقالة.
قال الرافعي: وهذا هو الصحيح" (١)، ونقل النووي في "الروضة": "أن القفال في شرح "التلخيص" نقل فيما لو تقايلا ثم اختلفا في الثمن ثلاثة أوجه؛ سواء قلنا: الإقالة بيع، أو فسخ أصحها؛ وهو قول ابن المرزبان: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان وتبطل الإقالة" (٢).
стр. 178
قال المصنف ﵀:
فصْل: [تحالف الورثة]
وإن مات المتبايعان واختلف ورثتهما تحالفوا؛ لأنه يمين في المال، فقام الوارث فيها مقام [الموروث] (١) كاليمين في دعوى المال.
لا فرق عندنا أن بين يقع الاختلاف بين المتبايعين أو ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر، سواء أكان قبل القبض أم بعده، ووافقنا أبو حنيفة (٢) على ذلك فيما إذا مات المتبايعان والمبيع غير مقبوض.
وقال: فيما إذا كان مقبوضًا أن القول قول ورثة المشتري، وحجتنا من جهة القياس ظاهرة، وحجتهم ما تقدم من أن التحالف عندهم بعد القبض على خلاف القياس، فلا يتعدى به مورد النص، والنص لم يرد إلّا في المتبايعين، والمسألة من مسائل الخلاف بيننا وبينه.
وقد تقدم التنبيه على الكلام معه بما فيه الكفاية من تقدير أن التحالف على وفق القياس، ويزدادها هنا قياس الوارثين على المورثين، ولا فرق بين أن يحصل الاختلاف بين الورثة ابتداء، أو بين المتبايعين ثم يموتان قبل
стр. 179
التحالف، فينتقل الحق للورثة ويتحالفون ويجوز للوارث أن يحلف إذا غلب على ظنه صدق مورثه؛ لأنه يحلف على خط مورثه إذا وثق به، فبقوله أولى، وسكت الأصحاب عن كيفية يمين الوارث هنا.
وقالوا في الصداق: إنه يحلف في الإثبات على البت، وفي النفي على نفي العلم.
وعن بعض الشارحين: إنه يحلف على البت في النفي والإثبات جميعًا؛ لأن القاطع بأن العقد جرى بخمسمائة قاطع بأنه ما جرى بألف واستحسنه الرافعي (١)، وما قالوه في الصداق يأتي بعينه هنا؛ إذ لا فرق بين البابين في ذلك (٢).
وما ذكره بعض الشارحين، واستحسنه الرافعي منشؤه أن الاختلاف راجع إلى صفة عقد واحد اتفقا على صحته، والقاطع بأنه جرى بثمن قاطع بأنه لم يجز بخلافه -لا شك في ذلك- ولكن الأصحاب إن يقولوا: أنا قد قدرنا أن المشتري يدعي عقدًا غير الذي يدعيه البائع.
وقد تقرر ذلك في البحث مع الحنفية في مواضع، ومن الجائز أن يكون جرى صورة عقد تالف بعد تقدم عقد بخمسمائة، وانتفاء ذلك غير مقطوع به؛ فلذلك يحلف على نفي العلم، نعم! لو كانت صيغة اليمين أن العقد الذي جرى في الوقت الفلاني مثلًا جرى بخمسمائة، وما جرى بألف كان يتجه الحلف على البت؛ إذ أحدهما لازم للآخر، ولكن صيغة اليمين ليست كذلك، بل لا بد أن يعمم النفي، فيقول: ما بعتكه بكذا، وهذا نفي عام فكذلك الوارث، ولا يمكنه ذلك إلّا على نفي العلم فاتجه ما قاله الأصحاب، ولو كان الوارث أكثر من واحد، فصدق بعضهم وأنكر البعض
стр. 180
فهل يجري التحالف بين المنكر والعاقد الآخر أو لا لما فيه من تفريق الصفقة؟!
قال ابن الرفعة: يشبه أن يكون الحكم فيه، كما في الرد بالعيب.
قلت: الصحيح في مسألة الرد أنه ليس لأحد الوارثين الانفراد، وأما هنا فالذي يظهر جوازه؛ لأن الرد والفسخ ليس بمقصود، وإنما المقصود الحلف؛ ليظهر صدق أحدهما ثم الفسخ، والانفساخ يقع بعد ذلك.
وقد نصَّ أصحابنا (١) على أنه إذا اشترى عبدين فتلف أحدهما يتحالفان بعده خِلافًا لأبي حنيفة (٢)، ولم ينظروا إلى تفريق الصفقة، فالوجه: القطع بجريان التحالف مع أحد الوارثين، ولو كان الوارث محجورًا عليه، فهل لوليه أن يحلف؟! فيه خلاف في أن الولي هل يحلف في كل ما يتعلق بالصبي، وإن لم يكن الولي باشر إنشاءه على ما حكاه الإمام في كتاب الصداق، والقياس عنده المنع، وسأفرد قريبًا لتحالف الوليين إذا باشرا العقد فرعًا وأذكر ذلك فيه إن شاء الله.
* * *