استشكالًا، وكيف يحكم بارتفاع العقد ويبقى الآبق الذي هو أحد أركان العقد باقيًا على حكمه؟! فالأولى فيه أن يقال بورود الفسخ على العين جزمًا.
وأما التالف فقد عرفت ما يقتضيه النظر، ولم أر فيه تصريحًا إلا ما يقتضيه تعليلهم هنا في الآبق والمرهون، فينبغي أن يُتأمل ذلك ويحمل كلامهم على أن المراد رد القيمة وليس المراد بها مورد الفسخ، بل مورد الفسخ العين بتقدير استناد الفسخ إلى ما قبل التلف على ملك المشتري، وعدم تقدير انقلابه إلى ملك البائع إن كان أحد يقول بذلك ولا إخاله، فكان ينبغي أن يُعتبر قيمته يوم التغريم، وما تقدم من بناء الشيخ أبي علي الخلاف في وقت اعتبار القيمة على الارتفاع من أصله، أو من حينه تُشعر بما قلته من تقدير الانفساخ قبيل التلف.
وقولهم في تعليل بعض الأوجه المذكورة إن القيمة خلف عن العين تشعر بخلافه، فليتأمل هذا البحث الذي حركته، فإني لم أجد فيه صريحًا، وهذا إنما يأتي في التلف الحِسّي، ولا يأتي في التلف الشرعي كالعتق ونحوه إلّا على مذهب الفارسي، فإنه يقول بارتفاعه من الأصل بالكلية.
وقياسه: أن يقول عند التلف الحسي بتلفه على ملك البائع، وورود الفسخ على عينه بطريق الأوْلى.
واعلم أنه لا يمنع من التقدير المذكور الحكم بضمان المشتري للقيمة؛ لأن ذلك لوجود التلف تحت يده وهي ضامنة.
المسألة الثالثة: إذا وجده زائدًا، فلا يمتنع التحالف والفسخ، وقد تقدم الكلام في الزيادة المنفصلة، وأما المتصلة فلا أثر لها هنا.
* * *
стр. 177
قال المصنف ﵀:
وإن تقايلا أو وجد بالمبيع عيبًا فرده، واختلفا في الثمن، فقال البائع: الثمن ألف، وقال المشتري: ألفان، فالقول قول البائع؛ لأن البيع قد انفسخ، والمشتري مدَّع، والبائع منكر فكان القول قوله.
صورة المسألة أن يكون بعد قبض الثمن، والحكم بعد ذلك واضح لا إشكال فيه، وقد جزم الرافعي بالمسألتين في آخر اختلاف المتبايعين، وقد ذكر المسألة الثانية في فروع ختم بها باب الرد بالعيب.
فقال: "عن ابن أبي هريرة: قال: أعيتني هذه المسألة، والأولى أن يتحالفا، وتبقى السلعة في يد المشتري، وله الأرش على البائع، فقيل له: إذا لم تعرف الثمن كيف تعرف الأرش؟! قال: احكم بالأرش في القدر المتفق عليه، وعن أبي إسحاق: أن القول قول البائع؛ لأنه الغارم كما لو اختلفا في المثمن بعد الإقالة.
قال الرافعي: وهذا هو الصحيح" (١)، ونقل النووي في "الروضة": "أن القفال في شرح "التلخيص" نقل فيما لو تقايلا ثم اختلفا في الثمن ثلاثة أوجه؛ سواء قلنا: الإقالة بيع، أو فسخ أصحها؛ وهو قول ابن المرزبان: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان وتبطل الإقالة" (٢).
стр. 178
قال المصنف ﵀:
فصْل: [تحالف الورثة]
وإن مات المتبايعان واختلف ورثتهما تحالفوا؛ لأنه يمين في المال، فقام الوارث فيها مقام [الموروث] (١) كاليمين في دعوى المال.
لا فرق عندنا أن بين يقع الاختلاف بين المتبايعين أو ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر، سواء أكان قبل القبض أم بعده، ووافقنا أبو حنيفة (٢) على ذلك فيما إذا مات المتبايعان والمبيع غير مقبوض.
وقال: فيما إذا كان مقبوضًا أن القول قول ورثة المشتري، وحجتنا من جهة القياس ظاهرة، وحجتهم ما تقدم من أن التحالف عندهم بعد القبض على خلاف القياس، فلا يتعدى به مورد النص، والنص لم يرد إلّا في المتبايعين، والمسألة من مسائل الخلاف بيننا وبينه.
وقد تقدم التنبيه على الكلام معه بما فيه الكفاية من تقدير أن التحالف على وفق القياس، ويزدادها هنا قياس الوارثين على المورثين، ولا فرق بين أن يحصل الاختلاف بين الورثة ابتداء، أو بين المتبايعين ثم يموتان قبل
стр. 179
التحالف، فينتقل الحق للورثة ويتحالفون ويجوز للوارث أن يحلف إذا غلب على ظنه صدق مورثه؛ لأنه يحلف على خط مورثه إذا وثق به، فبقوله أولى، وسكت الأصحاب عن كيفية يمين الوارث هنا.
وقالوا في الصداق: إنه يحلف في الإثبات على البت، وفي النفي على نفي العلم.
وعن بعض الشارحين: إنه يحلف على البت في النفي والإثبات جميعًا؛ لأن القاطع بأن العقد جرى بخمسمائة قاطع بأنه ما جرى بألف واستحسنه الرافعي (١)، وما قالوه في الصداق يأتي بعينه هنا؛ إذ لا فرق بين البابين في ذلك (٢).
وما ذكره بعض الشارحين، واستحسنه الرافعي منشؤه أن الاختلاف راجع إلى صفة عقد واحد اتفقا على صحته، والقاطع بأنه جرى بثمن قاطع بأنه لم يجز بخلافه -لا شك في ذلك- ولكن الأصحاب إن يقولوا: أنا قد قدرنا أن المشتري يدعي عقدًا غير الذي يدعيه البائع.
وقد تقرر ذلك في البحث مع الحنفية في مواضع، ومن الجائز أن يكون جرى صورة عقد تالف بعد تقدم عقد بخمسمائة، وانتفاء ذلك غير مقطوع به؛ فلذلك يحلف على نفي العلم، نعم! لو كانت صيغة اليمين أن العقد الذي جرى في الوقت الفلاني مثلًا جرى بخمسمائة، وما جرى بألف كان يتجه الحلف على البت؛ إذ أحدهما لازم للآخر، ولكن صيغة اليمين ليست كذلك، بل لا بد أن يعمم النفي، فيقول: ما بعتكه بكذا، وهذا نفي عام فكذلك الوارث، ولا يمكنه ذلك إلّا على نفي العلم فاتجه ما قاله الأصحاب، ولو كان الوارث أكثر من واحد، فصدق بعضهم وأنكر البعض
стр. 180
فهل يجري التحالف بين المنكر والعاقد الآخر أو لا لما فيه من تفريق الصفقة؟!
قال ابن الرفعة: يشبه أن يكون الحكم فيه، كما في الرد بالعيب.
قلت: الصحيح في مسألة الرد أنه ليس لأحد الوارثين الانفراد، وأما هنا فالذي يظهر جوازه؛ لأن الرد والفسخ ليس بمقصود، وإنما المقصود الحلف؛ ليظهر صدق أحدهما ثم الفسخ، والانفساخ يقع بعد ذلك.
وقد نصَّ أصحابنا (١) على أنه إذا اشترى عبدين فتلف أحدهما يتحالفان بعده خِلافًا لأبي حنيفة (٢)، ولم ينظروا إلى تفريق الصفقة، فالوجه: القطع بجريان التحالف مع أحد الوارثين، ولو كان الوارث محجورًا عليه، فهل لوليه أن يحلف؟! فيه خلاف في أن الولي هل يحلف في كل ما يتعلق بالصبي، وإن لم يكن الولي باشر إنشاءه على ما حكاه الإمام في كتاب الصداق، والقياس عنده المنع، وسأفرد قريبًا لتحالف الوليين إذا باشرا العقد فرعًا وأذكر ذلك فيه إن شاء الله.
* * *
стр. 181
قال المصنف ﵀:
وإن كان البيع بين وكيلين فاختلفا في الثمن، ففيه وجهان:
أحدهما: يتحالفان؛ لأنهما، عاقدان، فتحالفا كالمالكين.
والثاني: لا يتحالفان؛ لأن اليمين تعرض حتى يخاف الظالم منهما، فيرجع والوكيل إذا أقر ثم رجع لم يقبل الرجوع، فلا يثبت اليمين في حقه.
الوجهان حكاهما الماوردي (١)، والروياني (٢)، والرافعي (٣) وغيرهم، ولم يصحح الرافعي في ذلك شيئًا، وقال النووي: "ينبغي أن يكون الأصح التحالف" (٤).
قلت: وهو كذلك عند المصنف وغيره، أما المصنف فلأنه قال في كتاب الصداق: أن الصحيح أن ولي الصغيرة يحلف؛ لأنه باشر العقد، فحلف كالوكيل في البيع ثم أكد ذلك بقوله: إن الوكيل يحلف، وإن لم يقبل إقراره.
وأما غير المصنف، فلما سنحكيه قريبًا من كلام الإمام، ونقله عن كثير من العراقيين القطع به، ويؤخذ من ذلك طريقة قاطعة بالتحالف، فيكون في أن المسألة طريقان، ولا فرق بين يجري الاختلاف بين الوكيلين، أو بين وكيل أحدهما الآخر، إذا كان أحدهما باشر العقد بنفسه.
стр. 182
وممن صرح بجريان التحالف مع الوكيل وجزم به الشيخ أبو حامد في باب التفليس عند الكلام فيما إذا لم يحلف المفلس مع شاهده، وها هنا أمور:
أحدها: أن المصنف وغيره اقتصروا على ذكر الخلاف في تحالف الوكيلين، فهل إذا قلنا بذلك يجوز للموكلين أيضًا التحالف؛ لأن الملك لهما أو لا؛ لأن ذلك من أحكام العقد المختصة بالعاقد؟ كلام الماوردي يشعر بالثاني؛ لأنه قال: "أحد الوجهين أن الوكيل هو الذي يحلف" (١).
والثاني: أن الموكل هو الذي يحلف.
وهذه العبارة يشعر بأن من يقول بحلف الوكيل لا يقول بحلف الموكل، وبذلك صرح ابن الصباغ في باب التفليس عند الكلام في حلف غرماء المفلس، وقياسهم على الوكيل.
فأجاب: بأن الوكيل هو العاقد، فيثبت بيمينه فعل، قال: ولهذا لا يحلف موكله على ذلك انتهى، وسيأتي زيادة كلام في ذلك.
وأما قول المصنف: "كالمالكين"، فيريد به المالكين اللذين عقدا بأنفسهما حتى تكون العلة التي ذكرها من كونهما عاقدين جامعة، ولم يتعرض لاختلاف الموكلين إذا عقد وكيلاهما.
الثاني: هل الخلاف في تحالف الوكيلين مبني على تعلق العهدة بهما أو لا؟ فإن كان مأخذه ذلك، فينبغي أن يأتي فيه ثلاثة أوجه كما هي في العهدة.
أحدها: الوكيل لا غير.
والثاني: الموكل لا غير.
والثالث: هما جميعًا.
стр. 183
ويكون الوجهان اللذان حكاهما الماوردي (١) هنا في أن الحالف هل هو الوكيل أو الموكل مفرعين على الوجهين الأولين في العهدة.
والثالث: وهو الصحيح غيرهما، وهو أن التحالف جائز لهما، وإن كان مأخذ الخلاف في التحالف غير ذلك.
وهو ما يشعر به تعليل المصنف وغيره، فكيف يتأتى أن يقول بالتحالف مع عدم القول بالعهدة، فإن التحالف فرع الدعوى، والدعوى الصحيحة لا تتوجه على من لا تتعلق العهدة به، والإمام في كتاب الصداق حكى "عن كثير من العراقيين القطع بأن الولي يجري التحالف بينه وبين الخصم فيما يتعلق بإنشائه -كما سنحكيه عنه قريبًا- وأنهم طردوه في القيمة، والوكيل بالعقد، فإن كلًّا منهم لو أقر بالإنشاء" (٢). قيل: وذكر من الاستدلال لهم أنه لو تعلقت الدعوى بالوكيل فيما هو مطالب فيه بالعهدة، فلا شك أنه يحلف من جهة أنه فيما يطالب فحنث عما يتعلق بخاصته، فكلام الإمام هذا تنبيه على أن الوكيل الذي تعلقت العهدة به يحلف قطعًا واستدلاله بذلك على التحالف أبدل المغايرة، فيكون مأخذ الخلاف في التحالف أنه هل هو من أحكام العقد التي تتعلق بالوكيل كالفسخ والرؤية وغير ذلك أو لا؟!
فعلى الأول يجري التحالف بين الوكيلين، وإن لم يقل يتعلق العهدة بالوكيل وتسمع الدعوى عليه؛ لكونه خليفة الموكل في أحكام العقد لا لتعلق العهدة به، وعلى الثاني: لا يجري التحالف، وإن قلنا بتعلق العهدة؛ لعدم جعله من أحكام العقد، وإنما يتوجه على الوكيل الحلف على خاصة نفسه على قول العهدة دون التحالف، وهذا هو الأقرب إلى كلام المصنف والأصحاب، فليس الخلاف حينئذٍ مأخوذًا من الخلاف في العهدة.
стр. 184
الثالث: في فائدة تحالف الوكيلين إذا قلنا به.
قال النووي في "الروضة": "فائدته الفسخ، أو أن ينكل أحدهما، فيحلف الآخر ويقضى له إذا قلنا: حلفه النكول كالبينة" (١).
وقال الماوردي في "الحاوي" في الوكيل بالشراء: "إذا نكل صار البيع لازمًا له دون موكله" (٢)، وفي الوكيل بالبيع: "إذا نكل قضى للمشتري بالمبيع وألزم الوكيل غرم فاضل الثمن للموكل" (٣)، فقد جزم الماوردي بالقضاء لغريم الناكل؛ أي: عند حلفه، ومقتضى كلام النووي (٤) أن الأصح أنه لا يقضى له؛ لأنه بني ذلك على أن اليمين المردودة كالبينة، والصحيح أنها كالإقرار.
فإن قيل: وإن جعلناها كالإقرار، لكن إقراره على موكله غير مقبول، قلنا: لم نقبله على موكله وإنما ألزمناه المبيع إن [كان] (٥) وكيلًا في الشراء، وفاضل الثمن إن كان وكيلًا في البيع.
وقوله: في أصل انتقال الغير من ملك موكله إلى ملك المشتري مقبول؛ لأنه وكيل في ذلك، وقد اتفق هو والمشتري على ذلك، وربما الموكل أيضًا، وإنما وقع الاختلاف في الثمن، ثم إنا لو تركنا القضاء بذلك؛ لعود ضرره إلى الموكل لو فرض لتركنا القضاء على جعله كالتنبيه أيضًا؛ لأنا وإن جعلنا اليمين، كالبينة لا يعديها إلى ثالث، فالحق ما قاله الماوردي من القضاء عند نكول الوكيل، وحلف الآخر.
стр. 185
وأما ما ذكره النووي (١) من أن الوكيلين إذا تحالفا بفسخ العقد، فصحيح لا إشكال فيه، وقد يقال: إنه كيف يرفع العقد بحلف الوكيلين، وفي ذلك إبطال حق الموكلين، وقد يكون لكل من الموكلين غرض في بقاء العقد.
أما موكل البائع، فظاهر لزيادة الثمن وموكل المشتري؛ لتعلق غرضه بالعين، ولا شك أن رجوع الوكيل عن إقراره في حق موكله غير مقبول، كما قاله المصنف في تعليل الوجه الثاني، فما السبب في إبطال حق الموكل هنا بحلف الوكيل.
والجواب: أنا لم نُبطل حق الموكل بحلف وكيله، وإنما أبطلناه بحلف غريم وكيله، وقد حلف على نفي ما ادعاه الوكيل عليه، فانتفى ثبوته في حقه، وهكذا في الطرف الآخر، وفي ذلك انتفاء العقد من الطرفين أو تعذر ثبوته، فيفسخ؛ مثاله أن وكيل البائع لما ادعى أنه باع بألف، فادعى المشتري أنه اشتري بخمسمائة، ولم يتقدم منه إقرار ينافي ذلك، فإذا تحالفا فقد حلف المشتري أنه ما اشترى بألف.
وقوله مقبول في ذلك، وقول وكيل البائع عليه غير مقبول، فانتفى لزوم البيع والثمن للمشتري، ووكيل المشتري لما ادعى أنه اشترى بخمسمائة، وادعى البائع أو وكيله أنه باع بألف، ولم يتقدم منه إقرار ينافي ذلك، فإذا حلف البائع أو وكيله أنه ما باع بخمسمائة لم يلزمه حكم البيع وترجع العين إليه، فقد تبين أن من ضرورة التحالف إخراج العين عن ملك موكل المشتري والثمن عن ملك موكل البائع.
فإن قلت: فإذا ينبغي أن يلزم وكيل فاضل الثمن؛ لاعترافه بصحة البيع به كما في حالة النكول.
стр. 186
قلت: كلّا، فإنا إنما ألزمناه في حالة النكول لخروج العين عن ملك موكله، ولا يمكن إيجاب شيء من الثمن على الوكيل مع بقائها في ملك لموكل، ولا يمكن الحكم بدخولها في ملك الوكيل، فليس ها هنا طريق إلى تضمينه.
الرابع: في كلام المصنف في توجيه الوجهين قوله كالمالكين، أي: إذا عقدا بأنفسهما كما تقدم التنبيه عليه، وتعليله بكونهما عاقدين مأخوذ من الحديث؛ لقوله: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ" (١)، ولك أن تُدرج الوكيلين إذا كان البيع بينهما في لفظ الحديث تحت قوله: "الْمُتَبَايِعَانِ"، فيكون حكمهما ثابتًا بالنص غنيًّا عن القياس على المالكين، ومع ذلك، ففي قياس المصنف وغيره في أشباه ذلك إذا اتفق.
فائدة:
وهي التنبيه على أن القياس معاضد لدلالة العموم، ودَفع توهم أن ذلك العموم مخصوص بضرب من القياس يوجب قصره على المالكين، فأراد إثبات الحكم في الوكيلين بالقياس على المالكين اللذين ثبت حكمهما بالاتفاق والنص؛ ليكون ذلك مضافًا إلى دلالة عموم النص عليه.
ولا يمنع من ذلك قول الأصوليين: إن من شرط القياس أن يكون حكم الفرع ثابتًا بالنص؛ لأن دلالته هنا على الأصل متفق عليها، وعلى الفرع محتملة، فلأجل الاحتمال ساغ القياس، ولو تحققنا دخوله في النص لاستغنينا عن القياس كما قاله الأصوليون.
وتعليل المصنف للوجه الثاني بعد قبول الرجوع من الوكيل أحسن من
стр. 187
عبارة الرافعي (١) وغيره، حيث عللوا بأن اليمين تعرض؛ ليخاف الظالم، فيقر، وإقرار الوكيل على موكله غير مقبول، وأنت تعلم أن الوكيل إذا كان مأذونًا له في العقد وأقر بأنه عقد على الوجه المأذون فيه قبل قوله، وصدق على موكله على أحد القولين؛ لأنه يملك الإنشاء.
وتعليل الرافعي لا يستقيم بإطلاقه إلَّا على القول الثاني الذي يجعل القول قول الموكل، وعبارة المصنف سالمة عن ذلك؛ إذ رجوعه عما أقر به أو لا، لا شك في عدم قبوله، ومسألتنا في الرجوع لا في الإقرار المبتدأ، فإن كان مراد الرافعي (٢) ﵁ إقرار الوكيل بعد أن أقر أولًا، فذلك تأويل لكلامه على ما صرح به المصنف، واستغنى عن الإرادة أو التعليل بشيء مختلف فيه.
والجواب عما استدلوا به لهذا الوجه الثاني يظهر مما تقدم عن الماوردي: "أن الوكيل بالشراء إذا نكل يلزمه البيع، والوكيل بالبيع إذا نكل يلزمه فاضل الثمن للبائع" (٣)، أي: ويرجع الثمن للمشتري، فقد ظهر لعرض اليمين فائدة، وهو جواز النكول، فيحصل هذا الغرض أو الإقرار، فيحصل هذا الغرض أيضًا؛ إذ لا فرق هنا بين النكول والإقرار كما سبق.
فقول صاحب هذا الوجه لم يقبل الرجوع إن أراد في حق الموكل فمسلم، وقد تبين أن فائدة الرجوع لا تجلب ضررًا على الموكل، وإن أراد في حق نفسه فممنوع، فقد تبين صحة الوجه الأول وضعف مأخذ الثاني.
وقول المصنف: "إذا كان البيع بين وكيلين" يخرج ما إذا كان الوكيلان في الخصومة، والبيع قد جرى بين الموكلين، فلا يحلف الوكيلان أصلًا.
стр. 188
فرع
هل يجري التحالف بين الوليين في مال المحجوز عليه، سكت المصنف وأكثر الأصحاب هنا عن ذلك، وحكوا في كتاب الصداق ثلاث طرق ذكرها الإمام في "النهاية":
"أحدها: أن في حلف الولي في كل ما يتعلق بحظ الطفل وجهين، ومال الإمام منهما إلى المنع، وقال: إنه القياس.
والطريقة الثانية: أنه لا يحلف فيما لم ينشئه، وإن تعلقت الخصومة بما أنشأه، ففي تحليفه وجهان، كما لو باع مال الطفل أو زوَّج الصغيرة، ثم وقع النزاع في صفة العقد.
قال: وقد ذهب كثير من أئمة العراق إلى القطع بأنه يحلف ويجري التحالف بينه وبين الخصم فيما يتعلق بإنشاء الولي، ولم يذكروا في ذلك خلافًا، وطردوا هذه الطريقة في القيم، والوصي، والوكيل بالعقد.
والطريقة الثالثة: ذكرها الشيخ أبو محمد أن الأب لا يحلف فيما يتعلق بحق طفله إلّا فيما أنشأه، ولا فيما ينشئه" (١)، وإنما تردد الأصحاب في النكاح خاصة؛ لاختلافهم فيمن يملك العفو عن المهر، ثم إن الإمام فيما نقله عن العراقيين أنهم قطعوا في الولي والوكيل، وحكى غيره طريقة أخرى أن الولي يحلف قطعًا، والوجهان في الوكيل والطريقتان مشهورتان، فقد اتفقوا على أن الولي إما مثل الوكيل أو أقوى.
وقد تقدم أن الصحيح تحالف الوكيلين، فالوليان أولى، وحكى الغزالي في "البسيط" الوجهين في حلف الأب فيما أنشأه، ثم قال فيما لا يتعلق بإنشائه كإتلاف المال: إن المنع في هذه الصورة أظهر، وكلامه محتمل لِأَن يكون المراد أظهر في الجواز في هذه الصورة أو أظهر من المنع في الصورة
стр. 189
الأولى، وكلامه في غير "البسيط" ساكت عن الصورة الأولى، ومصرح بأن القياس في الصورة الثانية المنع.
وأما الرافعي ﵀: فإنه قال في الاختلاف بين ولي الصغيرة والمجنونة وبين الزوج: "وجهان: أظهرهما في المذهب، وبه قال ابن سريج، وأبو إسحاق أنهما يتحالفان؛ لأن الولي مالك العقد ومستوفي الصداق، وإقراره مقبول في النكاح والصداق.
والثاني: لا؛ لأنه يثبت حق غيره بيمينه. قال ورتب الإمام في المسألة على قولين حكاهما فيما إذا باع الولي مال الطفل، واختلف الولي والمشتري في كيفية البيع هل يتحالفان؟! قال -يعني: الإمام والأصح المنع، ويعلل القول الآخر بمعنيين:
أحدهما: أن الولي يثبت بالحلف قول نفسه.
والثاني: أنه يتعلق به للعهدة، فإن الولي في عهدة ما يبيع للصبي.
فإن قلنا: لا يحلف في البيع، ففي النكاح أولى.
وإن قلنا: يحلف هناك، ففي النكاح خلاف مبني على المعنيين إن عللنا بالأول، فكذلك هنا، وإن عللنا بالثاني، فلا؛ لأن النكاح ليس عقد عهدة" (١).
قلت: ولم أر في "النهاية" في كتاب الصداق حكاية القولين، ولا الترتيب هكذا، ولا قوله: "والأصح المنع"، وإنما رأيت فيها الطرق على الوجه الذي تقدم، وفي اختلاف المتبايعين لم يذكر المسألة أصلًا.
وأما التصحيح، فلم أر في كلام الإمام في الموضع الذي وقعت عليه إلا قوله في الطريقة الأولى الطاردة للوجهين: "إن القياس المنع"، وميله إليه
стр. 190
دون تصريح بالتصحيح، ولا بأن ما قاله أنه القياس، ومال إليه نقول به ونرجحه فيما أنشأه الولي أيضًا أولًا.
والظاهر من كلامه التعميم؛ لأن الوجهين في تلك الطريقة عامَّان، وقد رجح وجه المنع منهما، فإن كان كذلك، وأن الراجح عند الإمام أن الولي لا يحلف مطلقًا، فمقتضاه أن يقوله في الوكيل بطريق أولى لما تقدم التنبيه عليه أو المساواة، ومقتضاه أيضًا أن يكون الأصح عنده عدم التحالف بين الولي والزوج في الصداق للترتيب الذي ذكره الرافعي، ويكون مخالفًا لما هو الأصح في المذهب من تحالفهما، ولا شك أن ظاهر كلامه كما قدمته يقتضي الميل إلى منع حلف الولي مطلقًا، ويلزم من ذلك أن يكون تحالف الولي مع الزوج وتحالف الوكيلين عنده كذلك، وأن القياس في جميعها المنع، وإنما جعل الخلاف في البيع قولين.
وقول الإمام: "الأصح المنع" لم أره في كلام الإمام في هذين البابين، والرافعي ثبت، وقوله: "ونعلل القول الآخر بمعنيين … " إلى آخره، إن كان من كلام الإمام، وهو ظاهر نقل الرافعي، فيستقيم مع قوله: "الأصح المنع"، ويمكن أن يسقط منه تصحيح المنع.
ويستمر الترتيب مع كلام الأصحاب بأن يقال: الأصح الحلف في البيع للمعنيين، فإن لم نجوزه في البيع، ففي النكاح أولى، وإن جوزناه، فيبني في النكاح على المعنيين إن عللنا بأنه يثبت قول نفسه جاز، وإلا امتنع لكن يقتضي ذلك أن تكون العلة الصحيحة أنه يثبت قول نفسه حتى يكتتم معها ما صححوه من الجواز في النكاح، وأما ما مال إليه الإمام (١) من المنع مطلقًا ففيه (٢) نظر؛ لأنه أخذ ذلك من أن الأيمان كالعبادات البدنية لا يتطرق إليها
стр. 191
إمكان النيابة، وهذا يمكن جوابه بأن اليمين في ذلك ليست بطريق النيابة عن الموكل ولا عن الطفل بل الولي والوكيل كل منهما يحلف عن نفسه.
وقد وقع في "الكفاية" لابن الرفعة (١) في الصداق أنه (٢) الأظهر -وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: أن التحالف لا يجري مع الولي، وهو وهم ولولا علله بعلة تناسب المنع كنا نقول: أن "لا" زائدة في النسخة.
فرع
شرط جريان هذا الخلاف في حلف الولي والوكيل والوصي والقيم بقاؤهم على الولاية والاستقلال، فلو خرج الولي عن الاستقلال بأن استقلت الزوجة، أو صرف الوكيل، والوصي، والقيم عن الولاية فلا؛ لأنه بطل قبول إقرارهم، نبه عليه في "البسيط"، وفي كلام "النهاية" (٣) إشعار به.
والمراد نفي التحالف، وأما الحلف على مَنْ تعلقت العهدة به إذا قلنا بذلك، فلا يندفع بخروجه عن الولاية؛ لأنها تتوجه عليه في خاصة نفسه.
فإن قلت: الوكيل بمباشرة التصرف يخرج عن الوكالة في ذلك التصرف، فمقتضى ذلك ألّا يأتي الخلاف فيه بعد اعترافه بمباشرة التصرف، وقد قلتم: الأصح أنه يجري التحالف بينه وبين العاقد الآخر.
قلت: أحكام العقد متعلقة به، فلم يخرج عن الوكالة بالكلية، نعم الوكيل في تصرف واحد بعد مباشرته لا يمكن عزله منه، فإذا اختلف هو والعاقد معه في صفة ذلك التصرف جرى الخلاف في تحالفهما، ولا يحتاج
стр. 192
ذلك إلى تقييد بأن يكون باقيًا على وكالته وإنما يظهر اختيار الغزالي (١) فيما إذا سبق العزل قبل التصرف في الوكيل وفي الوصي والقيم يظهر مطلقًا.
* * *
стр. 193
قال المصنف ﵀:
فصْل: [الاختلاف في القدر والعين]
وإن اختلف المتبايعان في قدر المبيع تحالفا لما ذكرناه في الثمن.
لا فرق في جريان التحالف بين أن يكون الاختلاف في الثمن، أو في المثمن، وإنما الفقهاء جرت عادتهم بفرض الكلام في الثمن، كما فعل المصنف أولًا.، ثم بعد ذلك بيّن أن الاختلاف في المبيع مثله، وإطلاق الحديث يشمله والمعنى يقتضيه كالثمن، فلذلك قال المصنف لما ذكرناه في الثمن؛ أي: من الحديث، والمعنى جميعًا، وقد يجري الاختلاف في قدر المبيع مثله والثمن معًا، فمثال اختلافهما في قدر المبيع وحده أن يقول البائع: بعتك هذا العبد بمائة، ويقول المشتري هذا العبد وهذا الثوب بمائة.
ومثال اختلافهما في قدر المبيع والثمن أن يقول: بعتك هذا العبد بمائة، ويقول المشتري: اشتريته وهذه الجارية بمائتين، والحكم بالتحالف فيهما، فلو قال المشتري: بعني هذه الأرض على أنها عشرة أذرع بمائة، فقال: بعتكها بمائة على أنها خمسة، فإذا هي عشرة لم يكن من صور التحالف على مذهب الشافعي؛ لأن مقتضى دعوى البائع فساد العقد ذكره ابن أبي الدم في "أدب القضاء".
стр. 194
قال المصنف ﵀:
وإن اختلفا في عين المبيع بأن قال البائع: بعتك هذا العبد بألف، وقال المشتري: بل اشتريت هذه الجارية بألف، ففيه وجهان:
أحدهما: يتحالفان؛ لأن كل واحد منهما يدعي عقدًا ينكره الآخر، فأشبه إذا اختلفا في قدر المبيع.
والثاني: أنهما لا يتحالفان، بل يحلف البائع أنه ما باعه الجارية، ويحلف المشتري أنه ما اشترى العبد.
وهو اختيار الشيخ أبي حامد الأسفراييني؛ لأنهما اختلفا في أصل العقد في العبد والجارية، فكان القول فيه قول من ينكر، كما لو ادعى أحدهما على الآخر عبدًا والآخر جارية من غير عقد.
إن اختلفا في عين المبيع واتفقا على الثمن، فإن كان الثمن معينًا تحالفا قولًا واحدًا، بأن يقول البائع: بعتك داري هذه بهذا الألف، فيقول المشتري: بل اشتريت هذه الجارية بهذا الألف، مشيرًا إلى تلك الألف بعينها.
وقال أبو حنيفة (١): وإن كان الثمن في الذمة، فوجهان:
أحدهما: أنهما يتحالفان، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ.
وقال صاحب "التتمة": إنه المذهب.
стр. 195
وقال ابن أبي عصرون: إنه الأصح، وفي "البحر": إنه المذهب.
قال الرافعي: "وهو قول ابن الحداد" (١).
والثاني: لا يتحالفان، وهو قول الشيخ أبي حامد، وتبعه المحاملي، والمصنف في "التنبيه" (٢)، والماوردي (٣)، والجرجاني، والبندنيجي، وسليم، على ما حكي عنهما، وهو مقتضى كلام القاضي حسين.
قال الرافعي: "واختاره الإمام" (٤)، وصاحب "التهذيب" (٥) وتبعه ابن الرفعة (٦) على ذلك، وعندي في هذه الحكاية توقف، سأنبه عليه.
ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره واستدل له في فرع في "التعليقة" بأن التحالف إذا اتفقا على العقد وعلى عين المبيع، واختلفا في الصفة، وها هنا كل واحد منهما يدعي عقدًا (٧) غير العقد الذي يدعيه صاحبه.
قال القاضي أبو الطيب: قلنا ما ذكره أبو بكر بن الحداد في كتاب الصداق ونص هذه المسألة، وقال: يتحالفان، فقال: إذا اختلف الزوجان، فقال: أمهرتك أباكِ، وقالت: بل أمهرتني أمي تحالفا، قال: وكذلكِ إذا قال: أمهرتك أباكِ ونصف أمِك، فقالت: بل أمهرتك أبي وأمي، تحالفا، ولا يختلف أصحابنا في ذلك، فسقط كلام أبي (٨) حامد الأسفراييني، وهذا الكلام يقتضي أن ابن الحداد لم ينص على مسألة البيع بعينها، بل على مسألة الصداق.
стр. 196
وقاس أبو الطيب البيع عليه، وقال ابن الصباغ: إنه لا فرق بين المسألتين، وقد حكى الإمام، والغزالي، والرافعي الخلاف في مسألة الصداق أيضًا، وقال الغزالي: الأصح منهما التحالف.
وقال الرافعي: "فها هما الوجهان المذكوران في البيع" (١)، فعلى هذا لا حجة في التمسك بها؛ لثبوت الخلاف في المسألتين، وعلى ما قاله القاضي أبو الطيب من أن الأصحاب لم يختلفوا في مسألة الصداق يمكن أن يفرق بين المسألتين على خلاف ما قال ابن الصباغ بأن البضع معين اتفقا على ورود النكاح عليه، واختلفا في العوض المقابل له، فالصداق إن نزل منزلة الثمن كان ذلك كالاختلاف في الثمن مع الاتفاق على غير المبيع، وإن جعل كالمبيع كان كالاختلاف في عينه، والثمن معين، وقد قدمنا أنهما يتحالفان قولًا واحدًا، فليس ذلك نظير المسألة، ولا حاجة في ذلك إلى التمسك بنص ابن الحداد، فإن الشافعي ذكر من صور الاختلاف في الصداق الموجب للتحالف أن يقول: "نكحتك على عبد، فتقول: بل نكحتني على دار بعينها" (٢).
وهي مثل الصورة التي ذكرها ابن الحداد، وكلاهما فرد من أفراد الاختلاف في الصداق، وهو موجب التحالف على ما نص عليه الشافعي، كالاختلاف في الثمن، وإنما الكلام في الاختلاف في المبيع.
وقد عرف ابن الصباغ ورود هذا السؤال عليه، وأجاب عنه بأنهما إذا اختلفا في العوض بثمن واحد، فقد أثبتا أحد العوضين، واختلفا في الآخر، ولا فرق بين أن يكون الاختلاف في الثمن أو في المثمن، ولك أن تنتصر للشيخ أبي حامد بأن الثمن الواحد في الذمة، وما في الذمة مبهم لا يحصل
стр. 197
التوارد، وإنما يقال فيه: إنه واحد من جهة مسمى الألف، فيحتمل أن يكون أحد الألفين غير الآخر بخلاف المعين، فإنهما اتفقا على ورود العقد على عينه.
واختلفا فيما سوى ذلك من زيادة أو صفة ثمن أو غيرها، وادعى صاحب "التتمة" أنه لا فرق بين الاختلاف في مسألتنا، والاختلاف في الثمن؛ لأن بيعه بألف غير بيعه بخمسمائة.
واعلم أن عمدة الشيخ أبي حامد في عدم التحالف أنهما عقدان، وابن الصباغ يمنعه ذلك ويحاول تقرير أنهما عقد واحد اختلفا في صفته، كقوله: بعتك هذا العبد بألف، فيقول: بل بعتنيه مع هذه الجارية بألف.
وصاحب "التتمة" يسلم أنهما عقدان، ويقول بالتحالف محتجًّا بأن الاختلاف في الصفقة يقتضي المغايرة، فالبعد حاصل في كل موضع فلم يضر، فصاحب "التتمة" يوافق ابن الصباغ في الحكم ويخالفه في المدرك.
وما قال صاحب "التتمة" يشهد له ما تقدم من كلام أصحابنا مع الحنفية في تقرير أن التحالف على وفق القياس، وكون كل منهما يدعي غير الذي يدعيه الآخر، ولأجل ذلك قال صاحب "التتمة" فيما إذا اختلفا في البيع والهبة أنهما يتحالفان.
وما قاله ابن الصباغ لا يتمشى إلّا بتقرير أن الألف في الذمة كالألف المعينة، وفيه بُعد.
وقد فرض ابن الصباغ، وابن أبي عصرون المسألة فيما إذا كان البائع قد قبض الألف، ولم يذكر ذلك غيرهما، وكان ابن الصباغ أراد بذلك أن يجعلهما قد اتفقا على ملك البائع لعينها، وهذا يدفعه أن الاعتبار بحالة العقد، فالتحقيق أن ما قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ لا يرد على الشيخ أبي حامد.
стр. 198
وأما ما قاله صاحب "التتمة"، فإن سلم له أن الاختلاف في البيع والهبة يوجب التحالف يرجح ما قاله، وإلا يرجح قول الشيخ أبي حامد، وسأستوعب مآخذ الكلام. تحقيق ذلك بعد أن أفرغ من نقل كلام الأصحاب ونقل الإمام ما قاله الشيخ أبو حامد عن العراقيين.
وقال: "إن في طريقة المراوزة ما يدل على التحالف" (١)،، ثم قال: "وللعراقيين أن يقولوا: الألف الذي يدعيه أحدهما غير الألف الذي يعترف به الثاني، ويتصور التزام ألفين من جهتين، فالتعيين لا يتحقق في الألف، وليس كالعين يتعين ملكًا.
قال: وهذا الذي ذكروه مع ما ذكره المراوزة يلتفت على أصلٍ، سيأتي في الدعاوى، وهو أن رجلًا لو اعترف بألف لإنسان عن جهة ضمان، فأنكر المقر له الضمان، وادعى عليه ألفًا عن جهة أخرى أنكرها المقر، ففي وجوب الألف على المقر خلاف مشهور، ولو اعترف رجل بالملك في عين لإنسان عن جهة، فأنكر المقر له تلك الجهة، وادعى الملك بجهة أخرى، فلا خلاف في وجوب تسليم العين إلى المقر له، فهذا مضطرب الفريقين، والمسألة محتملة" (٢) هذا كلام الإمام ﵀.
ونقل الرافعي (٣) عن الإمام وصاحب "التهذيب" أنهما اختارا ما قاله الشيخ أبو حامد، ولم يتبين لي من كلام الإمام اختيار، وإنما في أول كلامه أني [أميل] (٤) إليه، وفي آخره التوقف، ومراد الإمام بالاعتراف بالملك في العين إذا قال: بعتك هذه العين وبرئت من ثمنها، فقال: بل وهبتنيها وقبضتها، وهذا المأخذ الذي رد الإمام المسألة إليه من الالتفات على
стр. 199
الخلاف في إلحاق ما في الذمة بالمعين تبعه عليه الغزالي، وحكى الخلاف في لزوم الألف للمقر في مواضع.
وقال في "البسيط" في كتاب الإقرار في آخر الركن الثالث منه عند الكلام فيمن اشترى من اعترف بحريته: أن الظاهر أن الألف تسلم إليه، ولا ينظر إلى الجهة.
وهكذا في "الروضة" (١) قبل الباب الرابع في الإقرار بالنسب من كلام الرافعي، ولكني لم أرها في نسختي من "الشرح".
وكذلك قال الإمام في ذلك الموضع أيضًا: "إن الأصح ثبوته واطراد النزاع في الجهة" (٢)، وحكى الرافعي الوجهين في كتاب الإقرار، وقال: "إنهم ربما بنوا عليهما ما إذا شهد شاهد أنه أقر بألف من ثمن مبيع، وشهد الثاني على إقراره بألف من قرض" (٣)، ولم يصحح في ذلك الموضع في مسألة الإقرار شيئًا، لكنه في مسألة الشهادة التي بناها عليها.
قال: إن الظاهر عدم الثبوت، فعلى ما قاله الإمام والغزالي من الصحيح الثبوت يكون مقتضى هذا جعل الألف في الذمة كالمعينة في الخارج، فعلى هذا يتحالفان في مسألتنا هنا؛ لأن المشتري يقر بالألف ثمنًا للجارية، والبائع يدعيها ثمنًا للعبد، فيلزمه لاتفاقهما عليها، وإن اختلفا في الجهة على الظاهر، فإذا اختلفا في مقابلها مع الاتفاق عليها وجب التحالف؛ جريًا على البناء الذي قاله الإمام، وأن الأصح لزوم الألف.
وعلى الوجه الآخر القائل بأنه لا يلزم المقر شيء عند اختلافهما في الجهة؛ لأن المقر أقر بشيء كذبه المقر له فيه، والمقر له ادعى شيئًا أنكره
стр. 200
المقر، فلا يثبت شيء، فعلى هذا لا يجري التحالف في مسألتنا للتغاير بين الألفين، فيؤخذ من كلام الإمام والغزالي في باب اختلاف المتبايعين.
وفي باب الإقرار أن الأصح عندهما التحالف في مسألتنا كما اختاره القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وصاحب "التتمة"، وكما صححه الغزالي في نظيرها في الصداق بخلاف ما قاله الرافعي (١) أن الإمام (٢) اختار عدم التحالف، ومع ذلك لا أستجيز أن أنقل عن الإمام أنه اختار التحالف؛ لتوقفه في المسألة كما تقدم، ولكن من لازم كلامه في البابين يلزمه ذلك، وإلا يتناقض كلامه، أو يكون مراده أن الخلاف يلتفت على ذلك الأصل، وإن لم يكن الصحيح كالصحيح فقد بان لك أنا إذا نظرنا إلى المأخذ الذي ذكره الإمام يرجح القول بالتحالف، وبه يصح المأخذ الذي ادعاه ابن الصباغ.
وأما المأخذ الذي يجيء إليه صاحب "التتمة" من إثبات التحالف مع تسليم أنهما عقدان، فقد تقدم أن في كلام الأصحاب ما يشهد له، لكن يلزم إحرازه في سائر صور الاختلاف، وعند هذا أقول: إن الاختلاف على مراتب أخصها أن يتفقا على عقد خاص ومعقود عليه معين، ويختلفا فيما وراء ذلك، كما إذا اتفقا على بيع ومبيع معين واختلفا في ثمنه، أو في زيادة مع المبيع، أو اتفقا على بيع وثمن معين، واختلفا في عين المبيع، فهاتان الصورتان موضع الجزم بالتحالف؛ لأن في كلتا الصورتين اتفقا على شيء مشخص ورد العقد الخاص عليه، وانتقل من ملك أحدهما إلى ملك الآخر.
وأعمها بالنسبة إلى غرضنا أن يحصل الاتفاق على البيع ويختلفا في المعقود عليه المعين من الطرفين، كما إذا قال: بعتك هذا العبد بهذه الجارية، فقال: بل بعتني هذه الدار بهذا البستان، فها هنا لا تحالف قطعًا
стр. 201
ولا مبالاة باتفاقهما على مسمى البيع؛ إذ لا اتفاق على استحقاق شيء معين، ولهذا المعنى لا يلزم صاحب "التتمة" القول بالتحالف هنا، وبين هاتين المرتبتين صورتان:
إحداها: أن يحصل الاتفاق على المعقود عليه دون خصوص العقد، كما إذا قال: بعتك هذه الجارية فقال: بل وهبتنيها، فلا تحالف على المشهور الذي ادعى الغزالي في "البسيط" الاتفاق عليه، وفيه وجه حكاه الغزالي في موضع آخر وغيره.
وقال صاحب "التتمة": إنه الصحيح التحالف. والتحقيق فيه: أنا إن قلنا: التحالف على خلاف القياس كما اختاره الإمام، فلا تحالف؛ لعدم اندراجهما تحت قوله في الحديث: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ" (١).
وإن قلنا: التحالف على وفق القياس، كما اختاره أكثر الأصحاب ومنهم صاحب "التتمة"، فيحتمل أن يقال به في مسألة الاختلاف في البيع والهبة، كما قاله صاحب "التتمة"؛ جريًا على مقتضى المذهب، وإن كان الأصح عند الأكثرين خلافه، ويحتمل أن يقال: القياس لا يقتضي الجمع بين النفي والإثبات كما قدمته في أصل الباب، بل إنما يقتضي حلف كل منهما على النفي.
وأنا أميل إلى ذلك في أصل الباب كما تقدم، وحيث قيل به فالفارق بينه وبين هذه الصورة ما بيناه هنا من التقارب بين الرتبتين، ولو كان مطلق الاختلاف يوجب التحالف لأوجبه في المرتبة التي هي أعم، فعلمنا بذلك اشتراط التوافق، وهو مفقود ها هنا.
الصورة الثانية: أن يتفقا على بيع وثمن في الذمة، ويختلفا في عين
стр. 202
المبيع، وهي مسألتنا التي نحن فيها، فإن ألحقنا ما في الذمة بالمعين التحقت بالمرتبة الأولى التي هي أخص المراتب، وثبت التحالف فيها، وإن لم يلحق ما في الذمة بالمعين صارت كالصورة الأولى بين المرتبتين، وهي مسألة الاختلاف في البيع والهبة، فإن هناك حصل الاتفاق على المعقود عليه، ومطلق العقد والاختلاف في خصوصه.
وفي مسألتنا حصل الاتفاق على خصوص العقد، ومطلق الثمن في الذمة الذي هو الألف، والاختلاف في عين المبيع، فهما سواء على هذا التقدير.
نعم بينهما على هذا التقدير فرق لطيف من جهة أن الاختلاف في البيع والهبة حصل الاتفاق على انتقال الملك واستحقاق إزالة يد البائع، وها هنا لم يحصل هذا المعنى.
فمن هذا الوجه مسألة الاختلاف في البيع والهبة أولى بالتحالف من مسألتنا، لكن من حيث الجملة وكون ما في الذمة واحدًا إما بالشخص أو النوع، واتفاقهما على خصوص البيع واندراجهما تحت الحديث مسألتنا أولى بالتحالف من مسألة الاختلاف في البيع والهبة؛ ولذلك قال بالتحالف هنا من لم يقل به في الاختلاف في البيع والهبة، وهم أكثر من نقلنا عنهم التحالف هنا.
وقد ظهر بذلك أن الذي يأتي على مقتضى المذهب إثبات التحالف في مسألتنا كما قاله القاضي أبو الطيب بناء على المأخذ الذي ذكره الإمام (١)، لكني أنا عندي في أصل التحالف والجمع بين النفي والإثبات وقفه، فلذلك لم أقل به هنا، بل يحلف كل واحد على نفي ما يدعي عليه وفق قياس الخصومات، ومن هذه المرتبة عكس هذه الصورة أن يتفقا على مبيع في الذمة، ويختلفا في الثمن، وذلك يأتي في السلم إذا اختلفا في جنس
стр. 203
المسلم فيه، كقوله: أسلمت في كُرِّ حنطة، فيقول: بل في كُرِّ شعير، فقد جزم صاحب "التتمة" بالتحالف، وهو ظاهر على طريقته.
وأما على طريقة الأصحاب فقد يقال: إن ما في الذمة إذا لم يثبت له حكم المعين، فينبغي عدم التحالف في السلم سواء أكان رأس المال الذي اتفقا عليه معينًا، فإنه يصير مثل اختلافهما في بيع العبد أو الجارية بألف في الذمة، أو كان رأس المال في الذمة، فإنه ينتفي التحالف بطريق أولى؛ لانتفاء المعين من الطرفين.
وهذا يثير لنا إشكالًا على الشيخ أبي حامد وموافقته في مسألتنا، فإنه يلزمهم أن يثبتوا التحالف في السلم.
وقد قدمت في أول الباب عن نص الشافعي: "أن المشتري إذا قال: أسلفتك مائة دينار في مائتي صاع حنطة، وقال البائع: أسلفتني مائة دينار في مائة صاع حنطة أنهما يتحالفان" (١).
والظاهر أنه لا فرق بين الاختلاف في القدر، والاختلاف في الجنس، فأما إذا لم يثبت لما في الذمة حكم المعين لم يلزم أن تكون المائة داخلة في المائتين، فعين هذا النص شاهد للقاضي أبي الطيب ومن وافقه، ولا نعرف خلافًا بين الأصحاب في إثبات التحالف في السلم.
والشيخ أبو حامد من جملة المصرحين بإثبات التحالف فيه، فلو كان ما في الذمة لا يثبت له حكم المعين ويخرجه ذلك عن التحالف، كيف كان يثبت التحالف في السلم إذا اختلفا في رأس المال فيه، إلا أن يحمل نص الشافعي على أن المائة دينار التي هي رأس المال كانت معينة، وهو بعيد، أو يقال: إن رأس المال لا من قبضه في المجلس، وبذلك يصير كالمعين في العقد، وذلك بمثابة الاتفاق على ثمن معين والاختلاف في عين البيع.
стр. 204
وقد تقدم أن ذلك يوجب التحالف قطعًا، وإنما يقوى الإشكال فيما إذا اختلفا في جنس رأس المال أو وصفه، كقوله: أسلمت إليك مائة دينار، فيقول: بل مائة درهم أو صحاحًا، فيقول: بل مكسرة، فها هنا الإبهام حاصل في الثمن والمثمن، فإذا لم يعط حكم المعين يلزم أَلَّا يثبت التحالف، فإن كان القائلون بمنع التحالف في مسألة العبد والجارية يمنعونه أيضًا هنا اندفع الإلزام عنهم، وإلَّا فالإشكال متوجه عليهم وعلى الإمام والغزالي أشد حيث صرَّحا بتخريج هذه المسألة على الأصل المذكور، وقد رأيت في "مختصر البويطي" في مثال السلف: "أنه إن ادعى أحدهما أن البيع إنما كان بشيء، وخالفه الآخر، مثل قوله: أسلفتني دينارًا أو ثوبا في كذا، وقال هذا: بل ديناران، القول قول البائع مع يمينه ويفسخ السلف؛ لأنهما يجتمعان (١) على أصل واحد" (٢)، فإن كان مقتضى هذا أنهما إذا اختلفا في عين رأس المال اتفاقهما على المسلم فيه، لم يتحالفا كان سببها باختلافهما في عين المبيع، ومضاء لما قاله أبو حامد.
نعم هذا الإشكال إنما يلزم الإمام والغزالي في تخريجهما التحالف هنا على الأصل المذكور، وحينئذٍ يلزمهما إثبات خلاف في السلم إذا اختلفا في جنس رأس المال أو وصفه، فليتأمل ذلك.
وقد تحصلنا على صور:
الأولى: الاتفاق على مبيع معين، والاختلاف في زيادة معه أو في ثمنه المعين، أو الذي في الذمة؛ قدرًا أو جنسًا أو وصفًا يوجب التحالف قطعًا.
الثانية: الاتفاق على ثمن معين، والاختلاف في زيادة معه، أو في المبيع جنسًا أو قدرًا يوجب التحالف قطعًا كالأول.
стр. 205
الثالثة: الاختلاف في عين المبيع والثمن معًا من غير موارد على شيء، فلا تحالف قطعًا.
الرابعة: الاتفاق على عوض والاختلاف في كيفية انتقاله بالبيع أو الهبة لا تحالف [فيه على الصحيح] (١).
الخامسة: الاتفاق على بيع وثمن في الذمة والاختلاف في عين المبيع، وهي مسألتنا فيها وجهان، وفي التصحيح نظر، تقدم التنبيه عليه.
السادسة: الاتفاق على مبيع في الذمة والاختلاف في قدره يوجب التحالف بنص الشافعي.
السابعة: الاتفاق على مبيع في الذمة والاختلاف في جنسه يوجب التحالف على ما صرح به صاحب "التتمة".
الثامنة: الاتفاق على مبيع في الذمة والاختلاف في ثمنه المعين أو الموصوف لا أعرف فيها نقلًا إلا ما قدمته عن البويطي إن كان كما حملته ولكن الأسبق إلى الفهم جريان التحالف، والقياس أن يكون كالخامسة التي هي مسألتنا كما تقدم.
التفريع:
إذا قلنا بقول أبي حامد؛ حلف البائع أنه ما باع الجارية وتبقي الجارية على ملكه كما كانت، وجاز له التصرف فيها ظاهرًا، ويحلف المشتري أنه ما اشترى العبد، فإذا حلف، كان العبد في يد المشتري لم يجز للبائع مطالبته به؛ لأنه لا يدعيه، وإن كان في يد البائع لم يجز له التصرف فيه؛ لأنه معترف بأنه للمشتري، وأن ثمنه في ذمته، ويجوز له أن يبيعه بقدر الثمن على طريق الظفر.
стр. 206
هكذا قاله القاضي أبو الطيب على قول أبي حامد، وظاهر كلامه أنه نقل عنه، واستشكله ابن الرفعة (١) من جهة أنه إذا كان في يد البائع غير مقبوض وبيع المبيع قبل قبضه ممتنع، فكيف ينوب البائع أو الحاكم عن المشتري في بيع شيء هو ممنوع منه، والبيع بطريق الظفر إنما هو بطريق النيابة كنيابة الحاكم عن الممتنع، ولا يمكن أن يتملك البائع عليه أيضًا بقدر حقه بناء على الصحيح أنه لا يجوز بيع المبيع من البائع قبل القبض، ولا يجوز أن يقبض للمشتري من نفسه.
قلت: وهذا الإشكال وارد أيضًا فيما إذا تحالفا قبل القبض حيث يقول بالتحالف واختصاص الفسخ بالظاهر، فقد تقدم أن حكم الصادق حكم من ظفر بمال من ظلمه، فيعود هذا الإشكال هناك.
وطريق الجواب أن يفرض العبد قد عاد إلى يد البائع بعد أن قبضه المشتري بطريق من الطرق التي لا يزيل الملك، أو أن البائع يرفع الأمر إلى الحاكم، فيقبضه حتى يخرج عن ضمان البائع كما سيأتي إذا أقام بينة ثم إذا قبضه الحاكم. وقد ثبت امتناعه عن ثمنه فيباع بطريق الظفر، ويكون إطلاق القاضي أبي الطيب محمولًا على أنه يفعل ذلك بطريقه، وهو ما أبديته، وبذلك يندفع الإشكال.
وأيضًا فسيأتي في أواخر الباب عن الشيخ أبي حامد وغيره، أن المشتري لو غاب قبل قبض المبيع باعه الحاكم في الثمن بشرطه، فكأنهم اغتفروا ذلك في بيع الحاكم.
ثم قال ابن الرفعة: والذي نص عليه الشافعي فيما حكاه صاحب "الإشراف": "أن القاضي يتلطف بالمشتري ويقول له: قل: فسخت البيع إن
стр. 207
كنت اشتريته، ويقول للبائع: قل: قبلت الفسخ" (١).
قلت: وصاحب "الإشراف" نقل هذا مطلقًا عن الشافعي فيما إذا قال البائع: بعت هذا منك بكذا، فأنكر المشتري وحلف عليه، "قال في "الإشراف": وهذا فيه إشكال؛ لأن الفسخ معلق بالصفة وتعليق الفسخ بالصفة لا يجوز" (٢).
واعترض ابن الرفعة (٣) بأن في تعليق البيع في نظير هذه المسألة فيما إذا قال: وكلتك في ابتياع هذه الجارية بعشرة، فقال: بل بعشرين، فقال: إن كنت أذنت لك في ابتياعها بعشرين، فقد بعتكها بعشرين وأصحهما الصحة، فالنص إذن عليه وليس كما لو قال: "إن كان مورثي قد مات فقد بعتك ما له" (٤)؛ لأنه انضم إلى التعليق الجهالة بالحال.
"ثم قال الشافعي: أنه إذا امتنع أن يقول ذلك، فإن ذهب ذاهب إلى أنه يصير ملكًا للبائع بالجحود والحلف كان مذهبًا.
وأثبت صاحب "الإشراف" هذا قولًا" (٥) ومقتضاه: أن يأتي في مسألتنا تفريعًا على قول أبي حامد وجه أنه يرجع الملك في العبد إلى البائع بحلف المشتري، ولا يحتاج إلى أن يجعله كمن ظفر بمال غريمه، والذي قاله الرافعي أنه لا يتعلق بيمينهما فسخ، ولا انفساخ وهو موافق لما قاله القاضي أبو الطيب، فإن ثبت ما قاله صاحب "الإشراف" كان في المسألة وجهان: أحدهما: أنه ينفسخ العقد بالحلف.
стр. 208
والثاني: يكون حكمه حكم من ظفر بمال غريمه، ولعله الأصح.
هذا كله تفريع على قول أبي حامد، وأن كلًّا منهما لا يجمع في يمينه بين النفي والإثبات.
أما إذا قلنا: يتحالفان ويجمع كل منهما بين النفي والإثبات فلا يخفى الحكم من أن الفسخ أو الانفساخ يرد على الألف، فيرجع إلى المشتري، ويرجع العبد والجارية إلى ملك البائع، ثم الكلام في الفسخ باطنًا أو ظاهرًا خاصة على ما تقدم، ويعود على بعض الأوجه الكلام في الظفر.
وما قدمناه الآن فيه فروع:
قال: بعتك هذا بألف، فقال: بل وهبتنيه، فقد تقدم أن الأصح أن كلًّا منهما يحلف على نفي ما يدعي عليه.
وقال صاحب "التتمة": يتحالفان، وعن صاحب "التقريب" رواية قول: إن القول قول مدعي الهبة؛ لأنه مالك باتفاقهما وصاحبه مدع عليه بالثمن، والأصل براءة ذمته منه، فحصل في المسألة ثلاثة أوجه.
وقد نقل بعضهم عن الفوراني القول بالتحالف، وهو كذلك في كتابه، لكنه فسره بالحلف، فلم يقل به، كما قاله صاحب "التتمة"، وإذا فرعنا على الأصح فحلفا، فعلى مدعي الهبة رده بزوائده، وسكت الأصحاب هنا عن أخذه بطريق، وينبغي إذا كان مدعي البيع محقًّا أن يكون حكمه حكم من ظفر بمال غريمه، ويعود فيه ما تقدم.
وقال الإمام: "إن هذ حكم الظاهر، والثابت باطنًا ما هو صدق في علم الله تعالى، [ووراء ذلك] (١) نظر، وهو أن صاحب اليد اعترف لصاحبه وادعى انتقال الملك إليه بطريق انتفت في ظاهر الحكم" (٢)، فهو كمن وافق
стр. 209
على الإقرار بحق وخالف في الجهة، وهو أصل من أصول الأقارير.
ولو قال: بعتك هذا بألف، فقال: بل رهنتنيه حلف كل واحد على نفي ما يدعيه صاحبه، ورد الألف واسترد العين، هكذا قالوه، ويأتي فيه ما قدمناه من حكم الظفر.
"ولو قال: وهبتكه بألف استقرضته، فقال: بعتنيه بألف، فالقول قول المالك مع يمينه، وترد الألف ولا يمين على الآخر، ولا يكون رهنًا؛ لأنه لا يدعيه، قاله في "التهذيب" (١) ونقله الرافعي عنه" (٢)، وفي رد الألف إلى مدعي الشراء، وهو ينكر استحقاقها نظر وذكرها المصنف في باب الرهن.
فرع
قد ذكرنا مسائل مجزومًا بالتحالف فيها، وأخرى مختلفًا فيها، وأخرى مجزومًا فيها بعدم التحالف، وكلها ذكرها الرافعي في قسم أن يختلفا مع الاتفاق على عقد صحيح.
ثم ذكر القسم الثاني المقابل لذلك، أن يختلفا من غير اتفاق على عقد صحيح (٣)، فإذا أدرجنا المسائل المتقدمة كلها في القسم الأول كما يشعر به كلامه كان المراد الاتفاق على مطلق العقد الصحيح سواء اختلفا في نوعه؛ كالبيع، والهبة، والرهن، أو في المعقود عليه كالاختلاف في عين المبيع، وهو كلام صحيح لكنه لا يستفاد منه ضابط التحالف، وهو لم يلتزمه في "الشرح".
وأشار في "المحرر" (٤) إلى أن ضابطه أن يختلفا في كيفية البيع بعد
стр. 210
الاتفاق على صحته، فإذا حملناه على مطلق البيع دخل فيه اختلافهما في عين المبيع، وإن كان هو لم يذكره في التمثيل، بل يدخل فيه ما إذا اختلفا في عين المبيع وعين الثمن، ولم يتواردا على شيء، وذلك لا يتحالفان فيه خلاف نعلمه.
وضبطه الغزالي "بأن يتفقا على بيع ومبيع معين، ويقع الاختلاف فيما وراءه مما يقع وصفًا للمبيع المتفق عليه" (١)، وهذا يخرج الاختلاف في عين المبيع، فهو ماشٍ على الشيخ أبي حامد.
ولكنا قد قدمنا عنه أنه خرج تلك المسألة على مسألة الإقرار، وأن الأصح فيها عنده اللزوم، وأنه صحح في نظيرها من الصداق التحالف، فما ذكره هنا من الضابط يخالف ذلك، وإن لم يلزمه في الصداق لما قدمناه من الفرق لزمه في تخريجه على مسألة الإقرار، وتصحيحه فيها.
وقد نقل القاضي حسين عن أصحابنا اختلافًا في حد ما يثبت به التحالف على ثلاثة أوجه أخرى:
أحدها: ونقله صاحب "التتمة" عنه أنه كان يقوله: أن يدعي كل منهما عقدًا صحيحًا لا على الوجه الذي يدعيه صاحبه، ولو قدرنا ذلك الاختلاف موجودًا حالة العقد امتنع انعقاده، وهذا يقتضي التحالف إذا اختلفا في عين المبيع.
وقد اقتضى كلامه أولًا أنهما لا يتحالفان، ويقتضي أنه [إذا] (٢) ادعى كل منهما مبيعًا وثمنًا غير الذي ادعاه الآخر يتحالفان، ولم يقل به أحد.
الثاني: أن يتنازعا على وجه تسمع بينة كل منهما، ولو أقاما جميعًا البينة
стр. 211
تعارضت بينتاهما، وهذا يقتضي أنهما إذا اختلفا في البيع والهبة يتحالفان.
الثالث: أن يختلفا في مقصود (١) في العقد، أو مشروط فيه لو أقام كل واحد منهما عليه البينة سمعت، وهذا يقتضي التحالف إذا اختلفا في عين المبيع.
فهذه خمسة حدود أقربها ما قاله الغزالي (٢)، ولا يرد عليه غير ما تقدم على طريقته، وكل منها لا يخلو عن مناقشة، ولا سبيل إلى ضابط لا يرد عليه شيء، إلا أن يذكر ضابطًا للمتفق على التحالف فيه، وإلا فكل أحد يذكر ضابطًا على مختاره يخالفه الآخر فيه، وسيأتي مسائل في شروط العقد إذا حصل الاختلاف فيها، وينبغي أن يفسر المبيع في ضابط الغزالي (٣) بما يشمل المبيع والثمن، فإن الثمن إذا كان معينًا تحالفًا بلا خلاف، وإن اختلفا في المبيع، وإن أريد العبارة الناصة على ذلك، فيقال: أن يتفقا على بيع وعوض معين ويقع الاختلاف فيما وراءه، فهذا الضابط ماشٍ على طريقة الشيخ أبي حامد وصاحب "التنبية"، وأما الغزالي فيرد عليه فيه ما تقدم.
فرع
قال: بعتك هذه الجارية، فقال: بل زوجتنيها، قال المصنف في "التنبيه" (٤)، والجرجاني، والإمام (٥)، والغزالي (٦): أنه يحلف كل منهما على نفي ما يدعي عليه، وليس ذلك من التنازع في صفة العقد حتى يخرج على التحالف، وإذا نكل الذي يتوجه عليه يمين النفي حلف صاحبه
стр. 212
اليمين المردودة على الإثبات على قياس الخصومات.
وعن صاحب "التقريب" أنه ذكر على هذا استدراكًا، فقال: لا تعرض اليمين على من يدعي البيع؛ لاعترافه بزوال ملكه، ومقصود العرض أن ينكل فيحلف العارض، ويمين الرد تنزل منزلة الإقرار من المدعى عليه. وها هنا لو أقر المدعى عليه بالتزويج لم يقبل؛ لأنه أقر بزوال ملكه، فيكون ذلك إقرارًا في ملك الغير.
نعم، إن قلنا: اليمين المردودة كالبينة اتجه عرض اليمين عليه.
قال الغزالي في "البسيط": وما ذكره متجه، وعليه استدراك وهو البناء على أصل آخر، وهو أن من ادعى مالًا لغيره فأنكره المقر له فيقبل رجوع المقر له، وفي رجوع المقر خلاف، فإذا قبلناه فيقبل ها هنا إقراره بالتزويج، ويكون رجوعًا، والحق لا يعدوها.
قلت: والأصح صحة الرجوع في حال إنكار المقر له، فعلى هذا يصح إقراره بالتزويج، وبه يظهر صحة كلام الأصحاب على المذهب، وفي كل من الاستدراكين فائدة، والأصح عند الغزالي أنه لا يصح الرجوع، فالاستدراك عليه متجه.
* * *
стр. 213
قال المصنف ﵀:
فإن أقام البائع بينة أنه باعه العبد، وجب على المشتري الثمن، فإن كان العبد في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع، ففيه وجهان:
أحدهما: يجبر المشتري على قبضه؛ لأن البينة [قد] (١) شهدت له بالملك.
والثاني: لا يجبر؛ لأن البينة شهدت له بما لا يدعيه، فلم يسلم إليه، فعلى هذا يسلم إلى الحاكم ليحفظه.
تبع المصنف في ذلك القاضي أبا الطيب، فإنه ذكر المسألة كذلك تصويرًا ونقلًا بعد أن ردَّ على الشيخ أبي حامد في قوله بعدم التحالف، واقتصر كما يراه على ما إذا أقام البائع البينة.
وأما الشيخ أبو حامد، فإنه قال: إن لم يكن معهما بينة، فالقول قول كل منهما فيما يدعى عليه، فيحلف [وتسلم الجارية إلى المشتري] (٢)، وأما العبد فإن كان في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع أقر في يده، وقد تقدم هذا عنه.
قال: وإن أقام كل منهما بينة قضى بالجارية للمشتري، ووجب عليه تسليمها إليه، وأما العبد فإن كان في يد المشتري أقر في يده، وإن كان في يد البائع نفي إجبار على قبضه الوجهان اللذان حكاهما المصنف، والرافعي (٣) رحمهما الله سلكا (٤) ما سلكه الشيخ أبو حامد، فحكى
стр. 214
الوجهين في حالة إقامة كل منهما البينة، وكذلك الماوردي (١)، وصرح بأنهما لا يتعارضان؛ لأن كل بينة منهما تثبت عقدًا لا يقتضي نفي غيره، فيصير المشتري ملزمًا لابتياع الجارية بألف، وله أن يتصرف فيها كيف شاء، وملزومًا بابتياع العبد بألف، وكذلك الشيخ أبو حامد صرح بعدم التعارض.
وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد، والماوردي (٢)، والرافعي (٣) من الحكم بوجوب تسليم الجارية عند قيام البينتين، وإنما يسمعان ويحكم بمقتضاهما لكل منهما بما ادعاه من غير تعارض كلام المصنف، والقاضي أبو الطيب ساكت عنه.
ولك أن تقول: أما الذي قاله المصنف والقاضي أبو الطيب، فلا شك فيه، وأما الذي قاله الشيخ أبو حامد والماوردي (٤) والرافعي (٥) فهو من أبي حامد والماوردي تفريع على رأيهما في أنه لا تحالف؛ لأنهما عقدان، أما من يقول بالتحالف فقياس قوله أن يحكم بتعارض البينتين وقد صرح الماوردي وغيره من الأصحاب بالتحالف عند اختلاف البينتين في مقدار الثمن لتعارضهما.
وذكر الرافعي وغيره من الأصحاب في كتاب الدعاوى: "إذا قال المكري: أكريتك هذا البيت من الدار شهر كذا بعشرة، وقال المكتري: بل أكريت جميع الدار بالعشرة أو بعشرة" (٦)(٧)، "أو ادعى أحدهما الكراء
стр. 215
بعشرة والآخر بعشرين، وأقام كل واحد منهما البينة، فقولان أو وجهان:
أحدهما: أن البينة المشتملة على الزيادة أولى، كما لو شهدت بينة بألف وبينة بألفين ثبت الألفان.
قال الرافعي: "وأصحهما وهو المنصوص أن البينتين متعارضتان، والزيادة المرجحة هي المشعرة بمزيد علم ووضوح حال، والزيادة فيما نحن فيه إنما هي زيادة في المشهود به، ويفارق بينة الألف والألفين، فإنهما لا يتنافيان؛ لأن التي تشهد بالألف لا تنفي الألف الأخرى، وها هنا العقد واحد، وكل كيفية تنافي الكيفية الأخرى فتثبت التعارض" (١) هذا كلام الرافعي في كتاب الدعاوى.
ولا مزية في أن من يقول في مسألتنا هذه بالتحالف؛ كالقاضي أبي الطيب وغيره يقول بالتعارض كالمسألة التي ذكرناها عن الدعاوى، وكالاختلاف في مقدار الثمن فيما ذكره الرافعي هنا من الحكم إذا قامت البينتان يجب أن يكون مفرعًا على قول الشيخ أبي حامد، وينبغي أن يحكي في المسألة طريقان: إحداهما هذا، وهو على طريقة أبي حامد.
والثانية: أنهما يتحالفان، وهي على طريقة أبي الطيب، ولا جرم لم يفرض أبو الطيب المسألة فيما إذا أقام البائع البينة وحده ومنعه المصنف، ولما كان رأي الشيخ أبي حامد عدم التحالف، وأنهما عقدان حكم بموجب البينتين، وأن لا تعارض، فكل منهما جار على أصله، لكنا قدمنا أن في جميع صور الاختلاف الصادر عقد واحد، وإنما الاختلاف تارة في نوعه، وتارة فيما ورد، وتارة في صفته، فهو واحد باعتبار، ومتعدد باعتبار.
فعند قيام البينتين إما أن يُحكم بالتعارض في الجميع وهو الحق، أو لا يحكم بالتعارض في الجميع مع الإمكان، حتى إذا قامت بينتان عند