← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والقاضي أبو الطيب جمع بينهما، فعلل بأن الأصل السلامة من العيب، والأصل لزوم العقد، وكذلك الشيخ أبو حامد، وهو أحسن لسلامته عن الإيراد مطلقًا، وذلك إذا جعلنا العلة مركبة من الأصلين، أو إحداهما علة والأخرى منبهة على دفع المعارضة (١). ويحتمل أن يجعل قول المصنف يجوز أن يحدث مطلقًا ولا يقدر فيه، ويجوز ألا يحدث فيشمل القسمين الثاني والثالث، والقول فيها قول البائع، لكن في أحدهما بغير يمين، وفي الآخر بيمين. والمصنف لم يتعرض لليمين في كلامه؛ فلذلك احتمل، لكن الأول أولى وهو مراده إن شاء الله، وإنما لم يذكر اليمين إحالة على ظهور ذلك، والعلم به من مكان آخر، هذا ما يتعلق بشرح كلام المصنف. ثم إن الشافعي والمزني والأصحاب تكلموا هنا في كيفية اليمين فقال الشافعي ﵀: "القول قول البائع مع يمينه على البت لقد باعه بريئًا من هذا العيب" (٢). قال المزني: "ينبغي في أصله أن يُحَلِّفه، لقد أقبضه إياه وما به هذا العيب من قِبَلِ أنَّهُ يضمن ما حدث عنده قبل دفعه إلى المشتري، ويجعل للمشتري ردَّه لما حدث عند البائع، ولو لم يحلفه إلا على أنه باعه بريئًا من هذا العيب أمكن أن يكون صادقًا، وقد حدث العيب عنده قبل الدفع، فنكون قد ظلمنا المشتري؛ لأن له الرد بما حدث بعد البيع في يد البائع، فهذا يبين لك ما وصفت أنه لازم في أصله على ما وصفنا من مذهبه" (٣). هذا كلام المزني - رحمة الله -.

стр. 247

وأخذ الأصحاب في الجواب عنه بعد تمهيد أصل، وهو أن كل من ادعى عليه دعوى؛ كغصب، أو سرقة، أو بيع، أو غير ذلك، فإن اقتصر في الجواب على نفي الاستحقاق كفاه، وليس للحاكم أن يقول له: أجبه عما سأل؛ لأنه قد يغصب عينًا أو يسرقها، ثم يشتريها منه، فلو كلفناه الجواب لأدى إلى أن يكذب أو يقر، فلا يقبل قوله في الشراء، فكان نفي الاستحقاق أحوط له وللبائع أيضًا؛ لأنه لا يكون غاصبًا وهو لا يستحق عليه شيئًا، فيحلفه أنه مَا يستحق عليه شيئًا ويبرأ، وإن أجاب على وفق الدعوى مثل أن يقول: ما غصبت وما سرقت، فكيف يحلفه؟! فيه وجهان؛ أصحهما: أنه يلزمه التعرض في اليمين لما تعرض له في الجواب؛ ليكون اليمين مطابقة للجواب، ولو كان له غرض في الاقتصار لاقتصر عليه في الجواب، فلما أجاب مفصلًا دل على أنه علم أنه يمكنه الحلف عليه، وقال الشيخ أبو حامد: إن هذا الوجه هو ظاهر المذهب. والثاني: أنه يكفيه الإطلاق في اليمين كما يكفيه الإطلاق في الجواب، وهذا أصل مطرد في جميع الدعاوى (١). ففي مسألتنا هنا: إن قال البائع في الجواب: إن المشتري لا يستحق الرد بهذا العيب، كان جوابًا صحيحًا وحلف عليه خاصته؛ لأنه قد يبيعه وبه العيب، ثم يسقط رده بالرضا به، فلو أمره الحاكم بالحلف على أنه باعه وما به عيب. فإما أن يحلف كاذبًا، وإما أن ينكل فيرد اليمين على المشتري، فيحلف ظالمًا، وإن قال: بعته بريئًا من هذا العيب، فهل يحلف عليه أو يقتصر في التحليف على نفي الاستحقاق؟! فيه وجهان؛ أصحهما الأول.

стр. 248

إذا تقرر ذلك عدنا إلى جواب المزني (١)، فمن اعتبر كون اليمين على وفق الجواب، قال مراد الشافعي ﵀: ما إذا ادعى المشتري عيبًا سابقًا على البيع، وأراد الرد به، وقال البائع في الجواب: بعته وما به هذا العيب، فيحلف كذلك، ولو قال المشتري: قبضته معيبًا ونفاه البائع في الجواب، حلفه كما ذكره المزني، ولو اقتصر في الجواب على أنه لا يستحق الرد، لم يلزمه ذكر هذا ولا ذاك. ومن قال: يكفي اليمين على نفي الاستحقاق بكل حال، قال: لم يقصد الشافعي ﵁ أنه الآن على ماذا يحلف ولأي شيء يتعرض، ولكن أراد أن يبين أنه يحلف على البتِّ، فلا يقول مثلًا: بعته وما أعلم به عيبًا، ولكن يقول: بعته وما به عيب، ويجوز اليمين على البت إذا اختبر حال العبد واطلع على خفايا أمره، كما يجوز بمثله الشهادة على الإعسار وعدالة الشهود وغيرهما، وعند عدم الاختبار يجوز الاعتماد على ظاهر السلامة إذا لم يعرف، ولا أظن خلافه، فهذان جوابان جيدان، والأول أحسنهما. وقال ابن داود في "شرح المختصر": إذا ادعى المشتري أنه قبضه معيبًا خلفنا البائع، كما قال المزني (٢)، ثم لا يرضى أن يكتفي بقوله: لقد أقبضته بريئًا من هذا العيب؛ إذ قد يقبضه وديعة أو عارية، ثم يحدث العيب، ثم يبيعه منه، فيكون العيب من ضمان البائع، لكن يقول: لقد أقبضته بعد البيع بريئًا إن ذكر أن الإقباض كان بعد البيع، أو يقول: لقد حصل مقبوضًا له بعد البيع وهو بريء من البيع، وهذا اعتراض حسن على المزني كاعتراضه على الشافعي، والمراد من الإطلاقين ما تقدم تحريره.

стр. 249

فرع حلف البائع أنه لا يستحق عليه الرد، ثم اختلفا في الثمن وتحالفا وفسخ العقد، فطلب البائع الأرش لا يجاب إليه؛ لأن يمينه سمعت للدفع عنه حين كان مُدَّعًى عليه، والآن هو مُدَّعٍ والمشتري مدعًى عليه، فيحلف ولا شيء عليه، ونظيره الوكيل إذا ادعى تسليم الثمن إلى الموكل تقبل يمينه؛ لأنه أمين، فلو حلف ثم خرج المبيع مستحقًّا، وغرم الوكيل لم يرجع بالغرم على الموكل. فرع لو كان بالمبيع تغيُّر عما هو المعهود في جنسه واختلفا في أنه عُيِّب أو لا؟ فالقول قول البائع مع يمينه إلا أن يقيم المشتري شاهدين من أهل الخبرة. فرع في مطارحات ابن العطار: ادعى المشتري وجود عيبين في يد البائع: الإباق والسرقة مثلًا، فاعترف البائع بالاباق وادعى حدوث السرقة في يد المشتري، فالقول قول المشتري؛ لأن الرد قد ثبت بإقرار البائع يكون الإباق عنده، ويدعي ما يبطل الرد من حدوث السرقة في يد المشتري، فلا يبطل بالشك. قال: وهذه من غرائب المسائل التي يكون القول فيها قول المشتري فيمن يمكن حدوثه، وعبر عنه بأن العيب إن كان يثبت الرد، فالقول قول البائع وإن كان يبطله، فالقول قول المشتري. قلت: وهذا حسن ينبغي أن يقيد به كلام الأصحاب، ولو أن البائع ادعي حدوث السرقة أولًا، وقبلنا قوله لم يمنعه ذلك من دعواه حدوث الآخر على مقتضى التعليل المذكور.

стр. 250

فرع اشترى شيئًا قد رآه وهو غائب عنه وإبراء البائع من عيب ثم أتاه، فقال: قد زاد العيب، فالقول قول المشتري مع يمينه، نَصَّ عليه في آخر باب بيع العروض، وهو الأصح. والفرق بينه وبين ما تقدم أن هنا اتفقا على القدم والبائع يدعي على المشتري الإبراء من الزائد والأصل عدمه على أنه قد يقال: اتفقا على البراءة، والمشتري يدعي الزيادة والأصل عدمها، والتحقيق أن هذا الاختلاف في تقدم العيب على الرؤية وحدوثه عليها، فالبائع يدعي تقدمه والمشتري يدعي حدوثه بعد التفرقة وقبل البيع أو القبض، فقبول قول المشتري هنا، كقبول قول البائع فيما تقدم؛ لأنهما اشتركا في دعوى الحدوث. وحاصله: أن كل من ادعى الحدوث القول قوله، إلا في الفرع المتقدم عن المطارحات، وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في هذا الفرع لا يختص بالعيب؛ ولهذا أطلق في "التنبيه" (١) وغيره (٢) أنهما لو اختلفا في النقصان، فالقول قول المشتري، فلو كان النقصان ليس عيبًا، ولكنه فوات فضيلة مما يثبت به خيار الحلف كان الحكم كذلك، لكن قبول قول المشتري فيما إذا ادعى المشتري أنه كان عند اللزوم على صفة كاملة لا يشهد لها أصل، ولا ظاهر لكونه كاتبًا، ثم نقص بعد ذلك فيه نظر؛ لأن قول البائع هنا معتضد بأصل لا معارض له. * * *

стр. 251

قال المصنف ﵀: وإن اختلفا في المردود بالعيب، فقال المشتري: هو المبيع، وقال البائع: الذي بعتك غير هذا، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل سلامة المبيع، وبقاء العقد، فكان القول قوله. هذا الحكم جزم به المصنف، والرافعي (١)، ونقله الإمام عن الأصحاب (٢). وفي نظيره في المسلم فيه خلاف؛ قيل: القول قول المسلم إليه، وهو البائع كما هنا، وهو الذي ذكره المصنف في "التنبيه" (٣) في باب السلم. والثاني: وقال الرافعي: "إنه الأصح، أن القول قول المسلم" (٤)، فإنه لم يعترف بقبض صحيح، والأصل اشتغال ذمة المسلم إليه بخلاف المعين، فإنهما اتفقا على قبضه، ثم اختلفا في أن العقد ينفسخ بذلك أولًا، والأصل (٥) بقاء العقد. والوجهان جاريان في الثمن في الذمة؛ أن القول قول الدافع أو القابض. وعن ابن سريج وجه ثالث (٦): أنه إن كان بحيث لو رضي به لوقع عن

стр. 252

جهة الاستحقاق لرجع التفاوت إلى الصفة، كرداءة النوع أو الخشونة واضطراب السكة، فهو كالمبيع؛ لأن القبض صحيح لو رضي، وإن لم يكن كذلك، كما لو ادعى البائع أن الثمن الذي قبضه كان زيوفًا مثلًا، فالقول قوله؛ لأنه منكر أصل القبض، وتبعه الماوردي (١). وهذا التفصيل جازٍ بعيب في المسلم فيه، فحصل فيما في الذمة ثلاثة أوجه، أما المعين الذي مسألة الكتاب، فلا خلاف فيه. قال الرافعي: "ولك أن تقول: المعنى في المسلم فيه ظاهر، فإن الاعتياض عنه غير جائز، لكن في الثمن لو رضي بالمقبوض لوقع عن الاستحقاق، وإن لم يكن ورِقًا متي كانت له قيمة؛ لأن الاستبدال عن الثمن جائز على الصحيح" (٢). قلت: لكن الاستبدال ملك به ملك الاعتياض حتى يشترط ما يدل عليه من لفظ صريح أو كناية، كغيره من العقود، وإذا كان كذلك فلا يكفي رضا البائع بالمقبوض إذا لم يكن ورقًا حتى يصدر اعتياض صريح، فإن ادعى البائع ذلك لم يقبل قوله؛ [لأنه] (٣) دعوى عقد بغير بينة، فاستقام المعين الفارق في السلم والثمن معًا. ولا يجري التحالف هنا ولا حلف المشتري؛ لأن البائع لا يدعي شيئًا، فليس كالاختلاف في عين المبيع حيث يقول بالتحالف على وجه أو بالحلف من الجانبين على وجه على أنه تقدم لنا، فيما إذا رد المبيع بعيب ثم اختلفا في الثمن، وجه قائل بالتحالف، وأن المبيع يبقى في يد المشتري ويأخذ الأرش، ولعل ذلك الوجه يأتي ويمتنع الرد، لا سيما إذا كان الثمن، فليتأمل ذلك.

стр. 253

وقد يقول القائل: إذا كان الثمن معينًا وتنازع البائع والمشتري في عين المبيع تحالفا قطعًا، فإذا فرض هنا الثمن معينًا، فينبغي أن يكون كذلك، وإلا يكون كذلك، وإلا فما الفرق فليتأمل ذلك (١). * * *

стр. 254

قال المصنف ﵀: وإن اشترى عينين، فتلفت إحداهما ووجد بالأخرى عيبًا [فرده] (١)، وقلنا: إنه يجوز أن يرد أحدهما، فاختلفا في قيمة التالف، ففيه قولان: أحدهما: وهو الصحيح، أن القول قول البائع؛ لأنه ملك جميع الثمن، فلا يزال ملكه إلَّا عن القدر الذي يقر به كالمشتري والشفيع إذا اختلفا في الثمن، فإن القول قول المشتري؛ لأنه ملك [الشقص] (٢)، فلا يزال إلَّا بما يقر به. والثاني: أن القول قول المشتري؛ لأنه كالغارم، فكان القول قوله. هذه المسألة قدمتها في باب بيع المصراة، والرد بالعيب، عند شرح قول المصنف: "وإن اشترى عينين فوجد بإحداهما عيبًا، فهل له أن يفردها بالرد فيه قولان"، ويذكر هنا ما لا بد منه، وهو أن المصنف هناك لم ينص صريحًا على ما إذا كانت إحدى العينين تالفة، بل أطلق وذكرنا هناك أن أظهر القولين فيما إذا كانا باقيتين منع إفراد إحداهما بالرد، وفيما إذا كانت إحداهما تالفة أن الرافعي لم يصحح (٣). ومقتضى تخريجه على تفريق الصفقة أن يكون الأصح الجواز، وعند الماوردي (٤) الأصح المنع، وهو مقتضى نصه في البويطي واختلاف العراقيين، وأن جماعة رتبوا حالة تلف أحدهما على حالة بقائهما، وأن كلام القاضي أبي الطيب يقتضي التسوية وإطلاق القولين في المسألتين.

стр. 255

ومقتضى ذلك أن يكون الأصح فيهما المنع، كما قاله الماوردي (١)؛ لأنه الأصح في حالة بقائهما عند الجمهور، وإطلاق المصنف في باب العيب موافق لإطلاق أبي الطيب، فعلى هذا يكون كلامه في هذه المسألة هنا تفريعًا على القول الضعيف. وعلى مقتضى ترتيب الرافعي والتخريج على تفريق الصفقة القهري يكون تفريعًا على الأصح. واعلم أنه تقدم لنا هناك وجه ثالث حكاه القاضي أبو الطيب عن بعض الخراسانيين، ورأيته منصوصًا في البويطي أنه يضم قيمة التالف إلى الباقي ويردهما جميعًا، وعلى هذا الوجه لا يأتي الكلام الذي ذكره المصنف هنا. وإنما التفريع على أنه يجوز أن يرد أحدهما مفردًا من غير ضم شيء إليه وهو مراد المصنف، وإذا كان كذلك فيحتاج إلى معرفة قيمته وقيمة التالف حتى يقسط الثمن عليهما على قدر القيمتين، ثم يسترد من البائع حصة الباقي، فإذا اختلفا في قيمة التالف، فالأمر كما قال المصنف؛ نقلًا، وتصحيحًا، وتعليلًا. وقوله في المشتري: كالغارم؛ لأنه ليس غارمًا حقيقة، وإنما يشبه الغارم؛ لأنه فات عليه بعض الثمن وتقدم هناك أن القولين اللذين ذكرهما المصنف هنا منصوصان في اختلاف العراقيين على ما نقله القاضي أبو الطيب وغيره، ورأيتهما فيه إلا أنني أبديت هناك نظرًا في ذلك، وتقدم هناك أيضًا: أنا إذا منعنا إفراد أحدهما بالرد كما هو المذهب، فله الأرش، فإن اختلفا في قيمة التالف عاد القولان، ومن أراد تمام الغرض، فليطالع ذلك المكان.

стр. 256

قال المصنف ﵀: وإن باعه عشرة أقفزة من صبرة، وسلمها بالكيل، فادعى المشتري [أنها] (١) دون حقه، ففيه قولان: أحدهما: أن القول قول المشتري؛ لأن الأصل أنه لم يقبض جميعه. والثاني: أن القول قول البائع؛ لأن العادة فيمن يقبض حقه بالكيل أن يستوفي جميعه، فجعل القول قول البائع. القولان منقولان عن رواية الربيع (٢)، وبالأول قال أبو حنيفة (٣)، ورجحه صاحب "التهذيب" (٤). وبالثاني قال مالك (٥) وهو الأصح عند الشيخ أبي (٦) حامد، والقاضي أبي الطيب (٧) وغيرهما (٨). والقولان من تقابل الأصل والظاهر، وقد رجح الظاهر ها هنا وشبه القاضي أبو الطيب ذلك بمسألتين؛ إحداهما: إذا قسم القاسم الأرض بين

стр. 257

الشركاء، ثم ادعى بعضهم الخطأ في القسمة لم يقبل منه إلَّا ببينة. والأخرى: إذا سلم من الصلاة، ثم طرأ عليه شك في بعض أركانها، لم يَلْزمه إعادتها؛ لأنها قد صحت في الظاهر، فلا تبطل بالشك، وكذلك هنا. واعلم أن المشتري متى اعترف بقبض حقه، ثم ادعى نقصانًا، فينبغي أن لا يقبل قوله جزمًا، ومتى لم يعترف إلا بقبض بعضه قبل قوله جزمًا، فليجعل صورة الخلاف فيما إذا قال: قبضت ظانًّا أنه تمام حقي، فبان ناقصًا فها هنا يتقابل الأصل عدم القبض. والظاهر: عدم الغلط فيمن اكتال، وأخذ بناء على أنه تمام حقه، واعلم أيضًا أن محل القولين على ما ذكره البغوي (١)، والرافعي (٢)، فيما إذا كان النقصان زائدًا على القدر الذي يقع مثله في الكيل والوزن، أما قدر ما بيع مثله في الكيل والوزن فيقبل قول القابض فيه. وقد ذكر المصنف المسألة في باب السلم في تسليم المسلم فيه ولم يحك القولين فيها، بل جزم بأن ما يدعيه المشتري إن كان قليلًا قُبِلَ منه، وإن كان كثيرًا لم يقبل منه؛ لأن القليل يبخس به، والكثير لا يبخس به، وكذلك الشيخ أبو حامد (٣) والقاضي أبو الطيب في باب بيع الطعام. واعتمد الْفَارِقيّ هذا التفصيل، وذكره على كلام المصنف في هذا المكان، لكن حيث ذكر ذلك في السلم جزم في كلٍّ من الطرفين، ولم يذكر مثالًا للقليل والكثير، والفارقي هنا حيث تكلم في ذلك مثل الكثير بخمسة من عشرة، وما أشبه ذلك، والقليل بواحد من عشرة، وجعله محل القولين.

стр. 258

ثم قال: وقد ذكر الشيخ هذا التفصيل في تسليم المسلم فيه، ومراده بذلك أصل التفصيل دون التمثيل وحكاية الخلاف. فأما ما ذكره الفارقي من أن الواحد من العشرة هو محل القولين فصحيح؛ لأن الشيخ أبا حامد (١)، والقاضي أبا الطيب في باب الشرط الذي يفسد البيع فرضا المسألة فيمن اشترى عشرة أقفزة فكالها وقبضها، ثم ادعى أنها تسعة، وحكيا فيها القولين، وهي المسألة التي تكلما فيها، ولم يذكرا غير ذلك، وصححا أن القول قول الدافع. وأما تفسيره القليل بذلك فليس بجيد؛ لأنهم جزموا في القليل بقبول قول القابض، فلو حملنا القليل على ذلك لزم التناقض في كلامهم، لكن يجعل ذلك من الكثير، ويكون جزم المصنف في السلم، والشيخ أبي حامد (٢)، والقاضي أبي الطيب فيه بقبول قول الدافع على ما هو الأصح عندهم خلافًا لصاحب "التهذيب" (٣)، وأرادوا بذلك الفرق بينه وبين المقبوض حرامًا حيث يقبل قول القابض في القليل والكثير، ثم أيجب بعد ذلك عن القليل الذي جزموا به فيه بقبول قول القابض ما ضابطه. ففي كلام القاضي أبي الطيب (٤) أنه الذي يتحقق به في الكيل، فإن كان ذلك [زائدًا] (٥) على ما يقع بين الكيلين في التفاوت، فيحتاج إلى بيان، ثم إقامة الدليل على قبول قول القابض فيه، فإن دعواه مخالفة للظاهر أيضًا، وإن كان ما يقع بين المكاييل والموازين وهو الشيء اليسير عند اختلافها، فيجيء صاعًا لمكيال ولا يجيء بآخر.

стр. 259

وقد يقال: أن ذلك لا يستحق الرجوع به على ما صرح به الماوردي في باب بيع الطعام، فيما إذا قبض ثم ظهر زائدًا، كذلك أنه لا يرد تلك الزائدة، فكما أنه لا يردها فليس له المطالبة بها، وإذا لم يكن له المطالبة بها، فلا فائدة في قبول قوله. وأما قول الفارقي: إن الكثير كخمسة من عشرة، فهو من الكثير، ولا ينحصر الكثير فيه، بل القفيز من العشرة كثير على ما قررناه؛ توفيقًا بين الكلام. ونقل ابن الرفعة في "شرح الوسيط" كلام الشيخ في السلم، ثم قال بعد ذلك قال: "والقليل الواحد من العشرة، والكثير كالثلث والربع" (١)؛ هكذا ذكر في "شرح الوسيط"، ولم أر تفسير القليل والكثير في ذلك في كلام الشيخ. والظاهر أن الذي أوقع ابن الرفعة في ذلك أنه في "شرح التنبيه" (٢) نقل كلام الشيخ في "المهذب"، ثم قال: والقليل الواحد من العشرة، فلما جاء في "شرح الوسيط" لم يراجع "المهذب"، وظن أن ذلك من بقية كلام الشيخ فنسبه إليه وليس من كلامه. فرع نختم به الكلام في التحالف: اختلفا، فحلف كل منهما بعد التحالف أو قبله بحرية العبد المبيع، إن لم يكن الأمر كما قال، فلا يعتق العبد في الحال، ثم إن فسخ العقد أو عاد العبد إلى البائع بسبب آخر عتق عليه، كمن أقر بحرية عبد ثم اشتراه، ولا يعتق في الباطن إن كان البائع كاذبًا، ويعتق على المشتري إن كان صادقًا، وولاء هذا العبد موقوف، ولو

стр. 260

صدق المشتري البائع حكم بعتقه عليه، ويرد الفسخ إن تفاسخا، كما لو رد العبد بعيب، ثم قال: كنت أعتقته؛ يرد الفسخ ويحكم بعتقه. قلت: يحمل على ما إذا صدقه البائع وإلا فلا؛ لتعلق حق البائع به، فصار كما لو باعه، ثم قال: كنت أعتقته لا يرد البيع. ولو صدق البائع المشتري؛ نظر إن حلف البائع أو لا ثم المشتري، فإذا صدقه عقب يمينه، ثم عاد العبد إليه لم يعتق، كأنه لم يكذبه بعد ما حلف يعتقه حتى يجعل مقرًّا وإن حلف المشتري أولًا، ثم البائع عتق إذا عاد إليه؛ لأن حلفه بعد حلف المشتري تكذيب له، ولو كانت المسألة بحالها، لكن المبيع بعض العبد، فإذا عاد إلى البائع عتق ذلك القدر عليه، ولم يقوم عليه الباقي، كما إذا حلف اثنين وعبدًا، فقال أحدهما: أعتق أبي هذا العبد، وأنكره الآخر يعتق نصيب المقر، ولا يقوم عليه الباقي، وهذا الفرع من مولدات ابن الحداد. * * *

стр. 261

قال المصنف ﵀: فصْل [البدء بتسليم المبيع أو الثمن] إذا باعه سلعة (١) بثمن في الذمة، ثم اختلفا، فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلم المبيع حتى أقبض المبيع، فقد اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجبر البائع على إحضار المبيع، والمشتري على إحضار الثمن، ثم يسلم كل واحد ماله دفعة واحدة؛ لأن التسليم واجب على كل واحد منهما، فإذا امتنعا أجبرا، كما لو كان لأحدهما على الآخر دراهم وللآخر [عليه] (٢) دنانير. والثاني: لا يجبر واحد منهما، بل من سلم منكما ما عليه أجبر الآخر على تسليم ما عليه؛ لأن على كل واحد منهما حقًّا في مقابلة حق له، فإذا تمانعا لم يجبر واحد منهما، كما لو نكل المدعى عليه، فردت اليمين على المدعي فنكل. والثالث: أنه يجبر البائع على تسليم المبيع، ثم يجبر المشتري وهو الصحيح؛ لأن حق المشتري يتعلق بعين، وحق البائع في الذمة، فقدم ما تعلق بالعين، كأرش الجناية مع غيره من الديون؛ ولأن البائع يتصرف في الثمن في الذمة، فوجب أن يجبر البائع على التسليم؛ ليتصرف المشتري في المبيع.

стр. 262

ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد وهو أنه يجبر البائع على تسليم المبيع كما ذكرناه، وما سواه من الأقوال ذكره الشافعي - رحمة الله عليه - عن غيره، ولم يختره. قال الشافعي ﵀ في باب الاستبراء، وهو في آخر الجزء السادس من "الأم" بعد أن تكلم في أنه ليس للبائع حبس الجارية المبيعة؛ لأجل الاستبراء، "وإذا اشترى الرجل من [الرجل] (١) الجارية، أو ما اشترى من السلع، فلم يشترط المشتري الثمن إلى الأجل، وقال البائع: لا أسلم إليك السلعة حتى تدفع إليَّ الثمن، وقال المشتري: لا أدفع إليك الثمن حتى تسلم إليَّ السلعة، فإن بعض المشرقيين قال: يُجْبِرُ القاضي كل واحد منهما؛ البائع على أن يُحضر السلعة، والمشتري على أن يحضر الثمن، ثم يسلم السلعة إلى المشتري، والثمن إلى البائع لا يبالي بأيهما بدأ إذا كان ذلك حاضرًا، وقال غيره منهم: لا أجبر كل واحد منهما على إحضار شيء، ولكن أقول: أيكما شاء أن نقضي له بحقه على صاحبه، فليدفع إليه ما عليه من قِبَل أنه لا يجب على واحد منكما دفع ما عليه إلا بقبض ماله. وقال آخرون: أَنْصِبُ لهما عدلًا، فأجبر كل واحد منهما على الدفع إلى العدل، فإذا صار الثمن والسلعة في يديه، أمرناه أن يدفع الثمن إلى البائع، والسلعة إلى المشتري. قال الشافعي ﵁: لا يجوز فيها إلَّا القول الثاني من أَلَّا يجبر واحد منهما، أو قول آخر؛ وهو أن يجبر البائع على دفع السلعة إلى المشتري بحضرته ثم ينظر، فإن كان له مال أجبر على دفعه من ساعته، فإن غاب ماله

стр. 263

وقفت السلعة، وأشهد على أنه وقفها للمشتري، فإن وجد له مالًا دفعه إلى البائع، وأشهد عليه إطلاق الوقف عن الجارية، ودفع المال إلى البائع، وإن لم يكن له مال، فالسلعة عَيْنُ مال البائع وجده عند مفلس، فهو أحق به إن شاء أخذه، وإنما أشهدنا على الوقف؛ لأنه إن أحدث بعد إشهادنا على وقف ماله في ماله شيئًا لم يجز. وإنما منعنا من القول الذي [حكينا] (١) أنه لا يجوز عندنا غيره، أو هذا القول، وأخذنا بهذا القول دونه؛ لأنه لا يجوز للحاكم عندنا أن يكون رجل يقر بأن هذه الجارية قد خرجت من ملكه ببيع إلى مالك، ثم يكون له حبسها، وكيف يجوز أن يكون له حبسها، وقد أعلمنا أن ملكها لغيره، ولا يجوز أن يكون رجل قد أوجب على نفسه ثمنًا، وماله حاضر ولا نأخذه منه، ولا يجوز لرب الجارية أن يطأها، ولا يبيعها، ولا يعتقها، وقد باعها من غيره، ولا يجوز للسلطان أن يدع الناس يدافعون الحقوق، وهو يقدر على أخذها منهم" (٢). هذا آخر كلام الشافعي في ذلك. وذكر المزني هذه المسألة في باب اختلاف المتبايعين، هذا واختصر، فقال: "ولو لم يختلفا، وقال كل واحد منهما: لا أدفع حتى أقبض، فالذي أحب الشافعي من أقاويل وصفها أن يأمر البائع بدفع السلعة، ويجبر المشتري على دفع الثمن من ساعته، فإن غاب ماله أشهد على وقف ماله، وأشهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، وإن لم يكن له مال، فهذا مفلس، والبائع أحق بسلعته، ولا يدع الناس يتمانعون الحقوق، وهو يقدر على أخذها منهم" (٣).

стр. 264

ونقل الشيخ أبو حامد في حكايتهم لكلام الشافعي المذكور في باب الاستبراء القول الثالث، وهو اختيارهما على التسليم من عدل، عن سعيد بن سالم القداح، وكذلك الماوردي (١) والمحاملي، ولم أر أنا ذلك في كلام الشافعي، ولعله في نسخة أخرى من "الأم" أو في موضع آخر. ثم ادعى أبو حامد والمحاملي أن القول المذكور هو الأول بعينه؛ لأن الحاكم كالعدل، فهي في الصورة ثلاثة أقوال، وفي الحقيقة قولان، وسبقهما إلى ذلك أبو إسحاق المروزي، وسيأتي الكلام في ذلك، وأما هنا فلا حاجة بنا إليه؛ لأن كلًّا منهما لم يجزه، ونحن لا نثبت إلَّا ما اختاره لنفسه. قال الماوردي: "وامتنع سائر أصحابنا من جعلها واحدًا، وجعلوا كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه؛ لأن الدفع والتسليم في القول الأول إلى الحاكم، فكان بحكمه، وها هنا الحكم منه في نصب الأمين والأمر بالتسليم فاختلفا" (٢). قلت: وهذا فيه نظر، فإن مقتضاه أن القولين مشتركان في الإجبار، لكن على الأول يُجبرهما على الدفع إلى الحاكم، وعلى الثاني يجبرهما على الدفع إلى العدل، فيقول: إن كان العدل نائبًا عن الحاكم فَيَدُهُ كَيَدِهِ، فلا يكون بينه وبين الأول مغايرة في المعنى، كما قال الشيخ أبو حامد. وإن كان العدل يقيمة الحاكم نائبًا عنهما، فيبعده أمران: أحدهما: أنه يصير التسليم إليه كتسليم كل منهما لصاحبه، وتعود المشاححة فيه، فلا فرق في إجبار واحد منهما بين تسليمه إلى صاحبه وتسليمه إلى العدل.

стр. 265

الثاني: أن كلام الشافعي يتضمن أن العدل يؤمر بعد ذلك بالدفع إليهما، ولو كان نائبًا عنهما لكان القبض قد يحمل بيده، ويبقى؛ المالان لهما في يد نائبهما يأخذانه متى شاءا لكنا مع هذا نستبعد أن يكون القولان قولًا واحدًا؛ لقول الشافعي، وقال آخرون: فإن ظاهره يقتضي المغايرة، فالوجه أن يقول: أن القول الأول ليس فيه أن الحاكم يقبض، بل يأمرهما بالإحضار ويبدأ بأيهما شاء، وهذا تخيير الحاكم في البداءة بعد إحضار العوضين. والقول الثالث: لا يجوز ذلك بل يقيم العدل تسوية لهما من كل وجه، ويجبرهما معًا على الدفع إليه، ومما يدلُّك على أن الحاكم ليس بقابض تأمل كلام الشافعي. وقد صرح الماوردي على القول الأول بأنهما "لو أحضرا ذلك إلى الحاكم فتلف في مجلسه كان من ضمان صاحبه، فإن كان التالف هو المبيع أو الثمن المعين في العقد انفسخ البيع" (١)، وإن كان الثمن الذي أحضره عما في الذمة لم ينفسخ، وعلى المشتري أن يأتي ببدله، فهذا صريح في أن الحاكم ليس بقابض. وأما من يقول بالتسليم إلى العدل، فهل [ … ] (٢) أن يقبض العدل يستقر العدل حتى لو تلف بعد ذلك لا ينفسخ العقد أولًا، ويكون كما لو تلف بعد الإحضار إلى مجلس القاضي فيه نظر [ … ] (٣). الثاني: فسواء أجعلناهما قولين أم قولًا واحدًا، فالشافعي غير قائل به، وقال: إنه إنما يقول بأحد

стр. 266

قولين، الثاني، وهو عدم الإجبار أو قول آخر لم يحكه عمَّن تقدم، وهو إجبار البائع، وجعل الماوردي القول بإجبار البائع من جملة ما حكاه الشافعي، وقال: "إن الشافعي حكى للناس في ذلك أربعة مذاهب" (١). قلت: ولفظ الشافعي في "الأم" قد حكيت بعضه، ولم أفهم منه غير ما تقدم، وهو أن الثلاثة محكية عن غيره، والرابع ذكره غير منسوب إلى قائل، وصرح بأنه لا يقول إلَّا بأحد قولين؛ إما بالثاني، وإما بالرابع الذي قلنا: إنه لم يحكه، ثم اختار من هذين القولين إجبار البائع الذي قلنا: إنه لم يحكه، وصرح بأنه لا يقول بالثاني، وهو عدم إجبارهما معًا، وبين المانع له من القول به، وهو ترك الناس يتمانعون الحقوق، هذا مقتضى كلام الشافعي ﵁. وقد تعرض أيضًا للمسألة في الجزء التاسع قبل باب بيع الغائب قال: "وإذا اشترى الرجل الشيء ولم يسم أجلًا، فهو بنقد ولا ألزمه أن يدفع الثمن حتى يدفع إليه ما اشترى" (٢). انتهى. وهذا اللفظ يحتمل أن يكون مراده أنهما لا يجبران، بل من بدا منهما أجبر الآخر، ويحتمل أن يكون المراد أنه يجبر البائع، فلا يجبر المشتري على البدأة حتى يبدأ البائع بما واجب (٣) عليه، ولما كان كلامه في باب الاستبراء دليلًا على إجبار البائع تعين حمل هذا اللفظ عليه جمعًا بين الكلامين، فقد تلخص أن مضمون كلام الشافعيين كله البدأة بإجبار البائع فقط، ولا جرم كان ذلك ظاهر المذهب. وأما كلام المزني في "المختصر"، فاختلف الأصحاب فيه فمنهم من حمله على ذلك، وأن المراد إجبار البائع.

стр. 267

ومنهم من حمله على أن المراد إجبارهما، ولا شك أنه محتمل لذلك، إلا أنه ظاهر في الأول، وحيث اقترن به ما قدمناه من مدلول كلام الشافعي في "الأم" تعين حمل المزني عليه، وأن المراد إجبار البائع ليس إلَّا، وهذه طريقة من يقول بإجبار البائع وهي الطريقة الثانية في كلام المصنف، وهي الصحيحة مذهبًا وحجاجًا، أما مذهبًا فلما تقدم من كلام الشافعي، وأما حجاجًا؛ فلما ذكره المصنف في توجيه القول الثالث من العلتين: الأولى: أن حق المشتري يتعلق بالعين، والمتعلق بالعين متعلق مقدم على المتعلق بالذمة، وهذا يشير إلى أن جانب المشتري أقوى. والثانية: لا تحتاج إلى بيان القوة، ولكن نقول: إنهما وإن تساويا في الاستحقاق، فالبائع قد استأثر بالتصرف في الثمن بالاعتياض عنه والحوالة به فينبغي إجباره على تسليم المبيع؛ ليتصرف فيه المشتري، ويحصل بذلك العدل بين الجانبين. وأيضًا؛ فإنه يترتب على تسليم المبيع استقرار العقد بخلاف الثمن؛ لاحتمال تلف المبيع بعد قبض الثمن، فكان في البدأة بتسليم المبيع فائدة ليست في البدأة بالثمن. والتعليلان الآخران مستقيمان مطلقًا، وممن قال بهذه الطريقة الشيخ أبو حامد، وجماعة على ما نقله الروياني (١) على أنني لم أر في "تعليقة أبي حامد" إلَّا ترديد القول بين أَلَّا يكون للشافعي إلا قول واحد كهذه الطريقة، أو قولان كالطريقة التي سنحكيها إن شاء الله تعالى. الطريقة الثانية: التي أوردها المصنف: أولًا: إثبات ثلاثة أقوال كما ذكرها المصنف، وهي التي أوردها أكثر العراقيين أن في المسألة ثلاثة أقوال، وقد

стр. 268

تجد بالحاوي (١) (٢) وغيره ما يقتضي نسبة هذه الطريقة إلى أبي إسحاق، وفيه توقف سأنبه عليه إن شاء الله. وهاتان الطريقتان أوردهما القاضي أبو الطيب هكذا والعبدري، والقول بأنه يسلم دفعة واحدة على قول الإجبار، كذلك صرح به القاضي أبو الطيب والعبدري، كما ذكره المصنف، ويقرب منه قول الروياني في "الحلية"، ثم يسلم إليهما على سواء، ويقرب منه كلام صاحب "التتمة"، كما سنذكره. والطريقة الرابعة: وهي مقتضى إيراد الماوردي (٣) أن في المسألة أربعة أقوال: اثنان منها هما الثاني والثالث في كلام المصنف، وبهما عدم الإجبار، أو إجبار البائع. والثالث: إجبارهما على الإحضار، فإذا حضر المبيع والثمن إلى الحاكم لم يبال بأيهما بدأ. والرابع: أن الحاكم ينصب لهما عدلًا ويأمر كلًّا منهما بتسليم ما في يده إليه، فإذا صار الجميع عنده سلم المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع. وزعم الماوردي (٤) أن الشافعي حكى هذه الأربعة للناس، وأن أصحابنا خرجوها أربعة أقوال، وهي كما قال في كلام الشافعي غير أن إجبار البائع قاله غير منسوب لغيره، فيما وقفت عليه، وقد تقدم التنبيه على ذلك، والثلاثة حكاها عن غيره. وقد تقدم عن أبي إسحاق أنه جعل القول الأول والثالث في كلام الشافعي قولًا واحدًا، وجعل في المسألة ثلاثة أقوال، والماوردي ذكر عن أكثر الأصحاب أنهم خالفوه وجعلوهما قولين، فلذلك أثبتها أربعة.

стр. 269

وقد تضمن كلام الماوردي (١) أن الأصحاب خرجوها أقوالًا، ومقتضى ذلك إثبات قولين زائدين ما حكاه المصنف أحدهما تخيير الحاكم بعد الإحضار إليه، وهو القول الأول في كلام الشافعي، وإثبات التخيير فيه ظاهر من كلام الشافعي ظهورًا قويًّا كما تقدم، والثاني إلى عدل وهو الثالث في كلام الشافعي، والقول الذي حكاه المصنف من أنه يجبرهما على الإحضار ويسلم دفعة واحدة، لم يتضمنه كلام الشافعي صريحًا، ولا كلام الماوردي وأبي إسحاق، فيحصل من اجتماع الطرق الثلاث خمسة أقوال؛ نعم الأصحاب اختلفوا في معنى قول الشافعي: إنه يلزمهما بالتسليم إلى عدل ما معناه، وسأتكلم على ذلك إن شاء الله. الطريقة الثالثة: وهي مقتضى ما نقل عن أبي إسحاق المروزي، ونسبها الشيخ أبو حامد إلى الأصحاب أن في المسألة ثلاثة أقوال؛ اثنان منها هما الثاني والثالث في كلام المصنف، والآخر إجبارهما على تسليم المبيع والثمن إلى عدل، ثم [يُسلم] (٢) إلى كل واحد منهما حقه لا يبالي بأيهما بدأ، وهذا هو القول الثالث مما حكاه الشافعي. وعند أبي إسحاق أنه مع الأول قول واحد، وإن تغايرا في الصورة؛ لأنه لا فرق بين الحاكم وبين العدل المنصوب من جهته كما تقدم ذلك عن الشيخ أبي حامد، لكن الشيخ أبو حامد لا يوافقه في كونها ثلاثة أقوال كما سأبين. وهذه الطريقة التي ذكرت عن أبي إسحاق تقتضي إثبات قول بأن الحاكم يتخير بعد إحضار المبيع، والتخيير في كلام الشافعي ظاهر ظهورًا قويًّا، وإن كان الرافعي وأكثر الأصحاب المتأخرين لم يحكوه، فإذا ضم إلى ما حكاه المصنف صارت أربعة أقوال، ثم إن أبا إسحاق اختار من الأقوال الثلاثة

стр. 270

القول بإجبارهما. وكذلك اختاره القاضي الروياني، قال في "الحلية": وهذا هو الاختيار خاصة في هذا الزمان. الطريقة الخامسة: أوردها ابن داود في "شرح المختصر" والقاضي حسين في "تعليقه" (١)، وهي أنه حكاية الأقوال الثلاثة كما قال أبو إسحاق المروزي وزيادة رابعٍ، قالا: إنه مخرج، وهو أنه يجبر المشتري تخريجًا من الصداق، فإنه أجبر الزوج على البدأة بتسليم الصداق، وادعى هذا القائل أن الزوج في مقام المشتري، وجرى على ذلك صاحب "التهذيب" (٢)، كما يدل عليه لفظ الشافعي من أنه لا يبالي بأيهما بدأ، وإمام الحرمين (٣)، لكن لم يبين على القول بإجبارهما كيفية ذلك، هل هو أن يسلما معًا كما قال المصنف والقاضي أبو الطيب، أو يتخير الحاكم بعد الإحضار، كما هو في كلام الشافعي، وأبي إسحاق، والقاضي حسين، والبغوي (٤)، وكذلك صاحب "التتمة" جرى على ما قاله القاضي حسين من غير بيان، لكن في لفظه ما يقتضي التسوية، وهي إلى كلام المصنف أقرب، وممن حكى هذه الطريقة قبل القاضي حسين أبو الحسن الجوري، ولم يذكر أن إجبار المشتري مخرج، بل أطلق أن في المسألة أربعة أقوال. وادعى إمام الحرمين (٥) أن هذه الطريقة المشهورة في المذهب، ومراده طريقة إجراء الخلاف المقابلة للطريقة الجارية بإجبار البائع، وإذا ضممت هذا القول المخرج إلى ما تقدم اجتمع ستة أقوال، إن كان التسليم إلى

стр. 271

الحاكم والتسليم إلى العدل متغايرين، وسأتكلم على ذلك إن شاء الله. الطريقة السادسة: أن في المسألة قولين وهما: عدم الإجبار أو إجبار البائع؛ لأن الشافعي قال: ولا يجوز إلا الثاني أو يجبر البائع، حكاها المَحَاملي، والروياني (١) وضعفاها. وقد تقدم أن الشيخ أبا حامد ردد القول بينها وبين الطريقة الأولى، وقد حكى ابن الرفعة في "شرح الوسيط" طريقة قاطعة بإجبارهما، ولم أرها لغيره وليتنبه الأمور؛ أحدها: تلخيص جميع ما تقدم أن المسألة على قول واحد، وهو إجبار البائع. وقيل: قولين، وهو ذلك مع عدم الإجبار. وقيل: ثلاثة بزيادة إجبارهما، وذلك مشترك بين الطريقة الثانية والثالثة. وقيل: الرابعة، وذلك مُشترك بين الطريقة الرابعة، وبين الطريقة الخامسة التي فيها إجبار المشتري، ولا مزيد على هذه الأربعة؛ لأنها الأقسام الممكنة، لكن القول بإجبارهما اختلفت حكايته، فقيل: يُسلمان دفعة واحدة، أي يقع تسليم البائع للمشتري وتسليم المشتري للبائع في زمن واحد. وهذا هو الذي يُفهم من كلام المصنف وشيخه. وقيل: يُجبران على الإحضار إلى الحاكم، ثم هو يتخير. وقيل: يسلمان إلى عدل أو عدلين. الثاني: أن أبا إسحاق المروزي، والشيخ أبا حامد متفقان أن القول الأول كلام الشافعي، وهو إجبارهما على الإحضار إلى الحاكم، ثم لا يبالي بأيهما بدأ.

стр. 272

والقول الثالث في كلامه، وهو التسليم إلى عدل هما قول واحد ثم اختلفا، فأبو إسحاق يُثبت الأقوال التي حكاها الشافعي أقوالًا في المذهب، وهي ثلاثة في زعمه، وأبو حامد لا يثبت ما حكاه عن غيره، وإنما يثبت ما اختاره لنفسه، وهو إما قول واحد أو قولان. الثالث: في الفرق بين القول الأول والثالث في كلام الشافعي على القول بتغايرهما. قال الماوردي: بعد أن نسب إلى أبي إسحاق "أنهما قول واحد: إن سائر أصحابنا امتنعوا من ذلك وجعلوا كُلًّا منهما مخالفًا للآخر، قال: لأن الدفع والتسليم في القول الأول إلى الحاكم، فكان بحكمه، وفي الثالث الحكم منه في نصبه العدل، والأمر بالتسليم إليه، فاختلفا" (١). وقال ابن الرفعة: "أن هذا الفرق لا غِنَى فيه، وأن التحقيق في الفرق بينهما كما يقتضيه لفظ الشافعي، أما على إجبارهما بالتأويل الأول لا يبالي بأيهما بدأ، ونقول: لو تلف المال في يد الحاكم كان من ضمان من دفعه، كما صرح به الماوردي (٢) على القول بالتسليم إلى العدل يقول: يبدأ العدل بتسليم المبيع، وادعى أن ذلك مغاير لإجبار البائع من جهة أنه على القول الثالث يكون للبائع بالثمن المقبوض بيد العدل حق اختصاص. بل قد يقال: أنه يقدم به على الغرماء لو طرأ عليه، فليس كالمال يعزله الملتقط بدلًا عما يأكله من الطعام بقبض القاضي له. وإن قلنا: لا يجوز للقاضي قبض أموال الغائب في الذمة، فإنه يثبت لصاحب الطعام به اختصاص عند فلس الملتقط، وإن لم يملكه.

стр. 273

ولو تلف الثمن في يد العدل فقياس إلحاقه بالقيمة المعزولة أن يكون في ضمان البائع، وإن لم يملكه، كما قالوا في القيمة المعزولة، والذي يظهر أنه من ضمان المشتري، وكذا المبيع لو تلف في يد العدل يكون من ضمان البائع، ولا جائز أن يقال: العدل نائب عنهما، فيستقر العقد بقبضه؛ لأنه لو كان لذلك لم يتعين البدأة بالدفع إلى المشتري، وهو بمقتضى ظاهر اللفظ متعين". انتهى كلام ابن الرفعة. وليس في كلام الشافعي ما يقتضي ما قال، فإن الشافعي كما قال كما حكيته فيما تقدم، وحكاه هو أيضًا إيابًا من العدل أن يدفع الثمن إلى البائع والسلعة إلى المشتري، فمن أين له في كلام الشافعي أن العدل يبدأ بتسليم المبيع، والواو لا تقتضي الترتيب، ولو اقتضت الترتيب لاقتضت ضد ما ادعاه، وما الفرق بين الحاكم حتى يقال بأن الحاكم يتخير، والعدل لا يتخير، وإذا عرف ذلك فنقول: إطلاق حكاية الشافعي في القول الأول يحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها: أن الحاكم إذا حضرت السلعة والثمن إلى مجلسه يتخير في الأول لأحدهما بالتسليم إلى الآخر. والثاني: أن يقبض بنفسه، ويكون بذلك يستقر العقد ويحتمل قبضه قائمًا مقام قبضهما. والثالث: أن يقبض بنفسه ولا يستقر العقد بذلك، بل يكون قائمًا مقامها في الإقباض لا في القبض. وكلام الماوردي ينفي الاحتمال الأول؛ لأنه صرح في آخر كلامه بأن التسليم إلى الحاكم ما ينفي الاحتمال الأول، وقال في التفريع على ذلك: "إنه لو أحضرا ذلك إلى الحاكم، فتلف في مجلسه كان من ضمان صاحبه، إن كان التالف هو المبيع بطل البيع، وإن كان هو الثمن، فعلى المشترى أن

стр. 274

يأتي ببدله، إلا أن يكون الثمن معينًا فيبطل البيع أيضًا بتلفه" (١). انتهى. فهذا يقتضي أن العقد لم يستقر بذلك، وهذا الكلام من الماوردي لم يصرح هنا بأن الحاكم قبض، بل قال: "تلف في مجلسه"، لكن نقول على ذلك القول: إن الحاكم هو القابض عرف أن مراده التلف في مجلسه بعد قبضه، وهذا الكلام من الماوردي يحتمل لأن يكون تلف في مجلس الحاكم بعد قبضه أو قبل قبضه، فإن كان مراده أنه بعد قبضه، فيدل منه على تعين الاحتمال الثالث، وإلَّا فالاحتمال الثاني قائم. وأما القول الثالث: وهو التسليم إلى العدل، فهو يحتمل أمرين وهما الاحتمال الثاني والثالث اللذان ذكر ناهما في التسليم إلى الحاكم، والأقرب في الحاكم الاحتمال الثالث، وأن العقد لا يستقر بقبضه بل يده طريق في الدفع، والأقرب في العدل الاحتمال الثاني، وأنه منصوب نائبًا عنهما في القبض، وبذلك يحصل الاختلاف بين القولين، والله أعلم بالمراد، فإن الأمرين محتملان. والأقرب أن القولين في المعنى يعودان إلى قول واحد، كما قال أبو إسحاق، والشيخ أبو حامد، وأن المقصود بذلك أن يحصل العوضان في مكان يؤمن عليهما ويكون كل منهما إذا سلم لا يخشى على مقابله، وهذه الطريق تحصل بِأَن يَصِلا إلى يد الحاكم أو عدل، فكل من القائلين ذكر طريقًا، وعلى كِلَا الطريقين لا يحصل القبض واستقرار العقد، إلا بوصول كل منهما إلى حقه، والتلف في يد الحاكم أو العدل كالتلف قبل القبض، ولعل الشافعي إنما سكت في العدل عن كونه لا يبالي بأيهما بدأ؛ لذكره ذلك في الحاكم، فاستغنى عن إعادته، وإنما قال بذلك ولم يوجب التسليم إليهما معًا؛ لأنه قد أمن الفوات فليس في التقديم ضرر.

стр. 275

وهذا الزمن اللطيف لا يحصل به تأخير الحق عن مستحقه، وهو لا يشاحح الحاكم والعدل في ذلك، وإنما يشاحح خصمه. وقد عرف لما ذكرناه أن محل التخيير إذا قلنا به بعد قبض الحاكم أو العدل، وليس للحاكم أن يتخير في إجبار أحدهما على التسليم إلى الآخر إذا حضر العوضين إلى مجلسه ولم يقبضهما؛ لأن الذي يبدأ به إذا قبض ماله ومقابله في يده، فقد تبادر في تلك اللحظة فيتلفهما جميعًا، فيفوت غرض الآخر بخلاف الحاكم والعدل، فإن ذلك مأمون فيهما. وممن صرح بأنه إذا تلف في يد العدل يكون كالتلف في يد الدافع؛ الجرجاني في كتاب التفليس. الرابع: أن بما تقدم يُعلم أن في المسألة خمسة أقوال: عدم الإجبار، إجبار البائع، إجبارهما على التسليم إلى الحاكم ثم يتخير، وهذه الثلاثة منصوصة إجبارهما على أن يُسلم كل منهما إلى صاحبه دفعة واحدة، ولا يدل النص عليه إجبار المشتري وهو مخرج، وأما إجبارهما على التسليم إلى عدل، فقد اخترنا موافقة الشيخ أبي حامد على أنه ليس معتبرًا للحاكم إلَّا في الصورة، فلا فائدة في عده. الخامس: أن قول المصنف: "ثم يسلم إلى كل واحد منهما ماله دفعة واحدة إن كان مراده الحاكم، وأنه بعد إحضارهما يسلم ذلك دفعة واحدة"، فهذا مخالف مخالفة ظاهرة لما قاله الشافعي، وإن كان المراد أن كلًّا منهما يسلم لصاحبه دفعة واحدة، فهو غير ما قاله الشافعي، وإن كان المراد أن العدل يسلم ذلك دفعة واحدة. فليس في الكلام ما يدل عليه، وأن في كلام الشافعي وأيضًا يكون مخالفًا لمن يرى التسوية بين العدل والحاكم، لكن هذا القول، وإن لم يكن في كلام الشافعي ولا أكثر الأصحاب، فإنه متجه لاستواء الجانبين في

стр. 276

الاستحقاق؛ ولئلَّا يترتب على سبق أحدهما ولو بلحظة فساد يتصرف قبل أن يحجر عليه أو غير ذلك. وقياس المصنف على ما لو كان لأحدهما دراهم وللآخر دنانير يقتضي أن هذا الحكم مستقر في المسألة المذكورة. والظاهر أن هذا الخلاف لا يجري فيه؛ لأن الجانبين مستويان من كل الوجوه، ولا كذلك هنا؛ لما سبق، وقد فرق بأن الملك هناك تام، وأما هنا فلا يتم إلَّا بالقبض، وأصل ثبوته بالاختيار، فقد يقال: إن تمامه يتوقف على الاختيار، هكذا ذكر بعضهم هذا الفرق، وفيه نظر، فإنه يقتضي أن المشتري إذا سلم الثمن يجوز للبائع تأخير المبيع، ولا قائل به. السادس: أن الشافعي ردد القول بين عدم الاختيار وبين إجبار البائع، ثم اختار إجبار البائع، ولم يلو على إجبارهما أصلًا، ومقتضى ذلك أن قول عدم الإجبار عنده أرجح من القول بإجبارهما، وأنت إذا وقفت على ما تقدم ونظرت فيما ذكره المصنف من التعليل وجدت أرجح الأقول إجبار البائع، ثم إجبارهما. وأما القول بعد الإجبار فمنحط عنهما، وقياسه على النكول غير ظاهر؛ لأن المدعي إذا نكل لم يترتب على نكوله أكثر من وقوف الحق الذي يدعيه، وهو متمكن من الوصول إليه بيمينه ولا يثبت إلَّا بها، وها هنا حق كل منهما ثابت وليس موقوفًا على تسليم الآخر، لكنه قد يكون عند الشافعي شيء لم يظهر لنا. السابع: في شرط جريان هذا الخلاف، وله شروط: أحدها: [أن يكون] (١) الثمن في الذمة.

стр. 277

وقد صدر الشيخ به كلامه، فلو كان معينًا، فقد ذكره في آخر الفصل. الثاني: أن يكون حالًا، فلو كان مؤجلًا، لم يجر الخلاف بلا خلاف، بل يجبر البائع على التسليم ولا يملك مطالبة المشتري، وإن كان غريبًا يرهن ولا كفيل؛ لأنه المفرط، فلو حل الأجل قبل التنازع؛ ففي "التهذيب" (١) أن الخلاف لا يجري نظرًا إلى حالة العقد، وفي نظيره من الصداق وجهان، والقياس جريانهما هنا. وقد حكاهما الروياني (٢)، وقال: إن الظاهر المذهب أن البائع ليس له حق الحبس في هذه الحالة. الثالث: أن يقع التنازع بعد لزوم العقد؛ لأن الدعوى في زمن الخيار غير ملزمة، هكذا قاله ابن الرفعة. الرابع: أن يكون كلٌّ منهما عاقدًا لنفسه، ولم يتعلق بالمبيع حق الغير كالمرتهن وغرماء المفلس، فإن الأصحاب قالوا في الحاكم إذا باع مال المفلس: ثلاث طرق، قال ابن العطار: يبدأ بالمشتري قطعا. وقيل: يجيء مع ذلك أنهما يجبران. وحكى الماوردي (٣)؛ أنه يجيء أيضًا إجبار البائع، واتفقوا على إسقاط القول بأنهما لا يجبران؛ لأن الحال لا يحتمل التأخير فلو وجدت النيابة من غير تعلق، فقد قال ابن الرفعة: إنه إن كان نائبًا عن البائع لم يأت إلَّا قول إجبارهما، وقول إجبار المشتري. وإن كان نائبًا عن المشتري، لم يأت إلَّا قول إجبارهما، وقول إجبار البائع وإن كانا نائبين تعين القول بإجبارهما.

стр. 278

كما حكاه الإمام في كتاب التفليس، وقال: "إن مقتضى ما حكاه الماوردي من إجبار البائع في الفلس أن يأتي فيما إذا كان البائع نائبًا عن الغير، وأن يأتي قول إجبار المشتري فيما إذا [كان] (١) نائبًا في الشراء، وإن [كان] (٢) نائبًا جميعًا فيما إذا كانا نائبين ولا يعدم إلَّا عدم الإجبار" (٣). الرابع: أن يكون المبيع عند العقد في يد المشتري، والثمن المعين في يد البائع، فلو كان كذلك فالمشهور أنه لا حق للآخر في التعلق به، ووجهه المتولي بأنه لما باع منه مع كون المال في يده، فقد رضي بدوام يده، هذا إذا كان في يده بحكم الأمانة، فلو كان بحكم الغصب ونحوه فعلته أن البيع جهة ضمان، والمال في يده مضمون فسقط ضمان القيمة ويقدر ضمان الثمن. وفي "الحاوي" وجه أنه لا بد من النقل والتحويل وإذن البائع إذ كان له حق الحبس، قال ابن الرفعة فعلى هذا لو وقع التنازع جرت الأقوال. الخامس: ذكر الرافعي أمرًا مهمًّا، "وهو أن طائفة توهمت أن الخلاف في البدأة خلاف في أن للبائع حق الحبس. فإن قلنا: البدأة بالبائع، فليس له حبس المبيع إلى استيفاء الثمن وإلَّا فله، ونازع الأكثرون فيه، وقالوا: هذا الخلاف مفروض فيما إذا تنازعا في مجرد البدأة، وكان كل واحد منهما يبذل ما عليه ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، أما إذا لم يبذل البائع المبيع وأراد حبسه؛ خوفًا من تعذر تحصيل الثمن فله ذلك بلا خلاف، وكذلك المشتري له حق حبس الثمن؛ خوفًا من تعذر تحصيل المبيع. نص عليه الشيخ أبو حامد والماوردي" (٤).

стр. 279

قلت: وهذا حسن حين قال الماوردي: "أنه لو تأخر تسليم المبيع لعذر أو غير عذر لم يلزم المشتري تعجيل الثمن، ولو أعطى المشتري البائع بالثمن رهنًا أو ضمينًا، لم يلزمه تسليم المبيع؛ بخلاف ما إذا احتال به أو اعتاض عنه أو أبرأ منه (١) " (٢). وللإمام وطائفة يرون أن الخلاف في البدأة خلاف في حق الحبس. ويلائمه ذكر الشافعي والأصحاب أحوال الثمن في الغيبة والإعسار؛ تفريعًا على الإجبار، إلا أن يقال: بأن المراد إذا طرأت هذه الأحوال بعد الإجبار، ومقتضى كلام القاضي حسين، أن البائع يجبر على تسليم المبيع إذا كان الثمن حاضرًا في البلد، وإن كان غائبا عن المجلس، ولا يجبر عليه إذا كان الثمن غائبًا عن البلد لو كان المشتري مفلسًا، فأما ما ذكره (٣) في حالة الغيبة والإفلاس، فموافق لما قاله الرافعي (٤): عن الأكثرين وهو الحق، فإن إجبار البائع على التسليم ثم تمكينه من الفسخ بالغيبة أو الإعسار لا معني له، فلا شك في إثبات حق الحبس للبائع ها هنا، وإن خالف الإمام (٥) أو غيره في ذلك، فمخالفتهم بعيدة. وأما ما اقتضاه كلامه من الإجبار على تسليم المبيع في حالة حضور الثمن في البلد وغيبته عن المجلس، فهو مخالف لما اقتضاه كلام الماوردي والرافعي (٦)، وفي الترجيح بينهما نظر، والقلب إلى ما قاله الماوردي والرافعي أميل وفي معنى ذلك ما إذا كان المال الحاضر معه في المجلس

стр. 280

ليس من جنس الثمن؛ حتى يحتاج إلى تأخر بسبب بيع أو اعتياض، وإنما يظهر إجبار البائع إذا كان الثمن بيوعه ووصفه حاضرًا في المجلس، وما في معناه بحيث لا يتوقع تأخره، وهل يستكسب المبيع في يد البائع بحق المشتري؛ كما يستكسب المرهون في يد المرتهن بحق الراهن، فيه وجهان في "النهاية" (١). ولو باع ثوبًا بدينار في الذمة وقبض دينارًا عنه وسلم الثوب، ثم خرج الدينار زيوفًا رده، وهل يعود حق الجنس، فيه وجهان يثبتان على جواز الاستبدال في مسألة الصرف (٢). فروع: لو تبرع البائع بالتسليم، لم يكن له رده إلى جنسه؛ قاله الرافعي، [قال] (٣) الرافعي: "وكذا لو أعاره من المشتري في أصح الوجهين، ولو أودعه إياه فله ذلك" (٤). وفي "النهاية" في باب الرهن: "والحميل (٥) في بطلان حق الحبس وجهان [ … ] (٦) على العارية، ثم [ … ] (٧) من يجعل الإعارة أولى بالبطلان؛ لأنه يبعد أن يحفظ المالك ملكه لغيره. وقيل: الإيداع أولى بألَّا يبطل؛ لأنه ليس فيه تسليط (٨).

стр. 281

وإذا قلنا: إن حق الحبس لا يبطل فتلفه في يد المشتري، كتلفه في يد البائع قاله القاضي أبو الطيب في أواخر كتاب الشفعة (١). ولو صالح من الثمن على مال لم يسقط حق الجنس بذلك، وقال المشتري: بل سلمته إليَّ، فمن المصدق منهما؟ فيه وجهان في "النهاية" في كتاب الرهن (٢). فرع حكم الاختلاف الجاري بين المكري والمكتري في البدأة بالتسليم، حكم البائع والمشتري هكذا أطلقوه هنا، وهو في إجارة العين ظاهر، وأما الإجارة على الذمة فكلامهم في المسابقة، وأنه لا يجب تسليم العوض فيها بمجرد العقد، بخلاف الإجارة يشعر بالبدأة بتسليم الأجرة قبل العمل، وفي ذلك مخالفة لإطلاقهم هنا؛ لأن الأجرة بمنزلة الثمن، فيأتي فيها الخلاف، بل قد يقال: إن محل الخلاف إنما هو فيما إذا لم يخش الفوت. وإذا كانت الإجارة على عمل، فكل منهما إذا سلم قد يخشى الفوت. وجواب هذا: أن المعتبر في التسليم في الإجارة على الذمة تسليم العين التي يستوفى منها، هكذا يقتضيه كلام الروياني في باب السلم (٣) فيما إذا جعل رأس المال منفعة، وحينئذٍ فالعين المستوفى منها بمنزلة المبيع والأجرة بمنزلة الثمن، فتجري فيه الأقوال. أما مال المسابقة، فقيل: كالأجرة. وقيل: لا يجب إلا بتمام العمل،

стр. 282

وكلام الرافعي يقتضي ترجيحه (١)، وعلى هذا يفرق بينه وبين الأجرة، وكذا الاختلاف بين المسلم والمسلم إليه، فلو اختلفا في الأجل أو قدره تحالفا، ولو اختلفا في انقضائه أو ابتدائه، فالقول قول مَنْ عليه الحق قاله الروياني (٢)، وقد تقدم ذلك. * * *

стр. 283

قال المصنف ﵀: فعلى هذا ينظر فيه، فإن كان المشتري موسرًا، نظرتَ: فإن كان ماله حاضرًا أجبر على تسليمه في الحال. إجباره على التسليم؛ لأنه قد يسلم المبيع، وتسليم الثمن واجب عليه، ولم يبق له مانع، فيجبر على تسليمه؛ لتندفع الخصومة. قال الماوردي: "وفي هذه الحالة يكون المشتري ممنوعًا من التصرف في المبيع وسائر أمواله؛ حتى يدفع الثمن إلى البائع، ثم يطلق تصرفه فيه" (٢)، وهذا الذي قاله الماوردي: من ثبوت الحجر في هذه الحالة، سكت الرافعي والأكثرون عنه فلم يذكروه، والمراد بكونه ممنوعًا: أن الحاكم ينشئ الحجر عليه. وقال ابن الرفعة: "فلو أصر على الامتناع، فهل يثبت للبائع فسخ البيع؟! فيه وجهان؛ أصحهما في "الإشراف": أنه لا يثبت، وجعله الإمام في الفلس ظاهر المذهب" (٣). قلت: والإمام والهروي في "الإشراف" حكياه كما قال، لكن لم يصرحا بما إذا كان ماله حاضرًا في المجلس، كما هو فرض مسألتنا، بل أطلقا ذلك فيما إذا كان موسرًا متغيبًا، وبيَّن الإمام أن ذلك فيما عسر تخطيطه منه، وإذا كان كذلك كان لجريان الخلاف في الفسخ وجه، أما فيما هو حاضر

стр. 284

وتخليصه منه بالقهر ممكن، فلا وجه له، فإن فرض عسر التخليص مع الحضور، كما إذا كان للمشتري قوة لا يقدر الحاكم بأعوانه على انتزاعه من يده جرى الخلاف، فليحمل كلام ابن الرفعة على ذلك. وقول المصنف: "ماله"؛ أي حبس الثمن، وهو أحسن من قوله في "التنبيه": "فإن كان الثمن حاضرًا" (١)؛ لأن فرض المسألة أن الثمن في الذمة، فتناول بجنس الثمن، وكلامه هنا لا يحتاج إلى ذلك، لكن إذا كان ماله الحاضر من غير جنس الثمن، فهو يقول كما لو كان من جنس الثمن، فيستوفى منه بطريقة؛ إما بأن يباع ويستوفى منه ثمنه، أو باعتياض، أو يجعله كما لو كان الثمن في داره؛ حتى يحجر عليه، للاحتياج إلى مضي زمان في ذلك، كالمضي إلى الدار والدكان لم أر فيه نقلًا، لكن كلام المصنف يدل على الأول، وكذلك ما تقدم من كلام الشافعي أنه إن كان له مال أجبر على دفعه من ساعته. واعلم أن كلام المصنف وكذلك غيره من العراقيين وصاحب "التهذيب" يقتضي أن هذه الأحكام المذكورة في الإجبار والحجر والفسخ وجميع ما سيأتي، إذا سلم البائع بإجبار الحاكم؛ تفريعًا على المذهب في القول بالإجبار. أما لو تبرع البائع به وقلنا: إنه لا يجبر، فكلام الإمام والرافعي يقتضي أن الحكم كذلك، وفيه نظر؛ لأنه إذا سلم باختياره كيف يتمكن من الفسخ بعد ذلك، وكيف يحجر الحاكم لأجله؟! وهو لا يفعل ذلك في غيره من الديون، وسيأتي فيما إذا كان معسرًا ما يؤيد هذا المعنى. وحيث قلنا: يجب على البائع البدأة، أو قلنا: لا يجب، ولكن تبرع به فيجبر المشتري على القبول ليخلص من ضمانه، ولا يمهل حتى يتمكن من

стр. 285

تسليم الثمن، فإن لم يقبضه قبضه القاضي عنه. وقيل: يبرئ القاضي البائع عن ضمانه، فتصير يده يد أمانة، حتى لو تلف في يده لم ينفسخ البيع، وعبر الغزالي عن هذا بأنه: "يرفع الأمر إلى القاضي حتى يودعه عنده" (١)؛ أي: يبرئه، فيصير وديعة عنده بأمر الحاكم هكذا أوَّله ابن أبي الدم. وفي "البسيط": أن القاضي يقبضه ثم يودعه عنده، فإنه أولى الناس به، وعلى هذا يكون وجهًا آخر، وكأنه نزّل القول بالإبراء على هذا المعنى، وإن لم يجد قاضيًا، وامتنع المشتري من قبضه أثم، وبقي (٢) في ضمان البائع. وقيل: يقبضه البائع بنفسه عن نفسه للضرورة، كما في الظفر، ولم يطرد هذا الوجه في الدَّيْن ولا الوجه القائل بإبراء القاضي، ومع ذلك رد هذا الوجه بأن فيه قبضًا لغيره مما تجب يده. وفي مثل هذا لا يجوز اتحاد القابض والمقبض بخلاف مسألة الظفر، فإنه قابض لنفسه من مال غيره الذي ليس تحت يده، وإن لزم منه اتحاد القابض والمقبض، لكنه في هذا النوع غير ممتنع بخلاف الأول، وفيما ذكروه هنا دليل على عرض المبيع على المشترى، والامتناع من قبضه لا يصيرُه أمانة. وظاهر ذلك مخالف لما صححه الرافعي (٣) وغيره، أن وضعه بين يدي المشتري كاف؛ إذ لو كان ذلك كافيًا لكان طريقًا للخلاص، وسيأتي بعد كراسة كلام في ذلك، ولم يحصل به بيان الضرورة التي ذكروها هنا إذا اكتفينا بذلك في القبض، ولا كان لإجبار القاضي معنًى إذا حصل القبض بالوضع، وصورة المسألة التي صحح الرافعي حصول القبض فيها "أن يأتي
следующие страницы →