وإذا قلنا: إن حق الحبس لا يبطل فتلفه في يد المشتري، كتلفه في يد البائع قاله القاضي أبو الطيب في أواخر كتاب الشفعة (١).
ولو صالح من الثمن على مال لم يسقط حق الجنس بذلك، وقال المشتري: بل سلمته إليَّ، فمن المصدق منهما؟ فيه وجهان في "النهاية" في كتاب الرهن (٢).
فرع
حكم الاختلاف الجاري بين المكري والمكتري في البدأة بالتسليم، حكم البائع والمشتري هكذا أطلقوه هنا، وهو في إجارة العين ظاهر، وأما الإجارة على الذمة فكلامهم في المسابقة، وأنه لا يجب تسليم العوض فيها بمجرد العقد، بخلاف الإجارة يشعر بالبدأة بتسليم الأجرة قبل العمل، وفي ذلك مخالفة لإطلاقهم هنا؛ لأن الأجرة بمنزلة الثمن، فيأتي فيها الخلاف، بل قد يقال: إن محل الخلاف إنما هو فيما إذا لم يخش الفوت.
وإذا كانت الإجارة على عمل، فكل منهما إذا سلم قد يخشى الفوت.
وجواب هذا: أن المعتبر في التسليم في الإجارة على الذمة تسليم العين التي يستوفى منها، هكذا يقتضيه كلام الروياني في باب السلم (٣) فيما إذا جعل رأس المال منفعة، وحينئذٍ فالعين المستوفى منها بمنزلة المبيع والأجرة بمنزلة الثمن، فتجري فيه الأقوال.
أما مال المسابقة، فقيل: كالأجرة. وقيل: لا يجب إلا بتمام العمل،
стр. 282
وكلام الرافعي يقتضي ترجيحه (١)، وعلى هذا يفرق بينه وبين الأجرة، وكذا الاختلاف بين المسلم والمسلم إليه، فلو اختلفا في الأجل أو قدره تحالفا، ولو اختلفا في انقضائه أو ابتدائه، فالقول قول مَنْ عليه الحق قاله الروياني (٢)، وقد تقدم ذلك.
* * *
стр. 283
قال المصنف ﵀:
فعلى هذا ينظر فيه، فإن كان المشتري موسرًا، نظرتَ: فإن كان ماله حاضرًا أجبر على تسليمه في الحال.
إجباره على التسليم؛ لأنه قد يسلم المبيع، وتسليم الثمن واجب عليه، ولم يبق له مانع، فيجبر على تسليمه؛ لتندفع الخصومة.
قال الماوردي: "وفي هذه الحالة يكون المشتري ممنوعًا من التصرف في المبيع وسائر أمواله؛ حتى يدفع الثمن إلى البائع، ثم يطلق تصرفه فيه" (٢)، وهذا الذي قاله الماوردي: من ثبوت الحجر في هذه الحالة، سكت الرافعي والأكثرون عنه فلم يذكروه، والمراد بكونه ممنوعًا: أن الحاكم ينشئ الحجر عليه.
وقال ابن الرفعة: "فلو أصر على الامتناع، فهل يثبت للبائع فسخ البيع؟! فيه وجهان؛ أصحهما في "الإشراف": أنه لا يثبت، وجعله الإمام في الفلس ظاهر المذهب" (٣).
قلت: والإمام والهروي في "الإشراف" حكياه كما قال، لكن لم يصرحا بما إذا كان ماله حاضرًا في المجلس، كما هو فرض مسألتنا، بل أطلقا ذلك فيما إذا كان موسرًا متغيبًا، وبيَّن الإمام أن ذلك فيما عسر تخطيطه منه، وإذا كان كذلك كان لجريان الخلاف في الفسخ وجه، أما فيما هو حاضر
стр. 284
وتخليصه منه بالقهر ممكن، فلا وجه له، فإن فرض عسر التخليص مع الحضور، كما إذا كان للمشتري قوة لا يقدر الحاكم بأعوانه على انتزاعه من يده جرى الخلاف، فليحمل كلام ابن الرفعة على ذلك.
وقول المصنف: "ماله"؛ أي حبس الثمن، وهو أحسن من قوله في "التنبيه": "فإن كان الثمن حاضرًا" (١)؛ لأن فرض المسألة أن الثمن في الذمة، فتناول بجنس الثمن، وكلامه هنا لا يحتاج إلى ذلك، لكن إذا كان ماله الحاضر من غير جنس الثمن، فهو يقول كما لو كان من جنس الثمن، فيستوفى منه بطريقة؛ إما بأن يباع ويستوفى منه ثمنه، أو باعتياض، أو يجعله كما لو كان الثمن في داره؛ حتى يحجر عليه، للاحتياج إلى مضي زمان في ذلك، كالمضي إلى الدار والدكان لم أر فيه نقلًا، لكن كلام المصنف يدل على الأول، وكذلك ما تقدم من كلام الشافعي أنه إن كان له مال أجبر على دفعه من ساعته.
واعلم أن كلام المصنف وكذلك غيره من العراقيين وصاحب "التهذيب" يقتضي أن هذه الأحكام المذكورة في الإجبار والحجر والفسخ وجميع ما سيأتي، إذا سلم البائع بإجبار الحاكم؛ تفريعًا على المذهب في القول بالإجبار.
أما لو تبرع البائع به وقلنا: إنه لا يجبر، فكلام الإمام والرافعي يقتضي أن الحكم كذلك، وفيه نظر؛ لأنه إذا سلم باختياره كيف يتمكن من الفسخ بعد ذلك، وكيف يحجر الحاكم لأجله؟! وهو لا يفعل ذلك في غيره من الديون، وسيأتي فيما إذا كان معسرًا ما يؤيد هذا المعنى.
وحيث قلنا: يجب على البائع البدأة، أو قلنا: لا يجب، ولكن تبرع به فيجبر المشتري على القبول ليخلص من ضمانه، ولا يمهل حتى يتمكن من
стр. 285
تسليم الثمن، فإن لم يقبضه قبضه القاضي عنه.
وقيل: يبرئ القاضي البائع عن ضمانه، فتصير يده يد أمانة، حتى لو تلف في يده لم ينفسخ البيع، وعبر الغزالي عن هذا بأنه: "يرفع الأمر إلى القاضي حتى يودعه عنده" (١)؛ أي: يبرئه، فيصير وديعة عنده بأمر الحاكم هكذا أوَّله ابن أبي الدم.
وفي "البسيط": أن القاضي يقبضه ثم يودعه عنده، فإنه أولى الناس به، وعلى هذا يكون وجهًا آخر، وكأنه نزّل القول بالإبراء على هذا المعنى، وإن لم يجد قاضيًا، وامتنع المشتري من قبضه أثم، وبقي (٢) في ضمان البائع. وقيل: يقبضه البائع بنفسه عن نفسه للضرورة، كما في الظفر، ولم يطرد هذا الوجه في الدَّيْن ولا الوجه القائل بإبراء القاضي، ومع ذلك رد هذا الوجه بأن فيه قبضًا لغيره مما تجب يده.
وفي مثل هذا لا يجوز اتحاد القابض والمقبض بخلاف مسألة الظفر، فإنه قابض لنفسه من مال غيره الذي ليس تحت يده، وإن لزم منه اتحاد القابض والمقبض، لكنه في هذا النوع غير ممتنع بخلاف الأول، وفيما ذكروه هنا دليل على عرض المبيع على المشترى، والامتناع من قبضه لا يصيرُه أمانة.
وظاهر ذلك مخالف لما صححه الرافعي (٣) وغيره، أن وضعه بين يدي المشتري كاف؛ إذ لو كان ذلك كافيًا لكان طريقًا للخلاص، وسيأتي بعد كراسة كلام في ذلك، ولم يحصل به بيان الضرورة التي ذكروها هنا إذا اكتفينا بذلك في القبض، ولا كان لإجبار القاضي معنًى إذا حصل القبض بالوضع، وصورة المسألة التي صحح الرافعي حصول القبض فيها "أن يأتي
стр. 286
البائع بالمبيع ويضعه بين يديه، فيقول المشتري: لا أريده" (١)، وهذا امتناع كما فرضوه هنا.
أما إذا قال المشتري: ضعه فوضعه، فقد جزم بحصول القبض، ويحتمل: أن يوفق بين الكلامين بأن يكون الامتناع ها هنا مع عدم الإتيان بالمبيع، بل طالبه البائع بقبضه، فامتنع، وقد لا يتأتى له وضعه بين يديه، وحينئذٍ لا يحصل القبض، ويحتاج إلى الحاكم، ومن المعلوم أن إجبار المشتري على تسليم الثمن إنما يكون بعد لزوم العقد.
стр. 287
قال:
وإن كان في داره أو دكانه، حجر عليه في المبيع، وفي سائر [ماله] (١) إلى أن يدفع الثمن؛ لأنه إذا لم يحجر عليه لم نأمن أن يتصرف فيه فيضر [بالبائع] (٢).
هذا الحجر قد تقدم من كلام الشافعي عن "الأم" و "المختصر"، واختلف الأصحاب في حقيقة هذا الحجر على وجهين؛ أصحهما وبه قطع الجمهور وهو الأوفق لكلام الشافعي: أنه نوع آخر مخالف لحجر الفلس لا يشترط فيه ضيق المال عن الوفاء، ولا يتسلط بسببه البائع على الرجوع في عين ماله، ولذلك يسمى الحجر الغريب.
وسبب إثباته: صيانة حق البائع؛ لئلا يتصرف المشتري في المبيع ويتلف سائر أمواله، فلا يجد ما يوفي منه الثمن، فحجر عليه في المبيع، كما اقتضاه نصه في "الأم" (٣)، وفي سائر ماله كما اقتضاه نصه في "المختصر" (٤)، وعلى هذا فالأكثرون على إثباته في حال وجود المال في البلد، وحملوا قول الشافعي: غاب ماله على الغيبة في المجلس.
ونقل الغزالي عن ابن سريج أنه إنما يحجر في حال الغيبة عن البلد، أما في البلد فلا حجر، وادعى الغزالي أن هذا هو الصحيح (٥)، وليس كما قال، بل هذا النقل لا يكاد يعرف والمنقول عن ابن سريج في "النهاية" (٦) إذا
стр. 288
كان المال في البلد إنه يحجر، ويستمر في يد المشتري إلى أن يأتي بالثمن، فلا خلاف بينه وبين الأصحاب في هذه الحالة على ما حكاه الإمام.
والوجه الثاني: وهو محكي في طريقة الخراسانيين أن هذا الحجر ملحق بحجر الفلس، ونزل بهذا القائل نص الشافعي على الحجر بالفلس، وأبطل الناقلون لهذا الوجه هذا التأويل، ورتبوه لمخالفته كلام الشافعي، وما هو المقصود من هذا الحجر، فعلى هذا الوجه يشترط أن يضيق المال عن الوفاء، وهل يدخل المبيع مع سائر الأموال في الاحتساب؟! فيه وجهان كما هما مذكوران في باب التفليس، أصحهما الدخول. وبه قال البغوي (١)، وسيأتي فيما إذا كان معسرًا زيادة في هذا المعنى وجبت، وإن شرط الحجر على هذا الوجه، فمقتضى نقل الإمام والغزالي: أنه لا يحجر عليه في المبيع ولا في غيره.
وقال البغوي: "يحجر عليه في المبيع ولا يحجر في سائر ماله، وحيث حجر عليه في جميع ماله على هذا الوجه، فهو حجر فلس، مقتضاه أن للبائع أن يفسخ البيع ويرجع في عين ماله" (٢)، وإن لم يصرحوا به في التفريع؛؛ لضعف هذا الوجه.
فروع:
هل يحتاج الحاكم في ضرب هذا الحجر إلى سؤال البائع، إن قلنا: بأنه حجر فلس؛ احتاج إليه قاله الإمام (٣)، وإن قلنا بالمذهب فلا، كما هو المفهوم من فحوى كلام الشافعي والأصحاب.
قال: الروياني: "فيحتمل: أن يكون المراد إذا طلب.
стр. 289
ويحتمل: أن يحجر هنا من غير طلب لمعنيين؛ أحدهما: أن الخصومة وقعت عند الحاكم واطلع عليها، فله أن [يسد] (١) على الخصمين طريق المخاصمة في المستقبل.
والثاني: أنه لما أجبر البائع على التسليم نظر (٢) إلى المشتري، يجب أن ينظر إلى البائع ما أمكنه، وإن لم يسأله، ولا إشكال أنه لا يثبت إلا بإنشاء الحاكم" (٣).
وهل يحتاج في رفعه إلى فك الحاكم، أو بتسليم الثمن ينفك، ظاهر كلام الشافعي والشيخ أبي حامد والماوردي (٤) الأول.
فرع
قال الغزالي: "اتفقوا على أنه لا حجر عند إمكان الفسخ بالفلس، فإنه لا حاجة إلى الحجر" (٥)، واعترضه الرافعي (٦) بأنا إذا مكنا البائع من الفسخ بسبب الغيبة، فاختار الصبر إلى الإحضار حجر عليه، ولك أن تقول سيأتي نزاع في ذلك.
ولو سلمناه ففي الحجر -حينئذ- فائدة، وهي منعه من التصرف ولم يكن ممنوعًا قبل ذلك، أما المفلس المحجور عليه بالفلس، فلا فائدة في إنشاء حجر آخر عليه، وهذا الذي يظهر إنه مراد الغزالي، وإن كان مفلسًا غير محجور عليه، وأمكن البائع أن يطلب من الحاكم الحجر عليه بالفلس ليرجع في عين ماله، فهل يمتنع بسبب ذلك إنشاء الحجر الغريب عليه؟ الظاهر أنه لا يمتنع ويصبر كما ذكره الرافعي في حالة الغيبة بل أولى، والله أعلم.
стр. 290
تنبيه:
قول المصنف: "في داره أو دكانه". مثال لما إذا كان معه في البلد، كما قاله في "التنبيه" (١)، وفي كلامه هنا زيادة تنبيه على تيسر حصوله له حتى لو كان في البلد، وهو عاجز عنه؛ كان حكمه حكم الغائب فيما نظنه.
قال: وإن كان غائبًا على مسافة تُقصر فيها الصلاة، فللبائع أن يفسخ البيع ويرجع إلى عين ماله؛ لأن عليه ضررًا في تأخير الثمن، فجاز له الرجوع إلى عين ماله، كما لو أفلس المشتري.
الحالة الثانية: أن يكون مال المشتري على مسافة بعيدة وهي مفسرة عند أكثر الأصحاب، كما فرضه المصنف، وعند الماوردي (٢) بثلاثة أيام، وجعل فيما دونها وفوق يوم و وليلة وهي مسافة القصر وجهين:
أحدهما: أنها في حكم الحضر.
والثاني: في حكم الثلاثة الأيام.
ومجموع ما قاله الأصحاب في المسافة البعيدة ثلاثة أوجه:
أصحها عند الأكثرين: أن للبائع الفسخ، كما ذكره المصنف وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي (٣) والبندنيجي والقاضي حسين.
وعلى هذا قال الرافعي: "إن فسخ فذاك، وإن صبر إلى الإحضار فالحجر على ما سبق" (٤) وتقدم التوفيق بينه وبين ما قاله الغزالي، لكن في "البسيط" عن العراقيين أنه إنما يحجر عليه عندهم حيث لا فسخ؛ إذ لا فائدة للحجر عند جواز الفسخ، وظاهر ذلك امتناع الحجر في هذه الصورة.
стр. 291
ويؤيده أن الماوردي قال في المسافة المتوسطة: "إذا ألحقناها بالبعيدة وجعلناه كالمفلس، يخير البائع بين الرجوع والصبر، فإن صبر أطلق تصرف المشتري في المبيع وغيره" (١)، والمفهوم من فحوى كلام الأصحاب أن هذا الفسخ لا يحتاج إلى تسليط الحاكم عليه.
والثاني: وهو الأصح عند صاحب "التهذيب" (٢)، ويشمله كلام المصنف في "التنبيه" (٣) أنه لا فسخ، ولكن تباع السلعة ويوفى من ثمنها حق البائع، فإن فضل شيء فهو للمشتري، وشبهه صاحب "التهذيب" (٤) بمن ظفر بغير جنس حقه، وهذان الوجهان مشهوران في طريقة العراقيين وغيرهم.
والثالث: حكاه الإمام عن ابن سريج في "الوسيط" (٥) أنه الصحيح، أنه يرد المبيع إلى البائع، ويحجر على المشتري ويمهل إلى الإحضار، ولا يفسخ إلَّا إذا امتنع الوصول إلى الثمن بعينه شاسعة يعد مثلها امتناعًا. واحتج الرافعي (٦) له بأن الشافعي لم يذكر في حالة الغيبة إلا الحجر، وخص الرجوع بحالة الإفلاس، لكن القاضي حسين حمل الغيبة في كلام الشافعي على الغيبة في البلد عن المجلس وهو بعيد؛ لمخالفته إطلاق الغيبة، ولئلا يكون الشافعي لم يستوعب الأقسام، إذا عرفت ذلك علمت أن الأوجه الثلاثة متفقة على أن للغيبة البعيدة أثرًا مخالفًا لحكم الحضر، فأثرها على الوجه الأول: الفسخ، وعلى الثاني: البيع، وعلى الثالث: الرد إلى يد البائع، فإن ابن سريج في الحضور، يقول: ببقاء السلعة في يد
стр. 292
المشتري مع الحجر كما تقدم، وهل نقول: مع الفسخ أو البيع بالحجر إلى أن يفسخ أو يباع؟ المفهوم من كلام كثير من الأصحاب كالمصنف وغيره (١): المنع، ويؤيده ما تقدم عن "البسيط".
ومقتضى كلام الإمام أن الحجر في الأقسام كلها؛ ولذلك اعترض ابن الرفعة (٢) على صاحب "التنبيه" (٣) في قوله: وإن كان غائبًا بيعت السلعة في الثمن، فلم يذكر الحجر، والأقرب الأول، فإنه لا فائدة في ضرب الحجر مع القدرة على الفسخ أو البيع.
نعم؛ ما ذكره الرافعي قد يقرب القول به إذا بذل البائع حقه من الفسخ على أن يحجر عليه يمكن أن يجاب إليه، وبمثله يمكن أن يقال في البيع على الوجه الآخر.
وجريان هذه الأوجه الثلاثة على قولنا: بأن الحجر المذكور في هذا الباب غير حجر الفلس ظاهرًا، أما القائلون بأن ذلك هو حجر الفلس، قد يقال: إنه لا فرق عندهم بين حالتي الغيبة والحضور إن اجتمعت شروط حجر الفلس، حجر وإلَّا فلا، ويلزم من ذلك أن يخرج وجه رابع بالإمهال وعدم الحجر إذا كان ماله الغائب وافيًا كما في حالة الحضور، لكن في هذا يوقف؛ لأن القاضي الحسين من جملة القائلين: بإلحاق ذلك بحجر الفلس، ومع ذلك جزم هنا بالفسخ في حالة الغيبة؛ لحمله الغيبة في كلام الشافعي على الغيبة في البلد، فثبوت الفسخ بالإعسار عنده عام، وهو الذي تعرض الشافعي له في الحضر على زعمه، وثبوت الفسخ في هذه الصورة؛ لإلحاقه بالفلس في التعذر.
стр. 293
فشرط تخريج الوجه المذكور أن يعرفه لنا قائل: بأن هذا الحجر حجر فلس مطلقًا في الغيبة والحضور، كما يقتضيه كلام الغزالي، ويكون ذلك القائل يقول في حال الغيبة: بأنه لا فسخ ولا بيع وهذا لم يتحقق.
* * *
стр. 294
قال:
وإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، ففيه وجهان:
أحدهما: ليس له أن يختار عين ماله؛ لأنه في حكم الحاضر.
والثاني: له أن يختار عين [ماله] (١)؛ لأنه يخاف عليه الهلاك فيما قرب، كما يخاف عليه بعد (٢).
قطع الماوردي (٣) بإلحاق هذه الغيبة بالحضر، وإنما تردد في الزائد عليها [إلا ثلاث] (٤)، والأكثرون جعلوها محل التردد وحكوا فيها الوجهين، والأول هو الأصح عند النووي (٥)، وجزم به الرافعي في "المحرر" (٦)، ويقتضي إلحاقها بالحضر على الأصح أن يعود فيها جميع ما تقدم في تلك، فعلى الأصح: يحجر عليه إلى أن يحضر المال، ويدفع الثمن.
وقد صرحوا بذلك هنا - أيضًا - وعلى هذا قال البندنيجي: إن حضر قبل الثلاث فذاك، وإن تأخر أكثر من ثلاث كان البائع أحق بعين ماله، وهو غريب.
стр. 295
والثاني: أصح عند ابن أبي عصرون، وأطلقوا الوجهين من غير تفصيل فيما دون مسافة القصر، وذلك يشمل مسافة العدوى ودونها.
وفي "شرح التنبيه" للشيخ تَاج الدِّينِ الفَزَارِيّ أن مسافة العدوى ودونها في حكم البلد، ولم أر ذلك لغيره، ولما كان المصنف فيما تقدم جازمًا بالفسخ في حالة الغيبة البعيدة، لا جرم لم يذكر هنا على الوجه الثاني غيره؛ إلحاقًا لذلك بالغيبة البعيدة، ويأتي فيه الوجه الآخر المذكور هناك الذي اقتصر عليه في "التنبيه"، وهو بيع السلعة وتوفية الثمن من ثمنها، وبه صرح الماوردي (١) المسافة في المتوسطة عنده، وإن لم يذكره في الغيبة البعيدة عنده، فمجموع الأوجه التي تأتي هنا، ثلاثة كما هي في الغيبة البعيدة.
لكن الأصح هنا القول: بالحجر، كما يقوله ابن سريج، فهو والأصحاب هنا متفقون [على] (٢) الصحيح في القول بالحجر، لكنه يقول برد العين إلى البائع، وهم لا يقولون به فيما يظهر من كلامهم، بل يبقى في يد المشتري، فإنه قد سقط حق الحبس بالتسليم، ويؤيد ما قاله ابن سريج (٣): أن الزوج إذا سلم الصداق، فامتنعت من غير عذر وقلنا: يجبر الزوج فإن له الاسترداد، قال الإمام: "وحاصل كلام ابن سريج يؤول إلى أنَّا إذا عرفنا غيبة المال، لم نوجب على البائع البدأة بالتسليم؛ إذ لا فائدة في التسليم والاسترداد" (٤).
قلت: وهذا من الإمام بناءً على اختياره في أن حق الحبس للبائع لا يثبت مع القول بإجباره، وقد تقدم عن الأكثرين خلافه، وأن البائع لا يجبر على
стр. 296
التسليم عند غيبة المال، وإن لم يقولوا بما قاله ابن سريج هنا. والله أعلم.
نعم؛ قول ابن سريج يؤول مع ذلك إلى أن التسليم بالإجبار إذا تبيَّنا فوات شرطه لا يبطل به حق الحبس، ويؤيده ما ذكرناه في استرداد الصداق، ويحتاج الأصحاب إلى الفرق؛ ولعله لأنه لا طريق لنا هناك غير الاسترداد.
* * *
стр. 297
قال:
وإن كان المشتري معسرًا ففيه وجهان:
أحدهما: تُباع السلعة، ويقضي دينه من ثمنها.
والمنصوص: أنه يرجع إلى عين ماله؛ لأنه تعذر الثمن بالإعسار، فثبت له الرجوع إلى عين ماله، كما لو أفلس بالثمن.
مراده بالنص قول الشافعي في "المختصر" (١): فإن لم يكن له مال، فهذا مفلس، والبائع أحق بسلعته، وصاحب الوجه الأول يتأول ذلك على أن المراد أحق بسلعته، فلا يجبر على تسليمها إلى المشتري، وهو تأويل بعيد يرده قوله في "الأم": "فالسلعة عين مال البائع وجَدَه عند مُفْلِسٍ، فهو أحق به" (٢)، فهذا اللفظ صريح في أن العين في يد المشتري، فلذلك أطبق الجمهور على أن الصحيح الرجوع، ومنهم البغوي (٣) وكأنه جعل الإعسار عينًا بخلاف غيبة المال، حيث قال فيه بالبيع. وكذلك ابن سريج وافق على الفسخ ها هنا.
والمراد بالمعسر هنا: أن يكون له مال غير المبيع؛ لأن المفلس المحجور عليه لا يتردد معه في جواز الرجوع، وفي "التعليقة الكبرى" لأبي حامد، لما قسم المشتري إلى واجد، وغيره، قال: يريد بقولنا غير واجد: أنه محجور عليه بالفلس، وصاحب "البحر" (٤) تبعه على ذلك، وحكى الخلاف في
стр. 298
المفلس المحجور عليه.
وكلام الشافعي والأصحاب يدل على أن المراد: من لا مال له غير المبيع ولا يشترط في هذا الفسخ [ذلك] (١) حجر الحاكم، بل ينزل التعذر بالإعسار هنا منزلة التعذر بالحجر على المفلس، ثم وقد يطلب الفرق، ويقال: لم يوقف الفسخ هناك على الحجر، ولم يتوقف هنا؟ وجوابه ما يقدم من فرض المسألة فيما إذا سلم بإجبار الحاكم؛ وحينئذٍ يظهر الفرق، وإذا كنا نقول في حال غيبة المال بالفسخ، فلأن نقول به ها هنا أولى.
وذكر الأصحاب أنَّ من هنا تولد الخلاف في احتساب أعيان الأموال في المفلس.
وقيل: يتخرج على هذين الوجهين على الوجه الأول يحتسب، وعلى النص لا يحتسب.
وقيل: يحتسب قطعًا، والفرق أن المفلس مسلط على التصرف في المبيع؛ لأن البائع سلمه إليه باختياره ورضي بذمته، ولا كذلك هنا، فإنه غير متسلط على التصرف، وكذلك حجر عليه بعد القبض والتسليم، هكذا قاله القاضي أبو الطيب.
وفي كلام الشيخ أبي حامد (٢) شيء منه، وهو يدل على أن فرض المسألة فيما إذا أجبره الحاكم على التسليم دون ما إذا تبرع به بخلاف ما اقتضاه كلام الإمام والرافعي فيما تقدم (٣)، ويدل على أن المشتري غير متسلط على التصرف في المبيع قبل إنشاء الحاكم الحجر عليه؛ ليتحقق الفرق المذكور بينه وبين المفلس، وفيه كمال الاحتياط للبائع حتى لا يسبق المشتري بإعتاق
стр. 299
أو غيره من التصرفات قبل حجر القاضي إن وافق الأصحاب على ذلك.
فرع
عبارة القاضي [أبي] (١) الطيب والرافعي (٢) وغيرهما (٣) على الوجه الأول أنه يقضي من ثمنه حق البائع، وعبارة المصنف: دينه، فيحتمل أن يريد دين المشتري؛ لأنه أقرب مذكور، فنشأ لنا ذلك مسألة وهي: ما إذا كان على المشتري دين آخر غير الثمن، هل يقدم البائع بحقه؛ لأن له تعلقًا بهذه العين في الجملة، أو يُخاصص كغيره من الديون، لم أر من صرح بذلك، وظاهر عبارة الرافعي وغيره يشهد للأول.
وظاهر عبارة المصنف يشهد للثاني، إلا أن يريد دينه المعهود وهو الثمن، وهذه المسألة فَرْعٌ، على وجهِ ضعيفٍ، فليس طلبه بالمهم.
فرع
إذا هرب المشتري قبل قبض المبيع، فإن كان محجورًا عليه، فالبائع أحق بعين ماله، وإلا فإن كان له مال، وفى الحاكم الثمن منه. وإن لم يكن له مال؛ قال الشيخ أبو حامد والروياني (٤): باع الحاكم المبيع ووفى منه الثمن هكذا قال، وينبغي أن يكون هذا مفرعًا على الوجه الضعيف، وأنه على الأصح يرجع في عين ماله لما تقدم، وإن لم يكن محجورًا، ولا فرق بين أن تكون غيبته معروفة أو منقطعة.
ووافقنا أبو حنيفة في المنقطعة أنه يبيع عليه، وألزمه الشيخ أبو حامد بهذه المسألة في القضاء على الغائب.
стр. 300
قال:
"وإن كان الثمن معينًا، ففيه قولان: أحدهما: يجبران.
والثاني: لا يجبر واحد منهما، ويسقط القول الثالث أنه يجبر البائع؛ لأن الثمن المعين كالمبيع في تعلق الحق بالعين والمنع من التصرف قبل القبض.
أشار المصنف في هذا التعليل إلى أنه لا نظر إلى تسميته ثمنًا من جهة كونه نقدًا أو مصحوبًا بـ "الباء"؛ لأن أحكامه وأحكام المبيع فيما ذكر سواء، فلا يمكن ترجيح أخد العاقدين على الآخر؛ فلذلك سقط القول الثالث الذي هو الصحيح، وسقط - أيضًا - القول الرابع المخرج الذي لم يحكه المصنف، وهو إجبار المشتري، وكذلك قال أكثر الأصحاب ممن حكى الأقوال الثلاثة التي حكاها المصنف كالمحاملي وغيره.
وممن حكى الأقوال الأربعة كالقاضي حسين وغيره، وقال الرافعي: "أنه إذا كان الثمن معينًا يسقط القول الثالث، وهو في كلامه إجبار المشتري، وإن كان عرضًا؛ يعرض سقط الرابع - أيضًا - وهو إجبار البائع ويبقى قولان" (١)، فمقتضى كلامه أنه إذا كان الثمن نقدًا معينًا يجري فيه إجبار البائع ولا وجه لذلك، فإن استند إلى تسميته ثمنًا، لزمه في العرض إذا اتصلت به "الباء" فإنه يسمى ثمنًا، والحق أن التسمية لا اعتبار بها لما أشار المصنف واعتبره من المعنى، وأنه لا يأتي إلَّا قولان.
نعم؛ حكى الماوردي (٢) قولًا بـ "الباء" هو راجع إلى قول الإجبار على ما
стр. 301
تقدم في أول المسألة؛ وهي أن الحاكم يأمرهما بالتسليم إلى عدل؛ ليسلم إليهما، وهذا ليس مخالفًا لما تقدم، وليس في المسألة إلَّا قولان: أنهما يجبران أو لا يجبران.
قال (١) الرافعي: "ويشبه أن يكون الأول أظهر معنى أنهما يجبران، وبه قال أحمد، وهو الذي أورده في "الشامل" (٢)، واقتصر ابن أبي عصرون في "المرشد" على الثاني.
فرع
بادر المشتري وسلم الثمن أجبر البائع على تسليم المبيع، فلو كان عبدًا وأبق، وقلنا: لا يبطل البيع، وهو الأصح، فليس للمشتري استرداد الثمن، لكن له الخيار بالاباق، فإن فسخ استرد، وإن أجاز ثم أراد الفسخ فله ذلك.
وقيل: له الاسترداد من غير فسخ.
وقيل: إن أبق بعد التسليم، فليس له الاسترداد، وإن أبق قبله ولم يعلم استرد؛ لأنه تبين أن التسليم غير مستحق.
قال الغزالي: "ولو علم إباقه لم يلزمه التسليم قولًا واحدًا" (٣)، ولو جحد البائع العين قبل القبض، فللمشتري الفسخ للتعذر.
* * *
стр. 302
قال:
فصْل [دفع الثمن لتسليم المبيع]
وإن باع من رجل عينًا وأحضر المشتري نصف الثمن، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر البائع على تسليم شيء من المبيع؛ لأنه محبوس بدين، فلا يُسَلَّم] (١) شيء منه بحضور بعض الدين كالرهن.
والثاني: أنه يجبر على تسليم نصف المبيع؛ لأن كل واحد منهما عوض عن الآخر، وكل جزء من المبيع في مقابلة جزء من الثمن، فإذا سلم وجب تسليم ما في مقابلته، ويخالف الرهن والدين، فإن الرهن ليس بعوض من الدين، وإنما هو وثيقة به، فجاز له حبسه إلى أن يستوفيَ جميع الدين.
هذا الفصل مبني على أن للبائع حق حبس المبيع إلى إحضار الثمن، الذي قطع به الأكثرون كما تقدم، فإذا أحضر المشتري بعض الثمن، فهل يدفع إليه بمقدار ما أحضر، وبحبس الباقي؟ أطلق المصنف والماوردي (٢) والروياني وصاحب "البيان" حكاية الوجهين.
وذكر الماوردي أن ابن سريج حكاهما قولين (٣). قال الروياني: "وأراد
стр. 303
التخريج" (١)، يعني: أنهما مخرجان، وقال الروياني: إن المذهب عدم الإجبار (٢). وجعل الإمام (٣) والغزالي (٤) والرافعي (٥) محل هذا الخلاف فيما ينقسم، وجزموا فيما لا ينقسم بأنه لا يجب، والأصح من الخلاف عندهم عدم الوجوب، واعتمد [الفارقي] (٦) هذا التفصيل.
واعترض به على المصنف وقال: إنما يكون فيما يتجزأ كالصُّبرة والعبدين المتساويي القيمة، وفيما قاله في العبدين نظر وممن اعتمد هذا التفصيل ابن أبي عصرون، لكنه رجح من الخلاف القول: بالإجبار، واستدل على أن ذلك لا يجري فيما لا يتجزأ كالعبد، بأنه إذا سلمه صار جميعه مقبوضًا للمشتري، فيفوت على البائع حق الحبس، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه قد يقال: يتسلمه الحاكم، فيستقر ملك المشتري فيه على النصف، ولا يفوت حق الحبس في الباقي، أو يسلمه البائع نصفه عن البيع ونصفه وديعة.
والأصح: أن حق الحبس لا يبطل بالإيداع، فالأقرب إطلاق الخلاف؛ كما فعله المصنف، والأقرب من الخلاف عدم الإجبار اعتبارًا بالرهن، ويجب أن يكون فرض المسألة فيما إذا كان الثمن في الذمة، أما الثمن المعين إذا أحضر نصفه؛ ينبغي ألَّا يجبر البائع على تسليم شيء قولًا واحدًا؛ لاحتمال أن يتلف النصف الباقي من الثمن في يد المشتري، فينفسخ العقد في مقابله، وقد سلم النصف الآخر فتتفرق عليه الصفقة، بخلاف ما في الذمة لا يتوقع فيه هذا المحذور.
стр. 304
قال:
وإن باع من اثنين عبدًا بثمن فأحضر أحدهما نصف الثمن، وجب تسليم حصته إليه؛ لأنه أحضر جميع ما عليه من الثمن، فوجب تسليم ما في مقابلته من المبيع، كما لو اشترى عينًا، فأحضر ثمنها [والله أعلم] (١).
هذا مبني على أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري، وهو الصحيح المشهور الذي جزم به كثيرون منهم المصنف؛ فلذلك جزم هنا بأنه يجب تسليم حصته إليه.
وممن جزم بذلك البغوي (٢) مع ذكره الخلاف في تعدد الصفقة، لكن الرافعي قال: "إن حكمنا بالاتحاد لم يجب تسليم شيء إلى أحدهما، وإن [وفي] (٣) جميع ما عليه حتى [يوفي] (٤) الآخر؛ لثبوت حق الحبس للبائع " (٥)، "وقاسه على المسألة السابقة إذا اتحد المشتري ووفر بعض الثمن" (٦)، وقد علمت ما فيها.
فيحتمل أن يقال على قول الاتحاد بأنه يجيء ها هنا الخلاف السابق هناك.
ويحتمل أن يقال: هنا أولى؛ لأنه لا يلزم من قبض أحدهما سقوط حق الحبس في نصيب؛ كما علل به ابن أبي عصرون فيما تقدم، ولا يجيء هنا
стр. 305
- أيضًا - بالتفصيل بين أن يكون مما يتجزأ أو لا لما ذكرناه.
قال البغوي (١) والروياني (٢): "وليس له أن يأخذ نصيب الغائب وإن أدى حصته من الثمن؛ لأنه لا ولاية له على الغائب"، وعن أبي حنيفة (٣): "أن له قبض نصيبه إذا وقع نصف الثمن، وقبض كله إذا دفع كل الثمن، ويرجع على شريكه، وبناه على أصله في أن الصفقة واحدة ولم يسمح أصحابنا بذلك، وإن حكم بعضهم باتحادها عالمًا أنه يشير به لرجلين، فإذا أخذ نصيب أحدهما؛ يجب عليه تسليم نصفه.
وهذا الذي قاله البغوي من الاحتمال؛ هو طريقة للقفال حكيناها في باب الرد بالعيب، فارقة بين علم البائع وجهله، لكنها مع قوله بالتعدد كما تقدم عنه هناك تقدم من نص الشافعي، ما يشهد للفرق بين العلم وعدمه، وهو يؤيد هذا الاحتمال، وإن كان البائع وكيل رجلين، فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن يجب عليه تسليم النصف ذكره في "التهذيب" - أيضًا.
قال الرافعي: "وفيه كلامان أحدهما: أن العبد المشترك بين رجلين إذا باعاه، ففي انفراد بأخذ نصيبه من الثمن وجهان، فكان أخذ الوكيل لأحدهما [مبنيًّا] (٤) على ثبوت الانفراد لو باعا بأنفسهما.
والثاني: إذا قلنا: الاعتبار في تعدد الصفقة واتحادها بالعاقد؛ فينبغي أن يكون تسليم النصف على الخلاف، فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن، هل عليه تسليم قسطه من المبيع؟ " (٥).
قلت: ويخرج من ذلك أن الأصح: أنه لا يجب عليه تسليم النصف على
стр. 306
خلاف ما قال في "التهذيب" (١)؛ لأن الأصح: أنَّ الاعتبار بالعاقد، وأن البائع إذا أخذ بعض الثمن لا يجب عليه تسليم قسطه.
* * *
стр. 307
قال:
فَصْل [تلف المبيع قبل التسليم]
إذا تلف المبيع في يد البائع قبل التسليم لم يخل، إما أن يكون ثمرة، أو غيرها، فإن كان غير الثمرة نظرتَ: فإن كان تلفه بآفة سماوية انفسخ البيع؛ لأنه فات التسليم المستحق بالعقد، فانفسخ البيع كما لو اصطرفا وتفرقا قبل القبض.
الدليل المذكور استدل به الأصحاب، وهو مأخوذ من كلام الشافعي، فإنه قال في باب الربا: "وإذا كان متبايعا الذهب والوَرِق بأعيانهما إذا تفرقا قبل القبض؛ كانا في معنى من لم يبع دل على أن كل سلعة باعها، فهلكت قبل القبض فمن مَالِ بائعها؛ لأنه كان عليه، تسليمها، فلمَّا هلكت لم يكن له أخذ ثمنها" (١).
وهو من أحسن الاستنباطات وأدقها؛ لأن التسليم الواجب عن البيع مفيد في الصرف بالمجلس ومطلق في غيره، فإذا كان قوامه بالتفرق في الصرف مبطلًا؛ فليكن فواته مطلقًا بالتلف مبطلًا.
قال الأصحاب: والتعذر في الصرف بالشرع، وفي التلف بالحبس، وهو
стр. 308
أقوى، ولا يرد على هذا إلا أن يمنع الخصم وجوب التسليم في غير الصرف، ويقول: الواجب التمكين فقط، ولا يلزم من إيجابه في الصرف إيجابه في غيره، فليتأمل الانفصال عن هذا الإيراد.
واستدل الأصحاب - أيضًا: بالقياس على انهدام الدار المستأجرة قبل استيفاء الإجارة، وعلى ما إذا اشترى قفيزًا من صبرة ثم تلفت الصبرة، فإنه يبطل العقد، هكذا ذكروه، وقد يجاب عن انهدام الدار: بأنه تبين عدم المنافع المستقبلة، وأنها غير صالحة لورود العقد عليها وعن تلف الصبرة: بأن التسليم هناك واجب؛ ليتميز القفيز المبيع عن غيره.
واستدل الأصحاب - أيضًا: بأن الفرق قد ثبت بين المقبوض وغير المقبوض قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، فلم يوجب رد ما قبض وأبطل ما لم يقبض؛ ولذلك يقول في عقود المشركين: إذا تقابضوا أمضيت مع فسادها دون ما إذا ترافعوا إلينا قبل قبضها، وقد يقال: لا يلزم من الفرق بينهما في ذلك الفرق بينهما في غيره؛ حتى يكون بأحديهما واحدًا ولم يحقق.
وممن وافقنا على القول بالانفساخ (١) شريح، والشعبي، وابن شبرمة، والثوري، وربيعة في المشهور عنه، وأبو حنيفة، وصاحباه (٢) إلا في العقار.
وخالف في ذلك عبد الله بن عمر، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، والأوزاعي، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، وإسحاق، وأبو ثور، وابن
стр. 309
المنذر وغيرهم.
فمنهم من خالف مطلقًا وقال: إنه من ضمان المشتري، وهو ابن عمر والأوزاعي وربيعة في رواية وأبو ثور وابن المنذر.
وأما مالك (١) وأحمد (٢) وإسحاق فاختلف النقل عنهم، فقيل: بالمخالفة مطلقًا كأبي ثور. وقيل: فيما بيع جزافًا دون المقدر. وقيل: عن مالك بالفرق بين المنقول وغيره. وقيل: غير ذلك عنه ويد البائع عندهم يد أمانة.
وأما النخعي وابن سيرين، فقالا: إن بذلها البائع للمشتري. فامتنع لم يبطل البيع بتلفها، وإن لم يبذلها حتى هلكت بطل البيع، وهذا ليس فيه مخالفة؛ لأن من الأصحاب من يوافق على ذلك، إذا وضع البائع المبيع بين يدي المشتري.
ونقل القاضي حسين والروياني عن بعض العلماء: "أن يد البائع يد ضمان بالقيمة لا بالثمن " (٣).
واحتج المخالفون في ذلك بأمور منه قوله ﷺ : "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" (٤).
والخراج للمشتري فليكن الضمان عليه.
وأجاب الأصحاب: بأنه جعل الخراج بيعًا للضمان، ولا يلزم من العكس، وهو كون الضمان تابعًا للخراج، كما يقصده الخصم، وبأنه ورد على سبب بعد القبض في الرد بالعيب، فلا يشمل غيره وكلا الجوابين فيه
стр. 310
نظر.
أما الثاني: فلأن العبرة بعموم اللفظ، وأما الأول: فلأنه إذا كان الخراج تابعًا للضمان بالحديث؛ لزم إذا كان الضمان على البائع أن يكون الخراج، وإنما ينفصل عن هذا بأن اللام في الخراج للعهد وهو في مردود بالعيب؛ أي: الخراج المعهود بالضمان، فإن أخذنا بالمفهوم اقتضى: أنه إذا رد أو تلف قبل القبض يكون الخراج للبائع، وهو أحد الوجهين عندنا، وعلى الأصح نقول: استحقاق الخراج بعد القبض معلل بعلتين الضمان والملك، وقبله بالملك فقط.
وأما كون الخراج مطلقًا وإن لم يحصل تلف تابعًا للضمان فلم يقتضه الحديث، وقد تقدم ذلك في باب الرد بالعيب.
واحتجوا - أيضًا بأن إعتاق المشتري قبل القبض نافذ، وادعى ابن المنذر (١) أنهم أجمعوا عليه.
وأجاب القاضي أبو الطيب: بأن أصحابنا اختلفوا فيه، فقال ابن سريج: هو مبنيٌّ على عتق "الراهن"؛ لأنه محبوس في حق غيره، ونقل في موضعٍ آخر عن ابن خيران: "أنه لا ينفذ مطلقًا".
ومن أصحابنا من قال: ينفذ؛ لأنه إتلاف، فكأنه قبضه وأتلفه، وحكى المصنف الخلاف في باب ما نهي عنه من بيع الغَرَرِ، لكن هذا الخلاف في المذهب مصادم لما نقله ابن المنذر من الإجماع، فينبغي أن يثبت فيه لئلا يكون هذا تخريجًا مذهبيًّا مستوفًا بإجماع، أو لعل قبل ابن المنذر خلافًا لم يطلع عليه.
وهذا كله إذا كان قد وفر الثمن إما قبله فهو كعتق المرهون، وإما جعله
стр. 311
إتلافًا فهو يشكل على إلحاقه بالصرف، فإن التفرق فيه مبطل مطلقًا، وإن كان منهما وجعل الإتلاف قبضًا يحتاج إلى دليل.
قال ابن المنذر: "وقد ثبت أن ابن عمر، قال: ما أدركت الصفقة حيًّا مجموعًا فمن المشتري، وقال: هذا يلزم من موجب تقليد الواحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نعلم لابن عمر مخالفًا" (١).
واستأنس أصحابنا - أيضًا - بالنهي عن بيع ما لم يقبض، وبقوله: "إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ (٢) يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (٣)، فمنع من المطالبة بالثمن؛ لتلف الثمرة قبل القبض، وذلك بينة على كل مبيع تلف قبل القبض، وقد يقال: إن ذلك لكون الثمرة قبل بدؤِّ الصلاح غير صالحة للقبض، وفي "المجمل" لابن فارس في اللغة: "الاعتقاب في البيع: أن تأبى تسليم المبيع حتى تقبض الثمن، فإن تلف عندك، فأنت الضامن له. قال: وفي الحديث: "المُعْتَقِب ضامِنٌ لما اعْتَقَبَ"" (٤).
وأما فرق أبي حنيفة بين العقار وغيره فلا معنى له، فإن التخلية في العقار كالقبض وغيره.
التفريع:
إذا انفسخ العقد انقلب الملك في المبيع إلى البائع، وفي الثمن إلى المشتري، وهل يقدر ذلك قبيل التلف، أو يرتفع العقد من أصله، فيه وجهان؛ خرجهما ابن سريج، أصحهما وهو اختياره، واختيار ابن الحداد: لا يرتفع من أصله كما في الرد بالعيب، وإلحاق الشافعي والأصحاب له
стр. 312
بالصرف يقتضي ارتفاعه من أصله لا سيما قوله: "كانا في معنى من لم يبع".
وقال في موضع آخر: "وكان كمن لا بيع بينه وبينه".
قال الإمام: "وإذا قلنا بهذا، فحقيقته أَنَّا نتبين بالآخرة أن لا عقد" (١)، وعلى الوجهين تتخرج الزوائد الحادثة في يد البائع من اللبن والبيض والكسب وغيرها، والأصح: أنها للمشتري، ويتصرف فيها، وتكون أمانة في يد البائع ولو هلكت، والأصل بَاقٍ بحاله فلا خيار، وليس للبائع حبسها.
"وفي معنى الزوائد: الرِّكاز الذي يجده العبد، وما وهب منه فقبله وقبضه، وما وصى له به فقبله" (٢) هكذا قاله الرافعي.
وقد تقدم في باب الرد بالعيب من قال: إن ذلك للمشتري جزمًا، وعلى الوجهين إذا كان عبدًا مؤنة تجهيزه ودفنه على البائع، ولو أبرأ المشتري البائع من ضمان المبيع قبل القبض؛ لم يبرأ في أصح القولين، وحكم العقد لا يتغير.
فرع
ذكر القاضي حسين في انفساخ العقد بتلف المبيع معنيين:
أحدهما: أنه تعذر عليه تسليم المبيع إلى المشتري.
والثاني: لوقوع اليأس عن تسليم المبيع إلى المشتري، وبنى على المعنيين الخلاف في اختلاط الثمار.
ومسائل أخر منها: إذا باع ذرة فوقعت قبل القبض في البحر انفسخ للمعنيين، وإن وقعت في واد؛ فوجهان.
ولو باع عصفورًا فاختلط بعصافير أو حنطة فانثالت على أخرى، ففيهما وجهان على المعنيين، ولو أبق العبد لم ينفسخ على الصحيح.
стр. 313
وقال أبو يعقوب: "ينفسخ ويمكن تخريجه على المعنيين، وكذا لو نهبه التركمان (١) أو غاروا عليه".
وذكر غير القاضي في معنى التلف، أن يكون أرضًا فتغرق أو تقع عليها صخرة لا يمكن رفعها، أو حيوانًا لم يألف الذهاب والإياب، كالطير والصيد المتوحش فيطير أو ينفلت، أو جامدًا فيقع فيما لا يمكن استخراجه منه، وفي عزق الأرض ووقوع الصخرة عليها وجه: أنه لا ينفسخ، بل يثبت الخيار.
وفي انقلاب العصير خمرًا قولان؛ أصحهما: أنه كالتلف، فإن قلنا: لا يبطل فللمشتري الخيار، فإن لم ينفسخ فصار خلًّا في يد البائع وسلم الخل ورضيه صحَّ، وإن سلمه خمرًا؛ فالقبض فاسد، وإن تخلل في يد المشتري فهل يلزمه الثمن؟ فيه وجهان مبنيان على من غصب خمرًا أو تخلل في يده، إن قلنا: لا يرده فها هنا الخل للمشتري باليد، وسقط حكم العقد، ودعوى العبد المبيع الحرية قبل القبض إذا قبل قوله فيها وحكم بعتقه.
قال ابن الرفعة: "كالتلف فيما يظنه، ولو كان ذلك بعد القبض".
قال القاضي حسين: "لم يرجع المشتري على البائع بالثمن؛ لأنه مفرط بعدم السؤال عند الشراء، يقول له: أنت عبد أم لا؟ فلو انتزع من يده بالبينة رجع بالثمن؛ لأن الحجة قوية تبطل كل يد، واليمين حجة معتقة لا تبطل اليد"؛ هكذا قال.
فرع
في انفساخ البيع بتلف المبيع، بين أن يكون الثمن قد قبض أو لا فلو باع عبدًا بثوب وقبض الثوب، وباعه، ثم تلف العبد في يده؛
انفسخ البيع في العبد.
стр. 314
وهل ينفسخ الثاني؟ وجهان:
أصحهما: لا بناء على أنه يرتفع من حينه؛ فعلى هذا يلزمه قيمة الثوب كما لو كان تالفًا، ولو أنه لما باع الثوب لم يسلمه حتى تلف العبد والثوب معًا في يده؛ انفسخ البيع الأول في العبد خاصة وعليه قيمته، وانفسخ الثاني في الثوب فيبقى له، ويرد الثمن إن كان قد أخذه، ولو باع عبدًا بشقص و قبض الشقص أخذه الشفيع بالشفعة بقيمة العبد، فإذا تلف العبد قبل القبض بطل البيع فيه، ولا يبطل في الشقص على الأصح، فيجب عليه قيمته، ولو باع عبدًا بجارية؛ وقبض الجارية وحصل منها زوائد، ثم تلف العبد انفسخ العقد، وكان عليه رد الجارية وتسلم الزوائد له؛ لأن الانفساخ من حينه.
ومقتضى الوجه الصائر إلى أن الانفساخ من أصله أن يرد الزوائد، وإن كان الملك قد استقر بمعنى جواز التصرف فيها.
فرع
"ادعى البائع هلاك المبيع عنده وأنكر المشتري، فالصحيح قبول قوله، وفيه وجه كالغاصب" (١) حكاه الروياني.
فرع
ادعى صاحب أن انفساخ البيع بتلف المبيع قبل القبض، سواء كان البائع قد عرضه على المشتري فلم يقبل أو لا، وهذا ليس على إطلاقه، ومراده: إذا كان مستمرًا في يد البائع، أما لو أحضره ووضعه بين يدي المشتري فامتنع فأصحُّ الوجهين عند الرافعي (٢) وغيره: أن ذلك يحصل القبض به، ويخرج من ضمان البائع.
стр. 315
والغزالي حكى الوجهين في موضع، وقال في موضع: "إن المشتري إذا امتنع ولم يقبض؛ فتلف في يد البائع فهو من ضمانه" (١).
وصور ابن الرفعة ذلك بما إذا كان المبيع في مكان لا يختص بأحدهما، وكان العقد صدر فيه، فطالب البائع المشتري بنقله فامتنع وزعم: أن هذا لا خلاف فيه.
ثم قال: والرافعي حكى [عن] (٢) السرخسي روايةَ وجهين، فيما إذا عرض الزوج الصداق على المرأة؛ فلم تقبله، هل يصير أمانة في يده أم لا؟ قال: والصحيح لا؛ كما لو عرض البائع المبيع على المشتري فلم يقبضه.
قال ابن الرفعة: " وهذا يدل على أن مجرد عرض المبيع، والامتناع من قبضه لا يُصيِّره أمانة بلا خلاف، بخلاف الصداق على وجه، ولعله في الصداق مفرع على ضمان اليد " (٣).
وقد تقدم في الفصل السابق كلام، وأن كلامهم هناك يحتمل أن يكون محمولًا على ما إذا لم يحصل وضع بين يديه، بل عرض فقط، وبه يجتمع ما قاله الرافعي. ويحتمل أن يبقى على إطلاقه، ويكون ذلك مخالفًا لما صححه الرافعي (٤)، ولا يغني في الجواب هذا التصوير، الذي ذكره ابن الرفعة للضرورة المذكورة هناك.
فرع
تلف المبيع بعد القبض في زمان الخيار، ذكره المصنف في أول البيوع، وذكرته أنه في باب الرد بالعيب، فلو أن المشتري أودعه عند البائع، فتلف في زمان الخيار، فهو كما لو تلف في يد المشتري،
стр. 316
فتجري فيه الطرق التي ذكرتها هناك، وللإمام (١) احتمال في رجوع البائع بالقيمة إذا قلنا: الملك له من حيث أن العين المملوكة إذا عادت إلى يد صاحبها وتلفت في يده يظهر أن يقال: لا ضمان على المشتري.
* * *
стр. 317
قال:
وإن كان المبيع عبدًا فذهبت يده بأكلة، فالمبتاع بالخيار بين أن يرد وبين أن يمسك، فإن اختار الرد رجع بجميع الثمن، وإن اختار الإمساك أمسك بجميع الثمن؛ لأن الثمن لا ينقسم على الأعضاء، فلم يسقط بتلفها شيء من الثمن.
إما رده؛ فلأن ذلك عيب حدث قبل القبض، وإما إمساكه بجميع؛ فلما ذكر ولا خلاف في ذلك، وقد سلكوا باليد في الآفة السماوية مسلك الوصف قطعًا؛ وإن كانوا ترددوا فيما إذا كان تلفها بجناية، كما سيأتي.
وقد تقدم في باب الرد بالعيب أن في كلام الشافعي ما يقتضي أن العيب الحادث بعد انقضاء الخيار لا أثر له، وعن "مختصر البويطي" (١) في الثوب حكاية قول أنه يأخذه ويسقط عنه ما نقص بحصته من الثمن، ولكن كلام الأصحاب كلهم مخالف لذلك، وفي معنى ذهاب اليد: كل نقص يحدث كالعمى والشلل، ولا أرش له مع القدرة على الفسخ.
* * *
стр. 318
قال:
وإن أتلفه أجنبي؛ ففيه قولان:
أحدهما: أنه ينفسخ البيع؛ لأنه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع، كما لو تلف بآفة سماوية.
والثاني: أن المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن وبين أن [يقر البيع] (١) ويرجع على الأجنبي بالقيمة؛ لأن القيمة عوض عن المبيع، فقامت مقامه في القبض.
القولان أطبق العراقيون على حكايتهما، وحكوا - أيضًا - عن ابن سريج طريقة قاطعة بعدم الانفساخ، وهي طريقة المراوزة على ما حكاه الإمام (٢) وعكس الغزالي (٣)، فحكى عن المراوزة قولين، وعن العراقيين: القطع بالمنع واستدرك ذلك عليه، وطريقة العراقيين أظهر عند الرافعي (٤)، والأصح منها عنده، وعند البغوي (٥) والإمام (٦): عدم الانفساخ، وبه قال أبو حنيفة (٧)، وأحمد (٨)، ونص الشافعي عليه في كتاب الصلح نصًّا لا
стр. 319
يحتمل التأويل، وكذلك في "البويطي" (١)، والأصح عند القاضي أبي الطيب: الانفساخ.
وقال في "التتمة": أنه ظاهر المذهب، ومستندهم نص الشافعي (٢) أنه إذا أكرى داره سنة فغضبت لا كراء؛ لأنه لم يسلم له ما أكراه، وهذا قياس إلحاقه بالصرف، فإن عوض الصرف لو أتلفه أجنبي لم يقم بدله مقامه يعتقده، وإن لم أر فيه نقلًا، فإن التقايض لم يوجد.
وقد تعرض بعض الأصحاب للفرق بين غصب العين المستأجرة وإتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض، ومحل الكلام عليه كتاب الإجارة، والظاهر أنه: لا فرق في غصب العين المستأجرة بين أن يكون بعد القبض أو قبله، ومما ينبه عليه هنا لينظر فيه هنا أن المستأجر هل يخاصم أو لا؟ فإذا قلنا: لا يخاصم كان كالتلف؛ لتعذر وصوله إليه، بخلاف إتلاف الأجنبي المبيع، فإن له أن يدعي عليه بقيمته، ويبعد كل البعد إن يقال: أن المنافع بالغصب تبين عدم صحة العقد فيها، فإن كلام الأصحاب ينافي ذلك، والدليل - أيضًا - ينافيه.
التفريع:
إن قلنا بالانفساخ، صار كالتلف في جميع أحكامه السابقة، ويغرم الأجنبي القيمة للبائع، وإن قلنا بالأصح ثبت الخيار للمشتري؛ لأن فوات العين وإن انتقل الحق إلى القيمة عيب، فإن اختار الفسخ استرد الثمن إن كان أقبضه، وغرم الأجنبي القيمة للبائع.
ومقتضى هذا القول: أن المبيع تلف على ملك المشتري إذا جعلنا الرد بالعيب رافعًا للعقد من حينه، وتكون القيمة وجبت للمشتري، ثم انتقلت
стр. 320
بالفسخ إلى البائع، وإذا كان عبدًا، والحالة هذه فموته تجهيزه ودفنه على المشتري على الأصح، ولم أر ذلك منقولًا، لكنه يقتضي التفريع.
وإن اختار الإجارة رجع على الأجنبي بالقيمة، فلو اختار الفسخ بعد ذلك؛ فوجهان، قال القفال: "له ذلك".
وقال القاضي حسين: "لا"؛ لأنه رضي بذمة الأجنبي فأشبه الحوالة، وحيث قلنا ببقاء العقد فهل للبائع حبس القيمة كما كان له حبس العين؟ فيه وجهان حكاهما الإمام (١) وغيره:
أحدهما: نعم كالرهن، وبه جزم القاضي حسين.
وأصحهما: لا؛ لأن حق الحبس لم يثبت مقصودًا بعقد، بل بطريق التبعية؛ ولهذا لو أتلفه المشتري لا يلزمه بدل القيمة؛ لتصير محبوسة بخلاف الرهن؛ فعلى هذا ليس للبائع المطالبة بها، وعلى الأول: له المطالبة بها، قاله الإمام (٢)، والقاضي حسين، زاد القاضي: كما للمشتري مطالبته كما للراهن والمرتهن.
قلت: والأصح أن المطالبة في بدل الرهن للراهن لا للمرتهن، وقياسه هنا ألَّا يملك البائع المطالبة على الأصح، وإن قلنا: له حبسها، بل يطالب بها المشتري ثم يأخذها البائع، وإذا تلفت في يده بآفة سماوية، هل ينفسخ البيع؛ لأنها بدل عن المبيع أو لأنها ليست منيعة؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني؛ وعلى هذا، هل يكون من ضمان البائع حتى يغرمها للمشتري أو لا؟ قال بعض الشارحين من عند نفسه: الظاهر الأول معني؛ لأنه من الأجنبي لغرض نفسه، أما إذا قلنا بالمذهب؛ أنه ليس له حبسها، فقبضها المشتري وأعطاها له يوثقه عن الثمن، فذلك رهن في الحقيقة، فلا يضمن.