← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بلا خلاف، وكذا إن شك إلا على وجه سنحكيه عن الماوردي، ومن الدليل على صحة أن يرهنه ما في يد المرتهن؛ أنه إذا صح فيما في يد الراهن فلأن يصح فيما في يد المرتهن أولى، وأما قبضه فما نقله المصنف عن الرهن هو في "مختصر المزني" بالمفهوم لا بالمنطوق، فإنه قال: "لو رهنه وديعة له في يده وأذن له بقبضه، فجاءت عليه مدة يمكنه فيها أن يقبضه فهو قبض؛ لأن قبضه وديعة من غير قبضه رهنًا" (١). ولذلك هو في "الأم" (٢) ولعل المصنف وقف على نصٍّ آخر، وما نقله عن "الإقرار والمواهب" فيه ما يدل عليه فإنه قال: "لو قال: وهبتها له أو خرجت إليه منها نظرت، فإن كانت في يدي الموهوب له، فذلك قبض بعد الإقرار وهي له، وفيه أيضًا ولو وهب رجل لرجل هبة في يد المرهون له فقبلها؛ تمت لأنه قابض لها بعد الهبة" (٣). وهذا صريح فيما ذكره المصنف، هذا ما عليه أكثر الأصحاب في حكاية نصوص الشافعي، ومنهم الشيخ أبو حامد وقال في تعليقه بعد حكايته لذلك: كنت حكيت أنه نص في الهبة على قولين، وذكرهما أبو إسحاق، والذي حكيته اليوم هو الصحيح، وممَّن حكى ما كان يحكيه أبو حامد أبو الفضل بن عبدان ولا تعويل عليه لما قاله أبو حامد، فإنه رجع عنه بعد علم، ثم اختلف الأصحاب على ثلاث طرق: الطريقين اللَّذَيْن في الكتاب، وهما المشهوران. وطريقة ثالثة: حكاها المصنف في "التنبيه"، وحكاها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وذكر الرافعي أن ابن كجٍّ حكاها عن ابن خيران،

стр. 772

وهي القطع باعتبار الإذن الجديد فيهما، ومحاولة تأويل نصه في الهبة (١) واستغربها الرافعي، والصحيح من الطرق عند الأكثرين طريقة القولين ونسبها ابن الصباغ وغيره إلى أبي إسحاق، والأصح من القولين: أنه يفتقر إلى الإذن كما ذكره المصنف، وبه قال أبو إسحاق، لكن نصه في الهبة ينبو عنه، ويكاد يجسر على ارتكاب طريقة تقرير النصين، وإن كانت عند أكثر الأصحاب ضعيفة، ويقول المنتصر لها لا يلزم من افتقارهما إلى الإذن فيما إذا لم يكن في يده يساويهما، فقد تكون تلك القوة مع اليد أوجبت الاستغناء عن الإذن، وجعل الغزالي مآخذ القولين أنَّا هل نجعل قوله: رهنت بقرينة الحال رضًا بالقبض، أو ننظر إلى مجرد الصيغة وهي لا تدل، ولو باعه شيئًا في يده، ففيه تفصيل في موضعه بين أن يوفر الثمن أو لا، والفرق بينه وبين ما نحن فيه أن البيع موجب للإقباض في الجملة، فإذا أورد المالك على ما في يد المشتري، فقد أوجب له القبض حيث نقول به هناك، والرهن والهبة ليس القبض مستحقًّا فيهما بحال، وقول المصنف لما لم يفتقر إلى نقل مستأنف هو على طريقة العراقيين، فإنهم اتفقوا على أنه لا يفتقر إلى نقل مستأنف وعند غيرهم خلاف سنذكره وقوله بعد ذلك: قولهم أنه لا يحتاج إلى نقل مستأنف لا يصح، يعني: لا يصح الاحتجاج به على عدم الإذن؛ لما ذكر من الفرق، وليس مراده: أنه لا يصح القول به؛ ولأن الكلام لا يلتئم مع ذلك. * * *

стр. 773

فرع لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون في يد المرتهن عن وديعة أو عارية أو غصب على ما صرح به الأكثرون ومنهم من قطع في المغصوب بافتقاره إلى إذن جديد؛ لأن يد الغاصب غير صادرة عن إذن المالك أصلًا ولا يبرأ الغاصب بالرهن، وإن تم ولزم عن الغصب خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني، وقد ذكره المصنف في باب الغصب. لنا: أن الدوام أقوى من الابتداء، ودوام الرهن لا يمنع ابتداء الضمان بالتعدي في المرهون، ويبقى الرهن بحاله، فلأن لا يرفع ابتداء الرهن دوام الضمان أولى بخلاف البيع، فإنه يزيل الملك وبخلاف الوديعة. إن قلنا: يبرأ بها وهو الأصح؛ لأنها منافية للضمان، فإن المودع يده للمالك والمرتهن يده لنفسه، وقد اعترض الإمام بأن طريان الضمان يتعدى المرتهن سببه إحداث المرتهن ما لم يكن له أن يحدثه، وليس سببه هذا إذن المالك للغاصب في الإمساك، قال: "ومن لا يستشعر غموض هذه المسألة فليس من الفقه في شيء فإن سبب الضمان التعدي وقد انقطع بالإذن في الإمساك في جهة غير مضمونة" (١)، وقال الجوري: ما معناه: فإن قيل: إن حصل القبض عن الرهن، فلا ضمان وإن لم يحصل فلا رهن. قلنا: إن قبض الغاصب ذو وجهين، فمن حيث جاز أن يكون قابضًا من غيره لنفسه جاز إذا أمره الراهن بالقبض أن يقبض لنفسه مرتهنًا، ومن حيث أنه قابض لغيره من نفسه، لم يبرأ عن الضمان فصار قابضًا من جهة غير قابض من جهة؛ كالثمرة على رؤوس النخل مقبوضة بالتخلية من وجه دون وجه. انتهى.

стр. 774

فطريق المرتهن إذا أراد البراءة أن يرده إلى الراهن، ثم له الاسترداد بحكم الراهن، فلو امتنع الراهن من أخذه، ففي إجباره عليه لتبرئة ذمة المرتهن وجهان؛ ولو طالبه الراهن وامتنع المرتهن. قال الإمام: "القياس أنه ليس الراهن ذلك؛ لأنه أثبت للمرتهن يدًا لأزمة والمسألة ظاهرة الاحتمال" (١). فرع إذا رهن المعير العارية من المستعير ولزم الرهن، كما سبق، ففي البراءة عن ضمان العارية وجهان عن صاحب "التقريب"؛ أصحهما عند الرافعي: أنه لا يبرأ (٢). ورجح الإمام: البراءة وفرق بينه وبين المغصوب (٣). وقال الماوردي (٤)، والمتولي (٥): "أن الوجهين ينبنيان على بطلان العارية بالرهن. إن قلنا: يبطل زال الضمان وإلا فلا". وقال ابن الصباغ: "إذا رهن العارية عند المستعير لم يزل ضمانها، وكان له الانتفاع، فإن منعه الانتفاع، ففي زوال الضمان وجهان" (٦). وما ذكر ابن الصباغ من الانتفاع، وإشارته بذلك إلى عدم بطلان العارية بالرهن؛ حكاه القاضي أبو الطيب عن صاحب "الإفصاح"، ورأيته في "الإفصاح" احتمالًا له مع قطعه بأن الضمان لا يزول، ثم حكى أنه قيل بزواله، قال: ولا وجه له،

стр. 775

وبنى آخرون الوجهين على أن العارية تضمن ضمان الغصوب أولًا (١). فرع رهن المقبوض على سبيل السَّوم والشراء الفاسد من المستام والمشترى كرهن العارية من المستعير. فرع لو أجر المغصوب من الغاصب فوجهان مرتَّبان على إيداعه منه، والإجارة أولى ألا تفيد البراءة: قال الرافعي: "وهو الظاهر" (٢) وفي "روضة الطالبين" (٣) أنه المذهب؛ لأنه ليس الغرض منها الائتمان، وقد ذكر المصنف المسألة في باب الغصب ولو وكله ببيعه أو إعتاقه فوجهان مرتَّبان على الإجارة وأولى بعدم البراءة؛ لأن في ضمن الإجارة تسليطًا على القبض والإمساك والتوكل بخلافه، وفي معنى الإجارة والتوكيل ما إذا قارضه على المال المغصوب، أو كانت جارية فزوَّجها منه. وقال الماوردي: الأصح في القراض أنه لا يبرأ ما لم يتصرف، وإذا تصرف، فإن وقع العقد بعين المال سقط عنه الضمان بتسليمه، وإن وقع على الذمة، ونقد الثمن لم يبرأ والفرق أنه إذا اشترى بالعين صار دافعًا المال لمستحقه بإذن مالكه، وإذا اشترى في ذمته صار قابضًا لدين تعلق بذمته، ولو صرح بإبراء الغاصب عن ضمان الغاصب والمال باقٍ في يده، ففي براءته وصيرورة يده يد أمانة وجهان مبنيان على القولين في الإبراء عما لم يجب ووجد سبب وجوبه؛ لأن الغصب سبب وجوب القيمة عند التلف، والظاهر عدم حصول البراءة؛ كذا قاله الرافعي (٤) والبناء في

стр. 776

"النهاية". وقال ابن الرفعة: ظاهر النص في "المختصر" و "الأم" صحة البراءة، ولأجل ذلك اقتصر عليه الماوردي. وقال في "الشامل": إنه الظاهر قال: ويجوز أن يقال: مأخذ الوجهين أن الإبراء في الضمان: هل يتضمن الإذن في الإمساك على حكم الوديعة أو لا؟ كالوجهين فيما إذا حفر الغاصب بئرًا في الأرض المغصوبة، وأبرأه المالك من ضمانها هل يصح ويصير كأنه حفر بالإذن، فلا يضمن ما يسقط فيها أو لا؟ فرع وهب لرجل عبدًا وأذن له في رهنه صحّ ولم تتم الهبة؛ لأن الإذن في الرهن ليس يقبض، ثم إن أقبض المرتهن تم الرهن بالعقد السابق عن إذنه، والقبض الحادث عن إذنه، ولم تتم الهبة؛ لأن قبضه رهنًا غير قبضه هبةً، ويكون حكم هذا العبد حكم المعار في الرهن؛ قاله الروياني (١). * * *

стр. 777

قال: فإن عقد على عين رهنًا وإجارة، وأذن له في القبض عن الرهن والإجارة صار مقبوضًا عنهما. يجوز اجتماع الرهن والإجارة عندنا. وقال أبو حنيفة: "لا يجتمعان وأيهما تأخَّر رفع الأول" (١) لنا أنهما واردان على محلين: الإجارة على المنفعة، والرهن على الرقبة، فلم يتنافيا كالإجارة والنكاح وكما لو أعار من المرتهن لا يرتفع الرهن اتفاقًا إذا عرف هذا، فإن أذن له في القبض عنهما صار مقبوضًا عنهما بلا إشكال، ولا فرق بين أن تتقدم الإجارة أو تتأخر، ولا فرق بين أن يكون في يد الراهن فيأذن ويقبض، أو في يد المرتهن المستأجر فيأذن له. * * *

стр. 778

قال: وإن أذن له في القبض عن الإجارة دون الرهن، لم يصر مقبوضًا عن الرهن؛ لأنه لم يأذن له في قبض الرهن. هذا أيضًا ظاهر، وهو إذا كانت العين في يد الراهن لا خلاف فيه، وإذا كانت في يد المرتهن فرهنها وأجرها منه وأذن له في قبضها عن الإجارة دون الرهن، فينبغي أن يكون في قبضها عن الرهن أيضًا للخلاف السابق في أنه هل يفتقر إلى إذن أو لا؟ وكان المصنف فرع على الأصح، وهو أنه لابد من الإذن. * * *

стр. 779

قال: وإن أذن في القبض عن الرهن دون الإجارة، صار مقبوضًا عنهما؛ لأنه إذن في قبض الرهن، وقبض الإجارة لا يفتقر إلى الإذن؛ لأنه مستحقٌّ عليه. هذا ظاهر إذا أوجبنا البداءة بالمؤجر أو لم يوجبها، ولكن وفر المستأجر الأجرة، أما إذا لم يكن كذلك، وأثبتنا للمؤجر حق الحبس، فيحتمل أن يقال: إنه بتسليمه عن الرهن قاطع بحق الحبس ويحتمل أن ينازع فيه، وهو قريب مما إذا أودع البائع المبيع من المشتري، وفي سقوط الحبس بذلك وجهان؛ أصحهما: عدم السقوط، وهو الذي قاله القاضي أبو الطيب في كتاب الشفعة، حتى إذا تلف في يد المشتري تلف من ضمان البائع، وقد يقال: الرهن أولى بإسقاط حق الحبس؛ لأن يد المرتهن مستقلة، ويد المودع بائنة عن المالك، فأشبه المرتهن المستعير والإعارة تسقط حق الحبس في الأصح، وبهذا يستمر إطلاق المصنف أنه يصير مقبوضًا عنهما، لكن تعليله يرشد إلى أن الصورة حيث يكون قبض الإجارة مستحقًّا، وإنما يكون كذلك إذا وفر الأجرة، أو كانت مؤجلة، أو قلنا: البداءة بالمؤجر. * * *

стр. 780

قال: فصْل [إمكان قبض الرهن] وإذا أذن له في قبض ما عنده لم يصر مقبوضًا، حتى يمضي زمان يتأتى فيه القبض، وقال في "حرملة": لا يحتاج إلى ذلك [كما] (١) لا يحتاج إلى نقل والمذهب الأول؛ لأن القبض إنما يحصل بالاستيفاء أو بالتمكين من الاستيفاء؛ ولهذا لو استأجر دارًا لم يحصل القبض في منافعها، إلا بالاستيفاء أو بمضي زمان يتأتى فيه الاستيفاء فكذلك ها هنا. سواء قلنا: لا يفتقر إلى إذن، أم قلنا: يفتقر إليه فأذن، فلا بد من مضي زمان على المذهب لكن إذا شرط الإذن، فالزمان معتبر من وقت الإذن، وإن لم نشترطه، فهو معتبر من وقت العقد، والنص على اعتبار الزمان تقدم في لفظ "المختصر" وهو في "الأم" أيضًا في أول الرهن الكبير، قال: "ولو كانت الدار في يديه بكراء أو وديعة كانت كهي لو لم تكن في يده لا يكون قبضًا، حتى يأتي عليها مدة ممكن أن تكون في يده بالرهن دون الكراء والوديعة أو الرهن معهما أو مع أحدهما" (٢). ونقل الماوردي مثله عن الهبة

стр. 781

"وأنه قال في كتاب الهبات: إذا وهب له وديعة في يده، وقبلها الموهوب فأتت عليه مدة القبض، فقد تم قبضها" كذا نقله الماوردي (١) والذي تقدم نقله عن الإقرار والمواهب يقتضي عدم اعتبار الزمان إلا أن يكون سقط منه ذكر الزمان الذي نقله الماوردي، وعلى الجملة فالأكثرون قطعوا باعتباره ونقلوا عن حرملة أنه لا حاجة إلى مضي الزمان (٢) والشيخ أبو حامد وغيره ذكروا أن ذلك من عند حرملة وعدوا ذلك من خلافه وردوا عليه، وكلام المصنف قد يقتضي أن الشافعي قاله في حرملة وكذلك كلام صاحب "التتمة" فإنه قال: "حكى حرملة، فإن صح ما قاله الأولون فالوجه في تأويل كلام المصنف أن يجعل الضمير في "قال" لحرملة، كما يقول: قال في "التنبيه"؛ أي: صاحبه وهي عبارة سائغة". وحرملة هو حرملة بن يحيى التجيبي صاحب الشافعي مصري، عالم صنَّف كتابًا يروي فيه عن الشافعي، وربما كان فيه شيء من رأيه، كما فعل المزني في "المختصر" وسمي الكتاب "حرملة" باسم صاحبه، كدأب كثير من الكتب التي لا اسم لها، فيجوز أن تقول: قال حرملة في ملة في "كتابه"، وقال الشافعي في "حرملة"، أي: في "كتاب حرملة". وإذا قلت: قال في "حرملة"، فظاهره أن القائل الشافعي، ويحتمل حرملة بالتأويل الذي ذكرناه. وقال الإمام: "إن العراقيين حكوا عن حرملة أنه إذا لم يشترط الإذن لا يشترط مضي مدة، وإن ظاهر قولهم أنه يوافق الأصحاب على قول اشتراط الإذن ويعتبر مضي الزمان" (٣)، ثم أخذ الإمام في آخر كلامه يبدي له وجهًا

стр. 782

محتملًا، وما قاله المصنف وغيره صريح في خلاف ما نقله الإمام وأن خلاف حرملة مطلقًا. قال النووي في "شرح الوسيط": والموجود في الكتب المشهورة للعراقيين أن حرملة قال: "لا يحتاج إلى مضي زمان من غير تقييد بالتفريع على عدم اشتراط الإذن"، بل صرح صاحب "البيان" بأنه يقول بذلك مطلقًا فقال: "قال حرملة: لا يحتاج إلى مضي المدة، بل يكفيه العقد والإذن إذا قلنا: أنه شرط أو العقد لا غير إذا قلنا: الإذن ليس بشرط" (١). انتهى. وما ذكرناه من نصه في الإقرار والمواهب يعضد بظاهره ما قاله حرملة، إلا على ما نقله الماوردي والأصحاب مطبقون على تضعيف قول حرملة والمعنى يساعدهم. وقال الغزالي في "البسيط": قول حرملة متجه في القياس وإن لم يكن معدودًا من المذهب. وقال الشيخ أبو حامد: قول حرملة غلط. * * *

стр. 783

قال: فعلى هذا إن كان المرهون حاضرًا، فبأن يمضي زمان لو أراد أن ينقله أمكنه ذلك، وإن كان غائبًا فبأن يمضي هو أو وكيله ويشاهده، ثم يمضي من الزمان ما [يتمكن] (١) فيه القبض. قال أبو إسحاق: إن كان مما ينقل كالحيوان لم يصر مقبوضًا، إلا بأن يمضي إليه لأنه يجوز أن يكون قد انتقل من المكان الذي كان فيه؛ فلا يمكنه أن يُقَدِّر الزمان الذي يمكن بالمضي فيه من موضع الإذن إلى موضع القبض، فأما ما لا ينتقل، فإنه لا يحتاج إلى المضي إليه، بل يكفي أن يمضي زمان لو أراد أن يمضي ويقبض أمكنه. ومن أصحابنا من قال: إن أخبره ثقة أنه باق على صفته، ومضى زمان يتأتى فيه القبض صار مقبوضًا، كما لو رآه وكيله، ومضى زمان يتأتى فيه القبض، والمنصوص هو الأول، وما قال أبو إسحاق: لا يصح لأنه كما يجوز أن ينتقل الحيوان من مكان إلى مكان، فلا يتحقق زمان الإمكان، ففي غير الحيوان يجوز أن يكون قد أخذ أو هلك، وما قال القائل الآخر من خبر الثقة: لا يصح؛ لأنه يجوز أن يكون بعد رؤية الثقة حدث عليه حادث، فلا يتحقق إمكان القبض، ويخالف الوكيل فإنه قائم مقامه، فقام حضوره مقام حضوره والثقة بخلافه. قوله: فعلى هذا، أي: فعلى المذهب، وهو أنه لا بد من مضي زمان، فالمعتبر من الزمان ما يتأتى فيه القبض وذلك يختلف باختلاف الأشياء، فإن

стр. 784

كان حاضرًا؛ كثوب بين يديه، فيتأتى القبض بأن يمضي لحظة يمكنه فيها نقله من موضعه إلى موضع آخر، وكل مقبوض يحسبه إن كان منقولًا فبالنقل وإن كان عقارًا فبالتخلية، فيعتبر زمان بقدر ذلك، وإن كان غائبًا فيعتبر مع هذا زمان يمكن الوصول فيه إليه، وهل يعتبر مع ذلك في الغائب نفس المصير إليه ومشاهدته؟ فيه أربعة أوجه؛ أحدها: ما قاله المصنف أولًا، وكلام المصنف يقتضي ترجيحه وكذلك حجة الشيخ أبي حامد وغيره. وقال البندنيجي: إنه المذهب. وقال سليم: إنه أصح. وقال الشيخ أبو حامد: إن نص الشافعي في "الأم" يدل على عدم الفرق، وكلام الشافعي في "الأم" يؤيد ترجيح هؤلاء، فإنه قال: "لو كان الرهن أرضًا أو دارًا غائبة عن المرتهن وهي وديعة في يديه، وقد وكل بها، فأذن له في قبضها لم يكن مقبوضًا حتى يحضرها المرتهن أو وكيله بعد الرهن مسلمة لا حائل دونها؛ لأنها إذا كانت غائبة عنه فقد يحدث لها مانع منه، فلا تكون مقبوضة أبدًا إلا بأن يحضرها المرتهن أو وكيله لا حائل دونها" (١). وقال في "الأم" أيضًا: لو كان العبد غائبًا عن المرتهن لم يكن قبضًا حتى يحضره، كالبيع إذا باعه ما في يده، وكان غائبًا عنه لم يكن مقبوضًا حتى يحضره المشتري بعد البيع، ولو كانت عنده ثياب أو شيء مما يزول بنفسه وديعة أو عارية أو إجارة، فرهنه إياها وأذن له في قبضها، وهي غير غائبة عن منزله؛ كان قبضًا، وإن كانت غائبة عن منزله لم يكن قبضًا، وإن كان رهنه إياها في سوق أو مسجد، وهي في منزله فأذن له في قبضها؛ لم

стр. 785

يكن قبضًا حتى يصير إلى منزله وهي فيه؛ فيكون لها حينئذ قابضًا" (١). انتهى. وقال النووي في "شرح الوسيط": "إن هذا الوجه اختيار العراقيين؛ عملًا بنص الشافعي". والوجه الثاني: ما حكاه المصنف عن أبي إسحاق، وصححه الروياني، ومال إليه القاضي أبو الطيب، وقال: "إن الشافعي نص على مثله في "الأم" وحقيقته؛ أنه يفرق على ما يزول بنفسه كالعبد والبهيمة، فيشترط المضي إليه، وما لا يزول بنفسه، كالثوب والدار لا يشترط المضي إليه"، وما حكيناه من نص الشافعي في الأرض والدار يرد عليه، ورد المصنف أيضًا عليه؛ لأن الاحتمال في غرّ الحيوان بالأخذ والهلاك؛ كالاحتمال فيه بالانتقال، وهو صحيح. والوجه الثالث: الذي حكاه المصنف عن بعض الأصحاب، وظاهر كلام المصنف فيه: أن خبر الثقة متقدم على مضي الزمان وضعفه ظاهر؛ لما قاله المصنف. والوجه الرابع: أنه لا يعتبر المصير إليه مطلقًا حكاه القاضي حسين والإمام (٢) والبغوي (٣) والرافعي (٤) وصححاه، ولم أر من صححه غيرهما مع قولهما: إن الأول ظاهر النص، وما حكيناه من النصوص كلها يُرَدُّ عليه، وذكر في تأويل النصوص طريقان؛ أحدهما: حملها على ما إذا كان

стр. 786

المرهون مما يتردد في بقائه، فإن تيقنه، فلا حاجة إليه، وهذا التأويل مردود بنصه في الأرض. والثاني: حملهما على الاحتياط وهذا خلاف الظاهر، وإنما يصار إليه إذا كان لنا نصوص قوية تخالف هذا، ولم أرها ولا ذكرها المتأول، فكيف يصار إليها والأصح الوجه الأول؟ والمعنى فيه أنه إذا صار إليها صارت في حوزته وتحت يده عرفًا، بخلاف ما إذا لم يصل إليها هو ولا وكيله، والقبض مرجعه إلى العرف، ولم يحك الرافعي في صدر كلامه غير الأول والرابع المطلقين، وقال في آخر كلامه وجهًا فارقًا بين ما يتردد في بقائه وما يتيقنه (١) وحكاه الإمام بعبارة أخرى (٢) وهي أنه إن غلب على الظن أنه مأمون التلف لم يشترط المضي إليه، وإلا اشترط، والماوردي جزم بأنه إن تيقنه لم يشترط، وإن تردد فيه اشترط، وهو قريب من عيارة الرافعي، ولم ينسب أحد من هؤلاء الأئمة الثلاثة لأبي إسحاق شيئًا، والأقرب أن هذه العبارات الثلاثة عبارة عن قوله. وأما الوجه الثالث المذكور في الكتاب فحكاه بعضهم عن البندنيجي بعبارة أخرى على وجه يقتضي أنه متى أخبر بخبر أن الشيء على ما كان في يده تبينَّا أن القبض وقع بمضي المدة، وحاصل هذا إسقاط المضي والاكتفاء بالزمان، وإنما الخبر كاشف عن صحة القبض بمضي الزمان وهو قريب مما قاله الرافعي، بل هو هو، ثم اتفق العراقيون بعد ذلك على أنه لا يحتاج إلى نقل مستأنف، وحكى القاضي حسين والإمام (٣) والغزالي (٤) وجهًا

стр. 787

ضعيفًا أنه يشترط النقل تفريعًا على اشتراط المضي إليه؛ لثبوت صورة القبض، قال الغزالي: واشتراط النقل هو الغاية ولا ذاهب إلى أنه يجب رده على الراهن واسترداده ومتى شرطنا شيئًا سوى مضي الزمان من المصير أو النقل، فيكفي التوكيل في ذلك، كما تقدم من كلام الشافعي والعراقيين، وفي طريقة الخراسانيين والعراقيين وجه ضعيف أنه لا يكفي، لأنه ليس قبضًا حقيقيًّا، وإنما هو أمر حكمي واليد للمودع، فليكن الرجوع منه، والصحيح الأول غير أني لم أر نصًّا (١) للشافعي على الوكيل إلا في غير المنقول؛ كما تقدمت حكايته ولا فرق، وذكر الماوردي: "أنَّا إذا شرطنا مضي المرتهن إلى موضع العين، فهل يحتاج إلى مضي الراهن معه إلى موضعها؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا، وإنما يحتاج إلى مضي المرتهن ليعلم بقاءها، فيكون مضي المرتهن وحده شرطًا في القبض دون العقد. والثاني: نعم؛ لأنه كاستئناف عقد، فلو مضى أحدهما، لم يصح ولو مضيا أو من ينوب عنهما فشاهداها، فيكون ذلك شرطًا في صحة العقد، فيستأنفان عقد الرهن، ولا يصح منهما ما تقدم من الرهن والافتقار إلى الإذن ما سبق" (٢). انتهى. وهذا يقتضي أن لنا وجهًا: أنه لا يصح الرهن لكنه إنما ذكره في حالة الشك في وجود العين؛ لأنها عنده نفي التي يشترط فيها ذلك، وكيف ما كان، فهو بعيد ولأجله أشرتُ فيما مضى: أنه إذا رهن عينًا في يد المرتهن وشك في وجودها فيه عن الماوردي وجه. فرع تظهر فائدة هذه الأوجه في مسألتين: إحداهما: رجوع الراهن إذا أذن له في قبض ما في يده، ثم رجع فإن كان رجوعه بعد جميع ما

стр. 788

اعتبرناه في القبض، فلا أثر للرجوع، وإن رجع قبل ما جعلناه شرطًا صح رجوعه، وهذا إنما يأتي على المذهب في اشتراط الزمان، أما على قول حرملة، فإنه لا يعتبر بعد الإذن أمرًا آخر، فبالإذن، صار قابضًا، ولا يبقى لرجوعه أثر. وإذا قلنا: لا يحتاج إلى الإذن، فعلى قول حرملة؛ صار قابضًا بالعقد، ولا أثر للإذن، وعلى المذهب يصح رجوعه قبل ما جعلناه شرطًا، هكذا يقتضيه التفريع وفي "النهاية": "إنَّا إذا جعلنا نفس العقد متضمنًا إذنًا، ففي الرجوع قبل مضي الزمان وجهان، ووجه المنع أن القبض صار ضمنًا للعقد" (١) انتهى. وإذا تضمن العقد القبض، فلا يشترط مضي الزمان بعده، فيكون هذا هو القول، فإنه لا يشترط الزمان ولا الإذن، وهو الذي قدمناه في تفريع قول حرملة لكن استفدنا من هذا؛ أنا حيث جعلناه بالعقد قابضًا على وجه؛ يكون ذلك لتقدير الإذن، والقبض في ضمنه لا للاستغناء عنهما. المسألة الثانية: إذا تلفت العين قبل مضي ما جعلناه شرطًا، وكان الرهن مشروطًا في بيع؛ ثبت الخيار، وإن كان التلف بعده؛ فلا، ورأيت في "تعليقة الشيخ أبي حامد" عند حكايته قول أبي إسحاق: إنا لسنا نقول: إن ذهابه إلى منزله شرط، وإنما نقول: لابد أن يذهب ليقع له العلم بأن الشيء كان في قبضه، هكذا رأيته، ولعل أبا إسحاق يقول بذلك؛ حيث يعتبر المصير إليه، وعند ذلك يكون القبض قد حصل من حين العقد أو الإذن، فعلى ذلك إذا علمنا أنه تلف بعد ذلك، وقبل مضي مدة الوصول إليه، ينبغي أن يكون القبض قد صح، حتى لا يصح الرجوع بعده قبل تلفه، ولا

стр. 789

يكون تلفه سببًا في إثبات الخيار، وتظهر أيضًا فائدة ذلك في تلف الموهوب هل نقول: تلف على ملك الواهب أو الموهوب له وفوائده، ولعل هذا المأخذ هو مأخذ منع الرجوع الذي حكيناه عن "النهاية" وإن كان الإمام ذكر غير هذا المأخذ. فرع لو مضت مدة يمكنه أن يبعث رسولًا، فيقبضه فادعى المرتهن أنه قبضه فالقول قوله نصَّ عليه (١). فرع: ذهب إلى موضع المرهون فوجده قد خرج من يده، نظر إن أذن له في القبض بعد العقد، فله أخذه حيث وجده، وإن لم يأذن له لم يأخذه حتى يقبضه الراهن سواء شرطنا الإذن الجديد أم لا، قال الرافعي: "هكذا قال أبو الفضل بن عبدان، فكأنه صوَّره فيما إذا علم بخروجه من يده قبل العقد، أما إذا خرج بعده، ولم يشترط الإذن الجديد، فقد جعلنا الرهن ممن في يده إذنًا في القبض، فليكن بمثابة ما لو استأنف إذنًا" (٢). فرع رهن الأب مال الطفل من نفسه أو مال نفسه من الطفل، ففي اشتراط مضي زمان يمكن فيه القبض وجهان، كالوجهين في اشتراط لفظتي الإيجاب والقبول إن شرطناه، فهو كما لو رهن الوديعة من المودع، فيعود الاختلاف المذكور وقصد الأب قبضًا وإقباضًا نازل منزلة الإذن الجديد هناك. * * *

стр. 790

قال: فصْل [الرجوع عن إذن القبض، والتصرف به] وإن أذن له في القبض، ثم رجع لم يجز له أن يقبض؛ لأن الإذن قد زال [فصار] (١) كما لو لم يأذن له. هذا حيث يعتبر الإذن، وذلك فيما إذا لم يكن في يد المرتهن، وكذا فيما إذا كان في يده على الصحيح، وشرط الرجوع أن يكون قبل ما نجعله به قابضًا على ما سبق، والفرع منقول عن "الأم" (٢). * * *

стр. 791

قال: وإن أذن له ثم جُنَّ أو أغمي عليه لم يجز أن يقبضه؛ لأنه خرج عن أن يكون من أهل الإذن، ويكون الإذن في القبض لمن ينظر في ماله. قال أبو إسحاق: يبطل الرهن بالجنون والإغماء قبل القبض؛ كالوكالة والشركة، والمذهب المشهور الذي قطع به الأكثرون أنه لا يبطل (١) وقيل على الخلاف الذي سيأتي في موت أحد المتراهنين وفي "البحر" عن الماسرجسي أن أبا إسحاق رجع وقال: "لا يبطل الرهن؛ لأنه يؤول إلى اللزوم" (٢)، فعلى المذهب الرهن باقٍ بحاله، لكن لا يصح من المجنون والمغمى عليه إقباض ولا قبض ولا يعتد بقبض المرتهن بعد جنون الراهن وإن تقدم إذنه، فإن الإذن يبطل كالوكالة وليس كعقد الرهن الذي ينتهي إلى اللزوم وهذا لا خلاف فيه، وقد وقع في كلام الشافعي ما يفهم خلاف ذلك، وتأوله الأصحاب وهذا معنى قول المصنف لم يجز أن يقبضه، ويدخل في عموم قوله: "قبضه في حال الجنون وبعده لا يصح في شيء من الحالتين، إلا بإذن جديد ممن يعتبر إذنه وتعليله ناطق بأن الإذن قد بطل". وقوله: "ويكون الإذن في القبض لمن ينظر في ماله"، يقتضي بقاء الرهن، كما قلنا: إنه المذهب. قال الأصحاب: "فإن كان الذي جن الراهن، فيعتبر حال الرهن فإن لم يكن في تسليمه حظ للراهن لم يكن لوليه أن يسلمه؛ لأن الرهن وإن كان لا

стр. 792

يبطل فتسليمه غير لازم وليس للولي أن يخرج من ماله ما ليس بلازم له، وإن جاء في تسليمه حظ للراهن، وهو أن يكون مشروطًا في بيع فيه فضل إن لم يسلمه فسخ البائع، فهل يجوز تسليمه؟ فيه وجهان في "الحاوي" (١): أحدهما: لا، لما قدمناه. والثاني: يجوز للمصلحة". وقد تقدم الخلاف في رهن الولي، ولعل هذين الوجهين هما الوجهان المتقدمان في رهنه. ومقتضى ذلك: أن يكون الأصح الجواز، وألا يتقيد بما إذا كان مشروطًا في بيع، بل في جميع الصور التي تقدم أنه يجوز الرهن فيها، وإنما ذكرت هذه الصورة هنا؛ لأنها زائدة على تلك الصور، ولا شك أنَّا إذا جوزنا للولي ابتداء الرهن، فاستدامته إذا طرأ الجنون على العاقد أولى. وإن كان الذي جُنَّ المرتهن قَبَض الرهن مَن ينصبه القاضي فيما في ماله، فإن امتنع الراهن من الإقباض، فإن كان الرهن مشروطًا في بيع، فعلى الولي ما فيه المصلحة من الفسخ والإجارة، ولو لم ينفق قَبَض حتى أفاق المجنون وقبض بالرهن المتقدم على الجنون صح. إذا قلنا: يبقى الرهن، وهو المذهب؛ فالضابط أنه متى وجد الجنون في حال الرهن بطل قطعًا في حال القبض لا يعتد بالقبض قطعًا إلا بإذن الولي، وإن تخلل بينهما؛ صح على المذهب، وفي حكم الجنون والإغماء السفه والفلس، وهما أولى بعدم الإبطال من الجنون والإغماء، ولو أذن الراهن، ثم جن، ثم وجدنا المرهون في يد المرتهن، فادعى أنه قبضها قبل جنونه فالقول قوله، قاله الشيخ أبو حامد؛ لأنه حصل الإذن والقبض. والظاهر أنه قبض صحيح.

стр. 793

فرع قال ابن الصباغ: إذا رهنه شيئًا ثم خرس، فإن كان له كتابة مفهومة أو إشارة مفهومة، فأذن في القبض جاز، وإن لم يكن له شيء يفهم عنه لم يكن له القبض، وكذلك إذا أذن له في القبض، ثم خرس، فينبغي أن يكون إن كان له إشارة مفهومة أو كتابة لم يبطل إذنه، وإن لم يكن له شيء يفهم به عنه بطل إذنه، كالمغمى عليه والمجنون. انتهى. * * *

стр. 794

قال: فإن رهن شيئًا ثم تصرف فيه قبل أن يقبضه نظرت، فإن باعه أو جعله مهرًا في نكاح، أو أجرة في إجارة، أو وهبه وأقبضه، أو رهنه وأقبضه، أو كان عبدًا، فكاتبه أو أعتقه؛ انفسخ الرهن؛ لأن هذه التصرفات تمنع الرهن، فانفسخ بها الرهن. تقدم أن الرهن قبل القبض جائز من الطرفين فينفسخ بهذه التصرفات وأكثرها يُزيل الملك، ومنها ما لا يزيله، ويجمعها ضابط وهو: كل ما يمتنع معه الرهن، ومن حمله ذلك أن يقربه لغيره أو نفقة على جهة عامة أو على معين. كما قاله الماوردي، وكذا وطء الجارية مع الإحبال، وتحرير الضابط أن يقال: كل تصرف يمنع الرهن لو كان موجودًا عند الرهن، فإن الرهن ينفسخ بطريان ذلك التصرف عليه قبل القبض، وهذا يطرد لا يستثنى منه شيء، ولا يرد أن الأصح عدم الانفساخ بتخمر العصير وجناية العبد وإباقه وموت العاقد، لأن كلامنا في التصرفات لا في كل ما يمنع الرهن، وأما عكس هذا الضابط، فيستثنى منه الرهن من غير قبض على المنصوص، وأمور أخرى على وجه كما ستعرفه، وكلام الأصحاب يقتضي القطع بصحة هذه التصرفات التي ذكرها المصنف، ولا يأتي فيها الخلاف المذكور في تصرف البائع في زمن الخيار، والفرق ضعف العقد هنا وقوته هناك، وبحث ابن الرفعة أنه روعي في المنع هناك أن اللفظ الواحد لا يكون رافعًا مثبتًا، وهذا موجود هنا فإن لفظ الرهن الثاني مثبت لرهن آخر، وارتفاع الأول به إما وحده على الأصح - كما سيأتي - وإما مع القبض.

стр. 795

وجوابه: أن ذلك فيما يحتاج في ثبوت الثاني إلى ارتفاع الأول؛ كالملك ونحوه وهنا لا يتوقف الرهن الثاني على بطلان الأول، بل بتمامه يبطل وقد يقال: إنه إذا كان كذلك، فلا منافاة بينهما، فينبغي عدم بطلان الأول حتى إذا انفك الرهن الثاني عاد رهنًا، وإن كان بينهما منافاة فمن شرط صحة الثاني ارتفاع الأول ويعود الإشكال، ولك أن تقول: إن المراعى في المنع هناك أن يكون اللفظ الواحد رافعًا لشيء مثبتًا له، كما عبروا عنه بعبارة أخرى أنه يكون جالبًا مزيلًا؛ أي: يجلب الملك من المشتري إلى البائع وينقله من البائع إلى المشتري الآخر، ومثل هذا لا يتحقق هنا، وأما كون اللفظ الواحد رافعًا لشيء مثبتًا لآخر، فهذا لا يمتنع، وهو الموجود هنا، وهكذا في الرجوع عن الوصية. فرع الأصح أنه لا ينفسخ بتخمر العصير لكن لا يصح قبضه في حال تخمره، فلو فعل وعاد خَلًّا، فعلى الأصح يستأنف القبض وعلى الوجه الآخر يستأنف الرهن، ولو كان الرهن مشروطًا في بيع ثبت للمرتهن الخيار بالتخمر على الوجهين؛ لأن الخل أنقص من العصير. * * *

стр. 796

قال: وإن دبَّره؛ فالمنصوص في "الأم" أنه رجوع، وقال الربيع: فيه قول آخر: إنه لا يكون رجوعًا، وهذا من تخريجه، ووجهه أنه يمكن الرجوع في التدبير، فإذا دبره أمكنه أن يرجع فيه، فيقبضه في الرهن، ويبيعه في الدين، والصحيح هو الأول؛ لأن المقصود بالتدبير هو العتق، وذلك ينافي الرهن، فجعل رجوعًا، كالبيع والكتابة. ما نقله عن النص وعن الربيع مذكور في أول الرهن الكبير من "الأم" (١)، وعادة الربيع إذا كان القول منصوصًا يقول: وله قول آخر، وإذا كان مخرجًا من عنده يقول: فيه قول آخر، أدبًا حتى لا يذكر اسمه مع الشافعي؛ فلذلك قال المصنف والأصحاب: إن هذا من تخريجه على أن الماوردي، أطلق حكاية قولين (٢)، وابن الصباغ قال: ابن الربيع حكاه، وللخلاف مأخذان؛ أظهرهما: ما ذكره المصنف من توجيه النص بمنافاة مقصود التدبير لمقصود الرهن، وتوجيه التخريج بإمكان الرجوع عن التدبير. والمأخذ الثاني: البناء على النص، والتخريج في رهن المدبر، وهذا الذي يشير إليه كلام الربيع في "الأم" (٣)، فإنه استدل بأنه لو رهنه بعد ما دبره كان الرهن جائزًا؛ لأن له أن يتبعه بعدما دبَّره، فلما كان له بيعه كان له أن يرهنه. انتهى.

стр. 797

وآخره يشير إلى المأخذ الأول أيضًا، ومقتضى المأخذين أن يأتي في تدبير المرهون أربع طرق: الثلاث التي في رهن المدبر فيقطع بالرجوع أو بعدمه أو بإثبات قولين مبنيين، والرابع: إثبات قولين من غير بناءٍ؛ جاز رهن المدبر أو امتنع، والصحيح الجريان على النص كما ذكر المصنف، وهي جارية على الضابط المتقدم؛ فإن الصحيح أن التدبير مبطل للرهن تقدم أو تأخر، والروياني صحح في "الحلية" أن رهن المدبر صحيح، ويكون رجوعًا عن التدبير، كما قاله المزني (١)، فيحتمل هنا أن يوافق الربيع، ويحتمل أن يجري على ظاهر النص؛ نظرًا إلى المأخذ الثاني، ولم يقل أحد بأن الرهن مانع من صحة التدبير بعده، كما كان التدبير مانعًا من صحة الرهن بعده، وسببه قوة التدبير، فإذا عارضه ما يضاده أبطل القوي الضعيف تقدم أو تأخر، وعلى قول: لا مضادة بينهما، فأبقاهما. ونص الشافعي على أن تدبير المرهون موقوف (٢) كما سنشرح ذلك عند الكلام على رهن المدبر، ومراده إذا كان بعد القبض فلا يعارض ما نحن فيه، كذلك قيَّده الروياني (٣)، حيث نقله، فإن كان كما نقله الروياني، وكذلك فرضه الأصحاب كان تفريعًا على تنفيذ عتق الراهن عند أبي حامد على القولين عند الروياني وهو الصحيح وسنشرحه، وإن حمل على إطلاقه؛ لم يستقم إلا إذا قلنا: التدبير ليس برجوع فيصح، ويكون الحكم إذا اقتضى كما لو صدر بعد الإقباض، وقد اعترض ابن أبي عصرون على تعليل الربيع بإمكان الرجوع بما إذا وهب من ولده وأقبضه، فإنه يمكنه الرجوع، ومع ذلك يبطل به الرهن، وكذلك إذا باع المرهون قبل القبض بشرط الخيار، وهو وارد

стр. 798

على ظاهر العبارة، والفرق أن التدبير لا يزيل الملك ولا يقتضيه عاجلًا، وإن علق عتقه على صفة كان حكمه حكم التدبير فيما ذكرناه قاله صاحب "الاستقصاء". وقال الروياني: "هل يكون رجوعًا عن الرهن؟ وجهان ذكره والدي ﵀" قاله الروياني عند الكلام في إعتاق المرهون (١). * * *

стр. 799

قال: وإن رهن ولم يقبض، أو وهب ولم يقبض؛ كان ذلك رجوعًا على المنصوص؛ لأن المقصود منه ينافي الرهن وعلى تخريج الربيع: لا يكون رجوعًا؛ لأنه يمكنه الرجوع فيه. وافق المصنف على ذلك في الهبة الماوردي (١)، وفي الرهن الشيخ أبو حامد، ولم يصرح بحكاية قول الربيع فيه، كما صرح به في التدبير، والروياني وجعل ذلك دليلًا لبطلانه بالتدبير، ونقل في الهبة من غير قبض أن الشافعي نص على البطلان والربيع خرج عدمه، وصاحب "التهذيب" ذكر مثل ما ذكره المصنف، وصرح بأنه قياس على النص، وهذا يستثنى عن عكس الضابط المتقدم، كما نبهنا عليه، فإن الرهن الثاني أبطل الأول، ولو تقدم لم يمنعه فضابط التصرف المبطل للرهن قبل القبض؛ أن يكون ذلك التصرف أو مقصوده منافيًا للرهن، وهذا مطرد منعكس على المذهب، وكلام الرافعي يفهم خلاف ما قاله المصنف والأصحاب، فإنه قيد الرهن والهبة بأن يكونا مع القبض، فيكون ذلك اختيارًا لقول الربيع وهو مخالف لما رجحه في التدبير، وقد رجح في الوصية أن الرهن بدون القبض رجوع، فالوجه حمل كلامه هنا على أنه ذكر حكم الرهن مع القبض وسكت عما إذا كان بدونه. * * *

стр. 800

قال: وإن كان المرهون جارية، فزوَّجها لم يكن ذلك رجوعًا؛ لأن التزويج لا يمنع الرهن، فلا يكون رجوعًا في الرهن. نص على ذلك في "الأم" (١) واتفق عليه الأصحاب (٢)، وكذلك الوطء الذي لا يتصل بالإحبال، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن ينزل أو لا والوطء جائز؛ لأن الرهن غير لازم وممن صرح بجواز الوطء صاحب "العدة"، وسنذكر حكم إحباله بعد الكلام في رهن المدبر. * * *

стр. 801

قال: وإن كان دارًا فأجَّرها نظرت، فإن كانت الإجارة إلى مدة تنقضي قبل محل الدين لم يكن رجوعًا؛ لأنها لا تمنع البيع عند المحل، فلم ينفسخ بها كالتزويج. هذا لا خلاف فيه، ولم يتعرض له كثير من الأصحاب، بل أطلقوا الكلام في الإجارة والمصنف وغيره ذكروه ولا بد منه. وقوله: "دارًا" على سبيل المثال، ولا فرق بين الدار والعبد وغيرهما. * * *

стр. 802

قال: وإن كانت إلى مدة يحل الدين قبل انقضائها فإن قلنا: إن المستأجر يجوز بيعه لم يكن رجوعًا؛ لأنه لا يمنع البيع عند المحل، وإن قلنا: لا يجوز بيعه كان رجوعًا؛ لأنه تصرف ينافي مقتضى الرهن، فجعل رجوعًا كالبيع. هذا هو الصحيح، وهو البناء على البيع، وحكى الإمام فيما إذا قلنا: لا يجوز بيعه وجهًا أنه لا يكون رجوعًا وهو بعيد. وحكى الغزالي في "البسيط" فيما إذا قلنا: يجوز بيعه وجهًا أنه يكون رجوعًا وقال: إنه لا وجه له، فحصل في المسألة وجهان مطلقان ضعيفان وثالث، وهو ما ذكره المصنف. قال النووي في" شرح الوسيط": قطع الشيخ أبو حامد وصاحب "التهذيب" بأن الإجارة لا تكون رجوعًا من غير تفصيل؛ كالتزويج ونص عليه الشافعي في "الأم". قلت: لعله تفريع على صحة بيع المستأجر، فإنه الصحيح. وقال القاضي أبو علي الفارقي: إذا قلنا: يجوز بيع المستأجر، فيحتاج إلى تفصيل إن كانت قيمة الدار مع كونها مستأجرة يعجز عن الوفاء بالدين كان رجوعًا وإلا فلا؛ لأن الدار المستأجرة لا تُشترى بما تُشترى به غير المستأجرة، كما أنه إذا تصرف تصرفًا يخرج به المرهون عن أن يستوفي الدين منه يكون رجوعًا، فكذلك ما يمنع من استيفاء بعض الدين، وفيما قاله نظر؛ لأنا إنما أبطلنا فيما نخرج به عن الاستيفاء؛ لتعذر التوثقة لا

стр. 803

لقصده الرجوع، وما يمنع من استيفاء بعض الدين يمكن معه التوثقة على بقية الدين، فلم يكن ما يقتضي الرجوع من تعذر ولا قصد، ألا ترى أن التزويج ليس برجوع، وإن كان عيبًا، فهذا الذي قاله الفارقي ليس بشيء. * * *

стр. 804

قال: فصْل [في موت المتراهنين] وإن مات أحد المتراهنين، فقد قال في الرهن: إذا مات المرتهن لم ينفسخ. وقال في التفليس: إذا مات الراهن لم يكن للمرتهن قبض الرهن، فمن أصحابنا من جعل ما قال في التفليس قولًا [آخر] (١) أن الرهن ينفسخ بموت الراهن ونقل جوابه فيه إلى المرتهن وجوابه في المرتهن إليه، وجعلهما على قولين؛ أحدهما: ينفسخ بموتهما؛ لأنه عقد لا يلزم بحال، فانفسخ بموت العاقد؛ كالوكالة والشركة. والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه عقد يؤول إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت؛ كالبيع في مدة الخيار، ومنهم من قال: يبطل بموت الراهن ولا يبطل بموت المرتهن؛ لأن بموت الراهن يحل الدين، ويتعلق بالتركة، فلا حاجة إلى بقاء الرهن، وبموت المرتهن لا يحل الدين، فالحاجة باقية إلى بقاء الرهن، ومنهم من قال: لا يبطل بموت واحد منهما قولًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يبطل بموت المرتهن على ما نص عليه، والعقد غير لازم في حقه بحال، فلئلا يبطل بموت الراهن والعقد لازم له بعد القبض أَوْلى، وما قال في التفليس لا حجة فيه؛ لأنه لم يرد أن الرهن ينفسخ، وإنما أراد أنه إذا مات الراهن لم يكن

стр. 805

للمرتهن قبض الرهن من غير إذن الورثة. حقيقة المتراهنين أن يكون الرهن من كل منهما، كما قال الشاعر: يراهنني فيرهنني بنيه … وأرهنهُ بَنِيَّ بما أقول (١) ومراد المصنف: الراهن والمرتهن، كأنه سمي المرتهن راهنًا مجازًا حيث قبل الرهن؛ أو لأن الرهن العقد وقد حصل منهما، فأطلق على كلٍّ مِن شقيه رهنًا، أو من باب: طارقت النعل وعاقبت اللص. وصورة المسألة: أن يموت أحدهما قبل القبض، ونصه في الرهن كذا موجود في "المختصر" (٢) و"الأم" قال: "ولو مات المرتهن قبل القبض فللراهن تسليم الرهن إلى وارثه ومنعه" ونصه الآخر رأيته هنا قبل ذلك بسطور في "الأم" في أول الرهن الكبير قال: "ولو مات الراهن، قيل: يقبض المرتهن الرهن لم يكن للمرتهن قبض الرهن وكان هو والغرماء فيه أسوة سواء، ولو لم يمت الراهن ولكن أفلس قيل: يقبض المرتهن الرهن كان المرتهن والغرماء فيه أسوة وبعد ذلك بأسطر قال؛ قال: ولو رهنه عبدًا فلم يقبضه المرتهن حتى هرب العبد وسلطه على قبضه، فإن لم يقدر على قبضه حتى يموت الراهن أو يفلس، فليس برهن" (٣). انتهى. وهذا صريح في الانفساخ، وهكذا نص في الهبة، قال في "الأم" في الجزء التاسع قبل باب الوصية بالثلث: "وكل ما لا يملك إلا بالقبض

стр. 806

فحكمه حكم واحد لا يختلف، ألا ترى أن الواهب والناحل والمتصدق لو مات قيل: يقبض الموهوب له والمنحول له والمتصدق عليه ما صُيّر لكل واحد منهم بطل ما صنع" (١). انتهى. وهذا نص في بطلان الهبة، وإذا ثبت ذلك في الهبة، فالرهن أولى، ولا جرم كان الصحيح عند الأصحاب طريقه إجراء القولين، والأظهر منهما: أنه لا ينفسخ بموت واحد منهما؛ لأنه يؤول إلى اللزوم؛ كالبيع في زمن الخيار. والثاني: ينفسخ بموتهما؛ لأنه لا يلزم بحال، كذا عللهما المصنف وغيره وظاهر هذين التعليلين التعارض والمصادرة. ووجه تصحيحهما: أن قوله: "لا يلزم بحال"؛ أي: من الجانبين، وإن لزم من أحدهما بعد القبض. وقوله: "يؤول إلى اللزوم"، أي: في جانب الراهن بعد القبض، وبهذا يعلم أنه أخذ شبهًا بالبيع في زمن الخيار من وجه دون وجه، فكل من القولين راعى شبهًا، وبذلك فارق الوكالة التي لا تلزم بحال من الأحوال، فهو رتبة متوسطة بين البيع في زمن الخيار والوكالة؛ فلذلك جرى القولان؛ وترجح إلحاقه بالبيع؛ لما بينهما من اللزوم، والمناسب للانفساخ ألا يكون لزوم البتة، كما في الوكالة، فحيث كان في العقد من حيث الجملة لزوم بوجه ما لا يرتفع بالموت، وقد نسب القول بالانفساخ إلى أبي إسحاق، وهو اختيار لأحد القولين وموافق لما تقدم عنه من تشبيهه الرهن بالوكالة، والصحيح خلافه، وقد قدمنا رجوع أبي إسحاق، وفي "البحر" عنه الاحتجاج للرجوع بأن الرهن لا يبطل بموت المرتهن بالإجماع.

стр. 807

والطريقة الثانية: أنه يبطل بموت الراهن دون المرتهن تقريرًا للنصين اللذين ذكرهما المصنف، وحكيت هذه الطريقة عن أبي إسحاق وهذه الطريقة قوية؛ لأنه ليس للشافعي فيما أعلم نص صريح ولا ظاهر في الانفساخ بموت المرتهن، وسأتكلم على ما ذكره المصنف من الفرق. والطريقة الثالثة: أنه لا ينفسخ بموت واحد منهما، وما ذكره المصنف فيها من الاحتجاج والتأويل للنص جيِّد لكنا حكينا نصين في بطلانه بموت الراهن، والأول منهما يمكن الجواب عنه؛ ولذلك قال الشيخ أبو حامد: لست أعرف للشافعي أنه قال: يبطل الرهن بموت الراهن، وإنما قال: إذا مات كان المرتهن أسوة الغرماء وهذا لا يفيد البطلان في الرهن. انتهى. ولو سلم له ذلك، فما يصنع في النص الثاني، وقول الشافعي، فليس بِرَهْنٍ، والممكن في تأويله أن يقدر فليس برهن يقدر فيه على القبض بالتسليط السابق، ولكن هذا تأويل بعيد لا ضرورة إليه، والأقرب أن صاحب هذه الطريقة لم يقف على هذا النص وصاحب هذه الطريقة فيما قيل: هو القاضي أبو حامد، وقال الشيخ أبو حامد، والبندنيجي: إنها المذهب والذي يظهر لي أنها ضعيفة؛ لمخالفتها النص الذي حكيناه، ولا يمكن تأويله إلا بتعسف، وإنما النظر في الطريقين الأُوليَيْن، ولم يحك الماوردي غيرهما ولم يذهب أحد إلى أنه يبطل بموت المرتهن دون الراهن من جهة أنه من جهة المرتهن جائز دائمًا فأشبه الوكالة ومن جهة الراهن لازم في حال، فأشبه البيع في زمن الخيار؛ وذلك لأن النظر إلى العقد من حيث هو واللزوم بوجه ما قد ثبت للمرتهن، فلا يبطل بموته بخلاف الوكالة أو لا تثبت في حالة ما في أحد طرفيه، فيبطل بموت الراهن بخلاف البيع في زمن الخيار، وبهذا يعلم الجواب عمن جوز مجيء طريقة رابعة من

стр. 808

جهة المأخذ المذكور ولا فرق في جريان هذا الخلاف بين أن يكون الرهن تبرعًا أو مشروطًا في بيع هذا هو المشهور، وبه قال أبو الطيب بن سلمة. وقال ابن أبي هريرة: موضع القولين رهن التبرع، أما المشروط في البيع، فلا يبطل بالموت؛ قطعًا لتأكده بالشرط واقترانه بالبيع اللازم، فلا يبعد أن يكتسب منه صفة اللزوم (١). فرع "سواء قلنا بالبطلان أو قلنا: لا يبطل ولم يتحقق الوفاء بالرهن المشروط فيثبت الخيار في البيع" قاله الرافعي (٢)، وظاهره يقتضي أَنَّا متى قلنا بالبطلان؛ ثبت الخيار وقال الماوردي: "كان بالخيار بين إمضاء البيع بلا رهن وفسخه، فإن أحب ورثة الراهن إقباض الرهن للمرتهن، فهو مستأنف لعقده لفسخ العقد المتقدم، فإن كان ممَّن يجوز أن يستأنف رهنه؛ لجواز أمره من غير أن يتعلق به حق الغرماء والوصايا، جاز أن يستأنفه بعقد جديد وقبض جديد، فإذا فعل ذلك، فلا خيار للمرتهن البائع لحصول ما شرطه من الرهن. وفيه وجه آخر: أن له الخيار في فسخ البيع، وإن أجاب الورثة إلى إقباضه لأن فسخ الرهن قد أوجب له خيار البيع فلم يسقط بما حدث من تطوع الوارث بالرهن" (٣). انتهى. وكلام الماوردي يقتضي أن الخيار يثبت بالموت إذا قلنا: ينفسخ الرهن وإن [أجابه] (٤) الوارث إلى الرهن والإقباض يسقط خياره بعد ثبوته، وهذا كما يقول فيما إذا زال البائع أو الموجب العيب على الفور، أنه يسقط خيار

стр. 809

المشتري والمستأجر، وإذا حملناه على هذا لا يبقى مخالفًا لكلام الرافعي، بل زائدًا عليه بحكم، ونقل ابن الرفعة عن الماوردي هذا الكلام بعبارة أخرى تقتضي المخالفة فإنه قال: إن كان الوارث رشيدًا ولا دين لغير المرتهن ولا وصية، فإن لم يرهن ذلك من المرتهن ثبت له الخيار عند الشرط وإن رهنه منه، فالأصح أن لا خيار. وفيه وجه: أنه يثبت له الخيار إذا كان الرهن مشروطًا في بيع؛ قاله الماوردي. انتهى. فأما نقله الأصح، فكأنه أخذ ذلك من مقتضى إيراد الماوردي، وأما ما أفهمه كلامه من توقف ثبوت الخيار على عدم رهن الوارث، فهو مخالف لكلام الرافعي والماوردي ولو كان منقولًا كان له وجه؛ لأن الحق انتقل إلى الوارث، وقام مقام المورث في ملك المبيع وما استحق عليه، ألا ترى أنه لو مات المشتري قبل الرهن، وكان قد شرطه في البيع، فإن الذي يظهر أن وارثه يقوم مقامه، ولا يثبت للبائع الخيار حتى يمتنع الوارث من الرهن، وإذا كان كذلك كان هُنا مثله لا يثبت الخيار حتى يمتنع الوارث، وإن كان الوارث غير رشيد أو تعلق بالرهن ديون أو وصايا؛ لم يجز استئناف عقد الرهن وإقباضه، ويكون البائع بالخيار، فإن فرض حيث يجوز للولي ابتداء الرهن، فاستئنافه كابتدائه هذا إذا قلنا: انفسخ الرهن، وإن قلنا: لم ينفسخ فإن كان الميت الراهن فإن لم يكن دين ولا وصية والوارث رشيد، فهو في الإقباض بالخيار، فإن امتنع وكان الرهن مشروطًا في بيع ثبت الخيار للبائع وإن كان الوارث محجورًا عليه، فإن لم يكن الإقباض مصلحة لم يفعله الولي وإلا فوجهان، وإن كان دينٌ لغير المرتهن أو وصية لم يجز للوارث الإقباض حتى يقضي، ويثبت الخيار للبائع إذا كان مشروطًا، وحيث قبض

стр. 810

فلا خيار، وحيث امتنع القبض ثبت الخيار إذا كان مشروطًا وإن كان الميت المرتهن، فالراهن بالخيار في تسليم الرهن لورثته فإن قبضوا فلا خيار لهم وإن امتنع ثبت الخيار إن كان مشروطًا في بيع، ثم إن كانوا رُشَداء فعلوا ما شاء وإلا فإن لم يكن حظ في الإمضاء بلا رهن وجب على الولي فسخ البيع، وإن كان في إمضائه حظ فإن كان المشتري معسرًا أو غير أمين فعلى الولي الفسخ وإن كان موسرًا أمينًا فوجهان في "الحاوي" وقال: إنهما مخرجان من الوجهين الماضيين في ولي وارث الراهن، وإن مات الراهن والمرتهن معًا فالكلام في ورثتهما على ما سبق وإن ماتا بعد القبض فالرهن بحاله لا ينفسخ. فائدة: قول المصنف: لأن يموت الراهن محل الدين إلى آخره: شرح هذا الفرق: أن في صورة موت الراهن إن لم يكن دين لغير المرتهن فدينه يتعلق بجميع التركة وحده، ويجب قضاؤه منها في الحال، وإن كان هناك دين لغير المرتهن فقد تعلق حق ذلك الغير بعين الرهن؛ كتعلق حق المرتهن؛ لكونه قبل القبض، فلا يحصل بتسليم الوارث العرض فيما قبض، فلا حاجة إلى بقاء الرهن على التقدير وفي صورة موت المرتهن الدين باقٍ بحاله، وصفته والتوثقة حق للمرتهن وورثته محتاجون إليها، كحاجة مورثهم فانتقلت إليهم كسائر حقوقه. قال الرافعي: "لك أن تستخرج الخلاف في ظرف موت الراهن من أن التركة التي تتعلق بها الديون حكمها حكم المرهون أم لا. إن قلنا: نعم، فقد أخذ جميع التركة حكم المرهون ولُغي العقد السابق. وإن قلنا: لا بقى الرهن؛ لظهور فائدته، ويجوز أن يعكس، فيقال: إن
следующие страницы →