إذا قال: "مَن جاء بعبدي الآبق فله دينار، فقال له رجل: أعطني به رهنًا وأنا آتيك به".
وكلام الإمام يشير إلى ذلك (١)، وعلى هذا يحسن تخريجه على ما جرى سبب وجوبه ولم يجب، ويكون أولى بالمنع لما قلناه من الجواز وعدم اللزوم، وأما القاضي حسين، والبغوي، والرافعي، فإنهم جعلوا الوجهين بعد الشروع في العمل، أما قبله فلا يجوز؛ لأنه لا ثبوت للجعل قبل الشروع بحال (٢).
قال الرافعي: "وكيف يتخيل ذلك وليس هو مستحقًّا معينًا" (٣)، ومن ذلك تنتظم ثلاثة أوجه؛ ثالثها: الفرق بين أن يكون قبل الشروع في العمل وبعده، والأصح المنع مطلقًا. والوجهان قبل الشروع مأخذهما ما قلناه، وأما بعد الشروع، فقال الرافعي: "إن لنا أن نبينهما على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشروع في العمل، ونقول: إن لم نجوز الرجوع، فقد لزم الجعل من قبله فيصح الرهن به، وإن جوزنا لم يصح الرهن به" (٤). انتهى.
والوجهان في جواز الرجوع راجعان إلى أن العامل هل يستحق أجرة المثل لما عمل؛ أو لأن على مقتضى البناء ينبغي أن يكون الأصح جواز الرهن، وليس كذلك، وأيضًا فجواز الرجوع لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في حكمه، قيل: لا يستحق شيئًا، فعلى هذا لا يصح الرهن.
وقيل: يستحق بقسطه من المسمى، وعلى هذا يتجه تصحيح الرهن.
وقيل: يستحق أجرة مثل ما عمل، وهو الذي صححوه، وعلى هذا قد
стр. 737
يقال: إنها إنما تجب بعد الرجوع، أما قبله، فالحال آيل إلى استحقاق المسمى، ويحتمل أن يقال: إنه استحق ألا يبطل عمله مجانًا، بل يستحق بدله؛ إما من المسمى بقسطه وإما أجرة مثله، وعلى كلا الاحتمالين في صحة الرهن بعد، أما على الأول، فلأنه لم يستحق، وأما على الثاني، فلأن المستحق لم يتعين، ثم هذا في القدر المقابل لما مضى من العمل.
أما جميع مال الجعالة، فلا موجب لجواز الرهن عليه على الوجهين على مقتضى هذا البناء الذي ذكره الرافعي، وقد أطلق الكلام إطلاقًا، وأما على جعل المأخذ الإلحاق بما جرى سبب وجوبه ولم يجد، الخلاف في جميع الجعل، لكنه قبل الشروع أولى بالمنع لعدوم اللزوم، وبعده أولى بالجواز، لوجوب شيء في الجملة على الأصح.
وإن قلنا: لا يجب شيء فهو كما قبله، والمصنف كأنه لم ينظر إلى شيء من المأخذين، وجعله خلافًا مستقلًّا لما رآه مترددًا بين دين الكتابة؛ لكونه ليس في أصل وضعه على اللزوم، والثمن في مدة الخيار؛ لكونه يؤول إلى اللزوم، فجرى الوجهان للشبهين.
وقال النووي في "شرح الوسيط": قال الرافعي: موضع الوجهين ما بعد الشروع في العمل وقبل تمامه، وذكره أيضًا صاحب "التهذيب"، ولكن ظاهر كلام الأصحاب: أن المراد قبل الشروع، لا سيما تعليل الغزالي في "الوسيط"، فإنه مصرح بذلك، وبأن الشروع في العمل سبب لثبوت، فيصير كالثمن في زمن الخيار. انتهى.
وقول المصنف: "لا يلزم الضمير فيه" يعود على العقد، أي: عقد الجعالة لا يلزم، فأشبه عقد الوكالة، ولا يجوز عوده على المال؛ لأنه يلزم بتمام العمل، وقد صرح هو بأنه يؤول إلى اللزوم، فكان يتناقض، فالوجه
стр. 738
الأول ناظر إلى العقد، والثاني ناظر إلى المال، ويرجح المنع هنا بخلاف الثمن؛ لأن الثمن ومقابله صائران إلى اللزوم، وهنا العمل المقابل للمال لا يلزم بحال، وإنما إذا تم لزم المال، فكان لزومه بالعرض ليس كلزوم الثمن، وعلى مساق كلام الرافعي ينبغي أن يقال: إن جوزنا الرجوع لم يصح الرهن، وإن لم يجوز، فوجهان؛ كالثمن إذا كان الخيار لأحدهما ولم يفرق أحد في الثمن بين أن يكون الخيار لهما أو لأحدهما، بل أجروا الخلاف، فكذا هنا إذا لزم من جهة المالك دون العامل.
فرع
سواء جعلنا الرهن بعد الشروع في العمل أم قبله، فالظاهر أنه لابد أن يكون المرتهن معينًا كما قدمناه من كلام الأصحاب في تصويره.
وقال إسماعيل الحضرمي: قال ابن الصباغ: إذا قال: مَنْ رد عبدي، فله دينار فرده، جاز الرهن به، وهل يجوز قبله؟ وجهان.
قال إسماعيل: ظاهر هذا أنه يجوز الرهن وإن لم يكن المجعول له معينًا، فإن صحت إرادتهم لهذا، فكأنهم يجوزون أن يقول له شخص: أنا أرده فارهني، أو كأنهم يجوزون في هذه الصورة من غير معين، ويسقطون القبول في الرهن تبعًا لمال الجعالة، فيصح على هذا أن يقول: مَن رد عبدي فله دينار، وعبدي الفلاني رهن معه بالدينار، ويكون فعله للرد قبولًا لمال الجعالة والرهن، قال: وفي هذا بُعد، وهو في المعين ظاهر، وهو أن يقول: إن رددت عبدي فلك كذا، ثم رهنه وكل هذا لا أعرف له أصلًا من كلامهم. انتهى.
والظاهر أن المرتهن لابد أن يكون معينًا، سواء جعل له بعينه أو مطلقًا كما صوره الأصحاب، ثم رهن مع معين.
стр. 739
قال:
وأما مال السبق والرمي، ففيه قولان؛ أحدهما: أنه كالإجارة، فيجوز أخذ الرهن به.
الثاني: أنه كالجعالة، فيكون على وجهين.
أظهر القولين: إلحاق المسابقة بالإجارة، فعلى هذا الأصح جواز أخذ الرهن بها، ولا يتخرج على الوجهين.
وقال القفال: "مع الإلحاق بالإجارة في ضمانه وجهان لضمان ما لم يجب وجرى سبب وجوبه" (١).
والمشهور إذا قلنا: إنها إجارة القطع بصحة الضمان والرهن، كما قال المصنف، ولا فرق بين أن يكون بعد الشروع في العمل أو قبله، وإن ألحقناها بالجعالة فقد تقدم في الجعالة ثلاثة أوجه وعلى ما قاله الرافعي هناك من بناء الوجهين بعد الشروع على جواز الرجوع كيف يكون الحال هنا؟ قالوا في المسابقة: لكل منهما الرجوع قبل الشروع، وكذا بعده إن لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، وإن كان فوجهان، فلا يأتي الخلاف على مقتضى بناء الرافعي إلا في هذه الصورة، أما على مأخذ غيره من التردد بين الثمن ودين الكتابة، فيأتي مطلقًا؛ لأنا وإن منعنا كلًّا منهما من الانفراد بالرجوع بعد الشروع، فيجوز لهما الاجتماع على الرجوع، وليس هذا الفسخ بمنزلة الإقالة في العقود اللازمة، بل هو من العقود الجائزة إلى تمام
стр. 740
العمل، وإنما يمتنع الانفراد بالترك حتى لا يحبط عمل الآخر ألا تري أنهما إذا تركا وأعرضا لا يحتاجان إلى لفظ، والإقالة لا بد فيها من لفظ، فالمسابقة بعد الشروع وحصول الفضل جائزة مع امتناع انفراد أحدهما بالفسخ، ولا يوجد هذا في غيرها من العقود، أو يقال: إن الفسخ لا يمتنع ولكن يضمن للآخر قدر عمله كما تقدم في الجعالة، ثم سواء جعلناه إجارة أم جعالة، لك أن تسأل عن الرهن المأخوذ من جهة مَنْ هو، فإن كلًّا من المسابقين بمنزلة المالك من وجه والعامل من وجه، فإن كان لكل منهما أن يرهن ويرتهن، فذلك رهن على ما لم يعلم ثبوته، بل يقطع بفساد أحدهما، والرهن من أحدهما عند الآخر على الإيهام غير ممكن، وإنما يريد الأصحاب الأول، وهو أن لكل منهما أن يرهن ويرتهن، ولكن هذا إذا جعلناها جعالة محتمل على وجه ضعيف.
أما التصحيح على المذهب لكونها إجارة ففيه القول بالرهن على ما لم يجب، وكأنهم احتملوا هذا للمصلحة، كما احتملوا ضمان العهدة من جملة ضمان الأعيان للمصلحة، والكلام في ضمان مال المسابقة كالكلام في الرهن به، وقيل: يجوز ضمانه ولا يجوز الرهن به، فالضمان على هذا الوجه أوسع بابًا من الرهن فيما استثنيناه من ضمان العهدة وفي غيره.
* * *
стр. 741
قال:
وأما العمل في الإجارة، فإنه إن كانت الإجارة على عمل الأجير، فلا يجوز أخذ الرهن به؛ لأن القصد بالرهن استيفاء الحق منه عند التعذر، وعمله لا يمكن استيفاؤه من غيره، وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة؛ جاز أخذ الرهن به؛ لأنه يمكن استيفاؤه من الرهن، بأن يُباع ويُستأجر بثمنه مَنْ يعمل.
قسم المصنف الإجارة في بابها إلى واردة على منفعة عين حاضرة، أو منفعة عين في الذمة، أو عمل معين، أو عمل في الذمة، وينقسم آخر إلى ما عقد على مدة، وعلى عمل معين، وعلى عمل في الذمة.
وقسمها الرافعي إلى واردة على العين، كاستئجار دابة بعينها ليركبها، أو شخص بعينه لخياطة ثوب، وإلى واردة على الذمة، كاستئجار دابة موصوفة، أو إلزام ذمته عملًا، كما لو قال: ألزمت ذمتك خياطة ثوب أو بناء جدار، قال: "وفي قوله: استأجرتك لكذا، أو لتفعل كذا وجهان؛ أظهرهما: أن الحاصل به إجارة عين للإضافة إلى المخاطب.
والثاني: إنها إجارة ذمة؛ لأن المقصود حصول العمل من جهة المخاطب، فكأنه قال: استحققت عليك كذا، وإنما يكون إجارة عين على هذا إذا زاد، فقال: استأجرت عينك أو نفسك لكذا، أو لتعمل بنفسك كذا" (١). انتهى.
ثم قالوا: الإجارة على الذمة إن عُقِدَتْ بلفظ السلم، فحكمها حكم
стр. 742
السلم؛ ولذا إن عقدت بلفظ: ألزمت ذمتك منفعة، وكذا على ما صرح به القاضي حسين، وإن عقدت بلفظ الإجارة، فهل هي سلم نظرًا إلى المعنى أو إجارة نظرًا إلى اللفظ وجهان؛ أصحهما: الأول، فإجارة العين في كلام الرافعي منطبقة على منفعة العين الحاضرة، كقوله: أجرتك هذه الدابة أو هذه الدار وهذا العبد.
لا تعلق لها بالذمة إلا من جهة وجوب التسليم، ولا يصح عقدها بلفظ السلم، ويصح من المستأجر إيجارها لغيره ولا مجال للرهن بها؛ لأن حكمها حكم الأعيان؛ ولذلك لم يذكر المصنف هذا القسم هنا؛ لأنه إنما يتكلم في الديون وما يجوز به الرهن منها وما لا يجوز، والرافعي ذكره ومنع الرهن به وهو صحيح، إلا أن المصنف لم يَحْتَجْ إلى التعرض له، وفي هذا القسم إذا قدرها بمدة، فهي عين من كل وجه، لا يجوز استقبالها ولا إيراد عقد آخر عليها، وينفسخ العقد بمضيها قبل التسليم، وإن قدرها بعمل كأجرتك هذه الدابة لتركبها إلى بلد كذا أو العبد ليبني لك كذا، فليست كالعين من كل وجه، بدليل أنه لو أخر التسليم حتى مضت مدة إمكان العمل، لم ينفسخ على الأصح، ومع هذا مورد العقد العين حتى لا يجوز إيراد عقد آخر عليها فيما يظهر، ولكني لم أجده منقولًا.
وقد ظهر لك بهذا: أن إجارة العين الحاضرة تنقسم إلى: إجارة مدة، وإلى عمل معين غير مقدر بمدة، وكلا القسمين لم يذكرهما المصنف، فإنه إنما ذكر عمل الأجير والعمل في الذمة، وهما خارجان عما ذكرناه، وأما منفعة عين في الذمة كقوله: استأجرت منك دابة صفتها كيت وكيت، أو ألزمت ذمتك منافع دابة صفتها كيت وكيت لأركبها، أو لأحمل عليها، فهذه موردها الذمة ولا تعلق لها بعين، ويجوز عقدها بلفظ الإجارة والإلزام
стр. 743
والسلم، وحكمها حكم السلم، إلا إذا عُقِدَتْ بلفظ الإجارة على أحد الوجهين، ويجوز الرهن بها؛ لأنها دين كسائر الديون، ويباع المرهون عند الحاجة، وتحصل المنفعة من ثمنه، واستغنى المصنف عن ذكرها هنا؛ لأنه ذكر الرهن بدين السلم، وهي داخلة فيه إلا على وجه الناظر للفظها إذا وردت بلفظ الإجارة، والمصنف لا يختاره، ولا يجوز للمستأجر هنا إيجارها لغيره؛ لأنه بيع المسلم فيه قبل قبضه، وفي هذه يجوز التأجيل بخلاف الأول.
وأما العمل، فإن قال: استأجرت عينك لتعمل لي كذا، فهذه إجارة عين بلا إشكال، وحكمها حكم القسم الأول في جميع الأحكام، وفي تقسيمها إلى مقدرة بمدة، وبعمل، والمقدرة بالعمل هي التي أرادها المصنف بقوله: عمل الأجير، وهي مرتبة متوسطة بين القسم الأول والقسم الثاني؛ ولذلك لا تنفسخ بمضي الزمان قبل التسليم على الأصح، فعلل المصنف امتناع الرهن بها بأن عمله لا يمكن استيفاؤه من غيره، وهذا معنى صحيح سواء كان هو مورد العقد أم لا.
وإن قال: استأجرتك لتعمل لي كذا أو لعمل كذا، فاللفظ متردد بين أن يكون مقصوده استئجار عينه أو إلزام ذمته، والأصح حمله على عينه لظاهر اللفظ، فيأتي فيه ما مضى في القسم الأول، فإن كانت مقدرة بعملٍ دخلت في كلام المصنف؛ لأنها على عمل الأجير، وكانت مترددة بين إجارة المدة وإجارة الذمة كالتي قبلها وإن قُدرت بزمان.
وقال القاضي حسين: الأصح حمله على إلزام الذمة، فإن حملناه على الذمة جاز أن يستعمل غيره، وإن حملناه على العين لم يجز، وكان حكمه كما لو قال: استأجرت عينك، وإن قال: ألزمت ذمتك أن تعمل لي بنفسك
стр. 744
كذا، فقد ذكر الصيدلاني في الحج ما يقتضي أنه يصح، ويلزمه العمل بنفسه، وخطأه الإمام بما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه، فإنه فاسد، فإن كان الصيدلاني يوافق على أن قوله: ألزمت ذمتك سلم كما نقلناه عن القاضي حسين، فيلزمه وإن منع وقال: هذه إجارة، ولا يلزم فيها ما ثبت في السلم؛ لأن ذلك إما لكونه أضيق وأبعد عن احتمال الغرر من الإجارة، وإما تعبد فلا يلزمه.
وإن قال: ألزمت ذمتك عمل كذا، ولم يقل: بنفسك؛ صح قولًا واحدًا، وجاز أن يعمل بنفسه وبغيره، وإن قال: استأجرتك لتعمل لي بنفسك، فكلام الرافعي يقتضي أنها إجارة عين قولًا واحدًا، ويجعل قوله بنفسك قرينة في إضافة الإجارة إلى عينه، ولولا ذلك لكان ينبغي أن يأتي فيها وجه أنها تفسد أخذًا من جعلها سلمًا، والجمع بين الدَّينية والتعيين لا يجوز، ووجه أنها تصح، ويتعين على ما قاله الصيدلاني، وهو هنا أظهر لجريان لفظ الإجارة، وأما أنها تصح ولا يتعين، فلا يأتي هنا بخلاف ما لو لم يقل: بنفسك لاحتمال اللفظ العموم، فأمكن تصحيحه، والقول بأنه لا يتعين إذا عرفت هذا، فقول المصنف: إن كانت الإجارة على عمل الأجير يحتمل أن ينزل على ما إذا قال: استأجرت عينك لتعمل لي كذا، وحينئذٍ هي إجازة عين، كإجارة الدار لا مجال للرهن فيها، ويحتمل أن ينزل على ما إذا ألزم ذمته أن يعمل بنفسه، ويكون موافقًا للصيدلاني، وتعليله محتمل للأمرين، ويرجح الثاني كونه ذكره في الديون، وإنما يكون في الديون بالمعني الثاني.
وأما الأول؛ فهو كإجارة منفعة العين الحاضرة وهو لم يتعرض لها، ويرجح الأول أنه يبعد موافقته للصيدلاني؛ لأنه يرى إذا صرح بلفظ الإجارة
стр. 745
أنها تعطي حكم السلم، فكيف إذا أتى بلفظ الإلزام وهو أعم منها ومن السلم، والظاهر أنه إنما أراد المعنى الأول؛ لأنه جعل العمل معقودًا عليه، وقابله بما إذا كان العمل في الذمة، وحينئذٍ يكون امتناع الرهن في هذا القسم مما لا خلاف فيه.
وقوله: "وإن كان على عمل في الذمة … إلى آخره" هو المشهور.
وقال الماوردي: "إن لم يكن الآخر قبض الأجرة لم يصح الرهن؛ لأن العمل قبل دفع الأجرة غير مستحق، وإن قبضها فوجهان: وجه المنع أن العمل لا يستوفي من الرهن، ووجه الجواز وهو الأصح عند الروياني (١) وغيره أن قيمته تستوفي ويستأجر بها" (٢).
وقول الماوردي: "أنه لا يجوز قبل قبض الأجرة" ضعيف؛ لأن غايته أن يكون كثمن المبيع في زمن الخيار، أو كالمسلم فيه قبل قبض رأس المال، وهو بناه على أن قبض الأجرة واجب في السلم، وهو صحيح إذا جعلناه سلمًا إلا أن ذلك لا ينافي الرهن؛ لأنه دين ثابت يؤول إلى اللزوم.
نعم، يأتي فيه الخلاف الذي في الثمن في مدة الخيار.
إذا قلنا بعدم انتقال الملك، فإن قلت: إذا حملت قول المصنف الأول على إجارة العين، فما وجه ما ذكره على أنه لم يذكر الرهن على منفعة العين.
قلت: العمل وإن كان معينًا واجب على الأجير وجوب الديون يتعاطاه بنفسه، فهو شبيه بالدين، فلذلك ذكره، وأما العين، فالعقد وارد عليها، وإنما يجب تسليمها، والمستأجر هو الذي يستوفي منفعتها، فهي أشبه
стр. 746
بالأعيان من الديون؛ فلذلك لم يذكرها.
فرع
قد استوفى المصنف إلى هنا الديون التي يجوز الرهن بها، والتي لا يجوز الرهن بها، وهي دين السلم والقرض والثمن والأجرة والصداق والخلع والصلح والأرش وغرامة المتلف والكتابة والجعالة والمسابقة وعمل الإجارة ومحل الاتفاق في الثمن إذا كان بعد الخيار أو قبله، وقلنا بانتقال الملك، وإلا فهو رهن على ما لم يجب، وجرى سبب وجوبه، فيجيء فيه خلاف على ما اقتضاه كلام الإمام والغزالي، وهو متعين وإن كان الأصحاب أطلقوا الجواز، ومثله يأتي في دين السلم، وأما القرض فمحل الاتفاق فيه بعد التلف، أو بعد التصرف، أما إذا قبض، وقلنا بالملك وهو الأصح وهو باقٍ في يده، فهو كالثمن في مدة الخيار إذا قلنا بانتقال الملك، فيصح الرهن به أيضًا بلا نزاع، وقبل القبض جرى سبب وجوبه، ولم يجب، ومحل ذلك أيضًا إذا قلنا: الواجب المثل، أو قيمة يوم القبض، وكانت معلومة، أو أقصى القيم، وكان بعد التلف، وهي معلومة.
أما إذا قلنا: الواجب الأقصى، وكان قبل السلف، فلا يصح؛ ولذلك إذا أوجبنا قيمة يوم القبض، وكانت مجهولة، ويجوز الرهن بالثمن قبل قبض المبيع، وبالأجرة قبل استيفاء المنفعة، وبالصداق قبل الدخول اتفاقًا، وإن لم تكن مستقرة، وأما بعد هذه الأشياء، فلا شبهة فيه، والدية إن كانت في ذمة الجاني جاز الرهن بها، وإن كانت على العاقلة لم يجز قبل حولان الحول؛ لعدم لزومها؛ لأنها إنما تجب على من يكون غنيًّا وقت الحول، فقبل ذلك ليست بلازمة ولا ثابتة، وكذا الرهن بالزكاة قبل تمام الحول لا يجوز؛ لعدم ثبوتها.
стр. 747
وقال الجرجاني: إذا قال لزوجته: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أو قال لعبده: إن أعطيتني ألفًا فأنت حر، لم يجز أخذ الرهن عليه؛ لأنه لا يؤول إلى اللزوم. انتهى.
وقد يتوهم تخريجها على الجعالة، وأولى؛ لأنه لازم، لكن هذا ليس بصحيح؛ لأن تعليق الطلاق ليس سببًا لوجوب المال بخلاف الجعالة، وإذا صح الرهن بالثمن في مدة الخيار.
قال الرافعي: "لا شك في أنه لا يباع المرهون في الثمن ما لم تَمْضِ مدة الخيار" (١).
* * *
стр. 748
قال:
فصْل
[الرهن بعد ثبوت الدين]
ويجوز عقد الرهن بعد ثبوت الدين؛ وهو أن يرهن بالثمن بعد البيع وبعوض القرض بعد القرض.
قوله: "بالثمن بعد البيع" يشمل ما بعد قبض المبيع وقبله بعد انقضاء الخيار، ولا خلاف فيهما، وقبل انقضاء الخيار، وهو كذلك على ما أطلقه الجمهور، وقدمنا أنه على القول بأن الخيار لا يمنع انتقال الملك.
فإن قلنا: يمنع فيأتي فيه خلاف نبه عليه الإمام وغيره، ولا شك أنه لا يباع المرهون في الثمن ما لم يَمْضِ الخيار، ولا يتخيل أن الرهن إلزام للعقد، وإنما جاز الرهن قبل لزوم الثمن؛ لأن وصفه على اللزوم.
وقوله: "وبعوض القرض بعد القرض" يقتضي بإطلاقه جواز الرهن به قبل القبض وهو بعيد؛ لأنه قبل الملك، وإذا لم يملك المقترض العين المقترضة لم يملك المقرض عوضها، فلم يثبت الدين، فيصير كالثمن في مدة الخيار.
إذا قلنا: لم ينتقل الملك، أما بعد الملك فجائز، وقد قدمنا تقييده بما إذا كان الواجب المثل أو قيمة معلومة.
стр. 749
واعلم أن جماعة قالوا: إن من شروط المرهون به أن يكون دينًا ثابتًا لازمًا، والسابق إلى الفهم أن كل لازم ثابت، ولا ينعكس، فذكر الثابت مع اللازم، إنما هو ذكر للأعم قبل الأخص، والأولى أن يقال: إن الدينية واللزوم صفتان للشيء في نفسه، فيقال في الصداق: إنه لازم، سواء وجد أم لم يوجد، والثمر في مدة الخيار صائر إلى اللزوم وجد أم لم يوجد.
فذكر المصنف الديون اللازمة وغير اللازمة في أنفسها، وأن اللازمة يجوز الرهن بها، وغير اللازمة بخلافها. وأما الثابت، فمعناه الذي قد حصل، فبينه وبين اللازم عموم وخصوص من وجه، فذكره المصنف هنا لبيان وقت جواز الرهن فيما تقرر أنه يجوز الرهن به، وهل يجوز قبل ثبوته أو لا يجوز إلا بعده، فالكلام فيما يرهن به شيء، والكلام في وقت الرهن به شيء آخر، وحينئذٍ يكون الثابت واللازم وصفين لا يُسْتغنى بأحدهما عن الآخر إذا أريد حصر ما يجوز الرهن به على الإطلاق، فإن أريد ما يرهن به من حيث هو على تقدير ثبوته، فهي وصفان الدينية واللزوم فقط، كما اعتمده المصنف.
* * *
стр. 750
قال:
ويجوز عقده مع العقد على الدين، وهو أن يشترط الرهن في عقد البيع وعقد القرض؛ لأن الحاجة تدعو إلى شرطه بعد ثبوته وحال ثبوته.
جواز عقده مع العقد على الدين هو الأصح المنقول عن ظاهر النص، ووجه الحاجة إلى عقده مع العقد أنه قد يشرطه، فلا يفي بالشرط، وقال أبو إسحاق: لا يجوز عقده العقد مع وهو القياس، واحتج بأنه لو قال لعبده: كاتبتك على ألف، وبعتك هذا الثوب بكذا، فقال: قبلت الكتابة والبيع، لا يصح البيع، ووافقه الشيخ أبو محمد على هذا التخريج.
وأجيب: بفرقين؛ أحدهما: أن العبد لا يصير أهلًا للمعاملة مع مولاه حتى تتم الكتابة.
والثاني: أن الرهن من مصالح البيع، والبيع ليس من مصالح الكتابة، وقول المصنف: "وهو أن يشترط … " إلى آخره. اعلم أن الأصحاب صوروا مزج الرهن بالبيع والقرض الذي هو محل الخلاف بيننا وبين أبي إسحاق بأمثلة منها أن يقول: بعتك هذا بألف، وارتهنت هذا الثوب به، فيقول المشتري: اشتريت ورهنت.
وفي القرض يقول: أقرضتك هذه الدراهم، وارتهنت بها عبدك، فيقول: استقرضتها ورهنته، ويشترط تقدم خطاب البيع على خطاب الرهن، وجواب البيع على جواب الرهن، فلو لم يكن كذلك، لم يصح كقوله: ارتهنت وبعت، فيقول المشتري: رهنت واشتريت، أو اشتريت ورهنت، أو
стр. 751
يقول البائع: بعت وارتهنت، فيقول المشتري: رهنت واشتريت لتقدم الرهن على أحد شقي البيع، أو لتقدم أحد شقي الرهن على جميع البيع، قال الإمام: "وكان شيخنا أبو محمد لا يفرق بين أن يقول البائع: ارتهنت وبعت، أو بعت وارتهنت، والأحسن الفرق" (١) أما المشترى، فلا بد أن يقدم لفظ الشراء حتى يكون تمام الرهن بعد تمام البيع إلا على الوجه الضعيف في رهن ما لم يجب، ومراد الشيخ أبي محمد بعدم الفرق أنه يفسد فيهما، ومراد الإمام بالفرق أنه يفسد في الأول، ويصح في الثاني، وبما ذكرناه يتبين لك أن انعقاد الرهن بعد انعقاد البيع لا معه.
وقال القاضي حسين: إنا نقدر وجوب الثمن وانعقاد الرهن عقيبه، كما لو قال لغيره: أعتق عبدك عني، ولا يحتاج إلى هذا لما ذكرنا، فإنه متى تأخر، شق الرهن عن شقي البيع تأخر انعقاد الرهن عن وجوب الثمن حقيقةً لا تقديرًا، ولو كان قال: تقدر العقد، لأمكن توجيهه بأن يقدر الإيجاب والقبول كلاهما متأخرين، لكنه قال: الانعقاد، وقول المصنف: مع العقد ليس مخالفًا لما قلناه، ولا لما قاله القاضي حسين، بل محمول على العقد الذي هو الإيجاب والقبول، وهو لا يوجد في زمن واحد، فبمزج الإيجابين والقبولين يصدق أن العقدين وقعا معًا، وإن كان الانعقاد الذي هو أثرهما وقع مترتبًا؛ لأنه حكم شرعي يقع عند تمام موجبه، وعقد البيع، ثم عقد الرهن، فيجب الثمن قبل حصول الرهن غاية ما في الباب أن يقال: مقتضي امتناع تقديم الرهن امتناع تقديم كل من شقّيه، فيقول: هذا هو القياس، ولكن خرجنا عنه للمصلحة كما سبق، والخصم القائل بالرهن على ما لم يجب يورد علينا هذه المسألة، وقد بان جوابها، والحكم بصحة الرهن في
стр. 752
صورة الشراء يمكن أن يكون مفرعًا على انتقال الملك، كما سبق التنبيه عليه، إما في صورة القرض، فلا ملك قبل القبض، فكيف يصح الرهن إلا أن يفرض اقتران القبض به، فإما أن يحمل التصوير على هذا، وإما أن يكتفي بالعقد المقتضي لنقل الملك، وإن لم يوجد، ويقدح ذلك فيما قلناه من تفريع البيع على انتقال الملك، ويكون السبب في الموضعين الحاجة، ولكنه بعيد، والأقرب أن يصور إذا قارن القرض القبض، وأما الوجه الذي قدمناه أن بالقرض يحصل الملك كالبيع، فذاك لا يعرفه أكثر الأصحاب، ويفرعون عليه المثال الثاني إذا قال: بعني عبدك بكذا، ورهنت به هذا الثوب، فقال البائع: بعت وارتهنت، فيبنى على الخلاف في مسألة الإيجاب والاستيجاب إن صححناه، فيعود ما سبق.
المثال الثالث: أن يقول: بعتك عبدي بكذا على أن ترهنني دارك به، فيقول المشتري: اشتريت ورهنت. قال القاضي حسين: يشترط أن يقول بعده: أرتهنت أو قبلت؛ لأن الذي وجد منه شرط إيجاب الرهن لا استيجابه (١).
وقال البغوي: "إنه الأصح" (٢)؛ ولذلك قال الإمام في أول باب الرهن والحميل في البيع: "وإنه الذي ارتضاه المحققون" (٣) ولا شك أنه أقيس؛ لأن شرط الرهن ليس برهن، لكن المشهور عن الأصحاب في أول كتاب الرهن من النهاية، وغيرها أنه يتم العقد بما جرى. وفي "التتمة" وغيرها أنه ظاهر النص. ومال إليه الرافعي، وأيده بأن أبا العباس الروياني حكى في
стр. 753
"الجرجانيات" وجهًا أن شرط الرهن في البيع يغني عن استئناف رهن، ويكون الشرط بمنزلة الإيجاب والقبول، وكلام المصنف مشعر بهذا، فإنه فسر عقد الرهن مع البيع بأن يشترطه فيه، والعلة فيه أن شرط الرهن مشتمل على التماسه، فقام مقام استيجابه.
المثال الرابع: أن يقول: بعتك على أن ترهنني، فيقول: اشتريت على هذا الشرط، فلا شك أن الوجه الذي حكاه الروياني يجري فيها، بل هي محله، ولعله يجعل قبول الشرط قائمًا مقام الإيجاب، وكلام المصنف بإطلاقه يقتضي هذا، لكن الأقرب أنه لا يكتفي بذلك؛ لأن قبول اشتراط الرهن معناه التزام أن ينشئ رهنًا، فلا يصح، يحصل الرهن بهذا؛ ولهذا إن أكثر الأصحاب ما أطلقوا الصحة إلا في صورة إذا قال: رهنت لينزل مع الشرط بمنزلة الإيجاب مع الاستيجاب، فينبغي تأويل كلام المصنف على ما صوره الجمهور ولا يحمل على ما قاله الروياني؛ لعدم اتجاهه، فإذن كلامه ينطبق على المثال الثالث، ويكون مخالفًا للقاضي حسين والبغوي وموافقًا لأكثر الأصحاب، ويحتمل أن يفصل في شرط الرهن، فيقال: إن قال: على أن ترهنني، فلا بد بعد القبول أن يقول: رهنت.
وإن قال: على أن يكون الشيء الفلاني رهنًا، وحصل القبول على هذا الشرط، كان رهنًا من غير أن يقول: رهنت، والفرق أنه في الأول قبل التزام إنشاء الرهن رهنًا قبل كونه رهنًا، فيصير رهنًا؛ لأن قبوله ذلك بمنزلة الإنشاء، فإن قلت: لِمَ لا يحمل كلام المصنف على المثال الأول، أو يجعله شاملًا له ولغيره؟ قلت: يصد عنه تصريحه بالاشتراط، وتعليله بأن الحاجة تدعو إلى شرطه بعد ثبوته وحال ثبوته، وإذا جاز على وجه الشرط؛ فلأن يجوز على سبيل المزج بالإيجاب والقبول الصريحين أولى.
стр. 754
فإن قلت: الشرط لا بد أن يقارن العقد، فكيف قال بعد ثبوته؟
قلت: إذا كان في زمن الخيار يلحق بالعقد، فيكون كالمقارن، فيحمل كلامه على هذه الحالة، ولولا تصريحه بالشرط لكان الحمل على المثال الأول أحسن على أنه يمكن على بعد أن يتجوز بالشرط عن قوله:
"ارتهنت"، ويبقى قوله: "بعد ثبوته" على إطلاقه، وكأنه قال: لأن الحاجة تدعو إلى الرهن بعد ثبوت الدين وحال ثبوته، فإن حملنا كلام المصنف على الاشتراط، فلا شك أن الحاجة داعية، كما قال، وإن حملناه على الرهن نفسه، فالحاجة إليه أولى؛ لأنه قد يشترطه، فلا يفي به، كما قلناه أول الكلام، فكان تنجيزه في ضمن العقد أجلب لحصول المقصود، لعله فرع في جواز اشتراط الرهن في الحوالة وجهان في "البحر" مبنيان على أنها بيع أو عقد إرفاق، إن قلنا: بيع جاز، وإلا فلا، فعلى هذا، هل تبطل الحوالة وجهان، وفي جواز اشتراط الرهن في الضمان، والضمان في الرهن وجهان في "البحر" أيضًا.
* * *
стр. 755
قال:
وأما شرطه قبل العقد فلا يصح؛ لأن الرهن تابع للدَّيْن، فلا يجوز شرطه قبله.
لا يجوز الرهن بالدَّيْن قبل ثبوته لما ذكره المصنف، وقاسوه على الشهادة؛ لأن كلًّا منهما وثيقة حق، فلا يقدم عليه. واستدلوا أيضًا بأن تعليق الرهن لا يصح، وبأن ما يداينه فيء بأي حال مجهول القدر، والرهن في المجهول لا يصح؛ قاله الماوردي، وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة، ومالك: "يجوز الرهن بالدين قبل ثبوته" (١)، وحكاه ابن كج وجهًا عن بعض الأصحاب إذا عين ما يستقرضه، ومنهم مَن قال: لو تراهنا بالثمن، ثم لم يتفرقا حتى تبايعا؛ صح الرهن إلحاقًا للحاصل في المجلس بالمقترن بالإيجاب والقبول (٢)، ومفهوم الآية يرد على الوجهين؛ لأنها إنما دلت على الرهن بعد المعاملة، وحكى الإمام قولًا قديمًا بصحة ضمان ما لم يجز سبب وجوبه، ولم يحكوه في الرهن، فإن لم يطرد فيه، فالضمان على هذا القول أوسع بابًا من الرهن، ولا خلاف أنه لو قال: إن أقرضتني ألفًا؛ فهذا رهن لم يصح، وكذا إن أقرضت فلانًا ألفًا، فأنا ضامنها، لا يصح قولًا واحدًا؛ للتعليق. قاله الجوري وغيره.
واعلم أن أبا حنيفة لا يقول بأنه يصير رهنًا الآن، ولكن الفائدة عنده أنه يصير الآن مضمونًا، وإذا وجد الدين صار رهنًا بغير عقد جديد. وعندنا لا يصير رهنًا إلا بعقد جديد.
стр. 756
وأما الضمان، فسيأتي أن الرهن ليس بمضمون، هكذا حرر الشيخ أبو حامد الخلاف معهم في هذين الفصلين، وأن المال عندهم مأخوذ بسوم الرهن، ثم يصير رهنًا، والرافعي ﵀ حكى مذهب أبي حنيفة بجواز الرهن قبل ثبوت الدين، وأن ابن كج حكى وجهًا مثله، ثم قال: "وعلى المذهب لو ارتهن قبل ثبوت الحق وقبضه، كان مأخوذًا على جهة سوم الرهن، فإذا استقرض أو اشترى لم يصر رهنًا إلا بعقد جديد، نص عليه الشيخ أبو حامد وغيره. وفيه وجه: أنه يصير رهنًا" (١). انتهى.
وقد علمت بنقل الشيخ أبي حامد أن هذا الوجه هو مذهب أبي حنيفة وإنما يستقيم ذكره هنا لو كان الوجه الذي قدمه عن ابن كج أنه يصير رهنًا الآن قبل ثبوت الدين، وحينئذٍ في المسألة أربعة أوجه، أصحها: بطلانه.
والثاني: صحته بعد ثبوت الدين.
والثالث: موقوف.
والرابع: صحته الآن، ولكن هذا الرابع لم يتحقق، وكيف يقال: إنه الآن رهن ولا دين، والرهن إنما يعقل بدين، ورأيت من الحنفية مَن يعترف بأنه رهن عندهم الآن؛ ولذلك إذا تلف يضمن بالدين الموعود به، فإن كان الدين لا يزيد على قيمته ضمنها، وإلا ضمن (٢) مقدار الدين، وهذا يتفق مع ما حكاه الشيخ أبو حامد عنهم في الأحكام، ويختلفان في الحقيقة، ولكل منهما وجه هل نقول: إن الرهن انعقد الآن، أو لم ينعقد، ولكن تترتب أحكامه، فإذا وجد الدين انعقد فالذي حكاه أبو حامد الثاني، والمتبادر إلى الذهن عنهم الأول، ويظهر أنه الذي اعتمده الرافعي، وبنى عليه، وأن
стр. 757
ابن كج حكى وجهًا مثله، ويكون الوجه الثاني الذي في آخر كلامه موافقًا لما حكاه أبو حامد عنهم، وحينئذٍ يتجرد أربعة أوجه، لكن لا يبقى للخلاف بين الوجهين فائدة في العمل، وإنما تظهر الفائدة في البحث؛ فإن مَن يقول بانعقاده قبل الدين يلزمه وجود رهن بلا دين، وهو غير معقول، وما ذكرناه من الآية، وغيرها من الأسئلة الواردة عليهم، ومَن يقول: إنه يصير عند الدين منعقدًا يسلم من هذه المناقضات والأسئلة، ويلزمه تأخير مقتضى العقد عنه، وبهذا ظهر أن للحنفية بحثين سلك أبو حامد أحدهما، والرافعي الثاني، وثبت في المسألة أربعة أوجه.
واعلم أن أكثر الأصحاب فرضوا المسألة في الرهن قبل الدين بأن يقول: رهنتك على ما أستقرضه منك، أو ثمن ما أشتريه مثلًا، والمصنف فرضها في شرط الرهن، فإن أخذنا بظاهر كلامه، فالشرط المتقدم على العقد لا يصح، وفيه وفيه خلاف آخر غير هذا، ولكن يبقى عليه بكون الرهن تابعًا لا تنهض بعدم جواز تقديمه، وإن حملناه على إنشاء الرهن اقتضى أن يحمل كلامه السابق عليه أيضًا، وحينئذٍ يجتمع مع كلام الأصحاب في تصوير مزج الرهن بالمثال الأول كما سبق.
* * *
стр. 758
قال:
فصْل
[في الرهن على الأعيان]
ولا يجوز [أخذ] (١) الرهن على الأعيان؛ كالمغصوب والمسروق والعارية والمأخوذ على وجه السوم؛ لأنه إن رهن على قيمتها إذا تلفت لم يصح؛ لأنه رهن على دين قبل ثبوته، وإن رهن على عينها لم يصح؛ لأنه لا يمكن استيفاء العين من الرهن.
تقدم التنبيه على أن المرهون به لا بد أن يكون دينًا، فالأعيان لا يجوز الرهن بها سواء كانت مضمونة ضمان يد؛ كالمغصوب، والمسروق، والعارية والمأخوذ على وجه السوم، والمأخوذ بالبيع الفاسد، أو ضمان عقد كالمبيع قبل القبض أم أمانة، كالوديعة والرهن وما أشبه ذلك. وقال مالك: "يجوز الرهن بالأعيان المضمونة" (٢).
وقال أبو حنيفة: "يجوز بكل عين مضمونة بالمثل أو القيمة، ولا يجوز بالمضمونة ضمان عقد" (٣).
стр. 759
ولنا وجه: أن الرهن بالعهدة جائز، وقد سبق، ووجه أن ضمان الأعيان المضمونة جائز، ومقتضى التسوية بين الضمان والرهن أن يأتي في الرهن بها كمذهب مالك، وقد حكاه الرافعي عن نقل الإمام (١).
وقال ابن الرفعة: إنه لم ير هذا الوجه في كلام الإمام صريحًا، بل هو يؤخذ منه؛ لأنه قال: ولا يجوز الرهن في العين في المذهب الظاهر، ثم قال في فصل بعده: "إن الرهن يجاري الضمان في محل الوفاق والخلاف في القديم والجديد، إلا في أمثال ضمان العهدة فإن الرهن ينفصل في ظاهر المذهب عن الضمان؛ ويجري وجه مطرد للقفال في تنزيل الرهن في منزلة الضمان" (٢).
قلت: وهذا الكلام من الإمام يمكن تنزيله على ضمان العهدة، ولا يلزم إجراؤه في سائر الأعيان المضمونة، فإن الصحيح صحة ضمان العهدة، والصحيح أنه لا يصحُّ ضمان الأعيان المضمونة، أعني: إذا أريد أن قيمتها تضمن عند التلف، أما التكفل بردها، فالصحيح جوازه، كما يجوز كفالة الأبدان، فإن صحَّ وجه في الرهن بها، فيكون منتزعًا، إما من الوجه الضعيف القائل بصحة ضمانها، وإما من الوجه الصحيح القائل بضمان ردها، وقد فرَّق الرافعي بين الضمان والرهن بأن الضمان التزام في الذمة، فلو لم يتلف العين المضمونة لم يجرّ الالتزام ضررًا، وفي الرهن دوام الحجر في المرهون يجرّ ضررًا ظاهرًا (٣). انتهى.
ومفهوم هذا الكلام يقتضي أنها إذا تلفت يجرُّ الضمان ضررًا؛ وهو لذلك
стр. 760
في ضمانها نفسها؛ لأنه يضمن قيمتها، وكذا في ضمان ردِّها على القول بأن المكفول ببدنه إذا مات غرم الكفيل ما عليه، وقد سبق شيء من الكلام في الرهن بالأعيان به، وبما ذكرناه هنا يتم المقصود، وقدمنا أن الأمانات لا يرهن بها؛ ولذا لا تضمن، فإن قلت: هل يجري الوجه الذي حكاه ابن كج في الرهن بالدين قبل ثبوته هنا قلت: إن كان الواجب ردها فقط، وقلنا:
إنها إذا تلفت لا يغرم، فلا ويتعين القطع بامتناع الرهن؛ لعدم إمكان استيفاء الحق منه، وإن كان الواجب ردها عند البقاء وغرمها عند التلف، فيحتمل أن يجري، ويحتمل أن يمنع بجهالة القيمة؛ ولأن في الدين الموعود به يتمكن الراهن من الرجوع عن الاستدانة وفسخ الرهن، وهنا الضرر دائم، وأن يخيل جريان وجه في الرهن بالأعيان المضمونة، فلا يتخيل جريانه فيمن عليه حدٌّ أو قصاص؛ لأنه حقٌّ غير مالي، والرهن إنما يكون على مال والأعيان المضمونة حق مال في الجملة.
* * *
стр. 761
قال:
فصْل
[الرهن غير لازم للمرتهن]
ولا يلزم الرهن من جهة المرتهن؛ لأن العقد لحظِّه ولا حظ فيه [للراهن] (١)؛ فجاز له فسخه إذا شاء، وأما من جهة الراهن، فلا يلزم إلا بالقبض، والدليل عليه قوله تعالى: "فرُهن مقبوضة" فوصف الرهن بالقبض، فدل على أنه لا يلزم إلا به، ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول [والقبض] (٢) فلم يلزم من غير قبض كالهبة.
العقود خمسة أضرب: لازم من الطرفين؛ كالبيع والإجارة والسلم والصلح والحوالة والمساقاة والهبة بعد القبض والخلع، وجائز من الطرفين كالشركة والوكالة والجعالة والقرض والقراض والعارية والهبة قبل القبض، وكذا الرهن قبل القبض، ولازم من أحد الطرفين دون الآخر؛ كالرهن بعد القبض، والكفالة، والكتابة.
ومختلف فيه وهو المسابقة ولازم من أحدهما، وفي الآخر وجهان، وهو النكاح، والأصح: أنه لازم منهما.
стр. 762
والثاني: لازم من جهة المرأة جائز من جهة الزوج، عدنا إلى الرهن، أما كونه لا يلزم من جهة المرتهن، فلا خلاف فيه، فيجوز فسخه متى شاء لما ذكره المصنف.
قال الشافعي في "الأم": "لو قال المرتهن بعد القبض: فسخت الرهن انفسخ" (١). انتهى. وتعليل المصنف جيد، وإذا جاز للمكاتب فسخ الكتابة وللسيد حظ فيها، والمرتهن ولا حظ للراهن أولى، وقاسه الأصحاب أيضًا على صاحب الدين، له أن يبرئ وفيه نظر لأن الإبراء تصرف في الدين الثابت، فلا فسخ، وقياسه في الرهن أن يقال للمرتهن: قطع حقه وإبطاله، ولا نسميه فسخًا، ولا يتحقق معه معنى الجواز، وتحرير الفرق بين المعنيين في هذا الباب لا طائل تحته، وإن ظهر أثره في الطلاق وغيره، وعلى مساق قياسهم على الإبراء فرقوا بينه وبين إسقاط الأجل لا يصحُّ على أحد الوجهين، بأن الأجل لا يتصور ثبوته بعد ثبوت الدين، فلا ينفرد عنه في السقوط، والرهن بعد ثبوت الدين، جائز على الانفراد، فيجوز إسقاطه على الانفراد، ولو أسقط المضمون له الضمان، فلا شك في سقوطه، ولكن هل هو فسخ أو بمنزلة الإبراء، فيه نظر، والأقرب الثاني، وعلة المصنف موجودة فيه؛ لأنه لا حظ للضامن فيه.
وقوله: "وأما من جهة الراهن … " إلى آخره، ففيه حكمان؛ أحدهما: أنه بعد القبض لازم وهذا لا خلاف فيه، وسيأتي ما يتعلق به الثاني أنه قبل القبض لا يلزم، وبه قال أبو حنيفة (٢) وأحمد.
وقال أبو ثور ومالك (٣): يلزم بالعقد ويجري على الإقباض، وكذلك
стр. 763
الهبة، وعن أحمد مثله إلا في المكيلات، والموزونات.
وعنه: إن كان معينًا لزم من غير قبض (١) والصحيح عنه كمذهبنا، والاستدلال بالآية ذكر الأصحاب له أربع طرق أحسنها: أن الله تعالى أمر بالاستيثاق بالإشهاد والكتابة، فإن فقد فبالرُّهُن المقبوضة، فدل على أن الوثيقة هي الرُّهُن المقبوضة، فقبل القبض لا وثيقة، ويرد عليه أن الأمر أمر إرشاد، فقد يكون المراد الإرشاد إلى الوثيقة الكاملة، وهي المقبوضة.
نعم، يقوى هذا الاستدلال إذا قيل: أن الآية دلت على أن الرُّهن المقبوضة وثيقة، وغير المقبوض لا دليل على كونه وثيقة، فيبقى على الأصل حتى يقوم دليل على لزومه من غير قبض، ويصعب على الخصم إقامته وبعبارة أخرى أن يقول: مدلول الآية أن المشروع رهن مقبوضة، فما ليس مقبوضًا ليس بمشروع، لكن هذه العبارة تضرُّ في الحكم بالصحة قبل القبض، وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] لا يدل على القبض، فإنه إن كان المراد العقود نفسها؛ سقط الاحتجاج، وإن كان المراد الوفاء بأحكامها، فالجواز من أحكامها؛ كالشركة والوكالة، وأيضًا - فهو عامٌّ يمكن تخصيصه، وللمالكية أن تمام الاستيثاق إنما يحصل بالقبض؛ لجواز التجاحد، فيكون الرهن شاهدًا على أصلهم؛ ولذلك قال: إذا قال المرتهن: ديني مائة، وقال الراهن: خمسون؛ جعل الرهن شاهدًا، فيكون القول قول المرتهن، ما بينه وبين قيمة الرهن، ويحلف معه كما يحلف مع الشاهد، وتحمل الآية على الإرشاد، وقول المصنف: "فوصف الرهن بالقبض" إشارة إلى بحث بيننا وبين المخالف، هم يقولون: إن المأمور به الرهن، وأما القبض، فمِن أحكامه بمعنى: أنه يجب على الراهن الإقباض،
стр. 764
وأصحابنا يقولون: إن قوله تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] صفة لـ "رُهُنٌ" لا بيان لحكمها، فيكون المأمور به الرُّهُن الموصوفة بالقبض، فلا وثيقة بدونها، كما أنه عند وجود الشهيدين أو الكاتب لا وثيقة بدونه.
وقوله: "عقد إرفاق"؛ احتراز من البيع والإجارة.
وقوله: يفتقر إلى القبول احتراز من الوقف والضمان، وقياسه على الهبة فيه نظر؛ لأن الخصم لا يسلمه، والخلاف فيهما واحد، وعذر المصنف أن اشتراط القبض في لزوم الهبة؛ لما ثبت بأثر أبي بكر وغيره كانت المخالفية فيه ضعيفة، فصح القياس عليه؛ لأنه أظهر وأبينُ من محل النزاع، وغيره من الأصحاب قاس على القرض، وأورد على الوصف الوصية إذا كانت لمعين، فإنها عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، ولا يفتقر إلى القبض.
وجوابه: أن عقد الوصية من حيث الجملة لا يحتاج إلى قبول، وإنما يحتاج إليه إذا كان لمعين، فهي كالوقف على أحد الوجهين، والرهن يحتاج إلى القبول مطلقًا، ثم إنه يشترط في لزومها الموت، والرهن يبطل بالموت قبل القبض على قول، فهي عكسه، واستدل الأصحاب أيضًا بأنه لو مات الراهن قبل القبض؛ لم يلزم وارثه الإقباض بالاتفاق، ولو كان لازمًا؛ كالبيع لوجب عليه، لا سيما والورثة يلزمهم ما لا يلزم المورث من وفاء الدين المؤجل، وتنفيذ الوصية، فكل ما لا يجب على الوارث، لا يجب على المورث، وهذا الاستدلال هو الذي اعتمده الشافعي على مالك، وفرقوا بين الرهن والبيع، بأن مقصود الرهن: الاستيثاق، وهو لا يحصل إلا بالقبض فاشترط فيه، ومقصود البيع الملك، وهو حاصل بدون القبض، فلم يشترط في لزومه.
* * *
стр. 765
فرع
في كلام المصنف إشارة إلى أن الرهن قبل القبض صحيح، وإن كان غير لازم، وهذا لا شكَّ فيه إلا أن الإمام عند الكلام في موت الراهن قبل القبض قال: "إنه يبطل الرهن على رأي هو المنصوص" (١)، والذي تحقق القول ببطلانه أن القبض فيما يشترط فيه القبض يقع موقع أحد جوابي البيع وغيره، فإنه رُكْنٌ في تحصيل مقصود العقد، فهذا الكلام من الإمام يقتضي أن القبض على هذا القول ركن في الصحة، فلا يوصف قبله بالصحة؛ ولذلك أطلق الغزالي اسم الركن عليه (٢)؛ ولذلك الماوردي في تقرير اشتراط القبض، اقتضى كلامه: أنه شرط في الصحة (٣)، بل في كلام الشافعي ما يشعر بذلك، فإنه قال في "المختصر" (٤): ولا معنى للرهن حتى يكون مقبوضًا، والتمسك بظاهر هذه العبارة يقتضي أنه لا يحكم عليه بالصحة، والمشهور: خلاف ذلك، وأن القبض ركن في اللزوم لا في الصحة؛ وعلى ذلك يُتَأَوَّل كلام الغزالي، وهذا البحث هنا وفي الهبة يقتضي الصرف، وكل ما يشترط فيه القبض، إلا أن في الهبة والرهن لا معنى للحكم بالصحة بدون اللزوم والملك، وفي الصرف يظهر ذلك لحصول الملك، فهو مُتَرتِّب على الصحة، ومعظم آثارها، وإن تأخر اللزوم، وجعل الكاساني من الحنفية قياس قول زفر، وفي أن قبض الهبة ركن فيها، يعني: في صحتها عند من لا يقول بحنثه؛ إذا حلف لا يهب، فوهب ولم يقبض، ونحن نوافقه في عدم الحنث على أحد الوجهين، ولكن لأنه قبل القبض لما
стр. 766
لم يوجد مقصود الهبة قد لا يسمى يمينًا فلا يحنث بها، وإن وجدت الصحة شرعًا، فمآخذ الإيمان مخالف لما نحن فيه.
فرع
لا فرق في كون الرهن قبل القبض جائزًا بين أن يكون مشروطًا في بيع أو رهن درع، كما سيأتي في كلام المصنف، فإن أقبض لزم، وإن امتنع الراهن، فإن كان الرهن تبرعًا، فلا شيء عليه، وإن كان مشروطًا في بيع، فالبائع بالخيار بين فسخ البيع، والرضا به بدون الرهن. قال ابن الرفعة: "وفي النفس منه شيء، إذا قلنا: البيع يفسد بفساد الرهن المشروط فيه؛ لأجل أنه قابله جزء من الثمن، ولا يقال ذلك ينجر بإثبات الخيار؛ تنزيلًا لذلك منزلة الاطلاع على عيب المبيع؛ فإن السلامة لا يقابلها جزء من الثمن، ولأن الإجبار على التسليم ممكن، وبه تتم المعاملة ولا لذلك السلامة". انتهى. وهذا ضعيف؛ لأن الفساد إنما جاء عند شرط الرهن الفاسد؛ لجهالة الثمن بفساده وهنا الشرط صحيح، فلا وجه للفساد، وأما الخيار فلفوات وصف التزمه في المبيع والإجبار على الرهن مع إمكان الفسخ بعيد؛ لما فيه من الحجر على الشخص في ملكه وتغيير مقتضى العقد. وأيضًا الأصل يقتضي أنه لا يجوز شرط عقد في عقد خالفناه في الرهن والضمان؛ لأنهما من مصلحة البيع حتى لا يخرج الملك بغير توثقه، فلم يكن المقصود إيجاب الرهن، بل حفظ البيع، فيكون أثره ثبوت الخيار؛ ولأنه المعهود في خلف الشرط لا إيجاب عقد آخر، لأنه لم يُعْهَد.
* * *
стр. 767
قال:
وإن كان المرهون في يد الراهن لم يجز للمرتهن قبضه إلا بإذن الراهن؛ لأن للراهن أن يفسخه قبل القبض، فلا يملك المرتهن إسقاط حقه من غير إذنه.
هذا بخلاف البيع حيث يجوز للمشتري الانفراد يقبض المبيع بعد توفير الثمن والفرق ما ذكره المصنف، ولو دفعه الراهن إليه بعد الرهن ونوى أن يكون وديعة ثم اختلفا، فقال المرتهن: قبضته عن الرهن، وقال الراهن: بل وديعة، فمن القبول قوله وجهان في "النهاية"، والقبض هنا كالقبض في البيع، واستثنى القاضي حسين التخلية في المنقول إذا جعلناها قبضًا في البيع (١)؛ لأن القبض فيه مستحق فقوىٌّ، وما قاله حسن، ولكن كلام الأصحاب يقتضي أنه لا فرق؛ وما قاله القاضي حسين يشبه قول أبي يوسف، فإن الحنفية يلتغي عندهم بالتخلية في المنقول في البيع، وهنا الصحيح عندهم؛ لذلك قال أبو يوسف: "لا يلتغي بها؛ لأن هذا قبض موجب الضمان ابتداء؛ كالغصب والبيع القبض فيه ناقل للضمان" (٢).
وهذا الفرق على أصلهم ينبه أنه عند من لا يقول بالضمان يكون أولى بأن يلتغي بالتخلية فيه، وذكروا عن أبي يوسف فرقًا آخر يقتضي العكس؛ وهو أن التخلية قبض حكمي، فاكتفى بها في البيع، ولم يكتف في الرهن إلا بقبض حقيقي لاشتراطه في الآية، وهذا المعنى يقتضي أن يقال به سواء
стр. 768
جعلناه مضمونًا أم أمانة، وهو الذي لحظه القاضي حسين، ونحن في غنية عن إطناب القول فيه؛ لأنه على قول الاكتفاء بالتخلية في المنقول، والمشهور عندنا خلافه، واشترط الحنفية في قبض الرهن أن يكون مجوزًا مفرعًا مميزًا، واحترز بالمجوز عن الثمرة على رؤوس النخل، وبالمفرع عن الشجرة بدون الثمر، والأرض بدون الزرع، وبالمميز عن الشائع.
فرع
قال الروياني: "لو خُلي بينه وبين الدار وفيها قماش للراهن؛ صح التسليم في الدار. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ؛ لأنها مشغولة بملك الراهن قال: يعني أبا حنيفة؛ ولذلك إذا رهن دابة وعليها حمل للراهن وسلم الكل إليه؛ لم يصحَّ قبض الدابة". قال الروياني: "وهذا لا يصح لأن كل ما كان قبضًا في البيع كان قبضًا في الرهن" (١). انتهى.
وهذا الذي قاله الروياني إما أن يكون بناء على أن تسليم الدار المشحونة بأمتعة البائع يصحُّ، كما ادعى الإمام أنه المذهب (٢) لكن الصحيح عند غيره خلافه، وإما أن يقال ذلك الخلاف إذا لم يدخل الأمتعة في التسليم، فإن أدخلها لتكون الدار مسلمة عن البيع والأمتعة وديعة، فيصح كما اقتضاه كلام الروياني هنا، وهذا الفرع الذي قاله الروياني ذكره ابن الصباغ بنصه (٣)، والذي تحرر عندي في تسليم الدار المشتملة على أمتعة والسفينة ونحوهما في البيع والرهن، أنه إن خلَّى بينه وبين الدار وما فيها على أن تكون الدار مقبوضة عن البيع، والرهن والأمتعة وديعة أو عارية
стр. 769
ورضي بذلك، صح القبض وصارت الدار بمجرد ذلك مقبوضة، وإن خلَّى بينه وبين الدار ولم يتعرض لما فيها، فإن كان ما فيها قليلًا بحيث لا يمنع من ثبوت اليد على جميع الدار كحصر وبعض ماعون ونحوه؛ لم يقدح في التخلية وكانت الدار مقبوضة بمجرد ذلك، وهذان القسمان لا أرى فيهما خلافًا، وإن كانت الأمتعة بحيث لا يتمكن معها من الانتفاع، فهذا محل الخلاف في قبض الدار المشحونة، ومأخذ المنع أن التخلية لا تتحقق مع استمرار اليد على ما فيها، ومع ذلك ينبغي إذا أزالها نحكم حينئذ بصحة القبض مع التخلية المتقدمة، فإنهم قالوا: لو خُلي الراهن وهو في الدار بينها وبين المرتهن، ثم خرج منها صح القبض عندنا.
وقال أبو حنيفة: لابد من تخلية جديدة، وما ذكرناه في الأمتعة مثله ومن خطر بباله منازعة فيما ذكرناه، فليتأمل متفرق كلام الأصحاب هنا، وفي البيع وبيع الدار مع ما فيها والدار المشتملة على الحجارة، ثم ينظر بعد ذلك.
* * *
стр. 770
قال:
وإن كان في يد المرتهن، فقد قال في الرهن: إنه لا يصير مقبوضًا بحكم الرهن، إلا بإذن الراهن.
وقال في "الإقرار والمواهب": إذا وهب له عينًا في يده صارت مقبوضة من غير إذن، فمن أصحابنا من نقل جوابه في الرهن إلى الهبة، وجوابه في الهبة إلى الرهن، فجعلهما على قولين؛ أحدهما: لا يفتقر واحد منهما إلى الإذن في القبض؛ لأنه لما لم يفتقر إلى نقل مستأنف، لم يفتقر إلى إذن مستأنف.
والثاني: أنه يفتقر وهو الصحيح؛ لأنه عقد يفتقر لزومه إلى القبض، فافتقر [القبض] (١) إلى الإذن كما لو لم تكن العين في يده.
وقولهم: إنه لا يحتاج إلى نقل مستأنف لا يصحُّ؛ لأن النقل يراد ليصير في يده وذلك موجود، والإذن يراد؛ ليتميز قبض الهبة والرهن عن قبض الوديعة والغصب، وذلك لا يحصل إلا بالإذن، ومن أصحابنا من حمل المسألتين على ظاهرهما، فقال في الهبة: لا تفتقر إلى الإذن، وفي الرهن يفتقر؛ لأن الهبة عقد يزيل الملك فلم يفتقر الإذن لقوته، والرهن لا يزيل الملك فافتقر إلى الإذن لضعفه، والصحيح هو الطريق الأول؛ لأن هذا الفرق يبطل به إذا لم تكن العين في يده، فإنه يفتقر إلى الإذن في الرهن والهبة مع ضعف أحدهما وقوة الآخر.
إذا كان له عين في يد غيره جاز أن يرهنها منه، إن تحقق وجودها عنده،
стр. 771
بلا خلاف، وكذا إن شك إلا على وجه سنحكيه عن الماوردي، ومن الدليل على صحة أن يرهنه ما في يد المرتهن؛ أنه إذا صح فيما في يد الراهن فلأن يصح فيما في يد المرتهن أولى، وأما قبضه فما نقله المصنف عن الرهن هو في "مختصر المزني" بالمفهوم لا بالمنطوق، فإنه قال: "لو رهنه وديعة له في يده وأذن له بقبضه، فجاءت عليه مدة يمكنه فيها أن يقبضه فهو قبض؛ لأن قبضه وديعة من غير قبضه رهنًا" (١). ولذلك هو في "الأم" (٢) ولعل المصنف وقف على نصٍّ آخر، وما نقله عن "الإقرار والمواهب" فيه ما يدل عليه فإنه قال: "لو قال: وهبتها له أو خرجت إليه منها نظرت، فإن كانت في يدي الموهوب له، فذلك قبض بعد الإقرار وهي له، وفيه أيضًا ولو وهب رجل لرجل هبة في يد المرهون له فقبلها؛ تمت لأنه قابض لها بعد الهبة" (٣). وهذا صريح فيما ذكره المصنف، هذا ما عليه أكثر الأصحاب في حكاية نصوص الشافعي، ومنهم الشيخ أبو حامد وقال في تعليقه بعد حكايته لذلك: كنت حكيت أنه نص في الهبة على قولين، وذكرهما أبو إسحاق، والذي حكيته اليوم هو الصحيح، وممَّن حكى ما كان يحكيه أبو حامد أبو الفضل بن عبدان ولا تعويل عليه لما قاله أبو حامد، فإنه رجع عنه بعد علم، ثم اختلف الأصحاب على ثلاث طرق: الطريقين اللَّذَيْن في الكتاب، وهما المشهوران.
وطريقة ثالثة: حكاها المصنف في "التنبيه"، وحكاها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وذكر الرافعي أن ابن كجٍّ حكاها عن ابن خيران،
стр. 772
وهي القطع باعتبار الإذن الجديد فيهما، ومحاولة تأويل نصه في الهبة (١) واستغربها الرافعي، والصحيح من الطرق عند الأكثرين طريقة القولين ونسبها ابن الصباغ وغيره إلى أبي إسحاق، والأصح من القولين: أنه يفتقر إلى الإذن كما ذكره المصنف، وبه قال أبو إسحاق، لكن نصه في الهبة ينبو عنه، ويكاد يجسر على ارتكاب طريقة تقرير النصين، وإن كانت عند أكثر الأصحاب ضعيفة، ويقول المنتصر لها لا يلزم من افتقارهما إلى الإذن فيما إذا لم يكن في يده يساويهما، فقد تكون تلك القوة مع اليد أوجبت الاستغناء عن الإذن، وجعل الغزالي مآخذ القولين أنَّا هل نجعل قوله: رهنت بقرينة الحال رضًا بالقبض، أو ننظر إلى مجرد الصيغة وهي لا تدل، ولو باعه شيئًا في يده، ففيه تفصيل في موضعه بين أن يوفر الثمن أو لا، والفرق بينه وبين ما نحن فيه أن البيع موجب للإقباض في الجملة، فإذا أورد المالك على ما في يد المشتري، فقد أوجب له القبض حيث نقول به هناك، والرهن والهبة ليس القبض مستحقًّا فيهما بحال، وقول المصنف لما لم يفتقر إلى نقل مستأنف هو على طريقة العراقيين، فإنهم اتفقوا على أنه لا يفتقر إلى نقل مستأنف وعند غيرهم خلاف سنذكره وقوله بعد ذلك: قولهم أنه لا يحتاج إلى نقل مستأنف لا يصح، يعني: لا يصح الاحتجاج به على عدم الإذن؛ لما ذكر من الفرق، وليس مراده: أنه لا يصح القول به؛ ولأن الكلام لا يلتئم مع ذلك.
* * *
стр. 773
فرع
لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون في يد المرتهن عن وديعة أو عارية أو غصب على ما صرح به الأكثرون ومنهم من قطع في المغصوب بافتقاره إلى إذن جديد؛ لأن يد الغاصب غير صادرة عن إذن المالك أصلًا ولا يبرأ الغاصب بالرهن، وإن تم ولزم عن الغصب خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني، وقد ذكره المصنف في باب الغصب.
لنا: أن الدوام أقوى من الابتداء، ودوام الرهن لا يمنع ابتداء الضمان بالتعدي في المرهون، ويبقى الرهن بحاله، فلأن لا يرفع ابتداء الرهن دوام الضمان أولى بخلاف البيع، فإنه يزيل الملك وبخلاف الوديعة.
إن قلنا: يبرأ بها وهو الأصح؛ لأنها منافية للضمان، فإن المودع يده للمالك والمرتهن يده لنفسه، وقد اعترض الإمام بأن طريان الضمان يتعدى المرتهن سببه إحداث المرتهن ما لم يكن له أن يحدثه، وليس سببه هذا إذن المالك للغاصب في الإمساك، قال: "ومن لا يستشعر غموض هذه المسألة فليس من الفقه في شيء فإن سبب الضمان التعدي وقد انقطع بالإذن في الإمساك في جهة غير مضمونة" (١)، وقال الجوري: ما معناه: فإن قيل: إن حصل القبض عن الرهن، فلا ضمان وإن لم يحصل فلا رهن.
قلنا: إن قبض الغاصب ذو وجهين، فمن حيث جاز أن يكون قابضًا من غيره لنفسه جاز إذا أمره الراهن بالقبض أن يقبض لنفسه مرتهنًا، ومن حيث أنه قابض لغيره من نفسه، لم يبرأ عن الضمان فصار قابضًا من جهة غير قابض من جهة؛ كالثمرة على رؤوس النخل مقبوضة بالتخلية من وجه دون وجه. انتهى.
стр. 774
فطريق المرتهن إذا أراد البراءة أن يرده إلى الراهن، ثم له الاسترداد بحكم الراهن، فلو امتنع الراهن من أخذه، ففي إجباره عليه لتبرئة ذمة المرتهن وجهان؛ ولو طالبه الراهن وامتنع المرتهن.
قال الإمام: "القياس أنه ليس الراهن ذلك؛ لأنه أثبت للمرتهن يدًا لأزمة والمسألة ظاهرة الاحتمال" (١).
فرع
إذا رهن المعير العارية من المستعير ولزم الرهن، كما سبق، ففي البراءة عن ضمان العارية وجهان عن صاحب "التقريب"؛ أصحهما عند الرافعي: أنه لا يبرأ (٢). ورجح الإمام: البراءة وفرق بينه وبين المغصوب (٣).
وقال الماوردي (٤)، والمتولي (٥): "أن الوجهين ينبنيان على بطلان العارية بالرهن. إن قلنا: يبطل زال الضمان وإلا فلا".
وقال ابن الصباغ: "إذا رهن العارية عند المستعير لم يزل ضمانها، وكان له الانتفاع، فإن منعه الانتفاع، ففي زوال الضمان وجهان" (٦). وما ذكر ابن الصباغ من الانتفاع، وإشارته بذلك إلى عدم بطلان العارية بالرهن؛ حكاه القاضي أبو الطيب عن صاحب "الإفصاح"، ورأيته في "الإفصاح" احتمالًا له مع قطعه بأن الضمان لا يزول، ثم حكى أنه قيل بزواله، قال: ولا وجه له،
стр. 775
وبنى آخرون الوجهين على أن العارية تضمن ضمان الغصوب أولًا (١).
فرع
رهن المقبوض على سبيل السَّوم والشراء الفاسد من المستام والمشترى كرهن العارية من المستعير.
فرع
لو أجر المغصوب من الغاصب فوجهان مرتَّبان على إيداعه منه، والإجارة أولى ألا تفيد البراءة: قال الرافعي: "وهو الظاهر" (٢) وفي "روضة الطالبين" (٣) أنه المذهب؛ لأنه ليس الغرض منها الائتمان، وقد ذكر المصنف المسألة في باب الغصب ولو وكله ببيعه أو إعتاقه فوجهان مرتَّبان على الإجارة وأولى بعدم البراءة؛ لأن في ضمن الإجارة تسليطًا على القبض والإمساك والتوكل بخلافه، وفي معنى الإجارة والتوكيل ما إذا قارضه على المال المغصوب، أو كانت جارية فزوَّجها منه.
وقال الماوردي: الأصح في القراض أنه لا يبرأ ما لم يتصرف، وإذا تصرف، فإن وقع العقد بعين المال سقط عنه الضمان بتسليمه، وإن وقع على الذمة، ونقد الثمن لم يبرأ والفرق أنه إذا اشترى بالعين صار دافعًا المال لمستحقه بإذن مالكه، وإذا اشترى في ذمته صار قابضًا لدين تعلق بذمته، ولو صرح بإبراء الغاصب عن ضمان الغاصب والمال باقٍ في يده، ففي براءته وصيرورة يده يد أمانة وجهان مبنيان على القولين في الإبراء عما لم يجب ووجد سبب وجوبه؛ لأن الغصب سبب وجوب القيمة عند التلف، والظاهر عدم حصول البراءة؛ كذا قاله الرافعي (٤) والبناء في