القسمة إفراز أو بيع بل قالوا هنا: إن كان المرهون مما ينقسم بالأجزاء، كالمكيلات والموزونات؛ جازت القسمة وأجيب إليها، وإن كان ممَّا لا ينقسم بالأجزاء؛ كعبدين أو ثوبين متساويي القيمة أراد أن ينفرد بأحدهما فلا يجاب وإن كانت أرضًا مختلفة فهل يجاب؟ وجهان؛ أحدهما: لا لما قد يدخل به من النقص على المرتهن، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره.
وقال الرافعي عن العراقيين "أنه الأظهر لما في القسمة من التشقيص وقلة الرغبات" (١).
والثاني: يجاب ويجبر المرتهن، كما يجبر المالك، وفرض الرافعي المسألة فيما إذا كان المرهون أرضًا مختلفة الأجزاء، كالدار (٢) هذه عبارته، وحكى الوجهين ابن الصباغ، وصوَّرها في حجرة واحدة من الأرض، وعبارته إذا كان الرهن حجرتين فطلب القسمة على أن يفرد نصيبه في إحدى الحجرتين؛ كان للمرتهن الامتناع، ولو رضي المرتهن؛ كان لشريكه أن يمتنع ولو كانت واحدة، فأراد قسمتها لم يكن لشريكه أن يمتنع، وهل للمرتهن أن يمتنع؟ فيه وجهان؛ أحدهما: له أن يمتنع لأنه قد يدخل منه نقص عليه، فإنه يحتاج إلى تقويم. انتهى.
وهو يقتضي أنها غير متساوية الأجزاء بأن يكون بعضها أكثر قيمة من بعض؛ لقرب من الطريق أو نحو ذلك، مما يقتضي التفاوت وصورها صاحب "البيان" (٣) أيضًا في الحجرة، وصرح بأنها تنقص بالقسمة؛ وبذلك
стр. 842
يعرف أنهما الوجهان المذكوران في كلام المصنف.
أما الأرض المتساوية الأجزاء فحكمها حكم المكيل والموزون، كما صرح به الأصحاب في باب القسمة وهنا. وقال الروياني هنا: "إن كان الرهن براحًا أجزاؤه متساوية في القيمة؛ كان بمنزلة الحبوب وإن كان دارًا فطالب أحدهما بالقسمة أجبر الآخر عليه إذا لم تكن رهنًا، وإذا كانت رهنًا فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجبر لأن ثمن نصفها مشاعًا، أكثر من ثمن نصفها مقسومًا.
والثاني: يجبر ولا يعتبر رضا المرتهن؛ لأن هذا الضرر لا يبين فيها" (١) وقد يقال: إن قسمة العبدين المتساويي القيمة وقسمة الأرض المختلفة الأجزاء، كلاهما قسمة تعديل يجبر الشريك عليها على المذهب، فَلِمَ أجرى العراقيون الخلاف في الثانية دون الأولى؟
والجواب: أن الإجبار في الثانية أقوى، قال به من لم يقل به في الأولى، والتردد في إجبار المرتهن فرع عن القطع بإجبار الشريك، فبان بذلك الفرق بين الرتبتين على أن العبدين المتساويي القيمة أيضًا في قسمتها خلاف في "الوسيط" (٢) وغيره يخرج من كلام الإمام فرعه، على أن قسمتهما إفراز وقطع على قول البيع بامتناعها، وهو على طريقته من النظر إلى كون القسمة إفرازًا أو بيعًا، ونحن قدمنا عن العراقيين أنهم لم ينظروا هنا إلى ذلك.
* * *
стр. 843
فرع
أطلق الشافعي والعراقيون ما قدمناه عنهم ووافقهم غيرهم أيضًا.
قال الرافعي: "وزاد آخرون منهم أصحاب القفال، فقالوا: تجويز القسمة حيث جوزنا، مبني على أن القسمة إفراز حق، أما إذا جعلناها بيعًا فهو بيع المرهون بغيره فيمتنع" (١). انتهى.
وهذا هو الذي ذكره الفوراني والقاضي حسين والإمام الغزالي قال الإمام: "وهذا أصل يجري على الاطراد ما يمتنع البيع فيه في إجراء القسمة قولان مبنيان على أن القسمة إفراز أو بيع، وقد يطرأ على قول البيع في بعض المواضع قول في جواز القسمة، وذلك لمكان الضرورة كما سنذكره في قسمة الوقف فإنه على التأبيد، والشركة القائمة قد تجرُّ عسرًا عظيمًا، فإذا لم تفرض ضرورة ظاهرة انطبق جواز القسمة؛ ومنعها على القولين في أن القسمة بيع أو ليست بيعًا، ومسألتنا من صور القولين، فإن الرهن ينفك عمَّا قليل، فلا تظهر الضرورة" (٢). انتهى.
وقال الغزالي: "حيث تميز الحكم بتعدد المالك فإذا قضى أحد الشريكين نصيبه واستقسم المرتهن وكان الشيء مكيلًا أو موزونًا. قال الشافعي: له ذلك وهو تفريع على أن القسمة إفراز حق لا بيع، حتى تتصور في المرهون ثم يراجع القاضي الراهن، فإن أبى أجبر عليه، وفي مراجعة المرتهن وجهان من حيث إنه لا ملك له ولكن له حق، وإن كانت القسمة قسمة التعديل، ففي الإجبار عليها قولان؛ فإن قلنا: يجبر، فالرجوع إلى المرتهن هنا أولى؛ لأنه أقرب إلى حقيقة البيع من القسمة الجزئية" (٣). انتهى.
стр. 844
وعلى طريقه هو لا يكون في قسمة المتماثلات قولان إن قلنا: إنها بيع، وهو الذي رجحه الرافعي في باب الرِّبا، واقتضى كلامه هنا ترجيحه؛ امتنع الإجبار.
وإن قلنا: إنها إفراز، وهو المشهور والمختار أجبر، وقسمة التعديل أيضًا تنخرج على القولين ولكن الصحيح المعتمد فيها أنها بيع، وظاهر النص، وكلام العراقيين وغيرهم: أنه لا نظر إلى هذا البناء بل يجبر في المتماثلات؛ لأنه لا ضرر فيها، سواء قلنا: هي إفراز أم بيع، وفي غيرها خلاف الأصح أنه لا يجبر المرتهن؛ لما فيه من الضرر عليه.
قال ابن الرفعة: والأشبه ما ذكره العراقيون من إجراء النص على ظاهره من غير تقييد بأن القسمة إفراز؛ لأن بيع المرهون لا يمتنع إلا عند الاختيار، أما عند الحاجة إليه، فلا يمتنع وينتقل حق الوثيقة إلى الثمن، ألا ترى أن العبد المرهون إذا جنى جناية ينقص أرشها عن قيمته، ولم يتيسر بيع بعضه، أو تيسر لكن بأنقص قيمة يباع كله؛ لأجل حق المجني عليه، وإن لم يتعلق حقه منه إلا بقدر الأرش، وما ذاك إلا لتعلق حق غير الراهن والمرتهن بالبيع في الحال، فلا يفوت عليه فكذا نقول فيما نحن فيه الشريك حقه في المقاسمة، لو خلا عن أن يكون راهنًا أولًا واجب على الفور، ولا يمنعه من ذلك كون القسمة بيعًا، ولو كان ذلك يمنع من الإجبار على القسمة؛ لاقتضى ألا يجوز لأحد الشريكين أن يرهن حصته إلا بإذن شريكه؛ حذرًا من إبطال حقه من القسمة ولا قائل به من أصحابنا.
فإن قلت: لمّا رهنا معًا من واحدٍ، فكان كل منهما قد دخل على بصيرة من إبطال حقه، ما دام الرهن باقيًا من الإجبار على القسمة، فيلزم به بخلاف الشريك الذي لم يكن راهنًا.
стр. 845
قلت: يقتضي ذلك أن نخص الكلام بحالة الاجتماع على الرهن، وكلام الأصحاب غير خاص بهذه الحال، بل يشملها وما إذا رهن أحدهما حصته بعد الآخر.
فإن قلت: إنما بيع كل العبد الجاني إذا تعذر بيع البعض؛ لأن حق الجناية تعلق بكله، وهو مقدم على حق المالك، فكذا على حق المرتهن من طريق الأولى.
قلت: ذاك موجود فيما نحن فيه فإن حق الشريك في الإجبار يقدم على حق المالك، فعلى حق المرتهن أولى.
نعم! لو أراد الراهن الذي لم ينفك نصيبه المقاسمة، فهل يجوز؟
إن قلنا: إنها إفراز جازت، وإن قلنا بيع لم يجز؛ كما لا يجوز بيع المرهون من غير حاجة، ليكون ثمنه رهنًا مكانه. انتهى.
وهو كلام جيد في غاية الحسن هو الذي أشرت إليه فيما سبق أنه يقتضي الفرق بين حالة انفكاك نصيب أحدهما وحالة عدم انفكاك شيء، ويكون كلام الشافعي والعراقيين مختصًّا بالأولى، وكلام القفاليين متعينًا في الثانية، هذا إن صح ما قاله ابن الرفعة من الانتصار للعراقيين، وهو على حسنه عندي فيه وقفة يسيرة؛ لأن حق الشريك في القسمة لو كان كحق المجني عليه لمنع الرهن، كما يمتنع رهن العبد الجاني، فلما اتفقنا على جواز رهنه دل على أن حق الاستقسام مخالف لحق الجناية، وبعد هذا، إما أن يقال: لا يلزم من تقديم حق الجناية على حق المرتهن تقديم حق الاستقسام عليه، لا سيما مع ما تقدم عن الإمام من أن الرهن ينفك عمَّا قليل، فلا تظهر الضرورة، وأما أن يقال - وهو الحق إن شاء الله: إن حق الاستقسام يقدم على حق المرتهن لتقدمه عليه ولا يمنع من الرهن، كما أن
стр. 846
حق الشفيع كذلك، إذا رهن المشتري الشقص المشفوع، فللشفيع أن يفسخ الرهن، ويأخذ وهو أشبه شيء بما نحن فيه، لكن الراهنان هنا لما اجتمعا على الرهن، فقد رضي كل منهما به، فلا يجوز له بعد ذلك طلب القسمة على قول البيع؛ لأنه رضي بالرهن المانع منها.
وقول ابن الرفعة: إن كلام الأصحاب غير خاص بهذه الحال، فهو وإن كان مطلقًا، كما قال لكن يجب تخصيصه بها؛ لأنهم قالوا فيما إذا رهن حصته من بيت في دار مشتركة ما يقتضي الاتفاق على جواز القسمة، كما سيأتي، ولا يمكن الجمع بين كلامهم هنا وهناك إلا بهذا الطريق.
وحاصله: أن المشاع إن رهنه أحد الشريكين بإذن الآخر امتنعت القسمة حتى تنفك، وإن كان بغير إذنه؛ جازت القسمة، وله المطالبة بها، وإن رهناه، فهو كما لو رهن أحدهما حصته بإذن الآخر؛ فتمتنع القسمة؛ ولهذا صورها الشافعي فيما إذا رهناه معًا، هذا كله إذا فرعنا على أنها بيع.
فإن قلنا: إفراز جازت مطلقًا، وبهذا يتبين أن فيما إذا انفرد كل منهما برهن نصيبه لا مانع إلا كون الرهن يمتنع بيعه، فإن قدمنا حق طالب القسمة على حق المرتهن أجريناها سواء، قلنا: هي إفراز أم بيع، وإن قدمنا حق المرتهن لِقُرْب انفكاك الرهن منعناها، وهذا الذي يميل إليه كلام الإمام، ولعل الوجهين في كلام المصنف وغيره منشؤهما هذا النظر، فإن صح ذلك؛ فيكون الأصح تقدم حق المرتهن لقرب مدته؛ ولضعف حق الاستقسام؛ ولذلك لا ينتقص به الوقف ونحوه، بخلاف حق الشفيع لأنهم صححوا عدم إجبار المرتهن، لكن الذي يتجه في صورة الانفراد إجباره؛ لأن الشريك الذي لم يرهن ولم يرض؛ له حق في القسمة، فكيف يعوق بالرهن والملك الذي يقتضي القسمة باق؟ ويؤيده كلامهم في مسألة
стр. 847
البيت، فالوجه إجراء القسمة سواء قلنا: هي إفراز أم بيع، ويصح في هذه الصورة إطلاق العراقيين، وأما إذا أذن أحد الشريكين في الرهن، فيمنع من طلب القسمة ما دام الرهن باقيًا.
إن قلنا: إنها بيع، وكذا إن قلنا بالإفراز، وكان فيها ضرر وإلا فلا، وحكمه في ذلك حكم الراهن، وأما إذا اجتمعا على الرهن، فرهن كل منها حصته بدينه راضيًا برهن حصة الآخر بدينه، فهو كما لو أذنا والقول هنا بتجويز قسمة المتماثلات مع القول بكونها بيعًا بعيد لا يتجه إلا أن يقال: إن القسمة ليست بيعًا من كل وجه، وأكثر الأصحاب لم ينظروا إليه وبالجملة هذه مسألة مشكلة من جهة الجمع بينها وبين كلامهم في رهن حصته من بيت في دار، وسيأتي، فليتأمل الجمع بين الكلامين، وإن قيل بأن رهنهما معًا لا يلزم منه الرضا برهن الآخر لم يبعد؛ لأن صورة رهنهما معًا أن يرهن كل منهما نصيبه بدينه، أما إذا قالا: رهناك هذا العبد بالمائة التي لك علينا، وكان له على كل واحد منهما خمسون، فينبغي أن يكون كله رهنًا بجميعها لا ينفك منه شيء إلا بقضائها، وكان كل واحد رهن حصته بدينه ودين صاحبه وبهذا الاضطراب لا يلزم من تقديم حق الجناية على حق المرتهن تقديم حق الاستقسام عليه، لا سيما مع ما تقدم عن الإمام من أن الرهن ينفك عمَّا إلى قليل يقوي قول القَفَّاليين من البناء على أن القسمة إفراز أو بيع سواء أكان نصيب أحدهما قد انفك أم لا، وهذا هو المختار حيث انتهينا إلى هذا المقام.
فإن قلت: الشافعي وأكثر الأصحاب جزموا القول بصحة قسمة المرهون المثلي إذا انفك بعضه.
قلت: لا يمتنع أن يكون بناء على أنها إفراز؛ لأنه المختار عندهم على ما
стр. 848
هو المشهور في قسمة المتماثلات، وهو ما أشار إليه الرافعي في "المحرر" وإن كان في "الشرح" في باب الربا رجح أنها بيع، وكذلك اقتضى كلامه في باب الرهن هنا، فتلخص أن في قسمة المرهون المتساوي الأجزاء قولين إذا انفك بعضه، فإن لم ينفك بعضه، فأولى بالمنع والصحيح في القسمين الجواز، والصحيح في المختلف الأجزاء؛ كالدار والأرض المختلفة المنع.
وحاصله: أنه حيث أجبر الشريك، فهل يجبر المرتهن خلاف، وسواء قلنا: يجبر الشريك أو لا، هل يجوز إذا كان مرهونًا بالتراضي؟! خلاف.
فرع
حيث جوزنا القسمة فسبيل الطالب أن يراجع الشريك فإن ساعده وإلا رفع الأمر إلى القاضي ليقسم، ونقل الصيدلاني (١) والماوردي وجهًا أنه لا حاجة إلى إذن الشريك في المتماثلات؛ لأن قسمتها قسمة إجبار.
قال الرافعي: "والمذهب الأول" (٢)، فلو قسم بنفسه، فعلى المذهب يكون ما أخذه بالقسمة بينهما وعليه ضمانه، وما تركه بينهما وليس عليه ضمانه، وعلى الوجه الآخر لو أخذ أكثر من حقه ملك منه قدر حقه وضمن الزيادة لشريكه، قال ذلك الماوردي (٣).
وقولنا: "حيث جوزنا" نريد به في المتماثلات على الصحيح وفي قسمة التعديل على أحد الوجهين، كما سبق ونعني به بغير رضا المرتهن، وحيث
стр. 849
منعنا، فرضا المرتهن، فالمفهوم من كلام المعظم صحتها، وبه صرح الماوردي (١)، وكلام المصنف ناطق به.
وقال الإمام: إنه لا يصح وإن رضي؛ لأن رضاه إنما يؤثر في فك الرهن. فأما في بيع المرهون بما ليس بمرهون ليصير رهنًا، فلا. قال الرافعي: "وهذا إشكال قوي" (٢).
قال النووي: "ليس هو بقوي لمن تأمله، ولا يسلم الحكم الذي ادعاه والمعتمد ما قاله الأصحاب" (٣). انتهى.
واعلم أن المرتهن إذا أذن ببيع الرهن بشرط أن يكون ثمنه رهنًا، فيه قولان نص في "الأم" على الفساد (٤)، وفي "الإملاء" على الصحة (٥)، رجح المَحَامِلي والغزالي الأول.
وقال النووي في "روضة الطالبين": "إنه الأظهر" (٦)، فيلزمه أن يسلم الحكم الذي ادعاه الإمام، والإمام قال: "إن الأجوبة، وإن اختلفت في جواز نقل الرهن من عين إلى عين على حكم التراضي، فلا اختلاف في أن التبادل بصيغة البيع لا يجوز" (٧)، "ويلزمه أن يفرق بينه وبين البيع بشرط جعل ثمنه رهنًا حيث جرى فيه الخلاف"، كذا قال ابن الرفعة (٨).
стр. 850
ويمكن جوابه: بأن القول بالصحة هناك معناه: أنه يلزم الراهن رهن الثمن كما تُشْعِر به عبارة الرافعي، وعبارة الإمام فإن كان كذلك، فظهر الفرق، وإن كان معناه أنه يصير الثمن بنفس البيع رهنًا، فهو مثله، وهو ما يشعر به تقريب الإمام وغيره الخلاف المذكور من الخلاف في نقل الوثيقة، فينبغي أن يجري الخلاف، ويكون الأصح الفساد، فالسؤال على النووي وارد على كل تقدير، وعلى الإمام على تقدير واحد على قول مرجوح، فظهر أن الإشكال قوي كما ادعاه الرافعي، وإنما يجاب عنه بأن يقال: إن القسمة ليست بيعًا من كل وجه، فاغتفر فيها هذا، والماوردي جزم في قسمة التعديل، وهي التي لا يجيز عليها عنده، فإنها لا تجوز إلا برضا الراهن، والمرتهن وقال: "لو رضيا معًا، وجعل أحدهما للآخر مقاسمة الشريك جاز وصحت القسمة، سواءٌ أقاسمه الراهن بإذن المرتهن، أم قاسمه المرتهن بإذن الراهن" (١). انتهى.
ولا خلاف في ذلك ومُقاسمة الشريك للراهن هي الحقيقية؛ لأن الملك لهما وإذن المرتهن معتبر لتعلق حقه، وأما مقاسمته للمرتهن فإنما يكون بطريق الوكالة من المرتهن عن المالك، فإذن المالك هنا توكيل ومباشرة المرتهن رضا.
فرع
كل ما ذكرناه في اقتسام الراهنين يأتي في اقتسام الراهن والمرتهن في المسألة الثانية إذا تعدد المرتهن وانفك نصيب أحدهما، كما صرح به الرافعي وغيره، وكذا إذا لم ينفك على ما يقتضيه إطلاق المصنف ولا خفاء بما يقتضيه عود تلك التفاصيل ومواقع أحكامها، ولا خفاء بأن
стр. 851
جميع هذا الكلام فيما يمكن انقسامه، أما العبد وكل ما لا يمكن قسمته فلا مدخل للقسمة فيه.
تنبيهات:
قول المصنف في المسألة الثانية: الذي لم يبرأ يُفْهم أن تصوير المسألة عند انفكاك نصيب أحدهما، وقوله في أول الكلام: الراهنان، حقيقته أنه قبل الانفكاك ولا تفاوت في ذلك، فقد ظهرت أحكامهما.
وقوله: ما لم تنقص قيمته بالقسمة كالحبوب، وقد ذكرنا أن الأرض المستوية الأجزاء مثلها، وحكمه بالجواز من غير رضا المرتهن موافق للشافعي والأكثرين، وهو إمَّا قطعًا، وإما تفريع على أن هذه القسمة إفراز وقوله.
وقوله: وإن كان مما تنقص قيمته، ففيه وجهان يقتضي أن ضابط محل الخلاف كونه مما تنقص قيمته، وضابط محل الإجبار بما سواه من غير اعتبار قسمة التعديل والأصحاب كما سبق حكوا الخلاف في قسمة التعديل، ولم يشترطوا نقص القيمة، ولا شك أن التعديل قد لا ينقص القيمة، كما سبق في فرض العبدين المتساوي القيمة، وقسمتها في الغالب تزيد فإن قيمة العبد الكامل أكثر من قيمة نصف عبدين غالبًا فما ضبطه الأصحاب به أولى، ويحمل كلام المصنف عليه، ويكون مراده: وإن كان مما قد تنقص قيمته، ولا شك أن هذا التوقع حاصل في جميع قسمة التعديل وضابط الخلاف ما يجبر عليه من قسمة التعديل.
أمَّا ما لا يجبر عليه الشريك، فلا يجبر عليه المرتهن قولًا واحدًا.
وقوله: لأنه يدخل عليه بالقسمة ضررًا إما أن يكون مراده قد يدخل؛ وذلك لما يتوقع من قلة الرغبات، وإما أن قيمة الخارج بالقسمة قد تكون
стр. 852
أنقص من قيمة المشاع، وذلك يوجد في بعض الأوقات.
وقوله: لأن المرهون عنده نصف العين إلى آخره يعني سواء نقصت القيمة، أم لم تنقص لا حق له غير ذلك.
فرع
لخص الغزالي في "الوسيط" هذه المسألة تلخيصًا حسنًا، قال: "حيث يتميز الحكم بتعدد المالك، فإذا قضى أحد الشريكين نصيبه، واستقسم المرتهن وكان الشيء مكيلًا أو موزونًا.
قال الشافعي: له ذلك وهو تفريع على أن القسمة إفراز حق لا بيع حتى يتصور في المرهون، ثم يراجع القاضي الراهن فيه، فإن أبى أجبر، وفي مراجعة المرتهن وجهان وإن كانت قسمة تعديل، كما لو رهن رجلان عبدين مشتركين ثم قضى أحدهما نصيبه، وهما متساويا القيمة، ففي الإجبار عليها قولان؛ فإن قلنا: يجبر، فالرجوع إلى المرتهن ها هنا أولى؛ لأنه أقرب إلى حقيقة البيع من القسمة الجبرية" (١). انتهى.
وهو ملخص ما حكيناه مفرقًا، ومنه يؤخذ في إجبار المرتهن ثلاثة أوجه؛ أحدها: يجبر في قسمة الإفراز والتعديل.
والثاني: لا يجبر فيهما.
والثالث: يجيز في الإقرار دون التعديل، وهو الأصح وحيث رضيا وهي إفراز؛ جازت أو بيع، فكذلك الأعلى ما قاله الإمام.
* * *
стр. 853
قال:
فصْل [في العيب في الرهن]
وإذا قبض المرتهن الرهن، ثم وجد به عيبًا كان قبل القبض نظرت، فإن كان في رهن عقد بعد عقد البيع، لم يثبت له الخيار في فسخ البيع، وإن كان في رهن شرط في البيع، فهو بالخيار بين أن يفسخ البيع وأن يمضيه؛ لأنه دخل في البيع بشرط أن يسلم له الرهن، فإذا لم يسلم ثبت الخيار، وإن لم يعلم بالعيب حتى هلك الرهن عنده أو حدث فيه عيب عنده لم يملك الفسخ؛ لأنه لا يمكنه رد العين على الصفة التي أخذ، فيسقط حقه من الفسخ كما قلنا في المبيع إذا هلك عند المشتري أو حدث به عيب عنده، ولا يثبت له الأرش؛ لأن الأرش بدل عن الجزء الفائت، ولو فات الرهن بالهلاك لم يجب بدله، فإذا فات بعضه لم يجب بدله.
الرهن إذا كان تبرعًا، فلا أثر لوجود العيب فيه قديمًا كان أو حادثًا، وهو مراد المصنف بقوله: إن كان في عقد بعد عقد البيع، لم يثبت له الخيار في فسخ البيع - يعني: لأنه تطوع بالرهن على ثمن المبيع من غير أن يكون التزمه في البيع، والمرتهن متمكن من فسخ الرهن بغير عيب، فلا أثر للعيب عند عدم الشرط، وكذلك تلفه بعد القبض وقبله، وأما إذا كان الرهن
стр. 854
مشروطًا في بيع، فما حدث بعد القبض من عيب أو تلف لا أثر له أيضًا في إثبات الخيار، وهذا لا خلاف فيه، وممَّن ذكره الماوردي حيث قال الشافعي: "لو أصاب الدار هدم بعد القبض كانت رهنًا بحالها وما سقط من خشبها وطوبها" (١).
قال الماوردي: "إذا كان الانهدام بعد القبض فلا خيار له؛ لأن العيب الحادث بعد القبض ليس بأكثر من تلف الرهن بعد القبض ولو تلف بعد القبض لم يكن له خيار فأولى ألا يكون له بالعيب خيار" (٢). انتهى.
وما كان قبل القبض إما حادثًا بعد عقد الرهن وإما متقدمًا عليه من العيوب، فيثبت به الخيار إذا كان المرتهن جاهلًا به، ثم اطلع عليه لما ذكره المصنف، وممن صرح بثبوت الخيار في البيع بطريان العيب على الرهن المشروط قبل قبضه الماوردي (٣) لما طرأ عليه من النقص قبل قبضه، وقول المصنف: "كان قبل القبض" يشمل ما تقدم على العقد، وما لم يتقدم وإن اختلفا في قدم العيب وحدوثه، فالقول قول الراهن، كما في البيع ذكره القاضي حسين وغيره، ونص عليه الشافعي (٤).
واعلم أن الرهن المشروط قد يكون معينًا، وقد يكون موصوفًا، والحكم الذي ذكرناه في المعين واضح وصرح الشيخ أبو حامد بفرض المسألة فيه.
وأما الموصوف، فإذا قبضه ووجد به عيبًا متقدمًا ينبغي أن يردّ ويطالب برهن سليم بالوصف المشروط، فإن امتنع، فحينئذ يثبت الخيار، وأما إثبات الخيار في البيع بمجرد الاطلاع، فلا وجه له، والوجه حمل كلام
стр. 855
الأصحاب على هذا، وإن المراد يثبت الخيار في الرهن، ثم إن كان معينًا ثبت الخيار في البيع، وإن كان موصوفًا، وأجاب الراهن إلى بدله، فلا خيار وإلا ثبت الخيار، وكذا إذا لم يقبضه، وحدث به عيب فالحكم على هذا التفصيل فيما يظهر، وأما قبل العقد على الرهن الموصوف، فلا يمكن فرض المسألة في العيب، والمعين.
إن قلنا: الرهن ينعقد بالشرط مع البيع، أو كان قد مزجه، فلا يتصور فرض المسألة أيضًا.
وإن قلنا: مع الشرط، لا بد من إنشاء عقد، فوجد قبل العقد عيب بما شرط رهنه، فينبغي أن يثبت الخيار في فسخ البيع، وهذا لا شك فيه إذا علمت هذا، فقول المصنف: وإذا قبض المرتهن الرهن؛ تصوير للمسألة لا احتراز، فإن الحكم قبل القبض، كذلك على ما بينَّاه.
وقوله: كان قبل القبض يشمل المتقدم على العقد والمتأخر، كما سبق.
وقوله: في رهن عقد بعد عقد البيع، بينَّا أن مراده التبرع، لكنَّا بينَّا أنه على القول بأن الرهن لا ينعقد بالشرط والإيجاب، كما هو رأي القاضي حسين، يتصور أن يكون الرهن المشروط المعين، بعقد عليه بعد العقد على البيع، وحينئذ يأتي فيه الخيار، وكذلك على غير رأي القاضي حسين، لو أنه لما قال: بعتك على أن ترهن، فقال: قبلت، ولم يقل: رهنت، بأن الشرط يلزم، ويحتاج إلى إنشاء رهن إلا على الوجه المحكي عن "الجرجانيات" فإذا أخذنا بما أفهمه كلام المصنف من أن المشروط لا يكون بعد البيع، أخذ منه أنه موافق لذلك الوجه إلا أن يكون كلامه من العام المراد به الخاص، لكن الرهن الموصوف المشروط لا شك في عقده بعد عقد البيع، فكأنَّ المصنف لم يرده - ولا جرم - بت القول بثبوت الخيار في البيع،
стр. 856
وحينئذ لا يكون منافيًا لما قلناه من الاقتصار فيه على رد الرهن، ولا يثبت الخيار في البيع إلا إن امتنع من الإبدال، وإذا لم يعلم بالعيب حتى زال في يده فوجهان في "الحاوي" أحدهما: له الخيار في فسخ البيع لوجوبه في الابتداء.
والثاني: لا خيار له لسقوطه في الانتهاء، وإذا لم يعلم المرتهن بالعيب حتى هلك الرهن عنده، أو حدث فيه عيب، فلا يملك الفسخ لما ذكره المصنف، وممن ذكره صاحب "البيان" (١) وصاحب "الانتصار" وذكر الإمام مسألة الهلاك وحكى فيها وجهين "أحدهما: لا يثبت حق فسخ البيع؛ لأنه مرتب على رد الرهن.
والثاني: أنه يرد البيع ويفسخه ويقول: استحققت بالشرط رهنًا سليمًا فلم يتفق الوفاء به فكأنك لم ترهن عندي" (٢). انتهى.
والماوردي وغيره جزموا في مسألة التلف بالأول كما جزم به المصنف، وهو الذي نص عليه الشافعي في "مختصر المزني" فإنه قال: "ولو مات في يده وقد دلس له فيه بعيب قبل أن يختار فسخ البيع لم يكن له أن يختار لما فات من الرهن" (٣). ذكر ذلك في باب الرهن والحميل في البيع، وهناك ذكره الإمام والماوردي (٤)، والشيخ أبو حامد وابن الصباغ وغيرهم وذكروا كلهم إلا الشافعي، والإمام المسألتين جميعًا مسألة التلف، ومسألة حدوث العيب كما ذكرهما المصنف، ولم يحك أحد منهم خلافًا إلا الإمام في مسألة التلف، والظاهر أنه يجريه في مسألة حدوث العيب، وإن لم يصرح
стр. 857
بها، بل هي أولى بالخلاف لإمكان الرد بخلاف حالة التلف.
وقد حكاه البغوي في المسألتين جميعًا وقال: إن الأصح المنصوص أنه لا فسخ (١)، والإمام والبغوي أخذا الخلاف من القاضي حسين، فإنه قال في باب الرهن والحميل في البيع: إذا اطلع على عيب قديم بالمرهون بعد أن تلف في يده، فقد حكينا أن له الفسخ كما لو احتبس جزءًا من الرهن، ونص هنا أنه لا يجوز الفسخ، فحصل في المسألة جوابان، والذي حكاه قبل ذلك في الباب الذي قبله عند الكلام في رهن المرتد، والعامل أنه قال: نص الشافعي ﵀ على أنه إذا ارتهن عبدًا، وتلف في يده بعد القبض، ثم اطلع على عيب قديم له فسخ البيع، فأجراه مجرى احتباس جزء كما لو وجد المسلم اليد برأس مال السلم عيبًا بعد الهلاك يسقط بحصته جزء من المسلم فيه، فلو ارتهن عشرة أشياء، وسلم منها تسعة، واحتبس العاشر له فسخ العقد، فالعيب بمثابته.
قال ﵁: قضية النص في مسألة العيب بعد التلف إن يثبت له فسخ البيع بعد قتل المرتد؛ لأنه عيب وقضية تخريج أصحابنا المسألة على وجهين أن تتخرج هذه أيضًا على وجهين. انتهى كلام القاضي حسين.
وما حكاه من النص على أن له الفسخ غريب عجيب، وما ذكره من تخريج الأصحاب المسألة على وجهين فهو وغيره إنما ذكروا الوجهين مبنيين على أن قتله في يد المشتري من ضمان البائع أو من ضمان المشتري.
قال: هو إن قلنا بالأول: فله الفسخ.
وإن قلنا بالثاني: فلا، والعبارة المحررة إن قلنا بالأول انفسخ الرهن، فله فسخ البيع.
стр. 858
وإن قلنا بالثاني: فالرهن قد حصل ولم ينفسخ، فليس له فسخ البيع والذي نص عليه الشافعي في ذلك أنه قال في "المختصر": "ويجوز رهن العبد المرتد والقاتل فإن قتل بطل الرهن" (١). وقال في "الأم": "ولو كان المرتهن لم يعلم بارتداده ولا قتله ولا سرقته فارتهنه، ثم قتل في يده أو قطع كان له فسخ البيع" (٢). انتهى.
وهذان النصان متفقان على جعله من ضمان البائع، وهو الأصح، وليس فيهما ما يقتضي أنه إذا تلف في غير هذه الصورة حيث يكون من ضمان المرتهن يثبت له الخيار، فلا أدري كيف هذا الذي نقله القاضي، فإن كان مأخذه ما ذكرناه من النص، فلا متعلق فيه والظاهر أنه مراده بقرينة ذكره تخريج الأصحاب معه ولا شك أن كلام القاضي هو مادة الإمام والبغوي فيما حكيناه من الوجهين، وبهذا يتوقف في الوجه القائل بأن له الفسخ، ويعلم أن الأصح أو الصواب عدم الفسخ، كما قاله الأصحاب.
فإن قلت: أما نصه في "المختصر" فصريح في بطلان الرهن وتفريعه على ضمان البائع، وأما نصه في "الأم" فليس صريحًا وفي صدره في الأم ما يدل على خلافه فإنه قال: فإن قتل أو ارتد وعلم ذلك المرتهن ثم ارتهنه كان الرهن ثابتًا، فإن قتل في يديه، فالبيع ثابت وقد خرج الرهن من يديه.
قلت: المذهب الصحيح أنه من ضمان البائع في حالة الحميل دون العلم، وهذا النص يشهد له.
وأبو إسحاق يقول: من ضمان البائع مطلقًا، وهذا النص يرد عليه، وابن أبي هريرة يقول: من ضمان المشتري مطلقًا.
стр. 859
وهذا النص محتمل له، فإذا قيل به، وحمل قوله: "إن له الفسخ" على ظاهره، لزم منه ما قاله القاضي حسين، وثبت الوجه المذكور لكن النص ليس بصريح فيه ولا ظاهر وابن أبي هريرة يلزمه أن يقول به، وحيث وصلنا إلى هنا، فقد صح تخريج الوجه المذكور إلا أنه ليس بمنصوص، والصحيح المنصوص خلافه كما قاله البغوي والأصحاب، وجزم الماوردي في مسألة حدوث العيب بجواز الفسخ بالعيب القديم، وفرق بينه وبين البيع بأن عيب المبيع إذا حدث عند المشتري من ضمانه، وليس عيب الرهن إذا حدث في يد المرتهن من ضمانه، فكان له رده.
وهذا قد أجاب عنه ابن الصباغ، قال ابن الصباغ: فإن قيل: فالمبيع مضمون على المشتري، والرهن غير مضمون.
قلنا: إنما لا يضمن قيمته؛ لأن العقد لم يقع على ملكه، وإنما وقع على الوثيقة، فهو مضمون بالوثيقة. انتهى.
فلهذا شرط الأصحاب أنه لا يتأتى له فسخ البيع ما لم يرد الرهن، كما صرح به الإمام بهذه العبارة وبقية الأصحاب بمعناها، ويؤخذ من ذلك أنه إذا اطلع على عيب قديم ولم يحدث جديد وفسخ البيع قبل الرد لا ينفذ، بل طريقه أن يرد الرهن على الفور، فإذا رد الرهن فسخ البيع على الفور أيضًا، فيحمل كلام المصنف ومن أطلق ثبوت الخيار في فسخ البيع على أنه يفسخ بهذا الطريق، وعلى الوجه الذي حكاه الإمام لا شك أنه لا يشترط ذلك، بل يكون له الخيار قبل الرد، وقد يستحسن الفقيه هذا الوجه الذي حكاه الإمام، ويقول: إن التلف وحدوث العيب في يد المرتهن غير مضمون، فكيف يمنع من الفسخ بما فاته من وصف السلامة.
وجوابه: ما قاله ابن الصباغ والحكم قد جزم به الشافعي، وأكثر
стр. 860
الأصحاب، واتفق الأصحاب كلهم على أنه لا يجب للمرتهن أرش لما ذكره المصنف.
وقوله: "ولو فات الرهن بالهلاك"، أي: تحت يد الراهن لم يجب بدله، يعني: بل إنما يثبت للمرتهن الخيار، وهنا تعذر الخيار، لتعذر الرد فانسدَّ باب الرد، ولزم البيع.
قال الشيخ أبو حامد: إن قيل: ما الفرق بين هذا وبين المبيع إذا تلف في يد المشتري، ثم علم أنه كان به عيب حيث قلتم: إن له أن يأخذ الأرش؟
قيل: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أن البائع يجب عليه تسليم الجزء الذي يكون الأرش في مقابلته، حتى أنه لو كان موجودًا لأجبر على ذلك، فكذلك يجبر على تسليم ما في مقابلته، وها هنا لا يجبر الراهن على تسليم ذلك، فلا يلزم بتسليم مال في مقابلته.
والثاني: أن المبيع لو تلف جميعه في يد البائع، لزمه رد جميع الثمن والعيب بمنزلة جزء من المبيع تلف في يده، فلزمه ما في مقابلته من الثمن، والرهن لو تلف جميعه في يد، الراهن، لم تلزمه قيمته، كذلك في هذا الموضع.
والثالث: أن يقول المشتري: إذا لم يثبت له الأرش لم يرجع إلى شيء آخر؛ فلهذا أثبتنا له ذلك، وحق المرتهن لا يسقط شيء منه بفوات ذلك الجزء؛ فلهذا لم يوجب له في ذلك شيئًا. انتهى.
وذكر الماوردي هذه الثلاثة الأجوبة أيضًا بمعناها (١)، والذي ذكره المصنف هو الثاني منها، وقد وافق الرافعي البغوي في باب الشروط في البيع على حكاية الوجهين في التلف، وحدوث العيب، وعلى تصحيح عدم
стр. 861
الفسخ، وبما قاله الماوردي وغيره يحصل ثلاثة أوجه؛ أحدها: ثبوت الخيار بظهور العيب القديم، سواء تلف، أو حدث به عيب.
الثاني: لا مطلقًا في الحالتين، وهو المشهور.
والثالث: لا يثبت حال التلف ويثبت حال حدوث العيب، وهو قول الماوردي، أما الأرش، فلا يثبت بحال.
فرع
فرعه أصحابنا على هذه المسألة لو باع بشرط أن يرهن عنده عبدين، فسلم أحدهما وتلف في يد المرتهن، وامتنع من تسليم الآخر لم يكن للمرتهن خيار ولا أرش، وكذلك إن حدث بالذي لم يقبضه عيب في يد الراهن بعدما تلف الآخر في يد المرتهن ذكره الماوردي وغيره، وكذلك إن حدث بالذي قبضه عيب، وامتنع من تسليم الآخر، ذكره الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وغيرهما، ولم يذكره الماوردي؛ بناء على قاعدته في العيب والتلف، وقد فرق بينهما فيما سبق، ولا يخفى تفريعها على الأوجه الثلاثة السابقة إذا جمعت التلف وحدوث العيب.
فرع
لو رهن عبدين شرطهما في بيع وسلم أحدهما، وامتنع من تسليم الآخر، ولا عيب، ثبت الخيار بامتناعه من التسليم بلا خلاف، واستدل به الإمام للوجه الذي حكاه من ثبوت الخيار، إذا اطلع على العيب بعد التلف؛ إلحاقًا للوصف بالعين، وفرق بأن في نقصان الصفة رهن المعين الذي شرطه، فقد وفى بشرطه، ثم اعترض بأن الرد يثبت إذا كان المرهون باقيًا، ولا يقال: قد وفى بما شرط وذكر الإمام في موضع آخر إن صح ميل النص إلى ثبوت الخيار، وكأنه تبع في ذلك ما حكاه القاضي حسين من النص السابق.
стр. 862
فرع
ما قدمناه من التلف إذا مات فلو قتل العبد المرهون بعد القبض، ثم علم المرتهن بعيب كان به، فإن كان قتله أوجب مالًا ترك مكانه رهنًا وللمرتهن فسخ البيع؛ لأنه وإن فات رد العبد بعينه، فقد رد ما قام مقامه من قيمته، وإن أوجب قصاصًا واقتص من قاتله، فليس للمرتهن فسخ البيع؛ لأنه لما لم يكن له الفسخ إذا اقتص سيده مع خروجه من يده فأولى ألا يكون له الفسخ إذا علم بعيبه.
فرع
فلو بيع في حق المرتهن، ثم علم عيبًا قديمًا لم يكن له فسخ البيع، وإن كان الثمن باقيًا والفرق بينه وبين المجني عليه؛ أن المبيع قد عاوض عليه سلمًا، ولم يكن نقص العيب مؤثرًا إذا لم يظهر عيبه إلا بعد نفوذ بيعه كالمشتري إذا باع، ثم ظهر على عيب لم يكن له فسخ ولا أرش وليس المجني عليه كذلك؛ لأن المأخوذ فيه القيمة وقت الجناية مع نقصه بالعيب، فافترقا؛ فلو أن مشتري الرهن علم عيبه فرده به، وطالب بثمنه، فإن استرجع الثمن من المرتهن أو من العدل الموضوع على يده، فللمرتهن فسخ البيع، وإن رجع على الراهن بالثمن، ولم يسترجعه من يد المرتهن فليس للمرتهن فسخ البيع ذكر هذين الفرعين الماوردي (١).
فرع
لم يتعرض المصنف في هذا الباب لصيغة عقد الرهن ولا بد منها.
وقد قال الأصحاب: إن الإيجاب والقبول معتبران في الرهن اعتبارهما
стр. 863
في البيع، والخلاف المذكور في المعاطاة والاستيجاب والإيجاب عائدان من ها هنا، ويجوز أن يكون الرهن مشروطًا كما سبق، كما إذا باع بشرط الرهن على الثمن أو أقرض بشرط الرهن على بدل القرض أو أجر بشرط الرهن على الأجرة أو أسلم بشرط الرهن بالمسلم فيه أو نكح بشرط الرهن بالصداق، وسبق الكلام في أن الشرط، هل يكفي في صحة الرهن أو لا بد من إنشاء إيجاب وقبول بعده، ورهن التبرع: هو الذي لا يكون مشروطًا، ويسمى رهنًا مبتدأ، وذكر الرافعي عند الكلام في الصيغة تبعًا للغزالي الشروط التي تعرض في الرهن ورهن الأرض المغروسة، وكلاهما قد ذكره المصنف بعد ذلك، وذكر مسألة الحق، والخريطة ونحن - إن شاء الله - نذكرها في فرع عند الكلام في الشروط في أواخر الباب الذي بعد هذا، فإنها في "المختصر" في باب الشروط في الرهن.
فرع
مثل صاحب "الاستقصاء" العيب ها هنا إنما إذا كان الرهن جارية، فخرجت من وجه أو خرجت ذات ولد من زوج أو زنا وسنتعرض لذلك فيما إذا رهن جارية لها ولد ومما يتعلق بالصيغة اعتبار التنجيز.
قال المتولي: لو قال: إن لم أقض حقك اليوم، فهذا الثوب رهن منك، فلا حكم له حتى إذا لم يوفه حقه، لم يصر المال رهنًا؛ لأن العقود لا تقبل التعليق.
فرع
إذا ثبت الخيار بسبب عيب الرهن أو الامتناع عن تسليمه، فإن كان العقد الذي شرط فيه بيعًا أو سلمًا أو إجارة أو قرضًا فسخه وإن كان نكاحًا أو خلعًا أو صلحًا عن دم عمدٍ، قال المتولي: إن كان الحق مؤجلًا، فله أن يفسخ التسمية ويرجع إلى عوض المثل وإن كان حالًّا فوجهان؛
стр. 864
أحدهما: له ذلك كعيب الصداق.
والثاني: لا؛ لأنه لا فائدة فيه؛ لأن العادة أن العقود تقع بقدر عوض المثل، وغرضه بالرهن أن يكون وثيقة في يده بما له في ذمته، وإذا فسخ التسمية يعود إلى عوض المثل، وهو دين في الذمة، ولا فرق بين أن يكون في ذمته عوض المثل ولا رهن به أو المسمى، ولا رهن به، وبه فارق العيب، لأنه إذا فسخ التسمية بالعيب على قول يرجع إلى قيمته سليمًا، وعلى قول يرجع إلى أصل حقه، وفي هذه المسائل ليس يمكن فسخ العقد، ونظير هذه المسائل في البيع إذا قبض المبيع وتلف في يده ولم يسلم له الرهن، فيكون الحكم في الخيار على ما ذكرنا من الوجهين.
* * *
стр. 865
باب ما يجوز رهنه وما لا يجوز
ما لا يجوز بيعه كالوقف، وأم الولد، والكلب، والخنزير لا يجوز رهنه؛ لأن المقصود من الرهن أن يباع، ويستوفى الحق منه، وهذا لا يوجد فيما لا يجوز بيعه؛ فلم يصح رهنه.
من القواعد الفقهية أن ما شرع لمقصود وتقاعد عن مقصوده؛ بطل من أصله، ولا شك أن الرهن شرع لمقصود، وهو أن يباع ويستوفى الدين منه، فإذا لم يكن هذا الغرض بحيث يترتب عليه؛ كان باطلًا.
وقد صرح الشافعي بما قاله المصنف؛ فقال في "الأم" في الرهن الفاسد: "كل ما لا يحل بيعه لا يجوز رهنه" (١).
وقال في الرهن يجمع الشيئين المختلفين: "ولا يجوز أن يرتهن الرجل شيئًا لا يحل بيعه حتى يرهنه إياه، وإن كان يأتي عليه مدة يحل بعدها وهو مثل أن يرهنه جنين الأَمَةِ قبل أن يولد على أنها إذا ولدته كان رهنًا. ومثل أن رهنه ما ولدت أمته أو ماشيته، أو ما أخرجت نخله على أن تُقطعه مكانه، ولا يجوز أن يرهنه ما ليس ملكه له بتام، وذلك مثل أن يرهنه ثمرة قد بدا صلاحها لا يملكها بشراء ولا أصول، نخلها، وذلك مثل أن يتصدق عليه وعلى قوم بصفاتهم بثمرة نخل؛ وذلك أنه قد يحدث في الصدقة معه من
стр. 866
ينقص حقه ولا يدري كم رهنه. ولا يجوز أن يرهن الرجل جلود ميتة لم تدبغ؛ لأن ثمنها لا يحل ما لم تدبغ، ويجوز أن يرهنه إياها إذا دبغت؛ لأن ثمنها بعد دباغها يحل، ولا يرهنه إياها قبل الدباغ، ولو رهنه إياها قبل الدباغ، ثم دفعها الراهن كانت خارجة من الرهن لأن عقده رهنها كان وبيعها لا يحل" (١) انتهى.
وهو ناطق بما قاله المصنف من أن ما لا يجوز بيعه، لا يجوز رهنه.
وقال الشافعي في هذا الباب: "وإذا رهن الرجل مكاتبًا له، فعجز المكاتب قبل الحكم بفسخ الرهن، فالرهن مفسوخ لأني إنما أنظر إلى عقد الرهن لا إلى الحكم" (٢).
وقال أيضًا في جماع ما يجوز أن يكون مرهونًا وما لا يجوز قال الشافعي: "الرهن المقبوض ممن يجوز رهنه ولمن يجوز ارتهانه ثلاثة أصناف صحيح، وآخر معلول، وآخر فاسد. فأما الصحيح منه، فكل ما كان ملكه تامًّا لراهنه، ولم يكن الرهن جنى في عنق نفسه جناية ويكون المجنى عليه أحق برقبته من مالكه حتى يستوفي، ولم يكن المالك أوجب فيه حقًّا لغير مالكه من رهن ولا إجارة ولا بيع ولا كتابة ولا جارية أولدها أو دبرها ولا حقًّا لغيره يكون أحق به من سيده حتى تقضي تلك المدة. فإذا رهن المالك هذا وقبضه المرتهن، فهذا الرهن الصحيح الذي لا علة فيه" (٣). انتهى.
ثم اندفع الشافعي في بيان المعلول والفاسد، وليس المعلول خارجًا عن الفاسد في نفس الأمر، وإنما هو راجع إلى ما يظن صحته، فيظهر بخلافه
стр. 867
كما إذا ثبت أنه كان جانيًا أو مرهونًا أو مستولدة أو مشترًى شراء فاسدًا أو يطرأ عليه ما يفسده، كتخمير العصير، هذا الذي قيمته من "الأم".
وفي "الكافي" للزبيري أن المعلول ما فيه قولان كالجاني.
وفي "الإفصاح" لأبي علي أن الصحيح أن يرهن معلومًا يجوز بيعه، والفاسد رهن المجهول، والمعلول رهن الجاني لم يجعله صحيحًا؛ لأن في رقبته حقًّا للغير ولا جعله فاسدًا؛ لأن ملكه قائم وهو معلول.
قال الشافعي: "والرهن الفاسد أن يرتهن الرجل من الرجل مكاتبه قبل [أن] (١) يعجز، ولو عجز لم يكن على الرهن حتى يجدد له رهنًا بقبضه بعد عجزه. ولو ارتهن منه أم ولده كان الرهن فاسدًا في قول من لا يبيع أم الولد، أو يرتهن من الرجل ما لا يحل بيعه مثل: الخمر والميتة والخنزير، أو يرتهن منه ما لا يملك" (٢). انتهى.
يعني: إذا لم يأذن له صاحبه في رهنه، وهذه النصوص كلها ناطقة بما قاله المصنف من الضابط والمثال، ومبينة بأن امتناع رهن أم الولد مبني على امتناع بيعها، وهو الجديد الصحيح المشهور والكلب كالخنزير المنصوص عليه وداخل في الضابط وكذلك الحر؛ لأنه غير مملوك فضلًا عن كونه لا يجوز بيعه.
قال المتولي: ولو رهن الرجل قرابة له من ابن أو أخ على ما جرت به العادة للسلاطين فلا حكم له؛ لقوله تعالى: "فرُهُن مقبوضة" والحر لا تثبت عليه اليد. انتهى.
ورأيت في "مصنف ابن أبي شيبة" عن إبراهيم - وهو النخعي - قال: "إذا
стр. 868
رهن الرجل الحر، فأقر بذلك كان رهنًا حتى يفكه الذي رهنه أو يفك نفسه" (١) والوقف لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه اتفاقًا، سواء قلنا: هو مملوك أم لا؟
وهو داخل في عموم النصوص التي حكيناها.
وقد نص الشافعي في "المختصر" على أرض السواد لاعتقاده أنها وقف، فقال: "ولو رهنه أرضًا من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة" (٢)، وتبعه كثير من الأصحاب، فتكلموا على خراج السواد هنا، والمصنف وآخرون ذكروه بعد السير، ونحن نذكر طرفًا منه هنا، فنقول: أرض السواد: هي أرض العراق سمي سوادًا؛ لسواده بالشجر والزرع ولما قدمت الصحابة يفتحون الكوفة وأبصروا سواد النخل قالوا: ما هذا السواد وسبب ذلك أن الخضرة تُرَى من البعد سوادًا.
وقال الأصمعي: "سمي سوادًا؛ لكثرته من قولهم: السواد الأعظم" (٣). انتهى.
ثم إن السواد وإن كان في الأصل للشجر أو غيره مما قلناه إلا أنه صار يطلق على كل أرض العراق ولا يطلق على غيرها في الغالب، فصار مرادفًا للعراق، وهو الإقليم المعروف إقليم فارس وسمي عراقًا؛ لاستواء أرضه وخلوها عن جبال تعلو أو أودية تنخفض.
وقيل: لكونه على شاطيء البحر والفرات، وقيل: سمته العجم إبراق سهر، ومعناه: كثير النخل والشجر فَعُرِب، وأما تحديده فمن عبادان إلى
стр. 869
حديثة الموصل طولًا، ومن عذيب؟ القادسية إلى حلوان عرضًا، وحديثة الموصل آخر عملها في صوب العراق، والمراد من حلوان عقبتها على ما قاله بعضهم هذا حد العراق. وحد سواد العراق لا يستثنى منه شيء، لكن يستثنى من الدخول في حكم السواد البصرة، ليس لها حكم السواد، وإن دخلت في حده إلا في موضع شرقي دجلتها يسمى الفرات، وموضع من غربي دجلتها يسمى نهر الصراة هما داخلون في الحكم والحد وبقية البصرة داخل في الحد لا في الحكم؛ لأنه كان مواتًا، فأحياه المسلمون والحكم الذي سنذكره من الوقف أو الملك، إنما يكون لما عدا الموات، والتنبيه على استثناء هذا العدد خاصة يقتضي إن لم يكن في جميع أراضي العراق موات غيره، وذلك محمول على الأماكن العامرة لما تكلم الفقهاء في ذلك، ولا يمتنع أن يكون فيها موات إلى اليوم لا يحتاجون إلى استثنائه لأنه لا يدخل في حكم وقف ولا ملك، وكذا كل بلد ألحقناه بسواد العراق، فإنما يراد به ما كان عامرًا أو مزدرعًا.
أما الموات فلا، إذا عرف هذا فسواد العراق فتح في زمان عمر ﵁ (١)، والصحيح المشهور: أنه فتح عنوة (٢).
وفي وجه لأصحابنا: أنه فتح صلحًا (٣)، وهو بعيد.
وعن محمد بن سيرين: أن بعضه صلح وبعضه عنوة (٤)، ولا يدرى هذا من هذا.
والذين قالوا: إنه عنوة أطلقوا القول واستثنى الخطيب في "تاريخ
стр. 870
بغداد": "الحيرة وبانقيا وأُلَّيْس فإنها صلح، وروي عن عبد الله بن مغفل الصحابي قال: لا تشتر من أهل السواد إلا من أهل الحيرة وبانقيا وأُلَّيْس.
قال أبو عبيد: أما الحيرة، فإن خالد بن الوليد كان صالحهم في دهر أبي بكر، وأما أهل وبانقيا وأُلَّيْس فإنهم دلوا أبا عبيدة وجرير بن عبد الله البجلي على مخاضة حتى عبروا إلى فارس، فذلك صُلحهم وأمانهم" (١). انتهى.
واختلف الناس في حكم السواد، فقال الشافعي: "إنها وقف لا يجوز بيعها ولا رهنها" (٢).
وقال ابن سريج: هي ملك يجوز بيعها ورهنها (٣)، وذلك مبسوط في "كتاب السير".
وقد ذكرنا استثناء الفقهاء لبعض البصرة من هذا الحكم، ولم يذكروا المواضع الثلاثة التي استثنيناها عن عبد الله بن مغفل، ويجب استثناؤها إلا إن ثبت أن أهلها استنزلوا عنها ووقفت، والخلاف بين العلماء المتقدمين في وقف أرض السواد، كما هو بين أصحابنا والصحيح عندهم أنها وقف كما قال الشافعي: قال أبو عبيد: "وإنما كان اختلافهم في الأرضين المغلة التي يلزمها الخراج من ذوات المزارع والشجر، فأما المساكن والدور بأرض السواد فما علمنا أحدًا كره شرائها وحيازتها وسكناها قد اقتسمت الكوفة خططًا في زمن عمر بن الخطاب، وهو أذن في ذلك، ونزلها من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ رجال: منهم سعد وابن مسعود، وعمار، وحذيفة، وسلمان، وخباب، وأبو مسعود، وغيرهم ثم قدمها علي فيمن
стр. 871
معه، ثم كان التابعون بها، فما بلغنا أن أحدًا كان في نفسه منها شيء وكذلك سائر السواد" (١). انتهى.
وبغداد من أرض السواد، وكان جماعة من السلف يكرهون سكنى بغداد والمقام بها ويحثون على الخروج منها (٢).
وقيل: إن أحمد بن حنبل كان يعطي أجرة داره التي هي في ملكه ظاهرَا، وكان الفضيل لا يرى الصلاة في شيء من بغداد يرى أنها غصب (٣) وإنها كانت مزرعة لقوم، والصحيح الذي عليه عمل الناس أنها ليست بغصب، لكنها بنيت في أرض السواد، ففيها الخلاف في جواز بيعها، وقول أبي عبيد: إن الخلاف إنما هو في الأرض المغلة لا تخرج بغداد؛ لأنها كانت مزرعة.
وقوله: إن المساكن لا تدخل في الخلاف إن صح ما أشار إليه من الإجماع، فهو عمدة، وإلا فهو محل النظر.
وفي المسألة وجهان لأصحابنا أصحهما ما قال أبو عبيد، وقيل: إن موضع بغداد مُستثنى، وأنه من مواضع الصلح هذا حكم سواد العراق وأما مصر فقل من تعرض لها.
وقال الخطيب في "تاريخ بغداد" (٤): "وقد كان الليث بن سعد اشترى شيئًا من أرض مصر وحكمها حكم سواد العراق وإنما استجاز الليث ذلك؛ لأنه كان يحدث عن يزيد بن أبي حبيب أن مصر صلح، وكان مالك بن أنس
стр. 872
وعبد الله بن لهيعة، ونافع بن يزيد ينكرون على الليث ذلك الفعل؛ لأن مصر كانت عندهم عنوة، ولعل حديث يزيد بن أبي حبيب لم ينته إليهم أو بلغهم فلم يثبت عندهم. والله أعلم" (١).
هذا كلام الخطيب ورأيت في وصية الشافعي وهي مسطورة في "الأم" (٢) ما يقتضي أن الشافعي كان له أرض في مصر، وإنكار مالك على الليث (٣)؛ لأن عند مالك أن أرض العنوة تصير وقفًا بنفس الاستيلاء (٤).
أما عند الشافعي، فإنما صارت أرض السواد وقفًا باستطابة عمر ﵁ قلوب الغانمين واستنزالهم عنها ووقفه إياها (٥)، ولم ينقل أن مثل ذلك جرى في مصر.
وأما قول الخطيب: إن حكمها حكم سواد العراق (٦) فإن أراد في كونها فتحت عنوة، فيصح على قول مالك، وإن أراد مطلقًا فيما اتفق فيها من الوقف، كما يقوله الشافعي في سواد العراق فبعيد؛ لأنه لم ينقل فيما علمت فالقول في مصر أن يقال:
إن قلنا: إنها فتحت عنوة فعلى قول مالك ومن وافقه هي وقف، وعلى قول الشافعي هي للغانمين ولورثتهم إلا أن يثبت انتقالها عنهم بوقف أو غيره، وعلى قول يزيد بن أبي حبيب أنها صلح (٧) تكون لأهلها حتى يثبت
стр. 873
انتقالها عنهم، وسواء قلنا: هي للقائمين أو لأهل الصلح، فهي الآن في يد بيت المال فيحمل الأمر على أنها انتقلت عنهم بطريق صحيح، ويحصل فيها قولان للعلماء؛ أحدهما: أنها وقف، وهو مذهب مالك.
والثاني: أنها ملك للمسلمين عمومًا وهو المناسب لقواعد الشافعي، وإن لم أجده منصوصًا عليه، ولا عن أصحابه، وعلى هذا يجوز للإمام بيعها حيث يجوز بيع أرض اليتيم وذلك لضرورة أو غبطة ومن كان في يده شيء منها جاز له التصرف فيه، كسائر ما في يده.
وأما الشام، فإنها فتحت صلحًا.
قال الجوري من أصحابنا: أرض الخراج على ضربين: ضرب صالح الإمام أهلها على أن يكون لهم الأرض ويؤدوا كل سنة خراجًا معلومًا؛ كأرض الشام وهذا الضرب يجوز بيعه ورهنه، والضرب الآخر: أرض فتحها المسلمون عنوة، فملكها الغانمون لها، فاستطاب الإمام قلوب الموجفين بعوض أعطاهم أو غير عوض، فجعلها وقفًا على المسلمين، ودفعها إلى أقوام بكراء في كل سنة، فهذا الضرب لا يملك، ولا يجوز رهنه ولا بيعه، وهو الذي أراده الشافعي، وهو أرض السواد، وهو قول مالك، وقول أهل العراق يجوز بيعها وهي مملوكة. انتهى كلام الجوري إذا ثبت ذلك، فكل أرض ثبت لها حكم سواد العراق، فهي عند الشافعي وقف، لا يجوز رهنها كسائر الموقوف، وأبنيتها وأشجارها إن كانت من تربتها وغروسها التي كانت قبل الوقف.
قال الرافعي: "فهي كالأرض" (١)، وهذا فيما يستحدث من عين الوقف صحيح، أما الأبنية التي كانت فيها حين الوقف.
стр. 874
فقد حكى هو في "كتاب السِّير" في المساكن والدور التي في حد السواد على القول بأن الأرض موقوفة وجهين؛ أحدهما: أنها كالمزارع.
وأظهرهما: وهو الذي أورده الروياني في "جمع الجوامع" المنع؛ لأنه لم يكره أحد شرائها وسكناها؛ ولأن وقفها يفضي إلى خرابها وهذا هو الذي حكيناه فيما سبق عن أبي عبيد، فعلى هذا إذًا رهن تلك الأبنية يصح، وإن كانت الأبنية والأشجار أحدثت فيها من غيرها جاز رهنها قطعًا فإن رهنت مع الأرض، فهي من صور تفريق الصفقة.
وقد نص الشافعي هنا على أنها تفرق وهو الأصح عند الجمهور، وإن كان الأصح عند الربيع خلافه، وإن رهن الأرض مطلقًا.
وقلنا: البناء والغراس يدخلان، فكذلك على ما قال الرافعي يعني: يبطل في الأرض، وفي البناء والغراس قولَا تفريق الصفقة وهذا فيه نظر؛ لأن البناء والغراس في هذه الحالة إنما يدخل تبعًا للأرض فإذا بطل في الأرض ينبغي أن يبطل في التابع لها سواء قلنا بالتفريق أم لا، لأن التابع لا يفرد والذي قاله الرافعي نص عليه الشافعي، فإنه قال فيما حكاه المزني (١) والربيع (٢): "ولو رهنه أرضًا من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة، وإن كان فيها غراس أو بناء للراهن فهو رهن". انتهى.
وإطلاق هذا يقتضي ذلك، ويقتضي أن البناء والغراس يدخلان في مطلق رهن الأرض والمعروف من النص خلافه، فإن حمل على أنه رهنه الأرض بما فيها استقام ولم يبق فيه مساعدة للرافعي، والكلام في استتباع الأرض البناء والشجر مذكور في البيع، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا أيضًا إن
стр. 875
شاء الله، حيث ذكره المصنف، وإنما الكلام هنا فيما إذا قلنا بالاستتباع، فكانت الأرض لا يصح الرهن فيها، هل يصح في البناء والشجر على القول بالاستتباع أو يبطل؛ لأن الاستتباع فرع الصحة، كلام الرافعي يقتضي الأول وظاهر النص يقتضيه، فإن صح ذلك، فينبغي أن يكون مأخذ دخول البناء والشجر شمول اسم الأرض لذلك، فإنه حينئذ يصير كدلالة لفظ الدار على أجزائها، فإذا بطل في بعضها لا يبطل في الباقي على القول بالتفريق.
أما التبعية، فيبعد فيها إثبات التابع بدون الأصل، لكن كون اسم الأرض شاملًا للبناء والشجر بعيد ونظير هذا لو باع عبدًا وقلنا: تدخل ثيابه في البيع، فبان العبد لغير البائع والثياب له، فإن التزم في هذه صحة البيع في الثياب وحدها، فهو عجيب، وإذا صح الرهن في البناء والغراس، فلا خراج على المرتهن، وإنما هو على الراهن، فإنه مضروب على الأرض، فيؤخذ من الراهن، ولا يتعرض للبناء والغراس المرهون، فإن أداه للمرتهن بغير إذن الراهن، فهو متبرع لا يرجع به، نص عليه الشافعي (١)، وإن أداه بإذنه وشرط الرجوع رجع، وإن لم يشرط الرجوع فوجهان ظاهر النص الرجوع، فإنه قال: "لا يرجع به إلا أن يكون دفعه بأمره، فيرجع به، كرجل اكترى أرضًا عن رجل اكتراها، فدفع المكتري الثاني كراها عن الأول، فهو متطوع" (٢). انتهى.
والوجهان جاريان، كما قال الرافعي في أداء دين الغير بإذنه مطلقًا (٣)، والأصح الرجوع، وقد صرح الرافعي بتصحيحه في كتاب الضمان.
стр. 876
واعلم أن الشافعي نص على أرض الخراج هنا، وفي "سير الواقدي"، ونازع المنتصرون لابن سريج في نصه هنا.
وقالوا: إنه ليس صريحًا في سواد العراق، فقد تكون أرض ذات خراج غيره وقفًا أو ليست ملكًا ولكن نصه في "سير الواقدي" صريح في وقف سواد العراق، فإنه قال فيه: "لا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا ظنًّا مقرونًا إلى علم، وذلك أني وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان ووجدت أحاديث من أحاديثهم تخالفهم:
منها: أنهم يقولون: إن السواد صلح، ويقولون: السواد عنوة، ويقولون: بعض السواد صلح وبعضه عنوة، ويقولون: إن جرير بن عبد الله البجلي وهذا أثبت حديث عنده فيه - أخبرنا الثقة عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد، فاستعملوه ثلاث سنين أو سنتين، أنا شككت، ثم قدمت على عمر بن الخطاب، ومعي فلانة بنت فلان امرأة منهم، فقال عمر ﵁: لولا أني قاسم مسؤول لتركتكم على ما قُسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس.
قال الشافعي: وكان في حديثه: وعاضني من حقي عنه نيفًا وثمانين دينارًا، وكان في حديثه فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية وثبت سهمه ولا أسلمه حتى يعطيني كذا وكذا، فأعطاها إياه.
قال: وفي هذا الحديث دلالة إذا أعطى جريرًا البجلي عوضًا من سهمه، والمرأة عوضًا من سهم أبيها أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه، فتركوا حقوقهم منه، فجعله وقفًا للمسلمين، وهذا حلال للإمام لو فتح اليوم أرض عنوة، فأحصى من افتتحها، وطابوا أنفسًا عن حقوقهم منها أن يجعلها
стр. 877
الإمام وقفًا وحقوقهم الأربعة الأخماس، ويوفي أهل الخمس حقوقهم، إلا أن يدع البالغون منهم حقوقهم فيكون ذلك لهم" (١). انتهى.
وقد استشكل الشيخ عز الدين بن عبد السلام حكم الشافعي بوقفها بخبر واحد والأملاك لا تزال اليد عنها إلا ببينة (٢) وهذا استشكال ضعيف؛ لأن خبر الواحد يثبت به الأحكام الشرعية لقيام الدليل القاطع على العمل به، وإذا كنا نبيح به الدماء، ونستبيح به الفروج، فالأموال أقل خطرًا، وهل فائدة العمل بخبر الواحد إلا إثبات الأحكام سواء كانت لله أو للعباد، أموالًا كانت أو غيرها، وليس إزالة اليد بأعظم من إزالة حكم شرعي يقطع بثبوته وهي البراءة الأصلية، ثم يرفعه بخبر الواحد، وإنما تتوقف إزالة اليد على العدد في الشهادة، وباب الشهادة غير باب الرواية؛ لأنها قضية خاصة على شخص قد يتهم الشاهد الواحد فيها، والراوي لا يتهم؛ لأن روايته لا تختص بشخص معين.
ومساحة السواد بالفراسخ: مائة وستون فرسخًا طولًا وثمانون عرضًا، فيكون الجميع إذا كُسِّر اثني عشر ألف فرسخ وثمانمائة فرسخ.
قال ابن الصلاح: "والعراق حده عرضًا حد السواد، كما ذكرناه، ويخالفه في الطول فحده طولًا من الغلث إلى عبادان، وذلك مائة وخمسة وعشرون فرسخًا، فيكون الجميع عشرة آلاف فرسخ، فاضبط ذلك، فإنه قد غلط فيه" (٣).
* * *
стр. 878
فرع
المراد بقولنا: "ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه" ما لا يجوز بيعه في حالة من الأحوال، وهو أن يكون فاقدًا بعض شروط المبيع؛ ولهذا مثل بالوقف وأم الولد، والكلب، والخنزير فإن كُلًّا منهما لا يقبل بحالٍ، ونبه بالوقف وأم الولد على ما كان قابلًا للبيع، ثم طرأ ما يمنعه، وبالكلب والخنزير على ما لم يزل ممتنع البيع، ونبه بالوقف على ما زال الملك فيه، وبأم الولد على ما لم يزل ملكه ولكن تعذر بيعه، وبالكلب والخنزير على ما لا ملك فيه، والمكاتب على الصحيح يمتنع بيعه ورهنه، والمبيع قبل القبض سيذكر المصنف حكمه، والمبيع بعد قبضه في زمان الخيار، إذا كان الخيار للمشتري يصح منه رهنه وبيعه، ولا يصحان من البائع، وإن كان الخيار للبائع أو لهما صح من البائع بيعه ورهنه. وكذا من المشتري بإذن البائع، ولا يصحان إذا لم يأذن، وقد أدخل الغزالي قيدًا زائدًا على ما قاله المصنف، فقال: من الشروط أن يكون المرهون قابلًا للبيع عند حلول الحق أي: إن كان الدَّين حالًّا، فيشترط إمكان بيعها الآن، وإن كان مؤجلًا فيشترط إمكان بيعها عند حلوله، وهذا الكلام يفهم إن ما لم يكن قابلًا للبيع الآن ويقبله عند حلول الحق يصح رهنه، وما يكون قابلًا الآن ولا يقبله عند حلول الحق لا يصح رهنه، ولعله يشير بالأول إلى المبيع قبل القبض، فإنه لا يقبل البيع الآن؛ ويقبله فيما بعد القبض، وفي رهنه خلاف.
وبالثاني إلى ما يتسارع إليه الفساد، فإنه قابل للبيع الآن، ولا يقبله عند حلول الحق؛ لأنه لا يبقى، وما لا يبقى يصح أن يقال: لا يقبل البيع في وقت عدم بقائه، وفي صحة رهنه تفصيل سيأتي، أما ما يقبل البيع في كل الأحوال، ويمتنع من بعض الناس؛ كالسلاح؛ فإنه لا يصبح بيعه من الحربي، ويصح رهنه منه، فلا يرد؛ لأنه قابل للبيع في كل حال، وليس
стр. 879
في الكلام ما يدل على أن الرهن تابع للبيع في كل وردٍ وصدرٍ، حتى إن مَنْ صح شراؤه لشيء صح ارتهانه له، ومن لا فلا، وأقرب ما يورد المبيع قبل القبض، فإنه يصح أن يقال: لا يصح بيعه، ويصح رهنه على رأي المصنف، وسنذكر المسائل التي يتهذب بها هذا الضابط مما ذكره المصنف وغيره.
فرع
إذا صالح الإمام أهل بلد كُفارًا على خراج يؤدونه من أراضيهم، فهذا الخراج كالجزية يسقط بالإسلام، والأرض مملوكة لهم يصح رهنها، كما تقدم عن الجوري في الشام، والخراج على صاحب الأرض فإن أداه فلا كلام وإن أداء المرتهن، كان كمن قضى دين غيره وقد سبق، وإن امتنعا، قال المتولي: باع الإمام جزءًا من الأرض في الخراج. انتهى.
وفيما قال نظر؛ لأن الخراج في الذمة والأرض تعلق بها حق المرتهن، وإنما يأتي على ما قال على وجه ضعيف، قاله الشيخ أبو محمد: "إن مؤنة الرهن لا يجبر عليها الراهن" (١) سنذكره إن شاء الله. والصحيح خلافه.
وقال صاحب "الاستقصاء": الأرض الخراجية، وهي التي صولح أهلها على أن تكون ملكًا للمسلمين وضرب عليهم الخراج، وهو أجرة الأرض، فلا يجوز لهم بيعها ولا رهنها. انتهى.
وهذا صحيح أيضًا، فإن الصلح قد يقع على هذا النوع، وقد يقع على النوع الأول.
* * *
стр. 880
قال:
فصْل [في رهن ما يسرع إليه الفساد]
وما يسرع إليه الفساد من الأطعمة والفواكه الرطبة التي لا يمكن استصلاحها يجوز رهنه بالدين الحال والمؤجل الذي يحل قبل فساده؛ لأنه يمكن بيعه واستيفاء الحق من ثمنه.
قوله: التي لا يمكن استصلاحها احتراز مما يمكن تجفيفه، كالرطب الذي يجيء منه تمر، والعنب الذي يجيء منه زبيب، واللحم يمكن أن يملح ويقدد، وما كان كذلك، فإنه يجوز رهنه بالدين الحال والمؤجل، سواء كان الأجل يحل قبل أن يُخشى فساده أم لا، اتفق الشافعي والأصحاب على ذلك، وسنذكر عن البويطي شيئًا لم يأخذ به الأصحاب، ثم إن رهنه بدين حالٍّ أو مؤجل إلى أجل يحل قبل فساده فلا شبهة فيه، وإن كان إلى أجل لا يبقى رطبًا إليه، ويخشى فساده قبله وجب على الراهن إصلاحه وتجفيفه، فإن امتنع أجبر عليه، نص عليه الشافعي والأصحاب؛ حِفْظًا لوثيقة الرهن؛ كمؤنة العبد، وعلف الدابة، وليس للمرتهن تجفيفه حتى يأذن الراهن بذلك نص عليه في "الأم" (١) ولا فرق في هذا القسم بين أن يطلق الرهن أو يشترط