واعلم أن الشافعي نص على أرض الخراج هنا، وفي "سير الواقدي"، ونازع المنتصرون لابن سريج في نصه هنا.
وقالوا: إنه ليس صريحًا في سواد العراق، فقد تكون أرض ذات خراج غيره وقفًا أو ليست ملكًا ولكن نصه في "سير الواقدي" صريح في وقف سواد العراق، فإنه قال فيه: "لا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا ظنًّا مقرونًا إلى علم، وذلك أني وجدت أصح حديث يرويه الكوفيون عندهم في السواد ليس فيه بيان ووجدت أحاديث من أحاديثهم تخالفهم:
منها: أنهم يقولون: إن السواد صلح، ويقولون: السواد عنوة، ويقولون: بعض السواد صلح وبعضه عنوة، ويقولون: إن جرير بن عبد الله البجلي وهذا أثبت حديث عنده فيه - أخبرنا الثقة عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد، فاستعملوه ثلاث سنين أو سنتين، أنا شككت، ثم قدمت على عمر بن الخطاب، ومعي فلانة بنت فلان امرأة منهم، فقال عمر ﵁: لولا أني قاسم مسؤول لتركتكم على ما قُسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس.
قال الشافعي: وكان في حديثه: وعاضني من حقي عنه نيفًا وثمانين دينارًا، وكان في حديثه فقالت فلانة: قد شهد أبي القادسية وثبت سهمه ولا أسلمه حتى يعطيني كذا وكذا، فأعطاها إياه.
قال: وفي هذا الحديث دلالة إذا أعطى جريرًا البجلي عوضًا من سهمه، والمرأة عوضًا من سهم أبيها أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه، فتركوا حقوقهم منه، فجعله وقفًا للمسلمين، وهذا حلال للإمام لو فتح اليوم أرض عنوة، فأحصى من افتتحها، وطابوا أنفسًا عن حقوقهم منها أن يجعلها
стр. 877
الإمام وقفًا وحقوقهم الأربعة الأخماس، ويوفي أهل الخمس حقوقهم، إلا أن يدع البالغون منهم حقوقهم فيكون ذلك لهم" (١). انتهى.
وقد استشكل الشيخ عز الدين بن عبد السلام حكم الشافعي بوقفها بخبر واحد والأملاك لا تزال اليد عنها إلا ببينة (٢) وهذا استشكال ضعيف؛ لأن خبر الواحد يثبت به الأحكام الشرعية لقيام الدليل القاطع على العمل به، وإذا كنا نبيح به الدماء، ونستبيح به الفروج، فالأموال أقل خطرًا، وهل فائدة العمل بخبر الواحد إلا إثبات الأحكام سواء كانت لله أو للعباد، أموالًا كانت أو غيرها، وليس إزالة اليد بأعظم من إزالة حكم شرعي يقطع بثبوته وهي البراءة الأصلية، ثم يرفعه بخبر الواحد، وإنما تتوقف إزالة اليد على العدد في الشهادة، وباب الشهادة غير باب الرواية؛ لأنها قضية خاصة على شخص قد يتهم الشاهد الواحد فيها، والراوي لا يتهم؛ لأن روايته لا تختص بشخص معين.
ومساحة السواد بالفراسخ: مائة وستون فرسخًا طولًا وثمانون عرضًا، فيكون الجميع إذا كُسِّر اثني عشر ألف فرسخ وثمانمائة فرسخ.
قال ابن الصلاح: "والعراق حده عرضًا حد السواد، كما ذكرناه، ويخالفه في الطول فحده طولًا من الغلث إلى عبادان، وذلك مائة وخمسة وعشرون فرسخًا، فيكون الجميع عشرة آلاف فرسخ، فاضبط ذلك، فإنه قد غلط فيه" (٣).
* * *
стр. 878
فرع
المراد بقولنا: "ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه" ما لا يجوز بيعه في حالة من الأحوال، وهو أن يكون فاقدًا بعض شروط المبيع؛ ولهذا مثل بالوقف وأم الولد، والكلب، والخنزير فإن كُلًّا منهما لا يقبل بحالٍ، ونبه بالوقف وأم الولد على ما كان قابلًا للبيع، ثم طرأ ما يمنعه، وبالكلب والخنزير على ما لم يزل ممتنع البيع، ونبه بالوقف على ما زال الملك فيه، وبأم الولد على ما لم يزل ملكه ولكن تعذر بيعه، وبالكلب والخنزير على ما لا ملك فيه، والمكاتب على الصحيح يمتنع بيعه ورهنه، والمبيع قبل القبض سيذكر المصنف حكمه، والمبيع بعد قبضه في زمان الخيار، إذا كان الخيار للمشتري يصح منه رهنه وبيعه، ولا يصحان من البائع، وإن كان الخيار للبائع أو لهما صح من البائع بيعه ورهنه. وكذا من المشتري بإذن البائع، ولا يصحان إذا لم يأذن، وقد أدخل الغزالي قيدًا زائدًا على ما قاله المصنف، فقال: من الشروط أن يكون المرهون قابلًا للبيع عند حلول الحق أي: إن كان الدَّين حالًّا، فيشترط إمكان بيعها الآن، وإن كان مؤجلًا فيشترط إمكان بيعها عند حلوله، وهذا الكلام يفهم إن ما لم يكن قابلًا للبيع الآن ويقبله عند حلول الحق يصح رهنه، وما يكون قابلًا الآن ولا يقبله عند حلول الحق لا يصح رهنه، ولعله يشير بالأول إلى المبيع قبل القبض، فإنه لا يقبل البيع الآن؛ ويقبله فيما بعد القبض، وفي رهنه خلاف.
وبالثاني إلى ما يتسارع إليه الفساد، فإنه قابل للبيع الآن، ولا يقبله عند حلول الحق؛ لأنه لا يبقى، وما لا يبقى يصح أن يقال: لا يقبل البيع في وقت عدم بقائه، وفي صحة رهنه تفصيل سيأتي، أما ما يقبل البيع في كل الأحوال، ويمتنع من بعض الناس؛ كالسلاح؛ فإنه لا يصبح بيعه من الحربي، ويصح رهنه منه، فلا يرد؛ لأنه قابل للبيع في كل حال، وليس
стр. 879
في الكلام ما يدل على أن الرهن تابع للبيع في كل وردٍ وصدرٍ، حتى إن مَنْ صح شراؤه لشيء صح ارتهانه له، ومن لا فلا، وأقرب ما يورد المبيع قبل القبض، فإنه يصح أن يقال: لا يصح بيعه، ويصح رهنه على رأي المصنف، وسنذكر المسائل التي يتهذب بها هذا الضابط مما ذكره المصنف وغيره.
فرع
إذا صالح الإمام أهل بلد كُفارًا على خراج يؤدونه من أراضيهم، فهذا الخراج كالجزية يسقط بالإسلام، والأرض مملوكة لهم يصح رهنها، كما تقدم عن الجوري في الشام، والخراج على صاحب الأرض فإن أداه فلا كلام وإن أداء المرتهن، كان كمن قضى دين غيره وقد سبق، وإن امتنعا، قال المتولي: باع الإمام جزءًا من الأرض في الخراج. انتهى.
وفيما قال نظر؛ لأن الخراج في الذمة والأرض تعلق بها حق المرتهن، وإنما يأتي على ما قال على وجه ضعيف، قاله الشيخ أبو محمد: "إن مؤنة الرهن لا يجبر عليها الراهن" (١) سنذكره إن شاء الله. والصحيح خلافه.
وقال صاحب "الاستقصاء": الأرض الخراجية، وهي التي صولح أهلها على أن تكون ملكًا للمسلمين وضرب عليهم الخراج، وهو أجرة الأرض، فلا يجوز لهم بيعها ولا رهنها. انتهى.
وهذا صحيح أيضًا، فإن الصلح قد يقع على هذا النوع، وقد يقع على النوع الأول.
* * *
стр. 880
قال:
فصْل [في رهن ما يسرع إليه الفساد]
وما يسرع إليه الفساد من الأطعمة والفواكه الرطبة التي لا يمكن استصلاحها يجوز رهنه بالدين الحال والمؤجل الذي يحل قبل فساده؛ لأنه يمكن بيعه واستيفاء الحق من ثمنه.
قوله: التي لا يمكن استصلاحها احتراز مما يمكن تجفيفه، كالرطب الذي يجيء منه تمر، والعنب الذي يجيء منه زبيب، واللحم يمكن أن يملح ويقدد، وما كان كذلك، فإنه يجوز رهنه بالدين الحال والمؤجل، سواء كان الأجل يحل قبل أن يُخشى فساده أم لا، اتفق الشافعي والأصحاب على ذلك، وسنذكر عن البويطي شيئًا لم يأخذ به الأصحاب، ثم إن رهنه بدين حالٍّ أو مؤجل إلى أجل يحل قبل فساده فلا شبهة فيه، وإن كان إلى أجل لا يبقى رطبًا إليه، ويخشى فساده قبله وجب على الراهن إصلاحه وتجفيفه، فإن امتنع أجبر عليه، نص عليه الشافعي والأصحاب؛ حِفْظًا لوثيقة الرهن؛ كمؤنة العبد، وعلف الدابة، وليس للمرتهن تجفيفه حتى يأذن الراهن بذلك نص عليه في "الأم" (١) ولا فرق في هذا القسم بين أن يطلق الرهن أو يشترط
стр. 881
بيعه وزعم المتولي في هذا القسم أن الراهن إذا امتنع من التجفيف باع الحاكم جزءًا منها وصرفه إلى مؤنة تجفيفها، وهذا إن فرض حيث لا يمكن أخذ مؤنة التجفيف منه، ولا الاقتراض عليه صحيح، وإن فرض إمكان ذلك، فكيف يباع المرهون، وقد تعلق به حق المرتهن، وهذا كما سبق عنه في الخراج، وهذا أسهل من ذاك؛ لأن التجفيف لمصلحة الراهن والمرتهن جميعًا، وكلاهما إنما يأتي على قول الشيخ أبي محمد أن الراهن لا يجبر على مؤنة الرهن، بل يُباع بعضه فيها، والصحيح خلافه، ووافق المتولي على بيع الحاكم بعض الرهن لمؤنة التجفيف البغوي، لكنه فرض فيما إذا تعذر من الراهن، ولم يفرض في الامتناع، كما فرض المتولي (١)، فيمكن أن يحمل على ما قلناه، فلا يكون موافقًا للمتولي مطلقًا، ولا شك أنه إذا تعذر يباع بعضه، كما سيأتي في مؤنة الرهن، وأما ما لا يمكن استصلاحه؛ كالقثاء، والخيار، والبقول، والموز، والشواء، والهريسة، والطبيخ وما أشبهه من الأطعمة، والفواكه الرطبة، والجمد، فإن رهنها بدين حال صح قطعًا نص عليه في "المختصر" (٢)، وكذا بدين مؤجل يَحِلّ قبل فسادها نص عليه في "الأم" (٣) ودليلهما ما ذكره المصنف، واقتصر العراقيون على هذا، وزاد المراوزة والرافعي بعد ذلك أنه إن بيع في الدين، أو قضى الدين من موضع آخر فذاك وإلا بيع وجعل الثمن رهنًا كَيلا يضيع وتفوت الوثيقة (٤) والبيع الأول وهو ما يكون لوفاء الدين حق للمرتهن على الراهن تجب بطلب المرتهن بلا خلاف، ولم يذكر الغزالي غيره ولا شك أنه لا يجب قبل
стр. 882
الطلب، وهذا البيع وهو أن يباع ليكون ثمنه رهنًا حق لهما، فلو تركه المرتهن حتى فسد. قال في "التهذيب" (١): إن كان الراهن أذن له في بيعه ضمن وإلا لم يضمن.
قال الرافعي: "ويجوز أن يقال عليه رفع الأمر إلى القاضي ليبيعه" (٢).
قال النووي: "هذا الاحتمال الذي قاله الإمام الرافعي ﵀ قويٌّ أو متعين" (٣). انتهى.
والذي فهمته أن هذا الاحتمال في القسم الثاني من كلام البغوي على قوله: أنه إذا لم يأذن له لم يضمن؛ أي: يجب حينئذ أن يرفع الأمر إلى القاضي، فلو لم يفعل ضمن وإن لم يأذن، وهذا إن صح، فيجب أن يكون محله إذا لم يمكن مراجعة الراهن، فإن أمكنت فلا شك أن القاضي لا يبيع فإن البيع في هذه الحالة وهي إذا لم يطلب المرتهن إنما هو لحق الراهن، فكيف يسوغ مع حضوره وإمكان مراجعته، وفهم ابن الرفعة أنه على القسم الأول فقال: أي على المرتهن إذا لم يختر البيع، وقد أذن له فيه أن يرفع إلى القاضي ليبيعه ولا يتولى هو البيع؛ لأنه لا يجب عليه.
قال: ومن هنا يجوز أن يقال عليه: إن المرتهن لا يضمن إذا لم يبع حتى تلف بعد الإذن كما صرح به الجيلي في آخر هذا الكتاب؛ لأن البيع لم يجب عليه، فهو كالوكيل المأذون بالبيع مطلقًا.
قال ابن الرفعة: "وكيف لا وقد حكى صاحب "البحر" في ضمان وليِّ الطفل إذا أهمل عمارة عقاره مع إمكانها من مال الطفل حتى خرب وجهين
стр. 883
جاريين فيما لو ترك إجارة عقاره مع إمكانه، وجزم القفال بأنه لو ترك تلقيح ثمرته لا يضمن" (١). انتهى.
والمرتهن أولى بعدم الضمان من ولي الطفل؛ لأن ولي الطفل تجب عليه رعاية المصلحة بخلاف المرتهن، وقد عرفت بهذا أن كلا الطرفين الذين ادعاهما صاحب "التهذيب" لا تخلو من نزاع واحتمال، وحيث قيل: يتضمن المرتهن، فينبغي أن يكون محله إذا كان في يده، فإن فرض في يد عدل وكان الإذن في البيع للمرتهن فينبغي ألا يضمن؛ لأنه ليس في يده ولا يجب عليه امتثال أمره.
قال المتولي: ولو سكتا حتى هلك كان من ضمان الراهن وكذا لو طالب المرتهن بالبيع حتى هلك؛ كان من ضمان الراهن فأما إن كان الراهن يريد البيع وامتنع المرتهن حتى هلك ضمن قيمته. انتهى.
وتضمين الراهن في الصورتين الأوليين يحتمل أن يكون معناه تغريمه بدله ليكون رهنًا مكانه كما لو جنى عليه والأقرب أن يقال: هو كما لو تلف بآفة سماوية بمعنى أن المرتهن لا يضمنه، وليس معناه أن الراهن يلزم ببدله رهنًا، وتضمين المرتهن في الصورة التالية؛ لأنه متعدٍّ باستمرار يده بعد مطالبة الراهن بالبيع المستحق، فلو كان الرهن في يد عدل وأمكن الراهن أخذه بالحاكم وبيعه فلا أثر لامتناع المرتهن، ويظهر أن لا ضمان عليه، فإن فرض تعذر مراجعة الحاكم وأن المرتهن منع العدل من التسليم للبيع من غير وضع يد فيظهر أيضًا أن لا ضمان.
واعلم أن البيع لحفظ ثمنه إنما تعرض له القاضي حسين والإمام (٢)
стр. 884
والرافعي (١) وعبارة الغزالي إنه إذا أشرف على الفساد بيع في وفاء الدين.
فأما أن يكون سكت عما قاله القاضي، وأما أن يقول: إن المرتهن والحالة هذه لا حق له في حفظ ثمنه وإنما حقه في بيعه لدينه فإذا لم يطلبه فلا شيء له غيره، ثم ما ذكروه من إذن الراهن للمرتهن في البيع يخالف بإطلاقه ما أطلقوه من أن الراهن لا يأذن للمرتهن في البيع، كما سيأتي، فإما أن يكون ما قالوه هنا صادرًا ممن لا يرى بذلك، وعليه يتجه احتمال الرافعي على ما فهمه ابن الرفعة.
وإما أن يقال: أن الممتنع أن يبيع في وفاء الدين أمَّا لحفظ ثمنه، فلا، ويجمع بين الكلامين بذلك، لكن فيه بُعْد، فإن التهمة قد تحصل في الموضعين.
فرع
لو أراد الراهن في القسم الأول الذي يمكن تجفيفه أن يبيعه ويجعل ثمنه رهنًا لا يجاب إلى ذلك، قاله الروياني (٢)، وكذا إذا طلب المرتهن البيع، وامتنع الراهن لا يجاب المرتهن بما قاله الماوردي (٣)، هذا إذا كان تجفيفها أوفر لها فإن كان تجفيفها ينقص ثمنها وبيعها أوفر ودعا أحدهما إلى البيع والآخر إلى التجفيف، فوجهان في "الحاوي" (٤)؛ أصحهما: عنده: يجاب من دعا إلى تركها إلى محل الحق؛ لأنه موجب الرهن.
والثاني - وهو قول ابن أبي هريرة: يجاب من دعى إلى بيعها؛ حفظًا
стр. 885
للزيادة وإن اتفقا على تركها جاز، وإن اتفقا على بيعها فإن شرطا تعجيل الثمن فسد، وإن شرطا أن يكون رهنًا فإن كان مما ينقص بالتجفيف صح وإلا فقولان كذا في "الحاوي" وإن أطلقا صح، ويكون الثمن فيما ينقص بالتجفيف رهنًا، وفيما لا ينقص بالتجفيف يبطل الرهن كذا في الحاوي.
واعلم أن الماوردي ذكر هذه المسائل فيما إذا رهن الثمار الشجر ثم ذكر رهنها على الشجر منفردة، وسكت عن ذلك، والظاهر أنه يأتي فيه أيضًا، ولم يتعرض الماوردي لرهن الثمار المقطوعة، إنما ذكر الطعام الرطب والمصنف وغيره ذكروا الطعام والثمار، ويدخل في إطلاقهم الثمار المقطوعة، والتي على الشجر، ولا فرق بينهما في ذلك؛ فلذلك ينبغي أن يجعل كلام المصنف شاملًا للحالتين وما ذكره الماوردي من الأحكام المذكورة يأتي في الحالتين.
نعم، تفترق المقطوعة والتي على الشجر في أمور منها: أن التي على الشجر قد تُباع مع الشجر وسيذكرها المصنف، ومنها: أنها قد تكون لم يبد صلاحها، أو بدا صلاحها ولكن لا يؤمن اختلاطهما، وسيذكرهما المصنف.
وأما هُنَا، فإذا كانت على الشجر، فالمراد: إذا بدا صلاحها بحيث تباع مفردة، ومتى بدا صلاحها، فالمقطوعة وغيرها الحكم فيهما سواء في صحة رهن ما يجفف بدين حالٍّ أو مؤجل يحل قبل الفساد سواء كانت مقطوعة أم على الشجر.
وأما التي على الشجر مما لم يبد صلاحه، فهي بالنسبة إلى الأحكام التي ذكرناها فيما يتسارع إليه الفساد كغيرها، وإن كان لها أحكام تخصها في البيع
стр. 886
بشرط القطع ودونه نذكرها جملة؛ فكلام المصنف إنما هو فيما يجوز بيعه.
وقوله: "الفواكه الرطبة" على إطلاقه فيما يباع أكانت مقطوعة أم على الشجر؛ لأن الحكم الذي ذكره لا يختلف لكن إذا رهنها مفردة، فإن رهنها مع الشجر، فسيذكر هو حكمه في بقية الفصل.
* * *
стр. 887
قال:
وأما رهنه بدين مؤجل إلى وقت يفسد قبل محله، فإنه ينظر فيه، فإن شرط أن يبيعه إذا خاف عليه الفساد جاز رهنه وإن أطلقه ففيه قولان؛ أحدهما: لا يصح، وهو الصحيح؛ لأنه لا يمكن بيعه في الدين في محله، فلم يجز رهنه كأم الولد.
والثاني: أنه يصح، فإذا خيف عليه [الفساد و] (١) أجبر على بيعه ويجعل ثمنه رهنًا؛ لأن مطلق العقد يحمل على المتعارف ويصير كالمشروط والمتعارف فيما يفسد أن يباع قبل فساده، فيصير كما لو شرط ذلك ولو شرط جاز رهنه، فكذلك إذا أطلق.
إذا رهنه بدين مؤجل لا يحل قبل فساده، فإن شرط أن يبيعه إذا خيف عليه ويجعل ثمنه رهنًا مكانه؛ جاز قطعًا عند الأصحاب، وهذا مراد المصنف، وإن كان لنا خلاف فيما لا يفسد إذا شرط أن يباع ويكون ثمنه رهنًا والفرق الحاجة هنا وعدمها هناك.
وذكر ابن الرفعة أن ما سنحكيه عن "البويطي" و"الأم" يقتضي إثبات خلاف فيه هنا، وأيده بأنه شرط ينافي مقتضى إطلاق العقد لكن الأصحاب لم يتعرضوا له.
قال: ولعل السر في ذلك أن الرهن نفسه تبرع، ومع ذلك فشرطه في البيع لا يفسده، فكذا فيما نحن فيه من طريق الأولى.
стр. 888
قلت: ولم يظهر لي من كلام البويطي وغيره ما يقتضي إثبات خلاف في ذلك ولكنه من جهة المعنى لا يبعد وإن شرط ألا يباع بطل قطعًا، نص عليه الشافعي (١) والأصحاب، وهو يدل لأحد أمرين: إما أن يكون مقتضى هذا الرهن البيع على خلاف ما قاله ابن الرفعة، وإما أن يكون مقتضى الشرع تمكن الراهن والمرتهن من البيع، فإذا شرط عدمه بطل ولا شك أن البيع قبل محل الحق ليس لوفاء الدَّين، بل ليكون ثمنه رهنًا؛ فيتأيَّد به ما سبق عن القاضي حسين والرافعي، ولم يذكر المصنف هذا القسم لوضوحه.
وذكر الأصحاب القسمين، وكلهم صوروا إذ كان الأجل يحل بعد وقت الفساد كما صوره المصنف، ولا شك أنه لو كان يحل مع وقت الفساد كان الحكم كذلك؛ لأنه لا يبقى بتمكن البيع من البيع بعده، فلذلك اخترنا في العبارة ما قدمناه من قولنا: لا يحل قبل فساده؛ لأنها تشمل ما يحل معه وبعده، وهي مراد الأصحاب وكلام الشافعي الذي سنحكيه يشهد لها وإن أطلق الرهن ولم يشترط أن يباع ولا أن لا يباع فقولان، اتفقت الطرق على حكايتهما، ولم يصحح القاضي أبو الطيب منهما شيئًا، وكذلك كثير من الأصحاب.
وقال الشيخ أبو حامد: الصحيح عندي: أنه لا يصح، وعلى ذلك جرى المصنف وأتباعه، والجرجاني، والرافعي في "المحرر".
وقال في "الشرح الكبير": "أنه أصح عند أصحابنا العراقيين" (٢).
وقال الروياني: "إنه ظاهر المذهب" (٣).
стр. 889
والثاني: أنه يصح، وبه قال أبو حنيفة وأحمد (١).
وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر عند الأكثرين
وقال في "الشرح الكبير": "إن ميل من سوى العراقيين إليه، وهو الموافق لنصه في "المختصر"" (٢)، ولفظه في "المختصر": "وإذا رهنه ما يفسد من يومه أو غده أو مدة قصيرة لا ينتفع به يابسًا مثل البقل والبطيخ، فإن كان الحق حالًّا فجائز ويباع، وإن كان إلى أجل يفسد كرهته، ومنعني من فسخه أن للراهن بيعه قبل محل الحق على أن يعطى صاحب الحق حقه بلا شرط، فإن شرط ألا يباع إلى أن يحل الحق، فالرهن مفسوخ" (٣). انتهى.
وهو صريح في القول بالصحة ولفظه في "الأم": "وإن كان إلى أجل يفسد إليه الرهن كرهته، ولم أفسخه، وإنما منعني من فسخه أن للراهن بيعه قبل محل الحق على أن يعطي صاحب الحق حقه بلا شرط، وأن الراهن قد يموت من ساعته فيباع" (٤). انتهى.
وهذه علة أخرى جيدة للصحة وهي احتمال موت الراهن وحلول الأجل وإمكان بيعه في الدين، ولا يحتاج معها إلى أن تعلل الصحة بما قاله المصنف وغيره من أن المتعارف كالمشروط، وأن المتعارف البيع، ونصه في "البويطي" صريح في القولين. قال: وإذا رهن رجلٌ رجلًا ثمارًا أو بطيخًا أو لبنًا أو شيئًا يخشى فساده إلى الوقت الذي يحل فيه. قال الشافعي: فيها قولان؛ أحدهما: أن ذلك لا يجوز إذا كان العلم يحيط أن ذلك يفسد قبل المحل.
стр. 890
والآخر: أنه جائز؛ لأنه يأتي السلطان إذا خاف فساده، فيأمر بصلاحه إن كان يصلح بيبس أو غيره أو بيعه. انتهى.
قال ابن الرفعة: وهذا يقتضي آخر القولين فيما إذا كان يمكن إصلاحه، وقد عرفت أن الأصحاب مطبقون على أنهما لا يجريان في ذلك، بل حالة عدم إمكان إصلاحه.
قلت: وهو كذلك والحامل للأصحاب على قطعهم بالصحة فيما يمكن تجفيفه نصه في "الأم" (١) ولفظه: "ولو رهنه ما يصلح بعد مدة مثل اللحم الرطب ييبس والرطب ييبس وما أشبهه كان الرهن جائزًا لا أكرهه بحال". انتهى.
فإن قلت: قد حكيت اختلاف التصحيح في القولين، فما الذي يترجح عندك منهما.
قلت: الموضع مشكل، فإن تعليل المصنف الفساد بأنه لا يمكن بيعه في الدين في محله، فلم يجز رهنه كأم الولد يجاب عنه بأن وصف كونه في محله لا أثر له، وهو يمكن بيعه في الدين قبل محله؛ لأنه يباع كما سيأتي في تفريع الصحة، ففارق أم الولد والوثيقة تحصل بذلك، وقد زاد بعضهم هذا التعليل إيضاحًا فقال: لأن الإجبار على البيع إنما يثبت عند المحل وقبله ليس بقضية للرهن، فلا يجبر عليه، وإذا تعذر الإجبار، فقد ورد الرهن على ما لا يمكن استيفاء الحق منه، فكان باطلًا هكذا أورده في "التتمة"، وكلام المصنف يرجع إليه وحقيقته منازعة القابل بالتصحيح فيما يقوله من الإجبار على البيع قبل المحل واستنتاج عدم الإمكان منه فيعود الخلاف إلى أن الرهن يقتضي ذلك أو لا، ولا أجد الصدر يثلج باقتضاء العقد لذلك فمن هنا
стр. 891
يقوى القول بالفساد وتعليله للصحة بأن مطلق العقد يحمل على المتعارف، والمتعارف فيما يفسد أن يباع ممنوع أن المتعارف ذلك، وسند المنع أنه إن أريد في غير المرهون، فقد يباع وقد يوكل وإن أريد في المرهون فلا عرف، وتعليل الشافعي ﵁ في "المختصر" (١) و"الأم" (٢) بأن "للراهن البيع قبل محل الحق" يقتضي أن تمكنه من البيع كافٍ من غير إجبار وزاد عليه في "الأم": "أنه قد يموت من ساعته فيباع" يعني: فهو مما يمكن بيعه الآن، وكلا المعنيين موجود في المعلق عتقه بصفة وقد نص فيه على الفساد وأطبق عليه الأكثرون، وتعليله في البويطي بأنه يأتي السلطان إلى آخره يقتضي الإجبار ومنه يخرج ما قاله المصنف من التعليل لكن قد بينَّا المنازعة فيه.
فإن قلت: فهذا يقتضي ميلك إلى القول بالفساد من غير إشكال، وأنه كالمعلق عتقه بصفة.
قلت: أما إلحاقه بالمعلق عتقه فبعيد؛ لأن في المعلق عتقه وصفًا زائدًا، وهو استحقاق عتقه قبل محل الدين، وهذا المعنى مفقود فيما يتسارع إليه الفساد، وهذا المعنى زائد على ما يفرق به الأصحاب من أن العرف فيما يسرع إليه الفساد أن يباع بخلاف المعلق عتقه وهو أيضًا فرق لا بأس به، فإن بيعه يعد حفظًا له عرفًا، وهذا القدر كافٍ في حمل الرهن المطلق عليه، ولولا أن البيع في مثل ذلك من أسباب الحفظ، لما جوزنا اشتراطه كما لا يتسارع إليه الفساد؛ فلذلك القولان متقاربان في النظر، ولا جرم كثير من الأصحاب أرسلوهما من غير تصحيح؛ ولنا أسوة بهم.
فإن قلت: القول بالتصحيح وحمل الأمر على البيع وحفظ الثمن يقتضي
стр. 892
أن المرهون المالية لا العين وحدها، وذلك لا يجوز.
قلت: إنما لا يجوز إذا لم يرهن العين، واقتصر على رهن المالية، أما إذا رهن العين وكانت مما يعد بيعها حفظًا لها، فلا منع في ذلك، وكان هذا يصير بمثابة الجناية على المرهون حيث ينتقل الحق من العين إلى القيمة.
وقال ابن الرفعة: إن المسألة تقرب مما إذا باع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه هل يصح وفيه خلاف، والأصح منه مختلف فيه، كما هو ها هنا ووجه عدم الصحة أن التسلم واجب على البائع، والمشتري متبرع بالانتزاع.
قلت: وليس مثله؛ لأن الراهن هنا قادر على البيع فهو نظير البائع، وقد قالوا: إن البائع لو قدر وحده على انتزاع المغصوب صح قطعًا، ويشبهه أيضًا بالمغصوب الذي لا يقدر واحد منهما على انتزاعه، كما أشار إليه بعضهم ليس بجيد؛ لأن بيع هذا مقدور عليه، وحرف المسألة أن البيع في مثل هذا هل يعد حفظًا أو لا؟! فإن جعلناه حفظًا وجعلنا الرهن قرينة فيه صححنا وإلا فلا.
التفريع:
إن قلنا بالصحة فإذا أشرف على الفساد يباع، كما لو شرط بيعه، ويجبر الراهن على ذلك كما صرح به المصنف، كذا قاله الجمهور.
وقال الماوردي: لا يجبر (١) وهذا حكاه الروياني عن بعض أصحابنا أنه بالخيار بين بيعه ويكون ثمنه رهنًا وبين تركه وإن هلك ولا يجبر على بيعه.
قال الروياني: "وهذا أقيس والأول أظهر" (٢).
стр. 893
قلت: ويدل له نصه في البويطي، وإنه يأتي السلطان فيأمر، وذلك صريح في الإجبار، ولولا ذلك لترجح القول بالفساد لما قدمناه.
فرع
قال ابن الرفعة في "الكفاية": "إذا قلنا: لا يصح رهنه، فأخذه المرتهن وتركه حتى فسد قال في "التهذيب": إن أذن له الراهن في بيعه ضمن، وإلا لم يضمن" (١). وهذا قد سبق فيما إذا رهنه بدين حالٍّ أو يتحقق حلوله قبل فساده، ولم يذكره صاحب "التهذيب" إلا فيه (٢)، وقياسه أن يأتي هنا إذا قلنا: يصح رهنه، فإصلاح كلام ابن الرفعة أن تكون "لا" زائدة، ويكون مراده حيث قلنا: يصح، إما قطعًا، وإما على الأصح، لكنه زائد على نص "التهذيب"، وأما إن أثبتنا "لا"، فهي مسألة ليست في "التهذيب"، وحكمه حكم غير المرتهن ممن تحت يده مال لغيره وتقسيمه وأحكامه لا تخفى.
فرع
إذا كان المرهون مما يحتمل فساده قبل الحلول ويحتمل بقاؤه، فإن كان الأجل قريبًا، وفي الثمار مسكه لا يُدرى هل يبقى إليه أم لا؟ والأمران محتملان، ففي جواز الرهن المطلق قولان مرتبان على القولين السابقين.
قال الرافعي: "والصحة هنا أظهر" كذا في "الشرح الكبير" (٣) و"الصغير" وعَبَّر عنه النووي في "روضة الطالبين": "بأن المذهب الصحة" (٤) وصححه
стр. 894
في "المحرر"، ولا شك في الترتيب وأولوية الصحة، وأما كون المذهب الصحة ففيه نظر؛ لأنه إن ترجح القول بالفساد هناك نظر إلى اشتراط إمكان البيع عند المحل والجهل بالشرط يمنع من الحكم بالصحة.
أما إذا قلنا بأن من باع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت باطل، فظاهر.
وأما إذا قلنا بصحته، فلأن هناك الملك الذي هو شرط موجود في نفس الأمر الآن، ولكنا جهلناه، والفساد هنا متوقع مستقبل، فهو غرر ظاهر، وقد يعكس ويقال: الأصل هنا بقاؤه، فهو أولى بالصحة من بيع مال أبيه على ظن حياته، ولعل هذا مستند الرافعي في التصحيح، وهو جيد إذا غلب على الظن البقاء اعتمادًا على الأصل، فإن ظهرت أمارات تعارض الأصل، وتقدح في الظن، فالغرر حاصل.
فرع
قال الروياني: "اختلف أصحابنا في معنى لفظ الشافعي - رحمة الله عليه: ومنعني من فسخه أن للراهن بيعه قبل محل الحق على أن يعطي صاحب الحق حقه بلا شرط، فمنهم مَن قال: معناه من غير شرط تأخير بيعها إلى المحل في هذه المسألة، ومنهم مَن قال: أراد بلا شرط أن المرتهن إذا أذن للراهن عند خوف الفساد يبيع الثمرة بشرط تعجيل الدين من ثمنها لا يجوز ذلك" (١).
فرع
لو رهن ما لا يتسارع إليه الفساد، فطرأ ما عرضه للفساد قبل حلول الأجل، كما إذا ابتلت الحنطة، وتعذر التجفيف، فلا يفسخ الرهن
стр. 895
بحال بلا خلاف، وإن منع الصحة في الابتداء على أحد القولين، كما أن إباق العبد يمنع صحة العقد، ولو طرأ لم يوجب الانفساخ بلا خلاف؛ لأن الشروط تراعى في الابتداء دون الدوام، وكذا لو نكح أمة بشرطه، ثم قدر على نكاح حرة لا يبطل النكاح، وإن كان المزني خالف فيه هذا إذا كان عروض الفساد بعد القبض، فلو طرأ ذلك قبل قبض المرهون، ففي الانفساخ وجهان، كما في عروض الموت والجنون.
قال النووي: "الأرجح أنه لا ينفسخ" (١)، والأمر كما قال؛ لأن الإمام (٢) وغيره حكوا الوجهين، وبنوهما على الوجهين في طريان الجنون والموت وجناية المرهون، والأصح في طريان الجنون، وموت المرتهن، وجناية المرهون عدم الانفساخ، وكذلك إذا تخمر العصير قبل القبض وأبق العبد، فإن الأصح عدم الانفساخ، كما صرح به الرافعي في "المحرر"، وإن كان للنظر فيه مجال، ويمكن الفرق بين موت العاقد وجنونه وبين حدوث صفة في المعقود عليه لو قارنت لمنعت الصحة، ولكن المنقول ما ذكرناه، وأجرى الإمام الوجهين فيما لو قتل العبد المرهون قبل القبض، هل يتعلق حق الوثيقة بقيمته الواجبة على المتلف؟
وحاصله: أن حال عدم القبض هل يُنزل منزلة ما قبل الرهن لعدم اللزوم؟ أولًا لوجود أحد سببي اللزوم فيه هذا الخلاف، هذا كله إذا فَرَّعنا على أن ما يتسارع إليه الفساد لا يجوز رهنه، أما إذا قلنا بالجواز، فعروض ذلك بعد العقد، وقبل القبض لا يضر بلا خلاف.
قال الرافعي: "وإذا لم ينفسخ يُباع، ويجعل الثمن رهنًا مكانه" (٣)، وهذا
стр. 896
الكلام بإطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون بعد القبض أو قبله، وفَرَّعنا على عدم الانفساخ، لكن البيع بعد القبض يكون لازمًا وقبله لا يكون لازمًا بل برضاهما، وهو كلام جيد، والذي نقله الإمام فيما بعد القبض، فقال: "إن الأئمة قطعوا بأنه يستحق بيعه، ووضع ثمنه رهنًا" (١). ونقل الماوردي قولين؛ أحدهما: هذا.
والثاني: أنه لا يجبر على البيع؛ لأن حق المرتهن في حبسه دون بيعه (٢).
قال النووي: "وهذا ضعيف" (٣).
قال الماوردي: "والفرق على الأول بين هذه الحالة وبين ما إذا صححنا رهن ما يتسارع إليه الفساد، حيث لا يجبر على البيع قولًا واحدًا أن العقد هنا ورد على سليم حالًا ومآلًا، والبيع يتم تصحيحه لذلك، ولا كذلك في رهن ما يتسارع إليه الفساد، فإن المرتهن دخل مع علمه بحاله، فكان في الانتهاء على ما هو عليه في الابتداء" (٤). انتهى.
وهذا على رأيه في أنا إذا صححنا رهن ما يتسارع إليه الفساد لا يُجبر على بيعة، وقد تقدم أن الأصح أنه يُجبر.
فرع
في نقل الوثيقة من عين إلى عين إذا تراضى المتراهنان على ذلك وجهان؛ أحدهما: يلغو، والوثيقة لا تنتقل، ورضا المرتهن لا يتضمن فسخ الرهن.
والثاني: تنتقل، وما جرى بينهما يتضمن فسخ الرهن الأول وإعادته في
стр. 897
المحل الثاني.
قال الإمام: "وأخذ العلماء هذا الخلاف من رهن ما يفسد قبل الأجل، ووجه الأخذ منه أن الرهن فيما يفسد تضمن نقل الوثيقة إلى عوض المرهون بتقدير البيع، فقالوا: إذا كنا نجوِّز ذلك، فلا يمنع من نقل الحق؛ اختيارًا من محلٍّ إلى محلٍّ. قال: وهذا عندي غير سديد، فإن بيع ما يفسد مستحق شرعًا، وإقامة الأثمان والقيم مقام الأصول قاعدة ممهدة في الشريعة.
فأما نقل حقٍّ مستقرٍّ من محل إلى محل ليس له أصل من غير حاجة ولا ضرورة، وليس النقل والرضا مشعرًا بالفسخ والإعادة على التحقيق، وليس كما لو قال لمالك عبدٍ: أعتق عبدك عني، فإن هذا من ضرورته تقدير نقل الملك ضمنًا لاستدعاء العتق.
وأما نقل الوثيقة، فمبنيٌّ على اعتقاد بقاء الرهن الأول مع نقل موجبه، وعلى هذا يجري انتقال الوثيقة من المثمن إلى الثمن، فالوجه إفساد نقل الرهن من عين إلى عين" (١). انتهى.
ولا مزيد على حسنه؛ ولذلك كان الأصح أنه لا يصح نقل الوثيقة.
وقال الأرغياني في "فتاويه": لو كانت العين مما لا يتسارع إليها الفساد، فقال: نقلت الرهن أو حقك من هذا العبد إلى هذا الثوب، وأراد به فسخًا وإعادة صح، وإلا، فحق الرهن لا يقبل النقل. انتهى.
وهذا تفصيل حسن، ومادته من "النهاية"، ويجب اعتماده ومحل الخلاف في الثاني والأول لا يأتي فيه خلاف، وقد نص الشافعي على أنهما إذا اتفقا على فسخ الرهن وجعله في عين أخرى جاز، وهو شاهدٌ للقسم الأول الذي ذكره الأرغياني.
стр. 898
فرع
رهن ما لا يفسد، وشرط أن يباع، ويجعل ثمنه رهنًا بلا عذر ظاهر.
قال الروياني: "المذهب أنه لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز كما يجوز بالعذر.
والثاني: لا؛ لأن نقل العقد من محل إلى محل لا يمكن، كما لو نقل من عبد إلى عبد لا يجوز، وإن تراضيا عليه" (١). انتهى.
وكان هذا تفريعًا (٢) على منع نقل الوثيقة، ومقتضاه أنه إذا لم يجز بغير شرط، فهل يجوز بالشرط؟! وجهان.
* * *
стр. 899
قال:
وإن رهن ثمرة يسرع إليها الفساد مع الشجر، ففيه طريقان؛ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو أفرده بالعقد، ومنهم من قال: يصح قولًا واحدًا؛ لأنه تابع للشجر، فإذا هلكت الثمرة بقيت الشجرة.
إذا رهن الثمرة مع الشجرة، فكل موضع قلنا: يصح رهن الثمرة وحدها، فهنا أولى، وكل موضع قلنا: فيه قولان، فهنا طريقان حكاهما جميع الأصحاب؛ أحدهما: إجراء القولين في الثمرة، كما لو كانت مفردة.
فإن قلنا بالصحة صح فيها، وفي الشجرة، وإن قلنا بالفساد فسد فيها وفي الشجرة قولَا تفريق الصفقة: وهذه الطريقة قال الرافعي: "إنها أشبه" (١).
والطريقة الثانية: إنه يصح الرهن في الثمرة والشجرة قولًا واحدًا؛ لأن الثمرة والحالة هذه تابعة، فلا يضر كونها يسرع إليها الفساد، ألا ترى أن بيعها وحدها لا يجوز بدون شرط القطع، ويجوز مع الشجرة، وهذه الطريقة قال أبو علي الطبري في "الإفصاح" إنها أصح، والمختار الطريقة الأولى، والفرق بين هذا وبين البيع أن في البيع يتمكن المشتري من قطعها والانتفاع بها، وها هنا تصحيح الرهن فيها مع العلم بفسادها قبل الأجل لا فائدة فيه إلا إن قيل ببيعها وحفظ ثمنها كالمفردة، فالمختار إجراء القولين وتفاريعهما جميعها عائدة هنا، فلا نطول بذكرها، وقد علم محلهما والفرق بين ما يجفف وغيره، وبين أن يفسد قبل الأجل أو لا، فاستغنينا عن إعادته، وكل
стр. 900
موضع قطعنا في المفردة بأنه لا يجوز رهنها، وأفسدنا هنا، ففي الأشجار قولًا تفريق الصفقة، وهل في المواضع التي تقطع بالفساد حالة الإفراد، كما إذا شرط عدم البيع، فيما يفسد قبل الأجل، فهل يتردد فيه لأجل التبعية، أو يقطع بالفساد في الثمرة، وتخريج الشجرة على قولي تفريق الصفقة، الأقرب الثاني، وهو الذي أطلقوه، وإن كان الأول محتملًا، ولا ينافيه كلامهم أيضًا، وقد وقع في "الانتصار" لابن عصرون هنا شيء عجيب، فإنه حكى ثلاث طرق؛ أحدها: أن حكم الثمرة ما لو أفردها بالرهن، ففي الموضع الذي لا يجوز يبنى على تفريق الصفقة؛ لأنه جمع في الرهن بين جائز وغير جائز. قال: وهذا أصح الطرق الثلاثة.
والثاني: أنها على قولين.
والثالث: يصح قولًا واحدًا، هذا كلامه، فإن كان ما قاله عن ثبتٍ، فيقتضي أن منهم من يقول: حكم الثمرة هنا حكمها عند الإفراد، حيث قطعنا بالفساد حالة الإفراد، قطعنا به هنا، وحيث قطعنا بالصحة هناك قطعنا بها هنا، وحيث ترددنا هناك ترددنا هنا، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنها الطريقة التي ذكرها المصنف وغيره من إجراء القولين، وهي مرادهم، ومقتضى كلام ابن أبي عصرون مع هذا أن بعضهم قال: إنها هنا على قولين مطلقًا، وإن قطعنا بالفساد هناك في بعض الصور، وهذا ما قدمنا أنه محتمل، ولكن لم أَرَ التصريح به، وأما التصحيح قولًا واحدًا، فمذكور في الكتاب وغيره، فالذي انفرد به ابن أبي عصرون حكاية الطريق الثانية المقتضية إجراء قولين هنا، وإن حكمها مغاير لحالة الإفراد، ولا فرق كما صرح به القاضي حسين في هذا بين أن تكون الثمرة طلعًا أو بُسْرًا بدا فيه الصلاح، أو لم يَبْدُ. وذكر الماوردي تفريعًا على صحة الرهن في الثمرة، أنه هل يجبر
стр. 901
الراهن على بيعها عند تناهيها وإدراكها أو لا؟ على قولين؛ أحدهما: لا يجبر على بيعها، كالطعام الرطب الذي لا يُجبر على بيعه عند حدوث فساده، يعني على قوله، كما سبق عنه، وإن كان الصحيح عند الأصحاب خلافه.
والثاني: قال: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع أنه يجبر على بيعها بخلاف الطعام الرطب، والفرق بينهما أن الثمرة ها هنا تبع لأصل باقٍ، وهو النخل، لَحِق بحكم أصله، ووجب بيعه ليكون باقيًا معه، وليس كذلك الطعام الرطب؛ لأنه لا يتبع أصلًا باقيًا، فكان بحكم نفسه منفردًا. انتهى.
وقد تقدم من نصه في البويطي ما يقتضي الإجبار فيما ليس بتابع، وهو الأصح عند الأصحاب فيهما، وبذلك مع ما ذكره الماوردي يأتي ثلاثة أوجه في الإجبار.
فإن قلت: ما الذي نص عليه الشافعي في رهن الثمار مع الأشجار؟
قلت: الصحة، قال في "المختصر" في باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين: "وإذا رهن ثمرًا قد خرج من نخله، قيل: يحل بيعه ومعه النخل فهما رهن؛ لأن الحق لو حل جاز أن يباعا، وكذلك إذا بلغت هذه الثمرة قبل محل الحق وبيعت، خيّر الراهن بين أن يكون ثمنها مرهونًا مع النخل أو قصاصًا، إلا أن تكون هذه الثمرة تيبس، فلا يكون له بيعها إلا بإذن الراهن" (١).
وقال في "الأم": "وإذا رهنه ثمرًا قد خرج من نخله، قيل: يحل بيعه ونخله معه، فقد رهنه نخلًا وثمرًا معًا، فهما رهن جائز من قبل أنه يجوز له لو مات الراهن، أو كان الحق حالًّا أن يبيعهما من ساعته" (٢).
стр. 902
قلت: وهذه الزيادة التي في "الأم" تبين أن قوله بالصحة هنا كقوله بالصحة في رهنها مفردة، كما سبق عنه وفيه شاهد لطريقة إثبات القولين هنا كما هناك.
قال في "الأم" (١) عقب ما حكيناه الآن: "وكذلك لو كان إلى أجل؛ لأن الراهن متطوع ببيعه قبل [أن] (٢) يحل أو يموت، فيحل الحق، وإذا كان الحق في هذا الرهن جائزًا إلى أجل، فبلغت الثمرة وبيعت، خيّر الراهن بين أن يكون ثمنها قصاصًا من الحق، أو مرهونًا مع النخل حتى يحل الحق، ولو حل الحق فأراد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها دون النخل لم يكن له، وكذلك لو أراد قطعها وبيعها، لم يكن له إذا لم يأذن له الراهن في ذلك". انتهى كلام الشافعي، وليس فيه شاهد للقطع بالصحة، بل لإثبات القولين، ولا يبعد أن يرتب القولين، ويكون القول بالصحة هنا أولى، والطريقتان تقتضيان ذلك، وقد يخرج من هذا أن يُفتى بالصحة هنا، وإن توقفنا فيها فيما مضى.
فإن قلت: كلام الشافعي المذكور يقتضي أنه لا فرق في ذلك أن بين يكون الدين حالًّا أو مؤجلًا؛ والطريقان إنما هما في المؤجل بأجل يفسد قبله.
قلت: صحيح، ولكن الشافعي لما أفتى بالصحة جمع المسألتين، وإن كانت إحداهما مجزومًا بها، والأخرى مترددًا فيها عند الأصحاب أو عنده في موضع آخر.
وقد قال ابن داود وهو أبو بكر محمد بن داود بن محمد الداودي في
стр. 903
"شرح المختصر": قوله: "فهما رهن؛ لأن الحق لو حل جاز أن يباعا"، معناه أن الحق إذا كان حالًّا بيع في الحال ليس أن هذا في المؤجل حتى يجري قوله: "لو حل" على ظاهره ألَا تراه أنه عطف عليه المؤجل، فقال: وكذلك إذا بلغت هذه الثمرة قبل محل الحق وبيعت، والشافعي عطف على قوله: جاز أن يباعا إن قال: وكذلك لو رهنه بدين مؤجل، فالرهن جائز؛ لأنه قد يتطوع الراهن فيبيعه وقد يموت، فيحل الحق، ثم قال: وإذا بلغت هذه الثمرة قبل محل الحق بيعت، وهذا ظاهر في المعنى، غير أن المزني ترك الفصل الأوسط اختصارًا، وقال: وكذلك إذا بلغت حتى غلطه بعض أصحابنا، فقال: كان حقه أن يقول: فإذا بلغت، ولا نقول: وكذلك إذا بلغت، ونترك عطف الشيء على نفسه؛ لأن الفصل الأول في المؤجل، ألا تراه يقول: لو حلّ فلا … (١) العطف عليه [بقوله] (٢): وكذلك، وقوله: بيعت، أي: دون رضا الراهن تباع، ولا تترك تفسد؛ أعني فيما لا ييبس. انتهى كلام الداودي.
وفيما تكرر من كلام الشافعي وشرحه من اعتبار تمكن الراهن من البيع وأنه قد يتطوع ما يقتضي تصحيح رهن ما يتسارع إليه الفساد من أصل المسألة، وأنه لا يعتبر الاستحقاق والوجوب، بل الإمكان في طرف الراهن، وهو موجود لكن هذا موجود في المعلق عتقه بصفة، فهي علة منتقضة، وسيأتي من بقية حكم رهن الثمار مع الأشجار شيء عند الكلام على رهن الثمار على رأس الأشجار بدون الأشجار، حيث ذكرها المصنف.
стр. 904
فرع
رهن الثمار وحدها على الأشجار قبل بدوِّ الصلاح سيذكره المصنف، وبعد بدو الصلاح يجوز بشرط القطع وبدونه، وحكمها على ما سبق فيما يتسارع إليه الفساد إن كانت تجفف صح، وإلا فإن كان بدين حال أو مؤجل بأجل يحل قبل الفساد صح، وإلا فعلى القولين، وهذا قد عُلِمَ مما قدمناه، ولكنا أحببنا زيادة الإيضاح، ومتى صح رهن الثمار على الأشجار، فمؤنة السقي والحداد والتجفيف على الراهن دون المرتهن، فإن لم يكن له شيء باع الحاكم جزءًا منها، وأنفقه عليها، وقد تقدم عن المتولي إطلاقه هذا الحكم، وكذلك صاحب "العدة"، ويجب تقييده بما قلناه، أو يكون مفرعًا على قول الشيخ أبي محمد في مؤنة الرهن، ولو توافق الراهن والمرتهن على ترك السقي، جاز بخلاف علف الحيوان.
وحكى الروياني عن بعض الأصحاب: أنه يجبر عليه، كما يجبر على علف الحيوان، وادعى أنه الأصح.
قال ابن الرفعة: وهو فيما إذا اتفقا على ترك التجفيف أصح؛ لأن ذلك إتلاف محقق، وقد نهى الشرع عن إضاعة المال.
قلت: وقواعد المذهب تقتضي عدم الإجبار في الموضعين، وإن قيل بالتحريم للحديث، ولكن إجبار الحاكم عليه والنفع يعود إلى صاحبه بعيد، وإذا كان الحاكم لا يجبر على الندور على أحد الوجهين، فعدم الإجبار هنا أولى.
وكلام الغزالي في "الوسيط" (١) يقتضي أن مؤنة الثمار من عين الثمرة يباع بعضها، كما قاله المتولي والشافعي، نص في كراء البيت الذي يجعل فيه
стр. 905
المرهون ظاهره يدل له، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند الكلام في مؤنة الرهن في الباب الذي بعد هذا، ولنتعرض لذلك هنا، فإن الشافعي ذكره هنا.
قال: "وإذا رهنه ثمرة، فعلى الراهن سقيها وصلاحها وجدادها وتشميسها، كما يكون عليه نفقة العبد" (١). وذكر الشافعي في موضع آخر أن الجداد والتشميس ليس بواجب على الراهن.
قال الماوردي: "وليس ذلك على قولين وإنما الموضع الذي قال: يجب إذا بلغ وقت الجداد والتشميس والحق لم يحل فعليه تشميسها؛ لما فيه من حفظها وصلاحها، فإن امتنع أجبر عليه، والموضع الذي قال: لا يجب إذا كان الحق قد حلَّ؛ لأن حق المرتهن بعد الحلول في بيعها دون تشميسها" (٢). انتهى.
وأما نصه في الكراء، فإنه قال: "وإن أبى الموضوعة على يده أن يتطوع بأن يضعها في منزله إلا بكراء. قيل للراهن: عليك حرز تحرز فيه؛ لأن ذلك من صلاحها، فإن جئت به، وإلا اكترى عليك منها" (٣).
قال الماوردي: "إن امتنع الراهن من الكراء اكترى القاضي عليه من ماله، فإن لم يجد له مالًا غير الرهن باع من الرهن بقدر يكتري به منزلًا يحرزه فيه، ويكون مُكري المنزل يقدم بالكراء على المرتهن وسائر الغرماء" (٤). انتهى.
стр. 906
وحاصله: تأويل كلام الشافعي على حال إعسار الراهن، ولو أدى المرتهن أجرة المنزل، فعلى ما سبق في الخراج، ولو شرط المرتهن الرجوع بما دفع من الكراء على أن يكون الرهن مرهونًا في يده بالحق، وبالأجرة الناجزة، فيصير مدخلًا لحق ثانٍ على حق أولٍ في رهنٍ واحدٍ إلا أن فيه صلاحًا للرهن، فجرى مجرى جناية العبد إذا فداه المرتهن على أن يكون رهنًا بها، وبحقه الأول، وفيها طريقان في "الحاوي"؛ إحداهما: إن في جواز ذلك قولين.
والثاني: يجوز قولًا واحدًا، وإن كان الراهن غائبًا، فإن دفع المرتهن بإذن الحاكم رجع، وإن دفع بغير إذنه، وهو قادر على استئذانه؛ لم يرجع، وإن كان الحاكم غير موجود فهل للمرتهن الرجوع وجهان في "الحاوي" (١)، وهما الوجهان في هرب الجَمَّال.
فرع
قال الشافعي فيما إذا رهنه الثمرة: "ليس للراهن ولا المرتهن قطعها قبل أوانها إلا أن يرضيا به فإذا بلغت إبَّانها، فأيهما أراد قطعها أجبر الآخر" (٢).
قال الماوردي: "إن اتفقا على قطعها، فذاك لهما، سواء كان قبل إدراكها أم بعده، وإن اختلفا والحق قد حل، فإن كانت غير مدركة أجيب من طلب الترك؛ لأنها تزيد في نفسها وفي ثمنها، والزيادة المتصلة حادثة في ملك الراهن داخله في وثيقة الرهن، فلم يجبر واحد منهما على قطعها، وإن كانت مدركة، أجيب طالب قطعها، فإن طلب أحدهما قطعها في أول
стр. 907
إدراكها والآخر بعد تناهي إدراكها، فإن كانت مما لا يشمس؛ أجيب طالب القطع في أول إدراكها، إن كانت مما يجفف ويشمس أجيب طالب قطعها بعد تناهي إدراكها" (١).
فرع
لو رهن الثمرة والشجر، وطلب أحدهما التجفيف وامتنع الآخر، فقد ذكرناه عن الماوردي (٢) فيما مضى.
فرع
منع أبو حنيفة مَن رهن الثمار على الشجر والزرع بدون الأرض، ومَن رهن الشجر بدون الثمرة التي عليها، والأرض بدون ما فيها من الزرع، وجعل ذلك من قبيل رهن المشاع وعندنا لا يمتنع هذا ولا ذاك.
فرع
نلخص به ما ذكرناه في هذا الفصل، فإنه قد انتشر وحصل فيه تقديم وتأخير عن واجب الشرح، فيقول: رهن الأطعمة والفواكه الرطبة والثمار المقطوعة والتي على الشجر إذا بدا صلاحها إن أمكن تجفيفها، جاز رهنها، وفي البويطي إشارة إلى خلاف لم يأخذ به الأصحاب، وإن لم يمكن تجفيفها، فإن رهنها بدين حال أو مؤجل بأجل يحل قبل فسادها صح، وإن لم يحل قبله، فإن شرط بيعها صح، أو عدمه بطل، أو أطلق فقولان، وإن احتمل أن يفسد قبل الأجل أو بعده، فالأصح الصحة، وإن رهن الثمار مع الشجر فطريقان؛ أصحهما: طرد القولين ومؤنة التجفيف والقطاف على الراهن قبل المحل، ويجبر عليها إن كان موسرًا، فإن أعسر فمن عين الرهن.
стр. 908
وقيل: من عين الرهن مطلقًا، ومؤنة السقي على الراهن، كالتجفيف، ولو رهن ما لا يسرع فساده، فطرأ ما عرضه له لم يفسد بعد القبض، وكذا قبله في الأصح، ولا يصح نقل الوثيقة في الأصح، إلا أن فسخا الرهن وأنشآ غيره، ولو شرطا فيما لا يفسد بيعه ورهن ثمنه، وقلنا بجواز نقل الوثيقة جاز، وإلا فلا في الأصح، ولو اتفقا على ترك السقي جاز في الأصح، وكذا ترك التجفيف، ولو اتفقا على قطع الثمرة قبل إدراكها أو بعده جاز، وإن اختلفا لم يقطع إلا حال الإدراك ولا يعتبر تناهيه، بل أول الإدراك.
فرع
قال الشافعي: "وإذا حل بيع الثمر، حل رهنه إلى أجل كان الحق أو حالًّا، وإذا بلغ ولم يحل الحق لم يكن للراهن بيعه إذا كان ييبس إلا برضا المرتهن. فإذا رضي فثمنه رهن إلا أن يتطوع الراهن فيجعله قصاصًا" (١). انتهى.
وهذا الإطلاق يقتضي أن ثمنه رهن، سواء كان ينقص بالتجفيف أم لا، وقد سبق عن الماوردي أن فيما لا ينقص بالتجفيف يبطل الرهن.
* * *
стр. 909
قال:
فصْل [في تعليق الرهن على صفة]
وإن علق عتق عبدٍ على صفة توجد قبل محل الدين لم يجز رهنه؛ لأنه لا يمكن بيعه في الدين. وقال أبو علي الطبري: إذا قلنا: يجوز رهن ما يسرع إليه الفساد جاز رهنه.
إذا علق عتق عبده على رمضان مثلًا، لم يجز أن يرهنه بدين مؤجل بشوال؛ لأنه لا يمكن بيعه عند استحقاق الدين؛ لأنه يكون قد عتق قبله هكذا قطع به الأكثرون، ولم يورد الشيخ أبو حامد والماوردي غيره، وعن بعض الأصحاب أنه خرجه على رهن ما يتسارع إليه الفساد، فيكون فيه قولان حكى هذه الطريقة ابن الصباغ وغيره هكذا، وأرسل الإمام وجهين، وقال: "إن البناء على ما يتسارع إليه الفساد، إنما ينتظم إذا قلنا بنفوذ العتق المعلق قبل الرهن، عند وجود الصفة حالة الرهن، أما إذا لم يقل بذلك، فلا يخاف تسارع الفساد إليه وفوت الوثيقة، فيوجه الخلاف بشيء آخر، وهو أن الرهن هل يصلح دافعًا للعتق المستحق بالتعليق، فتارة يقول: نعم، كالبيع، وأخرى يقول: لا لضعفه". هكذا لخص الرافعي كلام الإمام (١)،
стр. 910
والمقصود أنه إذا وُجِدَتِ الصفة وهو مرهون، هل يعتق أو يكون كما لو وجدت، وليس في ملكه وجهان؛ إن قلنا بالأول: فهو يخشى عتقه قبل الأجل، فيتجه تخريجه على ما يسرع فساده.
وإن قلنا بالثاني: فلا يتجه التخريج عليه، بل يخرج الوجهان على أن الرهن هل هو كالبيع، فيصح، وإن منع العتق المستحق بالتعليق أولًا لضعفه وانحطاطه عن رتبة البيع، فيفسد محافظة على حكم التعليق؛ لأنه لو صح لمنع العتق المستحق على هذا التقدير، والمراد بكونه دافعًا للعتق المستحق بالتعليق، أي: إذا وجد في دوام الرهن، وليس المراد أنه دافع له مطلقًا كالبيع، حتى إذا وجدت الصفة بعد فكاك الرهن لا يعتق إلا على احتمال ضعيف سنذكره، وهذا الكلام من الإمام يقتضي إثبات طريقة بإجراء الوجهين سواء قلنا برهن ما يتسارع إليه الفساد أم لا، وهي غريبة، ولكنها فقيهة، وبها يحصل في المسألة ثلاث طرق؛ أصحها: القطع بالفساد.
والثانية: إثبات قولين مما يتسارع إليه الفساد.
والثالثة: إثبات قولين مطلقًا، صح ما يسرع فساده أو فسد، وهذه الثالثة إنما أوجبها تصرف الإمام، وهي ناظرة إلى أن عتق الراهن لا ينفذ، وأن المعتبر حال الصفة والتردد في إلحاق الرهن بالبيع.
فإن قلنا: عتق الراهن نافذ، أو اعتبرنا حال التعليق، فالعتق في دوام الرهن نافذ، فلا جريان لها، ومع ذلك اعتبار حال الصفة هنا بعيد؛ لأن العتق تقدم استحقاقه على الرهن، وليس الرهن كالبيع، وبالجملة هي طريقة غريبة غير منسوبة إلى أحد، بل خارجة من حسن تصرف في الطريقة المنقولة، وهي الثانية المخرجة على رهن ما يتسارع إليه الفساد، والمنكرون
стр. 911
للخلاف فرقوا بأن الظاهر من حال صاحب الطعام الذي يتسارع إليه الفساد الرضا بالبيع عند خوف الفساد؛ كيلا يضيع، والظاهر من حال المعلق إمضاء العتق وتنفيذه، وقد تقدم منا فرق آخر، وهو أن المعلق عتقه جرى سبب استحقاق عتقه، وذلك معارض لاستحقاق المرتهن البيع، وهو يناسب طريقة الإمام، ولم يرجح أحد في المعلق عتقه صحة الرهن إلا ما نحكيه عن الغزالي، وسائرهم ردوه.
وأما نقل المصنف عن أبي علي الطبري (١)، هو كذلك في "البحر" والرافعي، لكن مرسلًا عنه ولم يبينا الواسطة، ونقله أتباع المصنف، كما نقله المصنف، والذي رأيته في "الإفصاح" لأبي علي الطبري أنه قال: وإن قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، فإن رهنه بحق يتأخر عن رأس الشهر لم يجز؛ لأنه يعتق قبل حلول الحق قول واحد.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يقال: أنه يجوز؛ لأن الراهن قد يتطوع ببيعه قياسًا على الطعام الرطب، وبينهما فرق؛ لأن فساد الطعام لا بغية فيه، فالعرف في الشرع والاستعمال قد حكم ببيعه؛ لئلا يفسد، وفي عتقه بغية وقربة إلى الله تعالى، فلم يحكم العرف ولا الشرع ببيعه، فلم يجز إلا أن يرهنه بحق قبل مجيء الصفة، فيجوز، وقد قيل: لا يجوز؛ لأنه لا يؤمن أن تتأخر الوثيقة؛ أي: يتأخر الفكاك بعد الحلول، قال: والأول أصح. انتهى كلامه. وهو يدل على أنه ناقل للطريقة المخرجة على ما يتسارع فساده لا قائل بها، فالأولى نسبة الطريقة المذكورة إلى بعض أصحابنا من غير تعيين، كما فعله ابن الصباغ وغيره.
وقال ابن الرفعة: إن القول المخرج بالصحة ينسب إلى أبي الطيب بن
стр. 912
سلمة، ولا أدري من أين نقل ابن الرفعة ذلك، ومراده بالقول المخرج الطريقة المذكورة، والذي يقتضيه نص الشافعي في المعلق عتقه في مسألتنا فساد الرهن؛ لأنه قال في "المختصر" بعد أن حكم بفساد رهن المدبر: "ولو قال له: إن دخلت الدار، فأنت حر، ثم رهنه؛ كان هكذا" (١). انتهى، يعني: فاسدًا، وإذا كان هذا نصه في الصفة التي تحتمل أن تتأخر عن الأجل، فالتي يعلم تقدمها أولى بالفساد، وقال أيضًا في "الأم": "ولو رهن رجل رجلًا عبدًا له قد أعتقه إلى سنة أو أكثر من سنة، كان الرهن مفسوخًا للعتق الذي فيه" (٢) هذا مع نصه في "المختصر" (٣)، و"الأم" على صحة رهن ما يسرع فساده، "وإذا قلنا بصحة رهن المعلق عتقه بصفة تتقدم على حلول الدين، فيباع إذا قرب أوان الصفة، كما يباع الطعام المشرف على الفساد" (٤)، قاله صاحب "التقريب" (٥) وغيره.
وقد اقتضى إيراد الغزالي في "الوجيز" ترجيح الصحة في رهن المعلق عتقه، ولا يوافقه عليه أحد، وكذا قال في "الخلاصة": إنه الأقيس، وإمامه رجح المنع، كما رجحه الأصحاب، واعتمد في "الوسيط" أيضًا ما يخالف الجمهور؛ فإنه قال: "إن قلنا: لو وُجِدَتِ الصفة في حال الرهن؛ نفذ، إما لقوة العتق، أو لأن العبرة بحال التعليق خرج على رهن ما يتسارع إليه الفساد.
وإن قلنا: لا ينفذ، فهو بالرهن مدافع حكم التعليق، والأصح جوازه،
стр. 913
كما لو دفعه بالبيع.
وفيه وجه: أنه يفسد لضعف الرهن" (١)، وفيه مخالفة من وجهين؛ أحدهما: تخريجه على ما يسرع فساده وقد عرفت أن الجمهور على خلافه.
والثاني: قوله أن الأصح على قولنا لا ينفذ جوازه، ويكون دافعًا كالبيع، وهذا بعيد، بل الوجه فساده لمنعه العتق المستحق الموجود صفته في الملك بخلاف البيع، وبالجملة القول بأن الرهن يصح، ويمنع من نفوذ العتق المعلق قبله بعيد لا وجه له وحيث قيل به، فينبغي أن يكون المراد منعه في دوام الرهن كما قدمناه.
وقال ابن الرفعة: إن الراهن هل له التسلط على إبطال حق العتق في العبد مع أن سببه تقدم، كما له أن يبطله ببيعه يخرج فيه خلاف على الخلاف الذي سنذكره في رهن المدبر مع القطع بجواز بيعه، وإلى هذا أشار الغزالي بقوله: فهو بالرهن مدافع حكم التعليق، والذي أورده البندنيجي في كتاب العتق أن الرهن مع الإقباض كالبيع.
قال ابن الرفعة: وقد يتخيل الفرق بينه وبين التدبير، فإن التدبير قربة، والقُرب يرغّب الإنسان في بقائها، فجاز ألا يجعل برهنه وإقباضه مبطلًا له، ولا كذلك تعليق العتق بالصفة، فإنه ليس بقربة، كما ذكره الرافعي في كتاب الصداق، وإذا لم يكن قربة جاز أن يجعل الرهن والإقباض فيه رجوعًا. انتهى.
وكون تعليق العتق ليس بقربة قد تنازع فيه وينبغي إذا علقه لا على وجه اليمين يكون قربةً؛ لأنه قاصد لذلك، والتدبير سيأتي الكلام في أنه تعليق أو وصية، والقياس يقتضي أن التعليق لا يتسلط على قطعه إلا بما يزيل الملك،
стр. 914
ثم قال ابن الرفعة: إن ظاهر كلام البندنيجي، حيث ألحق ذلك بالبيع يقتضي أن الصفة لو وجدت بعد زوال الرهن وبقائه في الملك، إما ألا يعتق جزمًا، أو يخرج على القولين فيما إذا زال ملكه بالبيع عن العبد، ثم عاد حتى يخرج على الخلاف قال: والذي يظهر في هذه الحالة الجزم بنفوذ العتق؛ نظرًا إلى حالة التعليق ووجود الصفة اللتين عليهما المعول.
قلت: وهذا لا شك فيه، ويجب تأويل كلام البندنيجي وغيره عليه؛ لأنا إنما نمنع العتق فيما إذا زال الملك، ثم عاد لوجود التعليق قبل هذا الملك، وهذا المعنى مفقود في تخلل ما يمنع من العتق مع بقاء الملك، وقد أبعد ابن أبي عصرون، فصحح طريقة التخريج على ما يسرع فساده (١).
فرع
لو شرط فيه أن يباع قبل وجود الصفة اقتضى كلام ابن الرفعة في الكفاية (٢) أنه يصح؛ لأنه لما قال الشيخ: "والمعلق عتقه بصفة تتقدم على حلول الحق لا يجوز رهنه، قال: أي: من غير شرط بيعه قبل وجود الصفة"، وكأنه أخذ ذلك مما سبق فيما يسرع فساده، وكلام الأصحاب ساكت عن ذلك هنا، وابن الرفعة أخذ ذلك من "المرشد"، وقال: إنه صرح بذلك، يعني: صحة الرهن، إذا شرط بيعه قبل وجود الصفة، ولا شك أن صاحب "المرشد"، وهو ابن أبي عصرون يرى أن حكم هذا حكم ما يسرع فساده، وأن الأصح طريقة التخريج كما سبق عنه، أما الجمهور الفارقون بينه وبين ما يسرع فساده، فكلامهم ساكت عنه، وينبغي أن يقال: إن عللنا فساد الرهن بأنه لو صح لمنع العتق المستحق، فهذا المعنى لا يزول بشرط البيع، وإن عللنا بتوقع العتق، فيظهر أنه إذا شرط
стр. 915
البيع، صح كما قاله ابن أبي عصرون، ويحتمل أن يقال: إنما احتملنا الشرط فيما يسرع فساده لاقتضاء الشرع والعرف له؛ حفظًا للأموال، وهذا المعنى مفقود هنا، وبالجملة حصل خلاف في أنه إذا شرط بيعه هل يصح أو لا؟
فرع
هذا كله في رهنه بدين يحل بعد الصفة، كما فرضه المصنف، أما رهنه بدين حال فيصح قولًا واحدًا على ما قاله كثير من الأصحاب، وكذا بمؤجل بأجل يتيقن حلوله قبل الصفة، كما لو كان العتق معلقًا برمضان، والدين يحل في شعبان، وفي "المختصر من شرح تعليق الطبري" عن ابن أبي هريرة حكاية وجه ضعيف أنه لا يجوز، ولم يحكه في الحال، وقد سبقت حكاية هذا الوجه عن "الإفصاح"، ويلزم طرده في الحال، وإذا قلنا بالمشهور، قال الروياني عن والده؛ "أنه ينبغي أن يبقي من المدة ما يمكن البيع فيها من جهة العادة، وإلا فلا يجوز" (١)، يعني: إذا كان يحل قبل الصفة بساعة مثلًا بحيث لا يمكن بيعه عادة حتى توجد الصفة، فيكون حكمه حكم ما يحل بعد الصفة، فيفسد الرهن، وهذا تنبيه جيد لا يُخالف فيه.
فرع
إذا عرف ذلك، وصححنا الرهن في الحال، أو فيما يحل قبل الصفة فيباع في الدين، فلو لم يتفق بيعه حتى وُجِدَتِ الصفة، فَيُبْنَى على القولين في أن الاعتبار بحال التعليق أو بحال وجود الصفة.
إن قلنا بالأول: عتق، وللمرتهن فسخ البيع المشروط فيه الرهن إن كان