← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30084

القواعد الأم للفقه

فضل مراد

Полный текст (773 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن علم القواعد الفقهية الكلية الراجعة إلى الكتاب، والسنة، والإجماع، من أهم ما يحتاجه الفقيه خاصة في عصرنا؛ لأنها قوانين كلية كبرى، تضبط للفقيه ما يحتاجه من المسائل المتناثرة، والفروع المتكاثرة، والمستجدات المعاصرة. وقد ألف الناس كثيرًا في هذا الفن منذ النشأة الأولى إلى الأخرى، ولكني لم أرَ كتابًا من كتب القواعد الفقهية اهتم بتفعيل هذا العلم في واقع حياتنا المعاصرة، في كافة الأبواب الفقهية، والقواعد الفقهية المتفق عليها. فكلهم جعل أرضيته التنزيلية الواقع عند فقهائنا المتقدمين، واقتصر عليه. وهي على براعتها وجمالها وأهميتها لا يستفيد منها الباحث المعاصر، في واقعه التنزيلي المستجد، فيظل متصلًا بالقواعد، منفصلًا عن الواقع المعاصر. فكان لا بد من التشمير لهذه المهمة، وهي ضمن مشروعنا التجديدي -فقه العصر- وحلقة من حلقاته، ومن موسوعته معالم الاجتهاد في فقه العصر. فتتبعت كتب النوازل المعاصرة، والفتاوى، والقرارات المجامعية، والرسائل الجامعية، والأبحاث العلمية، ومواقع الفتوى على الويب، بل وفيديوهات متعلقة بالموضوع.

стр. 2

إضافة إلى ما في ذهني من المستجدات الفقهية المعاصرة، وما في كتبي وأبحاثي. فأخذت في جمعها في ملف مستقل، وجعلت لكل قاعدة موضعًا مفردًا، أذكر تحتها ما ظفرت به من الفروع الفقهية المعاصرة؛ ليسهل علي الرجوع إليها وأخذها لوضعها في محلها من هذا الكتاب. ولم أُخلِ الكتاب عن الفروع الفقهية المتقدمة التي يذكرها فقهاؤنا، بل بدأت بذكرها؛ حتى يجتمع في الكتاب محاسن ما تقدم، مع ما في عصرنا من المسائل. وجعلت الكتاب على القواعد الست الكبرى التي أجمع عليها أهل الإسلام، ثم أدرجت القواعد التي تندرج في نفس السياق والموضوع مما هي كالمقيدة، أو الموضحة، أو المفرعة. وقد حرصت على أن تكون القواعد التي اشتمل عليها كتابي هذا مما لها دليل من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو ما اتفقت عليها كلمة المذاهب الأربعة، وإن اختلفوا في تنزيلها. وجمعت من الفروع المعاصرة ما تقر به أعين العلماء، وطلاب العلم، وذكرتها في مبحث مستقل في كل قاعدة. ومن قرأ هذا الكتاب، وأتقنه، وعرف ما فيه، فقد حصل القواعد الأم في الفقه الإسلامي، التي عليها البناء في جميع المذاهب، ويحتاجها كل ناظر. بل من قرأه واطلع على ما فيه من الفروع المعاصرة، التي بنيت على القواعد، وفهمها، وفقهها تصورا وتأصيلًا وتنزيلا، فقد حصل من مسائل فقه العصر الجم الغفير مما تفرقت في الكتب والموسوعات والأبحاث والرسائل. وأسأل الله الذي استوى على العرش أن يجعله خالصًا لوجهه، نافعًا

стр. 3

للأمة إلى يوم الدين، وأن يجعله -تعالى- من العمل الصالح، والصدقة الجارية بعد الموت. ونعوذ بالله من حظوظ النفس وشهواتها ونزغات الشياطين. وهو حسبنا ونعم الوكيل. أ. د. فضل مراد

стр. 4

الفصل التمهيدي: في الماهيات والاستدلال أول ما نتكلم عنه مما يتعلق بالفن هو: تعريف القاعدة الفقهية، والضابط الفقهي، والقاعدة الأصولية، ثم نبين الاستدلال بها، فهذان مبحثان: • المبحث الأول: التعريفات. • المبحث الثاني: الاحتجاج بالقواعد الفقهية وبيان بطلان النقل عن الجويني، وابن دقيق العيد، وابن نجيم، في القول بعدم الاستدلال بالقواعد الفقهية الكلية.

стр. 5

المبحث الأول: التعريفات ١ - تعريف القاعدة الفقهية: القاعدة لغة: الأساس، حسيًا كقواعد البيت، أو معنويًا كقواعد الدين أي دعائمه (١). قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. واصطلاحًا: حكم كلي ينطبق على جزيئات كثيرة من أبواب متعددة تفهم أحكامها منها (٢). ومعنى حكم كلي: أنه لا يختص بمسألة بعينها، بل يدخل تحته مسائل كثيرة من الفقه. ومعنى جزئيات كثيرة: أي مسائل وفروع فقهية، ومعنى من أبواب متعددة أي: كباب الصلاة، وباب الصوم، وباب الحج، والبيوع، والنكاح، وغير ذلك، فلا تختص بباب معين. ومعنى تفهم أحكامها منها: أي تفهم أحكام هذه المسائل الفقهية في الأبواب المتعددة من خلال هذه القاعدة الفقهية التي تندرج تحتها.

стр. 6

مثال ذلك: قاعدة المشقة تجلب التيسير، فهذه القاعدة عبارة عن حكم كلي يندرج تحته كثير من المسائل من مختلف الأبواب الفقهية. فمن باب الصلاة: من شق عليه أن يقوم في الصلاة للمرض جاز له أن يقعد تيسيرا عليه، لأن المشقة إذا حصلت على المكلف خفف الشرع عنه ولحقته التيسيرات، وهذا معنى المشقة تجلب التيسير. وهذه القاعدة تدخل في باب الصوم لذلك رخص الشرع للمريض أن يفطر ثم يقضي بعد ذلك. وتدخل في باب الحج فمن أصابه أذى في رأسه جاز له أن يحلق وعليه الفدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، أو صَدَقَةٍ، أو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وتدخل هذه القاعدة في كثير من الأبواب كما سيأتي شرحها في محلها. فتبين من هذا أن القاعدة الفقهية، حكم كلي يندرج تحته كثير من المسائل والفروع من أبواب متعددة. ٢ - الضابط الفقهي: وهو أخص من القاعدة الكلية؛ لأن القاعدة تضبط أحكامًا كثيرة من أبواب مختلفة بخلاف الضابط لأن "القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط من باب واحد" (١). وبعض الفقهاء يطلق على القاعدة ضابطا وعلى الضابط قاعدة والأمر واسع (٢).

стр. 7

مثال الضابط: ١ - ما جاز بيعه جاز رهنه (١). فهذا ضابط؛ لأنه اختص بضبط باب الرهن فقط. وقد يكون الضابط في فرع معين، أو مسألة معينة مثل: ٢ - المباشر ضامن، وإن لم يتعمد (٢). فهذا ضابط لمسألة المباشرة والمتسبب في ضمان ما أتلف. فلو أن شخصا رمى صيدًا فأصاب رجلًا، فإنه ضامن، وإن لم يتعمد (٣). وسائق السيارة ضامن لما يرتكبه بسيارته من حادث مروري؛ لأنه مباشر كان متعمدًا أم لا. ٣ - القواعد الأصولية: هي قواعد حاكمة تضبط كيفية استخراج الأحكام من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

стр. 8

وهي أدلة الفقه الإجمالية، وطرق الاستفادة منها، ومباحثها الدلالية راجعة إلى فقه اللسان. كما أنها تدور حول استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع. أما القواعد الفقهية فهي نفسها أحكام كلية جاهزة، مثل: اليقين لا يزول بالشك، والأمور بمقاصدها. فهذه أحكام كلية أخذت من الكتاب، والسنة، والإجماع، لكنها كالقانون الذي يضبط مسائل كثيرة. ومنها القواعد ما هو مأخوذ من استقراء الفروع الفقهية. وهي أقل درجة من السابقة في الاحتجاج. ويمكن أن نفرق بين القواعد الفقهية، والأصولية، كذلك بأن القاعدة الأصولية بها تستنبط الفروع الفقهية. أما القواعد الفقهية فاستنبطت من الفروع الفقهية. فهي عكس إن كانت من نوع استقراء الفروع. أما إن كانت من القواعد الفقهية التي مستندها الكتاب، والسنة، والإجماع فبها تستنبط الفروع الفقهية كالقواعد الأصولية. إلا أن الفرق أن الأصولية غالبا من جهة اللسان، والفقهية من جهة التنزيل للكلي على الجزئي. فالقاعدة الكلية الأمور بمقاصدها تنزل على جزئيات الفروع.

стр. 9

المبحث الثاني: الاحتجاج بالقواعد الفقهية وبيان بطلان النقل عن الجويني وابن دقيق العيد وابن نجيم في القول بعدم الاستدلال بالقواعد الفقهية الكلية القواعد الفقهية ثلاثة أنواع: الأول: متفق عليه بين عموم المذاهب والفقهاء. الثاني: ما هو متفق عليه عند الجمهور. الثالث: ما هو خاص بمذهب معين. ف النوع الأول وهو المتفق عليه هو الذي دلت عليه نصوص الشرع في الكتاب والسنة. أو دل عليه الإجماع، أو استقرأ العلماء نصوص الشرع، فوجدوا من خلال هذا الاستقراء مراعاة الشرع لقاعدة معينة فهذه لا يختلف فيها العلماء في أنها دليل يحتج به في مسائل الفقه. لأن مستندها الكتاب والسنة، أو الإجماع، أو استقراء نصوص الكتاب والسنة. ومن زعم أن هذا النوع فيه خلاف في الاستدلال به فهو مخطئ لأن الاستدلال بها إنما هو استدلال بالكتاب، والسنة، والإجماع فكيف يقال إنها خلافية .. وقد حرصت كل الحرص أن يكون ما في هذا الكتاب من هذا النوع.

стр. 10

فكنت لا أضع قاعدة حتى أبحث عن دليلها من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع. وما اتفقت عليه المذاهب الأربعة فهو لا يخرج عن النوع، وكذلك ما اتفقت عليه، ولو اختلفت في تنزيله في بعض الصور. فإذا اتفق على مبدأ القاعدة، فلا يهم التطبيقات فلكل مدرسة فقهية، ومذهب تطبيقاته، ولذلك أذكر التطبيقات من مختلف المذاهب. فإن اختلفوا في أصل القاعدة لا أذكرها إلا لفائدة، كقاعدة العبرة في العقود بالمعاني. أما النوع الثاني: وهو ما كان عند الجمهور، وكذلك النوع الثالث: وهو ما كان في مذهب معين، فهذان ينظر إن دل عليهما دليل فهو حجة وكان من النوع الأول. وإن كان عن استقراء فقهي لفروع الفقهاء فهذا يستأنس به؛ لأن الاستقراء للفروع الاجتهادية، ولو كان تامًا لا يشكل قاعدة كلية مقطوعًا بكونها حجة دليلية؛ لأن الفروع نفسها ليست حجة. وإنما هي اجتهادات فقهية مأخوذة بواسطة النظر، والاستدلال في مصادر الأدلة بأنواع الدلالات البينة والخفية. فينصب عمل الفقيه للوصول إلى الحكم على مقاربة فقهية تعتبر عنده وفي نظره الأقرب إلى معاني الكتاب، والسنة، والإجماع، أو المصلحة، أو فتوى الصحابي، أو الذرائع، أو الاستحسان، أو العمل، وهذا النوع لا تكاد تجد فيه اتفاقًا بين المذاهب الأربعة فضلًا عن الإجماع الكلي عليها فهي فروع خلافية ليست حجة عند المذهب الآخر فكيف تصير حجة ودليلًا، وهي نفسها بهذه المنزلة. وغالب هذه القواعد والضوابط تكون قواعد داخلية في المذهب

стр. 11

الواحد، وليست محل اتفاق بين المذاهب الفقهية. ويتفقه عليها طلبة المذهب؛ لضبط المذهب لا لكونها حجة. هذا هو تحقيق القول في الاحتجاج بالقواعد الفقهية. وبهذا تعلم أن من ذكر الخلاف في مسألة الاحتجاج بالقواعد الفقهية، وعمم ذلك على جميع الأنواع فهو مخطئ، وقد اشتهر أن في الاستدلال بها ثلاثة أقوال: الأول: أنها تعتبر دليلًا. الثاني: المنع. الثالث: التفصيل وهو ما كان من القواعد الإجماعية المستندة للأدلة من الكتاب، والسنة، فهو حجة يستدل بها، وإلا فلا. فالقول بالمنع منسوب إلى ابن نجيم، والجويني، وابن دقيق العيد، والمجلة العدلية. ١ - أما ابن نجيم فيسوقون قوله: إنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط؛ لأنها ليست كلية، بل أغلبية، وهذا فيه أمران: الأول: أن ابن نجيم لم يذكر القواعد، بل الضوابط فقط، فإضافة كلمة القواعد تدليس وخطأ فادح على ابن نجيم. وإليك نص قوله كما نقله عنه الحموي: ومن ثم صرح المصنف في الفوائد الزينية بأنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط؛ لأنها ليست كلية، بل أغلبية خصوصًا، وهي لم تثبت عن الإمام، بل استخرجها المشايخ من كلامه (١).

стр. 12

وبهذا يعلم ما تتابع عليه بعض الباحثين في عصرنا من الخطأ. الثاني: أن ابن نجيم نفسه يرى أن القواعد الفقهية حجة، بل هي أصول الفقه، وكلامه السابق إنما هو عن الضوابط، وهذا نص كلامه، وهو يتكلم عن القواعد الكلية الأول: معرفة القواعد التي ترد إليها وفرعوا الأحكام عليها، وهي أصول الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى (١). قال الحموي معلقا عليه: وهي أصول الفقه في الحقيقة: أي كأصول الفقه، وإلا فليست أصول الفقه؛ فضلًا عن أن يكون ذلك على سبيل الحقيقة فتأمل. وكلام الحموي ليس فيه تعقب على الاحتجاج بالقواعد الكلية الفقهية، بل هو يبين الفرق بينها وبين أصول الفقه الاصطلاحي، ومقصود ابن نجيم أعم حيث إن أصول الفقه هو ما يبنى عليه الفقه فجعل القواعد الكلية هي أصول الفقه في الحقيقة لبناء الفقه عليها. وبهذا يتبين الخطأ في النقل عن ابن نجيم والحموي، وتحريف كلامهما من بعض المعاصرين. وسبب ذلك هو عدم الرجوع إلى الأصول فيتتابع الخطأ. أو فهم للكلام على غير حقيقته بدون قراءته من أصله وفي سياقه. أو ترسخ مفهوم معين في الذهن يحمل عليه كلام إمام كما أول كلام بن دقيق العيد الصريح في قواعد الأصول بجعل معناها قواعد الفقه كما سيأتي.

стр. 13

٢ - ما نقل عن الجويني من عدم الاستدلال بالقواعد وبيان خطأ ذلك. نقل بعض المعاصرين أن الجويني لا يقول بالاستدلال بالقواعد الفقهية الكلية. وهذا ليس بصواب؛ لأن كلامه في مرحلة خلو الزمان عن التفاصيل والفروع، فإذا خلا الزمان عن الفروع فلا يعتمد إلا على المقطوعات. والقاعدتان مظنونتان فلا يستدل بها عند خلو الزمان لعدم القطعية فيهما. وهذا نص كلامه: "وأنا الآن أضرب من قاعدة الشرع مثلين يقضي الفطن العجب منهما، وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح لدرك المسلك الذي مهدته في الزمان الخالي، ولست أقصد الاستدلال بهما، فإن الزمان إذا فرض خاليا عن التفاريع والتفاصيل، لم يستند أهل الزمان إلا إلى مقطوع به، فالذي أذكره من أساليب الكلام في تفاصيل الظنون. فالمثلان: أحدهما في الإباحة، والثاني في براءة الذمة" (١). فتنزيل كلامه على نفي الاستدلال بالقواعد الفقهية وتعميمه خطأ محض لوجهين. الأول: أنه يتكلم عن آخر الزمان لا عن كل الزمان حيث فرض ارتفاع تفاصيل الشرائع فهي فرضية استثنائية. الثاني: أنه قرر لذلك قاعدة، وهي لا يستدل إلا بمقطوع، وهذه القواعد مظنونة. وهذا دليل واضح أن القواعد الفقهية يستدل بها في الأحوال العادية للإجماع على الاستدلال بالظني.

стр. 14

ولا أدري كيف جازف من نقل المنع عن الجويني مستندًا إلى هذا الكلام وكيف فهمه. ٣ - بيان خطأ ما نقل عن ابن دقيق العيد. وثم نقل عن ابن دقيق العيد تمسك به من نسب إليه القول بعدم الاستدلال بالقواعد، قال ابن فرحون: كان ﵀ يستنبط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه. وعلى هذا مشى في التنبيه، وهي طريقة نبه ابن دقيق العيد على أنها غير مخلصة، إذ الفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصولية (١). هذا هو النص الذي اتكأ عليه بعض المعاصرين فزعموا أن ابن دقيق العيد يقول بعدم الاستدلال بالقواعد الفقهية وليت بعضهم سكت إلى هنا، بل زاد محرفا كلام ابن دقيق العيد أن مراد كلامه بالقواعد الأصولية إنما هو القواعد الفقهية؛ لأنه كان يطلق على القواعد الفقهية قواعد أصولية، وهذا في الحقيقة اضطرني إلى الرجوع إلى كتاب ابن بشير السابق وتصفحه ولم أجد ما زعموه، بل المقصود بالقواعد الأصولية علم أصول الفقه لأن ابن بشير كان يستنبط بعض فروع المذهب من خلال القواعد الأصولية الخلافية، وهذا هو محل نقد ابن دقيق العيد له، ولا يقصد القواعد الفقهية لا من قريب، ولا من بعيد. وإليك بعض القواعد الأصولية التي تتبعها محقق الكتاب. قال: ويمكن تلخيص كلام ابن دقيق العيد والتنبكتي في أن فروع ومسائل المذهب لا تجري جميعها على القواعد الأصولية، ولا يطرد تخريجها عليها، وابن بشير جعل القواعد مطردة، ولم يراع المستثنيات (٢).

стр. 15

وقد نقل المحقق مواضع كثيرة من استدلال ابن بشير بالقواعد الأصولية. وبين بعد أن ساق كلام ابن دقيق العيد أن ابن بشير استعمل قواعد الأصول بكثرة في تخريج المذهب فانتقد لذلك (١)، فقال: ومن كثرة استعماله للقواعد الأصولية واعتماده عليها، أصبح محط انتقاد بعض العلماء. قال ابن فرحون: "وكان ﵀ يستنبط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه. وعلى هذا مشى في التنبيه، وهي طريقة نبه ابن دقيق العيد على أنها غير مخلصة، إذ الفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصولية". ومن النماذج على ذلك: النموذج الأول: قال أثناء حديثه عن حكم المولاة في الوضوء: " …

стр. 16

وسبب الخلاف بين الوجوب والسقوط مبني على خلاف الأصوليين في الأمر هل يقتضي الفور، أو للمكلف التراخي؛ فإن قلنا إنه يقتضي الفور وجبت الموالاة، وإن قلنا إنه يقتضي التراخي لم تجب. وكذلك أيضًا وضوؤه ﷺ ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». يتضح في هذا النص أنه وظف القواعد الأصولية، وطبقها على الحديث مباشرة، وأجرى حكم ترتيب أفعال الوضوء على حكم موالاة الأفعال، ولم يعتمد على نصوص المذهب النموذج الثاني قال ابن بشير: "ولا خلاف أن الخطبة إذا اشتملت على حمد الله تعالى: [والثناء عليه] والصلاة على نبيه ﵇ وشيء من الوعظ ومن تلاوة القرآن أنها مجزية، ولا يوجد في المذهب نص على اشتراط خطبتين حتى لا يجوز دونهما. وحكى أبو الحسن اللخمي في ذلك قولين، وهذا لو ساعدته الروايات لكان له وجه، لأن الرسول ﵇ خطب خطبتين، فيجري على ما قدمناه من الالتفات إلى أفعاله، وإن أتى منها بما لا بال له، مثل أن يقول الحمد لله وشبهَه. فهل يجزي؟ قولان. والرجوع في ذلك إلى لسان العرب، ولا شك أن مثل هذا المقدار لا يسمى خطبة … ". يتضح من هذا النص أنه استدل على وجوب الخطبة من فعل الرسول ﷺ على الرغم من وجود النص في المذهب واحتكم إلى أهل اللسان ولم يحتكم إلى نصوص المذهب (١). أما القواعد الفقهية المذهبية: فقد استعملها في مواضع، وهذا النوع خلافي بحت ولم يقل أحد من أهل العلم أنها حجة فضلا أن يجري فيها الخلاف في الاحتجاج وعدمه.

стр. 17

قال المحقق: ومعظم القواعد التي وظفها ابن بشير في كتابه هي قواعد وأحكام كلية خلافية، كانت مثار نقاش وجدال بين الفقهاء ونتج عن الخلاف فيها خلاف في فروع أخص منها. ولعل لهذا ما يبرره، إذ الكتاب قصد به حكاية الخلاف داخل المذهب، فناسب هذا التعامل مع هذا النوع من القواعد الفقهية (١). فتبين من هذا أن كلام ابن دقيق العيد هو في القواعد الأصولية التي كان يستثمرها ابن بشير، ولا يقصد القواعد الفقهية. ٤ - خطأ النقل عن مؤلفي المجلة العدلية أن القواعد يستأنس بها، ولا يستدل. جاء في المجلة: «وتلك القواعد مسلمة معتبرة في الكتب الفقهية تتخذ أدلة لإثبات المسائل وتفهمها في بادئ الأمر فذكرها يوجب الاستئناس بالمسائل ويكون وسيلة لتقررها في الأذهان» (٢). فكلام المجلة هنا أن هذه قواعد تتخذ أدلة لإثبات المسائل …

стр. 18

ولهذا الأهمية والاعتبار فسيذكرونها في بداية الكتاب قبل ذكر المسائل الفروعية لماذا … وهنا مربط الفرس الذي أوقع البعض في الوهم لأنهم حين يبدؤون بها قبل الفروع يكون قارئ الفروع مستأنسا بهذه الفروع لأنها مبنية على قواعد فقهية غير منكر لها. فالاستئناس هو بالمسائل لبنائها على القواعد لا الاستئناس بالقواعد. فعجب أن يفهم كلامهم أنه يعني عدم الاستدلال بالقواعد، بل إنما هي للاستئناس، وهذا من خلط الكلام وتناقض الفهم. لأنه صار كلامهم في أوله الذي هو نص على أنها أدلة ينقضه آخره. فأخذ بعض الباحثين بهذه الكلمة وتركوا النص الصريح في بداية الكلام .. والله المستعان. وبهذا يتبين أن نقل القول بعدم الاستدلال بالقواعد الفقهية الكلية المبنية على الكتاب، والسنة، والإجماع عن الحموي وابن نجيم والجويني وابن دقيق العيد ومجلة الأحكام. قول لا حقيقة له. لوحة: الْفِقْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ … خَمْسٍ هِيَ الأُمُورُ بِالْمَقَاصِدِ وَبَعْدَهَا الْيَقِينُ لَا يُزَالُ … بِالشَّكِّ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُقَالُ وَتَجْلِبُ الْمَشَقَّةُ التَّيْسِيرَا … ثَالِثُهَا فَكُنْ بِهَا خَبِيرَا رَابِعُهَا فِيمَا يُقَالُ الضَّرَرُ … يُزَالُ قَوْلًا لَيْسَ فِيهِ غَرَرُ خَامِسُهَا الْعَادَةُ قُلْ مُحَكَّمَهْ … فَهَذِهِ الْخَمْسُ جَمِيعًا مُحْكَمَهْ بَلْ بَعْضُهُمْ قَدْ رَجَعَ الْفِقْهَ إلى … قَاعِدَةٍ وَاحِدَةٍ مُكَمِّلَا وَهْيَ اعْتِبَارُ الْجَلْبِ لِلْمَصَالِحِ … وَالدَّرْءِ لِلْمَفَاسِدِ الْقَبَائِحِ بَلْ قَالَ قَدْ يَرْجِعُ كُلُّهُ إلى … أَوَّلِ جُزْئَيْ هَذِهِ وَقُبِلَا

стр. 19

لوحة: «حق على طالب التحقيق ومن يتشوق إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يحكم قواعد الأحكام ليرجع إليها عند الغموض وينهض بعبء الاجتهاد أتم نهوض ثم يؤكدها بالاستكثار من حفظ الفروع؛ لترسخ في الذهن مثمرة عليه بفوائد غير مقطوع فضلها، ولا ممنوع. أما استخراج القوى وبذل المجهود في الاقتصار على حفظ الفروع من غير معرفة أصولها ونظم الجزئيات بدون فهم مأخذها، فلا يرضاه لنفسه ذو نفس أبية، ولا حامله من أهل العلم بالكلية. قال إمام الحرمين في كتاب المدارك: "الوجه لكل متخذ للإقلال بأعباء الشريعة معه أن يجعل الإحاطة بالأصول سوقه الألذ وبنص مسائل الفقه عليها نص من يحاول بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف حمام ذهنه في وضع الوقائع مع العلم بأنها لا تنحصر على الذهول عن الأصول" انتهى. وإن تعارض الأمران وقصر وقت طالب العلم عن الجميع بينهما -لضيق، أو غيره من آفات الزمان- فالرأي لذي الذهن الصحيح الاقتصار على حفظ القواعد وفهم المآخذ» (١)

стр. 20

لوحة: خريطة كلية لما يتضمنه الكتاب من القواعد الكبرى وما يتعلق بها من القواعد القواعد الست الكبرى التي تبنى عليها الشريعة: والقواعد المتعلقة بها. • القاعدة الأولى: الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها • القواعد المتعقلة بها: ١ - العبرة في العقود بالمعاني. ٢ - مقاصد اللفظ على نية اللافظ. ٣ - كل حيلة أدت إلى الحرام فهي حرام. ٤ - التصرفات دليل المقاصد الباطنة. ٥ - المقاصد المشروعة لا تسوغ الوسائل المحظورة. ٦ - قصدت الشريعة إخراج المكلف عن مقاصد الأهواء. ٧ - الصريح لا يحتاج إلى النية والكناية لا تلزم إلا بالنية. • القاعدة الثانية: الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد • القواعد المتفرعة عنها والمتعلقة بها ١ - اتباع المصالح يبنى على ضوابط الشرع ومراسمه. ٢ - الشريعة تعتبر المصالح الحالية والمآلية.

стр. 21

٣ - المعتبر في المصالح والمفاسد الغلبة، ولا عبرة بالمقابل المغلوب. ٤ - كل مصلحة دنيوية ناقضت مصالح الآخرة فهي باطلة. ٥ - تصرف الإمام منوط بالمصلحة. ٦ - حكم الحاكم يرفع الخلاف. ٧ - إذا تزاحمت المصالح قدم أعلاها. ٨ - إذا تزاحمت المفاسد دفع أعلاها. ٩ - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ١٠ - الوسائل لها أحكام المقاصد. قواعد فرعية حاكمة للموازنات المصلحية حال التعارض ١ - إذا تعارضت المصالح قدم أعلاها. ٢ - كل مصلحة دنيوية ناقضت مصالح الآخرة فهي باطلة. ٣ - كل مصلحة ناقضت النص فهي باطلة. ٤ - الجمع بين المصلحتين أولى من إبطال أحدهما. ٥ - الضرورات مقدمة على الحاجات والحاجات مقدمة على التتمات والتكملات. ٦ - المكمل للضروري مقدم على الحاجي. ٧ - إذا تعارض المكمل مع ما كمله سقط المكمل. ٨ - إذا تساوت المصالح في الحكم والرتبة قدم أعظمها نوعا. ٩ - إذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة. ١٠ - المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. ١١ - ترتب المصالح بحسب الأحكام الخمسة عند التعارض.

стр. 22

١٢ - النفع المتعدي أفضل من القاصر. ١٣ - كل مصلحتين متساويتين يتعذر الجمع بينهما يخير بينهما. • القاعدة الثالثة: لا ضرر، ولا ضرار • القواعد المتعلقة بها ١ - الضرر لا يزال بمثله. ٢ - الضرر لا يكون قديما. ٣ - يتحمل الضرر الخاص لدفع العام. ٤ - الضرر الأشد يزال بالأخف. ٥ - يختار أهون الشرين. ٦ - الضرورات تبيح المحظورات. ٧ - الضرورات تقدر بقدرها. • القاعدة الرابعة: الشريعة مبنية على التيسير • القواعد المتعلقة بها: • المشقة تجلب التيسير ١ - التكليف إنما يكون على الوسع. ٢ - ما عمت بليته خفت قضيته. ٣ - الجهل والخطأ والنسيان والإكراه عفو. ٤ - الميسور لا يسقط بالمعسور. ٥ - الظن الغالب ينزل منزلة اليقين. ٦ - قاعدة تتبع الرخص والتلفيق. ٧ - لا إنكار في مسائل الخلاف.

стр. 23

٨ - الكتاب كالخطاب. ٩ - الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان. ١٠ - العبرة للغالب الشائع لا للنادر • القاعدة الخامسة: اليقين لا يزول بالشك • القواعد المتعلقة بها: ١ - الأصل براءة الذمة. ٢ - الأصل بقاء ما كان على ما كان. ٣ - الأصل في الصفات العارضة العدم. ٤ - الأصل في الأبضاع التحريم. ٥ - الأصل في الأعيان الطهارة. ٦ - الأصل في الكلام الحقيقة. ٧ - إعمال الكلام أولى من إهماله. ٨ - لا عبرة بالظن البين خطأه. ٩ - لا عبرة بالتوهم. ١٠ - لا ينسب إلى ساكت قول. ١١ - العبرة للغالب الشائع لا للنادر. ١٢ - الأصل في الأشياء الإباحة. • القاعدة السادسة: العادة محكمة • القواعد المتعلقة بها: ١ - الممتنع عادة كالممتنع حقيقة. ٢ - استعمال الناس حجة.

стр. 24

٣ - التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. ٤ - إنما تُعتبر العادة إذا اطردت أو غَلَبت ٥ - الحقيقة تترك بدلالة العادة. ٦ - المعروف عرفا كالمشروط شرطا. ٧ - المعروف بين التجار كالمشروط. ٨ - الكتاب كالخطاب. ٩ - الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان. ١٠ - لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمن. ١١ - قواعد التابع تابع.

стр. 25

الباب الأول القاعدة الكلية الكبرى: الأمور بمقاصدها ولا عمل إلا بنية وما يتعلق بها من القواعد والتنزيل المتقدم والمعاصر الفصل الأول: الأمور بمقاصدها ولا عمل إلا بنية، التصور والتأصيل والأثر الفقهي المتقدم والمعاصر. الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقاعدة الأمور بمقاصدها.

стр. 26

الفصل الأول: الأمور بمقاصدها ولا عمل إلا بنية، التصور والتأصيل والأثر الفقهي المتقدم والمعاصر وسينتظم الكلام على القاعدة في مبحثين: • المبحث الأول: سؤال التصور والتأصيل والأحكام. • المبحث الثاني: أثر القاعدة في فقه العصر.

стр. 27

المبحث الأول: سؤال التصور والتأصيل والإثمار هذه القاعدة من أهم القواعد الفقهية، وهي مأخوذة من حديث إنما الأعمال بالنيات، ومن كثير من النصوص من القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ويعبر عنها بقولهم: الأمور بمقاصدها، ولا عمل إلا بنية، واللفظ النبوي أصل القاعدة. قال السبكي: "وأرشق وأحسن من هذه العبارة: قول من أوتي جوامع الكلم ﷺ «إنما الأعمال بالنيات» (١)، والكلام على هذا المبحث سنجعله في المطالب التالية: المطلب الأول: معنى القاعدة الأمور جمع أمر وتطلق على القول وعلى الشأن ويفرق بينهما بالجمع فيقال للشأن أمور وللقول أوامر (٢)، والمقصود به هنا: ما يصدر

стр. 28

من المكلف من أقوال، وأفعال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي: شأنه كله من أقواله وأفعاله. والمقاصد لغة: جمع قصد، وهي النيات والأرادات الباعثة على الأقوال والأفعال والتصرفات قال الخليل: "النِّيّة: ما ينوي الإنسان بقلبه من خَيْرٍ، أو شرٍّ .. والنَّوَى والنية: واحد، وهي: النِّية، مخففة، ومعناها: القصد. والنَّوى: الوجه الذي يقصده (١) ". والنيّات جمع نية -بكسر النون وتشديد الياء التحتانية على المشهور- وفي بعض اللغات بتخفيفها (٢). والنية في الاصطلاح: الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء مرضاة الله تعالى، وهذا للبيضاوي نقله عنه جمع (٣). وذكر غيره أن النية والقصد والإرادة والعزم بمعنى (٤). قال الفاداني: ولكن إذا حققنا النظر بينهما تفرقة قريبة، فالنية عبارة عن تمييز الأغراض بعضها عن بعض، والقصد جمع الهمة نحو الغرض المطلوب، والعزم يقوي القصد وينشطه، والإرادة تصرف الموانع المثبطة لانتهاض القدرة، وتتوجه نحوها (٥). قلت: الفرق الذي أورده فيه نظر، فهذا المراتب واحدة فإن المصلي لفرض الظهر مثلا تتصل نيته بالعمل مباشرة وهكذا من صام وزكى وحج فالنية أول العمل إلا الصوم تيسيرا فأين هذه المراتب لذلك أجمع

стр. 29

الفقهاء على قولهم: الأمور بمقاصدها (١)، أي: بنياتها، فالقصد والنية واحد، والتفريق بينهما خلاف هذا الاتفاق، وخلاف صريح اللغة. ولكن قد يقال إن هذه المراتب تصلح في العاديات الحياتية. ومعنى القاعدة: أن الأحكام الشرعية على ما يصدر من المكلف من تصرفات قولية، أو فعلية مبنية على نية المكلف ومقصده، وهدفه، فمن أمسك زوجته وكان مقصده الإضرار بها، لم يحل له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] (٢). المطلب الثاني: أهمية القاعدة وتأصيلها هذه القاعدة من أهم قواعد الشريعة على الإطلاق؛ ولأهميتها العظيمة فإنه يتعلق بها صلاح العمل، وفساده، وصحته، وبطلانه، وقبوله عند الله، ورده، وهي مأخوذة من نصوص الكتاب، والسنة الدالة على أنه لا عمل إلا بنية، فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، فدلت الآية أن العبادة بأنواعها شرطها النية. والحديث المتفق عليه: ﴿إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن

стр. 30

كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه﴾. (١) وقد تواترت نصوص السنة على اعتبار النية في العمل. قال النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحته، قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام، وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا من الفقه، وقال آخرون: هو ربع الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث؛ تنبيها للطالب على تصحيح النية، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة (٢). وقد أشار الأهدل إلى هذا في منظومته فقال: الأَصْلُ في الأُمُورِ بِالْمَقَاصِدِ … مَا جَاءَ في نَصِّ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ أَيْ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ … وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الثِّقَاتِ قَالُوا وَذَا الْحَدِيثُ ثُلْثُ الْعِلْمِ … وَقِيلَ رُبْعُهُ فَجُلْ بِالْفَهْمِ وَهِيَ في السَّبْعِينَ بَابًا تَدْخُلُ … عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ يُنْقَلُ المطلب الثالث: النيات والمقاصد التأثير الفقهي في الفروع المسألة الأولى: تعلق سائر الأعمال بالنية والقصد. وهذا معنى قول العلماء لا عمل إلا بنية، فهي شرط لصحة العمل،

стр. 31

وهذا التعميم صحيح؛ لأن أصل القاعدة حديث إنما الإعمال بالنيات وهو عام في كل الأعمال. ولبيان هذا العموم نقسم الأعمال إلى ما يلي: ١ - الأعمال القلبية والعبادات المحضة المقيدة. ٢ - القرب المطلقة. ٣ - العقود في الأسرة والمعاملات. ٤ - الولايات والسياسات. أمأ الأعمال القلبية فشرط للدخول في الإسلام النية، فإن لم ينو الإخلاص لله تعالى لم يصح؛ ولهذا من نوى الكفر الباطن وأظهر الإيمان نافق. وهكذا بقية العبادات القلبية متوقفة على النية لصحتها، والثواب عليها لعموم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ١ - أما القرب المقيدة بكيفيات معينة ومحددات مضبوطة من جهة الشرع فهي الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، و يلحق بهذه الأضاحي والهدي والكفارات. فهذه شرط صحتها والثواب عليها النية. فمن صلى بدون نية فصلاته باطلة، ويلحق بها وسائلها، كالوضوء، والغسل، والتيمم، ومسح الخفين. على خلاف معلوم في الفروع في بعض المسائل. ٢ - وشرط الصوم، أو ركنه النية: لهذا اشترط بلا خلاف وجوب النية للصوم على تفصيل في أحكام التبييت فرضا ونفلا معلوم في المذاهب.

стр. 32

فمن امتنع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بدون نية صوم فلا صيام له، ولا ثواب. وقد ورد الأمر بتبييت النية من الليل، وثبت قوله ﷺ «إني صائم» في التنفل (١)، وثبت أنه أمر بإمساك يوم عاشوراء، وإتمامه لمن لم يكن أكل قبل فرضه كما في البخاري (٢)؛ فجمع بينها العلماء فمنهم من اشترط التبييت فرضا ونفلا كمالك ومنهم من فرق بين الفرض فشرط التبييت والنفل فلم يشرط كالشافعية والحنابلة والظاهرية ومنهم من لم يشرط التبييت لا في فرض معين كرمضان، ولا نذر معين، ولا نفل معين كالحنفية. على تفصيل معلوم في الفروع. ٣ - والزكاة: شرط صحتها نية أن هذا المال زكاة، فمن أخرج مالا لا يقصد به الزكاة فلا يجزئه عن فرض الزكاة لو نوى بعد ذلك (٣)، وتحويل السلع المدخرة إلى سلع تجارية مشروط فيه النية ومباشرة العمل التجاري على تفصيلات فقهية معلومة في كتب الفروع (٤).

стр. 33

٤ - والحج يشرط له النية في جميع أنواعه من إفراد، وتمتع، وقران، فمن ذهب في زمن الحج إلى عرفة ثم مزدلفة ثم منى، ولا نية له فلا حج له، كالسائقين لباصات الحجاج مثلًا، فإنهم يحضرون جميع المناسك، ولا يعد فعلهم حجا؛ لعدم النية. ٥ - وأما الهدي فلا يقبل، ولا يصح إلا بنية الهدي، سواء كان هدي تمتع، أو قران، أو محصر، أو جزاء صيد، أو فدية عن فعل محظور، كنحو حلق الرأس، أو ترك نسك. ٦ - وكذا النذور لا تصح إلا بالنية فمن نذر صوما، ثم صام بدون نية النذر، فلا يصح منه هذا الصوم عن النذر، ولا تبرأ ذمته. (١) ٧ - أما أبواب العقود فالنية فيها لصحة العقد مطلوبة من جهة أخرى، وهي وقوعه مع كمال الإرادة والاختيار؛ لهذا شرط الفقهاء لصحة العقود، أن يكون عاقلا مختارا، فمن كان مجنونا، أو مكرها فلا إرادة له، ومن لا إرادة له لا نية له، فلا تصح العقود من مجنون، ولا مكره إكراها ملجئا. بأن يكون بتهديد بقتل، أو لمن يهمه أمره من ولد، أو والد، أو إتلاف عضو، أو سجن، أو ضرب شديد، أو إهانة لذوي المروءات لا يحتملها مثلهم، كصفع أمام الناس (٢). ومن أكره على الطلاق، أو الظهار، أو عقود المعاملات، فلا يصح (٣). ٨ - وأما في السياسات، والقضاء، ونحو ذلك، فالجهاد في

стр. 34

سبيل الله يشترط للثواب عليه النية، وفي الولايات حصل خلاف في أيمان المكره على البيعة (١). والثواب على الولايات لا يكون إلا بنية الطاعة لله والرسول ﵊، أما من قصد الدنيا فلا أجر له، وإن صحت ولاية. ومن الأعمال ما لا توصف بصحة، ولا فساد، كالقرب المطلقة، والتروك والمباحات غير العقود، فتطلب النية هنا للثواب لا للصحة. ٩ - أما القرب المطلقة فمثل صلة الرحم، وبر الوالدين، والصدق، وزيارة المريض، والمشي مع الجنازة، فهذه ونحوها من التبررات لا يطلق فيها الصحة، والفساد، بل الأجر والثواب، أو ضده. والنية هنا تطلب لحصول الأجر؛ لأن صلة الرحم، وزيارة المريض قد تكون للعادة، أو الرياء الاجتماعي، أو الحياء من البعض، فإن كان ابتغاء وجه الله فهو مأجور. ١٠ - وهكذا المباحات المطلقة، وقولنا: (المطلقة) احتراز عن العقود، فإنها مباحة، لكن يشرط لها القصد، وهو ما يعبر عنها بالإرادة، فالقصد معتبر في العقود، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .. والرضى هو القصد والنية. ونقصد بالمباحات المطلقة، كالأكل والشرب والنوم والسفر وإيصال هدية، فهذه لا تتعلق بها النيات إلا من جهة الثواب إن قصد بهذه المباحات التوسل للقربة والعبادة، وهكذا التروك، لا توصف بصحة، ولا فساد، بل يتعلق بها الثواب والإثم، فمن ترك الفواحش، أو أزال نجاسة، فالنية لا تشترط لطلب الصحة؛ لأن هذا النوع من الأعمال لا يوصف بصحة وفساد، لكن من

стр. 35

نوى التعبد، والامتثال أجر، وإلا فلا. هذا كله على تفاصيل، ليس محله هذا المختصر؛ لأن القصد المثال. وقد استوفى العلماء التتبع لمسائل الباب، والمقصود هنا الضبط الكلي (١). قال النووي: فتقدير هذا الحديث، إن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية، وفيه دليل على أن الطهارة -وهي الوضوء والغسل والتيمم- لا تصح إلا بالنية، وكذلك الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والاعتكاف، وسائر العبادات، وأما إزالة النجاسة، فالمشهور عندنا أنها لا تفتقر إلى نية؛ لأنها من باب التروك، والترك لا يحتاج إلى نية، وقد نقلوا الإجماع فيها، وشذ بعض أصحابنا فأوجبها، وهو باطل، وتدخل النية في الطلاق، والعتاق، والقذف، ومعنى دخولها أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح، وإن أتى بصريح طلاق، ونوى طلقتين، أو ثلاثا وقع ما نوى، وإن نوى بصريح غير مقتضاه دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يقبل منه في الظاهر (٢). وثم خلاف بين الفقهاء في بعض التنزيل، والتمثيل، لا لأن القاعدة انخرمت، بل لأن هناك أصلا معارضا آخر يرجح دخول هذه المسألة المعينة في قاعدة، أو أصل آخر، وهذا أمر طبيعي حاصل حتى بين الأدلة النصوصية؛ لذلك نجد تعارض العام والخاص، والمطلق والمقيد، ويجمع بينهما بطرق معلومة في الأصول. وهكذا المسائل المستثناة تخصيصا، أو تقييدا نتج عن تعارض أصل مع أصل.

стр. 36

أما الفروع التي ذكرها فقهاؤنا المتقدمون على هذه القاعدة فهي كثيرة فمنها إضافة لما تقدم (١) ١ - لغو اليمين لا كفارة فيه، ولا اعتبار له في نظر الشارع؛ لأنه لا قصد له في ذلك، والأمور بمقاصدها. ٢ - ومنها ما لو نطق بكلمة الكفر؛ هربًا من القتل، وقلبه مطمئن بالإيمان. ٣ - ومنها الهجر فوق ثلاث دائر مع القصد، فإن قُصد هجر المسلم حرم وإلا فلا، كمن نوى التأديب. ٤ - وإحداد المرأة على ميت غير زوجها فوق ثلاث دائر مع القصد، فإن قصدت ترك الزينة والتطيب لأجل الميت حرم، وإلا فلا. ٥ - ومنها أن المصلي إذا قرأ آية من القرآن جوابًا لشخص بطلت صلاته. ٦ - وقالوا الأكل فوق الشبع مذموم بقصد الشهوة، وإن قصد به التقوي على الصوم، أو مواكلة الضيف فمستحب. ٧ - ومن وجد لقطة فأخذها بنية الحفظ كان أمينا، ولا ضمان عليه إن تلفت بغير تفريط، أو بنية التملك كان ضامنا على كل حال.

стр. 37

المطلب الرابع: المحل والشروط والمقصود تكلم العلماء عن النية من أوجه كثيرة مردها إلى أوجه سبعة، جمعت في قول القائل: حقيقة حكم محل وزمن … كيفية شرط ومقصود حسن (١) قلت: أما حقيقتها فتقدمت. أ- وأما حكمها: فهي شرط لصلاح العمل، أو ركن العمل، وسواء هذا، أو هذا، فالعمل المشترط له النية باطل من غيرها (٢). ب- وأما محلها: فالقلب والتلفظ بها لم يرد عن النبي ﷺ إلا في التلبية في الحج، والعمرة، فيقول لبيك بحج، وكذا النية في النهار في صوم التطوع في قول؛ لثبوت قول النبي ﷺ «إني صائم» (٣).

стр. 38

والدليل على ذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاص محله القلب. وعليه فإن اختلف اللسان، والقلب، فالمعتبر ما في القلب، فمن نوى الظهر، وسبق لسانه فقال العصر، فالعبرة بالقلب (١). والتلفظ بها مختلف فيه مع إجماعهم أن التلفظ لا يشترط (٢). لكن هل يكره، أو يستحب، أو يسن؟ قال ابن نجيم: «لا يشترط مع نية القلب التلفظ في جميع العبادات؛ ولذا قال في المجمع: ولا معتبر باللسان، وهل يستحب التلفظ، أو يسن، أو يكره؟ أقول: اختار في الهداية الأول لمن لم تجتمع عزيمته، وفي فتح القدير لم ينقل عن النبي ﷺ التلفظ بالنية لا في حديث صحيح، ولا في ضعيف، وزاد ابن أمير الحاج أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة (٣). وعند المالكية: "ولا يجهر بالنية، فإن الجهر بها من البدع، واختلف في النطق باللسان هل هو بدعة، أو كمال؟ فقال بعضهم: هو كمال؛ لأنه أتى بالنية في محلها، وهو القلب، ونطق بها اللسان، وذلك زيادة كمال، هذا ما لم يجهر بها. وقال بعضهم: إن النطق باللسان مكروه" (٤).

стр. 39

وعند الشافعية: "بأن يقرن النية بالتسمية عند أول غسلهما، ثم يتلفظ بالنية، ثم يكمل غسلهما؛ لأن التلفظ بالنية والتسمية سنة" (١). وأما عند الحنابلة فقال في الإقناع: والتلفظ بها، وبما نواه هنا، وفي سائر العبادات بدعة، واستحبه سرا مع القلب كثير من المتأخرين، ومنصوص أحمد، وجمع المحققين خلافه، إلا في الإحرام، وسيأتي، وفي الفروع والتنقيح: يسن النطق بها سرا، فجعلاه سنة، وهو سهو، ويكره الجهر بها وتكرارها (٢). فتحصل أن التلفظ بها بدعة عن الحنابلة مطلقا جهر أم لا والمالكية بدعة إن جهر بها. واختلف في النطق بدون جهر فقيل بدعة وقيل كمال. وقيل مكروه. وانفرد الشافعية بالسنية مطلقا. ولم يثبت الجهر إلا في الحج وصيام النفل. أما في الوضوء والصلاة على كثرة ذلك وفي صوم رمضان وغيره فلم يثبت شيء من السنة. ج- وأما زمنها: فيجب أن تقترن بأول العبادة، أو قبلها عن قرب، كنيّة الصوم. قال الزركشي في قواعده: كل عبادة يجب أن تكون النية مقارنة لأولها إلا الصوم، والزكاة، والكفارة (٣). وزاد بعضهم رابعًا، وهو الأضحية. وجميع المذاهب الأربعة يقولون بلزوم المقارنة في أول العبادات إلا

стр. 40

أنهم استثنوا الصوم؛ للدليل، فيجوز من الليل (١)، وفي الصلاة عند البدء، وكذا الوضوء، والحج، والزكاة. وللحنفية ما يسمى مقارنة حقيقية، ومقارنة حكمية (٢)، فأعطوا التقدم اليسير للنية حكم المقارنة الحقيقية، وسموها مقارنة حكمية، فأجازوا النية للصلاة مع الوضوء بشرط ألا يأتي بما ينافيها، وفي الزكاة أن التأخير اليسير، كالمقارنة، كأن يدفعها للفقير، ثم ينوي قبل أن يستهلكها الفقير صحت. د- وأما كيفيتها: فبحسب الأبواب، أي كل باب بحسبه. هـ- أما شروطها فهي (٣): ١ - الإسلام: فلا تصح من كافر؛ لأنها عبادة، والعبادات لا تصح إلا من مسلم، واستثنى من ذلك الكتابية تحت المسلم يصح غسلها عن الحيض؛ ليحل وطؤها بلا خلاف؛ للضرورة، ويشترط نيتها. وقيل الكفارة تصح من الكافر، ويشترط منه نيتها؛ لأن المغلب فيها جانب الغرامات، والنية فيها للتمييز لا للقربة، وهي بالديون أشبه، كذا قال السيوطي عن الشافعية خلافا للحنفية فلا تنعقد يمين الكافر. ٢ - التمييز: فلا عبادة لغير مميز، كمجنون، وصبي لا يميز. ٣ - العلم بالمنْوي هل هو فرض أم سنة ونحو ذلك.
следующие страницы →