أما الفروع التي ذكرها فقهاؤنا المتقدمون على هذه القاعدة فهي كثيرة فمنها إضافة لما تقدم (١)
١ - لغو اليمين لا كفارة فيه، ولا اعتبار له في نظر الشارع؛ لأنه لا قصد له في ذلك، والأمور بمقاصدها.
٢ - ومنها ما لو نطق بكلمة الكفر؛ هربًا من القتل، وقلبه مطمئن بالإيمان.
٣ - ومنها الهجر فوق ثلاث دائر مع القصد، فإن قُصد هجر المسلم حرم وإلا فلا، كمن نوى التأديب.
٤ - وإحداد المرأة على ميت غير زوجها فوق ثلاث دائر مع القصد، فإن قصدت ترك الزينة والتطيب لأجل الميت حرم، وإلا فلا.
٥ - ومنها أن المصلي إذا قرأ آية من القرآن جوابًا لشخص بطلت صلاته.
٦ - وقالوا الأكل فوق الشبع مذموم بقصد الشهوة، وإن قصد به التقوي على الصوم، أو مواكلة الضيف فمستحب.
٧ - ومن وجد لقطة فأخذها بنية الحفظ كان أمينا، ولا ضمان عليه إن تلفت بغير تفريط، أو بنية التملك كان ضامنا على كل حال.
стр. 37
المطلب الرابع: المحل والشروط والمقصود
تكلم العلماء عن النية من أوجه كثيرة مردها إلى أوجه سبعة، جمعت في قول القائل:
حقيقة حكم محل وزمن … كيفية شرط ومقصود حسن (١)
قلت: أما حقيقتها فتقدمت.
أ- وأما حكمها:
فهي شرط لصلاح العمل، أو ركن العمل، وسواء هذا، أو هذا، فالعمل المشترط له النية باطل من غيرها (٢).
ب- وأما محلها:
فالقلب والتلفظ بها لم يرد عن النبي ﷺ إلا في التلبية في الحج، والعمرة، فيقول لبيك بحج، وكذا النية في النهار في صوم التطوع في قول؛ لثبوت قول النبي ﷺ «إني صائم» (٣).
стр. 38
والدليل على ذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاص محله القلب.
وعليه فإن اختلف اللسان، والقلب، فالمعتبر ما في القلب، فمن نوى الظهر، وسبق لسانه فقال العصر، فالعبرة بالقلب (١).
والتلفظ بها مختلف فيه مع إجماعهم أن التلفظ لا يشترط (٢).
لكن هل يكره، أو يستحب، أو يسن؟ قال ابن نجيم: «لا يشترط مع نية القلب التلفظ في جميع العبادات؛ ولذا قال في المجمع: ولا معتبر باللسان، وهل يستحب التلفظ، أو يسن، أو يكره؟ أقول: اختار في الهداية الأول لمن لم تجتمع عزيمته، وفي فتح القدير لم ينقل عن النبي ﷺ التلفظ بالنية لا في حديث صحيح، ولا في ضعيف، وزاد ابن أمير الحاج أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة (٣).
وعند المالكية: "ولا يجهر بالنية، فإن الجهر بها من البدع، واختلف في النطق باللسان هل هو بدعة، أو كمال؟ فقال بعضهم: هو كمال؛ لأنه أتى بالنية في محلها، وهو القلب، ونطق بها اللسان، وذلك زيادة كمال، هذا ما لم يجهر بها. وقال بعضهم: إن النطق باللسان مكروه" (٤).
стр. 39
وعند الشافعية: "بأن يقرن النية بالتسمية عند أول غسلهما، ثم يتلفظ بالنية، ثم يكمل غسلهما؛ لأن التلفظ بالنية والتسمية سنة" (١).
وأما عند الحنابلة فقال في الإقناع: والتلفظ بها، وبما نواه هنا، وفي سائر العبادات بدعة، واستحبه سرا مع القلب كثير من المتأخرين، ومنصوص أحمد، وجمع المحققين خلافه، إلا في الإحرام، وسيأتي، وفي الفروع والتنقيح: يسن النطق بها سرا، فجعلاه سنة، وهو سهو، ويكره الجهر بها وتكرارها (٢).
فتحصل أن التلفظ بها بدعة عن الحنابلة مطلقا جهر أم لا والمالكية بدعة إن جهر بها. واختلف في النطق بدون جهر فقيل بدعة وقيل كمال. وقيل مكروه.
وانفرد الشافعية بالسنية مطلقا.
ولم يثبت الجهر إلا في الحج وصيام النفل. أما في الوضوء والصلاة على كثرة ذلك وفي صوم رمضان وغيره فلم يثبت شيء من السنة.
ج- وأما زمنها:
فيجب أن تقترن بأول العبادة، أو قبلها عن قرب، كنيّة الصوم.
قال الزركشي في قواعده: كل عبادة يجب أن تكون النية مقارنة لأولها إلا الصوم، والزكاة، والكفارة (٣).
وزاد بعضهم رابعًا، وهو الأضحية.
وجميع المذاهب الأربعة يقولون بلزوم المقارنة في أول العبادات إلا
стр. 40
أنهم استثنوا الصوم؛ للدليل، فيجوز من الليل (١)، وفي الصلاة عند البدء، وكذا الوضوء، والحج، والزكاة. وللحنفية ما يسمى مقارنة حقيقية، ومقارنة حكمية (٢)، فأعطوا التقدم اليسير للنية حكم المقارنة الحقيقية، وسموها مقارنة حكمية، فأجازوا النية للصلاة مع الوضوء بشرط ألا يأتي بما ينافيها، وفي الزكاة أن التأخير اليسير، كالمقارنة، كأن يدفعها للفقير، ثم ينوي قبل أن يستهلكها الفقير صحت.
د- وأما كيفيتها:
فبحسب الأبواب، أي كل باب بحسبه.
هـ- أما شروطها فهي (٣):
١ - الإسلام: فلا تصح من كافر؛ لأنها عبادة، والعبادات لا تصح إلا من مسلم، واستثنى من ذلك الكتابية تحت المسلم يصح غسلها عن الحيض؛ ليحل وطؤها بلا خلاف؛ للضرورة،
ويشترط نيتها. وقيل الكفارة تصح من الكافر، ويشترط منه نيتها؛ لأن المغلب فيها جانب الغرامات، والنية فيها للتمييز لا للقربة، وهي بالديون أشبه، كذا قال السيوطي عن الشافعية خلافا للحنفية فلا تنعقد يمين الكافر.
٢ - التمييز: فلا عبادة لغير مميز، كمجنون، وصبي لا يميز.
٣ - العلم بالمنْوي هل هو فرض أم سنة ونحو ذلك.
стр. 41
٤ - أن لا يأتي بمناف، كقطع النية، فمن نوى قطع الصلاة في أثنائها بطلت.
٥ - الجزم وعدم التردد، فمن تردد هل يقطع الصلاة، أو لا بطلت، أو علق إبطالها على شيء فهي باطلة.
و- أما مقصود النية فهو:
١ - تمييز العادة عن العبادة، فالصوم عبارة عن ترك الطعام، والشراب، والجماع، ولا يكون عبادة إلا بنية القربة، وإلا فهو من العادات.
٢ - تمييز العبادات بعضها عن بعض، فبعضها فرض عين، وبعضها كفاية، وبعضها سنن، وهي على مراتب.
ز- فروع على ما تقدم:
الأول: تقدم أن شرط النية الإخلاص، وعليه فقد ذكر الفقهاء فروعًا مخرّجة على هذا، فمثلًا الحارس الذي يذكر الله؛ لأجل إسماع غيره بلا قصد الذكر لا أجر له، والرجل الذي يتوصل إلى الغيبة بذكر واستغفار، كقوله: أستغفر الله أما فلان فكذا وكذا، فاستغفاره هذا إثم عليه ووزر، فضلًا عن أن يكون مأجورًا، وعلى هذا فقس.
الثاني: أن الأعمال قسمان
ما يحتاج إلى نية، وهي الأمور الشرعية التعبدية المأمور بها، كالصلاة والصوم وغيره. وما لا يحتاج إلى نية لصحته، وهو باب التروك، كتطهير النجاسة، ورد الودائع، ونحو ذلك، ولكن تطلب النية فيه للمثوبة كما قدمنا.
الثالث: يفهم من هذا أن النية القلبية بدون اتصال بالعمل قولا، أو فعلا لا أثر لها، كمن نوى الطلاق، ولم يتلفظ به، أو نوى البيع ولم يفعل، فلا عبرة بهذا وأمثاله.
стр. 42
قلت: أما الإثم والأجر فيقع بأعمال القلوب.
لحديث أبي كبشة الأنماري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أو كلمة نحوها. وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا، ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء». هذا حديث حسن صحيح (١).
وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» (٢).
الرابع: التشريك في النية الذي يظهر من تتبع كلام العلماء أنه لا قاعدة ثابتة في الباب، بل لكل نظر مستقل بحسب الأدلة.
стр. 43
ح- لكن الخلاصة التي ترجع إليها المسائل:
١ - أن يجمع بين عبادة وغيرها مما لا يعود على العبادة بالإبطال، مثل أن يقصد الوضوء، والتبرد، فإن التبرد يحصل بدون نية (١)، أو يقصد الحج ورؤية العمران، أو يقصد الصوم والحمية، أو الصلاة والتخلص من ملازمة غريم (٢).
وقد ورد في البخاري أن النبي صلى وصعد المنبر؛ لينظروا إلى صلاته.
وفي الحج قال: «خذوا عني مناسككم» (٣).
فكل مقصود مع العبادة يقع بدون قصد لا يضر بها، أما لو ذبح، وقصد الأضحية، والذبح لشجر، أو حجر، فهذا التشريك يضر؛ لأنه منصوص على مناقضته للعبادة، ولو ذبح الأضحية، ونوى معها إكرام ضيفه، فلا بأس؛ لأنه يقع بدون نية أصلا.
٢ - لو جمع بين عبادتين، فإن كانا فرضين، فلا يصح إلا في حج، وعمرة إن قلنا بوجوب العمرة، وزاد السيوطي الجمع بين الوضوء، وغسل الجنابة، وغير هذه الصور مبطل، كجمع صلاة ظهر، وعصر، فإن جمع فرضا ونذرا في صيام، أو صلاة، أو صدقة، لا تقع عنهما؛ لأن كل فرض مقصود باستقلالية، (٤)
стр. 44
وقد حصل خلاف بين الحنفية كذلك في صور:
وقد بين ابن نجيم أن حاصل المذهب: أنه إن كان في الوسائل فالكل صحيح.
فلو اغتسل الجنب يوم الجمعة للجمعة ولرفع الجنابة ارتفعت جنابته وحصل له ثواب غسل الجمعة.
وإن كان في المقاصد: فإما أن ينوي فرضين، أو نفلين، أو فرضًا ونفلًا.
أما الأول فلا يخلو إما أن يكون في الصلاة، أو في غيرها، فإن كان في الصلاة كضهر وعصر لم تصح واحدة منهما اتفاقًا.
أما في الصوم: فالقاعدة أن الأقوى مقدم فأن تساويا تخير. وقاعدة محمد أنه يكون تطوعا
فلو نوى في الصوم القضاء، والكفارة كان عن القضاء، وقال محمد: يكون تطوعا، وإن نوى كفارة الظهار، وكفارة اليمين يجعل لأيهما شاء، وقال محمد: يكون تطوعا، ولو نوى الزكاة، وكفارة الظهار جعله عن أيهما شاء، ولو نوى الزكاة، وكفارة اليمين فهو عن الزكاة، ولو نوى مكتوبة، وصلاة جنازة فهي عن المكتوبة (١).
стр. 45
وعند الحنفية يمكن جمع حجتين، ولا يصح عند الشافعية (١).
стр. 46
٣ - أما إن جمع نفلين، فإن كانا مقصودين كراتبة الظهر وراتبة المغرب فلا يصح.
إما إن كان أحدهما مقصودا والآخر غير مقصود فإنه يصح، كصلاة تحية مع سنة ظهر، أو صيام ست مع اثنين، أو عاشورا مع أيام البيض، أو غسل جمعة مع عيد (١)
ولو جمع أضحية، وعقيقة، وهاتان سنتان، أجاز الحنابلة ذلك. مع أنهما مقصودان استقلالا.
٤ - لو جمع فرضًا ونقلًا، فثم تفصيل عند الشافعية، ففي صور يقع، وهو إن كان النفل غير مقصود لذاته، كتحية وظهر وغسل جمعة وجنابة.
ونوع يقع فرضًا، وهو في مسألة من نوى حج فرض ونفل وقع فرضًا.
وعكسه في صورة من نوى الزكاة وصدقة التطوع وقعت تطوعًا.
ونوع آخر يبطلان، كمن كبر للتحريم والركوع بطلت الصلاة (٢).
стр. 47
وقاعدة الحنفية يكون الأضعف وهو النفل.
٥ - في غير العبادات لو نوى جمع شيئين في نيته، كقوله: أنت علي حرام، ونوى الطلاق، والظهار، خُيِّرَ على الصحيح عند الشافعية (١).
стр. 48
المبحث الثاني: أثر القاعدة في فقه العصر
استفاد الفقهاء في هذا العصر من هذه القاعدة في الاستدلال على نوازل ومستجدة كثيرة، وقد تتبعت الكثير من الفروع المعاصرة لهذه القاعدة في الأبواب الاجتماعية، والطبية، والسياسية، والاقتصادية، والتعليمية، فمنها:
أولا: أثر القاعدة التطبيقي في القضايا المعاصرة في الأسرة والطب.
١ - تنظيم النسل بقصد القدرة على تربية الأبناء، أو دفعًا للضرر عن الأم ونحو ذلك فهذا من الأمور الجائزة، فإن كان قصده قطع النسل، أو الخوف على الرزق والفاقة حرم ذلك.
٢ - إجهاض الجنين المشوه، أو غيره إن صدر تقرير طبي من جهة معتبرة أنه يشكل خطرا على حياة الأم فالإجهاض هنا لا يعد محرما لأن المقصد إنقاذ حياة الأم دفعا لأكبر المفسدتين (١).
٣ - جواز نقل الأعضاء، وزراعتها؛ لأن مقصودها إحياء الأنفس لا إتلافها.
٤ - هناك بعض الأدوية تضر الجنين، وبعضها تؤدي إلى إجهاضه في حال تناولت المرأة هذا الدواء لمرض بها، وكانت لا تعلم أنه يسبب الإجهاض، فإن حصل إجهاض فلا إثم عليها؛ لأن الأمور بمقاصدها، ولم تقصد الإجهاض.
стр. 49
٥ - العمليات القيصرية، وغيرها من العمليات التي يكشف فيها الطبيب عن العورة المغلظة يجوز بقدر الضرورة؛ لأن قصده دفع الضرر الأكبر.
وقد ذكر الفقهاء المتقدمون جواز شق بطن الميتة لإخراج جنينها الحي، وليس هذا انتهاكا لحرمة الميتة؛ لأن القصد منه إنقاذ الجنين الحي، والأمور بمقاصدها (١).
٦ - جواز تشريح الجثة لمعرفة الجاني لا يدخل في التمثيل المحرم، فالتمثيل المحرم ما كان عبثا، أو فسادا أما إن كان المقصد شرعيا فهو جائز لهذا جاز القصاص في النفس وما دونها، ولا يعد مثلة محرمة لأن مقصده تحصيل مصلحة شرعية هي العدل وإخماد الفتنة.
وكذلك تشريح جثة الميت هنا مقصده كشف الجاني لردعه ودفع الفساد في الأرض وحفظ الدماء وأمن الجماعة (٢).
وهذا الفرع لا بعارضه قاعدة الضرر لا يزال بالضرر، لأن الضرر لا يزال بالضرر إن كان مساويا له.
أما لو أزيل الضرر الأكبر بضرر أقل فهو جائز. فهذا الفرع غير داخل في قاعدة المنع، بل في قاعدة الجواز وهي: دفع الضرر الأكبر بارتكاب الأصغر.
٧ - المريض بمرض وبائي خطر على النفس يجب عليه أن يحجر
стр. 50
نفسه فإن احتسب ذلك فهو مأجور فإن لم يحجر نفسه وخالط الناس عامدا عالما بالمرض وبخطورته وسرعة انتقاله فهو آثم (١).
٨ - من المستجدات المعاصرة التي يمكن أن تستثمر فيها القاعدة قضية الزواج السياحي، وهو ما يفعله البعض من المسافرين للسياحة، أو الدراسة من الزواج بنية الطلاق لا بنية الدوام،
وأصله مسألة الزواج بنية الطلاق وفيه خلاف فهذا مع كون بعض الفقهاء يجيزونه عملا بالظاهر؛ لأنه لم ينص عليه في العقد، لكن المقصد يجب أن يعتبر في التصرفات ولهذا يفتى الحنابلة في المعتمد بالمنع من ذلك؛ لأن الأمور بمقاصدها؛ ولأنه صار كالمتعة المحرمة. (٢)
ثانيا: أثر القاعدة في الواقع السياسي المعاصر.
٩ - ومن فروع هذه القاعدة أن التصويت في الانتخابات لاختيار رئيس البلاد يقوم مقام البيعة؛ لأنه أدى مقصودها (٣).
١٠ - تولي الولايات للكفار في بلاد الغرب، أو لفاسق، أو ظالم في بلاد المسلمين إن قصد من الولاية القيام بالحق، أو تخفيف المفاسد والظلم، وكان قادرًا على ذلك. فهو جائز، بل قد يجب.
وقد جرى في قصة يوسف ﵇ ما يدل على ذلك، قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر
стр. 51
بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر، وشهواته، وفجوره، فلا يجوز له ذلك (١).
قال القاضي أبو محمد: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه ﵇ لرغبته في أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر الصديق في الخلافة مع نهيه المستشير من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين … الحديث بكماله، فجائز للفاضل أن يعمل، وإن يطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه، وجائز أيضا للمرء أن يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره (٢).
١١ - جواز التقدم للقضاء والعمل السياسي والمناصب إن كان المقصود دفع المفاسد وجلب المصالح لا طمعا في الجاه والدنيا والعلو في الأرض قال إمام الحرمين: «وهذا يدل على أن التعرّض لطلب الولاية جائز إذا يوجد الطالب الصالح لها (٣).
وإن لم يكن غيره، أو وجد أنه لا يصلح له غيره، وسيحقق المقاصد المصلحية ويدفع المفاسد فيجب عليه الولاية؛ لأن ذلك من المصالح الكبرى، ومن النصح للأمة؛ ولأن من حاله هذا فمقصوده مطلوب شرعًا، وظاهر كلام عياض الاتفاق على جواز الطلب في هذه الحالة.
ولأن النهي عن التقدم والحرص على ذلك إنما لمن قصد حظ نفسه (٤).
стр. 52
١٢ - الترشح في الانتخابات النيابية من الأقليات المسلمة في بلاد الغرب إن كان المقصود رعاية مصالح أهل الإسلام، ودفع المظالم عنهم،
стр. 53
والقيام بحقوقهم، وقد تولى يوسف ﵇ لكافر، وكان النجاشي مسلما يحكم أهل الكتاب، ولم يلزمه النبي ﵊ إلزام قومه بأحكام القرآن قال شيخ الإسلام: «والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا، بل وإماما، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]» (١)
١٣ - جواز التحاكم للمحاكم الدولية إن كان المقصود نصرة المظلومين ومحاسبة المجرمين، ولا يمكن محاسبتهم ودفع فسادهم بمحاكم أهل الإسلام لقدرة هذه المحاكم على إلزام واستدعاء المجرمين وقد تحاكم المسلمون والكفار من قريش إلى النجاشي قبل إسلامه.
١٤ - جواز أخذ الجنسية والإقامة في بلاد غير المسلمين بقصد حماية المسلم، ودينه، وعرضه، وأهله، والاستفادة من المصالح المترتبة عليها.
١٥ - جواز التنافس على الولاية، أو مجالس النواب، وقد تنافس عثمان، وعلي على الخلافة، ولم ينكر أحد ذلك (٢).
١٦ - جواز مدح النفس في الحملات الانتخابية؛ لأنها تعريف قصده المصلحة، وقد عرف يوسف نفسه بما فيه مصلحة، قال العز ابن عبد السلام: «قد يمدح المرء نفسه إذا دعت الحاجة، ولا يمدح المرء نفسه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، مثل أن يكون خاطبا إلى قوم فيرغبهم
стр. 54
في نكاحه، أو فيعرف أهليته الولايات الشرعية، والمناصب الدينية؛ ليقوم بما فرض الله عليه عينا، أو كفاية كقول يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] (١).
ثالثا: أثر القاعدة في المجال المالي والاقتصادي والتعليمي
١٧ - يأتي في هذا السياق التكييف الفقهي للحسابات الجارية في البنوك، فمنهم من قال إنها وديعة، وهذا القول ضعيف؛ لأن الوديعة غير مضمونة في الفقه بخلاف الحساب الجاري في البنوك فهو مضمون، فلو تلف، أو سرق، أو احترق البنك فإنه ضامن رد المبالغ المودعة في الحسابات إلى أصحابها؛ لذلك قرر المجمع الفقهي أنه قرض، وله أحكامه؛ لأن الأمور بمقاصدها.
جاء في نص القرار رقم: ٨٦ (٩/ ٣) بشأن الودائع المصرفية (حسابات المصارف):
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ - ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ١ - ٦ نيسان (إبريل) ١٩٩٥ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الودائع المصرفية (حسابات المصارف)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
أولًا: الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) سواء أكانت لدى
стр. 55
البنوك الإسلامية، أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها، وهو ملزم شرعًا بالرد عند الطلب، ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) مليئًا .... الخ (١).
١٨ - ومنها التحويل عبر البنوك الربوية إن لم يجد غيرها، وهي تدخل تحت قاعدة الضرورات وقاعدة الأمور بمقاصدها؛ لأن صاحب الحوالة لا يقصد الربا، ولا التعامل به.
١٩ - ومنها أن زكاة الأسهم بحسب نية صاحبها، فإن كانت نيته المضاربة فتزكى مضاربة، وإن كانت للاستفادة من ريعها فيزكي الريع. حسب قرار المجمع الفقهي الذي جاء فيه:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: ٢٨ (٤/ ٣): بشأن زكاة الأسهم في الشركات:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ الموافق ٦ - ١١ شباط (فبراير) ١٩٨٨ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع زكاة أسهم الشركات قرر ما يلي:
.... إن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة فإنه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشيًا مع
стр. 56
ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع، وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع.
وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته، وهي في ملكه، زكى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوق زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة، فيخرج ربع العشر (٢. ٥%) من تلك القيمة ومن الربح، إذا كان للأسهم ربح (١).
رابعا: أثر القاعدة في التعليم والعلاقات بين الأمم والشعوب وفقه الأقليات والجنايات والعبادات
٢٠ - جواز دراسة القوانين المخالفة للشريعة وتدريسها في الجامعات إذا قصد بيان نقصها وعجزها وما فيها مفاسد وبيان كمال الشريعة وعظمتها وشمولها وتفوقها على تلك القوانين.
كما يجوز دراستها للدفع بها عن المظلومين، أو تخفيف الظلم عنهم وجلب المصالح لأهل الإسلام. (٢)
стр. 57
٢١ - يجوز الإهداء لغير المسلم على أصل الإباحة ولكن إن قصد به تأليف قلبه على الإسلام وبيان أخلاق المسلمين فهذا مقصد حسن يؤجر عليه.
٢٢ - وضع اليد على التوراة، أو الانجيل حين القسم في المحاكم الغربية عند التقاضي إليها من المسلمين هناك فيه تفصيل فهو محرم من حيث الأصل؛ لأنه ينبئ عن تعظيم لكتب محرفة فعلى المسلم أن يطلب نسخة من القرآن فإن لم توفر له وأجبر على القسم على تلك الكتب فهي ضرورة وقد أبيحت كلمة الكفر عند الإكراه فهذا أولى. (١)
٢٣ - الحوار بين الأديان إن قصد به بيان الحق والعمل على الأمور المشتركة دعما للتعايش السلمي فهو جائز، وإن قصد به دمج الأديان والتلبيس على الناس بعدم تمايزها، أو أنها كلها على الحق فلا يجوز.
٢٤ - التبني محرم في الإسلام وكفالة اليتيم عوض عنها وقد حصل للمهاجرين من أطفال المسلمين إلى بلاد الغرب عنت من جهة ما تفرضه بعض القوانين من تبني هؤلاء ومن ثم تنصيرهم فقام بعض المسلمين بتبنيهم صوريا دفعا لهذه المفسدة بناء على فتوى متعلقة بذلك بشرط التحرز للنسب والحقوق في الواقع وما يترتب على ذلك. (٢)
٢٥ - ومنها تحريم الزواج الصوري للحصول على الأوراق الثبوتية في
وأما الصحة فإن لها تفصيلًا:
وقد اتفق مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا مع المجلس الأوروبي في هذا المأخذ، فكان مما وَرَدَ في قرارات المجمع في دورته الثانية بالدانمرك:
قرر المجمع: الزواج الصوري: هو الزواج الذي لا يَقْصِدُ به أطرافه حقيقة الزواج الذي شرعه الله ورسوله، فلا يتقيدون بأركانه وشرائطه، ولا يحرصون على انتفاء موانعه، بل يتفق أطرافه على عدم المعاشرة صراحةً، أو ضمنًا، فهو لا يعدو أن يكون إجراءً إداريًّا لتحصيل بعض المصالح، أو دفع بعض المفاسد، فهو أشبه بنكاح التحليل، لا يُراد به النكاح حقيقة؛، بل لتحليل المرأة لمطلقها ثلاثًا.
стр. 60
والزواج الصوري على هذا النحو محرم في باب الديانة لعدم توجه الإرادة إليه، ولخروجه بهذا العقد عن مقاصدِهِ الشرعية، ولما يتضمنه من الشروط النافية لمقصوده، فلا يحل الإقدام عليه.
أما حكمه ظاهرًا فإنه يتوقف على مدى ثبوت الصورية أمام القضاء، فإن أقر الطرفان بصورية العقد، أو تيقن القاضي بذلك من خلال ما احتفَّ به من ملابسات وقرائن قضى ببطلانه، أمَّا إذا لم تثبتْ فإنه يحكم بصحته قضاءً متى تحقَّقَتْ أركان الزواج وانتفتْ موانعه.
وإذا مسَّتِ الحاجةُ إلى تحصيل بعض المصالح التي لا يتسنى تحصيلها إلا من خلال الزواج فإن السبيل إلى ذلك هو الزواج الحقيقي الذي تتجه إليه الإرادة حقيقة، فَتُسْتوفى فيه أركانه وشرائطه، وتَنْتفي موانعه، ويُجْرَى على وفاق الشريعة المطهرة، فلا يصرح فيه بالتوقيت، ولا يعبث فيه أحد بغاياته ومقاصده (١).
٢٦ - ومنها الطلاق الصوري بهدف الحصول على الإعانة للمطلقة في الغرب، أو بهدف إدخالها لبلد يمنع تعدد الزوجات. والذي يظهر أنه طلاق صحيح لحديث ثلاث جدهن جد وهزلهن جد (٢).
стр. 61
٢٧ - ومن فقه الجنايات أن الجناية ركنها القصد والآلة فإن انتفى القصد فهي خطأ، وإن وجد ووجدت الآلة الحادة، أو ما يقتل غالبا فهو قتل عمد.
وقد أقيمت العقوبات في الجنايات المعاصرة على اعتبار المقاصد.
وهو ما يسمى بالقصد الجنائي وهو مركب من العلم بالجريمة وفعلها مع ذلك.
وهل يلتفت إلى الباعث وهو ما يسمى حسن النية، أو سوء النية.
وقد كان لها أثر في الاعتبار القضائي في حالات من تخفيف الحكم، أو تغليظه في مختلف الجرائم والجنح من تهريب المخدرات، أو تزوير المحررات، أو إصدار شيك بدون رصيد، أو تزوير عملة وغير ذلك (١).
٢٨ - لا يجوز الجمع في المقاصد بأن ينوي دافع الضرائب عن الزكاة لأن الزكاة عبادة مستقلة مقصودة لا تحتمل غيرها.
٢٩ - جواز غسل الثياب في المغاسل البخارية وهي التي تعتمد
стр. 62
البخار للتنظيف مع مواد كيماوية، والمقصود حاصل بهذا البخار والأمور بمقاصدها.
٣٠ - استعمال الفرشاة الالكترونية للتنظيف، أو الفرشاة العادية فهي تقوم مقام السواك وتحقق مقصوده.
٣١ - جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر.
٣٢ - زكاة الأسهم تخرج بحسب نية مالكها. إن كانت للمضاربة أو الاستغلال.
٣٣ - زيارة المريض عبر الشاشة. عند حصول عذر يقوم مقام الزيارة الحقيقية ويؤدي مقصودها.
٣٤ - عدم مشروعية الصعود على بناء عال للأذان في عصرنا نظرا لوجود مكبرات الصوت.
٣٥ - بطلان اعتماد الأذان المسجل للصلاة بدلا عن المؤذن لأن الأذان عبادة لا تكون إلا بالنية ولا نية في الأذان المسجل فبطل (١).
٣٦ - تغني التقويمات المعتمدة الصحيحة عن مراقبة طلوع الفجر أو غياب الشمس وأوقات الصلوات، لأنها تعبر عن الواقع وتؤدي المقصود فلا معنى للقيام بالمراقبة.
٣٧ - هل يلتفت المؤذن يمينا ويسارا مع أذانه عبر المكبرات؟ خلاف مبنى على المقصود وهل الالتفات سنة مستقلة أم وسيلة لها معنى معقول هو إبلاغه في الاتجاهات. (٢)
стр. 63
خامسا: أثر القاعدة في التحريف المصطلحي المعاصر.
شاع في هذا العصر ما يمكن أن نسميه تحريف المصطلحات، أو إعادة المصطلح لإعادة صناعة الوعي؛ لأن الشرع وضع ألفاظًا معينة إزاء معان معينة من الحلال والحرام، فتغيير هذه المصطلحات مقصوده جعلها أساسا لبناء أحكام جديدة وتغيير الحكم الشرعي، أو تشويهه.
و تسمية الشيء بغير اسمه لا يغير حقيقته وحكمه الشرعي؛ لأن الأمور بمقاصدها.
وقد قامت شياطين الإنس والجن بتحريف المصطلحات بغية إيجاد وعي منحرف للجيل إزاء الحكم الشرعي تحيلًا وتحريمًا. وكل مصطلح معاصر يجب النظر إلى حقيقته ومقاصده ويحكم من خلاله على تكييفه الشرعي.
ومنها ما تطلقه المنظمات الدولية لاستهداف الإسلام وتعاليمه فتصوغ مصطلحا موهما في لفظه، قبيح في مقصوده. فالعبرة بالمقصود لا باللفظ؛ لأن القصد يبين الحقيقة الشرعية
كل مصطلح قصد به تحريف الدين وأحكامه، أو تشويهه فهو من هذا القبيل.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ (الأنعام: ١١٢ - ١١٣)
فهذا النص يبين:
أن أعداء النبوات من شياطين الإنس والجن يعملون على زعزعة الأفكار بتفكيك المصطلحات وتحريفها وتجريفها بغية الوصول إلى بناء محرف وصورة ذهنية مشوهة للحقائق
стр. 64
يبين النص القرآني أن الذين يصغون إليهم قلوب فارغة من الإيمان، ويكشف أنه ليس أي إصغاء، بل هو نوع خاص.
إنه الإصغاء العميق الذي تقوم به القلوب والأفئدة، لا الآذان التي هي أدوات خارجية قد تسمع بلا وعي، ولا عمق، لكن السماع والإصغاء بالقلب هو المعني هنا
ثم لم يكتف هؤلاء بالإصغاء العميق، بل يكشف النص أنه كان عن رضى وقناعة مسبقة ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾.
والعطف بالواو يفيد أن الرضى علة مستقلة سابقة على السماع والأصغاء، وليست علة تابعة بعد السماع، وإلا لعطفت بالفاء التي تفيد التعليل.
لأن العادة أن الرضى يكون بعد الاستماع والإصغاء، لكن هؤلاء كان رضاهم أسبق.
تتلوه عملية الاقتراف بهذه التسمية التي تستعمل كثيرًا في الدناءة والشر.
وتحريف المصطلح هدفه إنتاج قناعة مختلفة يتولد منها فعل متسق مع هذا الوعي وهذه القناعة فيحدث التعايش مع هذه الأمور.
وسأسوق لكم مجموعة من ألفاظ التحريف المصطلحي الذي شاع في زمننا:
- منها إطلاق اسم المشروبات الروحية على الخمر.
- إطلاق اسم الفوائد على الربا.
- إطلاق المثليين على من عَمِل عَمَلَ قوم لوط.
- إطلاق اسم الرافعة المالية على العقد الربوي.
- تسمية الشريك الأسري بدلًا عن الزوجة؛ ليدخل العموم من رجل لرجل، ومثل بمثل.
стр. 65
- ومنها بيع المؤشر والمستقبليات، وحقيقتها الميسر.
- ومنها الأسهم الممتازة، وهي نوع من الشرط المحرم في المضاربات.
- ومنه إطلاق رجال الدين على العلماء والدعاة وهو إطلاق خاطئ مقصوده حشرهم في زواية معينة وحصار الدين في شأن محدود وفصله عن الحياة
- ومنه إطلاق مصطلح الإرهاب على الإسلام مقصوده التشويه والشيطنة.
- ومنه إطلاق لفظ الإسلام السياسي، أو الوهابي، أو السلفي، أو الصوفي هدفه تقزيم الإسلام وتمزيق حملته وتفريقهم.
- وتسمية الزنى حرية.
- وتسمية بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنمرًا.
- ومنها إطلاق حرية التعبير على الإساءة لله ورسوله، ومقصودها معلوم.
- ومنها إطلاق لفظ المفكر والتنوير على من طعن في الدين وأصوله والسنة ومخزون الأمة الفقهي.
- إطلاق العلمانية على الحكم بغير ما أنزل الله والحكم بغير ما أنزل الله سماه الله جاهلية وكفرا وظلما وفسقا.
فهذه طائفة من الأمثلة تبين معركة تحريف المصطلحات، وزخرفة ذلك التحريف والعمل المنسق على ذلك.
بين شياطين الإنس والجن، ومدى الاسترواح والرضى المتسق بينهم، مع تلك الممارسات الإجرامية …
стр. 66
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقاعدة الأمور بمقاصدها
١_ العبرة في العقود بالمعاني.
٢_ مقاصد اللفظ على نية اللافظ.
٣_ كل حيلة أدت إلى الحرام فهي حرام.
٤_ التصرفات دليل المقاصد الباطنة.
٥_ المقاصد المشروعة لا تسوغ الوسائل المحظورة.
٦_ قصدت الشريعة إخراج المكلف عن مقاصد الأهواء.
٧_ الصريح لا يحتاج إلى النية والكناية لا تلزم إلا بالنية.
стр. 67
المبحث الأول قاعدة: العبرة في العقود بالمعاني
هذه القاعدة مندرجة في القاعدة السابقة الأمور بمقاصدها لكنها أخص؛ لأن موضوعها العقود فقط.
وفيها مسألتان:
المسألة الأولى: التعريف والاستثمار الفقهي لها
١ - العقد: هو ارتباط الإيجاب بالقبول كعقد البيع، والإجارة، والإعارة إلخ.
واللفظ: هو الكلام الذي ينطق به الإنسان بقصد التعبير عن ضميره. (١)
٢ - ومعنى القاعدة أن العقود تنعقد بما يدل عليها، ولا تتوقف على لفظ معين، وهذا مما لا خلاف فيه بين المذاهب، حتى الشافعي الذي تشدد في ألفاظ العقود إلا أنه جعل أي لفظ دال على ذلك فالبيع يجوز بالكناية، حتى «قال الزركشي: وليس لنا عقد يختص بصيغة إلا هذا (السلم) والنكاح (٢).
стр. 68
٣ - وقد استثمر الفقهاء هذه القاعدة في عموم المعاملات وبنوا عليها فروعا فقهية فمنها:
١ - أن الهبة بشرط العوض بيع في المذاهب الأربعة (١).
فمن قال وهبتك سيارتي هذه على أن تعوضني كذا فاشتراط العوض جعل المقصود بيعا وخرج عن عقد الهبة وتكييفها أنها بيع ابتداء وانتهاء عند المالكية والشافعية والحنابلة وزفر فلا يشرط لصحته قبض أما أبو حنيفة وصاحباه فقالا هو هبة ابتداء وبيع انتهاء إن قبضه.
فلما تحقق معنى البيع فيها لم نعتبر قوله وهبتك، بل اعتبرنا معنى العقد وقدمناه على ظاهر اللفظ. فتبين هنا أنهم لاحظوا المعاني ومثل هذا جرى في من أعار شيئا وشرط العوض فهي إجارة (٢).
٢ - والحوالة بشرط عدم البراءة كفالة (٣).
فمن قال لشخص جاء يطلبه الدين الذي عليه حولتك على فلان فقبل المحال انتقل الدين إلى ذمة الشخص المحال عليه وبرئت ذمة الشخص المحيل؛ لأن حقيقة الحوالة انتقال الدين من ذمة إلى ذمة أخرى.
لكن لو شرط الشخص المحال على المحيل عدم براءته من المال
стр. 69
بمعنى بقاء مسؤوليته عن الدين مما يجعل له حق المطالبة منه، أو من المحال عليه؛ فهذا الشرط يجعل الحوالة ضمانا ويخرجها من باب الحوالة؛ لأن حقيقة الضمان ومعناه وجدت في هذه الصورة، وهي ضم ذمة شخص إلى ذمة شخص آخر في مسؤولية المطالبة بالدين عليهما.
٣ - وقد اتفقت الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على انعقاد الحوالة بأي لفظ يؤدي المقصود. وهو ما نقل الدين من ذمة إلى ذمة (١).
وهذه القاعدة واسعة التطبيق في العقود (٢).
المسألة الثانية: أثر القاعدة في فقه العصر.
١ - الإجارة المنتهية بالتمليك اختلف في تكييفها
فإن كانت إجارة تملك تلقائيا في نهايتها بدون مقابل للتملك، فتكون
стр. 70
إجارة مع شرط الهبة في نهايتها، وقد تكون إجارة مع شرط البيع آخرها إن شرط ثمنا للتملك، ومعلوم أن تعليق البيع لا يجوز.
ومنهم من خرجها أنها في الحقيقة بيع من أول العقد، لكن لم يسجل العقار باسم المشتري، بل سجل على أنه عقد إجارة فإذا انتهت المدة سلم له العقار ونقل باسمه.
وعليه فهي بيع مرابحة في جوهرها؛ لأنه تقسيط في ثمن العقار لمدة معينة، لكن جعل العقار محجوزًا لا يسلم إلا في آخر المدة وتمام الأقساط فكان رهنا (١).
١ - تعطي بعض شركات الأدوية لمندوبي المشتريات في المستشفيات، أو العيادات، أو المراكز الصحية حوافز ونسبا معينة مقابل إتمام الصفقات، أو اختيار التعامل معهم دون غيرهم. وهذه النسبة لا تحل لهم؛ لأن المندوب عامل بأجر وليس وسيطا تجاريا، ولا يحق له أن يأخذ تلك النسبة لأنها تكون في معنى الرشوة. والعبرة في العقود بمعانيها. فهي رشوة في التكييف (٢).
стр. 71
ولذلك قال: ﵊ (فليقعد في بيت أبيه وأمه فلينظر أتأتيه هديته إن كان صادقًا) (١).
٢ - تكييف الحساب الجاري أنه قرض راجع إلى النظر إلى المعاني والمقاصد لا الألفاظ وقد سبقت الكثير من التنزيلات المعاصرة في الماليات في القاعدة الأم.
٣ - لو شرط الضمان على وكيل الاستثمار، أو المضارب، أو الشريك فهو شرط محرم؛ لأن ضمان رأس المال يجعله قرضا لا استثمارًا. وعقد القرض يحرم فيه الزيادة، وعقد الاستثمار الشرعي قائم على تقاسم الربح وعدم ضمان رأس المال. (٢)
стр. 72
المبحث الثاني قاعدة: مقاصد اللفظ على نية اللافظ
ويتعلق بها مسألتان:
المسألة الأولى: معنى القاعدة ومستندها وأثرها الفقهي
أولا: معنى القاعدة ومستندها
١ - معنى هذه القاعدة قريب من قاعدة الأمور بمقاصدها إلا أنها مختصة بالألفاظ فما تلفظ به المكلف من يمين، أو نذر، أو كناية طلاق يرجع فيه إلى نيته.
وهذه القاعدة جارية فيما هو محتمل للنية من الألفاظ أما ما ليس له محمل كالصريح فلا تفيد النية، فمن قال لزوجته أنت طالق فهذا صريح لا يقبل معه دعوى أنه لم يرد الطلاق.
وقد نص الفقهاء على ذلك في قواعد تدور على هذا مثل قاعدة: النية إذا لم تكن من محتملات اللفظ لا تعمل (١)، وستأتي قاعدة متفق عليها وهي في المبحث السابع: الصريح لا يحتاج إلى النية والكناية لا تلزم إلا بالنية.
لذلك قال ابن حجر الهيتمي: لا عبرة بقصد ما لم يفده اللفظ. (٢)
стр. 73
قال الزركشي: هذا القاعدة معتبرة في كل مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في موضع (واحد) وهو اليمين بالله عند القاضي فإنها على نية القاضي دون الحالف (١).
فإن خالفه، كحنفي استحلف شافعيا في شفعة الجوار، ففيمن تعتبر نيته؟ وجهان: أصحهما: القاضي أيضًا (٢).
стр. 74
وهذه القاعدة محل اتفاق بين الفقهاء (١) ولها أثر في تخصيص العموم وتقييد المطلق وهذا مفيد للمفتى فكثيرا ما يحصل أن يحلف الرجل على زوجته ألا تخرج، ثم يأذن لها بعد ذلك فهل عليه حنث، الذي تفيده القاعدة أنه لا حنث عليه لأن لفظه مخصص بالنية وهي نيه الإذن.
فكأنه قال إلا بإذني.
ونظير هذا ما نقل السيوطي: قال الرافعي، وتبعه في الروضة: النية في اليمين تخصص اللفظ العام، ولا تعمم الخاص مثال الأول: أن يقول: والله لا أكلم أحدا، وينوي زيدا.
ومثال الثاني: أن يمن عليه رجل بما نال منه فيقول: والله لا أشرب منه ماء من عطش، فإن اليمين تنعقد على الماء من عطش خاصة، ولا يحنث بطعامه وثيابه، ولو نوى أن لا ينتفع بشيء منه، ولو كانت المنازعة تقتضي ذلك; لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ ما نوى، بجهة يتجوز بها قال الإسنوي: وفي ذلك نظر لأن فيه جهة صحيحة، وهي إطلاق اسم البعض على الكل انتهى. (٢)
وقد بين القرافي تخصيصها للعموم وتقييد للمطلقات في باب الأيمان
أ_ ما تخصيص العمومات فهو كقوله والله لا لبست ثوبا وينوي إخراج الكتان من يمينه فيصير هذا العموم مخصوصا بهذه النية ولا يحنث إذا لبس الكتان لأنه قد أخرجه بنيته
وكذلك مسألة المحاشاة وهي: كما قال مالك إذا قال كل حلال علي
стр. 75
حرام يلزمه الطلاق إلا أن يحاشي زوجته وقال الأصحاب يكفي في المحاشاة مجرد النية والسبب في ذلك أنها تخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقصان والتخصيص يكفي فيه إرادة المتكلم فكفى في المحاشاة مجرد إرادة المتكلم فليست المحاشاة شيئا غير التخصيص فاعلم ذلك
ب _ أما تقييد المطلقات فهو إذا حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا فلا يبرأ بإكرام غيره لأن رجلا مطلق وقد قيده بخصوص زيد فصار معنى اليمين لأكرمن زيدا وكذلك إذا قيده بصفة في نيته ولم يلفظ بها كقوله والله لأكرمن رجلا وينوي به فقيها أو زاهدا فلا يبرأ بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة فهذه صورة تقييد المطلقات.
ونقل القرافي الاجماع على ما سبق فقال: فهذه هي مواطن الاكتفاء بالنية إجماعا (١)
أما بقيتها ففيه خلاف.
قلت وجميع ما تقدم وما ذكرن القرافي من المسائل وما ذكره الفقهاء من تأثير النية على الألفاظ هي في الألفاظ التي فيها نوع احتمال فيه قوة.
أما إن تلفظ بقوله إن شاء الله فهي ترفع الأيمان باتفاق للنص، وإما غيره فهناك اتجاهان
الأول: أنها ترفع الأيمان والطلاق والعقود وهو مذهب الشافعي والحنفية.