← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30084

القواعد الأم للفقه

فضل مراد

Полный текст (773 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولذلك قال: ﵊ (فليقعد في بيت أبيه وأمه فلينظر أتأتيه هديته إن كان صادقًا) (١). ٢ - تكييف الحساب الجاري أنه قرض راجع إلى النظر إلى المعاني والمقاصد لا الألفاظ وقد سبقت الكثير من التنزيلات المعاصرة في الماليات في القاعدة الأم. ٣ - لو شرط الضمان على وكيل الاستثمار، أو المضارب، أو الشريك فهو شرط محرم؛ لأن ضمان رأس المال يجعله قرضا لا استثمارًا. وعقد القرض يحرم فيه الزيادة، وعقد الاستثمار الشرعي قائم على تقاسم الربح وعدم ضمان رأس المال. (٢)

стр. 72

المبحث الثاني قاعدة: مقاصد اللفظ على نية اللافظ ويتعلق بها مسألتان: المسألة الأولى: معنى القاعدة ومستندها وأثرها الفقهي أولا: معنى القاعدة ومستندها ١ - معنى هذه القاعدة قريب من قاعدة الأمور بمقاصدها إلا أنها مختصة بالألفاظ فما تلفظ به المكلف من يمين، أو نذر، أو كناية طلاق يرجع فيه إلى نيته. وهذه القاعدة جارية فيما هو محتمل للنية من الألفاظ أما ما ليس له محمل كالصريح فلا تفيد النية، فمن قال لزوجته أنت طالق فهذا صريح لا يقبل معه دعوى أنه لم يرد الطلاق. وقد نص الفقهاء على ذلك في قواعد تدور على هذا مثل قاعدة: النية إذا لم تكن من محتملات اللفظ لا تعمل (١)، وستأتي قاعدة متفق عليها وهي في المبحث السابع: الصريح لا يحتاج إلى النية والكناية لا تلزم إلا بالنية. لذلك قال ابن حجر الهيتمي: لا عبرة بقصد ما لم يفده اللفظ. (٢)

стр. 73

قال الزركشي: هذا القاعدة معتبرة في كل مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في موضع (واحد) وهو اليمين بالله عند القاضي فإنها على نية القاضي دون الحالف (١). فإن خالفه، كحنفي استحلف شافعيا في شفعة الجوار، ففيمن تعتبر نيته؟ وجهان: أصحهما: القاضي أيضًا (٢).

стр. 74

وهذه القاعدة محل اتفاق بين الفقهاء (١) ولها أثر في تخصيص العموم وتقييد المطلق وهذا مفيد للمفتى فكثيرا ما يحصل أن يحلف الرجل على زوجته ألا تخرج، ثم يأذن لها بعد ذلك فهل عليه حنث، الذي تفيده القاعدة أنه لا حنث عليه لأن لفظه مخصص بالنية وهي نيه الإذن. فكأنه قال إلا بإذني. ونظير هذا ما نقل السيوطي: قال الرافعي، وتبعه في الروضة: النية في اليمين تخصص اللفظ العام، ولا تعمم الخاص مثال الأول: أن يقول: والله لا أكلم أحدا، وينوي زيدا. ومثال الثاني: أن يمن عليه رجل بما نال منه فيقول: والله لا أشرب منه ماء من عطش، فإن اليمين تنعقد على الماء من عطش خاصة، ولا يحنث بطعامه وثيابه، ولو نوى أن لا ينتفع بشيء منه، ولو كانت المنازعة تقتضي ذلك; لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ ما نوى، بجهة يتجوز بها قال الإسنوي: وفي ذلك نظر لأن فيه جهة صحيحة، وهي إطلاق اسم البعض على الكل انتهى. (٢) وقد بين القرافي تخصيصها للعموم وتقييد للمطلقات في باب الأيمان أ_ ما تخصيص العمومات فهو كقوله والله لا لبست ثوبا وينوي إخراج الكتان من يمينه فيصير هذا العموم مخصوصا بهذه النية ولا يحنث إذا لبس الكتان لأنه قد أخرجه بنيته وكذلك مسألة المحاشاة وهي: كما قال مالك إذا قال كل حلال علي

стр. 75

حرام يلزمه الطلاق إلا أن يحاشي زوجته وقال الأصحاب يكفي في المحاشاة مجرد النية والسبب في ذلك أنها تخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقصان والتخصيص يكفي فيه إرادة المتكلم فكفى في المحاشاة مجرد إرادة المتكلم فليست المحاشاة شيئا غير التخصيص فاعلم ذلك ب _ أما تقييد المطلقات فهو إذا حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا فلا يبرأ بإكرام غيره لأن رجلا مطلق وقد قيده بخصوص زيد فصار معنى اليمين لأكرمن زيدا وكذلك إذا قيده بصفة في نيته ولم يلفظ بها كقوله والله لأكرمن رجلا وينوي به فقيها أو زاهدا فلا يبرأ بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة فهذه صورة تقييد المطلقات. ونقل القرافي الاجماع على ما سبق فقال: فهذه هي مواطن الاكتفاء بالنية إجماعا (١) أما بقيتها ففيه خلاف. قلت وجميع ما تقدم وما ذكرن القرافي من المسائل وما ذكره الفقهاء من تأثير النية على الألفاظ هي في الألفاظ التي فيها نوع احتمال فيه قوة. أما إن تلفظ بقوله إن شاء الله فهي ترفع الأيمان باتفاق للنص، وإما غيره فهناك اتجاهان الأول: أنها ترفع الأيمان والطلاق والعقود وهو مذهب الشافعي والحنفية.

стр. 76

والثاني: أنها تؤثر في الأيمان فقط وهو مذهب المالكية والحنابلة اكتفاء بالنص بدون قياس عليه. أما لو نوى إن شاء الله بدون أن يتلفظ بها فلا تؤثر بإجماع (١) ٢ - ومن أدلتها إضافة لما سبق. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [سورة المائدة: ٨٩] فهذه الآيات تبين اعتبار المقاصد في الألفاظ، ولهذا اعتبر ما لم يرتبط بالمقاصد لغوا وقوله ﵊ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢)

стр. 77

ووجه الدلالة أن القصد لما انتفى رفع عنه المؤاخذة. ثانيا: تطبيقاتها الفقهية لهذه القاعدة فروع عديدة منها (١): ١ - الطلاق حال الغضب إن كان قد بلغ من تغطية العقل مرتبة لا يعي ولا يقصد ما يقول فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه لا قصد له. ٢ - إذا عقب النية بالمشيئة، فإن نوى التعليق بطلت، أو التبرك فلا، أو أطلق فوجهان: أصحهما تبطل. ٣ - حلف ألا يدخل دار زيد، فإنه يحنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب، إلا أن يريد مسكنه فيحنث بالمعار وغيره، ويحنث بما يملكه، ولا يسكنه، إلا أن يريد مسكنه فلا يحنث بما لا يسكنه. ٤ - الحلف بالطلاق، أو التحريم راجع إلى النية. ٥ - قال: أعتكف وأطلق، ثم خرج من المسجد، فإن كان خروجه

стр. 78

بعد العزم على العود فلا يجب التجديد، وإن كان بدون العزم على العود فيجب التجديد. ٦ - نذر لله أن يفعل كذا، فإن نوى اليمين يلزمه إن حنث كفارة يمين. ٧ - أحرم بالحج مطلقًا في أشهر الحج، فإنه يصرفه قبل العمل بالنية إلى ما شاء من حج، أو عمرة، أو قِران. ٨ - لو كان اسمها طالق، أو حرة، فقال: يا طالق، أو يا حرة، فإن قصد الطلاق، أو العتق حصلا، أو النداء فلا، وإن أطلق، فوجهان، لكن الأصح هنا عدم الحصول. ٩ - ومنها: لو كرر لفظ الطلاق بلا عطف: فإن قصد الاستئناف وقع الثلاث، أو التأكيد فواحدة، أو أطلق فقولان، الأصح ثلاث. المسألة الثانية: أثر القاعدة في القضايا المعاصرة ١ - من قال في ميت كافر ﵀ فيسأل عن نيته فإن كان دعاء بغفران ذنوبه وإدخاله الجنة فهو محرم؛ لأنه مناقض لصرائح النصوص، وإن كان يقصد رحمة خاصة، وهي تخفيف عذابه مثلا فهذا حصل فيه خلاف ضعيف. ٢ - من قال لكافر قتل في قضية عادلة الشهيد فإن قصد به المصطلح الشرعي فهو محرم؛ لأن الكافر لا ينال ذلك، وإن قصد به شهيد الوطن من الشهود والحضور احتمل لغير عالم أما العالم فإن العامة لا تفهم منه سوى الشهادة الشرعية. وهذه مفسدة. والحق المنع مطلقا؛ لأن لفظ الشهيد لفظ شرعي يطلق على مسلم قتل في سبيل الله، أو خصه النص كالغريق، وصاحب الهدم، والنفساء تموت في نفاسها، والمبطون، والحريق. وهذا ما جاءت به النصوص كما في البخاري ومسلم من حديث

стр. 79

أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله» (١). وفي مسلم عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ «ما تعدون الشهيد فيكم؟) قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال (إن شهداء أمتي إذا لقليل) قالوا: فمن هم؟ يا رسول الله! قال (من قتل في سبيل الله فهو شهيد. ومن مات في سبيل الله فهو شهيد. ومن مات في الطاعون فهو شهيد. ومن مات في البطن فهو شهيد». قال ابن مقسم: أشهد على أبيك، في هذا الحديث؛ أنه قال (والغريق شهيد) (٢) وقد جمع الحافظ كافة من أطلق عليه شهيد شرعا بما جاء في النصوص الصحيحة فقال: وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة (٣). ثم عدها بطرقها فذكر: الحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجمع (٤).

стр. 80

ومن قتل دون ماله فهو شهيد، وقال في الدين والدم والأهل مثل ذلك، ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد .. ومن ينكب في سبيل الله حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا، ومن وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله تعالى فهو شهيد. وصحح الدارقطني من حديث بن عمر موت الغريب شهادة. ولابن حبان من حديث أبي هريرة من مات مرابطا مات شهيدا. وعند الدارقطني من حديث ابن عباس: واللديغ والشريق والذي يفترسه السبع .. ولأبي داود من حديث أم حرام المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد. وأحاديث فيمن طلب الشهادة بنية صادقة أنه يكتب شهيدا. وحديث فيمن صبر في الطاعون أنه شهيد، حديث عقبة بن عامر فيمن صرعته دابته عند الطبراني. وعنده من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح أن من يتردى من رؤوس الجبال وتأكله السباع ويغرق في البحار لشهيد عند الله. ووردت أحاديث أخرى في أمور أخرى لم أعرج عليها لضعفها انتهى بتصرف (١). ٣ - الديمقراطية معناها حكم الشعب نفسه بنفسه، وهي في بلاد الغرب على هذا المعنى لا شأن لحكم الله بها وأما إن استعملها أهل الإسلام في دولهم فالمقصود بقولهم: حكم الشعب نفسه بنفسه، أي أن

стр. 81

ينتخب من يمثله في المجالس النيابية وهذه المجالس لا تشرع إلا ما وافق الشرع وانبثق عنه. وقد تسرع البعض فكفروا العملية الديمقراطية لهذا المعنى، فغفلوا عن قواعد الشرع أن الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها والألفاظ بمقاصدها. ٤ - ومنها النص على الحريات والحقوق والمساواة والواجبات في الدساتير والقوانين في البلاد الإسلامية مقيدة بمقاصد الإسلام؛ لأن الدستور نص تعاقدي معبر عن الشعب المسلم ومقاصده. والواجب في مثل هذا أن ينص في أول مواد الدستور أن الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع قطعًا للتأويل من بعض الاتجاهات. ٥ - مصطلح الإرهاب يقال من أعداء الإسلام، ويقصدون به الإسلام كما علم ذلك من أقوالهم، وأفعالهم المعبرة عن المقاصد. ٦ - المسلم لو قال لمسلم يا مثلي فهو قذف ومعناه أنه يعمل عمل قوم لوط. وهكذا إن قال له يا م/ م؛ لأن هذا رمزهم وشعارهم في هذه العصر نسأل الله السلامة. ولو قصد أنه يناصر المثليين بمواقفه فهو تعريض. هذا في غير المجاهر أما هو فلا قذف؛ لأنه كذلك. ٧ - ما تطلقه شركات الأسهم من ألفاظ يرجع في تفسيرها إليها حسب اللوائح، أو الواقع فالبيع بالهامش (Margin) مثلًا: إن كان معناه شراء السهم بقرض ربوي من السمسار فهو محرم وكذلك معنى أسهم التمتع والأسهم الممتازة. إن رجعت معانيها إلى مخالفة شرعية حرمت. فإن اقتصر الامتياز مثلًا على ميزات لا تخالف الشرع جازت.

стр. 82

وقد ذكرت هذا في نظمي للمعايير الشرعية فقلت: وأسهم امتياز، أو تمتع … فاسدة وفق قرار المجمع لا تشتري السهم بأي ثمن … في البيع بالهامش بيع المرجن وهو شرا سهم بقرض ربوي … كيف أتى فالمنع فيه مستوي

стр. 83

المبحث الثالث قاعدة: كل حيلة أدت إلى الحرام فهي حرام ويتعلق بها مسألتان: المسألة الأولى: الماهية والمقاصد والحكم. أولا: الماهية. الحيلة لغة: الْحِذْقُ فِي تَدْبِيرِ الأُمُورِ وَهُوَ تَقْلِيبُ الْفِكْرِ حَتَّى يَهْتَدِيَ إلى الْمَقْصُودِ (١). قال الراغب: والحيلة والحويلة: ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث وقد تستعمل فيما فيه حكمة ولهذا قيل في وصف الله : ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣]، أي: الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة وعلى هذا النحو وصف بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم تعالى الله عن القبيح (٢). وهي اصطلاحا: سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه وافق الشرع أم خالفه وتطلق في الغالب على المخالفة بحيلة (٣).

стр. 84

ثانيا: مقصود الحيل وأثره في الحكم. الحيل لها مقصدان إما أن يكون المقصود بها دلالة المكلف على وجه شرعي جائز يشكل مخرجا له في واقعة ما. وإما أن يكون المقصود بالحيل التلاعب بالشرع وإبطاله. وعلى هذين المقصدين تنقسم الحيل إلى نوعين: النوع الأول: الحيل الجائزة. وهذا النوع هو ما وافق مقصود الشرع ويسر على المكلف بوجه شرعي معتبر، فهذا جائز؛ لأنه وافق قاعدة الشرع في التيسير ورفع الحرج ودفع المشقات. ودليله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً، ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]. وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ، ولا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. وهذا ترخيص بين نبّهَ فيه على العلة ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [سورة ص: ٤٤]. وهو تنبيه على أن الحيل ينظر فيها لحال المكلف فإن أيوب ﵇ ما كان ليخالف الشرع، ولا مقصوده، فلما رخص الله له علمنا أن كل من كان مقصده من الحيلة الانسلاخ عن التكليف والتهرب منه ومخالفة الشرع فهذا لا يشرع أن يجد له العالم مخرجًا شرعيًا. وأما عكسه فيجوز. وهذه الرخصة التي لأيوب باقية (١) وإليه ذهب الشافعي، وقال مجاهد: "إنه عام للناس وقيل لعطاء هل يعمل بهذا

стр. 85

اليوم؟ فقال: ما أنزل القرآن إلا ليعمل به ويتبع" (١). وقال بعضهم: خاصة بأيوب، ولا دليل على ذلك، وهو مروي عن مالك. ودليل الشافعي هذه الآية، وحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنه أخبره بعض أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ ، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. (٢)

стр. 86

قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلانًا مائة جلدة، أو ضربًا ولم يقل ضربًا شديدًا، ولم ينو ذلك بقلبه، يكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية، ولا يحنث. قال ابن المنذر: وإذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة فضربه ضربًا خفيفًا فهو بار عند الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم (١). قال ابن الصلاح: وأما إذا صح قصده، فاحتسب في تطلب حيلة لا شبهة فيها، ولا تجر إلى مفسدة ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين، أو نحوها فذلك حسن جميل يشهد له قول الله ﵎ لأيوب (٢). وورد عن سفيان الثوري ﵁ أنه قال: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد (٣). النوع الثاني: الحيل المحرمة. وأما الثاني فهو محرم؛ لأنه أدى إلى الانحلال والانخلاع عن التكليف وتعطيله، وهذا باطل؛ لأن النيات والدوافع والمقاصد والأغراض التي يكنها المكلف ويجعلها باعثة على إقدامه على العمل إن عادت على التكليف بالإبطال فهي باطلة. قال الحنفية: "كل حيلة يحتال بها الرجل لإبطال حق الغير، أو لإدخال شبهة فيه فهي مكروهة، يعني تحريما. وفي العيون وجامع الفتاوى

стр. 87

لا يسعه ذلك وكل حيلة يحتال بها الرجل ليتخلص بها عن حرام، أو ليتوصل بها إلى حلال فهي حسنة" (١). و «الفرار من الأحكام الشرعية ليس من أخلاق المؤمنين. من قول محمَّد بن الحسن» (٢) وقاعدة هذا النوع: «كل حيلة تضمنت إسقاط حق، أو استحلال محرم فهي محرمة» (٣). ومن الأدلة على منعه: ١ - قول الله تعالى ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ ٢ - وقوله تعالى ﴿مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ [النمل: ٥١]. ٣ - وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. ٤ - ولقول النبي ﷺ (ملعون من ضار مسلمًا، أو مكر به) رواه أبو يعلى (٤).

стр. 88

٥ - ولحديث: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها) (١) وجملوها بمعنى أذابوها. ٦ - قوله ﷺ : (لعن رسول الله المحلل والمحلل له) (٢). ٧ - قال ابن عباس من يخدع الله يخدعه، وعن أنس وعبد الله بن عباس ﵄ أنهما سئلا عن العينة، فقالا: إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله، وهو صحيح عنهما. وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عيانًا كان أهون علي، وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة (٣). قال ابن تيمية: ويحرم التحيل لتحليل الحرام وتحريم الحلال بلا ضرورة؛ لأنه مكر وخديعة وهما محرمان (٤). والحاصل أن هذا النوع من الحيل محرم، بل قال الشاطبي: الحيل

стр. 89

في الدين بالمعنى المذكور غير مشروعة في الجملة، والدليل على ذلك ما لا ينحصر من الكتاب والسنة، لكن في خصوصات يفهم من مجموعها منعها والنهي عنها على القطع (١). قال ابن عاشور: وهذا النوع لا ينبغي الشكُّ في ذمه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصد صاحبه إن اطّلِع عليه. والأدلة من القرآن والسنة الصريحة طافحة بهذا المعنى، بحيث صار قريبًا من القطع (٢). ثالثا: من تطبيقات الحيل المحرمة في كتب الفقهاء. ١ - تحريم نكاح المحلل؛ لأنه حيلة مقصودها تحليل الزوجة. ٢ - إدخال صبي مع القاتل لإسقاط القصاص. المسألة الثانية: أثر قاعدة الحيل في القضايا الفقهية المعاصرة. ١ - التورق المنظم؛ لأنه حيلة بينة، وهو قيام المتورق بطلب قرضة بنكية تخرج في صورة شراء سلعة يشتريها له البنك ويتولى البنك بيعها، أو وكيله ويعطي المتورق نقودا أقل ويكون في ذمته المبلغ وزيادة وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي أنه لا يجوز هذا النوع من التورق وذلك؛ لأن فيه تواطؤًا بين الممول والمستورق،

стр. 90

صراحة، أو ضمنًا، أو عرفًا، تحايلًا لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة، وهو ربا (١). ٢ - النجش حيلة باطلة بالنص، ومن صوره المعاصرة ما في قرار المجمع (٢): "النجش حرام، ومن صوره: أ- أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها ليغري المشتري بالزيادة. ب- أن يتظاهر من لا يريد الشراء بإعجابه بالسلعة وخبرته بها، ويمدحها ليغرّ المشتري فيرفع ثمنها. ج- أن يدعي صاحب السلعة، أو الوكيل، أو السمسار، ادعاء كاذبا أنه دفع فيها ثمنا معينا ليدلس على من يسوم. د- ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعا اعتماد الوسائل السمعية، والمرئية، والمقروءة، التي تذكر أوصافا رفيعة لا تمثل الحقيقة، أو ترفع الثمن لتغرّ المشتري، وتحمله على التعاقد. والله أعلم" (٣). ٢ - التلاعب المحاسبي في بالزيادة، أو النقص في الإثمان والتقويمات بقصد الإضرار بالشركاء، أو بأحد ما.

стр. 91

٣ - ومن صوره ما يحصل في بيع السيارات من مزايدة كاذبة مع اتفاق باطن بينهم على النجش والزيادة للإيقاع بالمشتري (١). ٤ - بيع الأصول الزكوية فرارًا من الزكاة. ٥ - من الحيل المعاصرة المختلف فيها المصاريف الإدارية في عمليات القروض والضمان ونحو ذلك، وقد أجازها المجمع الفقهي في قراره بشرط أن تكون مساوية فعلا لأجرة ما يقوم به البنك أما إن كان غير ذلك فهو ربا خرج بصورة حيلة (٢). ٦ - ومنها الدخول مع شركات لها تعامل بالربا مع التطهير. وقد ذهب إلى التحريم عامة فقهاء العصر ومنهم: "المجمعان: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالبلاد السعودية، والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي، وهيئة الفتوى والرقابة الشرعية لبيت التمويل الكويتي، وهيئة الرقابة الشرعية بالبنك الإسلامي السوداني، وأجمع عليه المجتمعون للفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية بالقاهرة، عام ١٤٠٣ هـ" (٣).

стр. 92

وأجازت المعايير الشرعية بشروط عدة (١)، والصحيح عندي المنع. وقد نظمت المسألة في منظومة فوائد المعايير فقلت: الحل أصلُ شركات الأسهم … إلا التي تربي وبالمحرم قد أطلِقت بمنعها الآياتُ … ووافق المجامعَ الهيئاتُ قل الشرا أو زادت المساهمة … فهذه حرمتها ملازمة والقول بالتطهير فيها ضَعّفِ … لا تصغ في هذا لخلف الأيُفي ٧ - الزواج السياحي حيث تقول المرأة زوجتك نفسي ويقبل مع عدم الشهود، ولا الولي فهذا نوع من الزنا. ٨ - بيع الوالد لأحد أولاده من أمواله بيعًا صوريًا، أو يقر في مرض موته أنه مدين له، والمقصود تخصيصه دون الورثة. ٩ - التحايل لتمديد الفترة الرئاسية، كما يحصل في الجمهوريات العربية، وهي حيلة على العقد بغية تأبيده، أو تمديده بحيل عديدة. ١٠ - في حال نشوب حرب أهلية بين شعب مسلم في دولة مسلمة، فواجب على المسلمين إجبارهم على المصالحة للآية. وهنا يجب التدخل، ولكنه يحرم إن كان التدخل حيلة؛ لتحقيق أهداف وغايات خبيثة تدمر البلاد وتفتته. ١١ - التسويق الشبكي والهرمي الذي صورته بيع سلعة، لكنها في الحقيقة غير مقصودة، ولا مرادة، بل المقصود دفع مال، للحصول على

стр. 93

مال، وهذا محرم في الشرع؛ لأن النقد مقابل النقد صرف له شروط، وهو من أبواب الربويات. ١٢ - الخلع مرارا لزوجته الرابعة ليتزوج ثم ردها إليه بعد ذلك عملا بقول من يقول الخلع فسخ. ١٣ - غسيل أموال المجرمين، والعصابات، والمختلسين، بطرق عديدة، وإدخالها في الدائرة المالية بصفقات وهمية، ومستندات صورية. ١٤ - بيع التلجئة: وهو أن يبيع ماله بيعا صوريا خوفا من ظالم (١).

стр. 94

المبحث الرابع قاعدة: التصرفات الظاهرة دليل المقاصد الباطنة وفيها مسألتان: المسألة الأولى: التعريف والمستند والاستثمار الفقهي أولا: معنى القاعدة: هذه القاعدة تجيب عن سؤال: كيف نعلم المقاصد، وهي خفية؟ ومعناها: أن التصرفات الظاهرة من أقوال وأعمال دليل على المقاصد الباطنة، والنيات الخفية؛ لذلك أقام الشرع التصرفات الظاهرة دليلًا على المقاصد والأهداف، والنيات الباطنة، بل حتى على التصرفات التي تخفى على الغير فإن الأمور الظاهرة دليل عليها. ومن ألفاظها: دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه (١). يقوم ما يدل على الإذن مقامه (٢) ثانيا: دليلها. ١ - فمن ذلك ألزم الله أهل الكتاب لما قالوا نؤمن بما أنزل علينا أنهم كذبة في إيمانهم الدليل على ذلك ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١].

стр. 95

٢ - والمنافقون لما أظهروا من التصرفات المخالفة لمقتضى الإيمان، كان هذا دليلًا على كفرهم الباطن. وقد بين الله ذلك في كثير من النصوص. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ [التوبة: ٤٦: ٥٠] ٣ - و أعطى الجالس مع المنافقين والكفار الذين يسبون الدين مثلهم. ٤ - وهدم دعوآ أهل الكتاب بأنهم أحباء الله بأن يفعلوا أمرا ظاهرا، وهو: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]. ٥ - وربط الإيمان بالعمل الظاهر: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ٦ - وأباح نقض العهد حين ظهور علامات الخيانة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨]. ٧ - وأمر بمعالجة النشوز عند الخوف منه بمجرد ظهور علاماته. ٨ - وعلق إقامة القصاص على الآلة القاتلة التي تفيد العمدية. ٩ - وعلق الأحكام على الدلائل الظاهرة. وبالجملة فالشريعة قائمة على الدلائل الظاهرة، لأنها دليل على المقاصد والخفايا الباطنة. ثالثا: استثمار الفقهاء للقاعدة ذكر الفقهاء فروع عديدة لهذه القاعدة (١) ١ - من قال لأحد بعتك وقال الآخر اشتريت فقد تم البيع فهذا الإيجاب والقبول دليل على الرضى، ولكن لو لم يجبه وتشاغل بأمر آخر

стр. 96

كان هذا دليلًا على عدم الرضى فالإعراض أمر ظاهر جعلناه دليلًا على أمر باطن هو عدم الرضى. ٢ - وهكذا من وجد لقطة فأخفاها ولم يشهد عليها، أو يعرفها كان هذا دليلًا على أنه قصد الخيانة ولم يقصد الحفظ فيكون ضامنا على كل حال بخلاف ما لو اشهد، أو عرفها فإنه دليل أنه قصد حفظها لصاحبها فلا يضمن التلف إلا بتفريط بين؛ لأنه أمين. ٣ - القتل العمد، فإن قصد القتل لا يوقف عليه، فأقيم استعماله الآلة الجارحة مقام القصد والتعمد. ٤ - إقامتهم الخلوة بالزوجة مقام الوطء في إلزام الزوج كل المهر لأن الوطء مما يخفى، والخلوة الصحيحة دليل عليه فأقيمت مقامه. ٥ - أن العمال والجباة والتابعين لبيت المال ومتولي الأوقاف وكتبتها إذا توسعوا في الأموال، وبنوا الأماكن، وتعاطوا أنواع اللهو كان ذلك دليلا على خيانتهم الباطنة، فللحاكم حينئذ مصادرتهم بأخذ الأموال وعزلهم. فإن عرف خيانة أرباب الأوقاف في وقف معين رد المال إليه، وإلا وضعه في بيت المال. المسألة الثانية: أثر القاعدة في فقه العصر. ١ - الولاة والوزراء ومسؤولو الدولة إن ظهرت ثروتهم بعد الولاية كان هذا دليلًا على خيانتهم. ٢ - المنظمات الدولية التي تكون في الظاهر قائمة على تقديم الخدمات الإنسانية إن ظهر منها تصرفات مشبوهة كالتجسس، أو الوقيعة، أو إثارة الفتنة، أو تقديم دعم للبغاة والمتمردين، أو نشرت كتبًا، أو أفلامًا، أو أفكارًا تناقض الدين وتشوهه، أو تخالف النظام العام

стр. 97

والمصالح العامة للبلاد كان هذا دليلًا على أن لهم أهدافًا ومقاصد خفية تصب في خدمة الإضرار بالشعب والدولة والمجتمع وتخدم المفاسد. ٣ - القروض الدولية التي تقدم من بعض البنوك الدولية، أو الجهات إن قامت على اشتراطات معينة تضر بالوطن وبالمواطن تبين من هذه الاشتراطات أن الهدف الخفي من وراء هذه القروض، أو التسهيلات أمر غير حسن. ٤ - أعمال الولاة والحكام التي تناقض تصريحاتهم وخطبهم دليل على الحقيقة التي يخفونها من الأهداف والمقاصد والنوايا والتصرفات. ٥ - في البيع بواسطة الاتصال المباشرة صوتًا وصورة، أو صوتًا يعتبر مجلس العقد زمن الاتصال فإن قطع الاتصال بعد إيجاب البائع عمدا كان دليلًا على الإعراض، إلا إن كان الانقطاع يسيرا عرفًا (١).

стр. 98

المبحث الخامس قاعدة: المقاصد المشروعة لا تسوغ الوسائل المحظورة وفيها مسألتان: المسألة الأولى: المعنى. معنى هذه القاعدة: أن الأعمال المحرّمة الممنوعة لا تنقلب إلى أعمال جائزة مشروعة لمجرد أن يكون المقصود منها من قبل القائمين بها مشروعًا، فالسرقة جريمة محرمة لا تصبح جائزة ومشروعة إذا كان المقصود منها التصدق على الفقراء وبناء المدارس وإقامة المستشفيات، والغش والخداع والكذب خصال محرمة لا تصبح مقبولة وجائزة إذا كان المقصود منها زيادة الأرباح و تكثير الأموال. وهكذا فإن مجرد مشروعية المقصد لا يعني أن يتحول الحرام إلى حلال والمعصية إلى طاعة (١). هذه في الحقيقة هذه قاعدة ضابطة حاكمة لتصرفات كثيرة يقع فيها التخالف بين المقاصد والأفعال والتصرفات ويعبر عنها في الفقه الجنائي المعاصر: حسن النية لا يبرر الجريمة. (٢)

стр. 99

لأن الجناية لها قصد جنائي مرتبط بالعلم التام بما أقدم عليه وقصد ارتكابه. ولا ينظر فيه إلى حسن النية، أو سوئها؛ لأن الباعث لا علاقة له بأركان الجريمة، فقد تكون نيته من السرقة كفالة يتيم. وقد يؤثر حسن النية في التخفيف من العقوبة في بعض الحالات الجنائية. كما يؤثر سوء النية في تغليظ العقوبة. وهذه عكس قاعدة مكيافلي: الغاية تبرر الوسيلة، وهي تعني تسويغ ارتكاب سائر الوسائل الحسنة والسيئة لتحقيق الغايات الحسنة، أو السيئة، وهذا أمر باطل في الشرع. ولذلك فمن كان مقصده ونيته مشروع يجب أن تكون وسيلته مشروعة. وهنا حالات: لمن اختلف تصرفه ونيته. الحالة الأولى: إما أن يكون جاهلًا لبعده عن علماء الشرع، أو المجتمع المسلم، أو حديث عهد بالإسلام، فهذه يعلم، ولا إثم عليه فيما مضى، فمن باع الخمر ليتصدق، أو دخل في الربا ليستفيد مالًا لكفالة يتيم، أو غصب أرضًا لبناء مسجد، فهذا كله حرام، ولو كان قصده حسنًا. لكن هذا لا يكون إلا في حديث عهد بالإسلام أما غيره فتصرفه دليل على سوء قصده. الحالة الثانية: من يكون جاهلًا بمآلات تصرفه وما يترتب عليه من الضرر لضعف عقل وبصيرة مع حسن نيته، ويدل عليه حديث النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا:

стр. 100

لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا.» (١) فإن نيتهم عدم إيذاء إخوانهم، لكن فعلهم يعتبر جناية. وهذا تبرير باطل لا يسقط الضمان، ولا يحل الحرام. لهذا أبطل الله ما قاله الكفار في عبادة الأصنام أنها لتقريبهم إلى الله زلفى قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]. وهكذا ما ذكره سبحانه من مقال إخوة يوسف في تبرير قتله ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ، أو اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف -١٠]. الحالة الثالثة: وله صورة أخرى، وهي أن يكون التصرف شرعيا في الظاهر صحيحا في النظر الفقهي حسب الموجهات الشرطية والركنية وزوال الموانع ولكن هذه التصرفات توصل إلى المفاسد فهذه أقسام. ١: يوصل إلى الفساد والمفاسد قطعا، وهذا مجمع على منعه في جميع المذاهب وقد مثل له برجل حفر في بيته حفرة وراء الباب فمن دخل وقع قطعا، فهذا محرم، وهو ضامن بإجماع. ٢: ما يوصل إلى الضرر والمفسدة على وجه الأغلبية والأكثرية كبيع السلاح في الفتنة وبيع العنب لمن يتخذه خمرا وسأتكلم عنه في قاعدة مستقلة في مطلب قادم.

стр. 101

٣: ما يوصل إلى الضرر والمفسدة كثيرا، لكن لا على وجه الأغلب والأكثر، وهذا اعتمده مالك وعليه بنى مذهبه في بيوع الآجال (١). ٤: ما يوصل إلى المفسدة نادرا فهذا غير مؤثر فهو متفق على حله. الحالة الرابعة: وإما أن يكون مخطئًا ومثاله الذي قال "أنت عبدي وأنا ربك"، فهذا أخطأ من شدة الفرح فلا إثم عليه ومثله من أراد الماء فسبقه لسانه خطأ فقال أنت طالق، ولا يقصد ذلك البتة، ولا تدل له قرينة. ويأتي هنا النسيان والنوم وزوال العقل. وكذلك يأتي هنا الخطأ بسبب الجهل باللغة والعرف فمن طلق، ولا يعلم أنه طلاق لعدم عمله باللغة التي نطق بها فلا عبرة بطلاقه. الحالة الخامسة: أن يكون مكرها، أو مضطرا فهذا له أحكامه وسنذكرها في محلها؛ لأن الاضطرار له أحكام استثنائية تحكمه قاعدة ارتكاب المفسدة الصغرى لدرء الكبرى لذلك أحل الله أكل الميتة للمضطر ونطق كلمة الكفر للمكره إكراهًا ملجئًا، فصار فعله في الصورة الأولى واجبًا وفي الثانية مشروعًا. ولم يعد من باب الحرام في هذا الظرف. ومثله الكذب للإصلاح ولدفع مفسدة القتل عن مظلوم وغير ذلك. فهي باب كلها من باب الضرورة الاستثنائية ولها أحكام خاصة تدخل تحت نصوص أخرى وقواعد مستقلة حاكمة لهذه الحالات. المسألة الثانية: التطبيقات المعاصرة. ١ - عامل مسلم يعمل في مزرعة عنب تابعة لمصنع خمر في إحدى الدول الأوربية عمله محرم؛ لأن تصرفه الظاهر المباح آل إلى المحرم قطعا وهذه الصورة ليست كصورة بيع العنب لمن يتخذه خمرا والسلاح

стр. 102

في الفتنة التي خالف فيها البعض عملا بظاهر الإباحة لا بالمقاصد الخفية؛ لأن هذه الصورة مقطوع أنها للحرام كونها مملوكة لمصنع الخمر. فكان العمل فيها عملا في صناعة الخمر فهو حرام لا يتصور فيه خلاف. ٢ - لا يجوز المشاركة في المصارف الربوية ولو كان بقصد التبرع بالربا للمصالح الخيرية. ٣ - قصد الجهاد وإعلاء كلمة الله لا يجوز بتفجير السيارات المفخخة بين المدنيين سواء كانوا مسلمين، أو غير مسلمين فهو مخالف لصريح الشريعة. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وهذا من العدوان وقد ورد في السنن النهي عن قتل النساء والصبيان وغيرهم من المدنيين (١). ٤ - يحرم الترخيص للبارات والمراقص بهدف تنشيط السياحة والترفيه. (٢)

стр. 103

المبحث السادس قاعدة: قصدت الشريعة إخراج المكلف الهوى وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى والاستدلال: معنى هذه القاعدة أن من قواعد الشرع العظيمة ومقاصده الكبيرة إخراج المكلف من الهوى حتى يكون عبدا لله اختيارًا وتكون مقاصده خالصة لله وتابعة لشريعته لا للهوى والشهوات. فالمقاصد والنيات إما أن تكون تابعة للشرع، أو تابعة للهوى. فالثاني محرم، ولهذا نزلت الشريعة لتقويم المقاصد والنيات، وجعلها لله وتطهيرها من الشهوات والانحراف. وما ذلك إلا أن نية المكلف ومقاصده إن بنيت على الشهوات أنتجت المفاسد والأضرار والآثام. وقد نص على هذه القاعدة الشاطبي عليه رحمة الله في مواضع من الموافقات والاعتصام: "ولكن الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه، حتى يكون عبدا لله" (١). ولها أدلة بالغة حد القطع فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣].

стр. 104

وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤]. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤١]. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] "بين سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن" (١). والهوى إذا أطلق فهو المذموم، مع أن أصله شامل لما هو من أصل الخلقة، وهو محمود من جهة أن به يحافظ على الوجود البشري فلولا حب الإنسان وميله للطعام والشراب والنكاح والأولاد والأموال لما صلحت الحياة وإنما المذموم ما خرج عن ذلك. يقول الله تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلك مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. والشريعة جاءت لمعالجة الهوى الفاسد المخرج للإنسان من دائرة التعبد إلى دائرة التسفل في الشهوات واتباعها. ولهذا أطلقه القرآن مقابل الحق والصد عنه. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].

стр. 105

﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] والآيات كثيرة في ذم الهوى المضاد للحق الصاد عنه. المسألة الثانية: القواعد المتعلقة بمقاصد الأهواء. ١ - قاعدة: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع (١) هذه القاعدة للإمام الشاطبي في الموافقات ومعناها: أن جميع ما يعمله المكلف من الأعمال يجب أن ينوي بها موافقه مراد الله؛ لأن قصد التشريع هو ما وافق ما أمر الله به. فإن نوى نية تخالف مقصود الشرع فهو الهوى المضاد للشرع. _ فالزواج قصده العفاف لا المتعة والتوقيت. _ والبيع قصده التمليك لا الحيلة الصورية على الربا كالتورق المنظم، أو المرابحة الصورية غير الحقيقية. _ والولاية قصدها دفع المظالم وإقامة العدل. والتي بعدها تبين بطلان هذا العمل فالعقود التي تخالف مقصود الشرع باطلة. ٢ - قاعد: كل تكليف قد خالف القصد فيه قصد الشارع فباطل (٢). وهذه القاعدة الشاطبية تبين بطلان العمل الذي خالف فيه المكلف الشريعة في القصد والنية، فإن من نوى نية غير شرعية فعمله باطل. والتي بعدها تحمل نفس المعنى.

стр. 106

ويمكن التمثيل لها: ١ - أن من قصد ببناء المسجد مثلًا الضرار فهو عمل باطل. ٢ - ومن قصد من الوقف الحيلة على بعض الورثة فهو باطل. ٣ - قاعدة كل قصد ناقض قصد الشارع فباطل. (١) ٤ - قاعدة: لا يعتبر الشرع من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة، أو دارئ لمفسدة (٢). وهذه قاعدة قرافية تبين أن المقاصد والنيات لا تعتبر شرعا إلا إن نتج عنها مصلحة، أو دفع بها مفسدة، وهي من الجهة العملية أبين وأوضح مما سبق؛ لأن النية في هذه القاعدة ربطت بثمرتها من المصالح والمفاسد. وعلى هذا الأساس يتم اعتبارها، أو إبطالها. ٥ - قاعدة: من ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له؛ فعمله باطل (٣). وهذه قاعدة شاطبية مؤكدة لما سبق وتفيد أن التكليف الشرعي موضوع لقصد شرعي فمن استعمل التكليف الشرعي لغير ما أراده الشرع فهو باطل. ويمكن التمثيل له بالطلاق بإمساك الزوجة إضرارا بها. والمساجد شرعت لذكر الله لا للترويج التجاري. ٦ - قاعدة: مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها (٤). وهذه قاعدة غاية في الأهمية؛ لأن البعض من أهل الأهواء ادعوا أن

стр. 107

العشق والهوى والشهوات إن تعلق الإنسان بها تعلقا تاما فإنه معذور. وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الشرع إنما جاء لتخليص الإنسان من الهوى والشهوات. لهذا لا يمكن القول لمدمن خمر، أو زنا، أو مواقع الفواحش أن الشرع عذره؛ لأنه لا يستطيع الإقلاع عنه، وكذب من نقل عن أحد من فقهاء الإسلام والأئمة ذلك. وهي غير الانسحاب بإشراف الطبي من المخدرات القاتلة، فهو من دفع المفسدة الكبرى. أما غيرها من الأهواء في عبرة بها. المسألة الثانية: أثر القاعدة في الفقه والفقه المعاصر. ١ - كل قوانين المثلية مبنية على المقاصد الشهوانية والهوى لا على الفطرة والدين لذلك كان هذا الفعل من أكبر الجرائم في الإسلام لما يؤدي إليه من تغيير الفطرة ومسخ الخلق وقطع النسل وهدم الأسرة وتهديد الوجود الإنساني. ٢ - الاقتصاد الرأسمالي القائم على الربا وحكر المال وتكديسه في يد ثلة من البشر وقد نبه الله تعالى على بطلان هذا المقصد فقال سبحانه: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. وفي المقابل الاقتصاد الشيوعي القائم على حرمان الإنسان من حق التملك إلا في أضيق الحدود لذلك جاء الإسلام فأبطل هذا، وهذا ونظم العملية الاقتصادية تملكا وإدراة وإنتاجا واستهلاكا وتوزيعا. ٣ - بطلان الفتوى القائمة على الهوى والتشهي والميل عن الحق ومن أبرزها في هذا العصر فتوى الديانات الإبراهيمية التي يراد بها أن اليهودية والنصرانية من أتباع إبراهيم مع المسلمين.

стр. 108

وهذا باطل؛ لأنها تخالف صريح الكتاب: فقد نفى الله كون إبراهيم على اليهودية، أو النصرانية، بل كان على الإسلام. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] ورد فريتهم وزعمهم في نسبة إبراهيم والأنبياء إلى النصرانية واليهودية ردًا صريحًا وعلى هذا فهذا الفتوى قائمة على مناقضة نصوص القرآن وما كان كذلك فباعثها الجهل، أو الهوى وليس قائلها جاهلًا فلم يبق سوى الهوى. ٤ - ومن الهوى ما ناقض صريح القرآن والسنة كالقول بتغيير الميراث عما شرعه الله. مع أن ميراث المرأة في الإسلام قائم على نسقات: - أن تزيد المرأة على الرجل، وهي في عشرات المسائل. - أن يتساويا، وهي في مسائل كالجد والجدة والأب والأم والإخوة لأم. - أن يزيد الرجل على المرأة في مسألتين البنت مع الابن ومسألة الإخوة والأخوات. ٥ - ومما ناقض صريح السنة إنكار المعراج وأحاديثه في الصحاح. ٦ - ومنها زواج المسلمة من الكافر، وهذا باطل مناقض للقرآن والإجماع المقطوع. ٧ - الفتوى بأن فوائد البنوك ليست ربا لمخالفتها المقطوع من تحريم ربا النسيئة. ٨ - القول بأن غير المسلم ليس كافرا، وهذا قول باطل باعثه الجهل واتباع الهوى للدعوات الغربية الهادفة لتمييع العقيدة والثوابت بين المسلمين.

стр. 109

قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ، وهو الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٨٩ - ٩١]. فكفرهم الله بسبب كفرهم بما جاء به محمد من الكتاب. وكفرهم لأنهم فرقوا الإيمان فقالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه. ولذلك أمرهم الله في آية أخرى بالإيمان بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، ولا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، ولا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]. فلما لم يؤمنوا كفرهم الله فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]. وكفرهم بما سبق من الآية. وكفرهم مرات وكرات كثيرة منها: ١ - ﴿قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. ٢ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. ٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢]

стр. 110

٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، ولا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١، ١٦٢] ٥ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ٦ - ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧] ٧ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨] ٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا، ولا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٦] ولا علاقة للتكفير في القرآن بحقوقهم في الدنيا والمعاملة الحسنة لكل مسالم معامل لأهل الإسلام بالحسنى، فهذا من مقطوعات الشريعة. والآيات في ذلك كثيرة الآمرة بالبر والإحسان كفوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
следующие страницы →