← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30084

القواعد الأم للفقه

فضل مراد

Полный текст (773 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المطلب الثالث: تطبيقات معاصرة ١ - في التخريج على ما سبق لو قال شخص في عصرنا والله لا أرى صورتك، فلا يحنث برؤية صورته الفوتغرافية، ولا برؤيته على التلفاز والنت؛ لأن المقصود عرفا مقابلته حقيقة وجها لوجه. ٢ - لو أطلق السوق في عصرنا دخل فيه السوق على الشبكة، لكنه الآن اصطلاح كثير وليس غالبا فلو قال لشخص ضارب بمالي في السوق فاشترك في متجر إلكتروني فإنه يضمن إن لم يكن غلب الاستعمال في ذلك. ٣ - لو قال الثمن بمئة ألف فحول له نقودا رقمية فله ردها لأن الغالب نقود البلد وليس العملة الرقمية إلا إن جاء زمن غلبت على التعاملات. ٤ - الرافعة المالية المقصود بها معاملة ربوية معينة تقوم على الإقراض الربوي وليس المقصود لفظها الحقيقي لغة. ٥ - الفوائد صارت تطلق على الربا وهجر معناها الحقيقي، والباب واسع.

стр. 702

المبحث السادس قاعدة: الشرط العرفي كالشرط اللفظي هذه قاعدة تتبع قاعدة العادة محكمة، لكنها مختصة بالشرط ويعبر عنها كذلك بقولهم المعروف عرفا كالمشروط شرطا يتعلق بها: المطلب الأول: معنى القاعدة ومستندها هذه القاعدة مؤكدة للقواعد السابقة، لكن بقوة أكثر في الشروط، فإن الشرط في العرف ينزل هنا منزلة الشرط المنطوق. فهي أخص من قاعدة: (استعمال الناس حجة)، (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص). فهي تعني أن العرف في قوة الشرط ومعلوم أن الشرط يلزم من عدمه العدم. أما مستندها فسائر ما تقدم من أدلة القاعدة الأم؛ لأن الشرع لما أمر بالعرف فقد أحال عليه في فصل النزاع المتعلق به، ولا يحال إلا على حجة فكان الشرط العرفي كالشرط اللفظي في القوة وكان العرف كالمشروط ضمنا ودلالة في التخاطب والتصرفات والتعامل. قال شيخ الإسلام: فمعلوم أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، ولهذا قالوا من دفع ثيابه إلى غسال يعرف منه الغسل بالأجرة لزمه الأجرة بناء

стр. 703

على أن العرف شرط، وكذلك من دخل حمام حمامي، أو ركب سفينة ربان فإنه يلزمه الأجرة بناء على العرف. وكذلك لا خلاف أنه لو أطلق الدراهم والدنانير في عقد بيع، أو نكاح، أو صلح، أو غيرها، انصرف إلى النقد الغالب المعروف بين المتعاقدين، وكان هذا العرف مقيدا للفظ، ولم يجز أن ينزل على إطلاق اللفظ بإلزام مسمى الدرهم من أي نقد، أو وزن كان. ولو أطلق اللفظ في الأيمان والمثمنات ونحوها انصرف الإطلاق إلى السليم من العيوب بناء على أنه العرف (١). وهذه القاعدة متفق عليه بين الحنفية والمالكية والحنابلة وللشافعية قولان في تطبيقات فروعها. قال السيوطي: العادة المطردة في ناحية، هل تنزل عادتهم منزلة الشرط، فيه صور. منها: لو جرت عادة قوم بقطع الحصرم قبل النضج، فهل تنزل عادتهم منزلة الشرط حتى يصح بيعه من غير شرط القطع. وجهان، أصحهما: لا وقال القفال: نعم. ومنها: لو عم في الناس اعتياد إباحة منافع الرهن للمرتهن فهل ينزل منزلة شرطه حتى يفسد الرهن، قال الجمهور: لا، وقال القفال: نعم. ومنها: لو جرت عادة المقترض برد أزيد مما اقترض، فهل ينزل منزلة الشرط، فيحرم إقراضه وجهان، أصحهما: لا. ومنها: لو اعتاد بيع العينة بأن يشتري مؤجلا بأقل مما باعه نقدا، فهل يحرم ذلك، وجهان، أصحهما: لا. ومنها: لو بارز كافر مسلما وشرط

стр. 704

الأمان، لم يجز للمسلم إعانة المسلم فلو لم يشرط ولكن اطردت العادة بالمبارزة بالأمان، فهل هو كالمشروط، وجهان، أصحهما: نعم، فهذه الصور مستثناة. ومنها: لو دفع ثوبا - مثلا - إلى خياط ليخيطه ولم يذكر أجرة وجرت عادته بالعمل بالأجرة فهل ينزل منزلة شرط الأجرة. خلاف، والأصح في المذهب: لا، واستحسن الرافعي مقابله انتهى كلامه. (١) قلت لكن السبكي في تكلمة المنهاج قال إن المذهب هو العمل بهذه القاعدة ونقل عن إمام الحرمين قوله: «قال الإمام وكل ما يتضح فيه اطراد العادة فهو الحكم ومضمره كالمذكور صريحا» (٢). المطلب الثاني: التنزيل التطبيقي المعاصر جميع ما تقدم من مسائل العرف تأتي هنا لذلك سأكتفي بتطبيقات معاصرة هنا. ١ - دوام المدرسين، أو الموظفين يكون بانتهاء وقته المعلوم، فلا يخرج المدرس قبل انتهاء الدوام، ولو كان قد انتهى من الحصص إن كان العرف المدرسي يمنع ذلك، حتى، ولو لم يكن مكتوبا في العقد، أو اللوائح؛ لأن الشرط العرفي كاللفظي والمعروف كالمشروط شرطًا. ٢ - لو أصلح شخص سيارته عند المهندس بدون ذكر الأجرة تعين عليه دفع ما اشترطه العرف.

стр. 705

٣ - يجوز للمستأجر تأجير ما استأجره إن كان العرف يقر ذلك. ٤ - بدلات السفر والعلاج للموظفين يلزم بالعرف، وإن لم يكن مكتوبا إلا أن كان العرف في مثل تلك الوظيفة لا يقر ذلك. ٥ - حقوق المؤلف محفوظة لا يجوز الاعتداء عليها لجريان العرف التجاري اليوم على ذلك. ٦ - الخصم على الموظف من راتبه لتقصير، أو غياب ونحوه يحكمه العرف المشروط، أو العقد الملفوظ. ٧ - التزام المسلم في بلاد الغرب بما يقتضيه العرف جائز إلا إن كان العرف حرامًا شرعًا. ومن ذلك التحاكم إلى محاكم غير المسلمين لمن يقيم في الغرب من أهل الإسلام. فيلزمه الحكم، فإن كان الحكم في محرم كالحكم بأخذ الزوجة المطلقة نصف الميراث. حرم على المسلم الترافع، فإن ترافع وصدر الحكم، فهو باطل شرعًا لا يجوز للزوج، ولا للزوجة تطبيقه، وهو أكل سحت محرم. ٨ - كتابة البائع للضريبة في فاتورة البيع واحتسابها في الثمن على المشتري يرجع إلى العرف، فإن كانت الضريبة من الدولة على البائع، فلا يحملها المشتري إلا إن جرى العرف العام بذلك، وإن كانت الضريبة من الدولة على المشتري، فلا إشكال. (١) ٩ - ما جرى استعماله في العرف الإداري من أدوات العمل فللموظف أن يستعمل ذلك دون إذن لفظي.

стр. 706

لا يحتاج الموظف عند استعمال أدوات العمل إلى إذن لفظي إذا كان جرى عرف صحيح في عمله على استعمالها المطلب الثالث: نماذج من وقائع وفتاوى معاصرة متعلقة بالقاعدة الفتوى الأولى: عدم الالتزام بمواعيد العمل مرجعه للوائح العمل السؤال: أعمل مهندسا ميكانيكًا بشركة مقاولات، مدرج بالعقد أن عدد ساعات العمل عشر ساعات يومية، وما يزيد عن ذلك، فهو وقت إضافي من حقي أن أتقاضى مقابله، ولكن فى الحقيقة هذا لا يطبق إلا على العمال فقط، ولكن المهندسين لا يتقاضون مقابلا للساعات الإضافية، ولكن مقابل ذلك يعطى للمهندس الحرية فى مواعيد العمل طالما أن عمله يتم بأحسن صورة دون التقيد بميعاد العمل، ولا مدته، وهذا؛ لأن المهندسين دائما ما يعملون أكثر من مدة العمل نظرًا لظروف العمل، وصاحب الشركة يعرف هذا جيدًا، فهل من الضروري علي الالتزام بمواعيد العمل ومدته؟ الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن أذن لك صاحب العمل حقيقة، أو عرفًا بعدم الالتزام التام بمواعيد العمل لما ذكرت من كون المهندسين لا تجري عليهم أحكام العمال الآخرين، فلا حرج في ذلك، وأما إن لم يكن هنالك إذن من صاحب الشركة حقيقي، أو ضمني، فلا يجوز الإخلال بما تم الاتفاق عليه في العقد، ومن ذلك الالتزام بوقت العمل والانضباط فيه، ولك الحق في المطالبة بالتعويض عن ساعات العمل الإضافي، إن كان ذلك في العقد

стр. 707

المتفق عليه، أو هو مما جرى به العرف، إذ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وانظر لذلك الفتوى رقم: ٦٣٢٦، والفتوى رقم: ٦٠١٦٠. (١) والله أعلم. [تَارِيخُ الْفَتْوَى] ١٣ ربيع الثاني». الفتوى الثانية: مكافأة نهاية الخدمة للعمال في المؤسسات الخاصة السؤال: أسأل عن أتعاب العمال في المؤسسات الخاصة مع العلم أنه لا يتم اقتطاع شيء من رواتبهم، ومنهم من يعمل بالقطعة وليس له راتب شهري ثابت، ولكم الشكر الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإذا كان السؤال عن مكافأة نهاية خدمة عمل هؤلاء العمال فمرد ذلك إلى طبيعة العقد المبرم بينهم وبين أصحاب العمل، فإن كان تم الاتفاق إلى أن يعطوا مكافأة عند نهاية عملهم فيجب دفعها إليهم، وإن تم الاتفاق على أن لا يعطوا شيئًا فليس لهم إلا أجرتهم المقررة، أما إذا لم يتم الاتفاق على شيء من ذلك سلبا، ولا إيجابا فيحكم في هذا العرف الجاري، فإن المعروف عرفا كالمشروط شرطا، وراجع في مسألة مكافأة نهاية الخدمة الفتوى رقم: ٥٩٩٠٦. والله أعلم. (٢)

стр. 708

المبحث السابع قاعدة: المعروف بين التجار كالمشروط الكلام عليها في مطلبين: المطلب الأول: معنى القاعدة هذه القاعدة خاصة بالتجارات والعرف التجاري، فهي أخص من السابقة. والكلام عليهما متقارب؛ لذلك قال شارح المجلة: «إن هذه المادة هي عين المادة السابقة» (١) قلت: لكنها أخص منها، فهي كالمادة القانونية التجارية، وتلك مادة قانونية عامة. ومعناها: أن العرف الجاري في السوق بين التجار معتبر كالشرط الملفوظ. فيكون حكمًا بينهم. ويرجع إليه في تفسير العقود وإطلاقاتها وتعيين ما يتعلق بالتجارات والتسليم والإجراءات والالتزامات. فكل ما أطلق في هذه الأمور يعتبر العرف التجاري حكما بينهم. ومستندها ما تقدم في أدلة القاعدة الأم: "العادة محكمة".

стр. 709

المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة ١ - إذا جرى عرف السوق أن الوسيط التجاري الذي سعى لإتمام الصفقة له نسبة من الطرفين، أو من طرف واحد منهم فيلزم ذلك، ولو لم يكن مكتوبا. ٢ - لو اشترى رجل بضاعة مثلًا من بلد أجنبى على أن تشحن له إلى ميناء معين، ولم يوضح في العقد على من تكون أجرة الشحن، فيُتَبع العرف المشهور بين التجار، ويُحكّم كأنه شرط متفق عليه سلفًا (١) ٣ - التوقيع على العقود يعتبر قائما مقام اللفظ، وهو دليل التراضي وعلى هذا جرى العرف المعاصر. (٢) ٤ - المصاريف الإدارية في البنوك تجري فيها هذه القاعدة فإن خصم البنك نسبة معينة كمصاريف إدارية من رأس المال: فإن جرى بها عرف ولم تكن مجحفة جاز؛ لما قدمنا من إطلاقات وعموم النصوص والأصل عدم المانع، ولأن المعروف بين التجار كالمشروط؛ ولأنه مع عدم الإجحاف لا ضرر على طرف فصح؛ لعدم الضرر الفاحش؛ ولأن المصالح في التصحيح غالبة (٣). ٥ - وتتعدد أمثلة العرف التجاري إلى درجة لا يمكننا حصرها في عصرنا، وتشمل: • العرف السائد بين السماسرة حول لوائح تأجير الشقق والعقارات.

стр. 710

• العرف السائد بين أصحاب الأفران ومحلات البقالة. • الطرق المعهودة لدى بائعي الملابس في الاستبدال والاسترجاع. • العرف عند تأخير أحد أطراف العقد في الدفع. (١)

стр. 711

المبحث الثامن قاعدة: لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمن المطلب الأول: مراحل النظر في إنتاج الحكم تأصيلًا وتنزيلا ينقسم النظر لإنتاج الحكم الشرعي إلى مرحلتين: - المرحلة التأصيلية. - المرحلة التنزيلية. فأما الأولى: فالهدف منه الوصول للحكم الشرعي للمسألة، وهو يقوم على الدلالة. وأدوات التأصيل الدلالي هي: منظومة الدلالة اللغوية، وهي أربعة عشر نوعا من حيث: ١ - مادة الكلمة. ٢ - تصريفها. ٣ - إعرابها. ٤ - وضعها الإسنادي. ٥ - قوتها في الوضوح، نص ظاهر، محكم، متشابه، مفهوم، منطوق إقتضاء … الخ. ٦ - قوتها في التكليف أمر، نهي، وتوابعها.

стр. 712

٧ - قوتها في الشمول عام، خاص، مطلق، مقيد. ٨ - دلالتها السياقية عام أريد به خاص وعكسه .. الخ. ٩ - دلالتها من حيث التعليل ليقاس عليها. ١٠ - دلالتها من حيث المقصد. ١١ - دلالتها من حيث القاعدية فقد تكون أصلًا من أصول الشرع. ١٢ - دلالتها من حيث الموازنة، والتقابل، والتعارض. ١٣ - دلالتها من حيث العادة، القرآنية في استعمالها. ١٤ - ترتيب هذه الدلالات. فهذه أربعة عشر نوعًا تشكل الخارطة الاستنباطية لإنتاج معرفة فقهية صحيحة و من أهم مطلوبات المرحلة التأصيلية: الأسئلة الخمسة التأصيلية: هناك أسئلة خمسة تأصيلية عرفتها بالتتبع والتجربة، من أتقنها وعرفها حقق المسائل، وبلغ درجة عالية في الفقه، والفهم، والاستنباط، وقد شرحتها في كتاب مقدمة الموسوعة. ١ - سؤال الماهية. ٢ - سؤال الدلالة. ٣ - سؤال الثبوت. ٤ - سؤال المعارضة. ٥ - سؤال الحكم.

стр. 713

المرحلة التنزيلة: محددات التنزيل العشرة أما المرحلة الثانية: فهي التنزيلية بمعنى إنزال ذلك الحكم على الواقعة المعينة والتنزيل تحكمه محددات يفهم الفقيه من خلالها واقع النازلة، وقد تتبعتها فوصلت إلى إحدى عشر محددًا. وسأذكرها باختصار لأني خصصت لها تفصيلًا في مقدمة الموسوعة، ولابد للفقيه أن ترافقه حال النظر والتنزيل، في نوازل ومستجدات العصر عموما، لضبط التعامل التنزيلي مع السياق الواقعي للفتوى محل النظر. وهي منهجية متبعة لدى الفقهاء يلحظها الخريت والخبير بكلامهم. وتتشكل الفتوى من ركنين: الركن الأول: النظر التأصيلي الركن الثاني: النظر التنزيلي فالأول: فيما تقدم من الأسئلة الخمسة التأصيلية وقانون الدلالة. والثاني: النظر إلى ظروف الفتوى وخارطتها الواقعية، وهذا ما أريد أن أبينه هنا؛ لأن معناه التفصيلي قد يغيب عن كثير من الناظرين وسألخص الكلام حوله في هذه القراءة في إحد عشر محددا، ولعل الكثير سمع عن فقه الواقع، أو النظر إلى واقع الفتوى. لكنه لم يطلع على تفاصيل ترصد له المحددات وتضع له خارطة واضحة بين يديه. لذلك سأبين هنا الأبعاد العشرة لخارطة واقع الفتوى. وسترى أن هذه الأبعاد تتقاطع فيها العلوم المتعددة: التجريبية، والمقاصدية، والقواعدية، والأصولية.

стр. 714

فهذه القوانين الكبرى في العلوم تجتمع كلها لتشكيل فقه واقع المسألة. ونعلم بهذا وجوب الإحاطة بها لمن تصدر، أو تصدى للنظر في مستجدات العصر، أو الفتوى. إذًا فماهي هذه الأبعاد، أو المحددات التي تشكل فقه الواقع لكل مسألة مستجدة تنظر فيها؟ سألخصها في الأمور التالية: ١ - ما يتعلق بمعرفة التصور الحقيقي للنازلة واقعا، وهو ما يعرف بسؤال الماهية. فإن الحقائق تعرف من واقعها ويكون بالحس كأن تشاهد ذلك، أو بسؤال الخبراء ففي المسائل البنكية يجب ان تنزل إلى البنوك لتسأل الخبراء، ولا تكتف بما نقل في الكتب إلا في حالة عدم إمكان الأول فحينئذ عليك بالكتب المالية المتخصصة التي تكشف في موادها عن حقيقة المسألة، ككتب القوانين واللوائح المنظمة للعمليات البنكية. يليها كتب المختصين في البنوك يليها كتب المختصين في الفقه المالي الإسلامي. وهكذا في الطبيات وفي غيرها. ٢ - معرفة الأحكام الوضعية فإنها متعلقة بواقع المكلف من شروط وأركان وموانع ورخص وصحة وفساد، فإن شروط التنزيل وموانعه وأركانه يجب أن يحيط بها المفتي والناظر في مستجدات العصر ويستثمر المعرفة الأصولية والفروعية بهذه الأحكام في النازلة. فإن لكل حادثة اشتراطات وأركان وموانع متعلقة بها يجب معرفتها. ٣ - النظر إلى المكلف وأهليته فينظر هنا إلى الاستطاعة ومفردات

стр. 715

ذلك من الفهم والقدرة والبلوغ وما يطرأ عليها من العوارض كالنسيان والخطأ والإكراه، وما يؤثر على التفكير من أحوال كالغضب ومراتبه، والأمراض النفسية، والوسواس، وشدة الهم، والكرب، وهذا النوع والذي قبله داخل في علم أصول الفقه. ٤ - النظر إلى مقاصد المكلف ودوافعه ونيته وأهدافه، فإن مقاصد المكلفين معتبر في الفتوى؛ لأن من يطلب الفتوى تشهيا وفتنة وهوى غير من يريدها لإخراجه من مأزق. ولذلك علل الله لما رخص لأيوب ﵇ حين حلف أن يؤدب زوجته فرخص الله له أن يأخذ شمراخًا متفرعًا إلى فروع متعددة ويضربها ضربة واحدة ويحسب كل فرع منه ضربة فيكون قد أوفى بيمينه. وعلل الله هذا الترخيص بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤]، فتأمل هذا التعليل: ويؤخذ منه أن واقع المكلف معتبر في تنزيل الفتوى، فإن الله سبحانه رخص له وبين تعليل ذلك ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. فأيوب ﵇ ما كانت نيته ومقاصده الهوى والتشهي، وطلب الترخص، والبحث عنه، بل كان صابرًا تقيًا نعم العبد فله حكمه. والمفتي يأتي إليه أصناف الناس، فمنهم المتساهل الباحث عن الهوى لا عن التعبد لله ومنهم من قصده التعبد، لكنه في ورطة يريد فتوى تخرجه مخرجا شرعيًا. ومعرفة مقاصد المكلفين ودوافعهم ضرورية جدا للفتوى يدل عليها الحال وسياق الظروف. وانظر إلى برامج الفتوى مثلًا فكم من سائل لا يريد الفتوى إنما يريد أن

стр. 716

يوجهك إلى اتجاه معين، أو ذم، أو مدح اتجاه معين، أو يحملك على الفتوى التي ستفهم في سياقات الحدث الحالي، ولو كنت تكلمت كلامًا عامًا. ويمكن للمفتي أن يعرض عن ذلك حين يفهم المقاصد، والدوافع بفهمه للحدث، والسياقات وظروف الساعة التي دفعت المستفتي إلى الاستفتاء. وهذا النوع من المعرفة يدخل في علم المقاصد، وعلم القواعد الشرعية في قاعدة الأمور بمقاصدها، وما يتخرج عليها من القواعد. ٥ - وثم أمر آخر هام متعلق بالواقع وتنزيل الفتوى فيه هو معرفة ظرف المكلف ومكانه؛ لأن هذا يطلعك على العادات والعرف، فإن العرف والعادة معتبر في الفتوى ٦ - ثم يجب عليك الاطلاع في الحادثة على نوع الواقع هل هو من العاديات، أو الاستثنائيات هل تشمله قوانين الضرورات، والمشقات، والحاجيات، أم لا؟ هل هو في واقع تكليفي عادي، كالمجتمعات المسلمة في بلاد الإسلام؟ أم خاص كالمجتمعات المسلمة المهاجرة، وهذا له أصوله واستثناءاته المبنية على قوانين كثيرة تتشكل كلها في أعظم أمهات التكليف، وهي الاستطاعة المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فهذه ظروف هامة جدا تؤثر في تغيير الفتوى والنظر في المستجدات المعاصرة. ففتوى الضرورة غير فتوى الحاجة وفتوى الظروف العادية غير فتوى الظروف الاستثنائية. فالنظر في إيداع الأموال في البنوك الربوية لمن يعيش في الغرب غير من يعيش في المجتمع المسلم. والفتوى لمن يعمل في مطعم يقدم الخمر والخنزير تتغير بحسب

стр. 717

الجغرافيا التي تحدد الظرف الذي يحدد بدوره شرط التكليف، وهو الاستطاعة، والضرورات والأصل والاستثناءات، فالمقيم في الغرب غير المقيم في دول الإسلام. وهكذا سواق التاكسي في الغرب قد يحمل طلبية من تطبيقات المطاعم، وهذه الطلبية خمر وخنزير، وقد اختلفت أنظار فقهاء العصر والذي أره أن هذه من فقه الاستثناء والضرورة. فمن استطاع ألا يحمل شيئًا من هذه الأمور بأي حيلة فعليه أن يفعل، وإن لم يستطع، فهو ضرورة. وذهب قوم إلى التصدق بإيجار المشوار، وهذا يمكن إن ندر، ولكنه يتعذر إن فشا، وهو واقع الحال في الغرب فطلبيات الطعام لا تكاد تخلو من محرم. فعلى هذا القول سيوصل المسلم تلك مجانا؛ لأن سيتصدق بالأجرة. وهذا ليس بسديد، بل ينظر إلى مرتبة الضرورة التي هو فيها. والله أحل للمسلم أن يتزوج الكتابية، وعليه أن ينفق عليها، وهي تشرب الخمر وتذهب إلى للكنيسة وليس فيه تعاون على الإثم والعدوان؛ لأنه غير مقصود له. ٧ - ثم تنظر إلى البعد المصلحي، أو المفاسدي المتعلق بالمستفتي حالا ومآلا فإنك إن لم تلاحظ ذلك قد تفتي بما يضره ويضر أسرته. كمن يختار بأن الثلاث دفعة تقع ثلاثًا باتة، وقد سمعت مفتين في بعض الفضائيات يفتي شخصا طلق ثلاثًا دفعة واحدة أنها لا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره مع أن المسألة خلافية شهيرة سلفًا وخلفًا. فهذا المفتي لم يلحظ مصلحة الأسرة وأضر بها بسبب قصوره التنزيلي، فالحق ليس في مذهب، بل في عموم الشريعة التي فهمها كل العلماء بما يروه من الحق.

стр. 718

فكان عليه أن يبين رأيه ويبين رأي غيره في المسألة، ثم يقول للمستفتي أنصحك أن تقلد القول الآخر في المسألة؛ لأن الشريعة واقعية قصدت تنزيل ما يوفر المصالح ويكثرها في الواقع وما يدفع المفاسد ويقللها ويعطلها وهل الفتوى سوى تنزيل للشريعة في الواقع لتحصيل المصالح ومكافحة المفاسد؟ ٨ - النظر إلى واقع تنزيل الفتوى من حيث الكلية والجزئية والعموم والخصوص والفردية والجماعية والبعد الموضوعي من حيث تعلقها بالسياسات، أو الاقتصاديات. فإن الفتوى في السياسات شروطها أعقد وأشد من النظر إلى المسائل الاقتصادية. كما أن الفتوى العامة غير الفتوى التي تكون في واقعة بعينها، أو خاصة بجهة، أو خاصة بفرد، كل هذا يجب أن يفهمه الناظر في فقه الفتوى والنظر في المستجدات المعاصر. ٩ - تحتاج هنا إلى فقه الموازنات قطعا وفقه والأولويات لتنزل ما يطابق المسألة المستجدة وما يعالج مصلحة المكلف؛ لأن استحقاق المسألة قد يتزاحم مع بعض ويكون بعضه أولى وأرفق للمكلف وأوفق لحاله وظرفه. ١٠ - يحتاج الفقيه أن يعرف رأي فقهاء ذلك البلد في مثل تلك الحوادث لأنهم أعلم بواقع التنزيل وما يتعلق به مما قد يغيب عن المستفتي والمفتي خارج تلك البلاد. ١١ - لابد من معرفة مخرجات الفقه الجماعي في المجامع والهيئات والندوات. لأن الفقه الجماعي يقوم على بنائية تأصيلية مطلعة على واقع

стр. 719

المسألة، من خلال استكتاب خبراء ومختصين في ما يتعلق بالمسألة من تصور يكشفها على حقيقتها، كما هي .. كما يقوم الفقه الجماعي على منهجية الشورى الفقهية، وهي منهجية قويمة وسديدة يشملها عموم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وقد عمل بها الصحابة زمن الخلفاء فكان أبوبكر وعمر وعثمان وعلي يشاورون في المسألة المستجدة. فهذه هي الأدوات المعرفية الصحيحة التي تنتج فهمًا صحيحًا يسمى معرفة وتنويرًا وعلمًا .. فإن نتج من غير هذه القوانين الدلالية أخطأ في طريق النظر وأنتج جهلًا لا معرفة، وإن تجاوز المحددات التنزيلية أخطاء في التنزيل الواقعي للحكم الشرعي الناتج عن الدلالة، ويترتب عليه فتوى خاطئة قد تدخل الفرد والمجتمع في إشكالات كثيرة (١). المطلب الثاني: الثوابت والمتغيرات ١ - الثوابت: الحكم الشرعي ناتج عن الدلالة والتأصيلي الدلالي، والفتوى ناتجة عنه وعن محددات التنزيل التي ذكرناها. فالحكم الشرعي النظري لا يتغير إنما تتغير الفتوى به تنزيلًا، فالإيمان والعبادات والحلال والحرام في المعاملات والأموال والأسرة

стр. 720

والأخلاق والقيم والحقوق وأحكام العقوبات والحكم بما أنزل الله، كلها ثوابت، وأحكام شرعية لا تتغير. وعتد تنزيلها على ظرف الزمان والمكان لا تتغير أحكامها الأصلية أبدًا. إنما يتغير إيقاعها العملي بحسب الشخص المعين في زمان وظرف معين. فالحكم بالزنا معروف، وأن حده مئة جلدة، لكن حين الحكم به على شخص معين يمكن إلا يقام عليه الحد لشبهة درأت الحد. مع أن الحكم الأصلي وهو تحريم الزنا وجلد فاعله لم يتغير. وهكذا جميع الشريعة لا تتبدل، ولا تتغير ولكن عند تنزيلها على وقائع الأعيان يراعى ظرف المكلف، ودليل هذا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فهذا حكم شرعي كلي حاكم على كل الشريعة يدل أنها مرتبطة بالوسع. فتبين من هذا أن أحكام الشرع المنصوصة لا تتغير أبدًا، ولا تتبدل، لكن تطبيقها راجع إلى الوسع. وهي من هذه الجهلة العملية قد تتغير بحسب ظرف المكلف. ومع هذا فيجب القول إن هذه التغييرات مضبوطة وليست متروكة على عوهنها. فقد حددت الشريعة ما يتغير وبينت عللها، ولم تتركها للتخرصات، فالسفر والمرض علة للتخفيف، والحيض والنفاس علة، والشبهة علة لدرء الحد، والاكراه الملجيء يرفع الإثم والمؤاخذة، لكنه لا يرفع ضمان المتلفات، ولا يجيز قتل النفس، ورفع الحرج عن من لا يقدر على النفقة للجهاد، وجعل الضرروة مناطا لتخفيف الأحكام لذلك أحل الميتة ونحوها للمضطر.

стр. 721

وهكذا شروط الاهلية من قدرة وفهم. فهذه العلل أحكام شرعية ثابتة تحكم المتغير. وعلى هذا يمكن القول: أن الشريعة في جميع أحكامها المنصوصة ثوابت لا تتغير، ولا تتبدل سواء كانت في الوضع العادي، أو الاضطراري. فخطاب الشرع ثابت في حكم الحالة الأولى وثابت في حكم المسألة الثانية بقانون ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقانون: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. فقانون الوضع الطبيعي ثابت وقانون الوضع الطارئ ثابت. ٢ - المتغيرات الأربعة: وما لم يرد فيه حكم نصي فهو محكوم بالعلة المناسبة المصلحية، وهي ما تعرف المصلحة المرسلة، والمصلحة تتغير بتغير الزمان والمكان. فيما لا نص فيه. كما تتغير الفتوى المتعلقة بشرطية العرف المكاني والزماني مما لا يخالف النص. وكذا الحكم القضائي التنزيلي يتغير بحسب الأعيان. والتحقق من وجود العلة من عدمها يختلف باختلاف المجتهدين والأزمنة والأمكنة. والحاصل أنه يتبين مما سبق أن الحكم الشرعي في الكتاب، والسنة لا يتغير، ولا يتبدل وله نصوص تحكم الحالات الطبيعية ونصوص تحكم الاستثناء والضرروة، وهي جميعًا ثوابت. والثوابت قسمان ثوابت حاكمة للظروف الطبيعية. وثوابت حاكمة للظروف الاستثنائية، وكلها منصوصة ثابتة لا تتغير.

стр. 722

أما المتغير، فهو حال التنزيل، فهي أربعة: ١ - ما بنى على المصلحة لا على النص ٢ - ما بني على تحقيق العلة الشرعية وتنزيلها فيتغير بحسب مدى تحققها من عدمه ٣ - ما بني على العرف. ٤ - ما بني على النظر القضائي ٣ - يجب العمل بالثابت والمتغير. والعمل واجب بالثوابت والمتغيرات بحسب الوسع في كل زمان ومكان. ولزوم العمل بالمتغيرات في ظرفها وسياقها فيعمل بما قضي به بالمصلحة والعرف والعلة في ذلك الظرف والمكان والزمان وفي كل ما ساوى تلك الظروف والأحوال، فإن تغيرت تغير الحكم تبعًا للمصحلة والعرف. أما حكم القاضي، فلا يقاس عليه، بل كل قضية لها نظرها الخاص وحكمها. ٤ - الثوابت والمتغيرات بالنظر إلى مراتب الدين الأربع. مراتب الدين أربع: ١ - الدين البين، وهي قواطعه وظواهره في الكتاب، والسنة التي ليس فيها خلاف، فهذه ثوابت من خرج عليها منكرًا لها كفر. ٢ - الإجماع، وهو القاطع مما لا نص فيه، فهذا من تركه ضل. ٣ - ما ذهب إليه العامة والكافة من العلماء والخلاف فيه نادر وشاذ، ولا متعلق له من دليل فهذا مخالفه مخطئ. ٤ - ما ذهب إليه بعض العلماء وخالف فيه البعض، فهذا كل من اقتدى بعالم وإمام فقد أدى التكليف الذي عليه، فهذه المسائل الفقهية

стр. 723

لا تسمى ثوابت إلا عند من ترجح عنده بالنظر فصار مكلفا بها ويحرم عليه العمل بغيرها إن اعتقد خطأه. أما إن احتمل صوابيته، لكنه مرجوح فيمكن له العمل به في حالات. ولا يضلل، ولا يفسق في هذه المرتبة، ولا التي قبلها إنما يقال أخطأ، ويكفر في الأولى فالأولى والثانية هي الثوابت بهذا الاطلاق. والتكفير بشروط وضوابط تبين منها علمه وتعمده وعدم جهله بالحكم الشرعي وأنه من قواطع الدين. المطلب الثالث: اتفاق العلماء على قاعدة لا ينكر تغير الفتوى قاعدة اختلاف الفتوى باختلاف الظروف والأحوال والعوائد مجمع عليها كما أفاده القرافي قائلا: الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب في الأغراض في البياعات ونحو ذلك فإذا تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى حمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها وإذا كان الشيء عيبًا في الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم نرد به وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه بينهم نعم قد يقع الخلاف بينهم في تحقيقه هل وجد أم لا. قال الأصل وعرفنا اليوم ليس فيه الحلف بصوم شهرين متتابعين، فلا تكاد تجد أحدا بمصر يحلف به، فلا ينبغي الفتيا به وعادتهم يقولون

стр. 724

عبدي حر وامرأتي طالق وعلي المشي إلى مكة ومالي صدقة إن لم أفعل كذا فتلزم هذه الأمور. وعلى هذا القانون ترك الفتاوى على طول الأيام فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وجميع الصرائح والكنايات فقد يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا فتستغني عن النية اه (١). وقال: فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في الكتب ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة؟، أو يقال: نحن مقلدون وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد؟ فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين، والجواب: أن جري هذه الأحكام التي مدركها العوائد، مع تغيير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس ذلك تجديدا للاجتهاد من المقلدين، حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد. (٢) انتهى.

стр. 725

وجاء أن ابن أبي زيد القيرواني إمام المالكية انهدم حائط بيته وكان يخاف من الشيعة فربط في موضعه كلبا فقيل له في ذلك فقال لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضاريا (١). وقد جعل ابن عابدين تغير الأعراف ناقلا للمنصوص من الفتوى في الكتب إلى ما هو مناسب للزمان والمكان والأحوال. قال ابن عابدين: وأما نحن فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه، كما لو أفتوا في حياتهم، فإن قلت قد يحكون أقوالا بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو إلا رفق، وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه، ولا يخلو الوجود ممن يميز هذا حقيقة لا ظنا وعلى من لم يميز أن يرجع لمن يميز لبراءة ذمته اه. والله تعالى أعلم (٢). وأجاز الحنفية بعد المنع الاستئجار على الطاعات كالأذان وتعليم القرآن، وقالوا: الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان (٣). وقرر ذلك ابن القيم وبين أن من جهل هذه القاعدة أدخل في الشريعة ما ليس منها فقال بعد أن ذكر القاعدة: هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن

стр. 726

الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل (١). ويدل لما أجمع عليه العلماء ما يلي: ١_ عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر» (٢). وهذا يدل على مراعاة الأحوال في إيقاع وتنزيل الحكم الشرعي. قال ابن القيم: وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدُّهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال، فدَعْهم (٣). ٢_ ومنها ما ورد من النصوص التي تدل على عدم إقامة الحدود في بلاد العدو حتى لا يؤدي على إلى ارتداده، أو مفسدة أكبر. قال ابن القيم: وقد أُتي بُسْر بن أرْطَاة برجل من الغزاةقد سرق مجنَّةَ فقال: لولا أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقطع الأيْدِي في الغَزْو" لقطعت يدك، رواه أبو داود، وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في "سننه" بإسناده عن الأحوص بن حكيم، عن أَبيه أن عمر كَتب إلى الناس أن لا يجلدنَّ أميرُ جيشٍ ولا سرية

стр. 727

ولا رجلٌ من المسلمين حدًا وهو غازٍ حتى يقطع الدَّرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكُفَّار. وعن أبي الدرداء مثل ذلك. وقال علقمة: كنَّا في جيش في أرض الروم، ومعنا حُذَيفة بن اليَمَان، وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ (١). ٣_ ومنها عمل عمر في عام المجامعة حيث لم يقم حد السرقة للشبهة نظرًا لتغير الأحوال. ٤_ ومنها أن صدقة الفطر لا تتعين في أقوات بعينها بل العبرة بغالب القوت حسب العادة. ٥_ ومنها اختلاف الفتوى بطلاق الثلاث ففي زمن النبي ﵊ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر كانت واحدة، فما تغير حال الناس وعرفهم أجراها عليهم عمر (٢). المطلب الرابع: الأثر الصناعي المعاصر لقاعدة تغير الفتوى ١ - ذهبت المجامع إلى منع التأمين الصحي، ثم استثنوا صور الإجبار القانوني كما فعل المجمع الهندي، قلت: التأمين الصحي في الشركات عموما ولو تجارية ذهب إلى جوازه الكثير من العلماء، لغلبة المصلحة، ولأن أدلة المنع غير ظاهرة.

стр. 728

وحاصل فتوى المجامع اتجاهان: الاتجاه الأول: منع التأمين الصحي التجاري وإباحة التأمين الصحي التعاوني، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء، وهو ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي الدَّولي، وأضافوا كون التأمين الصحي مباشرًا مع المؤسسة العلاجية بالضوابط، التي تجعل الغرر يسيرًا مغتفرًا مع توافر الحاجة التي تُنزل منزلة الضرورة، لتعلق ذلك بحفظ النفس والعقل والنسل، وهي من الضروريات التي جاءت الشريعة بصيانتها. الاتجاه الثاني: منع التأمين الصحي التجاري إلا في حالات الضرورة، وهو ما ذهب إليه مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا والمجمع الفقهي الإسلامي بالهند (١). ٢ - أفتى جماعة من العلماء بمنع الستلايت في أول ظهوره، ثم استقر الأمر على الجواز. ٣ - كانت النقود الورقية معبرة عن أموال حقيقية ذهبية وبنيت الفتاوى على ذلك، ثم تحولت بعد ذلك إلى ورقة مجردة قائمة على دعم الدولة فقط بدون غطاء ذهبي. ٤ - ترشح المرأة في مجالس النواب والشورى، حصل فيه خلاف، ثم اندثر لتغير الزمان والظروف والعوائد. ٥ - سواقة المرأة للسيارة، بنيت عند من منع على العرف، ثم تغير العرف وتغيرت الفتوى. ٦ - عمليات نقل الإعضاء وزراعتها بنيت على تطور الطب وضمان السلامة وقبل هذا العصر الفتوى على الحرمة؛ لأنه قتل وإتلاف محرم.

стр. 729

٧ - تتغير الفتوى في الكثير من المفطرات المعاصرة نظرا لتطور الطب وكشف تشريح الجوف والجهاز الهضمي، وقد كان الكثير من المذاهب يفتي بفطر من قطر في إحليله نظرا لاتصاله بالجوف. ٨ - تغيرت الفتوى بناء على التقنية الحديثة وتطور الصناعات فما كان محرما عند الفقهاء القدامى في السلم لعدم الضبط مثل أواني الحديد والنحاس صار اليوم مضبوطا بأدق المعايير. ٩ - ومنها قول الفقهاء لا قصاص في العظام لعدم الانضباط، لكن اليوم ممكن أن تتغير الفتوى مع تطور الآلات الطبية الحديثة. (١). ١٠ - منها تحديد مدة الحمل، فإن الفقهاء اختلفوا قديما في ذلك، وقد حسم هذا الطب الحديث. ١١ - ومنها هل تحيض الحامل؟ ١٢ - ومنها دور البصمة الوراثية في إثبات نسب المجهول. ١٣ - ومنها أن ما ذكره الفقهاء من العيوب القديمة في النكاح والفسخ بها يمكن تغيير الفتوى اليوم فيما ظهر له علاج ناجح منها. ١٤ - ومنها رفع الخلاف في الخنثى المشكل وتحديد جنسه وميراثه. ١٥ - ومنها تحديد ميرات الحمل. ١٦ - ومنها تغير الفتوى في مجلس العقد الربوي المعاصر الذي يتم عند بعد بدون التقاء بالأجساد.

стр. 730

المبحث التاسع قاعدة: الأصل في العادات الإباحة وفي العبادات التوقف وهذه قاعدة متفق عليها قال الشاطبي: وعلى الجملة فغير مالك أيضا موافق له في أن أصل العبادات عدم معقولية المعنى، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، فالأصل متفق عليه عند الأمة، ما عدا الظاهرية، فإنهم لا يفرقون بين العبادات والعادات، بل الكل غير معقول المعنى، فهم أحرى بأن لا يقولوا بأصل المصالح فضلا عن أن يعتقدوا المصالح المرسلة (١) المطلب الأول: الأصل في العادات الإباحة إلا بدليل صارف قال الشاطبي عليه رحمة الله تعالى: الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني (٢). وقال ابن تيمية: الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا

стр. 731

ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١]. والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حرامًا وَحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩] (١). • العادة: قال الجرجاني ما استمر الناس عليه على حكم المعقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى (٢) والمقصود هنا كل ما سوى العبادات من معاملات ونحوها. • الإباحة هي في اللغة: الإحلال والظهور، يقال: أبحتك الشيء؛ أي أحللته لك. والمباح خلاف المحظور وأَبَحْتُك الشيء أَحللته لك وأَباحَ الشيءَ أَطلقه (٣) المطلب الثاني: الأصل في العبادات التوقف فالعبادات: كالوضوء، والصلاة، والحج، والصوم، والزكاة، الأصل فيها التوقف على ما شرع بلا زيادة، أو نقصان. فمن أحدث أمرًا من التعبدات بلا دليل من كتاب الله، أو سنته ﷺ فقد أحدث بدعة في الإسلام، وهي شر الأمور، كما في الحديث: عن جابر بن عبد الله، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه. حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت

стр. 732

أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى. ويقول: أما بعد. فإن خير الحديث كتاب الله. وخير الهدى هدى محمد. وشر الأمور محدثاتها. وكل بدعة ضلالة. ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. من ترك مالا فلأهله. ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي.». (١) وحكم هذه البدعة الرد؛ لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد» (٢)، وهذا أصل عظيم يستدل به على إبطال جميع المحدثات والبدع؛ لأنها ليست من أمر الدين لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وضبط البدعة فيها أقوال منها: ما لم يفعله النبي ﷺ مع وجود مقتضياته ودواعيه، ولم يحل مانع يمنعه عن فعله. فقوله: (مع وجود مقتضياته) احتراز عما لم توجد مقتضياته في زمنه ﵊، كجمع المصحف في زمن عثمان، فلا يقال: ببدعية هذا العمل؛ لعدم وجود مقتضياته أيام النبي ﷺ . وقوله: (ولم يحل مانع يمنعه من فعله) احتراز عن نحو صلاة التراويح، فإن منعه ﵊ من فعلها هو: «خشية أن تفرض عليكم» (٣).

стр. 733

أما العادات فهي: كالبيوع وسائر المعاملات، والاجتماعات والزيارات والفعاليات والعادات الاجتماعية والأعراف الدائرة فالأصل الإباحة، حتى يرد دليل على المنع، وما امتزج من العادات بالتعبد تنازعه هذا وهذا، فالصحيح أن نعمل كل أصل فيما هو له. فما جاء تعبدًا توقفنا فيه، وما كان غير ذلك فأصله الإباحة، مثاله: البيع؛ فيه تعبد من جهات نحو حرمة الربا، ووجوب القبض في المجلس في الربويات،، فلو تراضى البائعان على التعامل بالربا، أو تأخير القبض لكان ذلك حرامًا باطلًا؛ لأنه تعبد لا خِيَرَة فيه للمكلف بخلاف ما لو تراضيا على ذلك في غير الربويات فالأصل الإباحة. المطلب الثالث: من الأمور المعاصرة ١ - كل ما استجد من العقود المعاصرة ووسائل عقدها الأصل فيها الحل إلا ما ثبت فيه دليل التحريم. ٢ - العادات الاجتماعية في المناسبات العادية والدينية كالعيدين الأصل في ذلك الاباحة كالتهنئة وإرسال الرسائل وتبادل الزيارات. ٣ - عادات وطنية كاتخاذ يوم وطني أوعالمية إنسانية كيوم المعلم ويوم الكتاب، ويوم اليتيم، ومرضى السرطان، ونحو ذلك كله الأصل فيه الإباحة. ٤ - أما التطبيقات في العبادات فمن ذلك الفتوى بعدم جواز صلاة الجمعة مع الأهل في البيوت أثناء جائحة كورونا، وقد اخترنا في لجنة الفتوى في الاتحاد ذلك، وهو ما ذهب إليه عموم فقهاء المسلمين.

стр. 734

وقد أوردت تحرير المسألة فقلت: صلاة الجمعة مجتمعية لا جماعية فحسب، والنظر الكلي والجزئي في المسألة. صليت الجمعة في بيتي مع الأبناء في زمن الحجر المنزلي بسبب كورونا والمسالة عندي دائرة بين الراجح والجائز. أما الراجح، فهو صلاة الظهر؛ لأن الجمعة فريضة مجتمعية لا جماعة فحسب، وهذه الصورة المجتمعية توقيفية عن النبي ﷺ والصحابة الكرام وعمل الأمة في سائر المذاهب والأمصار. وفي الحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١)، وهذا ما عليه الصحابة بلا نزاع حال العذر. لذلك لما قال لهم ابن عباس: في يوم الجمعة "صلوا في رحالكم"، أي: لأجل عذر المطر. انما صلوا في بيوتهم الظهر لا الجمعة، ولو جازت الجمعة لجمع لهم بين التخفيف عن حضور المسجد للعذر وصلاتها في البيوت تحصيلا للمصلحتين؛ لأن سقوط بعض الشروط للعذر لا يسقط بقية التكليف. ولأن الشرع يتشوف للتيسير وللحفاظ على تمام التكليف، فلو كان التكليف باقيا حال العذر عن الجمعة في المسجد ليسر لهم الشرع فطلبها في البيوت فلما انتقل التكليف إلى تكليف آخر هو الظهر دل على عدم طلبها، ولا صحتها في البيوت. أما عدم الطلب فلان الشرع لم يكلفهم بها في البيوت عند عذر المطر والخوف. أما عدم الصحة فلأن النساء والمرضى لو صلوها في بيوتهم جمعة

стр. 735

لبطلت بلا خلاف، ولو جازت لخفف عنهم الشرع شهودها في المسجد ورخص لهم صلاتها في البيوت. لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، كما هي عادة الشرع وقاعديته كسائر الفروض التي يخفف عن حضور جماعتها للعذر تصلى جماعة في البيوت، أو فرادى. وعمل ابن عباس المنقول عنه الذي ذكرناه آنفا، وأخرجه الشيخان. لم يخالفه أحد من الصحابة، ولو كانت مشروعة حال العذر في البيوت لفعلها الصحابة ولأمر ابن عباس وغيره بذلك على حرصهم العظيم على الحفاظ على التكليفات. فدل هذا أن لها بدلًا توقيفيًا متقررًا لديهم عند العذر لا يزحزح عنه. فلوكان طلبها باقيًا في غير الصورة المجتمعية العامة لطب الشرع إقامتها في البيوت جماعة عند تعذر اقامتها في المسجد للمطر، أو الخوف. وهكذا جعل لها الشرع بدلا توقيفيا حال العذر للمريض والمراة. ولو جازت في البيوت لرخص لهم صلاة الجمعة في البيوت فيصلي المريض مع النساء ومن كان من أهل الاعذار. ولما أجتمعت الجمعة والعيد رخص الشرع في الجمعة أن تصلى ظهرًا لمن لمن يشهدها في المسجد. ولو جازت جمعة في البيوت، لقال الشرع وصلوها جماعة في بيوتكم؛ ليجمع لهم بين التخفيف المقصود في العيد، وإدراك فضيلة الجمعة، ولم يحصل ذلك، بل أسقط عنهم التجميع في المساجد ولم يطلبها في البيوت.

стр. 736

وكذلك زمن ابن الزبير، لما اجتمع العيد والجمعة، صلى العيد ولم يخرج للجمعة. ولم يأمر الناس أن يصلوها في بيوتهم، بل صلوا الظهر. فتحصل من هذا أن الجمعة حال العذر غير مطلوبة أصلًا، بل المطلوب بدلها، وهو الظهر. فمن قال إنها تصلى في البيوت للعذر، فقد جاء بما لم يأمر به الشرع ولم يعرفه الصحابة، ولا الأمة. لكن له أن يقول إن التكليف عام، وهو بحسب الوسع، والوسع هنا صلاتها في البيوت. ولأن بعض الشروط تسقط، ولا يسقط بقية التكليف. لكن يضعف هذا أنه عند سقوط بعض الشروط هنا له بدل شرعي، هو الظهر. فلا يتزحزح عنه بهذه الكلية القياسية التي غايتها أن تكون في قوة النص العام، وهذا خاص والخاص مقدم على العام. هذا على تسليم جعلها كالنص العام، وإلا فهي قياس لا يقوى على معارضة البدل المنصوص، وهو الظهر هنا. أما الدليل العام، فهو ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فمسلم، ونقول بموجبه، وموجبه هنا صلاة الظهر. ولقائل هذا أن يمنع أن التكليف هو الظهر للعذر، بل الجمعة بمن حضر في البيت. ويجاب أنه خلاف عمل الصحابة، وخلاف دلالات النصوص حال العذر.

стр. 737

والحاصل أن القول الأول أعني صلاة الظهر عندي هو الأقوم قيلًا، والاقوى دليلًا ونظرًا. والقول الثاني له حظ من النظر، خاصة أن العذر عام على جميع الأمة. ومعلوم أن الإسقاط الفردي، أو الجزئي غير الإسقاط الكلي. وأن المسالة تختلف عند النظر بين الكلية والجزئية، كما هو معلوم في المقاصد، وكورونا جائحة كلية عامة يختلف فيها النظر عن الجزئيات؛ لهذا جاز هذا الوجه عندي. ولي بحث مطول في الباب أبسط من هذا، وصلت فيه إلى هذا المعنى، أعني أن الفتوى عندي بين الراجح والجائز. وبالله التوفيق (١). ٥_ القول بجواز صلاة الجماعة مع التلفاز، والإذاعات المباشرة، أو وسائل التواصل المباشرة. قول خارج عن التوقيف العبادي في الصلاة وصورها المشروعة، فالقول به غاية في البعد والضعف (٢).

стр. 738

المبحث العاشر: قواعد التبعية المطلب الأول قاعدة: التابع تابع وهذه القاعدة متعلقة بالعرف غالبًا فكل ما عده العرف تابعا فله أحكام الأصل بدون ذكر. ومعنى هذه القاعدة أن التابع له حكم الأصل في الحكم، فلا يعطى حكما مستقلا إلا إن ثبت بذلك دليل مستقل يخصه. وأدلتها أدلة العمل بالعرف المتقدمة؛ لأن التوابع الفقهية أكثرها قائم على العرف. والتوابع إما بالشرع، أو العرف، أو الخلقة، فإن كان التابع بالشرع فدليله شرعي، وإن كان بالخلقة، فهو تابع عرفا ولغة. ١ - أما بالشرع فمثاله حديث: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) (١). مع أن الأصل أن الجنين يخرج ميتا بعد ذبح أمه فيشمله حكم تحريم الميتة، لكن الشرع جعله تابعا لأمه في التذكية. ٢ - أما بالعرف فمن باع قفلا دخل مفتاحه ومن باع سيارة دخل معها توابعها، ومن باع فيلا دخل معها أبوابها.

стр. 739

٣ - وأما بالخلقة فما كان جزاء متصلا كاليد والرجل من الحيوان. وهذه قاعدة متفق عليها بين المذاهب الأربعة، كما تدل عليه ذكرهم لها وتفريعهم عليها، وإن حصل خلاف في بعض التنزيل الفروعي لها بينهم (١)، وقد القرافي أن التوابع العرفية تختلف باختلاف الأعراف وتتغير بها الفتاوى. (٢). وقد اختلف في بعض فروعها في المذاهب، وللمالكية تقعيد خاص يمكن تسميته ضوابط مثل قولهم: الأتباع هل لها قسط من الإثمان أم لا؟ (٣). وكذلك قولهم: الاتباع هل يُعطى لها حكم متبوعاتها، أو حكم أنفسها؟ (٤). وذكروا فروعا متعددة يتضح منها أن الحكم للأكثر الغالب، وأن الأقل المغلوب تبع. كزكاة مالين أحدهما فيه زكاة والآخر لا عليه. واستعمال الذهب في خاتم الرجال، والسيف المحلى إذا كانت حلية الجميع تبعا. والأجرة على الإمامة تمنع مفردة، وتجوز مع الأذان في مشهور مذهب مالك.

стр. 740

وما يسقى من الزرع والثمار وإذا كان بالحائط، أنواع مختلفة حل بيع بعضها- وهو الأقل، جازت مساقاة جميعها، وإن كثر لم تجز فيه، ولا في غيره. وإن كان بعض العاقلة بالبادية وبعضها بالحاضرة فإنه يضاف الأقل منها إلى الأكثر (١). المطلب الثاني: القواعد المتعلقة بالتابع وتعلق بهذه القاعدة قواعد أخرى كالشارحة، والمبينة لها. فمن بذلك: أ- التابع لا يفرد بالحكم. «فالجنين الذي في بطن الحيوان لا يباع منفردا عن أمه» (٢). وكذلك صاحب البيت يضحي عنه ويجزئ عن أهل بيته؛ لأنهم تبع له في هذا بالنص. والمأموم يتبع الإمام فيما تعلق بالإمامة، فلو سهى الإمام تبعوه في سجود السهو، ولو سها المأموم لا يسجد. وكذلك السترة للإمام كافية عن المأموم. والمأموم يتابع الإمام، حتى لو كان مسبوقًا، فإن جلس الإمام للتشهد جلس المأموم معه، وإن كان بقي عليه ركعة.
следующие страницы →