← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30085

تلبيس إبليس - ت خير الدين وائلي

ابن الجوزي

Полный текст (455 стр.). Показаны 421–455 · переход к 426.

стр. 421

وآخر يعبد أهواءه … وما عابد للهوى بالرشيد ومجتهد وقته زينه … فإن فات بات بليل عنيد وذو كلف باستماع السما … ع بين البسيط و بين النشيد يئن اذا أومضت رئة … ويزار منها زئير الأسود يخرق خلقانه (١) عامدا … ليعتاض منها بثوب جديد ويرمي بهيكله في السعير (٢) … لقلع الثريد وبلع العصيد (٣) فيا للرجال ألا تعجبون … لشيطان اخواننا ذ المزيد يخبطهم بفنون الجنون … وما للمجانين غير القيود وأقسم ما عرفوا ذا الجلال … وما عرفوه بغير الجحود ولولا الوفاء لأهل الوفاء … سلقتهم بلسان حديد (٤) فمالي يطالبني بالوصا … ل من ليس يعلم ما في الصدود اضن بودى ويسخو به … وقد كنت اسخو به للودود ولكن إذا لم أجد صاحبا … يسر صديقى ويشجى (٥) الحسود عطفت بودي مني إليه … فغاب نحوسي و آب (٦) السعود فما بال قومي على جهلهم … بعز الفريد وأنس الوحيد إذا أبصروني بكوا رحمة … ونيران أحقادهم في وقود لأني بعدت عن المدعين … ولو صدقوا كنت غير البعيد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبار الصيرفي، نا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، قال: أنشدنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر التجيبي، قال: أنشدنا الحسن بن على ابن سيار: رأيت قوما عليهم سمة الخير … بحمل الركاء (٧) مبتهلة اعتزلوا الناس في جوامعهم … سألت عنهم فقيل متكلة صوفية للقضاء صابرة … ساكنة تحت حكمه بزله (٨) فقلت إذ ذاك هؤلاء هم ال … ناس ومن دون هؤلاء رزله فلم أزل خادما لهم زمنا … حتى تبينت أنهم سفله

стр. 422

ائن ائكلوا كان ائكلهم سرفا … ائو لبسوا كان شهرة مثله (١) سل شيخهم والكبير مختبرا … عن فرضه لا تخاله عقله وسائله عن شادن (٢) غنج … مدلل لا تراه قد جهله علمهم بينهم إذا جلسوا … كعلم راعي الرعاع والرذلة الوقت والحال والحقيقة وال … برهان والعكس عندهم مثله قد لبسوا الصوف كي ير و اصلحا … وهم شرار الذباب والحفلة (٣) وجانبوا الكسب والمعاش لكي … يستأصلوا الناس شرها ائكله (٤) وليس من عفة ولا دعة … لكن تعجيل راحة العطلة فقل لمن مال باختداعهم … اليهم تب فإنهم بطله واستغفر الله من كلامهم … ولا تعاود لعشرة الجهله قال الصوري وائنشدني بعض شيوخنا: ائهل التصوف قد مضوا … صار التصوف مخرقة (٥) صار التصوف صيحة … وتواجدا ومطبقة (٦) كذبتك نفسك ليس ذا صحة … سنن الطريق الملحقة (٧) حتى تكون بعين من منه … العيون المحدقة تجري عليك صروفه … وهموم سرك مطرقه ائنشدنا محمد بن ناصر، قال: ائنشدنا ائبو زكريا التبريزي لابي العلاء المعرى: زعموا بائنهم صفوا لمليكهم … كذبوك ما صافوا ولكن صافوا (٨) شجر الخلاف (٩) قلوبهم ويحلها … غرضى خلاف الحق لا الصفصاف ائنشدنا ابن ناصر، ائنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا أبو إسحاق الشيرازي الفقيه لبعضهم: ائرى جيل التصوف شرجيل … فقل لهم واهون بالحلول ائقال الله حين عشقتموه … كلوا ائكل البهائم وارقصوا لى

стр. 423

الباب الحادي عشر في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات قد بينا فيما تقدم أن إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم، فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه، وكلما كثر العلم قل تمكنه منه. ومن العباد من يرى ضوءا أو نورا في السماء، فان كان في رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره، قال: قد فتحت لي أبواب السماء. وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة، وربما كان اتفاقا وربما كان اختبارا وربما كان من خدع إبليس. والعاقل لا يساكن (١) شيئا من هذا ولو كان كرامة. وقد ذكرنا في باب الزهاد عن مالك بن دينار وحبيب العجمي أنهما قالا: إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز. ولقد استغوى بعض ضعفاء الزهاد بأن أراه ما يشبه الكرامة حتى أدعى النبوة، فروي عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، قال: ثنا محمد بن المبارك، ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن حسان، قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالغوطة تعرض له إبليس، وكان متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرأيت عليه زهادة، وكان إذا أخذ في التحميد لم يصغ السامعون إلى كلام أحسن من كلامه. قال: فكتب إلى أبيه يا بتاه عجل علي فإني قد رأيت أشياء أتخوف منها ان تكون من الشيطان، قال: فزاده أبوه غيا (٢)، وكتب إليه: يا بني، أقبل على ما أمرت به إن الله يقول: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم﴾ (الشعراء: ٢٢٢). ولست بأفاك ولا أثيم فأمض لما أمرت به. وكان يجئ الى أهل المساجد رجلا رجلا فيذكر لهم أمره، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق إن هو رأى ما يرضى قبل وإلا كتم عليه. وكان يريهم الأعاجيب، كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح. وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول: أخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرجهم إلى دير المران فيريهم رجالا على الاعتمال

стр. 424

حيل. فتبعه بشر كثير، وفشى الأمر وكثر أصحابه حتى وصل خبره إلى القاسم بن مخيمرة، فقال له: إني نبي، فقال له القاسم: كذبت يا عدو الله، فقال له أبو ادريس: بئس ما صنعت اذ لم تلن له حتى تأخذه، الآن يفر، وقام من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره، فبعث عبد الملك في طلبه فلم يقدر عليه. وخرج عبد الملك حتى نزل العنيبرة (١)، فاتهم عامة عسكره بالحارث أن يكونوا يرون رأيه، وخرج الحارث، حتى أتى بيت المقدس واختفى، وكان أصحابه يخرجون يلتمسون الرجال يدخلونهم عليه، وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فأدخل على الحارث فأخذ في التحميد، وأخبره بأمره وأنه نبي مبعوث مرسل، فقال: إن كلامك لحسن ولكن لي في هذا نظر، قال: فانظر. فخرج البصري ثم عاد إليه فرد (٢) عليه كلامه فقال: إن كلامك لحسن وقد وقع في قلبي وقد آمنت بك، وهذا هو الدين المستقيم فأمر أن لا يحجب عنه متى اراد الدخول عليه، فأقبل البصري يتردد إليه ويعرف مداخله ومخارجه وأين يهرب حتى صار من أخبر الناس به. ثم قال له: أذن لي، فقال: إلى أين، قال: إلى البصرة فأكون أول داع لك بها. قال: فأذن له فخرج مسرعا إلى عبد الملك، وهو بالصنيبرة، فلما دنا من سرادقه صاح: النصيحة النصيحة، فقال أهل العسكر: وما نصيحتك؟! قال: نصيحة لأمير المؤمنين، فأمر الخليفة عبد الملك أن يأذنوا له بالدخول عليه، فدخل وعنده أصحابه، قال: فصاح: النصيحة، قال: وما نصيحتك؟ قال: أخلني (٣) لا يكون عندك أحد، فأخرج من في البيت، وقال له: ادنن، قال: ادن فدنا وعبد الملك على السرير، قال: ما عندك؟ قال: الحارث، فلما ذكر الحارث طرح عبد الملك نفسه من أعلى السرير إلى الأرض، ثم قال: أين هو، قال: يا أمير المؤمنين هو ببيت المقدس قد عرفت مداخله ومخارجه، وقص عليه قصته وكيف صنع به، فقال: أنت صاحبه وأنت أمير بيت المقدس وأميرنا هاهنا، فمرني بما شئت، قال: يا أمير المؤمنين ابعث معى

стр. 425

قوما لا يفهمون الكلام، فأمر أربعين رجلا من فرغانة، فقال: انطلقوا مع هذا فما أمركم به من شيء فأطيعوه، قال: وكتب إلى صاحب بيت المقدس أن فلانا هو الامير عليك حتى يخرج فأطعه فيما أمرك به. فلما قدم بيت المقدس أعطاه الكتاب، فقال: مرني بما شئت، فقال: أجمع لي كل شمعة تقدر عليها ببيت المقدس، وأدفع كل شمعة إلى رجل، ورتبهم على أزقة بيت المقدس وزواياها، فإذا قلت: أسرجوا أسرجوا جميعا، فرتبهم في أزقة بيت المقدس وزواياها بالشمع. وتقدم البصري إلى منزل الحارث، فأتى الباب، فقال للحاجب: أستأذن لي على نبي الله، قال: في هذه الساعة ما يؤذن عليه حتى يصبح، قال: أعلمه إني ما رجعت إلا شوقا اليه قبل أن أصل، فدخل عليه فأعلمه بكلامه فأمره بفتح الباب، قال: ثم صاح البصري: أسرجوا الشموع فأسرجت حتى كانت كأنها النهار، ثم قال: من مر بكم فأضبطوه كائنا من كان، ودخل هو إلى الموضع الذي يعرفه فطلبه فلم يجده، فقال أصحاب الحارث: هيهات تريدون تقتلون نبي الله قد رفع إلى السماء، قال: فطلبه في شق قد هيأه (١) سربا، فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا هو بثوبه، فاجتره فأخرجه إلى خارج، ثم قال للفرغانيين: اربطوه فربطوه. فبينما هم يسيرون به على البريد إذ قال: أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله فقال رجل من الفرغانيين - أولئك العجم - هذا كرامتنا فهات كرامتك أنت، وساروا به حتى أتوا به عبد الملك، فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت فصلبه، وأمر بحربة وأمر رجلا فطعنه فلما صار إلى ضلع من أضلاعه، فانكفأت (٢) الحربة عنه فجعل الناس يصيحون ويقولون: الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة، ثم مشى إليه وأقبل يتجسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها فأنفذها، فقتله. قال الوليد: بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية دخل على عبد الملك ابن مروان، فقال: لو حضرتك ما أمرتك بقتله، قال: ولم؟ قال: إنما كان به المذهب (٣) فلو جوعته ذهب عنه. وروى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء، قال: لما حمل الحارث على

стр. 426

البريد وجعلت في عنقه جامعة (١) من حديد، وجمعت يده إلى عنقه، فأشرف على عقبة بيت المقدس تلا هذه الآية ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وان اهتديت فيما يوحى الي ربي (سبأ: ٥٠)﴾، فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض، فوثب الحرس الذين كانوا معه فأعادوها عليه، ثم ساروا به، فلما أشرفوا على عقبة أخرى قرأ آية فسقطت من رقبته ويده على الأرض، فأعادوها عليه، فلما قدموا على عبد الملك حبسه، وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويخوفوه الله ويعلموه أن هذا من الشيطان فأبى أن يقبل منهم، فصلب. وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت، فتكلم الناس، وقالوا: ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل، ثم أتاه حرسي (٢) برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه ثم هزه وأنفذه. وسمعت من قال: قال عبد الملك للذي ضربه بالحربة لما أنثنت: أذكرت الله حين طعنته؟ قال: نسيت، قال: فاذكر الله، ثم اطعنه فذكر الله ثم طعنه فأنفذها. فصل وكم اغتر قوم بما يشبه الكرامات، فقد روينا بإسناد عن حسن عن أبي عمران، قال: قال لي فرقد: يا أبا عمران قد أصبحت اليوم وأنا مهتم بضريبتي، وهي ستة دراهم، وقد أهل (٣) الهلال وليست عندي، فدعوت، فبينما أنا أمشي على شط الفرات إذا أنا بستة دراهم، فأخذتها فوزنت فإذا هي ستة لا تزيد ولا تنقص، فقال: تصدق بها فإنها ليست لك. قلت: أبو عمران، هو إبراهيم النخعي فقيه أهل الكوفة. فانظروا إلى كلام الفقهاء وبعد الاغترار عنهم، وكيف أخبره أنها لقطة ولم يلتفت إلى ما يشبه الكرامة، وإنما لم يأمره بتعريفها، لأن مذهب الكوفيين أنه لا يجب التعريف لما دون الدينار، وكأنه إنما أمره بالتصدق بها لئلا يظن أنه قد أكرم بأخذها وأنفاقها. وبإسناد عن إبراهيم الخراساني أنه قال: احتجت يوما إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر وسواك من فضة رأسه ألين من الخز، فاستكت بالسواك وتوضأت بالماء وتركتهما وانصرفت.

стр. 427

قلت: في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته، فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل، إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز، ولكن قل علمه فاستعمله. وان ظن أنه كرامة، والله تعالى لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعا، إلا أن أظهر له ذلك على سبيل الامتحان. وذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ، قال: حدثني أبي، قال: كان السرمقانى المقرئ يقرأ على ابن العلاف، وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني، واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة، وقد نزل إلى دجلة وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابه، وجعل يأكله فشق ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرؤساء، فأخبره بحاله، فتقدم إلى غلام بالقرب الى المسجد الذى يأوى إليه السرمقاني أن يعمل لبابه مفتاحا من غير أن يعلمه. ففعل، وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزا سميدا ومعها دجاجة و حلوى سكرا، ففعل الغلام ذلك، وكان يحمله على الدوام. فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحا في القبلة ورأى الباب مغلقا، فتعجب. وقال في نفسه: هذا من الجنة ويجب كتمانه، وأن لا أتحدث به فإن من شرط الكرامة كتمانها وأنشدني: من أطلعوه على سر فباح به … لم يأمنوه على الاسرار ما عاشا فلما استوت حالته وأخصب (١) جسمه سأله ابن العلاف عن سبب ذلك وهو عارف به وقصد المزاح معه - فأخذ يوري ولا يصرح، ويكنى ولا يفضح. ولم يزل ابن العلاف يستخبره حتى أخبره أن الذي يجده في المسجد كرامه إذ لا طريق لمخلوق عليه، فقال له ابن العلاف: يجب أن تدعو لابن المسلمة فإنه هو الذي فعل ذلك. فنغص عيشه بأخباره وبانت عليه شواهد الانكسار. فصل روينا بإسناد عن أبي الطيب يقول: سمعت زهرون يقول: كلمني الطير وذاك أني كنت في البادية فتهت، فرأيت طائرا أبيض فقال لى:

стр. 428

يا زهرون أنت تائه، فقلت: يا شيطان غر غيري، فقال لي: أنت تائه. فقلت: يا شيطان غر غيري. فوثب في الثالثة وصار على كتفي، وقال: ما أنا … بشيطان أنت تائه أرسلت إليك ثم غاب عني. و باسناد عن محمد بن عبد الله القرشي، قال: حدثني محمد بن يحيى ابن أبي حاتم، ثنى محمد بن عمرو، قال: حدثتني زلفي، قالت: قلت لرابعة العدوية يا عمة لم لا تأذنين للناس يدخلون عليك؟ قالت: وما أرجو من الناس إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل. قال القرشي: وزادني غير أبي حاتم، أنها قالت: يبلغني أنهم يقولون إني أجد الدراهم تحت مصلاي، ويطبخ لي القدر بغير نار، ولو رأيت مثل هذا فزعت منه. قالت: فقلت لها: إن الناس يكثرون فيك القول، يقولون: إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب، فهل تجدين شيئا فيه؟ قالت: يا بنت أخي لو وجدت في منزلي شيئا ما مسته ولا وضعت يدي عليه. قال القرشي: وحدثني محمد بن إدريس، قال: قال محمد بن عمرو: وحدثتني زلفى عن رابعة إنها أصبحت يوما صائمة في يوم بارد، قالت: فنازعتني نفسي إلى شيء من الطعام السخن أفطر عليه، وكان عندي شحم، فقلت: لو كان عندي بصل أو كراث عالجته (١)، فإذا عصفور قد جاء فسقط على المثقب (٢) في منقاره بصلة، فلما رأيته أضربت عما أردت وخفت أن يكون من الشيطان. وبالإسناد عن محمد بن يزيد، قال: كانوا يرون لوهيب أنه من أهل الجنة، فإذا أخبر بها أشتد بكاؤه، وقال: قد خشيت أن يكون هذا من الشيطان. وبالإسناد عن أبي عثمان النيسابوري، يقول: خرجنا جماعة مع أستاذنا أبي حفص النيسابورى الى خارج نسابور، فجلسنا، فتكلم الشيخ علينا فطابت أنفسنا، ثم بصرنا فإذا بأيل (٣) قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ، فأبكاه ذلك بكاء شديدا. فلما سكن سألناه، فقلت: يا أستاذ تكلمت علينا فطابت قلوبنا، فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك، فقال: نعم رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم فوقع

стр. 429

في قلبي لو أن شاة ذبحتها ودعوتكم عليها، فما تحكم (١) هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش، فبرك بين يدي، فخيل لي أني مثل فرعون الذي سأل ربه. أن يجري له النيل فأجراه، قلت: فما يؤمنني أن يكون الله تعالى يعطيني كل حظ لي في الدنيا وأبقى في الآخرة فقيرا لا شيء لي. فهذا الذي أزعجني. فصل وقد لبس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا الحكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم، والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل، فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النقل. أخبرنا محمد بن ناصر، أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: نا محمد ابن محمد الحافظ، قال: نا عبيد الله بن محمد الفقية، قال أحمد بن عبد الله بن الحسن الآدمي قال: حدثني أبي، قال: قال سهل بن عبد الله قال عمرو بن واصل - كذا في الرواية - والصواب قال عمرو بن واصل: قال سهل بن عبد الله: صحبت رجلا من الأولياء في طريق مكة، فنالته فاقة ثلاثة أيام، فعدل إلى مسجد في أصل جبل، واذا فيه بئر عليها بكرة وحبل ودلو ومطهرة (٢)، وعند البئر شجرة رمان ليس فيها حمل. فأقام في المسجد إلى المغرب، فلما دخل الوقت إذا بأربعين رجلا عليهم المسوح (٣) وفي أرجلهم نعال الخوص (٤) قد دخلوا المسجد، فسلموا وأذن أحدهم وأقام الصلاة وتقدم فصلى بهم. فلما فرغ من صلاته تقدم إلى الشجرة، فإذا فيها أربعون رمانة غضة طرية، فأخذ كل واحد منهم رمانة وأنصرف. قال: وبت على فاقت، فلما كان في الوقت الذي أخذوا فيه الرمان أقبلوا أجمعين، فلما صلوا وأخذوا الرمان، قلت: يا قوم أنا أخوكم في الإسلام وبي فاقة شديدة فلا كلمتموني ولا واستمونى، فقال رئيسهم: إنا لا نكلم محجوبا بما معه، فأمض واطرح ما معك وراء هذا الجبل في الوادي وأرجع إلينا حتى تنال ما ننال، قال: فرقيت الجبل فلم تسمح نفسي برمي ما معي فدفنته ورجعت. فقال لي: رميت ما معك؟ قلت: نعم، قال: فرأيت شيئا، قلت: لا، قال: ما رمت شيئا إذن فارجع فأرم به في الوادي، فرجعت ففعلت، فاذا قد غشيني

стр. 430

مثل الدرع نور الولاية، فرجعت فإذا في الشجرة رمانه، فأكلتها، واستقللت (١) بها من الجوع والعطش، ولم ألبث دون المضي إلى مكة، فإذا أنا بالأربعين بين زمزم والمقام، فأقبلوا إلي بأجمعهم يسألونني عن حالي ويسلمون علي، فقلت: قد غنيت عنكم وعن كلامكم آخرا كما أغناكم الله عن كلامي أولا، فما في لغير الله موضع. قال المصنف ﵀: عمرو بن واصل ضعفه ابن أبي حاتم، والآدمي وأبوه مجهولان، ويدل على أنها حكاية موضوعة قولهم: أطرح ما معك، لأن الأولياء لا يخالفون الشرع، والشرع قد نهى عن إضاعة المال، وقوله: غشيني نور الولاية، فهذه حكاية مصنوعة وحديث فارغ، ومثل هذه الحكاية لا يغتر بها من شم رائحة العلم، إنما يغتر بها الجهال الذين لا بصيرة لهم. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: نا السهلكي، قال: سمعت محمد بن علي الواعظ، قال: وفيما أفادني بعض الصوفية حاكيا عن الجنيد، قال: قال أبو موسى الديبلي: دخلت على أبي يزيد فإذا بين يديه ماء واقف يضطرب، فقال لي: تعال، ثم قال: إن رجلا سألني عن الحياء فتكلمت عليه بشيء من علم الحياء، فدار دورانا حتى صار كذا كما ترى وذاب. قال الجنيد: وقال أحمد بن حضرويه: بقي منه قطعة كقطعة جوهر فاتخذت منه فصا فكلما تكلمت بكلام القوم أو سمعت من كلام القوم يذوب ذلك الفص حتى لم يبق منه شيء. قلت: وهذه من المحالة القبيحة التي وضعها الجهال، ولولا أن الجهالة يروونها مسندة فيظنونها شيئا لكان الأضراب عن ذكرها أولى. أنبأنا أبو بكر بن حبيب، قال: نا ابن أبي صادق، قال: ثنا ابن باكويه، قال: ثنا أبو حنيفة البغدادي، قال: ثنا عبد العزيز البغداد، قال: كنت أنظر في حكايات الصوفية، فصعدت يوما السطح فسمعت قائلا يقول: «وهو يتولى الصالحين» ﴿الأعراف: ١٩٦﴾ فالتفت فلم أر شيئا، فطرحت نفسي من السطح فوقفت في الهواء. قال المصنف ﵀: هذا كذب محال لا يشك فيه عاقل، فلو قدرنا صحته فإن طرح نفسه من السطح حرام، وظنه أن الله يتولى من فعل.

стр. 431

المنهى عنه، فقد قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (البقرة: ١٩٥). فكيف يكون صالحا وهو يخالف ربه، وعلى تقدير ذلك فمن أخبره أنه منهم. وقد تقدم قول عيسى صلوات الله عليه للشيطان لما قال له: ألق نفسك، قال: إن الله يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه. فصل وقد اندس في الصوفية أقوام وتشبهوا بهم، وشطحوا في الكرامات وادعائها، وأظهروا للعوام مخاريق (١) صادوا بها قلوبهم. وقد روينا عن الحلاج أنه كان يدفن شيئا من الخبز والشواء والحلوى في موضع من البرية، ويطلع بعض أصحابه على ذلك، فإذا أصبح قال لأصحابه: إن رأيتم أن نخرج على وجه السياحة، فيقوم ويمشي والناس معه، فإذا جاؤوا إلى ذلك المكان، قال له صاحبه الذي أطلعه على ذلك: نشتهي الآن كذا وكذا، فيتركهم الحلاج وينزوي عنهم إلى ذلك المكان، فيصلي ركعتين ويأتيهم بذلك. وكان يمد يده إلى الهواء ويطرح الذهب في أيدي الناس ويمخرق (٢). وقد قال له بعض الحاضرين يوما: هذه الدراهم معروفة ولكن أو من بك إذا أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك، وما زال يمخرق إلى وقت صلبه. حدثنا أبو منصور القزاز، قال: نا أبو بكر بن ثابت، نا عبد الله بن أحمد بن عمار الصيرفي، ثنا أبو عمرو بن حيوة، قال: لما أخرج حسين الحلاج للقتل مضيت في جملة الناس، فلم أزل أزاحم حتى رأيته، فقال لأصحابه: لا يهولنكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. وكان اعتقاد الحلاج اعتقادا قبيحا، وقد بينا في أول هذا الكتاب شيئا عن اعتقاده وتخليطه، وبينا أنه قتل بفتوى فقهاء عصره. وقد كان في المتأخرين من يطلي بدهن الطلق ويقعد في التنور ويظهر أن هذا كرامة. قال ابن عقيل: وكان ابن الشباس وأبوه قبله لهم طيور سوابق وأصدقاء في جميع البلاد، فينزل بهم قوم فيرفع طائرا في الحال إلى قريتهم يخبر بخبر من له هناك بنزولهم، ويستعلمه من أحوالهم وما تجدد هناك بعدهم قبل أن

стр. 432

يجتمع عليهم، ويستعلم حالهم، فيكتب ذلك إليه الجواب، ثم يجتمع بهم، فيخبرهم بتلك الحوادث، ويحدثهم بأحوالهم حديث من هو معهم ومعاشرهم في بلادهم، ثم يحدثهم بما تجدد بعدهم وفي يومه ذلك، فيقول: الساعة تجدد كذا وكذا، فيدهشون، ويرجعون إلى رستاقهم (١) فيجدون الأمر على ما قال، ويتكرر هذا منه فيصير عندهم كالقطعي على أنه يعلم الغيب. قال: وما كان يفعله أنه يأخذ طير عصفور ويشد في رجله تلفكا (٢)، ويجعل في التلفك بطاقة صغيرة، ويشد في رجل حمامة تلفكا، ويشد في طرف التلفك كتابا أكبر من ذلك، ويجعله بين يديه ويجعل العصفور بيد، ويأخذ غلاما له في السطح (٣) والحمامة بيد آخر فيه ما في تلك البطاقة الصغيرة، ويطلق الطائر العصفور، فينظر الناس الكتاب وهو طائر في الهواء، فيروح الحمام إلى تلك القرية فيأخذه صديقه الذي هناك، ثم يخبره بجميع أمور القرية وأصحابها، فلما يتكامل مجلسه بالناس يشير وينادي: يا بارش، كأنه يخاطب شيطانا اسمه بارش، ويقول: خذ هذا الكتاب الى قرية فلان فقد جزت بينهم خصومة، فاجتهد في إصلاح ذات بينهم، ويرفع صوته بذلك فيسرح غلامه المترصد العصفور الذي في يده، فيرفع الكتاب نحو السماء، بحضرة الجماعة يرونه عيانا من غير أن يروا التلفك فإذا ارتفع الكتاب جذبه الغلام المقيد بالعصفور وقطع التلفك حتى لا يرى، ويرسل العصفور إلى تلك القرية ليصلح الأمر، وكذلك يفعل بالحمامة، ثم يقول لغلامه: هات الكتاب، فيلقيه الغلام الذي في السطح الذي قد جاءه خبر ما في القرية التي هؤلاء منها، ثم يكتب كتابا إلى دهقان (٤) تلك القرية فيشد به تلفكا، ويجعله في رجل عصفور كما قدمنا، ويطلقه حتى يعلو سطح المكان، فيأخذه ذلك الغلام فيشدة في رجل طير حمام، فيروح إلى تلك القرية بذلك الكتاب، فيصلح بين الناس الذين قد أتاه خبرهم بالمشاجرة، فتخرج الجماعة الذين من تلك القرية فيجدون كتاب الشيخ قد وصل لهم، وقد اجتمع دهاقين القرية وأصلحوا بينهم، فيجيء ذلك فيخبرهم فلا يشكون في ذلك أنه يعلم الغيب، ويتحقق هذا في قلوب العوام.

стр. 433

قال ابن عقيل: وإنما أوردت مثل هذا ليعلم أنه قد ارتفع القوم إلى التلاعب بالدين، فأي بقاء للشريعة مع هذا الحال. قلت: وابن الشباس هذا كان يكنى أبا عبد الله، والشباس هو أبوه كان يكنى أبا الحسن، واسم الشباس علي بن الحسين بن محمد البغدادي، توفي بالبصرة سنة أربع وأربعين وأربع مائة، وكان الشباس وأبوه وعمه مستقرين بالبصرة، وكانت مذاهبهم تخفى على الناس الا أن الاغلب انهم كانوا من الشيعة الامامية والغلاة الباطنية، وقد ذكرت في «التاريخ» عن ابن الشباس أن بعض اصحابه انكشفت له نار بخيانته وزخارفه، وكانت تخفى على الناس الى أن كشفها بعض أصحابه من الشيعة الامامية الباطنية للناس، فلما كشفها للناس وبينها، فكان مما حدث به عنه أنه قال: حضرنا يوما عنده فأخرج جديا مشويا، فأمرنا بأكله وأن نكسر عظمه ولا نهشمها، فلما فرغنا أمر بردها إلى التنور، وترك على التنور طبقا، ثم رفعه بعد ساعة، فوجدنا جديا حيا يرعى حشيشا، ولم نر للنار أثرا ولا للرماد ولا للعظام خبرا، قال: فتلطفت حتى عرفت ذلك، وذلك أن التنور يفضي إلى سرداب وبينهما طبق نحاس بلولب، فإذا أراد إزالة النار عنه فركه، فينزل عليه فيسده، وينفتح السرداب، وإذ أراد أن يظهر النسار أعاد الطبق إلى فم السرداب فترى للناس. قال المصنف ﵀: وقد رأينا في زماننا من يشير إلى الملائكة ويقول: هؤلاء ضيف مكرمون، يوهم أن الملائكة قد حضرت، ويقول لهم: تقدموا إلى. وأخذ رجل في زماننا إبريقا جديدا، فترك فيه عسلا، فتشرب في الخزف طعم العسل، واستصحب الإبريق في سفره، فكان إذا غرف به الماء من النهر وسقى أصحابه وجدوا طعم العسل، وما في هؤلاء من يعرف الله ولا يخاف في الله لومة لائم نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 434

الباب الثاني عشر في ذكر تلبيس إبليس على العوام قد بينا أن إبليس إنما يقوى تلبيسه على قدر قوة الجهل، وقد افتن (١) فيما فتن به العوام، وحصر ما فتنهم ولبس عليهم فيه لا يمكن ذكره لكثرته، وإنما نذكر من الأمهات ما يستدل به على جنسه، والله الموفق. فمن ذلك أنه يأتي إلى العامي فيحمله على التفكر في ذات الله وصفاته، فيتشكك. وقد أخبر رسول الله ﷺ عن ذلك فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تسألون حتى تقولوا: هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟» (٢). قال أبو هريرة: فوالله إني لجالس يوما إذ قال لي رجل من أهل العراق: هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة: فجعلت أصبعي في أذني ثم صحت: صدق رسول الله، الله الواحد الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. و باسناد عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق السموات والأرض؟ فيقول: الله، فيقول من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله» (٣). قال المصنف ﵀: وإنما وقعت هذه المحنة لغلبة الحس، وهو أنه ما رأى شيئا إلا مفعولا. وليقل لهذا العامي: ألست تعلم أنه خلق الزمان لا في الزمان والمكان لا في المكان، فإذا كانت هذه الأرض وما فيها لا في مكان ولا تحتها شيء وحسك ينفر من هذا، لأنه ما ألف شيئا إلا في مكان فلا يطلب بالحس من لا يعرف بالحس. وشاور عقلك فإنه سليم المشاورة. وتارة يلبس إبليس على العوام عند سماع صفات الله ، فيحملونها على مقتضى الحس، فيعتقدون التشبيه. وتارة يلبس عليهم من جهة العصبية للمذاهب، فترى العامي يلاعن ويقاتل في أمر لا يعرف حقيقته. فمنهم من يخص بعصبيته أبا بكر ﵁ ومنهم من يخص عليا.

стр. 435

وكم قد جرى في هذا من الحروب، وقد جرى فى هذا بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة على ممر السنين من القتل وإحراق المحال ما يطول ذكره. وترى كثيرا ممن يخاصم في هذا يلبس الحرير ويشرب الخمر ويقتل النفس وأبو بكر وعلي بريئان منهم. وقد يحس العامي في نفسه نوع فهم فيسول له إبليس مخاصمة ربه، فمنهم من يقول لربه كيف قضى وعاقب ومنهم من يقول لم ضيق رزق المتقي وأوسع على العاصي؟ ومنهم طائفة تشكر على النعم، فإذا جاء البلاء أعترض وكفر. ومنهم من يقول: أي حكمة في هدم هذه الأجساد يعذبها بالفناء بعد بنائها ومنهم من يستبعد البعث ومن هؤلاء من يختل عليه مقصوده أو يبتلى ببلاء فيكفر، ويقول: أنا ما أريد أصلي. وربما غلب فاجر نصراني مؤمنا فقتله أو ضربه، فيقول العوام: قد غلب الصليب ولماذا نصلي إذا كان الأمر كذلك. وكل هذه الآفات تمكن بها منهم إبليس لبعدهم عن العلم والعلماء، فلو أنهم استفهموا أهل العلم لأخبروهم أن الله حكيم ومالك فلا يبقى مع هذا اعتراض فصل ومن العوام من يرضى عن عقل نفسه فلا يبالي بمخالفة العلماء، فمتى خالفت فتواهم غرضه أخذ يرد عليهم ويقدح فيهم. وقد كان ابن عقيل يقول: قد عشت هذه السنين فلو أدخلت يدي في صنعة صانع لقال أفسدتها علي، فلو قلت: أنا رجل عالم لقال: شارك الله لك في علمك ليس هذا من شغلك … هذا، وشغله أمر حسي لو تعاطيته فهمته، والذي أنا فيه من الأمور أمر عقلي، فإذا أفتيته لم يقبل. فصل ومن تلبيسه عليهم تقديمهم المتزهدين على العلماء، فلو رأوا جبة صوف على أجهل الناس عظموه، خصوصا إذا طأطأ رأسه وتخشع لهم، ويقولون: أين هذا من فلان العالم، ذاك طالب الدنيا وهذا زاهد لا يأكل عنبة ولا رطبة ولا يتزوج قط، جهلا منهم بفضل العالم على الزاهد، وايثارا للمتزهدين على شريعة محمد بن عبد الله ﷺ ، ومن نعمة الله على هؤلاء أنهم لم يدركوا رسول الله ﷺ ، إذ لو رأوه يكثر التزويج ويصطفى (١) السبايا ويأكل لحم

стр. 436

الدجاج (١) ويحب الحلوى والعسل (٢) ولم يعظم في صدورهم، فصل ومن تلبيسه عليهم قدحهم في العلماء بتناول المباحات، وذلك من أقبح الجهل. وأكثر ميلهم إلى الغرباء، فهم يؤثرون الغريب على أهل بلدهم ممن قد خبروا أمره وعرفوا عقيدته، فيميلون إلى الغريب ولعله من الباطنية. وإنما ينبغي تسليم النفوس إلى من خبرت معرفته، قال الله : ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (النساء: ٦). ومن الله سبحانه في إرسال محمد ﷺ إلى الخلق بأنهم يعرفون حاله، فقال : ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم﴾ (آل عمران: ١٦٤). وقال: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (البقرة: ١٤٦). فصل وقد يخرج بالعوام تعظيم المتزهدين إلى قبول دعاويهم وإن خرقوا الشريعة وخرجوا عن حدودها. فترى المتنمس (٣) يقول للعامي: أنت فعلت بالأمس كذا، وسيجري عليك كذا فيصدقه. ويقول: هذا يتكلم على الخاطر ولا يعلم أن ادعاء الغيب كفر. ثم يرون من هؤلاء المتنمسين أمورا لا تحل، كمؤاخاة النساء والخلوة بهن، ولا ينكرون ذلك تسليما لهم أحوالهم (٤). فصل ومن تلبيسه على العوام اطلاقهم أنفسهم في المعاصي، فإذا وبخوا تكلموا كلام الزنادقة. فمنهم من يقول: لا اترك نقدا لنسيئة (٥). ولو

стр. 437

فهموا العلموا أن هذا ليس بنقد لأنه محرم، وإنما يخير بين النقد والنسيئة المباحين فمثلهم كمثل محموم جاهل يأكل العسل، فإذا عوتب، قال: الشهوة نقد والعافية نسيئة. ثم لو عملوا حقيقة الإيمان لعلموا أن تلك النسيئة وعد صادق لا يخلف. ولو علموا عمل التجار الذين يخاطرون بكثير من المال لما يرجونه من الربح القليل العلموا أن ما تركوه قليل، وما يرجونه كثير. ولو أنهم ميزوا بين ما آثروا وما أفاتوا أنفسهم لرأوا تعجيل ما تعجلوا، إذ فاتهم الربح الدائم وأوقعهم في العذاب الذي هو الخسران المبين الذي لا يتلافى (١) ومنهم من يقول: الرب كريم، والعفو واسع والرجاء من الدين. فيسمون تمنيهم واغترارهم رجاء، وهذا الذى هلك عامة المذنبين. قال أبو عمرو بن العلاء: بلغنى ان الفرزدق جلس الى قوم يتذاكرون رحمة الله، فكان أوسعهم في الرجاء صدرا. فقالوا له: لم تقذف المحصنات!؟ فقال: أخبروني لو اذنبت الى والدى ما أذنبته إلى ربي أتراهما كانا يطيبان نفسا أن يقذفاني في تنور مملوءا جمرا؟ قالوا: لا إنما كانا يرحمانك، قال: فأني أوثق برحمة ربي منهما. قلت: وهذا هو الجهل المحض، لأن رحمة الله ليست برقة طبع، ولو كانت كذلك لما ذبح عصفور ولا أميت طفل ولا أدخل أحد إلى جهنم. وباسناد عن عباد، قال: قال الأصمعي: كنت مع أبي نواس بمكة، فماذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود، فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبله عند الحجر الأسود، فقلت: ويلك أتق الله ، فإنك ببلد حرام وعند بيته الحرام، فقال: ما منه بد، ثم دنا من الحجر فجاء الغلام يستلمه، فبادر أبو نواس فوضع خده على خد الغلام فقبله - وأنا أنظر - فقلت: ويلك أفي حرم الله ؟! فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم، ثم أنشد يقول: وعاشقان التف خداهما … عند استلام الحجر الأسود فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنما كانا على موعد قلت: أنظروا إلى هذه الجرأة التي نظر فيها الى الرحمة، ونسى شدة

стр. 438

العقاب بانتهاك تلك الحرمة، وقد ذكرنا في أول الكتاب هذا أن رجلا زبى بامرأة في الكعبة فمسخا حجرين (١) ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته، فقالوا له: تب إلى الله ، فقال: ااى تخوفون؟! حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي شفاعة واني اختبأت شفاعت لأهل الكبائر من أمتي» (٢) أفترى لا أكون أنا منهم؟! قال المصنف ﵀: وخطأ هذا الرجل من وجهين: أحدهما - أنه نظر الى جانب الرحمة ولم ينظر إلى جانب العقاب. والثاني - أنه نسي أن الرحمة انما تكون للتائب كما قال : ﴿وإني لغفار لمن تاب (طه: ٨٢)﴾ وقال: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ (الاعراف: ١٥٦) وهذا التلبيس هو الذى يهلك عامة العوام، وقد كشفناه في ذكر أهل الاباحة. فصل و من العوام من يقول: هؤلاء العلماء ما يحافظون على الحدود، فلان يفعل كذا وفلان يفعل كذا، فأمري أنا قريب. وكشف هذا التلبيس أن الجاهل والعالم في باب التكليف سواء، فغلبة الهوى للعالم لا يكون عذرا للجاهل. وبعضهم يقول: ما قدر ذنبي حتى اعاقب - ومن انا حتى أواخذ، وذنبي لا يضرة، وطاعتي لا تنفعه، وعفوه أعظم من جرمي كما قال قائلهم: من أنا عند الله حتى إذا … أذنبت لا يغفر لي ذنبي وهذه حماقة عظيمة، كأنهم اعتقدوا أنه لا يؤاخذ إلا ضدا أو ندا (٣). ثم ما علموا أنه بالمخالفة قد صاروا في مقام معاند. وسمع ابن عقيل ﵀ رجلا يقول: من أنا حتى يعاقبني الله؟! فقال له: أنت الذي لو أمات الله

стр. 439

جميع الخلائق وبقيت أنت لكان قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ خطابا لك. ومنهم من يقول: سأتوب وأصلح، وكم من أبله ساكن (١) الامل فاختطفه الموت قبله، وليس من الحزم تعجيل الخطأ وانتظار الصواب. وربما لم تتهيأ التوبة وربما لم تصح، وربما لم تقبل، ثم لو قبلت بقى الحياء من الجناية أبدا. فمرارة خاطر المعصية حتى تذهب أسهل من معاناة التوبة حتى تقبل. ومنهم من يتوب ثم ينقض (٢) فيلج عليه إبليس بالمكائد لعلمه بضعف عزمه. وبإسناد عن الحسن أنه قال: إذا نظر إليك الشيطان ورآك على غير طاعة الله تعالى فنعاك (٣)، وإذا رآك مواوما على طاعة الله ملك ورفضك، وإذا رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك. فصل ومن تلبيسه عليهم أن يكون لأحدهم نسب معروف فيغتر بنسبه فيقول: أنا من أولاد أبى بكر، وهذا يقول: أنا من أولاد علي، وهذا يقول: أنا شريف من أولاد الحسن أو الحسين، أو يقول: أنا قريب النسب من فلان العالم أو من فلان الزاهد. وهؤلاء يبنون أمرهم على أمرين: أحدهما - أنهم يقولون: من أحب إنسانا أحب أولاده وأهله. والثاني - أن هؤلاء لهم شفاعة وأحق من شفعوا فيه أهلهم وأولادهم. وكلا الأمرين غلط. أما المحبة فليست محبة الله كمحبة الادميين، وإنما يحب من أطاعه، فإن أهل الكتاب من أولاد يعقوب لم ينتفعوا بآبائهم، ولو كانت محبة الاب تسرى لسرى إلى البعض أيضا. وأما الشفاعة فقد قال الله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (الانبياء: ٢٨). ولما أراد نوح حمل ابنه في السفينة قيل له: «انه ليس من أهلك» (هود: ٤٦) ولم يشفع إبراهيم في أبيه ولا نبينا في امه، وقد

стр. 440

قال ﷺ لفاطمة ﵂: «لا أغني عنك من الله شيئا» ومن ظن أنه ينجو بنجاة أبيه كان كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه. فصل ومن تلبيسه عليهم أن يعتمد أحدهم على خلة (١) خير، ولا يبالي بما فعل بعدها. فمنهم من يقول: أنا من أهل السنة وأهل السنة على خير، ثم لا يتحاشى عن المعاصي. وكشف هذا التلبيس أن يقال له: إن الاعتقاد فرض والكف عن المعاصي فرض آخر، فلا يكفي أحدهما عن صاحبه وكذلك تقول الروافض: نحن يدفع عنا موالاة أهل البيت، وكذبوا فإنه إنما يدفع التقوى. ومنهم من يقول: أنا ألازم الجماعة وأفعل الخير، وهذا يدفع عنى، وجوابه كجواب الاول فصل ومن هذا الفن تلبيسه على العيارين (٢) في أخذ أموال الناس، فإنهم يسمون بالفتيان، ويقولون: الفتى لا يزني ولا يكذب ويحفظ الحرم ولا يهتك ستر امرأة، ومع هذا لا يتحاشون من أخذ أموال الناس، وينسون تقلى (٣) الأكباد على الأموال ويسمون طريقتهم الفتوة. وربما حلف أحدهم بحق الفتوة فلم يأكل ولم يشرب، ويجعلون إلباس السراويل للداخل في مذهبهم كإلباس الصوفية للمريد المرقعة. وربما يسمع أحد هؤلاء عن أبنته أو أخته كلمة وزر لا تصح، وربما كانت من محرض فيقتلها، ويدعون أن هذه فتوة. وربما أفتخر أحدهم بالصبر على الضرب وبإسناد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه كان يقول: كنت كثيرا أسمع والدى احمد بن حنبل يقول: رحم الله أبا الهيثم: فقلت: من أبو الهيثم؟! فقال: أبو الهيثم الحداد لما مددت يدي إلى العقاب وأخرجت للسياط، إذا أنا بانسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار (٤) مكتوب في ديوان

стр. 441

أمير المؤمنين أنى ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فأصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين. قلت: أبو الهيثم هذا يقال له: خالد الحداد، وكان يضرب المثل بصبره. وقال له المتوكل: ما بلغ من جلدك، قال: املأ لى جراب عقارب، ثم أدخل يدي فيه، وأنه ليؤلمني ما يؤلمك وأجد لآخر سوط من الألم ما أجد لأول سوط، ولو وضعت في فمي خرقة وأنا أضرب لاحترقت من حرارة ما يخرج من جوفي، ولكنني وطنت نفسي على الصبر. فقال له الفتح: ويحك مع هذا اللسان، والعقل ما يدعوك إلى ما أنت عليه من الباطل، فقال: أحب الرياسة، فقال المتوكل: نحن خليديه (١)، وقال الفتح: أنا خليدي، وقال رجل لخالد: يا خالد ما أنتم لحوم ودماء فيؤلمكم الضرب؟ فقال: بلى يؤلمنا، ولكن معنا عزيمة صبر ليست لكم. وقال داود بن علي: لما قدم بخالد اشتهيت أن أراه فمضيت إليه فوجدته جالسا غير متمكن الذهاب لحم إليتيه من الضرب، وإذا حوله فتيان فجعلوا يقولون: ضرب فلان، وفعل بفلان كذا، فقال لهم: لا تتحدثون عن غيركم افعلوا أنتم حتى يتحدث عنكم غيركم. قال المصنف ﵀: فانظروا إلى الشيطان كيف يتلاعب بهؤلاء، فيصبرون على شدة الألم ليحصل لهم الذكر، ولو صبروا على يسير التقوى لحصل لهم الأجر. والعجب أنهم يظنون لحالهم مرتبة وفضيلة مع ارتكاب العظائم. فصل ومن العوام من يعتمد على نافلة ويضيع فرائض، مثل أن يحضر المسجد قبل الاذان ويتنقل، فإذا صلى مأموما سابق الإمام. ومنهم من لا يحضر في أوقات الفرائض ويزاحم ليلة الرغائب (٢). ومنهم من يتعبد ويبكي وهو مصر على الفواحش لا يتركها، فإن قيل له، قال: سيئة وحسنة والله غفور رحيم. وجمهورهم يتعبد برأيه فيفسد أكثر مما يصلح. ورأيت

стр. 442

رجلا منهم قد حفظ القرآن وتزهد ثم جب نفسه (١) وهذا من أفحش الفواحش. فصل وقد لبس إبليس على خلق كثير من العوام يحضرون مجالس الذكر، ويبكون ويكتفون بذلك ظنا منهم أن المقصود الحضور والبكاء، لانهم يسمعون فضل الحضور في مجالس الذكر. ولو علموا أن المقصود إنما هو العمل، وإذا لم يعمل بما يسمع كان زيادة في الحجة عليه. وأني لأعرف خلقا يحضرون المجلس منذ سنين ويبكون ويخشعون، ولا يتغير أحدهم عما قد اعتاده من المعاملة في الربا والغش في البيع والجهل بأركان الصلاة والغيبة للمسلمين والعقوق للوالدين. وهؤلاء قد لبس عليهم إبليس فأراهم أن حضور المجلس والبكاء يدفع عنه ما يلابس (٢) من الذنوب وأرى بعضهم أن مجالسة العلماء والصالحين يدفع عنكم. وشغل آخرين بالتسويف بالتوبة فطال عليهم مطالهم، وأقام قوما منهم للتفرج (٣) فيما يسمعونه وأهملوا العمل به فصل وقد لبس ابليس على أصحاب الاموال من أربعة أوجه: أحدها - من جهة كسبها، فلا يبالون كيف حصلت، وقد فشا الربا في أكثر معاملاتهم، وأنسوه حتى أن جمهور (٤) معاملاتهم خارجة عن الإجماع. وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال من حلال أو حرام» (٥). والثاني - من جهة البخل بها، فمنهم من لا يخرج الزكاة أصلا اتكالا على العفو، ومنهم من يخرج بعضها ثم يغلبه البخل فينظر أن المخرج يدفع عنه. ومنهم من يحتال لإسقاطها مثل أن يهب المال قبل الحلول ثم يسترده.

стр. 443

ومنهم من يحتال بإعطاء الفقير ثوبا يقومه عليه بعشرة دنانير، وهو يساوي دينارين، ويظن ذلك الجاهل أنه قد تخلص. ومنهم من يخرج الرديء مكان الجيد. ومنهم من يعطى الزكاة من يستخدمه (١) طول السنة فهي على الحقيقة أجره. ومنهم من يخرج الزكاة كما ينبغي، فيقول له إبليس: ما بقي عليك، فيمنعه أن يتنفل بصدقة حبا للمال فيفوته أجر المتصدقين، ويكون المال رزق (٢) غيره. وبإسناد عن الضحاك عن ابن عباس قال: أول ما ضرب الدرهم أخذه إبليس فقبله ووضعه على عينه وسرته، وقال: بك أطغى وبك أكفر، رضيت من ابن آدم بحبه الدينار من أن يعبدني. وعن الأعمش عن شقيق عن عبد الله، قال: إن الشيطان يريد الإنسان بكل ريد (٣) فإذا أعياه اضطجع في ماله، فيمنعه أن ينفق منه شيئا. والثالث - من حيث التكثير بالأموال، فإن الغني يرى نفسه خيرا من الفقير، وهذا جهل لأن الفضل بفضائل النفس اللازمة لها لا بجمع حجارة خارجة عنها كما قال الشاعر: غنى النفس لمن يعق … ل خير من غنى المال وفضل النفس في الانف … س ليس الفضل في الحال والرابع - في إنفاقها، فمنهم من ينفقها على وجه التبذير والإسراف، تارة في البنيان الزائد على مقدار الحاجة وتزويق الحيطان وزخرفة البيوت وعمل الصور. وتارة في اللباس الخارج بصاحبه إلى الكبر والخيلاء، وتارة في المطاعم الخارجة إلى السرف. وهذه الأفعال لا يسلم صاحبها من فعل محرم أو مكروه، وهو مسئول عن جميع ذلك. وبإسناد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبن آدم لا تزول قدماك يوم القيامة بين يدي الله حتى تسأل عن أربع: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين أنفقته (٤).

стр. 444

ومنهم من ينفق في بناء المساجد القناطر، إلا أنه يقصد الرياء والسمعة، وبقاء الذكر، فيكتب اسمه على ما بنى، ولو كان عمله لله لأكتفى بعلمه . ولو كلف أن يبني حائطا من غير أن يكتب أسمه عليه لم يفعل. ومن هذا الجنس إخراجهم الشمع في رمضان في الانوار طلبا للسمعة، ومساجدهم طول السنة مظلمة، لأن إخراجهم قليلا من دهن كل ليلة لا يؤثر في المدح ما يؤثر في إخراج شمعة في رمضان، ولقد كان أغناء الفقراء بثمن الشمع أولى ولربما خرجت الأضواء الكثيرة السرف الممنوع منه غير أن الرياء يعمل عمله. وقد كان أحمد بن حنبل يخرج إلى المسجد وفي يده سراج فيضعه ويصلي. ومنهم من إذا تصدق أعطى الفقير والناس يرونه، فيجمع بين قصده مدحهم وبين إذلال الفقير. وفيهم من يجعل الدنانير الخفاف، فيكون في الدينار قيراطان ونحو ذلك، وربما كانت رديئة فيتصدق بها بين الجمع مكشوفة، ليقال: قد أعطى فلان فلانا دينارا. وبالعكس من هذا كان جماعة الصالحين المتقدمين يجعلون في القرطاس الصغير دينارا ثقيلا يزيد وزنه على دينار ونصف، ويسلمونه إلى الفقير في سر، فإذا رأى قرطاسا صغيرا ظنه قطعة، فإذا لمسه وجد تدوير دينار ففرح، فإذا فتحه ظنه قليل الوزن، فإذا رآه ثقيلا ظنه يقارب الدينار، فإذا وزنه فرآه زائدا على الدينار اشتد فرحة، فالثواب يتضاعف للمعطى عند كل مرتبة. ومنهم من يتصدق على الأجانب ويترك بر الأقارب وهم أولى. وباسناد عن سلمان بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذوي الرحم اثنتان صدقة وصلة» (١). ومنهم من يعلم فضيلة التصدق على القرابة الا أنه يكون بينهما عداوة دنيوية فيمتنع من مواساته مع علمه بفقره، ولو واساه كان له أجر الصدقة والقرابة ومجاهدة الهوى.

стр. 445

وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : «ان أفضل الصدقة، الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (١). قال المصنف ﵀: وإنما قبلت هذه الصدقة وفضلت المخالفة الهوى، فإن من تصدق على ذي قرابة بحبة فقد نفق على هواه، ومنهم من يتصدق ويضيق على أهله في النفقة. وقد روى عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٢) وبإسناد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «تصدقوا، فقال رجل: عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك. قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عند دنار أخر قال: تصدق به على ولدك، قال: عندى دنار آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر به» (٣) ومنهم من ينفق في الحج ويلبس عليه إبليس بأن الحج قربة، وإنما مراده الرياء والفرجة (٤) ومدح الناس. قال رجل لبشر الحافي: أعددت ألفي درهم للحج، فقال: أحججت؟ قال: نعم، قال: اقض دين مدن، قال: ما تميل نفسي إلا إلى الحج، قال: مرادك أن تركب وتجيء ويقال فلان حاج ومنهم من ينفق على الأوقات والرقص ويرمي الثياب على المغني ويلبس عليه إبليس بأنك تجمع الفقراء وتطعمهم، وقد بينا أن ذلك مما يوجب فساد القلوب ومنهم من إذا جهز أبنته صاغ لها دست الفضة، ويرى الامر في ذلك

стр. 446

قربة، وربما كانت له ختمة فتقدم مجامر (١) الفضة، ويحضر هناك قوم من العلماء فلا هو يستعظم ما فعل ولا هم ينكرون اتباعا للعادة ومنهم من يجور في وصيته ويحرم الوارث، ويرى أنه ماله يتصرف فيه كيف شاء، وينسى أنه بالمرض قد تعلقت حقوق الوارثين به. وبإسناد عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من حاف عند الوصية قذف في الوباء» (٢). والوباء واد في جهنم وعن الأعمش عن خيثمة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان يقول: ما غلبني عليه ابن آدم فلن يغلبني على ثلاث: آمره بأخذ المال من غير حقه، وآمره با نفاقه في غير حقه، ومنعه من حقه» (٣). فصل وقد لبس إبليس على الفقراء، فمنهم من يظهر الفقر وهو غني، فإن أضاف إلى هذا السؤال والأخذ من الناس فإنما يستكثر من نار جهنم. أخبرنا ابن الحصين بإسناده عن محمد بن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقل منه أو ليستكثر (٤)». وإن لم يقبل هذا الرجل من الناس شيئا وكان مقصوده باظهار الفقر أن يقال: رجل زاهد فقد راعى، وإن كتم نعمة الله عنده ليظهر عليه الفقر لئلا ينفق ففي ضمن بخله الشكوى من الله. وقد ذكرنا فيما تقدم إن رسول الله ﷺ رأى رجلا بادى الهيئة، فقال: «هل لك من مال؟» قال: نعم، قال: «فلتر نعمة الله عليك» (٥). وإن كان فقيرا محقا فالمحتسب له كثمان الفقر واظهار

стр. 447

التجمل، فقد كان في السلف من يحمل مفتاحا يوهم أن له دارا ولا يبيت إلا في المساجد. فصل ومن تلبيس إبليس على الفقراء أنه يرى نفسه خيرا من الغني إذ قد زهد فيما رغب ذلك الغني فيه، وهذا غلط، وان الخيرية ليست بالوجود والعدم، وإنما هي بأمر وراء ذلك. فصل وقد لبس إبليس على جمهور العوام بالجريان مع العادات، وذلك من أكثر أسباب هلاكهم: فمن ذلك أنهم يقلدون الآباء والاسلاف في اعتقادهم على ما نشؤوا عليه من العادة، فترى الرجل منهم يعيش خمسين سنة على ما كان عليه أبوه ولا ينظر أكان على صواب أم على خطأ. ومن هذا تقليد اليهود والنصارى والجاهلية أسلافهم، وكذلك المسلمون يجرون في صلاتهم وعباداتهم مع العادة، فترى الرجل يعيش سنين يصلي على صورة ما رأى الناس يصلون، ولعله لا يقيم الفاتحة، ولا يدري ما الواجبات، ولا يسهل عليه أن يعرف ذلك هوانا بالدين، ولو أنه أراد تجارة لسأل قبل سفره عما ينفق في ذلك البلد. ثم ترى أحدهم يركع قبل الإمام ويسجد قبل الإمام، ولا يعلم أنه إذا ركع قبله فقد خالفه في ركن، فإذا رفع قبله فقد خالفه في ركنين فبطلت صلاته. وقد رأيت جماعة يسلمون عند تسليم الإمام وقد بقي عليهم من التشهد الواجب شيء، وذاك أمر لا يحمله الإمام، فتكون صلاته باطلة. وربما ترك أحدهم فريضة وزاد في نافلة. وربما أهمل غسل بعض العضو كالعقب، وربما كان في يده خاتم قد حصر الأصبع فلا يديره وقت الوضوء ولا يصل الماء إلى ما تحته فلا يصح وضوؤه. وأما بيعهم وشراؤهم فأكثر عقودهم فاسدة، ولا يتعرفون حكم الشرع فيها ولا يخف على أحدهم أن يقلد فقيها في رخصته استقلالا منهم للدخول تحت حكم الشريعة: وقل أن يبيعوا شيئا إلا وفيه غش ويغطيه عيب. والجلاء (١) يغطي عيوب الذهب الردئ حتى أن المرأة تضع الغزل في الانداء وتنديه (٢) ليثقل وزنه.

стр. 448

ومن جريانهم مع العادة أن أحدهم يتوانى في صلاته المفروضة في رمضان ويفطر على الحرام، ويغتاب الناس، وربما لو ضرب بالخشب لم يفطر في العادة لأن في العادة استبشاع الفطر. ومنهم من يدخل في الربا بالاستئجار فيقول: معي عشرون دينارا لا أملك غيرها، فان أنفقتها ذهبت، وأنا أستأجر (١) بها دارا وآكل أجرة الدار ظنا منه إن هذا الأمر قريب. ومنهم من يرهن الدار على شيء ويؤدى الربا، ويقول: هذا موضع ضرورة، وربما كانت له دار أخرى وفي بيته آلات لو باعها لاستغنى عن الرهن والاستئجار، ولكنه يخاف على جاهه أن يقال: قد باع داره أو أنه يستعمل الخزف مكان الصفر (٢). ومما جروا فيه على العادات اعتمادهم على قول الكاهن والمنجم والعراف، وقد شاع ذلك بين الناس واستمرت به عادات الأكابر، فقل أن ترى أحدا منهم يسافر أو يفصل ثوبا أو يحتجم إلا سأل المنجم وعمل بقوله. ولا تخلو دورهم من تقويم (٣)، وكم من دار لهم ليس فيها مصحف. وفي «الصحيح» عن النبى ﷺ انه سئل عن الكهان، فقال: «ليسوا بشيء». فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا، فقال رسول الله ﷺ : «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فينقرها في أذن وليه نقر الدجاجة في خلطون فيها أكثر من مائة كذبة» (٤). وفي «صحيح مسلم» عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة». وروى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ » (٥).

стр. 449

ومن جريانهم مع العادات كثرة الإيمان الحانثة التي أكثرها ظهار (١) وهم لا يعلمون، فأكثرهم قولهم في الايمان: حرام على ان بعث. ومن عاداتهم لبس الحرير والتختم بالذهب، وربما تورع أحدهم عن لبس الحرير ثم لبسه في وقت كالخطيب يوم الجمعة. ومن عاداتهم إهمال إنكار المنكر حتى أن الرجل يرى أخاه أو قريبه يشرب الخمر ويلبس الحرير فلا ينكر عليه ولا يتغير، بل يخالطه مخالطة حبيب. ومن عاداتهم أن يبني الرجل على باب داره مصطبة يضيق بها طريق المارة، وقد يجتمع على باب داره ماء مطر ويكثر فيجب عليه إزالته، وقد أثم بكونه كان سببا لأذى المسلمين. ومن عاداتهم دخول الحمام بلا مئزر، وفيهم من إذا دخل بمئزر رمى به على فخذيه فيرى جوانب اليتيه، ويسلم نفسه إلى المدلك فيرى بعض عورته، ويمسها بيده لأن العورة من السرة إلى الركبة، ثم ينظر هؤلاء إلى عورات الناس ولا يكاد يغض ولا ينكر. ومن عاداتهم ترك القيام بحق الزوجة، وربما اضطروها إلى أن تسقط مهرها، ويظن الزوج أنه قد تخلص بما قد اسقطته عنه. وقد يميل الرجل إلى إحدى زوجتيه دون الأخرى فيجوز في القسم (٢) متهاونا بذلك، ظنا أن الأمر فيه قريب. فقد روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من كانت له امرأتان يميل إلى احداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة يجر احدى شقيه ساقطا أو مائلا (٣)».

стр. 450

ومن عاداتهم اثبات الفلس (١) عند الحاكم ويعتقد الذي قد حكم له بالفلس أنه قد سقطت عنه بذلك الحقوق، وقد يوسر ولا يؤدي حقا. وفيهم من لا يقوم من دكانه بحجة الفلس إلا وقد جمع مالا من أموال المعاملين، فأضر به (٢) بنفقه في مدة استتاره وعنده أن الأمر في ذلك قريب. ومما جروا فيه على العادات أن الرجل يستأجر ليعمل طول النهار فيضيع كثيرا من الزمان، إما بالتثبط في العمل أو بالبطالة أو بإصلاح آلات العمل، مثل أن يحد النجار الفأس والشقاق المنشار ومثل هذا خيانة إلا أن يكون ذلك يسيرا قد جرت العادة بمثله. وقد يفوت أكثرهم الصلاة، ويقول: انا فى اجار رجل، ولا يدرى أن أوقات الصلاة لا تدخل في عقد الإجارة. وقلة نصحهم في أعمالهم كثيرة. ومما جروا فيه على العادة دفن الميت في التابوت وهذا فعل مكروه، وأما الكفن فلا يتباهى فيه بالمغالاة ينبغي أن يكون وسطا. ويدفنون معه جملة من الثياب، وهذا حرام، لأنه إضاعة للمال، ويقيمون النوح على الميت، وفي» صحيح مسلم «أن النبي ﷺ قال: «أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران و درع من جرب». ومن عاداتهم اللطم وتمزيق الثياب وخصوصا النساء. وفي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية». وربما رأوا المصاب قد شق ثوبه فلم ينكروا عليه، بل ربما أنكروا ترك شق الثوب، وقالوا: ما أثرت عنده المصيبة. ومن عاداتهم يلبسون بعد الميت الدون من الثياب (٣)، و يبقون على ذلك شهرا او سنة، وربما لم يناموا هذه المدة في سطح.

стр. 451

ومن عاداتهم زيارة المقابر في ليلة النصف من شعبان وايقاد النار عندها، وأخذ تراب القبر المعظم. وقال ابن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام (١) عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه من إيقاد النيران، وتقبيلها وتحليفها (٢)، وخطاب الموتى بالألواح، وكتب الرقاع فيها يا مولاي أفعل بي كذا وكذا، وأخذ التراب تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال اليها وإلقاء الخرق على الشجر أقتداء بمن عبد اللات والعزى، ولا تجد في هؤلاء من يحقق مسألة في زكاة، فيسأل عن حكم يلزمه، والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد (٣) الكهف ولم يتمسح بآجرة مسجد المأمونية يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته أبو بكر الصديق أو محمد وعلي، ولم يكن معها نياحة، ولم يقعد على أبيه أزجا (٤) بالجص والآجر، ولم يشق ثوبه إلى ذيله، ولم يرق ماء الورد على القبر، ويدفن معه ثيابه. فصل وأما تلبيس إبليس على النساء فكثير جدا، وقد أفردت كتابا للنساء ذكرت فيه ما يتعلق بهن من جميع العبادات وغيرها وأما تلبيس إبليس على النساء فكثير جدا، وقد أفردت كتابا للنساء ذكرت فيه ما يتعلق بهن من جميع العبادات وغيرها، وأنا أذكرها هنا كلمات من تلبيس إبليس عليهن. فمن ذلك أن المرأة تطهر من الحيض بعد الزوال، فتغتسل بعد العصر فتصلي العصر وحدها، وقد وجبت عليها الظهر وهي لا تعلم. وفيهن من تؤخر الغسل يومين وتحتج بغسل ثيابها وغسلهم ودخول الحمام. وقد تؤخر غسل الجنابة في الليل إلى أن تطلع الشمس. فإذا دخلت الحمام لم تتزر بمئزر (٥)، وتقول: ما تدخل إلي إلا القيمة (٦). وربما قالت: أنا وأختي وأمى وجاريتي وهن نساء مثلى

стр. 452

فممن أستتر؟ وهذا كله حرام. فإن تأخير الغسل من غير عذر لا يجوز، ولا يحل للمرأة أن تنظر من المرأة ما بين سرتها وركبتها، ولو كانت ابنتها وأمها إلا أن تكون البنت صغيرة، فإذا بلغت سبع سنين استترت واستتر منها. وقد تصلي المرأة قاعدة وهي تقدر على القيام، فالصلاة حينئذ باطلة. وقد تحتج بنجاسة في ثوبها من بول طفلها وهي تقدر على غسله، ولو أرادت الخروج إلى الطريق لتهيأت واستعارت، وإنما هان عندها أمر الصلاة، وقد لا تعرف من واجبات الصلاة شيئا ولا تسأل. وقد ينكشف من الحرة ما يبطل صلاتها وتستهين به. وقد تستهين المرأة بإسقاط الحمل، ولا تدري أنها إذا أسقطت ما قد نفخ فيه الروح فقد قتلت مسلما. وقد تستهين بالكفارة الواجبة عليها عند ذلك الفعل، فإنه يجب عليها أن تتوب وتؤدي ديته إلى ورثته، وهي غرة (١) عبد أو أمة قيمتها نصف عشر دية أبيه أو عشر ديه الأم ولا ترث الأم من ذلك شيئا ثم تعتق رقبة، فان لم تجد صامت شهرين متتابعين. وقد تسيء الزوجة عشرتها مع الزوج، وربما كلمته بالمكروه، وتقول: ما خرجت في معصية، ولا تعلم أن خروجها بغير إذنه معصية. ثم نفس خروجها لا يؤمن منه فتنة. وفيهن من تلازم القبور وتحد لا على الزوج، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله ورسوله أن تحد على ميت إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» (٢). ومنهم من يدعوها زوجها إلى فراشه فتأبي، وتظن هذا الخلاف ليس بمعصية، وهي منهية عنه لما روى أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فباتت وهو عليها ساخط لعنتها الملائكة حتى تصبح». أخرجاه في الصحيحين». وقد تفرط المرأة في مال زوجها ولا يحل لها أن تخرج من بيته شيئا إلا أن يأذن لها أو تعلم رضاه. وقد تعطي من ينجم لها بالحصى ويسحر، ومن

стр. 453

تعمل لها نسخة محبة وعقد لسان وكل هذا حرام. وقد تستجيز ثقب آذان الاطفال وهو حرام، فان أفلحت وحضرت مجلس الواعظ فربما لبست خرقة من يد الشيخ الصوفي وتصافحه، فصارت من بنات المنبر فخرجت إلى عجائب. وينبغي أن تكف عنان العلم اقتصارا على هذه النبذة، فأن هذا الأمر يطول، ولو بسطنا النبذ المذكورة في هذا الكتاب أو شيدنا ردنا على من رددنا عليه بالأحاديث والآثار لاجتمعت مجلدات، وإنما ذكرنا اليسير ليدل على الكثير، وقد اقتنعنا في ذكر فاحش القبيح من أفعال الغالطين بنفس حكايته دون تعاطي رده، لأن الأمر فيه ظاهر، والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا لصالح القول والعمل بمنة وكرمه.

стр. 454

الباب الثالث عشر في ذكر تلبيس إبليس على جميع الناس بطول الأمل قال المصنف ﵀: كم قد خطر على قلب يهودي و نصراني حب الإسلام، فلا يزال إبليس يثبطه ويقول: لا تعجل وتمهل في النظر، فيسوفه حتى يموت على كفره، وكذلك يسوف (١) العاصي بالتوبة فيجعل له غرضه من الشهوات، ويمنيه الإنابة كما قال الشاعر: لا تعجل الذنب لما تشتهى … وتأمل التوبة من قابل وكم من عازم على الجد سوفه، وكم ساع الى مقام فضيلة ثبطه. فلربما عزم الفقيه على إعاده درسه فقال: استرح ساعة، أو انتبه العابد في الليل يصلي، فقال له: عليك وقت. ولا يزال يحبب الكسل ويسوف العمل ويسند الأمر إلى طول الأمل، فينبغي للحازم أن يعمل على الحزم، والحزم تدارك الوقت وترك التسويف والاعراض عن الأمل، فإن المخوف (٢) لا يؤمن والفوات لا يبعث (٣)، وسبب كل تقصير في خير، أو ميل الى شر طول الأمل، فان الإنسان لا يزال يحدث نفسه بالنزوع عن الشر والاقبال على الخير، الا انه يعد نفسه بذلك، ولا ريب أنه من أمل أن يمشي بالنهار سار سيرا فاترا. ومن أمل أن يصبح عمل في الليل عملا ضعيفا، ومن صور الموت عاجلا جد، وقد قال ﷺ : «صل صلاة مودع» (٤). وقال بعض السلف: أنذركم «سوف» فانما أكبر جنود إبليس. ومثل العامل على الحزم والساكن لطول الامل، كمثل قوم في سفر فدخلوا قرية، فمضى الحازم فاشترى ما يصلح لتمام سفره وجلس متأهبا للرحيل، وقال المفرط: سأتأهب، فربما أقمنا شهرا. فضرب بوق

стр. 455

الرحيل في الحال فاغتبط المحترز (١) واغتبط (٢) الآسف المفرط، فهذا مثل الناس في الدنيا منهم المستعد المستيقظ، فإذا جاء ملك الموت لم يندم ومنهم المغرور المسوف يتجرع مرير الندم وقت الرحلة، فإذا كان في الطبع حب التواني وطول الأمل، ثم جاء إبليس يحث على العمل بمقتضى ما في الطبع صعبت المجاهدة، إلا أنه من أنتبه لنفسه علم أنه في صف حرب، وأن عدوه لا يفتر عنه فان فتر في الظاهر بطن له مكيدة وأقام له كمينا. ونحن نسأل الله السلامة من كيد العدو وفتن الشيطان وشر النفوس والدنيا، انه قريب مجيب. جعلنا الله من أولئك المؤمنين تم - بعون الله تعالى وتوفيقه - طبع كتاب (تلبس إبليس) للامام ابي الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى رحمه الله تعالى. والحمد لله أولا وآخرا وبه الثقة والتوفيق وهو المستعان المعين