أكون أنا هناك. ففعل بي ذلك وأقامني وزيني (١) ورفعني. ثم قال:
أخرج إلى خلقي فخطوت من عنده خطوة إلى الخلق خارجا فلما كان من الخطوة الثانية غشي علي فنادى: ردوا حبيبي فإنه لا يصبر عني ساعة.
أنبأنا ابن ناصر، نا السهلكي، قال: سمعت محمد بن إبراهيم الواعظ، يقول: سمعت محمد بن محمد الفقيه، يقول: سمعت أحمد بن محمد الصوفي، يقول: سمعت أبا موسى يقول: حكي عن أبي يزيد أنه قال:
أراد موسى ﵊ أن يرى الله تعالى، وأنا ما أردت أن أرى الله تعالى، هو أراد أن يراني.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق الحيري، ثنا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا أبو الطيب بن الفرغاني، قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: دخل علي أمس رجل من أهل بسطام، فذكر أنه سمع أبا يزيد البسطامي يقول: اللهم إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري.
قال المصنف ﵀: أما ما تقدم من دعاويه فما يخفى قبحها. وأما هذا القول فخطأ من ثلاثة أوجه:
أحدها - أنه قال: إن كان في سابق علمك وقد علمنا قطعا أنه لا بد من تعذيب خلق بالنار، وقد سمى الله منهم خلقا، كفرعون وأبي لهب، فكيف يجوز أن يقال بعد القطع واليقين: إن كان.
والثاني - قوله: فعظم خلقي، فلو قال: لأدفع عن المؤمنين ولكنه قال: حتى لا تسع غيري، فاشفق على الكفار أيضا، وهذا تعاط على رحمة الله .
والثالث - أن يكون جاهلا بقدر هذه النار أو واثقا من نفسه بالصبر، وكلا الأمرين معدوم عنده.
قلت: ثم قال: والله لقد تكلمت أمس مع الخضر في هذه المسألة، وكانت الملائكة يستحسنون قولي، والله يسمع كلامي فلم يعب علي ولو عاب لاخرسني.
стр. 387
عبات القلت: لولا أن هذا الرجل قد نسب إلى التغير (١) لكان ينبغي أن يرد عليه. وأين الخضر، ومن أين له أن الملائكة تستحسن قوله. وكم من قول معيب لم يعاجل صاحبه بالعقوبة. وقد بلغني عن ميمون عبده، قال: بلغني عن سمنون المحب أنه كان يسمي نفسه الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها:
وليس لى في سواك حظ … فكيفما شئت فامتحني
فابتلي بحبس البول فلم يقر له قرار (٢)، فكان بعد ذلك يطوف على المكاتب وبيده قارورة يقطر منها بوله، ويقول للصبيان: ادعو لعمكم الكذاب
قال المصنف ﵀: إنه ليقشعر جلدى من هذه، أتراه علام يتقاوى؟ وإنما هذه ثمرة الجهل بالله ولو عرفه لم يسأله إلا العافية. وقد قال: من عرف الله كل لسانه.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت محمد بن داود الجوزجاني يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء، يقول: كنت أرد هذه الكرامات، حتى حدثني الثقة عن أبي الحسين النوري وسألته فقال: كذا كان. قال: كنا في سميرية (٣) في دجلة، فقالوا لأبي الحسين: أخرج لنا من دجلة سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي، فحرك شفتيه، فإذا سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي ظهرت من الماء حتى وقعت في السميرية، فقيل لأبي الحسين: سألناك بالله إلا أخبرتنا بماذا دعوت؟ فقال: قلت: وعزتك لئن لم تخرج من الماء حوتا فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي لأغرقن نفسي في دجلة.
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، قال: أخبرني عبد الصمد بن محمد الخطيب، ثنا الحسن بن الحسين الهمداني، قال: سمعت جعفرا الخلدى، يقول: سمعت الجنيد، يقول: سمعت النوري يقول: كنت بالرقة فجاءني المريدون الذين كانوا بها، وقالوا: نخرج ونصطاد السمك، فقالوا لي: يا أبا الحسين هات من عبادتك واجتهادك وما أنت
стр. 388
عليه من الاجتهاد سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص، فقلت لمولاي: إن لم تخرج إلى الساعة سمكة فيها ما قد ذكروا لأرمين بنفسي في الفرات، فأخرجت سمكة فوزنتها فإذا فيها ثلاثة أرطال لا زيادة ولا نقصان. قال الجنيد: فقلت له: يا أبا الحسين لو لم تخرج كنت ترم بنفسك؟ قال: نعم.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، نا أبو يعقوب الخراط، قال: قال لي أبو الحسين النوري: كان في نفسي من هذه الكرامات شيء، وأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين، وقلت: وعزتك لئن لم تخرج لى سمكة فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص لا آكل شيئا، قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه.
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول: سمعت الرقي، يقول: سمعت علي بن محمد بن أبان، قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: أكبر ذنبي إليه معرفتي إياه.
قال المصنف ﵀: هذا إن حمل على معنى أني لما عرفته لم أعمل بمقتضى معرفته، فعظم ذنبي كما يعظم جرم من علم وعصى وإلا فهو قبيح
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثني أحمد الحلفاوى، قال: سمعت الشبلي يقول: أحبك الخلق لنعمائك وأنا … أحبك لبلائك.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب، وأخبرنا أبو الوقت، نا احمد بن اب نصر، نا الحسن بن محمد بن فوري، قالا: نا عبد الله بن علي السراج، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد الهمداني، يقول: دخلت على الشبلي فلما قمت لأخرج كان يقول لي ولمن معى إلى أن خرجنا من الدار: مروا أنا معكم حيث ما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي.
نا محمد بن ناصر، نا أبو عبد الله الحميدي، نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني، نا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت منصور بن
стр. 389
عبد الله، يقول: دخل قوم على الشبلي في مرض موته الذي مات فيه، فقالوا له: كيف تجدك؟ فأنشأ يقول:
إن سلطان حبه … قال: لا أقبل الرشا
فسلوه فديته … ما لقتلي تحرشا
قال ابن عقيل: وقد حكي عن الشبلي أنه قال: أن الله ، قال ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (الضحى: ٥)، والله لارضى محمد ﷺ وفي النار من أمته أحد. ثم قال: إن محمدا يشفع في امته وانا أشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد.
قال ابن عقيل: والدعوى الأولى على النبي ﷺ كاذبة، فإن النبي ﷺ يرضى بعذاب الفجار، كيف وقد لعن في الخمر عشرة (١). فدعوى أنه لا يرضى بتعذيب الله للفجار دعوى باطلة وإقدام على جهل بحكم الشرع. ودعواه بأنه من أهل الشفاعة في الكل وأنه يزيد على محمد ﷺ كفر، لأن الإنسان متى قطع لنفسه بأنه من أهل الجنة، كان من أهل النار، فكيف وهو يشهد لنفسه بأنه على مقام يزيد على مقام النبوة بل يزيد على المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى.
قال ابن عقيل: والذي يمكنني في حق أهل البدع لساني وقلبي، ولو اتسعت قدرتي في السيف لرويت الثرى من دماء خلق.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد، ثنا أبو طاهر محمد بن على العلاف، سمعت أبا الحسن بن سمعون، سمعت أبأاأ أعبد الله العلقي صاحب أبي العباس بن عطاء، سمعت أبا العباس بن عطاء، يقول: قرأت القرآن فما رأيت الله ذكر عبدا فأثنى عليه حتى أبتلاه، فسألت الله تعالى أن يبتليني، فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيف وعشرون ميتا ما رجع منهم أحد. قال: وذهب ماله، وذهب.
стр. 390
عقله، وذهب ولده وأهله، فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو نحوها، وكان أول شيء قاله بعد صحوه من غلبته:
حقا أقول لقد كلفتني شططا (١) … حملي هواك وصبري إن ذا عجب
قلت: قلة علم هذا الرجل أثمر أن سأل البلاء وفي سؤال البلاء معنى التقاوى (٢) من أقبح القبيح. و - الشطط - الجور ولا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. وأحسن ما حمل عليه حاله أن يكون قال هذا البيت في زمان التغير
أخبرنا محمد بن ناصر، أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، نا محمد بن الحسين السلمي، سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحصري، يقول: دعوني وبلائي، ألستم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأمره بأمره فخالفه، اذا كان أول الدن درد (٣) كف يكون آخره قال: وقال الحصري: كنت زمانا إذا قرأت القرآن لا أستعيذ من الشيطان وأقول من الشيطان حتى يحضر كلام الحق.
قال المصنف ﵀: قلت: أما القول الأول بأنه يتسلط على الأنبياء جرأة قبيحة وسوء أدب. وأما الثاني فمخالف لما أمر الله به فإنه قال: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ (النحل: ٩٨).
أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، نا عباد بن إبراهيم النسفي، ثنا محمد بن الحسين السلمي، قال: وجدت في كتاب أبي بخطة سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الدينوري يقول: قد نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها، سموا الطبع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عن الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة، وسوء الخلق صولة (٤)، والبخل جلادة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع إلى الدنيا وصولا، والسؤال عملا، وبذاء (٥) اللسان ملامة، وما هذا طريق القوم
стр. 391
وقال ابن عقيل: عبرت الصوفية عن الحرام بعبارات غيروا لها الأسماء مع حصول المعنى، فقالوا في الاجتماع على الطيبة والغناء والخنكرة (١): أوقات. وقالوا في المردان: شب، وفي المعشوقة: أخت وفي المحبة مريدة، وفي الرقص والطرب: وجد، وفي مناخ: اللهعود (٢) والبطالة: رباط. وهذا التغيير للأسماء لا يباح.
بيان جملة مروية عن الصوفية من الأفعال المنكرة
قلت: قد سبق ذكر أفعال كثيرة لهم كلها منكرة، وإنما نذكرها هنا من أمهات الأفعال وعجائبها
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، نا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب، نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج، قال: ذكر عن ابن الكريتي - وكان أستاذ الجنيد - أنه أصابته جنابة، وكان عليه مرقعة تخنية، فجاء إلى شاطئ الدجلة والبرد شديد فحرنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد، فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص ثم خرج، وقال: عقدت أن لا أنزعها عن بدني حتى تجف علي فلم تجف عليه شهرا
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، ثنا عبد العزيز بن علي، ثنا علي بن عبد الله الهمداني، ثنا الخلدي، ثني جنيد، قال: سمعت أبا جعفر بن الكريتي يقول: أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل - وكانت ليلة باردة - فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا، وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح ويسخن لك الماء، أو تدخل حماما، وإلا اعبأ (٣) على نفسك. فقلت: واعجبا أنا أعامل الله تعالى في طول عمري، يجب له على حق لا أجد المسارعة إليه، وأجد الوقوف والتباطؤ والتأخر، آليت لا أغتسل إلا في نهر، وآليت لا أغتسلت إلا في نهر، وآليت لا أغتسلت إلا في مرقعتى هذه، وآليت لا أعصرها، وآليت لا جففتها في شمس، أو كما قال.
стр. 392
قلت: قد سبق في ذكر المرقعات وصف هذه المرقعة التي لأبن الكريتي، وأنه وزن أحد كميها فكان فيه أحد عشر رطلا، وإنما ذكر هذا للناس ليبين أني فعلت الحسن الجميل … وحكوه عنه ليبين فضله، وذلك جهل محض، لأن هذا الرجل عصى الله بما فعل. وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء ولا يجوز لأحد أن يعاقب نفسه، فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب: القاؤها في الماء البارد، و كونه في مرقعة لا يمكنه الحركة فيها كما يريد، ولعله قد بقي من مغابنه (١) ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة، وبقاءها عليه مبتلة شهرا، وذلك يمنعه لذة النوم. وكل هذا الفعل خطأ وأثم وربما كان ذلك سببا لمرضه أو قتله.
أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: كانت أم علي زوجة أحمد بن حضرويه قد أخلت زوجها أحمد من صداقها على أن يزور بها أبا يزيد البسطامي، فحملها إليه فدخلت عليه وقعدت بين يديه مسفرة عن وجهها، فلما قال لها أحمد: رأيت منك عجبا، أسفرت عن وجهك بين يدي أبي يزيد، قالت: لأني لما نظرت إليه فقدت حظوظ نفسي، وكلما نظرت إليك رجعت إلى حظوظ نفس، فلما اراد أحمد الخروج من عند أبي يزيد قال له: أوصني، قال: تعلم الفتوة من زوجتك.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا بن باكويه سمعت أبا بكر الفازي - وفاز قرية بطرسوس سمعت أبا بكر السباك، سمعت يوسف بن الحسين يقول: كان بين أحمد بن أبي الحواري وبين أبي سليمان عقد أن لا يخالفه في شيء يأمره به، فجاءه يوما وهو يتكلم في المجلس، فقال: إن التنور قد سجرناه (٢) فما تأمرنا فما أجابه، فأعاد مرة أو مرتين، فقال له فى الثالثة: أذهب واقعد فيه، ففعل ذلك فقال أبو سليمان: ألحقوه فإن بيني وبينه عقدا أن لا يخالفني في شيء آمره به، فقام وقاموا معه، فجاؤا إلى التنور فوجدوه قاعدا في وسطه، فأخذ بيده وأقامه فما أصابه خدش.
قال المصنف ﵀: هذه الحكاية بعيدة الصحة، ولو صحت كان
стр. 393
دخوله النار معصية. وفي «الصحيحين» من حديث علي ﵁، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليها رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد (١) عليهم في شيء، فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟! قالوا: بلى، قال: فاجمعوا حطبا فجمعوا، ثم دعا بنار فأضرمها، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهم القوم أن يدخلوها، فقال لهم شاب: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا، فرجعوا إلى النبي ﷺ ، فأخبروه، فقال لهم رسول الله ﷺ : لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف».
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو نعيم الحافظ، أخبرني الحسن بن جعفر بن علي، أخبرني عبد الله ابن إبراهيم الجزري، قال: قال أبو الخير الدئيلي: كنت جالسنا عند خير النساج فأتته امرأة، وقالت له: اعطنى المنديل الذي دفعته إليك، قال: نعم، فدفعه اليها، قالت: كم الاخرة، قال: در همان قالت ما معي الساعة شيء، وأنا قد ترددت اليك مرارا فلم أرك، وأنا آتيك به غدا إن شاء الله تعالى، فقال لها خير: إن أتيتني بهما ولم تجديني فارمى بهما في دجلة، فإني إذا جئت أخذتهما، فقالت المرأة: كيف تأخذ من دجلة، فقال لها: خير هذا التفتيش (٢) فضول منك، افعلى ما أمرتك، قالت: إن شاء الله، فمرت المرأة، قال أبو الحسين: فجئت من الغد. وكان خير غائبا، وإذا المرأة قد جاءت ومعها خرقة فيها در همان فلم تجده، فرمت بالخرقة في دجلة وإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت، وبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته، وجلس على الشط يتوضأ واذا بالسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه والخرقة على ظهرها، فلما قربت من الشيخ أخذها، فقلت له: رأيت كذا وكذا، فقال: أحب أن لا تبوح به في حياتي، فأجبته إلى ذلك.
قال المصنف ﵀: صحة مثل هذا تبعد، ولو صح لم يخرج هذا الفعل من مخالفة الشرع، لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة. وفي «الصحيح» أن النبي ﷺ «نهى عن اضاعة المال»، ولا
стр. 394
تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة، لأن الله لا يكرم مخالفا لشرعه *
أخبرنا أبو منصور القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، نا أبو نعيم الحافظ، سمعت أبا الفرج الورياني، سمعت علي بن عبد الرحيم، يقول: دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين، فسألته عن أمره، فقال: طالبتني نفسي بأكل التمر، فجعلت أدافعها فتأبى علي، فخرجت فاشتريت، فلما أن أكلت قلت مها: قومي فصلي فأبت علي، فقلت: لله علي إن (١) قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد، فما قعدت.
قلت: من سمع هذا من الجهال يقول: ما أحسن هذه المجاهدة، ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل، لأنه حمل على النفس ما لا يجوز، ومنعها حقها من الراحة * وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب «الأحياء» قال: كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع، قال: وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذ خاف من تفرقته على الناس (٢)، رعونة الجود ورياء البذل * قال: وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ليعود نفسه الحلم، قال: وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا *
قال المصنف ﵀: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها، وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم، وقال قبل أن يورد هذه الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير، وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه * وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك، وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان * وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم، وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا
стр. 395
قلت: وأني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة، وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا، وكيف يحل رمي المال في البحر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. وهل يحل سب مسلم بلا سبب، وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك، وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج (١). وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب، فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف
أنبأنا ابن ناصر، نا أبو الفضل السهلكي، نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري، ثنا أبو الحسن علي بن جهضم، ثنا أبو صالح الدامغاني عن الحسن بن علي الدامغاني. قال: كان رجل من أهل بسطام لا ينقطع عن مجلس أبي يزيد لا يفارقه، فقال له ذات يوم: يا أستاذ، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجه في قلبى من هذا الذى تذكره شيئا البتة، فقال له أبو يزيد: لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم ذرة، قال: ولم يا أستاذ؟ قال: لأنك محجوب بنفسك، فقال له: أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب؟ قال: نعم، ولكنك لم تقبل، قال: بلى أقبل واعمل ما تقول، قال أبو يزيد، أذهب الساعة إلى الحجام وأحلق رأسك ولحيتك وأنزع عنك هذا اللباس، وابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة واملأها جوزا، واجمع حولك صبيانا وقل بأعلى صوتك: يا صبيان، من يصفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه، فقال: يا أبا يزيد سبحان الله تقول لي مثل هذا ويحسن أن أفعل هذا، فقال أبو يزيد: قولك: سبحان الله شرك، قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها، فقال: يا أبا يزيد هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله، ولكن دلني على غيره حتى أفعله فقال أبو يزيد: ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك، ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك، قال: لا أطيق هذا، قال: إنك لا تقبل.
قال المصنف ﵀: قلت: ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء، بل فيه تحريم ذلك والمنع منه، وقد قال نبينا ﵊
стр. 396
ليس للمؤمن أن يذل نفسه (١)». ولقد فاتت الجمعة حذيفة فلقى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص فى قصد الصلاة. وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس، وقد قال ﷺ : «من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله (٢)». كل هذا للإبقاء على جاه النفس. ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا، فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر.
وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب «الأحياء» عن يحيى بن معاذ انه قال: قلت لاب زد: هل سألت الله تعالى المعرفة؟ فقال: عزت عليه (٣) أن يعرفها سواه، فقلت: هذا إقرار بالجهل فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات، وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهله، وان تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به.
وحكى أبو حامد: أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة قلت: وهذا فوق الجنون بدرجات.
وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريتى أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح، فنشب (٤) في قلبي، فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها، ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا، فلحقوني فنزعوا مرقعتى وأخذوا الثياب وصفعون فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام، فسكنت نفسى. قال ابو حامد: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق، ثم من النظر إلى النفس. وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم، ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير، كما فعل هذا في الحمام.
قلت: سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب «الأحياء» فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل. والعجب منه انه يحكيه
стр. 397
ويستحسنه، ويسمى أصحابه أرباب أحوال، وأى حال اقبح وأشد من حال من يخالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه، وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي. وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها، وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قطع من لا يجب قطعه وقتل من لا يجوز قتله، ويسمونه سياسة، ومضمون ذلك أن الشريعة ما تفي بالسياسة. وكيف يحل للمسلم أن يعرض نفسه لأن يقال عنه: سارق، وهل يجوز أن يقصد وهن (١) دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض، ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم: هذا فاسق لكان عاصيا بذلك. ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه. ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ (٢) وجب قطع يده، ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم، كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه. فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا ابن باكويه، قال: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: كان على بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم، فأحب أن يحمله إلى البيت، فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته.
قلت: واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع، وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع. وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى الا متجملا فى ثيابه وانه يستحى من العري وكشف (٣) الرأس، والشرع لا ينكر عليه هذا. وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل، فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه (٤).
стр. 398
وقد جاء في الحديث «الأكل في السوق دناءة» (١)، فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه، فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس. وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب، فقالوا: مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين. وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بأمرأة فاحبلها. فقيل له: لم لا تعزل، فقال: بلغني أن العزل مكروه، فقيل له: وما بلغك أن الزنا حرام. وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه، ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض.
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن اب صادق، نا ابن باكوه، قال: سمعت أبا أحمد الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف، سمعت أبا الحسن المديني يقول: خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية، وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى أصحابنا، فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة (٢) فجمعتها، وقلت: هذه لفقير، ومشيت قليلا، فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء، فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء، فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي، وقال: يا أبا الحسن، أما ترى ما يعمل بي!! قد أماتني موتات، وقال لي: مالك منا ألا الذكر الذي لسائر الناس، وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي. فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل، فأقمنا عنده إلى العصر، ثم خرجنا إلى المسجد، فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح، فسألناهم فقالوا: السباع تدخل القرية بالليل، وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين. فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الاجمة على أصول القصب المقطوع، وهو يصيح ويقول: أين أنت يا سبع. فما شككنا أن الأسد قد أفترسه أو قد هلك في أصول القصب، فلما كان قريب الصبح جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه، فأخذنا بالمنقاش (٣) ما قدرنا عليه، فبقي أربعين يوما لا يمثنى على رجليه،
стр. 399
فسألته أي شيء كان ذلك الحال؟ قال: لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت: لأطرحنك إلى ما تفزعين منه.
قلت: لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين. وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين، وهل هذا إلا فعل المجانين؟ وأين الهيبة والتعظيم من قوله: ترى ما يفعل بي، وما وجه هذا الانبساط، وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة، ثم ما الذي يريده غير الذكر. ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع. وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع، أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع، ليس هذا في طوقها (١) ولا طلبه الشرع منها. ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول فأجابه بأجود جواب.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب، نا علي بن أبي صادق، نا ابن باكوه، نا يعقوب الحواط، نا أبو أحمد المغازي، قال: رأيت النوري وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول: من الخلق أو حشتني، ومن النفس والمال والدنيا أفقرتني، ويقول: ما معك إلا علم وذكر، قال: فقلت له: ان رضيت والا فانطح برأسك الحائط.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، نا سهل بن علي الخشاب، نا عبد الله بن علي السراج، قال: سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: حمل أبو الحسين النوري ثلاثمائة دينار ثمن عقار بيع له، وجلس على قنطرة وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول: جئتنى تريدين أن تخدعيني منك بمثل هذا. قال السراج: فقال بعض الناس: لو أنفقها في سبيل الله كان خيرا له. فقلت: إن كانت تلك الدنانير تشغله عن الله طرفة عين كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة حتى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها، كما قال الله : ﴿فطفق مسحا بالسوق والاعناق﴾ (ص: ٣٣).
قلت: لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشرع وعدم عقل. وقد بينا فيما تقدم أن الشرع أمر بحفظ المال وأن لا يسلم إلا إلى رشيد، وجعله قواما (٢) للآدمي. والعقل يشهد بأنه إنما خلق للمصالح، فإذا رمى به الانسان.
стр. 400
فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمه الواضع. واعتذار السراج له أقبح من فعله، لأنه إن كان خاف فتنته فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلص.
ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد، لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق، ويظن بذلك جواز الفساد، والفساد لا يجوز في شريعة، وإنما مسح بيده عليها، وقال: أنت في سبيل الله، وقد سبق بيان هذا.
وقال أبو نصر السراج في كتاب «اللمع»: قال أبو جعفر الدراج: خرج أستاذي يوما يتطهر، فأخذت كتفه ففتشته فوجدت فيه شيئا من الفضة مقدار أربعة دراهم، وكان ليلا وبات لم يأكل شيئا، فلما رجع قلت له: في كتفك كذا وكذا درهما ونحن جياع، فقال: أخذته؟ رده، تم قال لي بعد ذلك: خذه وأشتر به شيئا، فقلت له: بحق معبودك ما أمر هذه القطع، فقال: لم يرزقني الله من الدنيا شيئا غيرها، فأردت أن أوصي أن تدفن معي، فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله، وأقول: هذا الذي أعطيتني من الدنيا.
أخبرنا ابن حبيب، نا ابن أبي صادق، نا ابن باكويه، ثنا عبد الواحد ابن بكر، قال: سمعت أبا بكر الجوال، سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء، ويصوم ويخرج بين العشائين فيتصدق من الابواب ما يقطر عليه.
قال المصنف ﵀: قلت: لو علم هذا الرجل أن المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل، ولو قدرنا جوازها فأين أنفة النفس من ذل الطلب.
أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثنا إسماعيل، ثنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وما على وجهه مزعة لحم».
قال أحمد: وحدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن الزبير ابن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يأخذ الرجل
стр. 401
حبلا فيحتطب، ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه، ثم يستغنى به فينفقه على نفسه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه».
قلت: أنفرد به البخاري واتفقا على الذي قبله. وفي حديث عبد الله ابن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» والمرة: القوة. وأصلها من شدة فتل الحبل، يقال: أمررت الحبل: إذا أحكمت فتله. فمعنى المر في الحديث شدة أمر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب. قال الشافعي ﵁: لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، نا أبو بكر بن ثابت، أنبأنا: أبو سعد الماليني، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الواحد الهاشمي: سمعت أبا الحسن يونس بن أبي بكر الشبلي يقول: قام أبي ليلة فترك فرد رجل على السطح والأخرى على الدار، فسمعته يقول: لئن أطرفت لأرمين بك إلى الدار، فما زال على تلك الحال حتى أصبح، فلما أصبح قال لي: يا بني ما سمعت الليلة ذاكرا لله إلا ديكا يساوي دانقين (١).
قال المصنف ﵀: هذا الرجل قد جمع بين شيئين لا يجوزان:
أحدهما - مخاطرته بنفسه، فلو غلبه النوم فوقع كان معينا على نفسه، ولا شك أنه لو رمى بنفسه كا نقد أتى معصية عظيمة فتعرضه للوقوع معصية.
والثاني - أنه منع عينه حظها من النوم. وقد قال صلى الله عليه
وسلم: «إن لجسدك عليك حقا (٢)، وإن لزوجتك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا». وقال: «إذا نعس أحدكم فليرقد (٣)». ومر بحبل قد مدنه زينب، فإذا فترت أمسكت به، فأمر بحله. وقال: «ليصل أحدكم
стр. 402
نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد (١)». وقد تقدمت هذه الأحاديث في كتابنا هذا.
أخبرنا محمد بن ناصر، نا أبو عبد الله الحميدي، نا أبو بكر الأردستاني، ثنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: كنا نصحب أبا الحسن بن بكر الشنبلي، ونحن احداث، فأضافتنا ليلة، فقلنا: بشرط أن لا تدخل علينا أباك، فقال: لا يدخل، فدخلنا داره، فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة ثمان شموع، فجاء وقعد وسطنا، فاحتشمنا منه، فقال: يا سادة عدوني فيما بينكم طشت (٢) شموع، ثم قال: أين غلامي أبو العباس فتقدم اليه، فقال عن الصوت الذي كنت تغنى:
ولما بلغ الحير … ة حادي جملي حارا
وقلت احطط بها رحيلي … ولا تحفل بمن سارا
فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج.
أخبرنا ابن ناصر، ثنا هبة الله بن عبد الله الواسطي، نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، نا الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن الصفار، قال: خرج الشبلي يوم عيد، وقد حلق أشفار عينيه وحاجبيه وتعصب بعصابة، وهو يقول:
للناس فطر وعيد … انى فريد وحيد
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا التنوخي، ثنا أبو الحسن عل بن محمد بن أبي صابر الدلال، قال: وقفت على الشبلي في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه، فوقف عليه في الحلقة غلام جميل لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه يعرف بابن مسلم، فقال له: تنح، فلم يبرح، فقال له الثانية: تنح يا شيطان عنا، فلم يبرح، فقال له فى الثالثة: تنح وإلا والله خرقت كل ما عليك، وكانت عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة (٣) كثيرة، فانصرف الفتى فقال الشبلي:
стр. 403
طرحوا اللحم للبزا (١) … ة على ذروتي عدن (٢)
ثم لاموا البزاة إذ … خلعوا منهم الرسن
لو أرادوا صلاحنا … ستروا وجهك الحسن
قال ابن عقيل: من قال هذا فقد أخطأ طريق الشرع، لأنه يقول: ما خلق الله هذا الإنسان إلا للافتتان به، وليس كذلك، وإنما خلقه للاعتبار والامتحان، فإن الشمس خلقت لتضيء لا لتعبد.
و باسناد عن أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مات للشبلي ابن ولد كان أسمه عليا، فجزت أمه شعرها عليه، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلقها جميعها، فقيل له: يا أستاذ ما حملك على هذا؟! فقال: جزت هذه شعرها على مفقود، ألا أحلق أنا لحيتي على موجود.
وبإسناد عن عبد الله بن علي السراج قال: ربما كان الشبلي يلبس ثيابا مثمنة ثم ينزعها ويضعها فوق النار * قال: وذكر عنه أنه أخذ قطعة عنبر فوضعها على النار يبخر بها ذنب الحمار. وقال بعضهم: دخلت عليه فرأيت بين يديه اللوز والسكر يحرقه بالنار، قال السراج: إنما أحرقه بالنار لأنه كان يشغله عن ذكر الله.
قلت: اعتذار السراج عنه أعجب من فعله.
قال السراج: وحكى عنه أنه باع عقارا ففرق ثمنه، وكان له عيال فلم يدفع إليهم شيئا، وسمع قارئا يقرأ ﴿أخسئوا فيها﴾ (المؤمنون: ١٠٨) (٣) فقال: ليتني كنت واحدا منهم
قلت: وهذا الرجل ظن أن الذي يكلمهم هو الله تعالى، والله لا يكلمهم، ثم لو كلمهم لكلمهم كلام إهانة، فأي شيء هذا حتى يطلب
قال السراج: وقال الشبلي يوما في مجلسه: إن لله عبادا لو بزقوا على جهنم لاطفؤوها.
قلت: وهذا من جنس ما ذكرناه عن أبي يزيد وكلاهما من إناء واحد.
وبإسناد عن أبي علي الدقاق يقول: بلغني أن الشبلي اكتحل بكذا
стр. 404
وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم،
قال المصنف ﵀: وهذا فعل قبيح لا يحل لمسلم أن يؤذي نفسه، وهو سبب للعمى، ولا تجوز إدامة السهر لأن فيه إسقاط حق النفس. والظاهر أن دوام السهر والتقليل من الطعام أخرجه إلى هذه الأحوال والأفعال.
وبإسناد عن أبي عبد الله الرازي قال: كساني رجل صوفا فرأيت على رأس الشبلي قلنسوة (١) تليق بذلك الصوف فتمنيتها في نفسي، فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي فتبعته، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي، فلما دخل داره، فقال: أنزع الصوف فنزعته، فلفه وطرح القلنسوة عليه، ودعا بنار فأحرقهما.
قلت: وقد حكى أبو حامد الغزالي أن الشبلي أخذ خمسين دينارا فرماها في دجلة، وقال: ما أعزك أحد إلا أذله الله. وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي، لأنه ذكر ذلك على وجه المدح لا على وجه الإنكار، فأين أثر الفقه.
وبإسناد عن حسين بن عبد الله القزويني، قال: حدثني من كان مجالسا بلبنان أنه قال: تعذر (٢) علي قوتي يوما ولحقني ضرورة، فرأيت قطعة ذهب مطروحة (٣) في الطريق فأردت أخذها، فقلت: لقطة (٤) فتركتها، ثم ذكرت الحديث الذي يروي ﴿لو أن الدنيا كانت دما عبيطا لكان قوت المسلم منها حلالا﴾ (٥)، فأخذتها وتركتها في فمي ومشيت غير بعيد، فإذا أنا بحلقة فيها صبيان وأحدهم يتكلم عليهم، فقال له واحد: متى يجد العبد حقيقة الصدق؟ فقال: إذا رمى القطعة من الشدق، فأخرجتها من فمي ورميتها.
قال المصنف ﵀: لا تختلف الفقهاء إن رميه إياها لا يجوز، والعجب أنه رماها بقول صبي لا يدري ما قال. وقد حكى أبو حامد الغزالي، أن شقيقا البلخي جاء إلى أبي القاسم الزاهد وفي طرف كسائه شيء مصرور، فقال له: أي شيء معك؟ قال: لوزات دفعها إلى أخ لى،
стр. 405
وقال: أحب أن تفطر عليها، فقال: يا شقيق وأنت تحدثك نفسك أن تبقى
إلى الليل؟ لا كلمتك أبدا، فأغلق الباب في وجهي ودخل.
قال المصنف ﵀: أنظروا إلى هذا الفقه الدقيق كيف هجر مسلما على فعل جائز، بل مندوب، لأن الإنسان مأمور أن يستعد لنفسه بما يفطر عليه، واستعداد الشئ قبل مجيء وقته حزم، ولذلك قال الله : ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (الأنفال: ٦٠). وقد أدخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة (١)، وجاء عمر ﵁ بنصف ماله وأدخر الباقي ولم ينكر عليه، فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزهاد.
وباسناد عن أحمد بن إسحاق العماني، قال: رأيت بالهند شيخا، وكان يعرف بالصابر قد أتى عليه مائة سنة قد غمض إحدى عينيه، فقلت له: يا صابر ما بلغ من صبرك؟ قال: إني هويت النظر إلى زينة الدنيا فلم أحب أن أشتفي (٢) منها، فغمضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها.
وقد حكى لنا عن آخر، انه قير احد عينيه، وقال: النظر إلى الدنيا بعينين إسراف.
قلت: كان قصده أن ينظر إلى الدنيا بفرد عين، ونحن نسأل الله سلامة العقول.
وقد حكى يوسف بن أيوب الهمداني عن شيخه عبد الله الجوني أنه كان يقول: هذه الدولة (٣) ما أخرجتها من المحراب بل من موضع الخلاء. وقال: كنت أخدم في الخلاء، فينما أنا يوما أكنسه وأنظفه، قالت لي نفسي: أذهبت عمرك في هذا؟ فقلت: أنت تأنفين من خدمة عباد الله، فوسعت رأس البئر ورميت نفسي فيها، وجعلت أدخل النجاسة في فمي، فجاؤوا وأخرجوني وغسلوني.
قلت: أنظروا إلى هذا المسكين كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة، واعتقد أن تلك الدولة إنما حصلت بإلقاء نفسه في النجاسة وادخالها.
стр. 406
في فيه، وقد نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الاصحاب، وهذا السدى فعله معصية توجب العقوبة. وفي الجملة لما فقد هؤلاء العلم كثر تخبيطهم.
وبإسناد عن محمد بن علي الكتاني يقول: دخل الحسين بن منصور
مكة في ابتداء أمره، فجهدنا حتى أخذنا مرقعته، قال السوسي: أخذنا منها قملة فوزناها، فإذا فيها نصف دانق من كثرة رياضته وشدة مجاهدته.
قلت: أنظروا إلى هذا الجاهل بالنظافة التي حث عليها الشرح وأباح حلق الشعر المحظور على المحرم لأجل تأذيه من القمل، وجبر (١) الحظر بالفدية، وأجهل من هذا من أعتقد هذا رياضته.
وبإسناد عن أبي عبد الله بن مفلح يقول: كان عندنا فقير صوفي في الجامع، فجاع مرة جوعا شديدا، فقال: يا رب اما ان تطعمني واما أن ترميني بشرف المسجد، فجاء غراب فجلس على الشرف (٢)، فوقعت عليه من تحت رجله آجرة، فجرى دمه وكان يمسح الدم، ويقول: أيش تبالي بقتل العالم.
قلت: قتل الله هذا، ولا أحياه في مقابلته هذا الاستنباط، هلا قام إلى الكسب أو إلى الكدية (٣).
و باسناد عن غلام خليل، قال: رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول: أشهدكم على الله هو ذا يقتلني، وسقط ميتا.
فصل
وفي الصوفية قوم يسمون الملانفية، اقتحموا الذنوب، وقالوا: مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من الجاه، وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع. قال: وفي القوم طائفة يظهرون من أنفسهم أقبح ما فيه ويكتمون أحسن ما هم عليه، وفعلهم هذا من أقبح الأشياء، ولقد قال رسول الله ﷺ : «من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله» (٤). وقال في حق ماعز: «هلا سترته
стр. 407
بثوبك يا هذا» (١)، واجتاز على رسول الله ﷺ بعض الصحابة وهو يتكلم مع صفية زوجته فقال له: «أنها صفية» (٢). وقد علم الناس التجافي عما يوجب سوء الظن، فإن المؤمنين شهداء الله في الأرض. وخرج حذيفة إلى الجمعة ففاتته، فرأى الناس وهم راجعون، فاستتر لئلا يسوء ظن الناس به، وقد قدمنا هذه.
وقال أبو بكر الصديق لرجل قال له: إني لمست مرأة وقبلتها، فقال: تب إلى الله ولا تحدث أحدا بذلك. وجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: إني أتيت من أجنبية ما دون الزنا يا رسول الله، قال: «ألم تصل معنا؟» قال: بلى، يا رسول الله، قال «ألم تعلم أن الصلاتين تكفر ما بينهما» (٣) وقال رجل لبعض الصحابة: إني فعلت كذا وكذا من الذنوب، فقال: «لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك» فهؤلاء قد خالفوا الشريعة وأرادوا قطع ما جبلت عليه النفوس.
فصل
وقد اندس في الصوفية أهل الإباحة فتشبهوا بهم حفظا لدمائهم، وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول - كفار فمنهم قوم لا يقرون بالله ، ومنهم من يقربه ولكن يجحد النبوة يرى أن ما جاء به الأنبياء محال وهؤلاء لما أرادوا أمراح (٤) أنفسهم في شهواتها لم يجدوا شيئا يحقنون به.
стр. 408
دماءهم، ويستترون به وينالون فيه أغراض النفوس، كمذهب التصوف، فدخلوا فيه ظاهرا وهم في الباطن كفرة، وليس لهؤلاء إلا السيف، لعنهم الله.
والقسم الثاني - قوم يقرون بالإسلام إلا أنهم ينقسمون قسمين: القسم الأول يقلدون في أفعالهم لشيوخهم من غير اتباع دليل ولا شبهة. فهم يفعلون ما يأمرونهم به وما رأوهم عليه.
والقسم الثالث - قوم عرضت لهم شبهات فعملوا بمقتضاها.
والأصل الذي نشأت منه شبهاتهم أنهم لما هموا بالنظر في مذاهب الناس لبس عليهم إبليس، فأراهم أن الشبهة تعارض الحجج، وأن التمييز يعسر وأن المقصود أجل من أن ينال بالعلم، وإنما الظفر به رزق يساق إلى العبد لا بالطلب، فسد عليهم باب النجاة الذي هو طلب العلم، فصاروا يبغضون اسم العلم، كما يبغض الرافضي اسم أبي بكر وعمر، ويقولون: العلم حجاب والعلماء محجوبون عن المقصود بالعلم، فان أنكر عليهم عالم، قالوا لأتباعهم: هذا موافق لنا في الباطن وإنما يظهر ضد ما نحن فيه للعوام الضعاف العقول، فإن جد في خلافهم قالوا: هذا أبله مقيد بقيود الشريعة محجوب عن المقصود. ثم عملوا على شبهات وقعت لهم ولو فطنوا لعلموا أن عملهم بمقتضى شبهاتهم علم، فقد بطل إنكارهم العلم.
وأنا أذكر شبهاتهم وأكشفها إن شاء الله تعالى وهي ست شبهات:
الشبهة الأولى - أنهم قالوا: إذا كانت الأمور مقدرة في القدم وأن أقواما خصوا بالسعادة، وأقواما بالشقاوة، والسعيد لا يشقى، والشقي لا يسعد، والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة، وقد سبقنا وجود الاعمال، فلا وجه لا تعاب النفس فى عمل ولا نكفها عن ملذة (١)، لأن المكتوب في القدر واقع لا محالة.
والجواب عن هذه الشبهة، أن يقال لهم: هذا رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاءوا به، لأنه إذا قال في القرآن: ﴿أن أقيموا الصلاة﴾، قال القائل: لماذا؟ إن كنت سعيدا فمصيري إلى السعادة، وان كنت شقيا، فمصيري الى الشقاوة، فما تنفعنى اقامة.
стр. 409
الصلاة. وكذلك إذا قال: ولا تقربوا الزنا، يقول القائل: لماذا أمنع نفسي ملذوذها والسعادة والشقاوة مقتضيتان قد فرغ منهما. وكان لفرعون أن يقول لموسى حين قال له: ﴿هل لك إلى ان تزكى﴾ (النازعات: (١٨) مثل هذا الكلام ثم يترقى إلى الخالق فيقول: ما فائدة إرسالك الرسل وسيجري ما قدرته، وما يفضي إلى رد الكتب وتجهيل الرسل محال باطل، ولهذا كان رد الرسول ﷺ على أصحابه حين قالوا: ألا نتكل، فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١)
واعلم أن للآدمي كسبا هو اختياره، فعليه يقع الثواب والعقاب، فإذا خالف تبين لنا أن الله قضى في السابق بأن يخالفه، وإنما يعاقبه على خلافه لا على قضائه، ولهذا يقتل القاتل ولا يعتذر له بالقدر وإنما ردهم الرسول عن ملاحظة القدر إلى العمل، لأن الأمر والنهي حال ظاهر والمقدر من ذلك أمر باطن، وليس لنا أن نترك ما عرفناه من تكليف ما لا نعلمه من المقضى.
وقوله: «فكل ميسر لما خلق له» إشارة إلى أسباب القدر، فانه من قضى له بالعلم يسر له طلبه، وحبه، وفهمه، ومن حكم له بالجهل نزغ حب العلم من قلبه، وكذلك من قضى بولد يسر له النكاح، ومن لم يقض له بولد لم ييسر له.
الشبهة الثانية - أنهم قالوا: إن الله مستغن عن أعمالنا غير متأثر بها معصية كانت أو طاعة، فلا ينبغي أن نتعب أنفسنا في غير فائدة.
وجواب هذه الشبهة أن نجيب أولا بالجواب الأول ونقول: هذا رد على الشرع فيما أمر به، فكأنا قلنا للرسول وللمرسل: لا فائدة فيما أمرتنا به، ثم نتكلم عن الشبهة فنقول: من يتوهم أن الله جل وعلا ينتفع بطاعة أو يتضرر بمعصية أو ينال بذلك غرضا، فما عرف الله ﷻ ، لأنه مقدس عن الإعراض والأغراض، ومن انتفاع أو ضرر، وإنما نفع الأعمال تعود على أنفسنا، كما قال : ﴿ومن جاهد فانما يجاهد لنفسه﴾ (العنكبوت: ٦) ﴿ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه﴾ (فاطر: ١٨) وإنما يأمر الطبيب المريض بالحمية لمصلحة المريض لا لمصلحة الطبيب، وكما ان للبدن
стр. 410
مصالح من الأغذية ومضار، فللنفس مصالح من العلم والجهل والاعتقاد والعمل، فالشرع كالطبيب فهو أعرف بما يأمر به من المصالح. هذا مذهب من علل، وأكثر العلماء قالوا: أفعاله لا تعلل.
وجواب آخر، وهو أنه إذا كان غنيا عن أعمالنا كان غنيا عن معرفتنا له، وقد أوجب علينا معرفته، فكذلك أوجب طاعته، فينبغي أن ننظر الى أمره لا الى الغرض بأمره.
الشبهة الثالثة - قالوا: قد ثبتت سعة رحمة الله وهي لا تعجز عنا، فلا وجه لحرمان نفوسنا مرادها.
فالجواب كالجواب الأول، لأن هذا القول يتضمن إطراح ما جاء به الرسل من الوعيد، وتهوين ما شددت في التحذير منه في ذلك، وبالغت في ذكر عقابه، ومما يكشف التلبيس في هذا أن الله كما وصف نفسه بالرحمة وصفها بشديد العقاب، ونحن نرى الأولياء والأنبياء يبتلون بالأمراض والجوع ويؤاخذون بالزلل، وكيف وقد خافه من قطع له بالنجاة، فالخليل يقول يوم القيامة: نفسي نفسي، والكليم يقول: نفسي نفسي، وهذا عمر ﵁ يقول: الويل لعمر إن لم يغفر له.
واعلم أن من رجا الرحمة تعرض لأسبابها، فمن أسبابها التوبة من الزلل، كما أن من رجا أن يحصد زرع، وقد قال الله : ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾ (البقرة: ٢١٨) يعني أن الرجاء بهؤلاء يليق. وأما المصرون على الذنوب وهم يرجون الرحمة فرجاؤهم بعيد، وقد قال ﵊: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني (١)». وقد قال معروف الكرخي: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق.
واعلم أنه ليس في الأفعال التي تصدر من الحق ما يوجب أن يؤمن عقابه، إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته، وكما لا يحسن اليأس لما يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع لما يبدو من أخذه وانتقامه، فإن من قطع أشرف عضو بربع دينار لا يؤمن أن يكون عقابه غدا هكذا.
стр. 411
الشبهة الرابعة - أن قوما منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من أكدارها المردية، فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء، قالوا: ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر، فتركوا العمل.
وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية، مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك، وليس هذا مراد الشرع، ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة، وإنما خلقت الشهوات لفائدة، إذ لولا شهوة الطعام هلك الإنسان، ولولا شهوة النكاح انقطع النسل، ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه، وكذلك حب المال مركوز في الطباع لأنه يوصل إلى الشهوات. وإنما المراد من الرياضة كف النفس عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه. وقد مدح الله من نهي النفس عن الهوى، وإنما تنتهي عما تطلبه، ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الانسان الى نهيها، وقد قال الله : ﴿والكاظمين الغيظ﴾ (آل عمران: ١٣٤) وما قال: والفاقدين الغيظ. والكظم: رد الغيظ، يقال: كظم البعير على جرته (١) إذا ردها في حلقه، فمدح من رد النفس عن العمل بمقتضى هيجان الغيظ، فمن أدعى أن الرياضة تغير الطباع ادعى المحال وإنما المقصود بالرياضة كسر شرة (٢) شهوة النفس والغضب، لا إزالة أصلها، والمرتاض كالطبيب العاقل عند حضور الطعام يتناول ما يصلحه ويكف عما يؤذيه، وعادم الرياضة كالصبي الجاهل يأكل ما يشتهي ولا يبالي بما جنى.
الشبهة الخامسة - أن قوما منهم داموا على الرياضة مدة، فرأوا أنهم قد تجوهروا (٣)، فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا، وإنما الأوامر والنواهي رسوم للعوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم. قالوا: وحاصل النبوة ترجع إلى الحكمة والمصلحة، والمراد منها ضبط العوام، ولسنا من العوام فندخل في حجر التكليف، لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة. وهؤلاء قد رأوا أن من أثر جوهرهم ارتفاع الحمية عنهم، حتى أنهم قالوا: أن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله مع أجنبي فلم يقشعر جلده، فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه، ولم يكمل بعد، إذ لو كمل لماتت نفسه، فسموا الغيرة نفسا وسموا ذهاب الحمية الذي هو وصف المخانيث كمال الايمان.
стр. 412
وقد ذكر ابن جرير في «تاريخه» ان الريوندية كانوا يستحلون الحرمات، فيدعو الرجل منهم الجماعة إلى بيته فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته.
وكشف هذه الشبهة أنه ما دامت الأشباح قائمة فلا سبيل إلى ترك الرسوم الظاهرة من التعبد، فان هذه الرسوم وضعت المصالح الناس، وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطبع، إلا أن الكدر يرسب مع الدوام على الخير ويركد، فأقل شيء يحركه، كالمدرة (١) تقع في الماء الذي تحته حمأة (٢)، وما مثل هذا الطبع إلا كالماء يجري بسفينة النفس والعقل مداد، ولو أن المداد مد عشرين فرسخا ثم أهمل عادت السفينة تنحدر، ومن أدعى تغير طبعه كذب، ومن قال: أني لا أنظر إلى المستحسنات بشهوة لم يصدق. كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم تغيروا، فأين تأثير العقل والهوى يقودهم، وقد رأينا أقواما منهم يصافحون النساء، وقد كان رسول الله ﷺ وهو المعصوم لا يصافح المرأة (٣). وبلغنا عن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ويخلون بهن، ثم يدعون السلامة، وقد رأوا أنهم يسلمون من الفاحشة وهيهات، فأين السلامة من إثم الخلوة المحرمة، والنظر الممنوع منه، وأين الخلاص من جولان الفكر الردئ. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لو خلا عظمان نخران لهم أحدهما بالأخر، يشير إلى الشيخ والعجوز.
وبإسناد عن ابن شاهين، قال: وان من الصوفية قوما أباحوا الفروج بادعاء الأخوة، فيقول أحدهم للمرأة: تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا.
قلت: وقد روى لنا أبو عبد الله محمد بن عل الترمذي الحكيم في كتاب رياضة النفوس» قال: روي لنا أن سهل بن علي المروزي كان يقول لامرأة أخيه - وهي معه في الدار -: استتري مني زمانا، ثم قال لها: كوني كيف شئت. قال الترمذي: وكان ذلك منه حين وجد شهوته قلت، أما موت الشهوة هذا لا يتصور مع حياة الآدمي، وإنما يضعف والإنسان قد يضعف عن الجماع ولكنه يشتهي اللمس والنظر. ثم يقدر أن جميع ذلك ارتفع عنه.
стр. 413
أليس نهي الشرع عن النظر باق وهو عام؟
وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قيل لأبي نصر النصر أباذي: أن بعض الناس يجالس النسوان ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن، فقال: ما دامت الأشباح قائمة فإن الأمر والنهي باق، والتحليل والتحريم مخاطب به، ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات. وقد قال أبو علي الروذ باري وسئل عمن يقول: وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال، فقال: قد وصل ولكن إلى سقر (١).
وبإسناد عن الجريري يقول: سمعت أبا القاسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة، فقال الرجل: أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله ، فقال الجنيد: أن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله واليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر زرة، إلا أن يحال بي دونها، لأنه أوكد في معرفتي به وأقوى في حالي.
و بإسناد عن أبي محمد المرتعش يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم شرعي فلا تقربنه، ومن رأيته يدعي حالة باطنة لا يدل عليها ويشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه.
الشبهة السادسة - أن أقواما بالغوا في الرياضة، فرأوا ما يشبه نوع كرامات أو منامات صالحة، أو فتح عليهم كلمات لطيفة أثمرها الفكر والخلوة فاعتقدوا أنهم قد وصلوا إلى المقصود، وقد وصلنا فما يضرنا شيء، ومن وصل إلى الكعبة أنقطع عن السير، فتركوا الأعمال إلا أنهم يزينون ظواهرهم بالمرقعة والسجادة والرقص والوجد (٢)، ويتكلمون بعبارات الصوفية في المعرفة والوجد والشوق، وجوابهم هو جواب الذين قبلهم.
قال ابن عقيل: أعلم أن الناس شردوا (٣) على الله وبعدوا عن وضع الشرع إلى أوضاعهم المخترعة. فمنهم من عبد سواه تعظيما له عن
стр. 414
العبادة، وجعلوا تلك وسائل على زعمهم. ومنهم من وحد إلا أنه أسقط العبادات، وقال: هذه أشياء نصبت للعوام لعدم المعارف، وهذا نوع شرك، لأن الله لما علم أن معرفته ذات قعر بعيد وجو عال، وبعيد أن يتقي من لم يعرف خوف النار، لأن الخلق قد عرفوا قدر لذعها، وقال لأهل المعرفة: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ (آل عمران: ٢٨) واعلم أن المتعبدات أكثرها تقتضي الإنس بالأمثال، ووضع الجهات والامكنة والابنية والحجارة للنسك (١) والاستقبال، فأبان عن حقائق الإيمان به فقال: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله﴾ (البقرة: ١٧٧) وقال: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ (الحج: ٣٧) فعلم أن المعول على المقاصد ولا يكفي مجرد المعارف من غير امتثال كما تعول عليه الملحدة الباطنية وشطاح الصوفية.
وبإسناد عن أبي القاسم بن علي بن المحسن التنوخي عن أبيه، قال: أخبرني جماعة من أهل العلم، أن بشيراز رجلا يعرف بابن خفيف البغدادي، شيخ الصوفية هناك، يجتمعون اليه، فيتكلم على الخطرات والوساوس، ويحضر حلقته ألوف من الناس، وأنه فاره (٢) فهم حاذق. فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب، قال: فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية، فاجتمع النساء الصوفيات - وهن خلق كثير - ولم يختلط بمأتمهن غيرهن. فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه - وهم عدد كثير إلى الدار - وأخذ يعزي المرأة بكلام الصوفية إلى أن قالت: قد تعزيت، فقال لها: ها هنا غير، فقالت: لا غير، قال: فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم، وتعذيبها بعذاب الهموم، ولأى معنى نترك الامتزاج لتلتقى الانوار، وتصفو الارواح ويقع الاخلافات، وتنزل البركات. قال: فقالت النساء: إذا شئت، قال: فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم، فلما كان سحر خرجوا.
قال المحسن: قوله هاهنا غير، أى هاهنا غير موافق المذهب، فقالت: لا غير أي ليس مخالف، وقوله: نترك الامتزاج كناية عن الممازجة في الوطء. وقوله: لتلتقي الأنوار عندهم أن في كل جسم نورا الهيا. وقوله: الاخلافات أي يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن.
قال المحسن: وهذا عندي عظيم، ولولا أن جماعة يخبروني يبعدون
стр. 415
عن الكذب ما حكيته لعظمه عندي واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام.
قال: وبلغني أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة، فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط، وشرد جموعهم، فكفوا.
فصل
ولما قل علم الصوفية بالشرع، فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحل مثل ما قد ذكرنا، ثم تشبه بهم من ليس منهم، وتسمى باسمهم وصدر عنهم مثل ما قد حكينا، وكان الصالح منهم نادرا، ذمهم خلق من العلماء وعابوهم حتى عابهم مشايخهم.
وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبي، قال: كنا عند مالك فذكرت له صوفيين في بلادنا، فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا. قال: ويحك ومسلمين هم؟ قال: فضحك حتى استلقى، قال: فقال لي بعض جلسائه: يا هذا ما رأينا أعظم فتنة على هذا الشيخ منك، ما رأيناه ضاحكا قط.
وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي يقول: لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق. وعنه أيضا أنه قال: ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما، فعاد عقله إليه أبدا، وأنشد الشافعي:
ودعوا الذين إذا أتوك تنسكوا … واذا خلوا كانوا ذئاب حقاف (١).
وباسناد عن أبي حاتم، قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو سليمان: ما رأيت صوفيا فيه خير إلا واحدا عبد الله بن مرزوق، قال: وأنا أرق (٢) لهم.
وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت صوفيا عاقلا إلا إدريس الخولاني، قال السلمي: هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون.
وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى، يقول: صحبت الصوفية ثلاثين.
стр. 416
سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلم الخواص.
وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول: حدثنا وكيع، قال: سمعت سفيان، يقول: سمعت عاصما يقول: ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق (١) إلا أنهم يستترون بالحديث.
وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول: قال لي وكيع: تركت حديث هشام؟ قلت: صحبت قوما من الصوفية وكنت بهم معجبا، فقالوا: إن لم تمح حديث هشام قاطعناك فأطعتهم، قال: إن فيهم حمقا.
وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال: الخوارج أحب إلي من الصوفية. وبإسناد عن يحيى بن معاذ يقول: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس: العلماء الغافلين، والفقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين.
وقد ذكرنا في أول ردنا على الصوفية من هذا الكتاب: ان الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النون ما كان يتكلم به، وببسطام على أبي يزيد وأخرجوه، وأخرجوا أبا سليمان الداراني، وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري وسهل التستري. وذلك لأن السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة، ويهجرون عليها تمسكا بالسنة، ولقد حدثني أبو الفتح بن السامري، قال: جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات، فأقبل الشيخ أبو الخطاب الكلوذاني الفقيه متوكئا على يدي حتى وقف بباب الرباط، وقال: يعز علي لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء وأنا أدخل هذا الرباط، قلت على هذا كان أشياخنا. فأما في زماننا هذا، فقد اصطلح الذئب والغنم.
قال ابن عقيل: نقلته من خطه وأنا أذم الصوفية لوجوه يوجب الشرع ذم من فعلها. منها أنهم اتخذوا مناخ البطالة، وهي الأربطة، فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد، فلا هي مساجد ولا بيوت ولا خانات، وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش، وبدنوا (٢) أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء، وعولوا على الترقيع المعتمد به التحسين تلميعا، والمشاوذ (٣) بألوان مخصوصة أوقع في نفوس العوام والنسوة من تلميع السقلاطون (٤) بألوان الحرير، واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس، فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا عن فساد قلوب النسوة.
стр. 417
على أزواجهن، ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الأموال، كالعداد (١) والأجناد وأرباب المكوس، ويستصحبون المردان في السماعات يجلبونهم في الجموع مع ضوء الشموع، ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة، ويستحلون، بل يوجبون أقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه، ويسمون الطرب: وجدا، والدعوة: وقتا، والغناء: قولا، واقتسام ثياب الناس: حكما، ولا يخرجون عن بيت دعوا إليه إلا عن إلزام دعوة أخرى، يقولون: أنها وجبت، واعتقاد ذلك كفر وفعله فسوق. ويعتقدون أن الغناء بالقضبان (٢) قربة، وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادى وعند حضور المخدة (٣) مجاب، اعتقادا منهم أنه قربة، وهذا كفر أيضا، لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا، والناس بين تحريمه وكراهيته.
ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم، فإن عولوا (٤) إلى مرتبة شيخه قيل: الشيخ لا يعترض عليه. فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحا، وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقا فإن قبل أمردا قيل: رحمة، وإن خلا بأجنبية قيل: بنته وقد لبست الخرقة، وإن قسم ثوبا على غير أربابه من غير رض مالكه قيل: حكم الخرقة. وليس لنا شيخ نسلم إليه حاله، إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التكليف، وأن المجانين والصبيان يضرب على أيديهم وكذلك البهائم، والضرب بدل من الخطاب. ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله لكان ذلك الشيخ أبا بكر الصديق ﵁. وقد قال: إن اعوججت فقوموني، ولم يقل: فسلموا إلي. ثم أنظر إلى الرسول صلوات الله عليه كيف اعترضوا عليه، فهذا عمر يقول: ما بالنا نقصر وقد أمنا (٥) وآخر يقول: تنهانا عن الوصال وتواصل (٦). وآخر يقول: أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ (٧). ثم ان الله تعالى تقول له الملائكة: «اتجعل
стр. 418
«فيها» ﴿البقرة: ٣٠﴾. و يقول موسى: «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا» ﴿الاعراف: ١٥٥﴾.
إنما هذه الكلمة جعلها الصوفية ترفيها لقلوب المتقدمين، وسلطنة سلكوها على الأتباع والمريدين. كما قال تعالى: «فاستخف قومه فأطاعوه» ﴿الزخرف: ٥٤﴾. و لعل هذه الكلمة من القائلين منهم بأن العبد إذا عرف لم يضره ما فعل. و هذه نهاية الزندقة، لأن الفقهاء أجمعوا على أنه لا حالة ينتهي إليها العارف إلا ويضيق عليه التكليف، كأحوال الأنبياء يضايقون في الصغائر. فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفراغ (١) الخالين من الإثبات. وإنما هم زنادقة جمعوا بين مدارع (٢) العمال مرقعات وصوف، وبين أعمال الخلعاء المخلدة أكل وشرب و رقص وسماع و إهمال لأحكام الشرع. و لم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة، فجاؤوا بوضع أهل الخلاعة.
فأول ما وضعوا أسماء، و قالوا: حقيقة وشريعة. وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق. فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين. و كل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع. و إن سمعوا أحدا يروي حديثا قالوا: مساكين، أخذوا علمهم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. فمن قال: حدثني أبي عن جدي، قلت: حدثني قلبي عن ربي فهلكوا و اهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار (٣)، و أنفقت عليهم لأجلها الأموال. لأن الفقهاء كالأطباء، والنفقة في ثمن الدواء صعبة، والنفقة على هؤلاء كالنفقة على المغنيات.
وبعضهم الفقهاء أكبر الزندقة، لأن الفقهاء يخطرونهم بفتاويهم عن ضلالهم و فسقهم. والحق يثقل كما تثقل الزكاة. و ما أخف البذل على المغنيات وإعطاء الشعراء على المدائح. وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث. وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمر، بشيء سموه الحشيش والمعجون، والغناء المحرم سموه: السماع والوجد، والتعرض بالوجد المزيل للعقل حرام، كفى الله الشريعة هذه الطائفة الجامعة بين دهمسة (٤) في اللبس و طيبة.
стр. 419
في العيش وخداع بألفاظ معسولة ليس تحتها سوى إهمال التكليف وهجران الشرع، ولذلك خفوا على القلوب، ولا دلالة على أنهم أرباب باطل أوضح من محبة طباع أرباب الدنيا لهم كمحبتهم أرباب اللهو والمغنيات.
قال ابن عقيل: فإن قال قائل: هم أهل نظافة ومحاريب وحسن سمت وأخلاق، قال: فقلت لهم: لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بها قلوب أمثالكم لم يدم لهم عيش، والذي وصفتهم به رهبانية النصرانية، ولو رأيت نظافة أهل التطفيل على الموائد ومخانيث بغداد ودماثة (١) المغنيات لعلمت أن طريقهم طريقة الفكاهة والخداع، وهل يخدع الناس إلا بطريقة أو لسان، فإذا لم يكن للقوم قدم فى العلم ولا طريقة فبماذا يجتذبون به قلوب أرباب الأموال.
واعلم أن حمل التكليف صعب، ولا أسهل على أهل الخلاعة من مفارقة الجماعة، ولا أصعب عليهم من حجر ومنع صدر عن أوامر الشرع ونواهيه، وما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين، فهؤلاء يفسدون عقائد الناس بتوهيمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان، يحبون البطالات وسماع الأصوات، وما كان السلف كذلك بل كانوا في باب العقائد عبيد تسليم، وفي الباب الآخر أرباب جد. قال: ونصيحتي إلى إخواني أن لا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين، بل الشغل بالمعاش أولى من بطالة الصوفية، والوقوف على الظواهر أحسن من توغل المنتحلة، وقد خبرت طريقة الفريقين، فغاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح.
قال ابن عقيل: والمتكلمون عندي خير من الصوفية، لأن المتكلمين قد يزيلون الشك والصوفية يوهمون التشبيه. فأكثر كلامهم يشير إلى إسقاط السفارات والنبوات. فإذا قالوا عن أصحاب الحديث قالوا: أخذوا علمهم ميتا عن ميت. فقد طعنوا في النبوات وعولوا على الواقع. ومتى أزرى على طريق سقط الأخذ به. ومن قال: حدثني قلبي عن ربي فقد صرح انه غني عن الرسول، ومن صرح بذلك فقد كفر. فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري (٢) على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع. وما يؤمن هذا القائل: حدثني قلبي عن ربي أن يكون.
стр. 420
ذلك من إلقاء الشياطين، فقد قال الله : ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ (الانعام: ١٢١) وهذا هو الظاهر، لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقي في قلبه الذي لم تثبت حراسته من الوساوس، وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا. قال: والخوارج على الشريعة كثير، إلا أن الله يؤيدها بالنقلة الحفاظ الذابين عن الشريعة حفظا لاصلها، وبالفقهاء حفظا لمعانيها، وهم سلاطين العلماء لا يتركون لكذاب رأسا يرتفع.
قال ابن عقيل: والناس يقولون: إذا أحب الله خراب بت تاجر عاشر الصوفية، قال: وأنا أقول وخراب دينه لأن الصوفية قد أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب، فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى في خلال ذلك مغازلات، واستخلاء (١) بعض الأشخاص ببعض فصارت الدعوة عرسا للشخصين، فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص ومال طبع إلى طبع وتتغير المرأة على زوجها، فإن طابت نفس الزوج سمي بالديوث، وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط بمن لا يضيق الخناق ولا يحجر على الطباع. ويقال: تابت فلانة وألبسها الشيخ الخرقة وقد صارت من بناته. ولم يقنعوا أن يقولوا هذا لعب وخطأ حتى قالوا: هذا من مقامات الرجال، وجرت على هذه السنون، وبرد حكم الكتاب والسنة في القلوب. هذا كله من كلام ابن عقل ﵁، فلقد كان ناقدا مجيدا متلمحا (٢) فقيها.
أنشدنا أبو علي عبيد الله الزاغونى، قال: أنشدنا أبو محمد بن رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وأبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكرى، قالا: أنشدنا أبو بكر العنبري لنفسه في الصوفية:
تأملت اختبر المدعين … بين الموالي وبين العبيد
فألفيت أكثرهم كالسراب … يروقك منظره من بعيد
فناديت يا قوم من تعبدون فكل أشار بقدر الوجود
فبعض أشار إلى نفسه … واقسم ما فوقها من مزيد
وبعض إلى خرقة رقعت … وبعض إلى ركوة (٣) من جلود
стр. 421
وآخر يعبد أهواءه … وما عابد للهوى بالرشيد
ومجتهد وقته زينه … فإن فات بات بليل عنيد
وذو كلف باستماع السما … ع بين البسيط و بين النشيد
يئن اذا أومضت رئة … ويزار منها زئير الأسود
يخرق خلقانه (١) عامدا … ليعتاض منها بثوب جديد
ويرمي بهيكله في السعير (٢) … لقلع الثريد وبلع العصيد (٣)
فيا للرجال ألا تعجبون … لشيطان اخواننا ذ المزيد
يخبطهم بفنون الجنون … وما للمجانين غير القيود
وأقسم ما عرفوا ذا الجلال … وما عرفوه بغير الجحود
ولولا الوفاء لأهل الوفاء … سلقتهم بلسان حديد (٤)
فمالي يطالبني بالوصا … ل من ليس يعلم ما في الصدود
اضن بودى ويسخو به … وقد كنت اسخو به للودود
ولكن إذا لم أجد صاحبا … يسر صديقى ويشجى (٥) الحسود
عطفت بودي مني إليه … فغاب نحوسي و آب (٦) السعود
فما بال قومي على جهلهم … بعز الفريد وأنس الوحيد
إذا أبصروني بكوا رحمة … ونيران أحقادهم في وقود
لأني بعدت عن المدعين … ولو صدقوا كنت غير البعيد
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبار الصيرفي، نا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، قال: أنشدنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر التجيبي، قال: أنشدنا الحسن بن على ابن سيار:
رأيت قوما عليهم سمة الخير … بحمل الركاء (٧) مبتهلة
اعتزلوا الناس في جوامعهم … سألت عنهم فقيل متكلة
صوفية للقضاء صابرة … ساكنة تحت حكمه بزله (٨)
فقلت إذ ذاك هؤلاء هم ال … ناس ومن دون هؤلاء رزله
فلم أزل خادما لهم زمنا … حتى تبينت أنهم سفله
стр. 422
ائن ائكلوا كان ائكلهم سرفا … ائو لبسوا كان شهرة مثله (١)
سل شيخهم والكبير مختبرا … عن فرضه لا تخاله عقله
وسائله عن شادن (٢) غنج … مدلل لا تراه قد جهله
علمهم بينهم إذا جلسوا … كعلم راعي الرعاع والرذلة
الوقت والحال والحقيقة وال … برهان والعكس عندهم مثله
قد لبسوا الصوف كي ير و اصلحا … وهم شرار الذباب والحفلة (٣)
وجانبوا الكسب والمعاش لكي … يستأصلوا الناس شرها ائكله (٤)
وليس من عفة ولا دعة … لكن تعجيل راحة العطلة
فقل لمن مال باختداعهم … اليهم تب فإنهم بطله
واستغفر الله من كلامهم … ولا تعاود لعشرة الجهله
قال الصوري وائنشدني بعض شيوخنا:
ائهل التصوف قد مضوا … صار التصوف مخرقة (٥)
صار التصوف صيحة … وتواجدا ومطبقة (٦)
كذبتك نفسك ليس ذا صحة … سنن الطريق الملحقة (٧)
حتى تكون بعين من منه … العيون المحدقة
تجري عليك صروفه … وهموم سرك مطرقه
ائنشدنا محمد بن ناصر، قال: ائنشدنا ائبو زكريا التبريزي لابي العلاء المعرى:
زعموا بائنهم صفوا لمليكهم … كذبوك ما صافوا ولكن صافوا (٨)
شجر الخلاف (٩) قلوبهم ويحلها … غرضى خلاف الحق لا الصفصاف
ائنشدنا ابن ناصر، ائنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا أبو إسحاق الشيرازي الفقيه لبعضهم:
ائرى جيل التصوف شرجيل … فقل لهم واهون بالحلول
ائقال الله حين عشقتموه … كلوا ائكل البهائم وارقصوا لى
стр. 423
الباب الحادي عشر في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات
قد بينا فيما تقدم أن إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم، فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه، وكلما كثر العلم قل تمكنه منه. ومن العباد من يرى ضوءا أو نورا في السماء، فان كان في رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره، قال: قد فتحت لي أبواب السماء. وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة، وربما كان اتفاقا وربما كان اختبارا وربما كان من خدع إبليس. والعاقل لا يساكن (١) شيئا من هذا ولو كان كرامة.
وقد ذكرنا في باب الزهاد عن مالك بن دينار وحبيب العجمي أنهما قالا: إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز.
ولقد استغوى بعض ضعفاء الزهاد بأن أراه ما يشبه الكرامة حتى أدعى النبوة، فروي عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، قال: ثنا محمد بن المبارك، ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن حسان، قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالغوطة تعرض له إبليس، وكان متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرأيت عليه زهادة، وكان إذا أخذ في التحميد لم يصغ السامعون إلى كلام أحسن من كلامه. قال: فكتب إلى أبيه يا بتاه عجل علي فإني قد رأيت أشياء أتخوف منها ان تكون من الشيطان، قال: فزاده أبوه غيا (٢)، وكتب إليه: يا بني، أقبل على ما أمرت به إن الله يقول: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم﴾ (الشعراء: ٢٢٢). ولست بأفاك ولا أثيم فأمض لما أمرت به. وكان يجئ الى أهل المساجد رجلا رجلا فيذكر لهم أمره، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق إن هو رأى ما يرضى قبل وإلا كتم عليه. وكان يريهم الأعاجيب، كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح. وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء ويقول: أخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرجهم إلى دير المران فيريهم رجالا على الاعتمال
стр. 424
حيل. فتبعه بشر كثير، وفشى الأمر وكثر أصحابه حتى وصل خبره إلى القاسم بن مخيمرة، فقال له: إني نبي، فقال له القاسم: كذبت يا عدو الله، فقال له أبو ادريس: بئس ما صنعت اذ لم تلن له حتى تأخذه، الآن يفر، وقام من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره، فبعث عبد الملك في طلبه فلم يقدر عليه.
وخرج عبد الملك حتى نزل العنيبرة (١)، فاتهم عامة عسكره بالحارث أن يكونوا يرون رأيه، وخرج الحارث، حتى أتى بيت المقدس واختفى، وكان أصحابه يخرجون يلتمسون الرجال يدخلونهم عليه، وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فأدخل على الحارث فأخذ في التحميد، وأخبره بأمره وأنه نبي مبعوث مرسل، فقال: إن كلامك لحسن ولكن لي في هذا نظر، قال: فانظر. فخرج البصري ثم عاد إليه فرد (٢) عليه كلامه فقال: إن كلامك لحسن وقد وقع في قلبي وقد آمنت بك، وهذا هو الدين المستقيم فأمر أن لا يحجب عنه متى اراد الدخول عليه، فأقبل البصري يتردد إليه ويعرف مداخله ومخارجه وأين يهرب حتى صار من أخبر الناس به. ثم قال له: أذن لي، فقال: إلى أين، قال: إلى البصرة فأكون أول داع لك بها.
قال: فأذن له فخرج مسرعا إلى عبد الملك، وهو بالصنيبرة، فلما دنا من سرادقه صاح: النصيحة النصيحة، فقال أهل العسكر: وما نصيحتك؟! قال: نصيحة لأمير المؤمنين، فأمر الخليفة عبد الملك أن يأذنوا له بالدخول عليه، فدخل وعنده أصحابه، قال: فصاح: النصيحة، قال: وما نصيحتك؟ قال: أخلني (٣) لا يكون عندك أحد، فأخرج من في البيت، وقال له: ادنن، قال: ادن فدنا وعبد الملك على السرير، قال: ما عندك؟ قال: الحارث، فلما ذكر الحارث طرح عبد الملك نفسه من أعلى السرير إلى الأرض، ثم قال: أين هو، قال: يا أمير المؤمنين هو ببيت المقدس قد عرفت مداخله ومخارجه، وقص عليه قصته وكيف صنع به، فقال: أنت صاحبه وأنت أمير بيت المقدس وأميرنا هاهنا، فمرني بما شئت، قال: يا أمير المؤمنين ابعث معى
стр. 425
قوما لا يفهمون الكلام، فأمر أربعين رجلا من فرغانة، فقال: انطلقوا مع هذا فما أمركم به من شيء فأطيعوه، قال: وكتب إلى صاحب بيت المقدس أن فلانا هو الامير عليك حتى يخرج فأطعه فيما أمرك به. فلما قدم بيت المقدس أعطاه الكتاب، فقال: مرني بما شئت، فقال: أجمع لي كل شمعة تقدر عليها ببيت المقدس، وأدفع كل شمعة إلى رجل، ورتبهم على أزقة بيت المقدس وزواياها، فإذا قلت: أسرجوا أسرجوا جميعا، فرتبهم في أزقة بيت المقدس وزواياها بالشمع.
وتقدم البصري إلى منزل الحارث، فأتى الباب، فقال للحاجب: أستأذن لي على نبي الله، قال: في هذه الساعة ما يؤذن عليه حتى يصبح، قال: أعلمه إني ما رجعت إلا شوقا اليه قبل أن أصل، فدخل عليه فأعلمه بكلامه فأمره بفتح الباب، قال: ثم صاح البصري: أسرجوا الشموع فأسرجت حتى كانت كأنها النهار، ثم قال: من مر بكم فأضبطوه كائنا من كان، ودخل هو إلى الموضع الذي يعرفه فطلبه فلم يجده، فقال أصحاب الحارث: هيهات تريدون تقتلون نبي الله قد رفع إلى السماء، قال: فطلبه في شق قد هيأه (١) سربا، فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا هو بثوبه، فاجتره فأخرجه إلى خارج، ثم قال للفرغانيين: اربطوه فربطوه. فبينما هم يسيرون به على البريد إذ قال: أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله فقال رجل من الفرغانيين - أولئك العجم - هذا كرامتنا فهات كرامتك أنت، وساروا به حتى أتوا به عبد الملك، فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت فصلبه، وأمر بحربة وأمر رجلا فطعنه فلما صار إلى ضلع من أضلاعه، فانكفأت (٢) الحربة عنه فجعل الناس يصيحون ويقولون: الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة، ثم مشى إليه وأقبل يتجسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها فأنفذها، فقتله.
قال الوليد: بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية دخل على عبد الملك ابن مروان، فقال: لو حضرتك ما أمرتك بقتله، قال: ولم؟ قال: إنما كان به المذهب (٣) فلو جوعته ذهب عنه.
وروى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء، قال: لما حمل الحارث على