← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30085

تلبيس إبليس - ت خير الدين وائلي

ابن الجوزي

Полный текст (455 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة المحقق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. و بعد فلما كان كتاب «تلبيس ابليس» للامام الكبير والمحدث الفقيه جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من أشهر كتبه، ومن أواخرها، فقد أشار فيه الى بعض كتبه كالموضوعات والتاريخ وغيرهما.

стр. 2

ولما كان هذا الكتاب يجمع بين الفائدة والمتعة، بين العلم الغزير والأسلوب البسيط الرائق الذي يجلو الشبهات ويكشف ستر ابليس وجماعته، ويرشد الى أقوم السبل وآمنها فقد قمت بالقاء نظرة عليه قبل أن أقدمه الى المطبعة، شارحا بعض عباراته المبهمة، مخرجا أحاديثه المرفوعة، مشيرا الى الآيات ومواضعها من القرآن الكريم، ومعلقا بعض التعليقات النافعة. وقد اعتمدت في هذا التحقيق، النسخة التي نشرها «محمد منير الدمشقي» سائلا الله أن ينفع بهذا الكتاب، ويثيب مؤلفه وناشريه أجزل الثواب، وله الحمد أولا وآخرا. «خير الدين علي»

стр. 3

التعريف بابن الجوزي هو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه، الواعظ، الحافظ، المفسر الملقب بجمال الدين. وهو منسوب إلى محلة بالبصرة تسمى (محلة الجوز). ولد سنة إحدى عشرة أو اثنتي عشرة وخمسمائة للهجرة في بغداد، وتوفي والده وهو صغير. فلما ترعرع حملته عمته إلى مسجد «أبي الفضل بن ناصر» الحافظ البغدادي فسمع منه الحديث. وحفظ القرآن على جماعة من أئمة القراء، وكان يلازم من الشيوخ أعلمهم، ويؤثر من أرباب النقل أفهمهم - كما قال هو عن نفسه في مشيخته. وقد صحب «ابن الزاغوني» فأخذ عنه الفقه والوعظ. وقرأ الأصول والجدل على «أبي بكر الدينوري» والقاضي «أبي يعلى»، وتتبع مشايخ الحديث والفقه، ولم يقنع بفن واحد. فقرأ الأدب على «الجواليقي» أستاذ عصره، بل لم يترك أحدا ممن يروي ويعظ، ولا غريبا يقدم إلا استفاد منه. وقد قال عن نفسه: كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق. وكان في زمن الطلب يأخذ معه أرغفة يابسة ويخرج في طلب الحديث، فيقعد على نهر عيسى لا يقدر على أكل هذا الخبز اليابس إلا عند الماء، كلما أكل لقمة شرب عليها شربة! كان ﵀ ورعا، جريئا، وما تناول مالا من جهة لا يتيقن حلها، ولا ذل لأحد، وكان معجبا بنفسه، قال في «لفتة الكبد»:

стр. 4

«ولقد وضع الله لي من القبول في قلوب الخلق فوق الحد، وأوقع كلامي في نفوسهم، فلا يرتابون بصحته، وقد أسلم على يدي نحو مائتين من أهل الذمة». وقال سبطه أبو المظفر: «أقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف». كان ﵀ قوي البديهة، حاضر الذهن، فقد وقع النزاع على عهده في المفاضلة بين أبي بكر وعلي، بين أهل السنة والشيعة، ورضوا فيما بينهم بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاموا له رجلا وسط المجلس، فسأله عن ذلك فقال على الفور: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك. فقال السنية: هو أبو بكر ﵁ لان عائشة ﵂ تحت رسول الله ﷺ ، وقالت الشيعة: هو علي ﵁ لأن فاطمة بنت رسول الله ﷺ تحته قال ابن خلكان: و هذه من لطائف الاجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وامعان النظر كان في غاية الحسن، فضلا عن البديهة. أما منزلته في الوعظ فلم يكن يدانيه أحد، فلقد أوتي حسن التصرف في فنون القول، وشدة التأثير في الناس، وكانت مجالسه الوعظية جامعة، ولقد تاب في مجالسه أكثر من مائة ألف. ووعظ وهو ابن عشر سنين الى أن مات، وكان يحضر مجالسه أمير المؤمنين والسلاطين والأمراء والعلماء فضلا عن عامة الناس.

стр. 5

وكان يظهر في مجالسه مدح السنة ويذم أهل البدع. أما كتبه فهي أكثر من أن تعد كما قال ابن خلكان وكتب بخط يده شيئا كثيرا، وقد قيل: انه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس. وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل. وقال أبو الفرج: «أول ما صنفت وألفت ولي من العمر نحو ثلاث عشرة سنة». وتصانيفه كثيرة جدا، وقد نقل ابن رجب عن ابن القطيعي أن ابن الجوزي ناوله كتابا بخطه سرد فيه تصانيفه. قال ابن كثير في البداية والنهاية: «برز ابن الجوزي في علوم كثيرة وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوا من ثلاثمائة مصنف، وكتب بيده نحوا من مئتي مجلد، وله في أكثر العلوم اليد الطولى، والمشاركات في سائر أنواعها، من التفسير والحديث والتاريخ والحساب والنجوم والطب والفقه، وغير ذلك من اللغة والنحو، وله من المصنفات في ذلك كله ما يضيق هذا المكان عن تعدادها وحصر أفرادها.» وقال ابن خلكان في ترجمته: (انه كان علامة عصره، وامام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، صنف في فنون كثيرة منها: «زاد المسير في علم التفسير» أربعة أجزاء أتى فيه بأشياء غريبة، وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله «المنتظم» في التاريخ وهو كبير، وله «الموضوعات»، أربعة أجزاء ذكر فيها كل حديث موضوع. وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد.

стр. 6

ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله ﵌ فحصل منها شيء كثير أوصى أن يسخن به الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت». وقال الحافظ الذهبي: «ما علمت أن أحدا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عددت له أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره». ووصفه الحافظ الدبيشي بأنه: «صاحب التصانيف في فنون العلم، من التفاسير والفقه والحديث والوعظ والرقائق والتواريخ وغير ذلك. وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه والوقوف على صحيحه من سقيمه. وله فيه المصنفات … وله في الوعظ العبارة الرائعة والإشارات الفائقة والمعاني الدقيقة … وكان من أحسن الناس كلاما، وأتمهم نظاما، وأعذبهم لسانا، وأجودهم بيانا … سمع الناس منه أكثر من أربعين سنة وحدث بمصنفاته مرارا». وقال الموفق عبد اللطيف: «كان ابن الجوزي لا يضيع من زمانه شيئا، يكتب في اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدا إلى ستين. وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف … » من مصنفاته في القرآن وعلومه كتابه «المغني في التفسير» و «زاد المسير في علم التفسير» (١)، و «تيسير البيان في تفسير». _________ (١) وقد قام بطبعه المكتب الإسلامي بدمشق في تسعة أجزاء.

стр. 7

«القرآن»، و «عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ». ومن مصنفاته في أصول الدين: «منهاج الوصول الى علم الأصول»، و «منهاج أهل الاصابة». وله في الحديث مصنفات عديدة منها: «جامع المسانيد بألخص الأسانيد» «التحقيق في أحاديث التعليق» «الموضوعات (٢) من الأحاديث المرفوعات» «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية» وله في المناقب مصنفات كثيرة منها «مناقب أبي بكر»، و «فضائل عمر بن الخطاب»، و «مناقب علي» و «فضائل عمر بن عبد العزيز» و «فضائل سعيد بن المسيب والحسن البصري والفضيل والثوري وابن حنبل وغيرهم. ومن مصنفاته في التاريخ: «تلقيح فهوم أهل الاثر في عيون التواريخ والسير» و «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم». وله في الفقه مصنفات منها: «الانصاف في مسائل الخلاف»، و «عمدة الدلائل في مشتهر المسائل» أما في الوعظ فله: علوم الوعظ. واليواقيت في الخطب. ونسيم الرياض والمدهش، ونزهة الأديب. وتحفة الوعاظ وغيرها _________ (٢) طبعته المكتبة السلفية بالمدينة المنورة

стр. 8

وله في الفنون الأخرى الشيء الكثير منها: ذم الهوى. وصيد الخاطر، والأذكياء. والحمقى. وأعلام الأحياء بأغلاط الاحياء. والمقامات. والطب الروحاني. والوفا بفضائل المصطفى. والمختار من الأشعار. ولغة الفقه، وغريب الحديث، وزين القصص. وكانت وفاته في رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة عن ست وثمانين سنة تقريبا قضاها في التأليف والوعظ والارشاد. قال سبطه أبو المظفر: ((وغسل وقت السحر، واجتمع أهل بغداد، وغلقت الأسواق، وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، وكان في شهر تموز فأفطر بعض من حضر لشدة الحر وكثرة الزحام، وما وصل حفرته الا وقت صلاة الجمعة والمؤذن يقول: الله أكبر. ودفن بباب حرب بالقرب من مدفن أحمد بن حنبل ﵁.)) تغمده الله برحمته ونفع المسلمين بعلومه، وجعل أجر ذلك في صحيفة أعماله (١). _________ (١) راجع وفيات الاعيان ١/ ٢٧٩، البداية والنهاية ١٣ - ٢٨، مفتاح السعادة ١ - ٢٠٧، ابن الوردي ٢ - ١١٨، دائرة المعارف الاسلامية ١ - ١٢٥، الكامل لابن الأثير ١٠ - ٢٢٨، الذيل على طبقات الحنابلة ١ - ٣٩٩.

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي سلم ميزان العدل إلى أكف ذوي الألباب، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالثواب والعقاب، وأنزل عليهم الكتب مبينة للخطأ والصواب، وجعل الشرائع كاملة لا نقص فيها ولا عاب (١)، أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب، وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله وقد سدل (٢) الكفر على وجه الايمان الحجاب، فنسخ الظلام بنور الهدى وكشف النقاب، وبين للناس ما نزل إليهم وأوضح مشكلات الكتاب، وتركهم على المحجة (٣) البيضاء لاسرب (٤) فيها ولا سراب، فصلى الله عليه وعلى جميع الآل وكل الأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن أعظم النعم على الإنسان العقل، لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه، والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد، بعثت الرسل وأنزلت الكتب، فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس. ولما ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصادقة، بدلائل المعجزات الخارقة، سلم إليهم، واعتمد فيما يخفى عنه عليهم. ولما أنعم الله على هذا العالم الإنسي بالعقل أفتتحه الله بنبوة أبيهم آدم ﵇، فكان يعلمهم عن وحي الله فكانوا على الصواب، إلى أن انفرد قابيل بهواه فقتل أخاه، ثم تشعبت الأهواء بالناس فشردتهم في بيداء الضلال، حتى عبدوا الأصنام واختلفوا في العقائد والأفعال اختلافا خالفوا فيه الرسل والعقول اتباعا لأهوائهم، وميلا إلى عاداتهم، وتقليدا لكبرائهم، فصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين.

стр. 10

فصل واعلم أن الانبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف. فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبها، وبالدواء سما، وبالسبيل الواضح جردا (١) مضلا. وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون السائبة (٢) والبحيرة (٣) والوصيلة (٤) والحامي (٥)، ويرون وأد البنات، ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوله لهم إبليس، فابتعث الله محمدا ﷺ ، فرفع المقابح، وشرع المصالح. فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره، سالمين من العدو وغروره. فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الاهواء تنشيء بدعا (٦) وتضيق سبيلا ما زال متسعا، ففرق الاكثرون دينهم وكانوا شيعا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف، ويفرق ويؤلف وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح. فرأيت أن أحذر من مكايده، وأدل على مصايده، فإن في تعريف الشر تحذيرا عن الوقوع فيه. ففي الصحيحين من حديث حذيفة قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني». وقد أخبرنا أبو البركات سعدالله بن علي البزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الطريثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن حسن الطبري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن سهل، قال: ثنا محمد بن

стр. 11

أحمد بن الحسن، قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا عبيد بن يعيش، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد بن اسحاق عن الحسن او الحسن بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني. فقيل: وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه كما أخرجها. فصل وقد وضعت هذا الكتاب محذرا من فتنة، ومخوفا من محنة، وكاشفا عن مستوره، وفاضحا له في خفي غروره. والله المعين بجوده، كل صادق في مقصوده. وقد قسمته ثلاثة عشر بابا ينكشف بمجموعها تلبيسه، ويتبين للفطن بفهمها تدليسه، فمن انتهض عزمه للعمل بها ضج منه إبليسه. والله موفقي فيما قصدت، وملهمي للصواب فيما أردت. ذكر تراجم الأبواب الباب الأول - في الأمر بلزوم السنة والجماعة. الباب الثاني - في ذم البدع والمبتدعين. الباب الثالث في التحذير من فتن إبليس ومكايده. الباب الرابع - في معنى التلبيس والغرور. الباب الخامس - في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات. الباب السادس - في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم. الباب السابع - في ذكر تلبيسه على الولاة والسلاطين. الباب الثامن - في ذكر تلبيسه على العباد في فنون العبادات. الباب التاسع - في ذكر تلبيسه على الزهاد. الباب العاشر - في ذكر تلبيسه على الصوفية. الباب الحادي عشر - في ذكر تلبيسه على المتدينين بما يشبه الكرامات. الباب الثاني عشر - في ذكر تلبيسه على العوام. الباب الثالث عشر - في ذكر تلبيسه على الكل بتطويل الأمل.

стр. 12

الباب الأول الأمر بلزوم السنة والجماعة أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أحمد بن جعفر ابن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي عن ابن إسحاق، نا ابن المبارك، ثنا محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن عمر ابن الخطاب ﵄ خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال «من أراد منكم بحبوحة الجنة (١) فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد (٢)». أخبرنا أحمد، وحدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة. قال: خطب عمر الناس بالجابية فقال: إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا، فقال: «من أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ ويحيى بن علي المديني، نا أبو محمد الصريفيني، نا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبدان، ثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا سعيد بن يحيى الأموي، ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود، عن زر عن عمر بن الخطاب. قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد (٣)». حدثنا عبد الأول بن عيسى، نا أبو القصار بن يحيى، ثنا أبو الحسن علي ابن عبد العزيز، أنبأنا أبو عبيد، نا النضر بن إسماعيل، عن محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله

стр. 13

عليه وسلم: «من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد». أخبرنا عبد الأول، نا أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الفارسي، نا عبد الرحمن بن أبي شريح، ثنا ابن صاعد، ثنا ابراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو معاوية عن يزيد بن مردانبه عن زياد بن علاقة عن عرفجة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يد الله على الجماعة، والشيطان مع من يخالف الجماعة» (١). أخبرنا محمد بن عمر الأرموي والحسين بن علي المقري، نا عبد الصمد ابن المأمون، نا علي بن عمر الدارقطني، ثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، حدثني أبي، ثنا محمد بن يعلى، ثنا سليمان العامري عن الشيباني عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم» (٢). أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، أنبأنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله، قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما (٣)» قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه». ثم قرأ ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾. وبالإسناد قال أحمد، وثنا روح، ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية.

стр. 14

والناحية. فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد (١)». حدثنا أحمد، ثنا أبو اليمان، ثنا ابن عياش، عن أبي البختري، عن عبيد ابن سليمان، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن الله لم يجمع أمتي إلا على الهدى (٢)». أخبرنا عبد الملك بن القاسم الكروخي، قال: أخبرنا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العروجي، قالا: أخبرنا الحراجي، قال: أخبرنا المحبوبي، ثنا الترمذي، ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت (٣) على ثنتين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه (٤). وروى أبو داود في «سننه» من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال: ألا أن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري (٥) بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب.

стр. 15

بصاحبه (١). أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز، نا أحمد بن علي الطريثيثي، نا هبة الله ابن الحسين الحافظ، نا محمد بن الحسين الفارسي، نا يوسف بن يعقوب ابن إسحاق، ثنا العلاء بن سالم، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش بن مالك بن الحارث عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله (٢). قال: «الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة». أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، نا أحمد بن الحداد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد بن الحسين، ثنا بشر بن موسى، ثنا محمد بن سعيد، ثنا ابن المبارك عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: «عليكم بالسبيل والسنة فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف». أخبرنا سعد الله بن علي، نا الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسين، نا عبد الواحد بن عبد العزيز، نا محمد بن أحمد الشرقي، ثنا عثمان بن أيوب، نا إسحاق بن إبراهيم المروزي، قال: ثنا أبو إسحاق الأقرع، قال: سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: «النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة». أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال: نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الأصبهاني، ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت عاصما الأحول يحدث عن أبي العالية، قال: «عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا» قال عاصم: فحدثت به الحسن. فقال: «قد نصحك والله وصدقك». أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا أحمد بن أحمد، قال: نا أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحسن، أنبأنا بشر بن موسى، نا معاوية ابن عمرو، نا أبو إسحاق الفزاري. قال: قال الأوزاعي: «اصبر نفسك على

стр. 16

السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك اصالح، فإنه يسعك ما وسعهم». أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن عبد الله بن أسلم، أنبأنا محمد بن منصور الهروي، ثنا عبد الله بن عروة، قال: سمعت يوسف بن موسى القطان يحدث عن الأوزاعي، قال: «رأيت رب العزة في المنام. فقال لي يا عبد الرحمن؟ أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقلت: بفضلك يا رب، وقلت: يا رب أمتني على الإسلام، فقال: وعلى السنة». أخبرنا محمد بن أبي القاسم، أنبأنا أحمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا إبراهيم بن أبي عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق، سمعت أبا همام السكوني يقول: حدثني أبي قال: سمعت سفيان يقول: «لا يقبل قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة». أخبرنا محمد، نا أحمد أبو نعيم، أنبأنا محمد بن علي، ثنا عمرو بن عبدوية ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الرحمن بن عفان، قال: ثنا يوسف بن أسباط. قال: قال سفيان: «يا يوسف إذا بلغك عن رجل بالمشرق أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، وإذا بلغك عن آخر بالمغرب أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام، فقد قل أهل السنة والجماعة». أخبرنا سعد الله بن علي، نا أحمد بن علي الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسين الطبري، نا محمد بن عبد الرحمن، نا البغوي، نا محمد بن زياد البلدي، ثنا أبو أسامة عن حماد بن زيد، قال أيوب: «إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي». وبه، قال الطبري، وأخبرنا الحسين بن أحمد، ثنا عبد الله اليزدجردي، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: ثنا أيوب بن سويد عن عبد الله بن شوذب عن أيوب. قال: «إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة». قال الطبري: وأخبرنا أحمد بن محمد بن حنون، ثنا جعفر بن محمد بن نضير، ثنا أحمد بن محمد بن مسروق، ثنا محمد بن هارون أبو نشيط، ثنا أبو عمير بن النحاس، ثنا ضمرة عن أبن شوذب. قال: «إن من نعمة الله

стр. 17

على الشاب اذا نسك، أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها». قال الطبري: وأخبرنا عيسى بن علي، ثنا البغوي، ثنا محمد بن هارون، ثنا سعيد بن شبيب، قال: سمعت يوسف بن أسباط، يقول: «كان أبي قدريا وأخوالي روافض فأنقذني الله بسفيان (١)». قال الطبري: وأخبرنا أحمد بن محمد ابن حفص، نا عبد الله بن عدي، ثنى أحمد بن العباس الهاشمي، ثنا محمد ابن عبد الأعلى، قال: سمعت معتمر بن سليمان يقول: «دخلت على أبي وأنا منكسر فقال لي: مالك؟ قلت: مات صديق لي، فقال: مات على السنة، قلت: نعم، قال: تحزن عليه». قال الطبري: وأخبرنا أحمد بن عبد الله، نا محمد بن الحسين، ثنا أحمد بن زهير، ثنا يعقوب بن كعب، ثنا عبدة، ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري. قال: «استوصوا بأهل السنة خيرا، فإنهم غرباء». أخبرنا أبو منصور بن حيرون، نا إسماعيل بن أبي الفضل الإسماعيلي، نا حمزة بن يوسف السهمي، نا عبد الله بن علي الحافظ، نا أبو عوانة، ثنا جعفر بن عبد الواحد قال: قال لنا ابن أبي بكر بن عياش: «السنة في الإسلام، أعز من الإسلام في سائر الأديان». سمعت أبا عبد الله الحسين بن علي المقري يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الإسكندراني يقول: سمعت أبا منصور محمد الأزدي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن فراشة، يقول: سمعت أحمد بن منصور، يقول: سمعت الحسن ابن محمد الطبري، يقول: سمعت محمد بن المغيرة يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت الشافعي يقول: «إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث، فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي ﷺ ». أخبرنا محمد ابن أبي القاسم، نا أحمد، نا أبو نعيم، أخبرني جعفر الخلدي في كتابه، قال: سمعت الجنيد يقول: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه. أخبرنا عمر بن طفر، نا جعفر بن محمد، نا

стр. 18

عبد العزيز بن علي الأزجي، نا علي بن عبد الله بن جهضم، نا محمد بن حابان. قال: سمعت حامد بن إبراهيم يقول: قال الجنيد بن محمد: الطريق إلى الله مسدودة على خلق الله تعالى، إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ والتابعين لسنته. كما قال الله : ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١)

стр. 19

الباب الثاني في ذم البدع والمبتدعين أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الشيباني، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب، نا أبو بكر أحمد بن حمدان، نا أبو عبد الله بن حنبل، قال: أخبرني أبي، ثنا يزيد عن إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي وأخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن الماوردي وأبو سعد البغدادي قالا: نا المطهر بن عبد الواحد، نا أبو جعفر أحمد بن محمد المرزبان، نا محمد ابن إبراهيم الحروزي، ثنا لوين، ثنا إبراهيم بن سعد عن ابيه، عن القاسم ابن محمد، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد». أخبرنا موهوب بن أحمد، نا علي بن أحمد البسري، ثنا محمد بن عبد الرحمن المخلص، ثنا عبد الله بن محمد البغوي، ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي وإسحاق بن إبراهيم المروزي قالا: ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». قال البغوي: وحدثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا عبد العزيز، عن عبد الواحد ابن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «من فعل أمرا ليس عليه أمرنا فهو رد» - أخرجاه في الصحيحين». أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن ومغيرة الضبي، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» - انفرد بإخراجه البخاري. أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾، فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال عرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله كأن

стр. 20

هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا. فقال: «أو صيتكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا، فانه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الله بن الوليد، ثنا سفيان عن الأعمش، عن أبي وائل. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض، وليختلجن رجال دوني. فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك - أخرجاه في «الصحيحين». أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن محمد، نا أبو نعيم، ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الله بن سليمان، ثنا محمد بن يحي، ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحي بن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن محرز قال: «يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة». أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا عمر بن عبد الله البقال، نا أبو الحسين بن بشران، ثنا عثمان ابن أحمد الدقاق، ثنا حنبل، قال حدثني أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل - ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر قال: كان طاوس جالسا وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة فتكلم في شيء فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه، وقال: «يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئا فإن هذا القلب ضعيف». ثم قال: «أي بني أسدد» فما زال يقول أسدد حتى قام الآخر. قال حنبل: وحدثنا محمد بن داود، ثنا عيسى بن علي الضبي. قال: كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم، فبلغ إبراهيم أنه قد دخل في الإرجاء (٢) فقال

стр. 21

له إبراهيم: «إذا قمت من عندنا فلا تعد». قال حنبل وحدثنا محمد بن داود الحداثي، قال: قلت لسفيان بن عيينة: إن هذا يتكلم في القدر - يعني إبراهيم بن أبي يحيى - فقال سفيان: «عرفوا الناس أمره وسلوا الله لي العافية». قال حنبل: وحدثنا سعدوية، ثنا صالح المري، قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح بابا من أبواب القدر فتكلم فيه. فقال ابن سيرين: إما أن تقوم وإما أن نقوم». أخبرنا المحمدان - ابن ناصر وابن عبد الباقي - قالا: نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو بكر بن راشد، ثنا إبراهيم بن سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع، قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب: أكلمك بكلمة؟ قال: «لا ولا نصف كلمة. قال ابن راشد: وحدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا يحي بن يمان، عن مخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن أيوب السختياني، قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا. أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز نا الطريثيثي، نا هبة الله بن الحصين، نا عيسى بن علي، نا البغوي، نا أبو سعيد الأشج، نا يحي بن اليمان، قال: سمعت سفيان الثوري قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يثاب منها وابدعة لا يثاب منها (١). أخبرنا ابن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا الحسين بن علي، ثنا محمود بن غيلان، ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: مات عبد العزيز ابن أبي داود وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا فصف الناس وجاء الثوري، فقال الناس: جاء الثوري فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه فجاوز الجنازة ولم يصل عليه لانه كن يرمي بالإرجاء. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، نا عبد الله بن أحمد السمرقندي، نا أحمد بن ثابت، نا أحمد بن روح النهرواني، ثنا طلحة بن أحمد الصوفي، ثنا محمد بن أحمد بن أبي مهزول، قال: سمعت أحمد بن عبد الله يقول: سمعت شعيب بن حرب يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الاسلام عروة عروة.

стр. 22

أخبرنا محمد بن ناصر، نا أحمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ثنا إسماعيل بن أحمد، نا عبد الله بن محمد، ثنا سعيد الكريري، قال: مرض سليمان التيمي فبكى في مرضه بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: «لا ولكني مررت على قدري (١) فسلمت عليه فأخاف أن يحاسبني ربي عليه». أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي، قالا: أخبرنا: أبو محمد الصريفيني، نا أبو بكر بن عبدان، نا محمد بن الحسين البائع، ثنى أبي، ثنا محمد بن بكر، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: «من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه». أخبرنا ابن عبد الباقي، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن النضر، ثنا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: «من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه». أخبرنا محمد بن عبد الباقي، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن علي، ثنا أبو يعلى، ثنا عبد الصمد، قال: سمعت الفضيل يقول: «إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام». وسمعت رجلا يقول للفضيل: «من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها». فقال له الفضيل: «من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له سيئاته». قال المصنف: وقد روي بعض هذا الكلام مرفوعا وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من وقر صاحب بدعة فقد

стр. 23

أعان على هدم الإسلام (١)». وقال محمد بن النضر الحارثي: «من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة (٢) ووكل إلى نفسه». وقال إبراهيم: سمعت أبا جعفر محمد بن عبد الله القابني يقول: سمعت علي بن عيسى يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى بقول: قال صاحبنا - يعني الليث بن سعد: لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته. فقال الشافعي: «أما انه قصر، لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته». وعن بشر بن الحارث أنه قال: «جاء موت هذا الذي يقال له: المريسي (٣)، وأنا في السوق فلولا أن الموضع ليس موضع سجود السجدت شكرا الحمد لله الذي أماته. هكذا قولوا». قال المصنف: حدثت عن أبي بكر الخلال، عن المروزي، عن محمد بن سهل البخاري، قال: كنا عند القرباني فجعل يذكر أهل البدع، فقال له رجل لو حدثتنا كان أعجب إلينا. فغضب وقال: «كلامي في أهل البدع أحب إلي من عبادة ستين سنة». فصل فإن قال قائل: قد مدحت السنة وذممت البدعة فما السنة؟ وما البدعة؟ فانا نرى أن كل مبتدع في زعمنا يزعم أنه من أهل السنة. فالجواب - أن السنة في اللغة: الطريق. ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله ﷺ و آثار أصحابه هم أهل السنة، لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه. والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم

стр. 24

الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان. فان ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا حفظا للأصل وهو الاتباع. وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر ﵄ حين قالا له: اجمع القرآن، كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟. وأخبرنا محمد بن علي بن أبي عمر، قال: أخبرنا علي بن الحسين، نا ابن شاذان، نا أبو سهل، نا أحمد البرني، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن أبي سلمة، أن سعد بن مالك سمع رجلا يقول: «لبيك ذا المعارج» فقال: «ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله ﷺ ». وأخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد يرفعه إلى أبي البحتري. قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون، قام فأتى ابن مسعود فجاء - وكان رجلا حديدا (١).

стр. 25

فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما، ولقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما. فقال عمرو بن عتبة: أستغفر الله، فقال: عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر عن أبي محمد الجوهري، عن أبي عمر بن أبي حياة، ثنا أحمد ابن معروف، ثنا الحسين بن فهم، ثنا محمد بن سعد، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا ابن عوف قال: كنا عند إبراهيم النخعي فجاء رجل فقال: يا أبا عمران أدع الله أن يشفيني. فرأيت أنه كرهه كراهية شديدة حتى عرفنا كراهية ذلك في وجهه. وذكر إبراهيم السنة فرغب فيها، وذكر ما أحدثه الناس فكرهه. وقال فيه: أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن ريان يقول: سمعت ذا النون - وجاءه أصحاب الحديث فسألوه عن الخطرات والوساوس. فقال: «أنا لا أتكلم في شيء من هذا فان هذا محدث، سلوني عن شيء من الصلاة أو الحديث». ورأى ذو النون علي خفا أحمر فقال: انزل هذا يا بني فإنه شهرة ما لبسه رسول الله ﷺ وإنما لبس خفين أسودين ساذجين (١). فصل قال الشيخ أبو الفرج ﵀: قد بينا أن القوم كانوا يتحذرون من كل بدعة وإن لم يكن بها بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن. وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها فلم يروا بفعلها بأسا كما روى أن الناس كانوا يصلون في رمضان وحدانا، وكان الرجل يصلي فيصلي بصلاته الجماعة فجمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب ﵄ فلما خرج فرآهم

стр. 26

قال: نعمت البدعة هذه (١) - لأن صلاة الجماعة مشروعة. وإنما قال الحسن في القصص: نعمت البدعة، كم من أخ يستفاد، ودعوة مستجابة. لأن الوعظ مشروع ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم. فأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة، وإن كانت مضادة فهي أعظم. فقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون، وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئا لم يكن قبل ولا مستند له، ولهذا استتروا ببدعتهم. ولم يكتم أهل السنة مذهبهم فكلمتهم ظاهرة ومذهبهم مشهور والعاقبة أهم. أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي التميمي، نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد، قال: ثني أبي، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل عن قيس عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» في «الصحيحين». أخبرنا هبة الله الحسن بن علي، نا ابن ملك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، قال: ثنا يوسف، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» انفرد به مسلم. وقد روى هذا المعنى عن النبي ﷺ معاوية وجابر بن عبد الله وقرة. أخبرنا الكروخي، نا النورجي والأزدي، قالا: نا الحراجي، ثنا المحبوبي، ثنا الترمذي، قال: قال محمد بن إسماعيل: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث. فصل في بيان انقسام أهل البدع أخبرنا عبد الملك الكروخي، نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر النورجي قالا: نا

стр. 27

الحراجي، ثنا المحبوبي، ثنا الترمذي، ثنا الحسين بن حريث، ثنا الفضل ابن موسى، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال المصنف: وقد ذكرنا هذا الحديث في الباب الذي قبله وفيه «كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». أخبرنا ابن الحسين، نا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، قال: ثني أبي، ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة (١)، ثنا خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة، وان أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة يهلك إحدى وسبعون وتخلص فرقة» قالوا: يا رسول الله، ما تلك الفرقة؟؟ قال: «الجماعة». قال الشيخ أبو الفرج ﵀: فإن قيل: وهل هذه الفرق معروفة. فالجواب إنا نعرف الافتراق وأصول الفرق (٢)، وإن كل طائفة من الفرق قد انقسمت إلى فرق، وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها، وقد ظهر لنا من أصول الفرق: الحرورية (٣) والقدرية، والجهمية والمرجئة، والرافضة، والجبرية، وقد قال بعض أهل العلم: أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست. وقد انقسمت كل فرقة منها على اثنتي عشرة فرقة فصارت اثنتين وسبعين فرقة. وانقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة. فأولهم «الأزرقية (٤) قالوا: لا نعلم أحدا مؤمنا وكفروا أهل القبلة إلا من دان بقولهم.

стр. 28

«والأباضية» (١) قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن ومن أعرض عنه فهو منافق. «والثعلبية» (٢) قالوا: إن الله لم يقض ولم يقدر. «والحازمية» (٣) قالوا: ما ندري ما الإيمان والخلق كلهم معذورون. «والخلفية» (٤) زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر وأنثى فقد كفر. «والمكرمية» (٥) قالوا: ليس لأحد أن يمس أحدا لأنه لا يعرف الطاهر من النجس، ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل. «والكنزية» قالوا: لا ينبغي لأحد أن يعطي ماله أحدا لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق. «والشمراخية» قالوا: لا بأس بمس النساء الأجانب لأنهن رياحين. «والأخنسية» (٦) قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر. «والمحكمية» قالوا: إن من حاكم إلى مخلوق فهو كافر. «والمعتزلة من الحرورية» قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين. «والميمونية» (٧) قالوا: لا إمام إلا برضى أهل محبتنا. وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة: «الأحمرية» وهي التي زعمت أن شرط العدل من الله أن يملك عباده أمورهم ويحول بينهم وبين معاصيهم. «والثنوية» وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من إبليس. «والمعتزلة» هم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا الرؤية. «والكيسانية» (٨) هم الذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله أم من العباد، ولا نعلم أيثاب الناس بعد الموت أو يعاقبون. «والشيطانية» (٩) قالوا: إن الله لم يقلق شيطانا.

стр. 29

و «الشريكة» قالوا: إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر. و «أوهمية» قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات ولا للحسنة والسيئة ذات. و «الرواندية» قالوا: كل كتاب أنزل من الله فالعمل به حق ناسخا كان أو منسوخا. و «البترية» (١) زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته. و «الناكثية» زعموا أن من نكث بيعة رسول الله ﷺ فلا إثم عليه. و «القاسطية» فضلوا طلب الدنيا على الزهد فيها. و «النظامية» تبعوا إبراهيم النظام في قوله: من زعم أن الله شيء فهو كافر. وانقسمت الجهمية (٢) اثنتي عشرة فرقة: «المعطلة» زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق، ومن ادعى أن الله يرى فهو كافر. و «المريسية» (٣) قالوا: أكثر صفات الله مخلوقة. و «الملتزقة» جعلوا الباري في كل مكان (٤). و «الواردية» قالوا: لا يدخل النار من عرف ربه، ومن دخلها ثم يخرج منها أبدا. و «الزنادقة» قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربا لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما يدرك فليس بإله وما لا يدرك لا يثبت. و «الحرقية» زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة ثم يبقى محترقا أبدا لا يجد حر النار. و «المخلوقية» زعموا ان القرآن مخلوق. و «الفانية» زعموا أن الجنة والنار تفنيان، ومنهم من قال: انهما لم تخلقا.

стр. 30

و «المغيرية» جحدوا الرسل فقالوا: إنما هم حكام. و «الواقفية قالوا: لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق. و «القبرية» ينكرون عذاب القبر والشفاعة. و «اللفظية» قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة: «التاركية» قالوا: ليس لله على خلقه فريضة سوى الإيمان به فمن آمن به وعرفه فليفعل ما شاء. و «السائبية» قالوا: إن الله تعالى سيب خلقه ليعملوا ما شاؤا. والراجية قالوا: لا نسمي الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا لأنا لا ندري ما له عند الله. و «الشاكية» قالوا: إن الطاعات ليست من الإيمان. و «البيهسية» (١) قالوا: الإيمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر. و «المنقوصية» قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. و «المستثنية» نفوا الاستثناء في الإيمان. و «المشبهة» يقولون لله بصر كبصري ويد كيدي. و «الحشوية» جعلوا حكم الأحاديث كلها واحدا، فعندهم إن تارك النفل كتارك الفرض. و «الظاهرية» (٢) وهم الذين نفوا القياس. و «البدعية» أول من ابتدع الأحداث في هذه الأمة. وانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة: «العلوية» قالوا: إن الرسالة كانت إلى علي وإن جبريل أخطأ. و «الأمرية» قالوا: إن عليا شريك محمد ﷺ في أمره. و «الشيعية» قالوا: إن عليا ﵁ وصي رسول الله ﷺ ووليه من بعده، وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره. و «الإسحاقية» قالوا: إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة وكل من يعلم علم أهل البيت فهو نبي.

стр. 31

«والناووسية» قالوا: إن عليا أفضل الأمة فمن فضل غيره عليه فقد كفر. «والإمامية» قالوا: لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإن الإمام يعلمه جبرائيل فإذا مات بدل مكانه مثله. «واليزيدية» قالوا: إن ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات، فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيره برهم وفاجرهم. «والعباسية» زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره. «والمتناسخة» قالوا: ان الارواح تتناسخ فمن كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق تسعد بعيشه، ومن كان مسيئا دخلت روحه في خلق تشقي بعيشه. «والرجعية» زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا وينتقمون من أعدائهم. «واللاعنية» الذين يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشة وغيرهم ﵃. «والمتربصة» تشبهوا بزي النساك ونصبوا في كل عصر رجلا ينسبون الأمر إليه، يزعمون أنه مهدى هذه الأمة فإذا مات نصبوا رجلا آخر. وانقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة فمنهم: «المضطربة» قالوا: لا فعل للآدمي بل الله يفعل الكل. «والأفعالية» قالوا: لنا أفعال ولكن لا استطاعة لنا فيها وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل. «والمفروغية» قالوا: كل الأشياء قد خلقت والآن لا يخلق شيء. «والنجارية» (١) زعمت أن الله يعذب الناس على فعله لا على فعلهم. «والمتانية» قالوا: عليك بما يخطر بقلبك فافعل ما توسمت به الخير. «والكسبية» قالوا: لا يكسب العبد ثوابا ولا عقابا. «والسابقية» قالوا: من شاء فليعمل ومن شاء لا يعمل فإن السعيد لا تضره ذنوبه والشقي لا ينفعه بره.

стр. 32

«والحبية» قالوا: من شرب كأس محبة الله سقطت عنه الأركان والقيام بها. «والخوفية» قالوا: إن من أحب الله لم يسعه أن يخافه لأن الحبيب لا يخاف حبيبه. «والفكرية» قالوا: إن من ازداد علما سقط عنه بقدر ذلك من العبادة. «والخسية» قالوا: الدنيا بين العباد سواء لا تفاضل بينهم فيما ورثهم أبوهم آدم. «والمعية» قالوا: منا الفعل ولنا الاستطاعة.

стр. 33

الباب الثالث في التحذير من فتن إبليس ومكايده قال الشيخ أبو الفرج ﵀ عليه: اعلم أن الآدمي لما خلق ركب فيه الهوى والشهوة ليجتلب بذلك ما ينفعه. ووضع الغضب ليدفع به ما يؤذيه وأعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب وخلق الشيطان محرضا له على الإسراف في اجتلابه واجتنابه. فالواجب على العاقل أن بأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان (١) عداوته من زمن آدم ﵊، وقد بذل عمره ونفسه في فساد أحوال بني آدم. وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال : ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (البقرة: ١٦٩ - ١٢٨) وقال تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ (البقرة: ٢٦٨) وقال تعالى: ﴿ويريد الشيطان أن يضلكم ضلالا بعيدا﴾ (النساء: ٦٠) وقال: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ (المائدة: ٩١) وقال تعالى: ﴿أنه عدو مضل مبين﴾ (القصص: ١٥) وقال: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ (فاطر: ٦) وقال تعالى: ﴿ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ (لقمان: ٣٣) وقال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ (يس: ٦٠) وفي القرآن من هذا كثير. (فصل) قال الشيخ أبو الفرج ﵀: وينبغي أن تعلم أن ابليس الذي شغله التلبيس أول ما التبس عليه الأمر فأعرض عن النص الصريح على السجود، فأخذ يفاضل بين الأصول فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين. ثم أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم، فقال: ﴿أرأيتك هذا الذي كرمت علي﴾ (الاسراء: ٦٢). والمعنى أخبرني لم كرمته علي؟ غرر ذلك الاعتراض أن الذي فعلته ليس بحكمة. ثم أتبع ذلك بالكبر فقال: ﴿أنا خير منه﴾، ثم امتنع عن السجود فأهان نفسه التي أراد تعظيمها باللعنة والعقاب. فمتى سول للإنسان أمرا فينبغي أن يحذر منه أشد الحذر، وليقل له حين أمره إياه بالسوء: إنما تريد بما تأمر به نصحي ببلوغي شهوتي. وكيف

стр. 34

يتضح صواب النصح للغير لمن لا ينصح نفسه. ثم كيف أثق بنصيحة عدو فانصرف فما في لقولك منفذ، فلا يبقى إلا أنه يستعين بالنفس لأنه يحث على هواها، فليستحضر العقل إلى بيت الفكر في عواقب الذنب لعل مدد توفيق يبعث جند عزيمته فيهزم عسكر الهوى والنفس. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، نا عاصم بن الحسن، نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا زكريا بن يحي، ثنا شامة بن سوار، ثني المغيرة، عن مطرف بن الشخير، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، إن كل مال نحلته عبدي فهو له حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب». أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا يحي بن سعيد، ثنا هشام، ثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار، أن النبي ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: «إن ربي … » إلى آخر الحديث المتقدم (١). أخبرنا ابن الحصين، نا ابن الذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد انك بن أحمد، ثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن ابر ابن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : إن ابليس يضع عرشه على الماء ثم بعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه - أو قال: فيلتزمه - ويقول: نعم أنت» (١). و به قال أحمد. وحدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر ﵁ يرفعه، قال: «إن إبليس قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش (٢)

стр. 35

بينهم:. قال: المصنف: انفرد به البخاري، والذي قبله مسلم وفي لفظ حديثه (١)،: «قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب». أنبأنا إسماعيل السمرقندي، نا عاصم بن الحسن، نا ابن بشران، نا ابن صفوان، نا أبو بكر العرشي، ثني الحسين بن السكن، ثنا المعلى بن أسد، ثنى عدي بن أبي عمارة، ثنا زياد النميري، عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه. قال: «إن الشيطان واضع خطمه (٢) على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه» (٣). أخبرنا محمد بن أبي منصور، نا عبد القادر، نا الحسن بن علي التميمي، نا أبو بكر ابن ملك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن، عن حماد ابن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود ﵁. قال: «إن الشيطان طاف بأهل مجلس الذكر ليفتنهم فلم يستطع أن يفرق بينهم، فأتى حلقة يذكرون الدنيا فأغرى بينهم حتى اقتتلوا، فقام أهل الذكر فحجزوا بينهم فتفرقوا» قال عبد الله: وحدثني علي بن مسلم، ثنا سيار، ثنا حبان الحريري، ثنا سويد القناوي، عن قتادة ﵁. قال: «ان لابليس شيطانا يقال له قبقب يجمه (٤) أربعين سنة فإذا دخل الغلام في هذا الطريق قال له: دونك إنما كنت أجمك لمثل هذا أجلب عليه وأفتنه». قال سيار: وحدثنا جعفر، ثنا ثابت البناني ﵁. قال: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵉ فرأى عليه معاليق (٥) من كل شيء. فقال يحيى: يا إبليس ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيد بهن ابن آدم، قال: فهل لي فيها من شيء؟: قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وثقلناك عن الذكر. قال: فهل غير لك؟ قال: لا والله. قال لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدا. قال ابليس: ولله على أن .. أنصح مسلما أبدا. قال عبد الله بن أحمد: ثنا

стр. 36

أبي، ثنا وكيع، ثنا الاعمش، عن خيثمة، عن الحارث بن قيس ﵁ قال: «إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال انك ترائي فزدها طولا». أنبأنا إسماعيل السمرقندي، نا عاصم بن الحسن، نا علي بن محمد، نا أبو علي بن صفوان، نا أبو بكر بن عبيد، نا عبد الرحمن بن يونس، نا سفيان بن عيينة. قال: سمع عمرو بن دينار عروة بن عامر، سمع عبيد ابن رفاعة يبلغ به النبي ﷺ يقول «كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها، وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب. فأتى بها الراهب فأبى أن يقبلها، فما زانوا به حتى قبلها فكانت عنده، فأتاه الشيطان فسول له إيقاع الفعل بها فأحبلها - ثم أتاه فقال له: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك فقل: ماتت فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس لهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ودفنها فأتاه أهلها يسألونه عنها. فقال: ماتت فأخذوه فأتاه الشيطان. فقال: أنا الذي ضربتها وخنقتها، وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج، اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال : ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال انى برئ منك اني اخاف الله رب العالمين﴾» (الحشر: ١٦) (١). وقد روي هذا الحديث على صفة أخر عن وهب بن منبه ﵁ «ان عابدا كان في بني اس ايل و كان من أعبد أهل زمانه وكان في مانه ثلاثة أخوة لهم أخت وكانت بكرا ليس لهم أخت غيرها. فخرج البعث على در أنتهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم ولا من يأمنون عليها ولا عند من يضعونها. قال: فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده فتكون في كنفه وجواره إلى أن يرجعوا من غزاتهم. فأبى ذلك عليهم وتعوذ بالله منهم ومن أحتهم، قال: فلم يزالوا به حتى أطاعهم فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي قال: فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا ينزل إليها بالطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد إلى صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام، قال: فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في

стр. 37

الخير ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها فلو مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم أجرا قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها ووضعه على باب بيتها ولم يكلمها، قال: فلبث على هذه الحالة زمانا ثم جاءه ابليس فرغبه في النير والأجر وحضه عليه، وقال: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لا جرك. قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بالطعام ثم وضعه في بيتها، فلبث على ذلك زمانا. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه، فقال: لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة. قال: فلم يزل به حتى حدثها زمانها يطلع إليها من فوق صومعته، قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد هي على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها وتحدثه وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها. قال: فلبثا زمانا يتحدثان. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب صومعتك ثم جلست قريبا من باب بيتها فحدثتها كان آنس لها. فلم يزل به حتى فعل، قال: فلبثا زمانا. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له عند الله من حسن الثواب فيما يصنع بها. وقال له: نو دنوت منها وجلست عند باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من بيتها ففعل، فكان ينزل من صومعته فيقف على باب بيتها فيحدثها فلبثا على ذلك حينا. ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت البيت معها فحدثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك. فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدانها نهارها كله فإذا مضى النهار صعد إلى صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها. فلم يزل به إبليس يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها فوالدته غلاما، فجاء إبليس فقال: أرأيت إن جاء اخوة الجارية وقد ولدت منك كي تصنع؟ لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوا، فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها. ففعل فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها. قال: خذها واذبحها وادفنها مع ابنها، فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحفرة مع ابنها، وأطبق عليهما صخرة عظيمة وسوى عليهما وصعد إلى صومعته يتعبد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث حتى أقبل اخوتها من الغزو، فجاؤوا فسألوه عنها فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها. وقال: كانت

стр. 38

خير امرأة وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكوا أختهم وترحموا عليها فأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم جاءهم الشيطان في النوم على صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها وكيف أراهم موضع قبرها فكذبه الشيطان. وقال: لم يصدقكم أمر أختكم إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم وألقاهما في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله، فانطلقوا فادخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله فإنكم ستجدونهما كما أخبرتكم هناك جميعا. وأتى الأوسط في منامه فقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرهم، فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم أصبحوا متعجبين مما رأى كل واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض يقول كل واحد منهم: لقد رأيت الليلة عجبا فأخبر بعضهم بعضا بما رأى. فقال كبيرهم: هذا حلم ليس بشيء فامضوا بنا ودعوا هذا عنكم، قال أصغرهم: والله لا أمضي حتى آتي إلى هذا المكان فأنظر فيه. قال: فانطلقوا جميعا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة، كما قيل لهم، فسألوا عنها العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا عليه ملكهم فأنزل من صومعته وقدم ليصلب، فلما أوثقوه على الخشبة أتاه الشيطان، فقال له: قد علمت أني أنا صاحبك الذي فتنتك بالمرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك وصورك خلصتك مما أنت فيه قال: فكفر العابد، فلما كفر بالله تعالى خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه، قال: ففيه نزلت هذه الآية ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك … إني أخاف الله رب العالمين﴾ وقد تقدم ذكرها. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم، نا أبو بكر الآجري، ثنا عبد الله بن محمد العطيني، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثنى محمد بن الحسين، ثنا بشر بن محمد بن أبان، ثنى الحسن بن عبد الله بن مسلم القرشي عن وهب بن منبه ﵁. قال: كان راهب في صومعته في زمن المسيح ﵇ فأراده إبليس فلم يقدر عليه فأتاه بكل رائدة (١) فلم يقدر عليه فأتاه متشبها بالمسيح فناداه: أيها الراهب اشرف .. علي أكلمك.

стр. 39

قال: انطلق لشأنك فلست أرد ما مضى من عمري فقال: أشرف علي فأنا المسيح فقال: إن كنت المسيح فما لي إليك حاجة أنست قد أمرتنا بالعبادة ووعدتنا القيامة انطلق نشأنك فلا حاجة لي فيك فانطلق اللعين عنه وتركه. أنبأنا إسماعيل بن أحمد، نا عاصم بن الحسن، نا علي بن محمد بن بشران نا أبو علي البردعي، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا أبو عبد الله محمد بن موسى الحرشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عمرو بن دينار، ثنا سالم بن عبد الله ﵁، عن أبيه، قال: لما ركب نوح ﵇ في السفينة رأى فيها شيخا لم يعرفه، فقال له نوح: ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك، فقال له نوح ﵇: اخرج يا عدو الله، فقال إبليس: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك بالاثنتين، فأوحى الله ﵎ إلى نوح ﵊ أنه لا حاجة لك إلى الثلاث مره يحدثك بالاثنتين، فقال: بهما أهلك الناس وهما لا يكذبان الحسد (١) والحرص (٢) فبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما، وبالحرص أبيح لآدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه فأخرج من الجنة. قال: ولقى إبليس موسى ﵇، فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما، وأنا من خلق الله تعالى أذنبت وأريد أن أنوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي فدعا موسى ربه، فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس، فقال له: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد له حيا أأسجد نه ميتا ثم قال إبليس: يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلك فيهن، اذكرني حين تغضب فأنا وحي في قلبك وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم. واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره وله وزوجته وأهله حتى يولي. وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها. قال القرشي: وحدثنا أبو حفص الصفار، ثنا جعفر ابن سليمان، ثنا شعبة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب ﵁، قال «ما بعث الله نبيا إلا لم يأمن ابليس أن هلكه بالنساء». قال القرشي: وثنى القاسم بن هاشم عن ابراهيم بن الاشعث، عن فضيل بن عياض، قال: حدثني بعض

стр. 40

أشياخنا أن إبليس لعنه الله جاء إلى موسى ﵊ وهو يناجي ربه تعالى، فقال له الملك: ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحالة يناجي ربه. قال: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة. قال القرشي: وثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، ثنا فرج ابن فضالة، عن عبد الرحمن بن زياد ﵁ قال: بينما موسى ﵇ جانس في بعض مجالسه اذا أقبل إبليس وعليه برنس (١) له يتلون فيه ألوانا فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه وقال له: السلام عليك يا موسى. فقال له موسى ﵇ من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: فلا حياك الله، ما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك لمنزلتك عند الله تعالى ومكانك منه، قال: فما الذي رأيته عليك؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم. قال: فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأحذرك ثلاثا: لا تخلون بامرأة لا تحل لك قط، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها. ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به، فإنه ما عاهد الله أحد إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء به. ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها، فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين إخراجها. ثم ولى وهو يقول: يا ويله ثلاثا علم موسى ما يحذر به بني آدم. قال القرشي: وحدثني محمد بن إدريس، ثنا أحمد بن يونس، ثنا حسن ابن صالح، قال: سمعت أن الشيطان قال للمرأة: أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري، وأنت رسولي في حاجتي. قال القرشي: وحدثنا اسحاق ابن إبراهيم، ثني هشام بن يوسف بن عقيل بن معقل ابن أخي وهب بن منبه قال: سمعت وهبا يقول: قال راهب للشيطان وقد بدا له: أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ قال الحدة (٢) إن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة.
следующие страницы →