← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30085

تلبيس إبليس - ت خير الدين وائلي

ابن الجوزي

Полный текст (455 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أبي، ثنا وكيع، ثنا الاعمش، عن خيثمة، عن الحارث بن قيس ﵁ قال: «إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال انك ترائي فزدها طولا». أنبأنا إسماعيل السمرقندي، نا عاصم بن الحسن، نا علي بن محمد، نا أبو علي بن صفوان، نا أبو بكر بن عبيد، نا عبد الرحمن بن يونس، نا سفيان بن عيينة. قال: سمع عمرو بن دينار عروة بن عامر، سمع عبيد ابن رفاعة يبلغ به النبي ﷺ يقول «كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها، وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب. فأتى بها الراهب فأبى أن يقبلها، فما زانوا به حتى قبلها فكانت عنده، فأتاه الشيطان فسول له إيقاع الفعل بها فأحبلها - ثم أتاه فقال له: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك فقل: ماتت فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس لهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ودفنها فأتاه أهلها يسألونه عنها. فقال: ماتت فأخذوه فأتاه الشيطان. فقال: أنا الذي ضربتها وخنقتها، وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج، اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال : ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال انى برئ منك اني اخاف الله رب العالمين﴾» (الحشر: ١٦) (١). وقد روي هذا الحديث على صفة أخر عن وهب بن منبه ﵁ «ان عابدا كان في بني اس ايل و كان من أعبد أهل زمانه وكان في مانه ثلاثة أخوة لهم أخت وكانت بكرا ليس لهم أخت غيرها. فخرج البعث على در أنتهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم ولا من يأمنون عليها ولا عند من يضعونها. قال: فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده فتكون في كنفه وجواره إلى أن يرجعوا من غزاتهم. فأبى ذلك عليهم وتعوذ بالله منهم ومن أحتهم، قال: فلم يزالوا به حتى أطاعهم فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي قال: فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا ينزل إليها بالطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد إلى صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام، قال: فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في

стр. 37

الخير ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها فلو مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم أجرا قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها ووضعه على باب بيتها ولم يكلمها، قال: فلبث على هذه الحالة زمانا ثم جاءه ابليس فرغبه في النير والأجر وحضه عليه، وقال: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لا جرك. قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بالطعام ثم وضعه في بيتها، فلبث على ذلك زمانا. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه، فقال: لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة. قال: فلم يزل به حتى حدثها زمانها يطلع إليها من فوق صومعته، قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد هي على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها وتحدثه وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها. قال: فلبثا زمانا يتحدثان. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب صومعتك ثم جلست قريبا من باب بيتها فحدثتها كان آنس لها. فلم يزل به حتى فعل، قال: فلبثا زمانا. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له عند الله من حسن الثواب فيما يصنع بها. وقال له: نو دنوت منها وجلست عند باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من بيتها ففعل، فكان ينزل من صومعته فيقف على باب بيتها فيحدثها فلبثا على ذلك حينا. ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت البيت معها فحدثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك. فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدانها نهارها كله فإذا مضى النهار صعد إلى صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها. فلم يزل به إبليس يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها فوالدته غلاما، فجاء إبليس فقال: أرأيت إن جاء اخوة الجارية وقد ولدت منك كي تصنع؟ لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوا، فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها. ففعل فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها. قال: خذها واذبحها وادفنها مع ابنها، فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحفرة مع ابنها، وأطبق عليهما صخرة عظيمة وسوى عليهما وصعد إلى صومعته يتعبد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث حتى أقبل اخوتها من الغزو، فجاؤوا فسألوه عنها فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها. وقال: كانت

стр. 38

خير امرأة وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكوا أختهم وترحموا عليها فأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم جاءهم الشيطان في النوم على صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها وكيف أراهم موضع قبرها فكذبه الشيطان. وقال: لم يصدقكم أمر أختكم إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم وألقاهما في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله، فانطلقوا فادخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله فإنكم ستجدونهما كما أخبرتكم هناك جميعا. وأتى الأوسط في منامه فقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرهم، فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم أصبحوا متعجبين مما رأى كل واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض يقول كل واحد منهم: لقد رأيت الليلة عجبا فأخبر بعضهم بعضا بما رأى. فقال كبيرهم: هذا حلم ليس بشيء فامضوا بنا ودعوا هذا عنكم، قال أصغرهم: والله لا أمضي حتى آتي إلى هذا المكان فأنظر فيه. قال: فانطلقوا جميعا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة، كما قيل لهم، فسألوا عنها العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا عليه ملكهم فأنزل من صومعته وقدم ليصلب، فلما أوثقوه على الخشبة أتاه الشيطان، فقال له: قد علمت أني أنا صاحبك الذي فتنتك بالمرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك وصورك خلصتك مما أنت فيه قال: فكفر العابد، فلما كفر بالله تعالى خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه، قال: ففيه نزلت هذه الآية ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك … إني أخاف الله رب العالمين﴾ وقد تقدم ذكرها. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم، نا أبو بكر الآجري، ثنا عبد الله بن محمد العطيني، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثنى محمد بن الحسين، ثنا بشر بن محمد بن أبان، ثنى الحسن بن عبد الله بن مسلم القرشي عن وهب بن منبه ﵁. قال: كان راهب في صومعته في زمن المسيح ﵇ فأراده إبليس فلم يقدر عليه فأتاه بكل رائدة (١) فلم يقدر عليه فأتاه متشبها بالمسيح فناداه: أيها الراهب اشرف .. علي أكلمك.

стр. 39

قال: انطلق لشأنك فلست أرد ما مضى من عمري فقال: أشرف علي فأنا المسيح فقال: إن كنت المسيح فما لي إليك حاجة أنست قد أمرتنا بالعبادة ووعدتنا القيامة انطلق نشأنك فلا حاجة لي فيك فانطلق اللعين عنه وتركه. أنبأنا إسماعيل بن أحمد، نا عاصم بن الحسن، نا علي بن محمد بن بشران نا أبو علي البردعي، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا أبو عبد الله محمد بن موسى الحرشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عمرو بن دينار، ثنا سالم بن عبد الله ﵁، عن أبيه، قال: لما ركب نوح ﵇ في السفينة رأى فيها شيخا لم يعرفه، فقال له نوح: ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك، فقال له نوح ﵇: اخرج يا عدو الله، فقال إبليس: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك بالاثنتين، فأوحى الله ﵎ إلى نوح ﵊ أنه لا حاجة لك إلى الثلاث مره يحدثك بالاثنتين، فقال: بهما أهلك الناس وهما لا يكذبان الحسد (١) والحرص (٢) فبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما، وبالحرص أبيح لآدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه فأخرج من الجنة. قال: ولقى إبليس موسى ﵇، فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما، وأنا من خلق الله تعالى أذنبت وأريد أن أنوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي فدعا موسى ربه، فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس، فقال له: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد له حيا أأسجد نه ميتا ثم قال إبليس: يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلك فيهن، اذكرني حين تغضب فأنا وحي في قلبك وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم. واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره وله وزوجته وأهله حتى يولي. وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها. قال القرشي: وحدثنا أبو حفص الصفار، ثنا جعفر ابن سليمان، ثنا شعبة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب ﵁، قال «ما بعث الله نبيا إلا لم يأمن ابليس أن هلكه بالنساء». قال القرشي: وثنى القاسم بن هاشم عن ابراهيم بن الاشعث، عن فضيل بن عياض، قال: حدثني بعض

стр. 40

أشياخنا أن إبليس لعنه الله جاء إلى موسى ﵊ وهو يناجي ربه تعالى، فقال له الملك: ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحالة يناجي ربه. قال: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة. قال القرشي: وثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، ثنا فرج ابن فضالة، عن عبد الرحمن بن زياد ﵁ قال: بينما موسى ﵇ جانس في بعض مجالسه اذا أقبل إبليس وعليه برنس (١) له يتلون فيه ألوانا فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه وقال له: السلام عليك يا موسى. فقال له موسى ﵇ من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: فلا حياك الله، ما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك لمنزلتك عند الله تعالى ومكانك منه، قال: فما الذي رأيته عليك؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم. قال: فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأحذرك ثلاثا: لا تخلون بامرأة لا تحل لك قط، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها. ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به، فإنه ما عاهد الله أحد إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء به. ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها، فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين إخراجها. ثم ولى وهو يقول: يا ويله ثلاثا علم موسى ما يحذر به بني آدم. قال القرشي: وحدثني محمد بن إدريس، ثنا أحمد بن يونس، ثنا حسن ابن صالح، قال: سمعت أن الشيطان قال للمرأة: أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري، وأنت رسولي في حاجتي. قال القرشي: وحدثنا اسحاق ابن إبراهيم، ثني هشام بن يوسف بن عقيل بن معقل ابن أخي وهب بن منبه قال: سمعت وهبا يقول: قال راهب للشيطان وقد بدا له: أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ قال الحدة (٢) إن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة.

стр. 41

قال القرشي: وحدثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت ﵁، قال: لما بعث النبي ﷺ جعل إبليس لعنه الله يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ فيجيئون إليه بصحفهم ليس فيها شيء فيقول لهم: مالكم لا تصيبون منهم شيئا فقالوا: ما صحبنا صبحنا قوما مثل هؤلاء، فقال: رويدا بهم فعسى أن تفتح لهم الدنيا هنالك تصيبون حاجتكم منهم. قال القرشي: وأخبرنا أحمد بن جميل المروزي، نا ابن المبارك، نا سفيان عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى قال: إذا أصبح إبليس بث جنوده في الأرض، فيقول: من أضل مسلما ألبسته التاج. فيقول له القائل: لم أزل بفلان حتى طلق امرأته، قال: يوشك أن يتزوج. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى عق قال: يوشك أن يبر. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى زنى. قال: أنت. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى شرب الخمر، قال: أنت. قال: ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى قتل فيقول: أنت أنت. قال القرشي: وسمعت سعيد بن سليمان يحدث عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: كانت شجرة تعبد من دون الله فجاء اليها رجل، فقال: لا قطعن هذه الشجرة فجاء ليقطعها غضبا لله، فلقيه إبليس في صورة إنسان، فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها؟ قال: لا قطعنها. فقال له الشيطان: هل لك فيما هو خير لك لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك. قال: فمن أين لي ذلك؟ قال: أنا لك. فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئا، فقام غضبا ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته، وقال: ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دور الله تعالى قال: كذبت مالك إلى ذلك من سبيل، فذهب ليقطعها فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله، قال: أتدري من أنا؟ أنا الشيطان جئت أول مرة غضاب لله فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين فتركتها، فلما جئت غضبا للدينارين سلطت عليك قال القرشي: وحدثنا بشر بن الوليد الكندي، ثنا محمد بن طلحة، عن زيد بن مجاهد، قال: لإبليس خمسة من ولده قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره. ثم سماهم: فذكر ثبر، والأعور، ومسوط، وداسم، وزكنبورة

стр. 42

فأما ثبر فهو صاحب المصيبات الذي يأمر بالثبورة وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية. وأما الأعور فهو صاحب الزنا الذي يأمر به ويزينه. وأما مسوط فهو صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيخبره بالخبر فيذهب الرجل إلى القوم، فيقول لهم: قد رأيت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما أسمه حدثني بكذا وكذا. وأما داسم فهو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم. وأما زكنبور فهو صاحب السوق الذي يركز رايته في السوق. أخبرنا محمد بن القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا سنيد عن مخلد بن الحسين، قال: ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر إما غلو فيه وإما تقصير عنه. و بالاسناد قال محمد بن إسحاق: وثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل سمعت حياة بن شراحيل يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: ان ابليس موثق في الأرض السفلى فإذا هو تحرك كان كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه. قال الشيخ أبو الفرج ﵀: قلت: وفتن الشيطان ومكايده كثيرة وسيأتي في غضون هذا الكتاب، منها ما يليق بكل موضع منه إن شاء الله تعالى، ولكثرة فتن الشيطان وتشبثها بالقلوب عزت السلامة. فإن من يدع إلى ما يحث عليه الطبع كمداد سفينة منحدرة فيا سرعة انحدارها، ولما ركب الهوى في هاروت وماروت لم يستمسكا فإذا رأت الملائكة مؤمنا قد مات على الإيمان تعجبت من سلامته. وأخبرنا محمد بن أبي منصور، نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي، ثنا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، ثن ابن سريج قال: ثنا عتبة بن عبد الواحد، عن مالك بن مغول عن عبد العزيز بن رفيع، قال: إذا عرج بروح المؤمن الى السماء، قالت الملائكة: سبحان الله الذي نجى هذا العبد من الشيطان يا ويحه كيف نجا. ذكر الإعلام بأن مع كل إنسان شيطانا أخبرنا أبو الحصين الشيباني، نا أبو علي المذهب، نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثني أبي، ثنا هرون، ثنا عبد الله بن وهب.

стр. 43

أخبرني أبو صخر عن ابن قسيط أنه حدثه أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا، قالت: فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع، فقال: «مالك يا عائشة أغرت؟ (١) فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك، فقال: أو قد جاءك شيطانك، قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم» انفرد به مسلم وجيء بلفظ آخر «أعانني عليه فأسلم». قال النطابي: عامة الرواة يقولون فأسلم على مذهب الفعل الماضى الاسفيان ابن عيينة فإنه يقول: فأسلم من شره، وكان يقول الشيطان لا يسلم. قال الشيخ: وقول ابن عيينة حسن، وهو يظهر أثر المجاهدة لمخالفة الشيطان، إلا أن حديث ابن مسعود كأنه يرد قول ابن عيينة، وهو ما أخبرنا به ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبي، ثنا يحيى، عن سفيان، ثني منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن ابن مسعود يرفعه «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن و قرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بحق» وفي رواية «فلا يأمرني إلا بخير». قال الشيخ: انفرد به مسلم. واسم أبي الجعد رافع، وظاهره اسلام الشياطين ويحتمل القول الآخر. بيان أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، ثني أبى، ثني عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن صفية بنت حيي زوج النبي، قالت: «كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني (٢) - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد -، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : على رسلكما أنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو قال شيئا» «الحديث في الصحيحين». قال

стр. 44

الخطابي: وفي هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب. ويحكى في هذا عن الشافعي ﵁ أنه قال: خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمر فيكفرا، وإنما قاله ﷺ شفقة منه عليهما لا على نفسه. ذكر التعوذ من الشيطان الرجيم (١) قال الشيخ أبو الفرج ﵀. قد أمر الله تعالى بالتعوذ من الشيطان الرجيم عند التلاوة فقال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (النحل: ٩٨) وعند السحر. فقال: «قل أعوذ برب الفلق إلى آخر السورة» فإذا أمر بالتحرز من شره في هذين الأمرين فكيف في غيرهما. أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا أحمد بن جعفر، نا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا سيار (٢)، ثنا جعفر، ثنا أبو التياح، قال: قلت لعبد الرحمن بن حنيش أدركت النبي ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: كيف صنع رسول الله ﷺ ليلة كادته الشياطين؟ فقال: إن الشياطين تحدرت (٣) تلك الليلة على رسول الله ﷺ من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله ﷺ . فهبط إليه جبريل ﵇، فقال: يا محمد قل: قال ما اقول؟ قال: قل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن، قال: فطفئت نارهم وهزمهم الله تعالى. أنبأنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، نا عاصم بن الحسن، نا أبو الحسين بن بشران، نا ابن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، حدثني أبو سلمة المخزومي ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ان الشيطان

стр. 45

يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله ﵎. فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله فإن ذلك يذهب عنه (١) قال القرشي: ثنا هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب عن مرة الهمذاني، عن ابن مسعود رض الله عنه يرفعه قال: «إن للشيطان لمة (٢) بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب الحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئا فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان، ثم قرأ ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ الآية (البقرة: ٢٦٨) (٣) قال الشيخ ﵀: وقد رواه جرير عن عطاء فوقفه على ابن مسعود. أخبرنا هبة الله بن محمد، نا الحسن بن علي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا عبد الرزاق، نا سفيان، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول: هكذا كان أبي إبراهيم ﵌ يعوذ إسماعيل وإسحاق» أخرجاه في «الصحيحين». قال أبو بكر ابن الأنباري: الهامة واحد الهوام، ويقال: هي كل نسمة تهم بسوء، واللامة الملمة، وإنما قال: لامة ليوافق أفظ هامة فيكون ذلك أخف على اللسان. أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار، نا إبراهيم بن عمر البرمكي، نا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزينبي، ثنا محمد بن خلف ثنا عبد الله بن محمد، ثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت، قال: قال مطرف: نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله عزوجل وبين ابليس فان شاء أن يعصمه عصمه وان تر كه ذهب به ابلس.

стр. 46

وحكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد. قال: أجاهده، قال: فإن عاد قال: أجاهده. قال: هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور ما تصنع، قال: أكابده وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك. قال الشيخ ﵀: واعلم أن مثل إبليس مع المتقي والمخلط كرجل جالس بين يديه طعام فمر به كلب فقال له: أخسأ، فذهب فمر بآخر بين يديه طعام ولحم فكلما أخسأه (١) لم يبرح، فالأول مثل المتقي يمر به الشيطان فيكفيه في طرده الذكر، والثاني مثل المخلط لا يفارقه الشيطان لمكان تخليطه نعوذ بالله من الشيطان. الباب الرابع في معنى التلبيس والغرور قال المصنف: التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق، والغرور نوع جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحا والردئ جيدا، وسببه وجود شبهة أوجبت ذلك. وإنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه ويزيد تمكنه منهم، ويقل على مقدار قظتهم وغفلتهم وجهلهم وعلمهم. واعلم أن القلب كالحصن وعلى ذلك الحصن سور، وللسور أبواب وفيه ثلم (٢)، وساكنه العقل والملائكة تتردد إلى ذلك الحصن، وإلى جانبه ربض (٣) فيه الهوى والشياطين تختلف إلى ذلك الربض من غير مانع. والحرب قائم بين أهل الحصن وأهل الربض، والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم. فينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وكل بحفظه وجميع انثلم، وأن لا يفتر عن الحراسة لحظة، فإن العدو ما يفتر. قال رجل للحسن البصري: أينام إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة. وهذا الحصن مستنير بالذكر مشرق بالإيمان، وفيه مرآة صقيلة يترأى فيها صور كل ما يمر به، فأول ما يفعل الشيطان في الربض إكثار الدخان فتسود حيطان

стр. 47

الحصن وتصدأ المرآة، وكمال الفكر يرد الدخان، وصقل الذكر يجلو المرآة وللعدو حملات فتارة يحمل فيدخل الحصن، فيكر عليه الحارس فيخرج، وربما دخل فعاث (١) وربما أقام لغفلة الحارس، وربما ركدت الريح الطاردة للدخان فتسود حيطان الحصن وتصدأ المرآة فيمر الشيطان ولا يدري به، وربما جرح الحارس لغفلته وأسر واستخدم وأقيم يستنبط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته، وربما صار كالفقيه في الشر. قال بعض السلف: رأيت الشيطان، فقال لي: قد كنت ألقي للناس فأعلمهم، فصرت ألقاهم فأتعلم منهم، وربما هجم الشيطان على الذكي الفطن ومعه عروس الهوى قد جلاها فيتشاغل الفطن بالنظر إليها فيستأسره، وأقوى القيد الذي يوثق به الأسرى الجهل، وأوسطه في القوة الهوى، وأضعفه الغفلة. وما دام ذرع الايمان على المؤمن فان نيل العدو لا يقع في مقتل. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، نا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن محمد بن يعقوب ثنا محمد بن يوسف الجوهري ثنا أبو غسان النهدي، قال: سمعت الحسن بن صالح ﵀ يقول: إن الشيطان ليفتح للعبد تسعة وتسعين بابا من الخير يريد به بابا من الشر. أنبأنا علي بن عبد الله، نا محمد بن محمد النديم، نا عمى عبد الواحد بن أحمد، ثنى أبي أحمد بن الحسين العدل، ثنا أبو جعفر محمد بن صالح، ثنا حيان بن الفلس الجماني، ثنا حماد بن شعيب، عن الأعمش، قال: حدثنا رجل كان يكلم الجن، قالوا: ليس علينا أشد ممن يتبع السنة وأما أصحاب الأهواء فإنا نلعب بهم لعبا الباب الخامس في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات ذكر تلبيسه على السوفسطائية (٢) قال الشيخ: هؤلاء قوم ينسبون إلى رجل يقال له سوفسطا، زعموا

стр. 48

أن الأشياء لا حقيقة لها وأن ما يستبعده يجوز أن يكون على ما نشاهده. ويجوز أن يكون على غير ما نشاهده وقد أورد العلماء عليهم، بأن قالوا لمقالتكم هذه حقيقة أم لا، فإن قلتم لا حقيقة لها وجوزتم عليها البطلان فكيف يجوز ان تدعو إلى ما لا حقيقة له فكأنكم تقرون بهذا القول أنه لا يحل قبول قولكم، وإن قلتم لها حقيقة فقد تركتم مذهبكم وقد ذكر مذهب هؤلاء أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب «الآراء والديانات» فقال: رأيت كثيرا من المتكلمين قد غلطوا في أمر هؤلاء غلطا بينا، لأنهم ناظروهم وجادلوهم وراموا بالحجاج والمناظرة الرد عليهم، وهم لم يثبتوا حقيقة ولا أقروا بمشاهدة فكيف تكلم من يقول لا أدري أيكلمني أم لا؟ وكيف تناظر من يزعم أنه لا يدري أموجود هو أم معدوم؟ وكيف تخاطب من يدعي أن المخاطبة بمنزلة السكوت في الإبانة وأن الصحيح بمنزلة الفاسد؟ قال: ثم إنه إنما يناظر من يقر بضرورة أو يعترف بأمر فيجعل ما يقر سببا إلى تصحيح ما يجحده، فأما من لا يقر بذلك فمجادلته مطروحة، قال الشيخ: وقد رد هذا الكلام أبو الوفاء ابن عقيل فقال: إن أقواما قالوا: كيف نكلم هؤلاء وغاية ما يمكن المجادل أن المعقول إلى المحسوس، ويستشهد بالشاهد فيستدل به على الغائب، وهؤلاء لا يقولون بالمحسوسات فيم يكلمون؟ قال: وهذا كلام ضيق العطن، ولا ينبغي أن يؤيس من معالجة هؤلاء فإن ما اعتراهم ليس بأكثر من الوسواس ولا ينبغى أن يضيق عطننا عن معالجتهم، فإنهم قوم أخرجتهم عوارض انحراف مزاج وما مثلنا ومثلهم إلا كرجل رزق ولدا أحول فلا يزال يرى القمر بصورة قمرين، حتى إنه لم يشك أن في السماء قمرين، فقال له أبوه القمر واحد وإنما السوء في عينيك، غض عينك الحولاء وأنظر، فلما فعل قال أرى قمرا واحدا لأني عصبت إحدى عيني فغاب أحدهما فجاء من هذا القول شبهة ثانية فقال له أبوه إن كان ذلك كما ذكرت فغض الصحيحة ففعل فرأى قمرين. فعلم صحة ما قال أبوه *. أنبأنا محمد بن ناصر، نا الحسن بن أحمد بن البنا، ثنا ابن دودان، نا أبو عبد الله المرزناني، ثني أبو عبد الله الحكيمي، ثني يموت بن المزرع، ثني محمد بن عيسى النظام قال: مات ابن لصالح بن عبد القدوس فمضى إليه أبو الهذيل ومعه النظام وهو غلام حدث كالمتوجع له فرآه منحرفا فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع. فقال له صالح: يا أبا الهذيل: إنما أجزع عليه، لأنه لم يقرأ كتاب

стр. 49

الشكوك. فقال له أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك قال: هو كتاب وضعته من قرأه يشك فيما قد كان حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان. فقال له النظام: فشك أنت في موت ابنك واعمل على أنه لم يمت، وإن كان قد مات فشك أيضا في أنه قد قرأ الكتاب وإن كان لم يقرأه * وحكى أبو القاسم البلخي أن رجلا من السوفسطائية كان يختلف إلى بعض المتكلمين فأتاه مرة فناظره فأمر المتكلم بأخذ دابته، فلما خرج لم يرها فرجع اليه فقال: سرقت دابتي، فقال: ويحك لعلك لم تأت راكبا، قال: بلى، قال: فكر، قال هذا أمر أتيقنه، فجعل يقول له: تذكر. فقال: ويحك ويحك ما هذا موضع تذكر، أنا لا أشك أنني جئت راكبا قال: فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء وإن حال اليقظان كحال النائم، فوجم السوفسطائي ورجع عن مذهبه. فصل قال النوبختي: قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مرا، ويجده غيره حلوا. قالوا: وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه. واللون جسم عند من اعتقده جسما وعرض عند من اعتقده عرضا. قالوا: فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد - وهؤلاء من جنس السوفسطائية، فيقال لهم: أقولكم صحيح؟ فسيقولون: هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا. قلنا: دعواكم صحة قولكم مردودة، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم، ومن شهد عليكم، مذهبه، ومما يقال لهم: أتثبتون للمشاهدة حقيقة؟ فإن قالوا: لا، لحقوا بالأولين وإن قالوا حقيقتها على حسب الاعتقاد فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها وصار الكلام معهم كالكلام مع الأولين. فصل قال النوبختي: ومن هؤلاء من قال إن العالم في ذوب وسيلان، قالوا: ولا يمكن الإنسان أن يتفكر في الشيء الواحد مرتين، لتغير الأشياء دائما. فيقال لهم: كيف علم هذا وقد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم، وربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمه.

стр. 50

ذكر تلبيسه على الدهرية قال المصنف: قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع. وأن هذه الأشياء كانت بلا مكون. وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه. وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟ فإن الانسان لو مر ببقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لا بد له من بان بناه. فهذا المهاد (١) الموضوع، وهذا السقف المرفوع (٢). وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع؟ وما أحسن ما قال بعض العرب: إن البعرة تدل على البعير. فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على اللطيف الخبير؟ ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا، ولشفت غليلا. فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب. ومن تأمل تحديد (٣) الأسنان لتقطع، وتفريض (٤) الأضراس لتطحن، واللسان يقلب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه، ثم ينفذ الى جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء. وهذه الأصابع التي هيئت فيها العقد لتطوي وتنفتح، فيمكن العمل بها. ولم تجوف لكثرة عملها اذ لو جوفت الصدم. الشيء القوى فكندها (٥). وجعل بعضها أطول من بعض لتستوي إذا ضمت. وأخفى في البدن ما فيه قوامه وهي النفس التي إذا ذهبت فسد العقل الذي يرشد إلى المصالح. وكل شيء من هذه الأشياء ينادي أفي الله شك. وإنما يخبط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحس. ومن الناس من جحده لأنه لما أثبت وجوده من حيث الجملة لم يدركه من حيث التفصيل فجحد أصل الوجود. ولو أعمل هذا فكره لعلم أن لنا أشياء لا تدرك إلا جملة كالنفس والعقل. ولم يمتنع أحد من إثبات وجودهما. وهل الغاية إلا إثبات الخلق جملة؟ وكيف يقال: كيف هو أو ما هو ولا كيفية له ولا ماهية. ومن الأدلة القطعية على وجوده أن العالم حادث بدليل أنه يخلو من الحوادث. وكل ما لا ينفك عن الحوادث حادث ولا بد لحدوث هذا الحادث من مسبب وهو الخالق سبحانه. وللملحدين اعتراض يتطاولون به على قولنا لا بد للصنعة من صانع فيقولون: إنما تعلقتم في

стр. 51

هذا بالشاهد وإليه نقاضيكم، فنقول: كما أنه لا بد للصنيعة من صانع فلا بد للصورة الواقعة من الصانع من مادة تقع الصورة فيها، كالخشب لصورة الباب، والحديد لصورة الفأس. قالوا: فدليلكم الذي تثبتون به الصانع يوجب قدم العالم. فالجواب أنه لا حاجة بنا إلى مادة بل نقول: إن الصانع اخترع الأشياء اختراعا فانا نعلم أن الصورة والأشكال المتجددة في الجسم كصورة الدولاب ليس لها مادة. وقد اخترعها ولا بد لها من مصور، فقد أريناكم صورة وهي شيء جاءت لا من شيء ولا يمكنكم أن ترونا صنعة جاءت لا من صانع. ذكر تلبيسه على الطبائعيين (١) قال المصنف: لما رأى إبليس قلة موافقته على جحد الصانع لكون العقول شاهدة بأنه لا بد للمصنوع من صانع، حسن لأقوام أن هذه المخلوقات فعل الطبيعة، وقال: ما من شيء يخلق إلا من اجتماع الطبائع الأربع فيه، فدل على أنها الفاعلة. وجواب هذا نقول: اجتماع الطبائع دليل على وجودها لا على فعلها. ثم قد ثبت أن الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها، وذلك يخالف طبيعتها فدل على أنها مقهورة. وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة ومعلوم أن الفعل المتسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من نيس عالما وليس قادرا؟ فإن قالوا: ولو كان الفاعل حكيما لم يقع في بنائه خلل، ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة فعلم أنه بالطبع، قلنا: ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع، فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع والعقوبة أو في طية منافع لا نعلمها. ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في نيسان على أنواع من الحبوب فترطب الحصرم والخلالة (٢) وتنشف البرة (٣) ونيبسها ولو فعلت طبعا لا يبست الكل أو رطبته، فلم يبق إلا أن الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يبس هذه للادخار والنضج في هذه للتناول، والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكنة (٤) لا يلقى جرمها والذي رطبها يلقى جرمها. ثم إنها تبيض ورد الخشخاش وتحمر الشقائق وتحمض الرمان وتحلى العنب، والماء واحد. وقد اشار المولى هذا بقوله: ﴿يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل﴾ [الرعد: ٤].

стр. 52

ذكر تلبيسه على الثنوية وهم قوم قالوا: صانع العالم اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا ومن يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة متضادان في الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل حسن نير صاف نقي طيب الريح حسن المنظر، ونفسه نفس خيرة كريمة حكيمة نفاعة، منها الخير واللذة والسرور والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر، وجوهر الظلمة على ضد ذلك من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر، ونفسه نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضرارة منها الشر والفساد. كذا حكاه النوبختي عنهم، قال: وزعم بعضهم أن النور لم يزل فوق الظلمة وقال بعضهم: بل كل واحد إلى جانب الآخر. وقال أكثرهم: النور لم يزل مرتفعا في ناحية الشمال والظلمة منحطة في ناحية الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه. قال النوبختي: وزعموا أن كل واحد منهما له أجناس خمسة، أربعة منها أبدان وخامس هو الروح. وأبدان النور أربعة: النار والريح والتراب والماء وروحه الشبح ولم تزل تتحرك في هذه الأبدان وأبدان الظلمة أربعة: الحريق والظلمة والسموم والضباب، وروحها الدخان وسموا أبدان النور ملائكة وسموا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت. وبعضهم يقول: الظلمة تتوالد شياطين والنور يتوالد ملائكة، وأن النور لا يقدر على الشر ولا يجوز منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا تجوز منه. وذكر لهم مذاهب مختلفة فيما يتعلق بالنور والظلمة، ومذاهب سخيفة، فمنها أنه فرض عليهم ألا يدخرون إلا قوت يوم. بعضهم: على الإنسان صوم سبع العمر، وترك الكذب والبخل والسحر وعبادة الأوثان والزنى والسرقة، وألا يؤذي ذا روح، في مذاهب طريفة اخترعوها بواقعاتهم الباردة. وذكر يحيى بن بشر النهاوندي أن قوما منهم يقال لهم: «الديصانية»، زعموا أن طينة (١) العالم كانت طينة خشنة، وكانت تحاكي جسم الباري الذي هو النور زمانا، فتأذى بها فلما طال عليه ذلك قصد تنحيتها عنه فتوحل فيها واختلط بها فتركب منها هذا العالم النوري والظلمي. فما كان من جهة الصلاح فمن النور، وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة. وهؤلاء يغتالون الناس ويخنقونهم، ويزعمون أنهم يخلصون بذلك النور من الظلمة مذاهب سخيفة، والذي حملهم على هذا أنهم رأوا في

стр. 53

العالم شرا واختلافا فقالوا: لا يكون من أصل واحد شيئان مختلفان، كما لا يكون من النار التبريد والتسخين. وقد رد العلماء عليهم في قولهم إن الصانع اثنان، فقالوا: لو كان اثنين لم يخل أن يكونا قادرين، أو عاجزين، أو أحدهما قادر والآخر عاجز، لا يجوز أن يكونا عاجزين لأن العجز يمنع ثبوت الألوهية، ولا يجوز أن يكون أحدهما عاجزا، فبقي أن يقال هما قادران. فتصور أن أحدهما يريد تحريك هذا الجسم في حالة يريد الآخر فيها تسكينه. ومن المحال وجود ما يريدانه، فإن تم مراد أحدهما ثبت عجز الآخر. وردوا عليهم في قولهم: إن النور يفعل الخير والظلمة تفعل الشر. فإنه لو هرب مظلوم فاستتر بالظلمة فهذا خير قد صدر من شر، ولا ينبغي مد النفس في الكلام مع هؤلاء فإن مذاهبهم خرافات. ذكر تلبيسه على الفلاسفة وتابعيهم إنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء. فمنهم من قال بقول الدهرية أن لا صانع للعالم، حكاه النوبختي وغيره عنهم. وحكى النهاوندي أن أرسطاطاليس وأصحابه زعموا أن الأرض كوكب في جوف هذا الفلك وأن في كل كوكب عوالم كما في هذا الأرض وأنهارا وأشجارا وأنكروا الصانع. وأكثرهم أثبت علة قديمة للعالم ثم قال بقدم العالم وأنه لم يزل موجودا مع الله تعالى ومعلولا له ومساويا غير متأخر عنه بالزمان مساواة المعلول للعلة والنور للشمس بالذات والرتبة لا بالزمان. فيقال لهم: لم أنكرتم أن يكون العالم حادثا بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه؟ فإن قالوا: فهذا يوجب أن يكون بين وجود الباري وبين المخلوقات زمان. قلنا: الزمان مخلوق وليس قبل الزمان زمان. ثم يقال لهم: كان الحق سبحانه قادرا على أن يجعل سمك الفلك الأعلى أكثر مما هو بذراع أو أقل مما هو بذراع، فإن قالوا: لا يمكن، فهو تعجيز. ولأن ما لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن والواجب يستغني عن علة. وقد ستروا مذهبهم بأن قالوا: الله صانع العالم وهذا تجوز عندهم لا حقيقة. لأن الفاعل مريد لما يفعله وعندهم أن العالم ظهر ضروريا لا أن الله فعله. ومن مذاهبهم أن العالم باق أبدا كما لا بداية لوجوده فلا نهاية. قالوا: لأنه معلول علة قديمة، وكان المعلول مع العلة، متى كان العالم ممكن الوجود لم يكن قديما ولا معلولا. وقد قال جالينوس: لو كانت

стр. 54

الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول (١) في هذه المدة الطويلة. فيقال له: قد يفسد الشيء بنفسه بغتة لا بالذبول، ثم من أين له أنها لا تذبل فإنها عندهم بمقدار الأرض مائة وسبعين (٢) مرة أو نحو ذلك، فلو نقص منها مقدار جبل لم يبن ذلك للحس. ثم نحن نعلم أن الذهب والياقوت يقبلان الفساد وقد يبقيان سنين ولا يحس نقصانهما وإنما الإيجاد والإعدام بإرادة القادر، والقادر لا يتغير في نفسه ولا تحدث له صفة وإنما يتغير الفعل بإرادة قديمة. فصل وحكى النوبختي في كتاب «الآراء والديانات» أن سقراط كان يزعم أن أصول الأشياء ثلاثة: علة فاعلة، والعنصر، والصورة. قال: والله تعالى هو الفعال (٣) والعنصر هو الموضوع الأول للكون والفساد. والصورة جوهر للجسم. وقال آخر منهم: الله هو العلة الفاعلة، والعنصر المنفعل. وقال آخر منهم: العقل رتب الأشياء هذا الترتيب. وقال آخر منهم: بل الطبيعة فعلته. وحكي يحيى بن بشر بن عمير النهاوندي أن قوما من الفلاسفة قالوا: لما شاهدنا العالم مجتمعا ومتفرقا ومتحركا وساكنا علمنا أنه محدث ولا بد له من محدث. ثم رأينا أن الإنسان يقع في الماء ولا يحسن السباحة فيستغيث بذلك الصانع المدبر فلا يغيثه أو في النار، فعلمنا أن ذلك الصانع معدوم. قال: واختلف هؤلاء في عدم هذا الصانع المدبر على ثلاث فرق: فرقة زعمت أنه لما أكمل العالم استحسنه فخشي أن يزيد فيه أو ينقص منه فيفسد فأهلك نفسه وخلا منه العالم، وبقيت الأحكام تجري بين حيواناته ومصنوعاته على ما اتفق. وقالت الفرقة الثانية: بل ظهر في ذات الباري تؤول فلم يزل تنجذب قوته ونوره حتى صارت القوة والنور في ذلك الثؤول وهو العالم. وساء نور الباري وكان الباقي منه سنور. وزعموا أنه سيجذب النور من العالم إليه حتى يعود كما كان ولضعفه عن مخلوقاته أهمل أمرهم فشاع الجور.

стр. 55

وقالت الفرقة الثالثة: بل الباري لما أتقن العالم تفرقت أجزاؤه فيه فكل قوته في العالم فهي من جوهر اللاهوتية. قال الشيخ ﵀: هذا الذي ذكره النهاوندي نقلته من نسخة بالنظامية قد كتبت منذ مائتين وعشرين سنة، ولولا أنه قد قيل ونقل في ذكره ما قد فعل إبليس في تلبيسه لكان الأولى الإضراب عن ذكره تعظيما لله أن يذكر بمثل هذا ولكن قد بينا وجه الفائدة في ذكره. فصل وقد ذهب أكثر الفلاسفة إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئا وإنما يعلم نفسه، وقد ثبت أن المخلوق يعلم نفسه ويعلم خالقه فقد زادت مرتبة المخلوق على رتبة الخالق. قال المصنف: وهذا أظهر فضيحة من أن يتكلم عليه. فانظر إلى ما زينه إبليس لهؤلاء الحمقى مع ادعائهم كمال العقل وقد خالفهم أبو علي ابن سيناء في هذا فقال: بل يعلم نفسه ويعلم الأشياء الكلية ولا يعلم الجزئيات. وتلقف هذا المذهب منهم المعتزلة وكأنهم استكثروا المعلومات. فالحمد لله الذي جعلنا ممن ينفي عن الله الجهل والنقص ونؤمن بقوله ﴿ألا يعلم من خلق﴾ - الملك: (١٤) وقوله: ﴿ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها﴾ - الانعام: ٥٩. وذهبوا إلى أن علم الله وقدرته هو ذاته فرارا من أن يثبتوا قديمين. وجوابهم أن يقال إنما هو قديم موجود واحد موصوف بصفات الكمال. فصل قال المصنف: وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد ورد الأرواح إلى الأبدان ووجود جنة ونار جسمانيين. وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس ليفهموا الثواب والعقاب الروحانيين. وزعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديا أبدا، إما في لذة لا توصف، وهي الأنفس الكاملة أو ألم لا يوصف، وهي النفوس المتلوثة. وقد تتفاوت درجات الألم على مقادير الناس، وقد ينمحي عن بعضها الألم ويزول. فيقال لهم: نحن لا ننكر وجود النفس بعد الموت، ولذلك سمي عودها إعادة، ولا أن لها نعيما وشقاء، ولكن ما المانع من حشر الاجساد؟ ولم ننكر اللذات والآلام الجسمانية في الجنة والنار.

стр. 56

وقد جاء الشرع بذلك فنحن نؤمن بالجمع بين السعادتين، وبين الشقاوتين الروحانية والجسمانية، وأما إقامتكم الحقائق في مقام الأمثال فتحكم بلا دليل. فإن قالوا: الأبدان تنحل وتؤكل وتستحيل قلنا: القدرة لا يقف بين يديها شيء. على أن الإنسان إنسان بنفسه، فلو صنع له البدن من تراب غير التراب الذي خلق منه لم يخرج عن كونه هو هو كما أنه تتبدل أجزاؤه من الصغر إلى الكبر وبالهزال والسمن فإن قالوا: لم يكن البدن بدنا حتى يرتقي من حالة إلى حالة إلى أن صار لحما وعروقا قلنا: قدرة الله لا تقف على المفهوم المشاهد ثم قد أخبرنا نبينا ﷺ أن الأجسام تنبت في القبور قبل البعث. وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار، نا أبو محمد الجوهري، نا عمر بن محمد بن الزيات، ثنا قاسم بن زكريا المطرز، ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وبصلم: «ما بين النفختين أربعون (١) قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما، قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا، قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة، قال: أبيت قال ثم ينزل الله ماء من السماء فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا، وهو عجب (٢) الذنب، منه خلق ومنه يركب الخلق يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين». فصل وقد لبس إبليس على أقوام من أهل ملتنا فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنتهم، فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة، كما ينقل من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس. وهؤلاء قد كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورا خفية إلا أنهم لما تكلموا في الالهيات خلطوا، ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات.

стр. 57

وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم. وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك العلوم إلا جملة والرجوع فيها إلى الشرائع. وقد حكي لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أوائك الحكماء كانوا ينكرون الصانع ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس وحيلا فصدقوا فيما حكي لهم عنهم ورفضوا شعار الدين، وؤهملوا الصلوات ولابسوا المحذورات واستهانوا بحدود الشرع، وخلعوا ربقة الإسلام. فاليهود والنصارى أعذر منهم لكونهم متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر منهم لأنهم يدعون النظر في الأدلة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء. أتراهم ما علموا أن الأنبياء كانوا حكماء وزيادة وما قد حكى لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال، فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات، وإنما أهملوا النظر فيها وشذ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة. وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف الا انتحير فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام، بل فيهم من يصوم رمضان ويصلي ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات ويتكلم في إنكار بعث الأجساد، ولا يكاد يرى منهم أحد إلا ضربه الفقر فأضر به فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر حتى قال لي بعضهم، أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك، وكان يقول أشعارا كثيرة في هذا المعنى فمنها قوله في صفة الدنيا قال: أتراها صنعة من غير صانع … أم تراها رمية من غير رام وقوله: واحيرتا من وجود ما تقدمه … منا اختيار ولا علم فيقتبس كأنه في عماء ما يخلصنا … منه ذكاء ولا عقل ولا شرس (١) ونحن في ظلمة ما إن لها قمر … فيها يضيء ولا شمس ولا قبس مدنهين (٢) حيارى قد تكنفنا … جهل يجهمنا (٣) في وجهه عبس فالفعل فيه بلا ريب ولا عمل … والقول فيه كلام كله هوس

стр. 58

فصل ولما كانت الفلاسفة قريبا من زمان شريعتنا والرهبنة كذلك مد بعض أهل ملتنا يده إلى التمسك بهذه وبعضهم مد يده الى التمسك بهذه، فترى كثيرا ترهبنوا، فنسأل الله ثباتا على ملتنا وسلامة من عدونا انه ولي الاجابة. من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، واذا نظروا في باب التزهد. ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل وهم قوم يقولون: إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية هيكلا أعني جرما من الأجرام السماوية هو هيكله، ونسبته إلى الروحاني المختص به نسبة أبداننا الى أرواحنا، فيكون هو مديره والمتصرف فيه. فمن جملة الهياكل العلوية السيارات والثوابت. قالوا: ولا سبيل لها إلى الروحاني بعينه، فيتقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان. وقال آخرون منهم: لكل هيكل سماوي شخص من الأشخاص السفلية على صورته وجوهره، فعمل هؤلاء الصور ونحتوا الأصنام وبنوا لها بيوتا. وقد ذكر يحيى بن بشر النهاوندي أن قوما قالوا: الكواكب السبعة وهي زحل، والمشتري والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر، هي المدبرات لهذا العالم وهي تصدر عن أمر الملأ الأعلى، ونصبوا لها الأصنام على صورتها، وقربوا لكل واحد منها ما يشبهه من الحيوان. فجعلوا لزحل جسما عظيما من الآنك (١) أعمى يقرب إليه بثور حسن يؤتى به إلى بيت تحته محفور وفوقه الدرابزين من حديد على تلك الحفرة، فيضرب النور حتى يدخل البيت ويمشي على ذلك الدرابزين من الحديد فتغوص رجلاه ويداه هنالك، ثم توقد تحته النار حتى يحترق. ويقول له المقربون: مقدس أنت أيها الإله الأعمى المطبوع على الشر الذي لا يفعل خيرا، قربنا لك ما يشبهك فتقبل منا وأكفنا شرك وشر أرواحك الخبيثة.

стр. 59

ويقربون للمشتري صبيا طفلا وذلك أنهم يشترون جارية ليطأ السدنة (١) للأصنام السبعة فتحمل وتترك حتى تضع، ويأتون بها والصبي على يدها ابن ثمانية أيام فينحسونه بالمسال (٢) والإبر وهو يبكي على يد أمه فيقولون له: أيها الرب الخير الذي لا يعرف الشر قد قربنا لك من لم يعرف الشر يجانسك في الطبيعة فتقبل قرباننا وارزقنا خير أرواحك الخيرة. ويقربون للمريخ رجلا أشقر أنمش (٣) أبيض الرأس من الشقرة يأتون به فيدخلونه في حوض عظيم ويشدون قيوده إلى أوتاد في قعر الحوض ويملأون الحوض زيتا حتى يبقى الرجل قائما فيه الى حلقه ويخلطوأن بالزيت الادوية المقوية للعصب والمعفنة للحم والجلد، حتى إذا دار عليه الحول بعد أن يغذى بالأغذية المعفنة للحم والجلد قبضوا على رأسه فملخوا (٤) عصبه من جلده ولفوه تحت رأسه وأتوا به إلى صنمهم الذي هو على صورة المريخ، فقالوا: أيها الإله الشرير ذو الفتن والجوائح، قربنا إليك ما يشبهك فتقبل قرباننا واكفنا شرك وشر أرواحك الخبيثة الشريرة. ويزعمون أن الرأس تبقى فيه الحياة سبعة أيام وتكلمهم بعلم ما يصيبهم تلك السنة من خير وشر. ويقربون للشمس تلك المرأة التي قتلوا ولدها للمشتري، ويطوفون بصورة الشمس ويقولون: مسبحة مهللة أنت أيتها الآلهة النورانية قربنا إليك ما يشبهك فتقبلي قرباننا وارزقينا من خيرك وأعيذينا من شرك. ويقربون للزهرة عجوزا شمطاء ماجنة (٥) يقدمونها بين يديها وينادون حولها أيتها الآلهة الماجنة أتيناك بقربان بياضه كبياضك … ومجانته كمجانتك وظرفه كظرفك فتقبليها منا. ثم يأتون بالحطب فيجعلونه حول العجوز ويضرمون فيه النار إلى أن تحترق فيحثون رمادها في وجه الصنم. ويقربون لعطارد شابا أسمر حاسبا كاتبا متأدبا يأتون به بحيلة. وكذلك يفعلون بالكل يخدعونهم ويبنجونهم ويسقونهم أدوية تزيل العقل وتخرس الأنسنة فيقدمون هذا الشاب إلى صنم عطارد ويقولون: أيها الرب الظريف.

стр. 60

أتيناك بشخص ظريف وبطبعك اهتدينا فتقبل منا، ثم ينشر الشاب نصفين ويربع ويجعل على أربع خشبات حوله ويضرم في كل خشبة النار حتى تحترق ويحترق الربع معها ويحثون رماده في وجهه. ويقربون للقمر رجلا آدم (١) كبير الوجه، ويقولون له: يا بريد الآلهة وخفيف الأجرام العلوية. ذكر تلبيسه على عباد الأصنام قال المصنف: كل محنة لبس بها إبليس على الناس فسببها الميل الى الحس والأعراض عن مقتضى العقل، ولما كان الحس يأنس بالمثل دعا إبليس لعنه الله خلقا كثيرا إلى عبادة الصور وأبطل عند هؤلاء عمل العقل بالمرة فمنهم من حسن له أنها الآلهة وحدها، ومنهم من وجد فيه قليل فطنة فعلم أنه لا يوافقه على هذا فزين له أن عبادة هذه تقرب الى الخالق. فقالوا ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر: ٣). بداية تلبيسه على عباد الأصنام أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا أبو جعفر بن أحمد بن السلم، نا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله الجوهري، ثنا أبو علي الحسن بن عليل العنزي، ثنا أبو الحسن علي بن الصباح بن الفرات، قال: أخبرنا هشام (٢) بن محمد بن السائب الكلبي قال أخبرني أبي، قال: أول ما عبدت الأصنام كان آدم ﵇ لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: بود، وهو أخصب جبل في الأرض. قال هشام: فأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: فكان بنو شيث بن آدم ﵊ يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل: يا بني قابيل إن لبني شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه وليس

стр. 61

لكم شيء، فنحت لهم صنما فكان أول من عملها. قال: وأخبرني أبي أنه كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، قوما صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم غير أنني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا؟ فقالوا: نعم: فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم فكان الرجل منهم يأتي أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الاول. وعملت على عهد يزد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد تعظيم من القرن الأول. ثم جاء من بعدهم القرن الثالث فقالوا: ما عظم الأولون هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله ، فعبدوهم وعظموا أمرهم واشتد كفرهم فبعث الله إليهم إدريس ﵊ فدعاهم فكذبوه فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حتى أدرك نوح فبعثه الله نبيا وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى عبادة الله مائة وعشرين سنة فعصوه وكذبوه، فأمر الله تعالى أن يصنع الفلك فعملها وفرغ منها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ومكث بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين سنة فكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة، فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة فلما نضبت الماء بقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا وكان يكنى أبا ثمامة له رئي (١) من الجن فقال له: عجل المسير وانظعن من تهامة، بالسعد والسلامة انت صفا جده، تجد فيها أصناما معدة فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها (٢) ثم حملها حتى ورد بها تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات فدفع إليه ودا فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمي ابنه عبد ود، فهو أول من سمى به. وجعل عوف ابنه عامرا سادنا له، فلم يزل بنوه يدينون به حتى جاء الله بالاسلام.

стр. 62

قال الكلبي: حدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبي يبعثني باللبن إليه ويقول: اسق إلهك فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد بعد كسره فجعله جذاذا وكان رسول الله ﷺ بعثه من غزوة تبوك أهدمه فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود وبنو عامر، فقاتلهم فقتلهم وهدمه وكسره، وقتل يومئذ رجلا من بني عبد ود يقال له: قطن سريح فأقبلت أمه - وهو مقتول - وهي تقول: ألا تلك المودة لا تدوم … ولا يبقى على الدهر النعيم ولا يبقى على الحدثان عفر (١) … له أم بشاهقة رؤوم ثم قالت: يا جامعا جامع الأحشاء والكبد … يا ليت أمك لم تولد ولم تلد ثم أكبت عليه فشهقت وماتت. قال الكلبي: فقلت لمالك بن حارثة: صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال قد دبر أي نقش، عليه حلتان متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده وتنكب قوسا وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة (٢) فيها نبل، يعني جعبتها. قال: وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر سواعا، وكان بأرض يقال لها: رهاط من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر. فقال رجل من العرب: تراهم حول قبلتهم عكوفا … كما عكفت هذيل على سواع يظل حياته صرعى لديه … غنائم من ذخائر كل راع

стр. 63

وأجابته مذحج فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها. وأجابته همدان فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم يعوق، وكان بقرية يقال لها: جوان تعبده همدان ومن والاها من اليمن. وأجابته حمير فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له: معدي كرب نسرا، وكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزالوا يعبدونه حتى هودهم ذو نواس ولم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله محمدا ﷺ فأمر بهدمها. قال ابن هشام: وحدثنا الكلبي (١) عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رفعت لي النار فرأيت عمرو بن لحي قصيرا أحمر أزرق يجر قصبه في النار. قلت: من هذا؟ قيل: هذا عمرو بن لحي أول من بحر البحيرة ووصل الوصيلة وسيب السائبة وحمى الحام وغير دين إسماعيل ودعا العرب إلى عبادة الأوثان. قال هشام: وحدثني أبي وغيره أن إسماعيل ﵊ لما سكن مكة وولد له بها أولاد فكثروا حتى ملؤوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات فأخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا في البلاد والتمسوا المعاش. فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا أحتمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصيانة لمكة فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها وصيانة للحرم وحبا له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على أثر إبراهيم وإسماعيل، ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل ﵉ غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف بعرفة والمزدلفة وإهداء البدن والإهلال بالحج والعمرة. وكانت نزار تقول إذا ما أهلت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.

стр. 64

وكان أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وسيب السائبة ووصل الوصيلة عمرو بن ربيعة وهو لحى بن حارثة وهو أبو خزاعة، وكانت أم عمرو بن لحى فهيرة بنت عامر بن الحارث، وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة فلما بلغ عمرو بن لحى نازعه في الولاية وقاتل جرهم بن إسماعيل فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة وتولى حجابة البيت من بعدهم، ثم أنه مرض مرضا شديدا فقيل له: أن بالبلقاء من أرض الشام حمة (١) إن أتيتها برئت فأتاها فاستحم بها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة واتخذت العرب الأصنام وكان أقدمها مناة، وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المسلك بقديد بين مكة والمدينة، وكانت العرب جميعا تعظمه والأوس والخزرج ومن نزل المدينة ومكة وما والاها ويذبحون له ويهدون له قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة ابن محمد بن عامر بن ياسر، قال: كانت الأوس والخزرج ومن يأخذ مأخذهم من العرب من أهل يثرب وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوه فحلقوا عنده رؤوسهم وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك. وكانت مناة لهذيل وخزاعة فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ فهدمها عام الفتح ثم اتخذوا اللات بالطائف وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مرتفعة (٢) وكانت سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بناء، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وكانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم فلم يزالوا كذلك حتى أسلمت ثقيف فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات اتخذها ظالم بن أسعد، وكانت بوادي نخلة الشامية فوق ذات عرق وبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منه الصوت

стр. 65

قال هشام: وحدثني أبي (١) عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: ائت بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى فأتاها فعضدها. فلما جاء إيه قال: هل رأيت شيئا قال: لا. قال: فاعضد الثانية فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي ﷺ . فقال: هل رأيت شيئا، قال: لا. قال: فاعضد الثالثة، فأتاها فإذا هو بجنية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصر بأنيابها، وخلفها ديبة السلمي وكان سادنها. فقال خالد: يا عز كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة (٢)، ثم عضد الشجرة وقتل ديبة السادن ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: «تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب». قال هشام: وكان لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وأعظمها عندهم هبل. وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب. وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وكان في جوف الكعبة، وكان قدامه سبعة أقداح (٣) مكتوب في أحدها صريح، وفي الآخر ملصق فاذا شكوا في مولود أهدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح فإن خرج صريح ألحقوه وإن خرج ملصقا دفعوه وكانوا إذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده. وهو الذي قال له أبو سفيان يوم أحد: أعل هبل أي علا دينك فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ألا تجيبونه» (٤). فقالوا: وما نقول؟: قال: قولوا: الله أعلى وأجل».

стр. 66

وكان لهم أساف ونائلة، قال هشام: فحدث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (١) أن أساف رجل من جرهم يقال له: أساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها في أرض اليمن فأقبلا حجاجا فدخلا البيت فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها في البيت فمسخا، فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب قال هشام: لما مسخا حجرين وضعا عند البيت ليتعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها. وكان أحدهما ملصقا بالكعبة والآخر في موضع زمزم فنقلت قريش الذي كان ملصقا بالكعبة إلى الآخر فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما. وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة وكان مروة (٢) بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج، وكانت بتبالة بين مكة والمدينة (٣) على مسيرة سبع ليال من مكة، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة. فقال رسول الله ﷺ لجرير ﵁: «ألا تكفني ذا الخلصة (٤)» فوجهه إليه فسار بأحمس فقابلته خثعم وباهلة فظفر بهم وهدم بنيان ذي الخلصة وأضرم فيه النار، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبانة. وكان لدوس صنم يقال له ذو الكفين فلما أسلموا بعث رسول الله ﷺ الطفيل بن عمرو فحرقه. وكان لبني الحارث بن يشكر صنم يقال له: ذو الثرى. وكان لقضاعة وأخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له: الأقيصر. وكان لمزينة صنم يقال له: فهم، وبه كانت تسمى عبد فهم. وكان لعنزة صنم يقال له: سعير.

стр. 67

وكان لطيء صنم يقال له: الفلس. وكان لأهل كل واد من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به. ومنهم من اتخذ بيتا ومن لم يكن له صنم ولا بيت نصب حجرا مما استحسن ثم طاف به وسموها الأنصاب. وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعله ثالثة الاثافي (١) نقدره، فإذا ارتحل تركه. فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك. ولما ظهر رسول الله ﷺ على مكة دخل المسجد والأصنام منصوبة حول الكعبة فجعل يطعن بسية (٢) قوسه في عيونها ووجوهها، ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ ثم أمر بها فكفئت على وجوهها، ثم أخرجت من المسجد فحرقت. وعن ابن عباس ﵄ انه قال: «ف زمان زدجرد عبدت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام». أخبرنا إسماعيل بن أحمد، نا عمر بن عبيد الله، نا أبو الحسين بن بشران، نا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا جميل، ثنا حسن بن الربيع، ثنا مهدي بن ميمون، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: لما بعث رسول الله ﷺ فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب، ولحقنا بالنار، وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذاك ونأخذه، وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، نا أحمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، ثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا أبو العباس السراج، ثنا أحمد بن الحسن بن خراش، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا عمارة المعولي قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه فنحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد الى الحجر الابيض فنعبده زمانا ثم نلقيه. أخبرنا أبو منصور القزاز، نا ابو بكر ابن ثابت، نا عبد العزيز بن علي الوراق، نا أحمد بن إبراهيم، ثنا يوسف بن يعقوب النيسابوري، نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، نا الحجاج بن أبي زينب،

стр. 68

قال: سمعت أبا عثمان النهدي، قال: كنا في الجاهلية نعبد حجرا فسمعنا مناديا ينادي يا أهل الرحال إن ربكم قد هلك فالتمسوا لكم ربا غيره. قال: فخرجنا على كل صعب وذلول فبينما نحن كذلك نطلب، إذا نحن بمناد ينادي إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه قال: فجئنا فإذا حجر فنحرنا عليه الجزر. أنبأنا محمد بن أبي طاهر، نا أبو إسحاق البرمكي، نا أبو عمر بن حيويه، نا أحمد بن معروف، نا الحسين بن الفهم، ثنا محمد بن سعد، نا محمد بن عمرو، ثني الحجاج بن صفوان، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عنبسة، قال: كنت امرءا ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم آلهة فيخرج الحي منهم فيأتي بأربعة أحجار. فينصب ثلاثة لقدرته ويجعل أحسنها إلها يعبد. ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره. أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، نا أبو الحسين بن عبد الجبار، نا ابو الحسن العتيقي، نا عثمان ابن عمرو بن الميثاب، نا أبو محمد عبد الله بن سليمان الفامي، ثني أبو الفضل محمد بن أبي هارون الوراق، ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي عن شيخ من ساكني مكة. قال: سئل سفيان بن عيينة كيف عبدت العرب الحجارة والأصنام؟ فقال: أصل عبادتهم الحجارة إنهم قالوا: البيت حجر فحيث ما نصبنا حجرا فهو بمنزلة البيت. وقال أبو معشر: كان كثير من أهل الهند يعتقد الربوبية ويقرون بأن لله تعالى ملائكة إلا إنهم يعتقدونه صورة كأحسن الصور وأن الملائكة أجسام حسان وإنه وملائكته محتجبون بالسماء فاتخذوا أصناما على صورة الله سبحانه عندهم، وعلى صور الملائكة فعبدوها وقربوا لها لموضع المشابهة على زعمهم. وقيل لبعضهم: إن الملائكة والكواكب والأفلاك أقرب الأجسام إلى الخالق فعظموها وقربوا لها ثم عملوا الأصنام. وبنى جماعة من القدماء بيوتا كانت للأصنام فمنها بيت على رأس جبل بأصبهان كانت فيه أصنام أخرجها كوشتاسب لما تمجس وجعله بيت نار. والبيت الثاني والثالث في أرض الهند. والرابع بمدينة بلخ بناه بنو شهر فلما ظهر الإسلام خربه أهل بلخ. والخامس بيت بصنعاء بناه الضحاك على اسم الزهرة فخر به عثمان بن عفان ﵁ والسادس بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانة فخربه المعتصم. وذكر يحيى بن بشير بن عمير النهاوندي: أن شريعة الهند وضعها لهم

стр. 69

رجل برهمي، ووضع لهم أصناما وجعل لهم أعظم بيوتهم بيتا بالميلتان وهي مدينة من مداين السند وجعل فيه صنمهم الأعظم الذي هو كصورة الهيولي الأكبر. وهذه المدينة فتحت في أيام الحجاج، وأرادوا قلع الصنم فقيل لهم: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من مال. فأمر عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحج إليه من ألفي فرسخ ولا بد للحاج أن يحمل معه دراهم على قدر ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا ولا أكثر، ومن لم يحمل معه ذلك لم يتم حجه. فيلقيه في صندوق عظيم هناك ويطوفون بالصنم. فإذا ذهبوا قسم ذلك المال فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه قال الشيخ أبو الفرج ﵀: فانظر كيف تلاعب الشيطان بهؤلاء وذهب بعقولهم فنحتوا بأيديهم ما عبدوه، وما أحسن ما عاب الحق أصنامهم فقال: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها﴾ (الاعراف: ١٩٥/ ٧). وكانت الإشارة إلى العباد أي أنتم تمشون وتبطشون وتبصرون وتسمعون والأصنام عاجزة عن ذلك وهي جماد وهم حيوان، فكيف عبد التام الناقص؟ ولو تفكروا لعلموا أن الإله يصنع الأشياء ولا يصنع، ويجمع وليس بمجموع، وتقوم الأشياء به ولا يقوم بها، وإنما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه لا ما صنعه. وما خيل إليهم أن الأصنام تشفع فخيال ليس فيه شبهة يتعلق بها. ذكر تلبيسه على عابدي النار والشمس والقمر قال المصنف: قد لبس إبليس على جماعة فحسن لهم عبادة النار، وقالوا: هي الجوهر الذي لا يستغنى العالم عنه، ومنها هنا زين عبادة الشمس. وذكر أبو جعفر بن جرير الطبري: أنه لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار فهو أول من نصب النار وعبدها. قال الجاحظ: وجاء زرادشت من بلخ وهو صاحب المجوس فادعى أن الوحي ينزل اليه على جبل سيلان، فدعا أهل تلك النواحي الباردة الذين لا يعرفون الا البرد وجعل الوعيد يتضاعف البرد، وأقر بأنه لم يبعث إلا إلى الجبال فقط. وشرع لاصحابه التوضؤ.

стр. 70

بالأبوال وغشيان الأمهات، وتعظيم النيران، مع أمور سمجة. قال: ومن قول زرادشت: كان الله وحده، فلما طالت وحدته فكر، فتولد من فكرته إبليس. فلما مثل بين يديه وأراد قتله امتنع منه، فلما رأى امتناعه ودعه إلى مدة. قال الشيخ أبو الفرج ﵀: وقد بنى عابدو النار لها بيوتا كثيرة. فأول من رسم لها بيتا افريدون فاتخذ لها بيتا بطرسوس وآخر ببخارى، واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان، واتخذ لها أبو قباذ بيتا بناحية بخارى، وبنيت بعد ذلك بيوت كثيرة لها. وقد كان زرادشت وضع نارا زعم أنها جاءت من السماء فأكلت قربانهم. وذلك أنه بنى بيتا وجعل في وسطه مرآة ولف القربان في حطب وطرح عليه الكبريت، فلما استوت الشمس في كبد السماء قابلت كوة قد جعلها في ذلك البيت، فدخل شعاع الشمس فوقع على المرآة فانعكس على الحطب فوقعت فيه النار. فقال: لا تطفئوا هذه النار. فصل قال المصنف: وقد حسن إبليس لعنه الله لأقوام عبادة القمر ولآخرين عبادة النجوم. قال ابن قتيبة: وكان قوم في الجاهلية عبدوا الشعري العبور وفتنوا بها. وكان أبو كبشة الذي كان المشركون ينسبون إليه رسول الله ﷺ أول من عبدها. وقال: قطعت السماء عرضا ولم يقطع السماء عرضا غيرها وعبدها وخالف قريشا، فلما بعث رسول الله ﷺ ودعا إلى عبادة الله وترك الأوثان، قالوا: هذا ابن أبي كبشة أي شبهه ومثله في الخلاف، كما قالت بنو إسرائيل لمريم: يا أخت هارون أي يا شبيهة هارون في الصلاح. وهما شعريان إحداهما هذه، والشعرى الأخرى هي الغميصاء وهي تقابلها وبينهما المجرة - والغميضاء من الذراع: المبسوط في جبهة الأسد وتلك في الجوزاء. وزين إبليس لعنه الله لآخرين عبادة الملائكة، وقالوا: هي بنات الله تعالى، تعالى الله عن ذلك. وزين لآخرين عبادة الخيل والبقر. وكان السامري من قوم يعبدون البقر فلهذا صاغ عجلا. وجاء في التعبير أن فرعون كان يعبد تيسا وليس في هؤلاء من أعمل فكره ولا استعمل عقله في تدبير ما يفعل. نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.

стр. 71

قال المصنف: ذكرنا كيف لبس عليهم في عبادة الأصنام. ومن أقبح تلبيسه عليهم في ذلك تقليد الآباء من غير نظر في دليل كما قال الله : ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ (البقرة: ١٧٠) المعنى أتتبعونهم أيضا. وقد لبس إبليس على طائفة منهم، فقالوا بمذاهب الدهرية وأنكروا الخالق وجحدوا البعث، وهؤلاء الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر﴾ (الجاثية: ٢٤). وعلى آخرين منهم: فأقروا بالخالق لكنهم جحدوا الرسل والبعث. وعلى آخرين منهم: فزعموا أن الملائكة بنات الله. وأمال آخرين منهم إلى مذهب اليهود. وآخرين إلى مذهب المجوس، وكان في بني تميم منهم زرارة ابن جديس التميمي وابنه حاجب. وممن كان يقر بالخالق والابتداء والإعادة والثواب والعقاب عبد المطلب بن هاشم، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وعامر بن الظرب. وكان عبد المطلب إذا رأى ظالما لم تصبه عقوبة قال: تالله أن وراء هذه الدار لدارا يجزي فيها المحسن والمسيء. ومنهم زهير بن أبي سلمى وهو القائل: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر … ليوم حساب او يعجل فينتقم ثم أسلم. ومنهم زيد الفوارس بن حصن، ومنهم القلمس بن أمية الكناني، كان يخطب بفناء الكعبة، وكانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتى يعظها ويوصيها فقال يوما: يا معشر العرب أطيعوني ترشدوا، قالوا: وما ذاك؟ قال: انكم تفردتم بآلهة شتى أني لا أعلم ما الله بكل هذا راض، وأن الله رب هذه الآلهة وأنه ليحب أن يعبد وحده. فتفرقت عنه العرب لذلك ولم يسمعوا مواعظه. وكان فيهم قوم يقولون: من مات فربطت على قبره دابته وتركت حتى تموت حشر عليها ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا، وممن قاله عمرو بن زيد الكلبي. قال المصنف: وأكثر هؤلاء لم يزل عن الشرك وإنما تمسك منهم بالتوحيد ورفض الأصنام القليل، كقس بن ساعدة وزيد، وما زالت الجاهلية تبتدع البدع الكثيرة. فمنها النسيء وهو تحريم الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام، وذلك أن العرب كانت قد تمسكت من ملة إبراهيم صلوات الله

стр. 72

وسلامه عليه بتحريم الأشهر الأربعة، فإذا احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب أخروا تحريمه إلى صفر، ثم يحتاجون إلى صفر ثم كذلك حتى تتدافع السنة. وإذا حجوا قالوا: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ومنها توريث الذكر دون الأنثى. ومنها أن أحدهم كان إذا مات ورث نكاح زوجته أقرب الناس إليه، ومنها البحيرة وهي الناقة تلد خمسة أبطن فإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها وحرمت على النساء. والسائبة من الأنعام كانوا يسيبونها ولا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا. والوصيلة الشاة تلد سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا أو أنثى قالوا: وصلت أخاها فلا تذبح وتكون منافعها للرجال دون النساء، فاذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء. والحامي الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم ولا يحمل عليه. ثم يقولون، أن الله أمرنا بهذا، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾ (المائدة: ١٠٣). ثم الله رد عليهم فيما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيما أحلوه بقولهم: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ (الانعام: ١٣٩). قال الله تعالى: ﴿قل آلذكرين حرم أم الانثيين﴾ (الانعام: ١٤٣) المعنى ان كان الله حرم الذكرين فكل الذكور حرام، وإن كان حرم الأنثيين فكل الإناث حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فإنها تشتمل على الذكور والإناث فيكون كل جنين حراما. وزين لهم إبليس قتل أولادهم، فالإنسان منهم يقتل ابنته ويغذو (١) كلبه. ومن جملة ما لبس عليهم إبليس أنهم قالوا: لو شاء الله ما أشركنا، أي لو لم يرض شركنا لحال بيننا وبينه، فتعلقوا بالمشيئة وتركوا الأمر. ومشيئة الله تعم الكائنات وأمره لا يعم مراداته، فليس لأحد أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر. ومذاهبهم السخيفة التي ابتدعوها كثيرة لا يصلح تضييع الزمان بذكرها ولا هي مما يحتاج الى تكلف ردها. ذكر تلبس إبليس على جاحدي النبوات قال المصنف: قد لبس إبليس على البراهمة والهندوس وغيرهم فزين لهم جحد النبوات ليسد طريق ما يصل من الإله وقد اختلف أهل الهند فمنهم دهرية ومنهم ثنوية ومنهم على مذاهب البراهمة ومنهم من يعتقد نبوة

стр. 73

آدم وإبراهيم فقط. وقد حكى أبو محمد النوبختي في كتاب «الآراء والديانات» أن قوما من الهند من البراهمة أنبتوا الخالق والرسل والجنة والنار وزعموا أن رسولهم ملك أتاهم في صورة البشر من غير كتاب، له أربعة أيد واثنا عشر رأسا من ذلك رأس إنسان ورأس أسد ورأس فرس ورأس فيل ورأس خنزير وغير ذلك من رؤوس الحيوانات، وأنه أمرهم بتعظيم النار ونهاهم عن القتل والذبائح إلا ما كان للنار، ونهاهم عن الكذب وشرب الخمر، وأباح لهم الزنا وأمرهم أن يعبدوا البقر، ومن ارتد منهم ثم رجع حلقوا رأسه ولحيته وحاجبيه وأشفار (١) عينيه، ثم يذهب فيسجد للبقر في هذيانات يضيع الزمان بذكرها. قال المصنف: وقد ألقى إبليس إلى البراهمة ست شبهات: الشبهة الأولى: استبعاد اطلاع بعضهم على ما خفي عن بعض، فقالوا: ﴿ما هذا إلا بشر مثلكم﴾ (المؤمنون: ٢٤) والمعنى وكيف أطلع على ما خفي عنكم. وجواب هذه الشبهة أنهم لو ناطقوا (٢) العقول لأجازت اختيار شخص لخصائص يعلو بها جنسه، فيصلح بتلك الخصائص لتلقف الوحي إذ ليس كل أحد يصلح لذلك. وقد علم الكل أن الله ركب الأمزجة متفاوتة وأخرج إلى الوجود أدوية تقاوم ما يعرض من الفساد البدني، فإذا أمد النبات والأحجار بخواص لإصلاح أبدان خلقت للفناء ها هنا وللبقاء في دار الآخرة لم يبعد أن يخص شخصا من خلقه بالحكمة البالغة والدعاية إليه إصلاحا لمن يفسد في العالم بسوء الأخلاق والأفعال. ومعلوم أن المخالفين لا يستنكرون أن يختص أقوام بالحكمة ليسكنوا فورات الطباع الشريرة بالموعظة، فكيف ينكرون أمداد الباري سبحانه بعض الناس برسائل ومصالح ووصايا يصلح بها العالم ويطيب أخلاقهم ويقيم بها سياستهم، وقد أشار إلى ذلك في قوله : ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾ (يونس: ٢). الشبهة الثانية قالوا: هلا أرسل ملكا فإن الملائكة إليه أقرب ومن الشك فيهم أبعد، والآدميون يحبون الرياسة على جنسهم فيوقع هذا شكا. وجواب هذا من ثلاثة أوجه: أحدها أن في قوى الملائكة قلب الجبال والصخور فلا يمكن إظهار معجزة تدل على صدقهم، لأن المعجزة ما خرقت العادة وهذه عادة الملائكة، وإنما المعجزات الظاهرة ما ظهرت على يد بشر ضعيف ليكون دليلا.

стр. 74

على صدقه. والثاني أن الجنس إلى الجنس أميل، فصح أن يرسل إليهم من جنسهم لئلا ينفروا وليعقلوا عنه، ثم تخصيص ذلك الجنس بما عجز عنه جنسه دليل على صدقه. والثالث أنه ليس في قوى البشر رؤية الملك وإنما الله تعالى يقوي الأنبياء بما يرزقهم من إدراك الملائكة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ أي لينظروا إليه ويأنسوا به ويفهموا عنه ثم قال: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ (الانعام: ٩). أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرون أملك هو أم آدمي. الشبهة الثالثة قالوا: نرى ما تدعيه الأنبياء من علم الغيب والمعجزات وما يلقى إليهم من الوحي يظهر جنسه على الكهنة والسحرة فلم يبق لنا دليل نفرق به بين الصحيح والفاسد. والجواب أن نقول: أن الله ﵎ بين الحجج ثم بث الشبهة وكلف العقول الفرق، فلا يقدر ساحر أن يحيي ميتا ولا أن يخرج من عصا حية، وأما الكاهن فقد يصيب ويخطيء بخلاف النبوة التي لا خطأ فيها بوجه. الشبهة الرابعة قالوا: لا يخلو اما أن تجيء الأنبياء بما يوافق العقل أو بما يخالفه، فإن جاءوا بما يخالفه لم يقبل، وإن جاءوا بما يوافقه فالعقل يغني عنه. والجواب أن نقول: قد ثبت أن كثيرا من الناس يعجزون عن سياسات الدنيا حتى يحتاجون إلى متمم كالحكماء والسلاطين، فكيف بأمور الإلهية والأخروية. الشبهة الخامسة قالوا: قد جاءت الشرائع بأشياء ينفر منها العقل فكيف يجوز أن تكون صحيحة من ذلك إيلام الحيوان. والجواب أن العقل ينكر إيلام الحيوان بعضه لبعض، فأما إذا حكم الخالق بالإيلام لم يبق للعقل اعتراض. وبيان ذلك أن العقل قد عرف حكمة الخالق وأنه لا خلل فيها ولا نقص، فأوجبت عليه هذه المعرفة التسليم لما خفي عنه، ومتى اشتبه علينا أمر في فرع لم يجز أن نحكم على الأصل بالبطلان. ثم قد ظهرت حكمة ذلك فانا نعلم أن الحيوان يفضل على الجماد، ثم الناطق أفضل مما ليس بناطق بما أوتي من الفهم والفطنة والقوى النظرية والعملية. وحاجة هذا الناطق إلى إبقاء فهمه، ولا يقوم في إبقاء القوى مقام اللحم شيء، ولا يستطرف (١) تناول القوي الضعيف، وما فيه فائدة عظيمة لما قلت فائدته وإنما خلق الحيوان البهيم للحيوان الكريم فلو لم يذبح لكثر وضاق به.

стр. 75

المرعى ومات فيتأذى الحيوان الكريم بجيفته فلم يكن لإيجاده فائدة. وأما ألم الذبح فانه يستر، وقد قيل: أنه لا يوجد أصلا لأن الحساس للألم أغشية الدماغ لأن فيه الأعضاء الحساسة، ولذلك إذا أصابها آفة من صرع أو سكتة لم يحس الإنسان بألم فإذا قطعت الأوداج سريعا لم يصل ألم الجسم إلى محل الحس، ولهذا قال ﵊: «إذا ذبح أحدكم فليحد شفرته وليرح ذبيحته» (١). الشبهة السادسة قالوا: ربما يكون أهل الشرائع قد ظفروا بخواص من حجارة وخشب. والجواب أن هذا كلام ينبغي أن يستحيي من اراده، فإنه لم يبق شيء من العقاقير والأحجار إلا وقد وضحت خواصها وبأن سترها، فلو ظفر واحد منهم بشيء وأظهر خاصيته لوقع الإنكار من العلماء بتلك الخواص، وقالوا: ليس هذا منك إنما هذه خاصية في هذا. ثم إن المعجزات ليست نوعا واحدا بل هي بين صخرة خرجت منها ناقة، وعصا انقلبت حية، و حجر تفجر عيونا. وهذا القرآن الذي له منذ نزل دون الستمائة سنة فالأسماع تدركه والأفكار تتدبره والتحدي به على الدوام، ولم يقدر أحد على مداناة سورة منه، فأين هذا والخاصة والسحر والشعبذة. قال أبو الوفاء علي بن عقيل ﵁: صبأت (٢) قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحق وثبوت الشرائع بين الخلق والامتثال لأوامرها كابن الراوندي ومن شاكله كأبي العلاء. ثم مع ذلك لا يرون المقالتهم نباهة ولا أثرا، بل الجوامع تتدفق زحاما والآذانات تملأ أسماعهم بالتعظيم لشأن النبي ﷺ والإقرار بما جاء به، وإنفاق الأموال والأنفس في الحج مع ركوب الأخطار ومعاناة الأسفار ومفارقة الأهل والأولاد. فجعل بعضهم يندس في أهل النقل فيضع المفاسد على الأسانيد ويضع السير والأخبار، وبعضهم يروي ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنة والمنجمين، ويبالغ معزمون (١) يكلمون الجني الذي في باطن المجنون فيكلمهم بما كان ويكونوما في إحليل مهر. والأسود كان يعظ ويقول الشيء قبل كونه. ها هنا اليوم.
следующие страницы →