← Тараджим

Тараджим · id 30088

نهاية السول في رواة الستة الأصول - ت عبد القيوم - ناقص

سبط ابن العجمي

Полный текст (3 229 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه الّذِي جَعَل العُلماءَ وَرَثَةَ الانبياء، والصّلاةُ والسَّلامُ على نَبِيه محمد سَيّد الأصفياء، وعلى آله وصَحْبه السَّادَة الأتقياء صلاةً وسلامًا دائمين يستوجبان رُتْبَةَ الأولياء. وبعد: فإنّ علومَ السُّنَّة المشرَّفة من أجلّ العُلُوم وأنفع الفُنون وأَحقّها بالتَّعَلُّم والتَّعْلِيم وأَولاها بكل عناية واهتمام، يُحِبُّها ذكور الرجال وفُحُولهم (١)، ويُعْنَى بها مُحِقّقُو العُلَماء وكَمَلتُهم، فهي العُلُوم التى يتوصَّل بها إلى تمييز الصَّحيح من الضّعِيف من الأحاديث النبويّة. وقد تَنوعت علوم الحديث تَنَوّعًا بحيث لا يمكن حصرها، ولذلك قال الحاكم: (النّوع الخَامِس والسِّتون) معرفة أوطان الرُّواة وبُلدانهم، وذلك آخرها، وليس بآخر الممكن في ذلك، فإنّه قابل للتَّنْوِيع إلى ما لا يُحْصَى، إذ لا تُحصَى أحوال رُوَاة الحديث وصفاتهم، ولا أحوال متون الحديث وصفاتُها (٢). ومن هذه العُلُوم عِلْمُ معرفة أحوال الرجال شيوخهم وتلامذتهم، وتواريخ ولادتهم ووفياتهم، وجرحهم وتعديلهم، وغير ذلك، وهو فَنٌّ من فُنُون الحديث الّذي اهتم به علماءُ المسلمين اهتمامًا كبيرًا، وجعلوه من ضروريات الدين، والكتاب _________ (١) مقتبس من قول الزهريّ المشهور: يُحِبُّه وفي رواية يُعْجبه ذكور الرِّجال ويكرهه مؤنثوهم أخرجه ابن عدي في مقدمة الكامل ص/٧٢ والخطيب في شرف أصحاب الحديث ص: ٧٠، وذكره ابن نقطة في تكملة الإكمال ٣/ ٤٨٤ (٣٥٨١) و ٤/ ٢٦١ (٤٣١٠) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ٥٩، وفيه الحديث. (٢) مقدمة ابن الصلاح ص: ٧.

стр. 2

الذّي بين يديّ، والَّذي أتَشَرَّف بخدمته وَاحِدٌ من هذه الكُتُب التى تبحث عن أحوال رُوَاة الكُتُب السِّتّة التى تُعتَبر دَوَاوين الإسْلَام، والّتي ألِّفَت في رجالها عِدَّة مؤلّفات، إلّا أنّ لِكُل مؤلِّف أُسلوبًا يَخُصّ به، ولكل مُؤلَّف ميزات وخَصَائص يَتَفَرّد بها، وكذلك كتِابُنَا هَذَا "نِهايةُ السّول في رُوَاة السِّتّة الأصُول" كتابٌ عَظيِم تَفَرَّد بأشياء لَانَرَاها مُجتمعةً في غيره من المؤلَّفات في بابته، وسَيَأتي ذكرُها في موضعها من المُقَدَّمَة، ومؤلِّف الكِتَاب رَجُل عَظيِم مُتَمكِّنٌ في عُلُوم شَتَّى، وبَارِع في الحديث وعلومه، مَعْرُوف بين مُعَاصِرِيه بسيرته العَطِرة، وأخلاقه الجَمِيلة وتواضعه الجَمِّ، ورُوْحِه الهادىِء، وإنّى أحمد اللّه الّذِي وَفَّقَنِي لخدمة هذا الكتاب المُبَارَك، وقد بَذَلتُ قُصَارَى جهدي في تحقيقه، حتى يكون أقرَب ما يمكن إلى أصل مؤلّفه وأسأل اللّه تَعَالَى أن ينفع طلبة العلم بهذا الكتاب، كما أسأله تعالى أن يجعل عملي هذا خَالِصًا لوجهه الكريم وصَلّى اللّه على سَيّدنا محمد وعلى آله وصَحْبِه أجمعين.

стр. 3

ترجمة الإمام المحدث سبط ابن العجمي (١) اسمه ونَسَبُه وشُهْرتُه: هو الإمام برهانُ الدِّين أبو الوَفَاء إبراهيم بن محمد بن خَلِيل الطَّرَابُلُسِي الأصْل ثم الحلبي المولد والدَّار، الشافعي المذهب، المعروف بسبط ابن العَجْمِي، وعرف بإبراهيم المُحَدِّث وبِالبُرهان المُحَدِّث أيضًا، ويُعْرف بالقُوف أيضًا، وهو قرشيٌّ أمَوِيّ من قبل أُمِّه .. مَوْلِده: أرّخَ البُرهَان مولِدَه بنفسه في سماع نجم الدِّين بن فهد عليه جُزْأَه "التَّبْيِن في أسماَءِ المُدَلّسِين" فقد جاَء في آخر الجُزْء المذكور - وهو بِخَطّ ابن زُرَيْق تلميذ البُرْهَان - من كلام البُرْهان: ومولدي في ثَانِي عشْرَي رَجَب من سَنَة ثلاث وخمسين وسبعمائة بحلب (٢). _________ (١) ترجم لسبط ابن العجمي كثيرون، ومصادر ترجمته كثيرة، من أهمها: ذيل التقييد للفاسي ١/ ٤٤٠ (٨٦٣) والتوضيح لابن ناصر الدين ٣/ ٢٨٩ (الحلبي) والمجمع المُؤَسِّس للحافظ ابن حجر ٣/ ٩ - ١٥ ولحظ الألحاظ ص: ٣٠٨ لابن فهد المكي ومعجم الشيوخ ص: ٤٧ لنجم الدين عمر بن فهد المكي، والمنهل الصافي للأتابكي ١/ ١٣١ والدليل الشافي للأتابكي ١/ ٢٦ أيضا، والضَّوء اللأمع ١/ ١٣٨ وطبقات الحُفَّاظ ص: ٥٤٥ وذيل تذكرة الحُفَّاظ ص: ٣٧٩ والشذرات ٧/ ٢٣٧ والبدر الطالع ١/ ٢٨ وهدية العارفين ١/ ١٩، وأعلام النبلاء ٥/ ٢٠٥ وفهرس الفهارس ١/ ٢٢١ والأعلام للزركلي ١/ ٦٥، ومقدمة الكاشف للمحقق فضيلة الشيخ محمد عوامة حفظه الله. (٢) مقدمة الكاشف ١/ ٩١.

стр. 4

وقال الحافظ ابن حجر: وُلِد في رَجَب من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة (١). وكان مَولِدُه بحلب بِحَيّ الجَلُّوم أحد الأحياء العريقة بِالعلم في ذلك الزمان، وزاد السَّخَاوِيُّ في تَحْدِيد موضع ولادته، فقال: "بقُرْب فُرن عَمِيرة" بفتح العَين، وهما يعني الجلّوم وعَميِرة - من "بلبان" حَارَة من حَلَب (٢). أسْرَتُه: أسْرةُ ابن العَجْمِي لا يُعْرَف منها شئٌ من جهة أبيِه، وأَمَّا من قِبل أمّه فهي عائلة عَرِيقة في العلْم والأثَر الصَّالح في مَدِينة حَلَب. ويكفيهم عِزًّا وفَخْرًا أَنَّ جَدَّهم الأعْلَى أبو طَالِب عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن الحَلبي ابن العَجْمِي نَقَل للك السُّنَّة الحَسَنَة الّتى سَنَّها نِظام الملك حَيْث أسَّسَ المَدْرَسَة النظّاميَّة ببغداد عام ٤٥٩ هـ فقد درس فيها أبو طَالِب ابن العَجْمِي، فَلَمَّا رَجَع إلى حلب أسَّسَ فيها مَدْرسَة على غِرَار المَدْرسة النّظَامِيّة ببغداد، وعلى مَنْهجِها، ثم تَتَابَعت بعدها المَدَارس الأخْرَى، وعُمِّر البلد بها، حتى لا يكاد يُوجَد حَيٌّ من أَحْيائها القَديمة إلَّا وفيها أكثر من مَدْرَسة على ذاك الطراز، فَجَدُّها الأعْلَى شرف الدِّين أبو طَالِب هو صاحب المَدْرَسة الأوْلى في حلب الَّتى عُرِفَت باسمه كما هو رأي عَدَد من الأئمة أنّ بَانِيها هو شَرَف الدِّين المَذكور (٣). فأُمّ البُرهَان المُحَدِّث الحلبي عَائشة بنت عُمَر من سُلَالة أئمة عُلَماء فُضَلَاء، وهي بنفسها ذات شَخْصِية علميّة أيضا، حتى إنَّ ابنها البُرهَان سَمِع _________ (١) المجمع المؤسس ٣/ ٩. (٢) الضوء اللَّامع ١/ ١٣٨. (٣) طبقات الشافعية الكبري ٧/ ١٤٧، وانظر أيضا مقدمة الكاشف ١/ ٩٣ للشيخ محمد عوامة حفظه الله."

стр. 5

منها، تَرْجَم لها الحَافِظ ابن حَجَر في الدُّرَر الكامنِة (١)، قال فيها: سَمِعَتْ على إبراهيم بن صَالح بن العِجْلِيّ، وحَدَّثَت، سَمِع منها وَلَدُها. هذا وقد ترجم الحَافظ ابن حَجَر في الدُّرَر وإنباء الغُمْر والحَافِظ السَّخَاويّ في الضَّوء اللَّامِع لِكَثِير من رِجَالات ونِساء هذه العائلة العَرِيقة في العلم والفَضْل في مدينة حَلَب، كما أنّ الذَّهَبِي في سير أعْلَام النُّبَلَاء، خاصَّة في المجلد الأخير ترجم لبعض من هذه العائلة الكَرِيمة (٢)، وقد استَطَاع مُحقق الكاشف مع حَاشِيته للبُرهان سبط ابن العَجْمي أن وَقَفَ على وَاحِد وخمسين من رجالات هذه العائلة العِلْمية الكريمة آل العَجْمِي، جُلُّهم من أجْدَاده، وليس فيهم من أسرته ونَسْله إلّا سَبْعَة فقط (٣). نَشْأتُه وطلبه للحديث: من المَعْلُوم أنّ والد السِّبْط ﵀ مات وهو صغير جِدًا، فَكَفَلَتْه أمُّه، ولم يُوجِّهه أحدٌ إلى سَمَاع الحَدِيث مُبَكِّرًا، فانتقلت به أمُّه من حَلَب إلى دمشق، فأقام معها بها، وبَدَأ يحفظ القرآن الكريم، فلما حَفِظ بَعْضَه رَجَعَت به أمُّه إلى حَلَب، فَنَشأ بها، وأدخلَتْه أمُّه إلي مَكْتَب الأيتام لحفظ القران الكريم، فَحَفِظَ القرآن الكريم كله ولم تُبِيّن لنا المَصَادِر عُمْرَه حينما أَتَمّ حِفْظَه، فَلَمّا حَفِظ القُران الكَريم في مَكْتَب الأيتام في حَلب، صَلَّى به بخَانْقاه جدِّه لأُمِّه الشّمْس أبى بكر أحمد بن العَجْمِي، ذكر ذلك عُمر بن فهد المَكِّيّ وأبوه تَقِيّ الدِّين محمد بن فهد المكِّيّ (٤). _________ (١) الدرر الكامنة ٢/ ٢٣٧. (٢) انظر مثال ذلك في سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١١٥، ٣٤٨. (٣) راجع مقدمة المحقق الفاضل للكاشف ١/ ٩٢ - ١٠٣. (٤) معجم الشيوخ ص: ٤٧ ولحظ الألحاظ ص: ٣٠٨ - ٣٠٩.

стр. 6

ثم أَتْقَنَ حِفْظَه، وقَرَأ عِدّة خَتَمات على بعض المَشَايِخ، ثم تَوَجَّه إلى علم القِرَاءَات، يَقُول النَّجم عُمر بن فَهْد: ثم قَرَأ من أوّل القرآن العظيم إلى أثناء سُورة التوبة لأبي عَمْرو على المَاجِدِيّ، ثم قَرَأ من أوّل القرآن الكريم إلى أوّل سُورة المُزَّمِّل لِقَالُون على الإمام شِهَاب الدِّين أحمد ابن أبي الرِّضَا الحَمَويّ، وقَرَأ خَتْمَتَيْن لأبي عَمْرو، وثَالثِةً بَلَغ فيها إلى أوّل سُورة يَسِين لِعَاصِم على الشَّيْخ عبد الأحَد الحَرَّانِي الحَنْبَلِيّ، ثم قَرَأ بعض القرآن لِنَافع وابن كَثِير وابن عَامِر وأبي عَمْرو على الإمام المجيد أبى عَمْرو محمد بن مَيْمُون البَلوِيّ الأنْدلِسي (١). فَلما بَلَغ من العُمر عشر سنين، طَلَب الحديث بنفسه، وأوّل سَمَاع حُفِظ عنه في سَنَة تسع وستِين. أمّا كِتَابَةُ الحَديِث فَكانت في سنة سَبْعِين، يَقُول تَقِيّ الدِّين بن فهد: وكَتَب الحَدِيث في جمادى الثانِية من سنة سبعين، فسمع وقَرَأ الكثير ببلدة حلب، فأَتَى على غَالِب مَرْوِيّاتها، وشُيُوخه بها قَرِيب من سبعين شيخًا (٢). وبعد أن قَرَأ وسَمع من شُيُوخ بَلَده - وهم سَبْعُون شَيْخًا - رَحَل في سَنَة ثمانين وسبعمائة، وهو بذلك يَحْذُو حَذْو المُحَدِّثين، ويَتَسَنّن بسنتهم، قال ابن الصَّلَاح والنَّووِي رَحَمهما اللّه - واللَّفظ للِنَّوَويّ: من آدَاب طَالِب الحَدِيث أن يَبْدَأ بِالسَّمَاع من أَرْجح شُيُوخ بَلَده إسْنَادًا وعلْمًا وشُهْرَةً وديِنًا وغيره، فإذا فَرَغ من مُهَمّاتِهم، فَلْيَرْحَل على عَادة الحُفَّاظ المُبَرزِيَن (٣). _________ (١) معجم الشيوخ ص: ٤٨. (٢) لحظ الألحاظ ص: ٣١٠. (٣) تقريب النووي مع شرحه تدريب الرَّاوِي ٢/ ١٤٢.

стр. 7

رِحْلاتُه: ارتَحَل المُحَدِّثُ السِّبْط من بلده بعد أن أَتَى على غَالِب مَرْوِيّات أهل بلده، يَقُول الإمام السَّخَاوِيّ ﵀: ارتحل إلى الدِّيار المِصْريّة مَرَّتَيْن، الأوْلَى في سَنَة ثَمانين، والثَّانِيَة في سَنَة سِت وثَمَانِين، فسمع بالقَاهِرة، ومِصْر، والإسْكَنْدريَّة، ودمياط، وتِنِّيْس، وبَيْت المَقْدس، والخَليل، وغَزَّة، والرَّمْلَة، ونَابلس، وحَمَاة، وحِمْص، وطَرَابلس، وبَعْلَبَك، ودمشق (١). ويُضَاف إلى البِلَاد الّتي تَقَدّمت بلبيس، ذَكَرها التَّقِيّ ابن فهد في أثناء ذكره رحلاتِه، فَقَال: ثم عَادَ إلى حَلَب، فَسَمح في طَريقه ببلبيس، ودمياط، وغزّة، سمع بها من قَاضِيها عَلَاءِ الدِّين بن خَلَف وغيره (٢). هَذَا وقد دَخَل بعض هذه البِلَاد مَرّتَين، وبعضها ثلاث مَرَّات، ففي الضَّوء اللَّامع في آخر ترجمة ابن زقاعة نقلًا عن مشيخة البرهان للنجم ابن فهد: قال البُرْهَان: اجتمعتُ به في مدينة غَزَّة في قدمتي إليها في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة … وقد طَلَب مني أحَادِيث يسمعها عَلَيّ، فانتَقَيتُ له أحاديث من كتاب العلم لأبي خَيْثَمة زُهَيْر بن حَرْب، وسَمِعَها عليّ في القَدْمة الثالثة (٣) وقال التَّقِيّ ابن فهد بعد أن ذكر رِحْلَاتِه إلى بلاد مُتَعَدِّدة: ثم عَادَ إلى حلب … وأقام بحلب أعوامًا، رَحَل ثَانِيًا، فسمع بحماة، وحِمْص، وبَعْلَبَك، ودمشق، ونابلس، وبيت المقدس وغيره، والقاهرة ومِصْر ودمياط، وبلبيس، وأكثر جِدًا من العَالِي والنَّازِل عن خلق (٤)، كما أنّه زَارَ بيت المقدس أرْبع مَرَّات، ذكر ذلك السَّخَاويّ (٥). _________ (١) الضوء اللّامع ١/ ١٣٩ - ١٤٠، (٢) لحظ الألحاظ ص: ٣١١ - ٣١٢. (٣) الضوء اللَّامع ١/ ١٣٤. (٤) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢. (٥) الضوء اللَّامع ١/ ١٤٠.

стр. 8

ومن رحلاته إلى مكة، وحجه عام ٨١٣ هـ: حَجّ المُحَدّث السِّبْط صُحْبَة الحَاجّ الشامي سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وكانت الوقفة يومَ الجُمُعَة، ولا يُتَصَوّر من طَالِب علْم - خاصَّة في ذاك الزمان، زَمَن الرِّحْلات العلمِيّة أن يَحجّ طَالِب علْم، ولا يَلْتَقِي بعلماء الحَرَمين الشريفَيْن، وبِالعُلَمَاء القَادمِين إليهما في هذا الموسم العَظِيم، بل الحج أمْنِية كل طَالِب علْم لأِدَاء فريضةٍ عليه كما أنَّه غاية أخْرَى له لما يتيسر له من لقاء جَمٍّ غَفِير من عُلَماء العالَم الإسلامِيّ المُتَرامِي الأطْرَاف، فيستَغْني الطَّالِب عن رحلات كَثيرة، إلّا أني لم أجد نُصُوصًا صَرِيحةً تَنُصّ على سَمَاعِه من عُلَماء الحَرَمين الشريفين والقادمين إليهما في هذه الرِّحْلة فيما رَجَعتُ إليه من المَصَادِر في ترجمته، اللهم إلّا خبرًا واحِدًا ذكره التَّقِي ابن فهد في كتابه، كان البُرهَان فيه مُفِيدًا ولَيْس بمستفيد، يقولُ التقي ابن فهد: اجتمعتُ به لما وَرَد إلى مَكّة المُشَرّفَة صُحْبَة الحاجّ الحَلَبِي مؤدِّيًا لَحِجّة الإسلام في مَوسم سنة ثلاث عشرة وثمانمائة كَرَّات، واستَفَدتُّ منه شيئًا، وسَمِعتُ عليه بمنى المُعَظَّم "المائة المُنْتَقَاة" من "مشَيخة الفَخْر ابن البُخَارِي الظّاهِرِيّةِ"، والحَدِيث باخرها من الذَّيْل عَلَيها، وأجَازَني بماله من مَرْويّاتِه مُشَافَهَةً وكِتَابَةً غير مَرَّة، فَاللّه تَعَالَى يُبْقِيه ويمتع الإسلام ويُدِيم النَّفْع به (١) هذا وقد زَارَ البُرهَان المُحَدّث المَدينة المُنَورة في سَفَرِه للحج هذا، ذكر ذلك السَّخَاوِي ﵀ (٢). _________ (١) لحظ الألحاظ ص: ٣١٤ - ٣١٥. (٢) الضوء اللَّامع ١/ ١٤٠.

стр. 9

شُيُوخُه: استَفَاد البُرْهَان من شُيُوخ كَثِيرين من عُلَماء حَلَب، وحماة، ودمشق، وحمص، ومصر، والبُلْدَان الأخْرَى الّتي دَخَلها، ويبدو أنّ "ثَبْتَه" الّذِي كَتَبه بِخَطّه و"مُعْجمه" الّذي ألّفه تلميذه النَّجم عُمر بن فهد يحتويان على جَمِيع شُيُوخِه سَمَاعًا وإجَازَةً، إلّا أني لم أعْثر ولم أطَّلِع على هَذَين الكِتَابَين، يقول السخاوى: - قرأتُ بِخَطّه - مشَايِخِي في الحديث نحو المأتين، ومن رَوَيْتُ عنه شيئًا من الشِّعْرِ دون الحَديث بِضْعٌ وثَلَاثون، وفي العُلُوم غير الحديث نحو الثلاثين، وقد جَمَع الكُلّ من شُيْوخ الإجازة أيضًا صَاحِبُنَا النَّجْم ابن فهد الهاشمي في مُجَلدّ ضَخْم، بَيَّن فيه أَسَانِيْدَه، وتَرَاجم شُيُوخهِ، وانتفع بثَبْت الشيخ في ذلك، وفَرِح الشَّيْخُ به، لكونه كَانَ أوّلا في تَعْب بالكشف من الثَّبتِ (١) وقد أشاد بثبته الّذِي عَمِله السِّبْط لنفسه تلميذُه تَقِي الدِّين بن فهد، فقال: وثَبْتُه بِخَطَّه الَّدقيق المَلِيح في مجلد ضَخْم، وهو كثير الفوائد (٢) كما أنّه مَدَح مُعْجَمه الّذي ألّفَه ابنه عُمر ابن فهد -وهو من تَلَامِذة السِّبْط أيضًا - فقال - أي تقي الدين ابن فهد: وشُيُوخُه بِالسَّمَاع والإجازة يَجْمَعُهم مُعْجَمه الّذي خَرّجه ابني نَجْم الدِّين أبو القَاسم محمد المَدْعُو بِعُمرَ نَفَعه اللّه تَعَالى ونَفَع به، سَمَّاه "مورد الطَّالِب الظَّمِي من مَرْوِيّات الحَافِظ سِبْط ابن العَجْمِي" بمكة المُشَرّفَة المُبَجَّلَة، لما قَدِم من رحلته، أرْسَل به إليه صُحْبَة الحَاج الحَلَبِي في موسم سنة تسع وثلاثين وثمانمائة (٣) ووصفه فَقَال: "في مُجَلّد ضَخْمٍ وهو كَثِير الفوائد. _________ (١) الضوء اللَّامع ١/ ١٤٠. (٢) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢. (٣) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢ أيضًا.

стр. 10

وقال ابن طُولُون: من أرَاد مَعْرَفة مَشَايخهِ وتراجمهم ومَسْمُوعاتهم فليراجِعْه، لينظر العَجَب العُجَاب (١). وفيما يلى أذكر تراجم مختصرة لبعض شُيُوخِه. ١ - البُلْقِينيّ هو عُمَر بن رسلان بن نَصِير بن صَالح بن شهاب بن عبد الخالق أبو حَفْص، شيخ الإسلام، وعَلَم الأعْلَام، مفتي الأنام سِرَاج الدّين وُلد في ثَانِي عشر شَعْبان سَنة أربع وعشرين وسبعمائة، قال التَّقِيّ ابن فهد: هو إمامُ الأئمة، وعَلَمُ الأمّة، حَازَ كُلّ الفَخْر، وهو أعْجُوبة الدَّهْر، خَاتِمة المُجْتَهدين ومن دان لِفَضْله كُلّ عَالِم من أئمة الدّين، شيخ الوقت، وحُجَّتُه وإمامُه ونَادِرَتُه، فَقِيه الزَّمَان بالاتفاق، وشيخ الإسلام على الإطلاق، أعْلَم أهل عصره بجميع العُلُوم، وأدْرَاهم بالمَنْطُوق والمَفْهوم، مفْتي الأنَام ومَلِك العُلَماء الأعلام، عَوْن الإسلام والمسلمين، وحُجّة اللّه تَعَالى على الخَلْق أجمعين، ومات ﵀ في عَاشِر ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة (٢). ٢ - الحَافِظ العِرَاقي عبد الرَّحيم بن الحُسَين بن عبد الرَّحْمن أبو الفضل الكردِي المِصْرِي المَعْرُوف بِالعِرَاقِي. وُلِدَ في الحَادِي والعِشرين من شهر جُمَادَى الأُوْلَى من سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمنشية المهراني، وتَرَبَّى بَيْن أَبَوين كَرِيمَيْن صَالِحَين، فَنَشَأ نشأةً صالِحةً، قال الحَافِظ ابن حجر: صَارَ المَنْظُور إليه في هذا الفَنّ (فَنّ الحديث) من زَمَن الشيخ جَمَال الدِّين الإسْنَوِي وهَلُمّ جَرًّا، ولم نَرَ في هَذَا الفَنّ _________ (١) مقدمة المحقق للكاشف ١/ ١٠٤. (٢) له ترجمة رائعة في لحظ الألحاظ ص: ٢٠٦ وما بعده، والمجمع المؤسس ٢/ ٢٩٤ (٦٦) وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٣٦ والضوء اللَّامع ٦/ ٨٥ وغيرها.

стр. 11

أتْقَن منه، وعليه تَخَرَّج غالب أهل عَصْره، ومن أخَصِّهم به صِهْرُه شَيَخُنا نُور الّدين الهَيْثَمِي … وقال ابن فهد: كان ﵀ إمامًا مُفنَّنًا حَافِظًا ناقِدًا مُتْقنًا، قَرَأ بالروايات السبع، وَبَرِع في الحديث مَتْنًا وإسنادًا وصَارَ المُشَار إليه في الدِّيار المِصْرِيّة بالحفظ والإتقان والمَعْرفة، توفي ثامن شَعْبان سنة ست وثمانمائة (١). ٣ - الهَيْثَمِيّ هو الحافظ عَلِيّ بن أبي بكر بن سُلَيمْان بن عُمَر بن صَالح أبو الحسن الهَيْثَمِي نُور الدين، وُلِد سَنَة خمس وثلاثين وسبعمائة وصَحِب شَيْخَه العِرَاقِي، ولَازَمَه أشَدَّ مُلَازَمةً، وسَمِع جَمِيع مَسْموعات الشيخ، يقول تَقِيّ الدِّين بن فهد: كان رَحْمة اللّه تَعَالَى عليه إمَامًا عالمًا حَافِظًا وَرِعًا زَاهِدًا مُتَقشِّفًا مُتَوَاضِعًا خَيِّرًا هَيِّنًا ليِّنًا سَالكًا سَلِيم الفْطرة شَديِد الإنكار لِلْمُنْكر، كَثير الاحتمال، مُحِبًا للغُرَبَاء وأهل الدِّين والعلْم والحديث كثير التَّوَدُّد إلى النَّاس مع العبِادَة والاقتصاد والتَّعَفّف … وتوفي ﵀ في التَّاسِع والعِشرِين من شَهر رَمَضان سَنَة سَبْعٍ وثمانمائة (٢). ٤ - ابن المُلَقِّن هو الحَافِظ عُمَر بن عَلِيّ بن أحمد بن محمد الأنْصَارِيّ سِرَاج الدِّين، وُلِد سَنَة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وعُنِي بالطَّلَب في صِغَرِه، قال الحافظ ابن حجر: اشتَغَل بالتَّصنْيف وهو شاب، فكَتَب الكثير، حتى كان أكثر أهل عَصْره تَصنيفًا، وقال التَّقِيّ ابن فهد المكّي: هو من أعْذَب النَّاس لَفْظًا، _________ (١) إنباء الغُمر بِأبناء العُمر ٢/ ٢٧٥ والمجمع المؤسس ٢/ ١٧٦ (١٣٨) ولحظ الألحاظ ص: ٢٢٠ والضوء اللَّامع ٤/ ١٧١ وطبقات الحفاظ للسيوطي ص: ٥٣٨. (٢) لحظ الألحاظ ص: ٢٣٩، والمجمع المؤسس ٢/ ٢٦٣ (١٥٤) والضوء اللَّامع ٥/ ٢٠٠، والدليل الشافي ١/ ٤٤٦ والشذرات ٧/ ٧٠.

стр. 12

وأحْسنهم خُلُقًا، وأجْمَلهم صُورَةً، وأفكههم مُحَاضَرَة، كَثير المُرُوءَة والإحْسَان، والتَّوَاضُع والكلام الحسن لكل إنسان، كثير المحبَّة للِفُقَراء … وقال ابن حجر أيضًا: هؤلاء الثَّلاثة: العِرَاقي والبُلقِيْنِي وابن المُلَقِّن كَانُوا أعْجُوبة هذا العَصْر على رأس القَرْن، الأوّل في معرفة الحديث وفُنُونِه، والثاني في التوسع في معرفة مَذْهب الشَّافِعيّ، والثالث في كَثْرة التَّصَانِيف، وقُدِّر أنّ كل واحد من الثلاثة وُلِد قبل الآخر بِسَنَة، ومَاتَ قبله بِسَنَة … (١). ٥ - اليَاسُوفِيّ سُلَيمان بن يُوسُف بن مُفْلِح بن أبي الوَفَاء المقدسِيّ صَدْر الدِّين أبو الرَّبِيع وأبو الفضل، قال الحافظ ابن حجر: وُلِدَ سَنَة (٧٣٩) تَقْريبًا، حَفِظ التَّنْبِيه، وبَرع في مَذْهب الشَّافِعِيّ، وقَرَأ في المَعْقُول، واشتَغَل في عِلْم الحَدِيث، فَبَرع فيه، وكان يَتَوقَّدُ ذَكَاءًا، وَقَال التَّقِيّ ابن فهد: كَانَ عَالمًا بِجميع الأنْوَاع العَالِي والنَّازِل وأسْمَاء الرِّجَال وطَبَقَاتِهم، والجَرح والتَّعْدِيل مع الزُّهد والقَنَاعَة بالكفاف، والإيثار لإخوانه، نَاظِرًا في العَوَاقِب … إلى أن قال: كان من مَحَاسِن الدَّهْر لم تَرَ العُيُون في بَابه مثله، توفي ﵀ في الثالث والعِشرِين من شَعْبَان سَنَة تِسع وثمانين وسبعمائة (٢). ٦ - عبد العَزِيز بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن العَجْمِيّ، سَمِع من أبي بكر بن العَجْمِيّ، قال الحافظ ابن حجر: كان خَيِّرًا مُنْقَطِعًا عن الناس، يَرْتَزِق من مَكان مَوقُوف عليه وحَدَّث، سَمع منه البُرْهَان الحَلَبِيّ، وَمَاتَ رَاجِعًا من الحَجّ في ثَالِث مُحَرَّم سنة (٧٨٠) (٣). _________ (١) المجمع المؤسس ٢/ ٣١١ (١٦٧) ولحظ الألحاظ ص: ١٩٧ والطبقات لابن قاضي شهبة ٤/ ٤٣ والضوء اللامع ٦/ ١٠٠ وذيل طبقات الحفاظ ص: ٣٦٩ وغيرها. (٢) لحفظ الألحاظ ص: ١٧٣، والدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٢٦٢ (١٨٦٩). (٣) الدرر الكامنة ٢/ ٤٨٢ (٢٤٣٤).

стр. 13

٧ - هَاشِم بن عُمَر بن محمد الحَلبِيّ ابن العَجْمِيّ أخو عائشة بنت عُمَر. ذكره ابن فهد في شُيُوخ السِّبْط، وترجم له الحافط في الدُّرَر الكَامنَة مُخْتصرًا، وقال: مَاتَ سَنَة بِضْعٍ وسَبْعِين وسبعمائة (١). ٨ - عائشة بنت عُمَر بن محمد ابن العَجْمِيّ والدة المُؤَلِّف البُرهَان سِبْط ابن العَجْمِي، كانت امرأةً صَالِحةً، سَمِعت على إبراهيم بن صَالح ابن العَجْمِي زَوْج عَمَّتِها، سمع منها ابنُها البُرهَان سبْط ابن العَجْمِيّ، ومَاتَتْ في خَامس رَجَب سنة (٧٨٩) (٢). ٩ - عُمَر بن إبراهيم بن عبد اللّه ابن العَجْمِيّ، وُلِدَ سَنة (٧٠٤) في جمادى الآخرة، وأخَذَ عن البَارِزِي وأبي بكر أحمد بن محمد العَجْمِي وغيرهما، سَمِع منه الإمام الذَّهَبِيّ والسِّبْط ابن العَجْمِي وغيرهما، قال ابن قَاضِي شُهْبة: ذكره قَرِيبُه الحافظ بُرهَان الدِّين في مَشِيخَتِه، وبَسَط تَرْجمتَه، وقَرَأ عليه الكَثيِر، قال: وهو أوَّل من انتَفَعْتُ به في هَذَا الشأن، وَكَانَ إمامًا بَارِعًا، فقيهًا متقنًا عَلّامة مُحَدِّثًا، عَالِمًا بالأصْلَيْن وغير ذلك، وله فَوَائد كَثِيرة في كُلّ فَنٍّ … وتوفي في ربيع الأوّل سَنَة سبع وسبعين (٣). ١٠ - الفيروزآباديِ هو مَجْدُ الدِّين محمد بن يَعْقُوب بن محمد بن إبراهيم أبو طَاهِر، مَوْلِده سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وكان إمِام عَصْرِه في اللُّغَةِ، قال ابن القاضِي شُهْبَة: ذَكَرَ له الحَافِظ بُرَهان الدِّين (سِبْط ابن العَجْمِي) في مَشِيْخَتِه ترجمة طويلة وقال: كَانَ في اللُّغَة بَحْرُ علم لايكدِرُه الدِّلَاء، وألَّفَ فيها تَوَالِيف حَسَنَة، وكان مُعَظَّما عند المُلوك … وكان سَرِيع الحِفْظ، يُحْكَي عنة _________ (١) الدرر الكامنة ٥/ ١٧٤ (٤٩٦١) ولحظ الألحاظ ص: ٣١٠. (٢) الدرر الكامنة ٢/ ٣٤١. (٣) المعجم المختص للذهبي ص: ١٧٩ والدرر الكامنة ص ٣/ ٢٢١ والطبقات لابن قاضي شهبة ص ١٤٥.

стр. 14

أنّه كان يَقُول: مَا كُنتُ أنَام حَتّى أَحْفَظَ مائتي سَطْر وتوفي ﵀ في شَوَّال سَنَة سَبْع عشرة وثمانمائة، وهو مُمَتَّع بِحَوَاسِّه، وقد نَاهَز التسعين (١). تلامذته: يُقَال في تَلَامِذَتِه الَّذِين أخَذُوا عنه ما يُقَال في شُيُوخِه الذيِن هو أخذ عنهم: إنّهم من الكثرة بمكان بحيث لا يمكن حصرهم في هذه العُجَالَة، والَّذِي يُرِيد أن يَقف على عَدَد كبير من تَلَامِذَتِه فعليه بالتَّتَبُّع في الضَّوءِ اللَّامع، لأنّ كَثِيرًا مِن رِجَال القَرْن التَّاسِع قد استَفَادُوا من عُلُوم المُحَدِّث البُرهَان، وتَتَلَمَّذُوا عليه، وفيما يَلِي أكتَفي بتراجم مُخْتَصرة لبعض أبرز وأشهر تَلَامِذته. ١ - الحَافِظ ابن حَجر هو أحمد بن عَلِيّ بن محمد بن محمد بن عَلِيّ العَسْقَلَانِي المِصْرِيّ. وُلِد في ثَالِث عشري رَمَضان سَنَة ثلاث وسَبْعين وسبعمائة بمصر، ونَشأ يتيمًا، لأنَّ وَالِدَه مَاتَ بعد ولادته بأربع سَنَوات، وشُهْرَتُه تغني عن الإطَالة في ترجمته وقد قال مُعَاصِرُه وتلميذُه النَّجْم ابن فَهْد بعد مَدْح طَوِيل: فلو حَلَفْتُ بين الركن والمَقَام أنِّي مَا رَأَيتُ بِعَيْنَيّ مثْلَه، ولَمْ تَرَعَيْنُ مَنْ رَآه مثَلَه، وَلَا رَأت عَيْنُه مِثْلَ نَفْسِه لَبَرَرْتُ، وذكر السّخَاوِيّ أنّ البُرهَان المُحَدِّث كان مَقْصُودَ الحافظ ابن حَجَر في رِحْلَتِه إلى حَلَب، ونقل قوله: لم أشُدّ الرحل ولا استَبَحْتُ القَصْرَ إلّا للُقِيِّه، مَاتَ ﵀ ثَامِن عشري ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد ألفّ في ترجمته تلميذُه السَّخَاوِي كتَابًا ضخما سَمّاه بِالجَوَاهِر والدُّرَرْ في ترجمة شَيْخ الإسلام ابن حجر (٢). _________ (١) المجمع المؤسس ٢/ ٥٤٧ (٢٦٣) والطبقات لابن قاضي شهبة ٤/ ٧٩ والعقد الثمين ٢/ ٣٩٢ والدليل الشافي ٢/ ٧١٣ والضوء اللّامع ١٠/ ٧٩ وبغية الوعاة ١/ ٢٧٣ وغيرها. (٢) الجَواهِر والدُرر، طبع المجلس الأعلى للشؤن الإسلامية (١٤٠٦ هـ) (الجزء الأوّل) ومعجم الشيوخ لابن فهد ص: ٧٠ (٣٥) والضوء اللَّامع ٢/ ٣٦ والبدر الطالع ١/ ٨٧ وغيرها.

стр. 15

٢ - ابن نَاصِر الدِّين هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن مًجَاهِد القَيْسِيّ الشَّافِعِيّ، ولد في العشر الأوّل من المُحَرَّم سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق، ونَشَأ بها، قال ابن فَهْد: كَانَ إمامًا عَلَّامةً، حَافِظًا، كَثِير الحَيَاءِ، سَلِيم الخَاطِر، حَسَن الأخْلَاقَ مُتَوَاضِعًا للِخَاصّ والعَامّ مَحْبُوبًا عِنْدَ النَّاس، حَسَن البِشْر وَالوُدّ، لَطيِف المُحَاضَرَة والمُحَادَثَة، كَثير المُدَارَاة، شَدِيد الاحتمال، قَلّ أن يُوَاجِه أحَدًا بما يَكْرَهُه، ولو أذاه، ذَا مُرُوءَةٍ غَزِيرةٍ وإفُضَال جَزِيل خَاصَّة لأصحابه، توفي ﵀ في رَبيع الآخر سَنَة اثنتين وأربعين وثمانمائة (١). ٣ - ابن فَهْد الأب هو تَقِيّ الدِّين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد اللّه أبو الفَضْل ابن فَهْد المَكِّيّ، وُلد في رَبِيع الثِّانِي سَنَة سَبْع وثمانين وسبعمائة بأصفون من صَعِيد مصر، ثم انتقل به أبوه إلى مَكّة سنة خمس وتسعين، وأوَّل طَلَبه سنة أربع وثمانمائة، فَسَمِع الكَثِير من شُيُوخِ بَلَدهِ، والقَادِمِين إليها، وله مُصَنَّفَات كَثِيرة، ومن أشْهرها: لَحْظُ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، ونهاية التَّقْريب وتكميل التهذيب بالتَّذْهيب، ومَاتَ ﵀ سنة إحدى وسَبْعِين وثمانمائة (٢). ٤ - ابن فَهْد الابن هو نَجْم الدِّين عُمر بن محمد بن محمد … ابن فهد الهاشِمِي المَكّيّ أبو حَفْص ولد في سَلْخ جمادى الآخرة سَنَة (٨١٢) بِمكّة المكرمة، ونَشَأ بها، وأخَذَ العِلْم عن جَمَاعَةٍ، منهم: حُسَين بن عَلِيّ البُوصِيرِيّ والحافظ ابن حجر والسِّبْط ابن العَجمي وغيرهم وله مؤلَّفَات كَثِيرة، من أشهرها: مُعْجَم الشُّيُوخ، "والدُّرُّ الكُمِين بذيل العِقْد الثمِين في تَارِيخ البَلَد _________ (١) معجم الشيوخ لابن فهد ص: ٢٣٨، والمجمع المؤسس ٣/ ٢٨٥ (٦٥٩) والضوء اللّامع ٣/ ١٠٨ والدليل الشافي ٢/ ٥٨١ وطبقات الحفاظ ص: ٥٤٥. (٢) الضوء اللّامع ٩/ ٢٨١ (٧٢٧) والبدر الطالع ٢/ ٢٥٩.

стр. 16

الأمين" وغيرهما، يَقُول الشوكاني: وله في كل بَيْتٍ من بُيُوت مَكَّة المَشْهورة بَالعلم مُصَنَّف، وهو الَّذِي عَمِل مَشِيَخةً لشِيْخِه البُرهان سِبْط ابن العَجْمي، ترجم لنفسه في معجمه، توفي ﵀ في رمضان سنة خمس وثمانين وثمانمائة (١). ٥ - ابن خَطيِب النَّاصِرِيّة هو عَلَاءُ الدِّين عَلِيّ بن محمد الحَلَبِيّ أبو الحَسَن، شَارَك السِّبْط في عَدَد من شُيُوخِه، وله تَارِيخ لحلب سَمَّاه "الدُّرُّ المُنْتخب" يَقُول السَّخَاوِيّ: كَانَ إمَامًا عَلَّامَة مُحَقِّقًا مُتْقِنًا بَارِعًا في الفِقْه، كَثيِر الاستِحْضِار له، إمامًا في الحَدِيث مُشَارِكًا في الأصُول مُشَارَكَة جَيِّدَة، وكذا في العَربِيّة وغيرها، مُسْتَحْضِرًا للِتَّارِيخ لاسيّما السِّيْرَة النَّبويّة، فَيَكاد يَحْفظ مؤلَّف ابن سيِّد الناس فيها، كُلّ ذلك مع الإتقان والثَّقَة، وحسن المُحَاضَرة، وجودة المذاكرة والرئاسة والحِشْمة والوِجَاهَة، توفي ﵀ سنة (٨٤٣) (٢). ٦ - أمير الحاج هو محمد بن محمد بن محمد ابن أمير الحَاجّ الحَلَبِيّ، وُلِد في رَبِيع الأوّل سَنَة خمس وعشرين وثمانمائة بحلب، ونَشَأ بها، وهو الَّذيِّ ألَّفَ كِتاب "حلبة المُجَلِّي شَرْح مُنْيَة المُصَلِّي"، قَالَ السَّخَاوِي: كَانَ فَاضِلًا مُفَنَّنًا دَيّنًا قَوِيّ النَّفْس مُحِبًا في الرئاسَة والفَخْر، وصَرَّح السَّخَاوِي بأنّه عَرَض على ابن خَطِيب الناصريّة، والبُرهَان المُحدِّث، ومَاتَ سنة تسع وسبعين وثمانمائة (٣). ٧ - ابن زُرَيْق هو عبد الوَهَّاب ابن أبي بكر بن عبد الرحمن المقدسي الصَّالِحِيّ، ولد في رمضان سنة أربع وعشرين وثمانمائة بِصَالِحيّة دمشق، قال السّخَاوِيّ: من شُيُوخِه ابن نَاصِر الدِّين وابن الطَّحَانِ والبُرْهَان الحَلَبِي _________ (١) معجم الشيوخ للنجم ابن فهد ١/ ١٩١، والضوء اللامع ٦/ ١٢٦ والبدر الطالع ١/ ٥١٢. (٢) المجمع المؤسس ٣/ ١٨٦ (٥٥٩) والضوء اللّامع ٦/ ٣٠٥ والدليل الشافي ١/ ٤٨٠. (٣) الضوء اللَّامع ٩/ ٢١٠ والشذرات ٧/ ٣٢٨.

стр. 17

وشَيْخُنَا، وقال: ما أظُنّه حَدَّثَ (قلتُ: وذلك لوفاته شَابًّا) مات في رَبِيع الأَوّل سنة (٨٤٥) (١). ٨ - محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد الدمشقي الصَّالِحيّ أخو عبد الوَهَّاب الَّذي سَبَق، ويُعْرَف بابن زُرَيْق أيضًا، وُلِد في شَوَّال سنة اثنتي عشرة وثمانمائة بِصَالِحيَّة دمشق، قَالَ السَّخَاوِي: قَرَأ بِحَلَب على حَافِظها البُرْهَان الكَثِير، كَسُنَن النَّسَائي وابن مَاجَه والمُحَدّث الفَاصِل ومَشيخة الفَخْر وعشرة الحَدَّاد وغيرها قِرَاءةً وسَمَاعًا، وله ترجمة جَيِّدَة في الضَّوء (٢). ٩ - عُمَر بن محمد بن عُمَر النَّصِيبِيّ الحَلَبِي الشَّافِعِيّ، ولد سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة بحلب، قال السَّخَاوِيّ: … وعَرَض على البُرهَان الحَلَبِيّ، بل هو الّذِي كان يُصَحِّحُ عليه، ووَصَف عرضه بالحسن، وقال: دَرّس بالظاهِريّة والسَّيْفيَّة، تلقاهما عن أخيه، وأعاد بالعَصْرونِيّة، مات ببلده يوم عيد النحر سنة ثلاث وسَبعين (٣). ١٠ - الإِبِّيّ هو عَلِيّ بن إبراهيم بن عَلِيّ بن رَاشد الإِبِّيّ اليَمَانِي ثم المَكِّيّ الشَّافِعيّ، ولد قبيل التّسْعِين وسبعمائة بِتَعِزّ، وكان رَجَّالًا، وذكر السَّخَاوِيّ أنَّ مِمَّن سَمِع عليه بحلب حافِظها البُرهَان والعِزّ الحَاضِرِي والشِّهاب ابن العَدِيم وطَائفَة، وقال السَّخَاوِيّ: كَانَ إمَامًا مُفَنَّنًا أدِيبًا بَارِعًا مُتَواضِعًا، حَسَن الهيئة والمُحَاضَرَة، جميل الصُّوْرَة والعِشَرة، كَثِير الفُكَاهَة والنَّوَادر والاستِحْضَار، صَبُوْرًا على الإسماع حسن الوُدّ والمُذَاكَرَة … مَاتَ في ذي الحجّة سَنَة تِسعٍ وخَمْسِين (٤). _________ (١) الضوء اللامع ٥/ ٩٩. (٢) الضوء اللَّامع ٧/ ١٦٩ - ١٧١ والشذرات ٧/ ٣٦٦. (٣) الضوء اللَّامع ٦/ ١٢٣. (٤) الضوء اللَّامع ٥/ ١٥٣ - ١٥٥.

стр. 18

ثَنَاءُ العُلَمَاء عليه: احتَلّ البُرهان المُحَدِّث سِبْط ابن العَجْمي مَكَانَةً عَظِيمةً مَرْمُوقَةً بين عُلَماء القَرْن التَّاسِع الهجرِيّ في الحَديث وعُلُومِه، وما يَتَّصِل بهما، وسَادَتْ شهرتُه في الدِّيَار الحَلَبِيّة وغيرها، واتّفَقَتْ كلمةُ مُتَرجِمِيه وعَارِفيه على وَصْفِه بالإمَامَة وبَرَاعَتِه في الحديث وعُلُومه، وأرَى من المُنَاسب أن أذكر هنا أوّلًا أقوال العُلمَاء والنُّقَّاد المُعَاصِرِين له، لما لذلك من أهمِيّة في توثيقه وعُلُّو شَأنه، وبَيَان فَضْلِه ومَنْزِلته: قال ابن خَطِيب النَّاصِرِيّة - وهو من شُيُوخِه - المُتَوفَّى سنة (٨٤٣)، ونقله عنه ابن تغري بردي فَقَال: هو شَيْخي، عليه قرأتُ هَذَا الفَنّ، وبه انتَفَعْتُ، وبِهَدْيِه اقتَديتُ، وبِسلُوكه تأدَّبتُ، وعليه استفدتُّ، وهو شيخٌ إمِامٌ، عَالِم عامل، حَافِظ وَرِعٌ، مُفِيد، زَاهِدٌ على طريق السَّلَف الصَّالح، لَيْس مُقْبِلًا إلّا على شَأنِه من الاشتغال والاشغال، لا يَتَرَدّد إلى أحَدٍ، وأهل حلب يُعَظِّمُونه، ويَعْتَقِدون بركتَه إلى أن قال: وَصَارَ رُحْلَة الآفَاق (١). وقال الحافظ ابن حجر المتوفى سنة (٨٥٢): وجَمَع وصَنّف مع حُسْن السِّيْرَة، والتَّخَلّق بجميل الأخْلَاق والفِقْه والانجماع والإقبال على القِرَاءة بنِفْسِه، ودَوَام الإسماع، وهو الآن شيخ البِلاد الحَلَبيَّة غير مُدَافِع، أَجَاز لأولَادِي، وبَيْنَنا _________ (١) المنهل الصافي ١/ ١٣٦، قلت: يلاحظ كيف بَدَأ بن خطيب الناصِرِيّة كلامه؟ "هو شيخي … "، وتقدم أنْ ذكرنا ابن خطيب الناصرية من شيوخ السَّبْط، ولذا ترجمناه في شيوخه، وذلك أنّ السلف الصَّالح لا يتوقفون عن الاستفادة مِمَّن هو أصغر منه، إذا كان ذا علم جَمّ، ومؤلِّفُنا البُرهان السبط ابن العجمي قد طار صيْتُه في حياته، فلا يستغرب استفادته من تلميذ له نجيب مثل البرهان، هذا وقد استفاد السبط نفسه من الحافظ ابن حجر مع أنَّه من جملة تلامذته، وقد ترجمناه في جملة تلامذة السبط.

стр. 19

مُكَاتَبات ومَوَدَّة حَفِظه اللّه (١) وللحافظ ابن حجر كلمات أخرى رائعة في الثَّنَاء على شيخه البُرهَان نجدها في ترجمته في الضوء اللّامع. وقال تَقِيّ الدِّين ابن فهد المكّيّ المُتَوَفّى سنة (٨٧١): اشتغل في علوم، وجمع وصَنَّف مع حُسْن السِّيرة والانجماع عن التردد إلى ذوي الوجاهات، والتخلق بجميل الصِّفَات، والإقبال على القِرَاءة بِنَفْسه، ودَوَام الإِسماع والأشغال، وهو إمام، حَافِظ، عَلّامَة وَرِع، دَيّن، وافِر العَقْل، حسن الأخلاق، جميل المعاشرة مُتَوَاضِع، مُحِبّ للِحديث وأهْلِه، كثير النُّصْح والمَحَبّة لأصحابه، كثير الإنصاف والبِشر لمن يَقْصِده للأخذ عنه خُصُوصًا الغرباء، سَاكِن مْنْجَمع عن النَّاس طَارِحٌ للتكلف، سَهْل في التحديث، صَبُور على الإسماع، رُبّما أسمع اليوم الكامل من غير مَلَلٍ ولَا ضَجر، كثير التَّلَاوة بكتاب اللّه (٢) … وقال أيضًا: هو الآن شيخُ البِلاد الحَلَبيَّة والمُشَار إليه فيها بلا نِزَاع وبَقِيّة حُفَّاظ الإسلام بالإجماع (٣). وقال تَغْري بردي المُتَوفّى سنة (٨٧٤): كان إمامًا حافِظًا بارِعًا مُفِيدًا، سَمِع الكثير، وألّف التَّوالِيف الحَسَنة المُفِيدة (٤). وَقَال أيضًا: لم يَتَّفِق لي أن أروي عنه شيئًا، ولكن اجتمعتُ بغالب طَلَبَتِه، ومِمَّن تَخَرَّج به، والجَميع يُثْنُون على عِلْمِه وفَضْلِه وحِفظِه (٥). _________ (١) المجمع المؤسس ٣/ ١٢. (٢) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢ - ٣١٣. (٣) نفس المصدر ص: ٣١٤. (٤) المنهل الصافي ١/ ١٣٧. (٥) نفس المصدر ١/ ١٣٨.

стр. 20

وقال تلميذُه نجم الدِّين عُمَر بن محمد بن فهد المكِّيّ: كَتَب بِخَطّه الحَسَن المَليِح عِدَّة مُجَلَّدات ومَجَاميِع، وحَدّث مع جَمِيل السِّيَرة وحسن السير - بجملة من مروياته، سمع منه الأئمة والحُفَّاظ (١). وَقَال أيضًا: كان إمامًا عَلَّامَةً، حَافِظًا خَيِّرًا وَرِعًا، دَيّنًا، مُتَوَاضِعًا، وَافِر الفَضْل، حَسَن الأخلَاق، مُتَخَلِّقًا بَجميِل الصَّفَات، جَميل المُعَاشَرَة، مُحِبًا للحديث وأهله، كثير النصح والمحبة لأصحابه، ساكنًا مُنْجَمِعًا عن النَّاس، مُتَعَفِّفًا عن التَّرَدُّد إلى ذَوِى الجاهات، طَارِحًا للتّكلف، سَهْلًا في التحديث، كثير الإنصاف والبِشْر لمن يقصده للأخذ عنه، خُصُوصًا الغرباء، مُوَاظبًا على الاشتغال والإشغال والإقبال على القراءة بنفسه، حَافِظًا لكتاب اللّه تعالى، كَثِير التِّلاوَة، صَبُورًا على الاستماع، رُبّما استمع اليوم الكامل من غير مَلَلٍ ولا ضَجر (٢). وذكر فيه السَّخَاوِي بنحو ما قَالَه النّجم ابن فهد في مُعْجَمِه (٣) وقال السَّخَاوِيّ أيضًا: وقد حَدّث بالكثير، وأخذ عنه الأئمة طبقةً بعد طبقة، وأَلْحَق الأصَاغِر بالأكَابِر، وصَارَ شيخَ الحَديِث بالبلاد الحَلَبِيّة بلا مُدافِع، ومِمَّن أخذ عنه من الأكَابِر الحافظ الجَمَال ابن مُوسى المَراكِشي، وَوَصَفه بالإمام العَلَّامة المُحَدِّث الحافظ شَيخ مدينة حَلَب بلا نِزَاعٍ (٤). ووصفه أبو البركات محمد بن محمد الغَرَّاقي القَاهِرِيّ بأمير المؤمنين في الحديث (٥). وقال السُّيُوطيّ: صَارَ شَيخ البِلاد الحَلَبية بلا مُدَافِع (٦). _________ (١) معجم الشيوخ لابن فهد المكي ص: ٤٩. (٢) نفس المصدر ص: ٥٠. (٣) الضوء اللَّامع ١/ ١٤٢. (٤) الضوء اللّامع ١/ ١٤٢. (٥) راجع مقدمة المحقق للكاشف ١/ ١١٩. (٦) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ص: ٣٧٩.

стр. 21

وَوَصَفَه ابن العَدِيم بِحافِظِ الإسلام، شيخ المُحَدِّثين، ووصفه تَقِيّ الدَّين بن فهد بِبَقِيّة حُفَّاظ الإسلام بالإجماع (١). عُلُومُه وثَقَافَتُه: كانَ جُلّ اهتمام الحَافِظ سِبْط ابن العَجْمي ﵀ مُتَوَجِّهًا نحو الحديث الشريف وعُلُومِه، وهَذَا ظَاهِر من مُؤلَّفَاتِه، وثَنَاء الأئمة عليه، إلّا أنّ أسْلافَنَا الصَّالِحين كانُوا لا يَقْتَصِرون على علمٍ وَاحِد، ويهملون العُلُوم الأخْرَى، بل كانوا يعتنون بجميع العُلُوم إلى جَانبٍ اهتمامهم الخَاصّ ببعض العُلُوم التى يريدون التَّمَكُّنَ فيها، فكذلك حال صاحبنا الإمام السِّبْط ابن العَجْمِيّ، فقد تَقَدّم أنْ نَقَلْنا تحت عنوان "شُيُوخه" من قَوْله: مَشَايِخِي في الحديث نحو المأتين، وفي العُلُوم غير الحديث نحو الثَّلَاثين، وقال تقي الدِّين ابن فهد: عُنِي بهذا الشأن، واشتَغَل في عُلُومٍ (٢). هذا وقد ذكرت فيما سبق تحت عنوان "نشأتُه وطَلَبُه للحديث" أَنّ السبط نشأ يتيمًا، وبعد أن أكمل حفظ القرآن الكريم تَوَجَّه إلى عِلْم القراءات، وقَرَأ من أوّل القرآن الكريم إلى سُورة المُزَمّل لقَالُون على الإمام شِهاب الدين أحمد ابن أبى الرِّضا الحَمَوِيّ، وقَرَأ ختمتين لأبي عمرو إلى آخر ما هناك، أمّا في اللُّغة فقد تَقَدَّم في شُيُوخِه أنّ الفَيْروزآبادي اللُّغَوِيّ الشَّهِير كان من مَشَاهِير شُيُوخِه، وَلَا أُطِيل في هذا الباب، واكتفي بما قاله الحافظ ابن حجر، ونَقَلَه عنه تلميذُه النَّجِيب الإمام السَّخَاوِيّ، فإنّها كلمةٌ تَكفي شهادةً لِلسبط بمعرفته بفنون وعُلُوم كَثِيرة، يقول الحَافِظ في مُقَدّمة المَشِيخَة التى خَرَّجَها له: أمّا بعد فقد وقفت على ثَبْت الشيخ الإمام العَلامّة الحافظ المُسنِد _________ (١) انظر مقدمة المحقق للكاشف ١/ ١١٩. (٢) لحظ الألحاظ ص: ٣١٢.

стр. 22

شيخ السنة النَّبوية بُرهَان الدِّين الحَلَبي سِبْط ابن العَجْمِيّ … إلى أن قال: أحبَبْتُ أن أخرج له مَشِيخة، أذكر فيها أحْوَال الشُّيُوخ المذكورين ومَرْوِيّاتهم، ليستَفيِدها الرَّحَالة فإنّه اليوم أحَقّ النَّاس بالرِّحْلة إليه لِعُلُوِّ سَنَدِه حِسنًّا ومَعْنًى ومعرفته بالعُلُوم فَنًّا فَنًّا أثَابَه الحُسْنى آمين (١). أمّا عِلْم الحديث الَّذي طَلَبه بنفسه بعد أن كَبِر فقد تَوَجَّه إليه، وصَرَف هِمَّتَه بِكُلِّيّتِها منذ أن بَدَأ كتابته له عام (٧٧٠) فَمَهَر فيه، وبَلَغ فيه دَرَجة الإمَامَة، وصَارَ المُشَار إليه بِالبنيان، ومَحَطَّة مَطيَّات الرُّحْلَة في عَصْرِه، وهَذَا ما يَدُلّ عليه ثَنَاء المُعَاصِرِين والمُتَرْجِمِين له، ومن شِدَّة اهتمامه بِالحديث وعُلُومه أنَّه لم يُؤلِّف في علمٍ وسِوَاه، وسَيَأتي ذِكُر مؤلَّفَاتِه، وهي كُلَهُّا في الحديث أو مُتَعَلَّقَاتِه. مُؤَلَّفَاتُه: يَدُور مُصَنَّفات البُرهَان رَحمة اللّه عليه حول الحَديث وفُنُونِه، مع مَعْرِفَتِه بالعُلُوم الأخرى فَنًّا فَنًّا كما شَهِد بذلك الحافظ ابن حجر ﵀، لقد تَوَجَّه البُرهَان إلى الحديث بكلُيّته مُنذ أن بَدَأ كتَابته سنة ٧٧٠ هـ وهذا الاهتمام الشَّديد بِالحديث وعُلُومِه أَخَذَ فِكَره وهِمَّته، فاستَغْرق كل أوقاته فيه، ومن آثَار ذلك أنّه لم يذكر مترجموه إقراءًا وَلَا تَدْرِيسًا لغير الحديَث، كما أنّه لم يُؤَلِّف في عِلْمٍ سِوَاه، ومن مَظَاهِر اهتمامه بالحَديث ما ذكره النَّجْم ابن فَهْد ﵀ "قَرَأ صَحِيح البُخَارِي على النَّاس في الجَوَامِع والمَسَاجِد وغير ذلك - خارجًا عَمّا قَرَأه في الطَّلَب وعَمَّا قُرِئ عليه - سِتِّين مَرَّة، وقَرَأ "صَحيح مسلم" نحو العشِرين (٢). _________ (١) الضوء اللَّامع ١/ ١٤٣. (٢) معجم الشيوخ ص: ٤٩.

стр. 23

ويَصِف الحافظ ابن حجر مُصَنَّفاتِه بالإتقان والدِّقَّة وتَحرِير المسائل، يقول السَّخَاوِي في الضَّوء اللَّامِع - وهو يَحْكِي ثَنَاء شَيْخِه الحَافِظ ابن حجر على البُرهَان، فقال: يعني شيخه ابن حجر: ومُصَنَّفاته مُمْتِعَة مُحَرَّرَة، دَالّة على تَتَبَّعٍ زَائدٍ وإتقانٍ قال: وهو قَلِيل المباحث فيها كثير النقل (١). وعَلَّل مُحَقق الكَاشِف قَوْلَه: "قليل المَبَاحِث" فَقَال: قِلَّة مَبَاحثِه أمرٌ يَتَعَلّق بِطَبِيعة نَفْسه، فَهِي تَدُلّ على هُدُوء طَبْعِه، وبُرُودَة مِزَاجِه، لذلك لا يألف المُبَاحثات الّتي فيها أَخْذٌ ورَدٌّ، ومُنَاقَشَةٌ واعِتَراضٌ، بل يَتَخَيَّر من النُّقُول أَوْفَاهَا بالغَرَض، وأصْلَحها عنده للِمُرَاد، وإلَّا فكثرة النُّقُول دَليل سِعَة الاطلاع (٢). هذا وقد سَرَد مُتَرجِموه: السَّخَاوِيّ، والتَّقِيّ ابن فهد، والنَّجْم ابن فَهْدٌ والحَافِظ ابن حَجَرِ وغيرهم أسماءَ مؤلَّفَاتِه، والأوّل منهم أوْفَاهم تِعْدَادًا، وأوْفَى مَا كَتَبه عن السبط ومؤلّفاته من المتأخّرين الشيخ محمد عوامة حَفِظه اللّه في مقدمته للكاشف الّذِي حَقَّقَه مع حاشيته للسبط وقد استفدتُّ منها كثيرًا - فقد حَرَّر ودَقَّق، ورَتَّب مُؤلّفاته، وإن كانت هي مذكورةً في مَصَادر ترجمته هن غير تَرتِيب، وتَحَرّفت أسماء بعضها في المَصَادر، كما أنَّ بعض المصادر تذكر بعض كتبه بالمعنى، ولذا أذكر مؤلَّفَاته من مُقَدِّمة الكَاشِف مع بعض الاختصار تَارةً والزِّيادات تَارَةً أُخْرَى، وما وَقَفْت على جَدِيد زَائد لم يَذكره الفَاضِل المُحَقِّق للِكَاشِف إلّا كتابه في ترجمة الإمام أحمد بن محمد بن حَنْبل ﵀، فقد ذكر السبط في ترجمة الإمام أحمد في كتابه "نهاية السول في رُواة الستة الأصُول" برقم (١٠٥) أنَّه أفْرَدَ ترجمتَه في مُجَلَّد، ولم يذكر بما سَمّي به، فَبَلغ _________ (١) الضوء اللَّامع ١/ ١٤٣. (٢) مقدمة المحقق للكاشف ١/ ١٢١.

стр. 24

مجموعها خمسة وعشرين كتابًا، وأكثر كُتُبه حَوَاش على كُتُب، إذ بَلَغ عَدَدُ حَوَاشِيه ستة عشر كتابًا، ثمانية منها كتب مستقلة، وواحد مختصر لكتابٍ سَابِقٍ وفيما يلى أسردها على وفق حروف الهجاء: ١ - "اختصار الغَوَامِض والمُبْهَمات" لابن بشكوال، ذكره مترجموه، وذكره السَّخَاوِيّ منهم، وكذلك الفَاسِي والحافظ ابن حجر باسم "تلخيص المبهمات، يقول الشيخ محمد عوامة تَعْلِيقًا على هذا: لم يُسَمِّه البرهان، إنّما جاء على وجه المَخْطُوطة - وهي بِخَطّ البُرهَان - "الغوامض والمبهمات في الأسماء الوَاقِعة في الأحاديث" اختصرها إبراهيم بن محمد بن خَليِل سبط ابن العَجْمِي كَاتِبُها بحذف الأسَانيِد وعزو ما قدر على عزوه من الأحاديث إلى الكُتُب الّتي هي فيها"، فسَمَّيْتُه كما تراه، وعندي صورة منه انتهى (١). ٢ - "الاغتباط بِمَعْرِفة من رُمي بالاختلاط" ومَوضُوعُه وَاضِح من اسمه، والكتِاب عِبَارة عن سَرْد أسماء المُخْتَلطِين من غير بيان مَنْ روى عنه قبل الاختلاط أو بعده، وهى نَاحِية مُهِمّة في المختلطين، عليها مَدَار قَبُول حَدِيثهم أو رَدِّه، وقد تَعَرّض لبعض ذلك ابن الكَيَّال في كتابه "الكواكب النَّيِّرات في مَعْرِفة من اختَلَط من الرُّوَاة الثِّقَات (٢) ". ٣ - إملاءات على صَحيح البُخَارِيّ، قال التَّقِيّ ابن فهد والنجم ابن فهد والسَّخَاوِيّ: لِلْمُترجم عِدّة إملاءات على صحيح البُخَارِي، كتبها عنه جمعٌ من الطَّلَبَة، ولم أقف على خبرها أكثر من ذلك، انتهى. _________ (١) مقدمة المحقق للكاشف ١/ ١٢٢. (٢) وهذا الكتاب من مطبوعات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الرسلامي بجامعة أمّ القرى بتحقيقي.

стр. 25

٤ - "التَّارِيخ" لم يَذكُره مُتَرجموه، إنّما رأيتُ اسمه كذلك دون اسم عَلَمِيّ له، وذلك فيما نَقَله العَلَّامة الطَّبَّاخ ﵀ في "أعلام النبلاء" ٤/ ٣٦٩، وهو يَتَحَدَّث عن المَدْرسة السُّلطَانِية البَرَّانِيّة بحلب المعروفة الآن بـ "جامع السلطان" مُقَابل القَلْعَة بِجِوار دار الحُكُومة (السَّرَاي)، نقل الأستاذ الطَّبَّاخ عن "كُنُوزِ الذَّهبِ" لأبي ذَرّ ابن البُرْهَان قوله: إعلم أنَّ هذه المَدْرسَة قبل محْنَة تيمر (تيمورلنك) لَمّا كان وَالِدِي مُشْغِلًا بالِعلْم، كانت رَوْضَة الأدَبَاء، ودَوْحَة العُلَمَاء، كان أوْلَاد حَبِيب الثَّلَاثة: وهم محمد، والحَسَن، والحُسَين يَسْكُنون يها، وينظمون ويَنْثُرون، ويُحَدِّثُون، ويَأتي إليهم النَّاس أفْواجًا للأخذ عنهم، وتراجم الثلاثة في "تَارِيخ" وَالِدِي، وشعرهم كَثِير مَشْهُور، ونَقَل يَعنِي الطَّبَّاخ عنه أيضًا في "أعلام النبلاء ٥/ ٦٤ قوله: قال وَالِدِي في "تَارِيخِه" … ٥ - التَّبْيِين لأسماء المُدَلّسِين. ٦ - تَذْكِرة الطَّالِب المُعَلّم فِيمَنْ يُقَال إنَّه مُخَضْرم. وكان الأستاذ الشيخ محمد راغب الطَّبَّاخ قد طَبَع هَاتَيْن الرّسَالَتَيْن والرِّسَالة الّتي تَقَدَّمت برقم (٢) بمطبعته العِلْمِيّة بحلب، ثم طُبِعَت الثَّلَاثة ضِمن مَجْموع الرَّسَائل الكَمَالِيَّة الحَدِيثيّة بِالطَّائف، ثم أعيد طبع كل واحد منها مُفْرَدة مع تَقْدِيم وتَعْلِيق. * "تَلْخِيص المُبْهَمَات" لابن بَشْكَوال، ذكره الحَافظ ابن حجر والسَّخَاوِي وغيرهما، وهو ما ذكرتُه برقم (١) باسم "اختصار الغوامض والمبهمات". ٧ - "التّلْقِيح لِفَهْم قَارِئ الصَّحِيح" وهو شَرْح مُخْتَصر على صَحيحِ البُخَارِيّ، قَالَ السَّخَاوِيّ ﵀: فيه فَوَائد حَسَنَة، وقد التَقَط منه شَيْخُنا

стр. 26

حَيث كان بحلب مَا ظَن أنّه لَيْس عنده، لكونه "شرحه"، لم يكُن مَعَه سِوى كَرَارِيس يَسِيرة (١). ٨ - "الثَّبْت" قال السَّخَاوِي ﵀: له "ثَبْت" كَثِير الفَوَائد، طَالَعْتُه، وفيه إلمام بِتَرَاجم شُيُوخِه ونحو ذلك (٢). ٩ - "حَاشية" على ألْفِية العِرَاقِي في المُصْطَلَح، انفرد السَّخَاوِيّ بذكر هذه الحَاشِية (٣). ١٠ - "حَاشِية" على تَجْريد أسْماء الصَّحَابة للإمام الذَّهَبِي. ١١ - "حَاشِية" على تَلْخيِص المُسْتَدْرَك للذهبي أيضًا. ١٢ - "حَاشية" على جَامِع التَّحْصيِل لِلْعَلَائيّ. ١٣ - "حَاشِيَة" على سُنَن أبي دَاود، ذكر الحَوَاشِي الأرْبَعة المذكورة مُتَرِجمُوهُ كَالنّجم ابن فهد والسَّخَاوِي (٤) وغيرهما. ١٤ - "حَاشية على سُنَن ابن مَاجه" وهي "تَعْليِق لَطيِف" - كما قال السَّخَاوِي - "في مُجَلَّد" كما قال التَّقِي ابن فهد، والنُّسْخَة الَّتي بِخَطِّه محفوظة في مكتبة فيض اللّه وتاريخ تَألِيفه لها سنة (٧٩١) وعنها صُوْرة في الجامعة الإِسلامية أيضًا في (٢٣٤) ورقة ورقم الفيلم (١٢١). ١٥ - "حَاشِية" على "شرح ألْفيِة العِرَاقي نَفْسِه، انَفَرد السَّخَاوي بذكر هذه الحَاشيِة، والحَاشيِة السَّابِقَة برقم (٩) وهي على الألْفِية نَفْسها (٥). _________ (١) الضوء اللَّامع ١/ ١٤١. (٢) المصدر السابق ٢/ ١٤٣. (٣) انظر ما سيأتي برقم (١٥) حاشيته على شرح ألفية العراقي مع التعليق عليه. (٤) معجم الشيوخ للنجم ابن فهد ص: ٤٩ والضوء اللّامع ١/ ١٤١ وغيرهما. (٥) قال في الضوء اللَّامع ١/ ١٤١ - وهو يعدد حواشيه على الكتب: واليسير على ألفية العراقي وشرحها، بل وزاد في المتن أبياتًا غير مستغنىً عنها، فكأنه يريد أنّه كتب حاشية على قطعة يسيرة من الألفية وشرحها ولما ترجم الشوكاني في البدر الطالع ١/ ٢٨ للبرهان لَخّص ترجمته =

стр. 27

١٦ - "حَاشِية" على صَحِيح مُسْلم، قال النَّجْم ابن فهد والسَّخَاوِي رحمة اللّه عليهما: ذَهَبَت أي هذه الحَاشِية في فِتْنَة تمرلنك. ١٧ - "حَاشِية" على الكاشف، وقد حَقَّقَ الشيخ محمد عوامة كتاب الكاشف للِذَّهَبِيّ تَحِقيقًا عَلِميًا مع هذه الحَاشِية، وطبع الكتاب سنة ١٤١٣ من دار القبلة للِثَّقَافة الإسْلَامية. ١٨٠ - "حَاشِية" على مِيزَان الاعتدال، كَذَا ذكرها تِلْمِيذُه النّجم ابن فهد في مُعْجم الشُّيُوخ، وفي لحظ الألحاظ لأبيه التَّقِيّ ابن فهد - وهو تلميذ له أيضا -: له "حَواشٍ على سُنَن ابن مَاجَه" و"نَقُد النُّقْصَان في مِعْيار المِيزان" مجلد … و "ذيل على الميزان" فجعل له عَمَلَين على الميزان (١)، وقد تَبَيّن بعد الَّتَبُّع في مصادر ترجمة السبط أنّ مَا جاَء في لحظ الألحاظ "نقد النُّقصان" تَحْريفٌ من "نَثْل الهِمْيان … " وما جَاءَ فيه: و "ذَيْل على الميزان" تكرار لهذا الكتاب نفسه بالمعنى، ولَا يُوجَد له عَمَلان على الميزان في شكل كتابين مُسْتَقِلّين، اللّهم إلّا أن يُرَاد بأحدهما "حَاشِية على الميزان" الَّتي هي عمل السبط على الميزان، كما ذكرها النَّجم ابن فهد أيضًا واللّه أعلم، وانظر ما سَيَأتي برقم (٢٢). * ذيل ميزان الاعتدال "وهو ما سَيَأتي باسم "نَثْل الهميان … " برقم (٢٢). _________ = من الضوء اللّامع، وجاء في مطبوعته "التيسير على ألفية العراقي وشرحها" فاللّه أعلم بصواب أي الكلمتين، انتهى من مقدمة الكاشف. (١) لحظ الألحاظ ص: ٣١٣ - ٣١٤، واعتمد على هذا الزركلي في الأعلام ١/ ٦٢، واعتمدت أنا عليه في مقدمة "ذيل ميزان الاعتلال" للحافظ العراقي ص: ٨ فقلت فيها: ألف حافظ الديار الشامية سبط ابن العجمي تلميذ الحافظ العراقي كتابين، أحدهما "نقد النقصان (في المطبوع الهميان خطأ) في معيار الميزان" والآخر "نثل الهميان في معيار الميزان" إلّا أنّ اسم الكتاب الثاني جاء في الأعلام بلفظ "بل الهميان في معيار الميزان" وهو خطأ، والصواب ما ذكرته" انتهى ويبدو أن الزركلي اعتمد على كتاب ابن فهد "لحظ الألحاظ" مع بعض التصرف واللّه أعلم.

стр. 28

١٩ - "كتاب في ترجمة الإمام أحمد" ولم أعثر على اسمه العَلَمِيّ، ولم يذكر أحد من المترجمين هذا الكتاب في مؤلفاته، وقد ذكره المؤلف نفسه في كتابه "نهاية السَّوْل في رُوَاة السِّتَّة الأصُول" في ترجمة الإمام أحمد برقم (١٠٥) ولَفْظُه فيها: مَنَاقِبُه كَثِيرة، وكَذَا ثَنَاءُ النَّاس عليه، وقد أفردتُّ ترجمتَه في مُجَلَّد … ٢٠ - الكَشْف الحَثِيث عَمَّن رُمِيَ بِوَضْع الحديث، والكِتَاب مَطْبُوع بتحقيق الشيخ صُبْحِي السَّامَرائي. ٢١ - المُقْتَضى في ضَبْط ألفاظ "الشِّفَاء" لِلْقَاضِي عياض في مجلد (١). ٢٢ - "نَثْل الهِمْيان في مِعْيَار الميزان" وسَمّاه الحافظ في المَجْمَع المؤسِّس باسم "الذّيل على الميزان" ومنه نَقَل الفاسّي في ذيل التقييد، وكذلك ذكره ابن تَغْردي بَرَدي في ترجمته في المنهل الصافى فَقَال: وألّف التَّوَاليِف الحَسَن المُفِيدة، فذكر و "ذيل" على كتاب "الميزان" ويعبر المؤلف نفسه أحيانا عنه باسم الذّيل، كما قال في أوَاخر مُقَدّمة الكتاب نفسه: ثم اعلم أيدك اللّه أني كلما عزوته في "هذا الذَّيْل" للِحُسَيني، فإني أريد الإمام المحدث البارع أبا المحاسن محمد بن عليّ بن الحسن بن حمزة الحسينى، ويكون قد قال ذلك في كتابه "الإكمال في ذكر من له رِوَاية في مُسْنَد الامام أحمد من النِّساءَ والرِّجال سِوَى من له ذِكْرٌ في تَهْذِيب الكَمال" وكذلك نَقَل السَّخَاوِيّ من إحدى مجاميع السِّبْط ابن العَجْمِي تَرْجمةً للحافظ ابن حجر - مع أنّ الحَافظ ابن حجر أصغر منه وتلميذه - قال فيها: وقد نَظَر تَعْليِقي على البُخَارِي أو غالبه … _________ (١) للكتاب نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب، وأخرى في مكتبة اسكوريال بمدريد - أسبانيا، ومنهما فيلمان في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم (٤٤٠٥، ٦٣) الأولى في (٢٣٢) ورقة والثانية في (٢٥٦).

стр. 29

وكذا نظر "ذيلي علي ميزان الذهبي" … (١) ومع كل هذا فَقد نَصَّ البُرهَان السِّبْط ابن العَجْمِي على اسم الكتاب العلمي في آخر المقدمة فَقَال: وقد سَمَّيْتُ كِتَابِي هذا بـ "نَثْل الهِمْيَان في مِعْيَار الميزان"وهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ من المؤلف على اسم الكتاب العَلَمِيّ، لَا مَجَال لقيلٍ وقالٍ بَعْدَه (٢). ٢٣ - "نهاية السَّول في رُوَاة السِّتَّة الأُصُول" وسَمّاه تَقِيّ الدِّين ابن فَهْد في ترجمته في لَحْظ الألحاظ "غَايَة السَّول … " إن لم يكن تَحْرِيفًا مَطْبَعِيًا، وهو كتابنا هذا، وهذا الكتاب هو أكبر كُتُب السِّبْط في التَّراجم، وسَيَأتى بيان وصف الكتاب وبَيَان وَصْف النُّسخة الّتي بَين يَدَيّ. ٢٤ - "نُور النّبْراس على سِيْرة ابن سَيِّد النَّاس" وهى المعروفة باسم "عُيُون الأثر في فُنُون المَغَازِي والسِّير". ٢٥ - وهَوَامش "الاستيعاب" لابن عبد البَرّ، هَكذا سُمِّيَ الكتابُ على الورقة الأولى من نُسْخَة جامعة عليكره بالهند (٣). _________ (١) انظر الجواهر والدُّرَر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤. (٢) وعندي صورة من الكتاب، والأصل في دار الكتب المصرية، وفيها خرم كبير، يظنّ أنه مفتعل، لا من أصل النسخة، من ترجمة حَاضِر ابن المهاجر إلى ترجمة عبد الرحمن بن صحار، وقد بدأت بنسخ هذا الكتاب لإعداده للطبع بعد التعليقات المختصرة، فتبين فيه خرما آخر من نهاية حرف الباء وأول حرف التاء، فأنا الآن أبحث عن تكملة هذين الحرفين في الكتاب، وأرجو من المهتمين بالتراث أن يخبروني إن علموا ذلك. (٣) وعنها صورة في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، برقم (٣٢٣) وقد صَوّر منها الورقةَ الأولَى والأخيرة الأستاذُ البجاوِيُّ أواخر الجزء الرابع من الاستيعاب ٤/ ١٩٧٨ - ١٩٧٩، ويبدو أن هَذَا الاسم (هوامش الاستيعاب) من أحد النُّسَّاخ، وليس من المؤلّف، لأنّ كلمة الهامش والهوامش مولَّدة غير عربية والصحيح الحاشية والحواشي بدل الهامش والهوامش، فلا يظن بالمؤلّف أنه استعمل كلمة مُوَلّدة مع وجود بديلها الصحيح والله أعلم.

стр. 30

هذا ما أمكنني الوُقوف على مؤلَّفات هذا الإمام، وليس فيه زيادة على ما ذكره مترجموه أو كاتبوا الدراسة عليه إلّا ما ذكرته برقم (١٩) وهو كتابه في ترجمة الإمام أحمد في مجلد، اللَّهم إلّا إذا ثَبَت أنّ "زجاجة حمراء" إحدى مؤلَّفاته، فَتَنْكير كلمة "زجاجة" و "حمراء" تركني في حيرة، وفيما يلي أنقل عبارة المُؤلّف من كتابه هذا، ذكرها بعد أن انتهى من السيرة النبوية وقبل أن يبدأ في التراجم فقال: مسئلة، اختلفوا في رِوَاية المُبْتَدِع - وقد ذكرت في "زجاجة حمراء" بعض المُبْتَدعة، وذكرتُ اعتقاداتهم وأعني بِالمُبْتَدع الّذي لم نكفره ببدعته - على أقْوَال، فقيل تُرَدّ روايته مُطْلقًا … كذا قراءتي للعبارة، فإن كانت قراءتي صحيحة، فتكون "زجاجة حمراء" من مؤلَّفاته الَّتي لم يذكرها أحد، فجات العِبَارة المذكورة بين الشرطتين كجملة مُعْترضة في الحاشية بعد الإشارة إليها، وفي نهاية العبِارة تُوجَد كلمة "صَحّ" أيضًا وهذا كله بخط المؤلف. وفاته: وبعد حياة حافلة بِالعِلْم توفي رحمه اللّه تعالى شَهِيدًا بالطَّاعُون يوم الاثنين السادس والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة عن عمر مبارك: ثمان وثمانين سنة وأشهر، وصُلّي عليه بين الظهر والعصر في الجامع الأموي الكبير بحلب، ودفن بمقبرة أهْلِه المجاورة لجامع أبي ذرّ، وكان الجمع على جنازته حَاشِدًا مشهودًا، وقد أكرمه اللّه تعالى بالتمتع بعقله ووعيه وعلمه، ولم يغب له عقل، بل مات وهو يتلو كما أكرمه اللّه تعالى بالشهادة بالطاعون. _________ (١) راجع الضوء اللامع ١/ ١٤٥.

стр. 31

دِرَاسَة كتاب نِهاية السَّوْل في رُوَاة السِّتَّة الأصُول من المُفِيد هنا - قبل أن أخوض في صُلْب المَوْضُوع - أن أعرض باختصار سِلْسِلة الكُتُب الّتي ألّفَت في نفس المَوضُوع الّذِي أَلَّفَ فيه السِّبْطُ كتابَه هذا مع إشارة خَفِيفة إلى مَنَاهج بَعض هذه الكُتُب ليتضح بذلك مَنْهج السِّبْط في كتابه هذا أكثر اتضاحًا، كما أَنَّ عَرْض هذه السِّلْسِلة يُعْطِينا فكرة عامَّة عن مَنْهج كتاب السبط وقيمتِه قبل أن أذكر مَنْهَجه وأهمِيتَه بشيء من التَّفْصِيل أثناء دِرَاسَة الكتاب. لقد عُنِي عُلَماء الإسلام مُنْذ فَتْرة مُبَكِّرة بتألِيف الكُتُب الّتى تَتَنَاول رُواة الحَديث للاستفادة منها في بيان صَحِيح الحَديث وسَقِيمه، كَتَواريخ الإمام البُخَاري الثَّلاثَة والضُّعَفَاء له، وكتاب الطَّبَقَات لابن سعد، والجرح والتَّعْدِيل لابن أبى حاتِم، والثَّقات وكتاب المُجْرُوجين كلاهما لأبي حَاتِم ابن حبان، والثّقات لِلْعِجْلِي وابن شاهين، وغيرها، وهي كَثِيرة، وحينما وضعت الكُتُب السِّتَة في الحديث وهي: صحيح البُخَارِي، وصحيح مسلم، وجَامِع الترمذِي، وسُنَن أبي داود، وسُنَن ابن مَاجَه، وسُنَن النسائيّ اعتبرها جَهَابِذةُ المُحَدّثين دواوين الإسلام، فاشتَهَرتُ في بلاد الإسلام، وذَاعَ صيتُها بين الأنام، فَعُنوا بها، وبروايتها ورجالها، فألّفُوا الكُتُب المَعْنِيّة بِتَنَاول الرِّجال الواردين في أسانيد هذه الكتب، فألّف حافظ الديار الشامية أبو القاسم ابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١) كتابه المعروف "المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبل" صغير الحجم كثير النفع على المنهج التال: ١ - اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الكتب الستة دون الرُّوَاة الآخرين الواردين في الأسانيد.

стр. 32

٢ - رَتَّب الكتاب على حروف المعجم، وابتَدَأ في حرف الهمزة بمن اسمه أحمد تبركًا بهذا الاسم، لأنّه من أسماء النبي ﷺ . ٣ - ذكر التراجم باختصار شديد، فذكر اسمَ المترجم ونسبته، ثم من رَوَي عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه إن وجد (١)، ثم يذكر تاريخ وفاته إن وقع له، ويشير في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ماكان موافقة أو بَدَلًا عاليًا أو نحو ذلك. ٤ - استخدم الرُّمُوز المعروفة لأصحاب الكُتُب السِّتَّة، وذلك تخفيفًا على الكاتب والطالب العَجِل. ثم جاء بعده الحافظ أبو محمد عبد الغنيّ بن عبد الواحد المقدسيّ (٥٤٤ - ٦٠٠) فألّف كتابه "الكمال في أسماء الرجال" فتناول فيه رجال الكتب الستة، فإذا كان الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أوّل من ألّف في شيوخ أصحاب الكتب الستة فإنّ الحافظ المقدسي أوّل من ألّف في جميع رواة الكُتُب السِّتَّة بما فيهم شيوخهم أيضًا. أمّا منهج المقدسي في كتابه "الكمال في أسماء الرجال" فيمكن تلخيصه (٢) بما يلي: ١ - حَاوَل أن يستوعب جميع رِجَال هذه الكُتُب غاية الإمكان، ولكنه مع ذلك صَرّح بأنّه لا يمكن دعوى الإحاطة بجميع ما فيها لاختلاف النسخ وغير ذلك من الأسباب الّتي تحول دون ذلك. _________ (١) ويقتصر على كلام النسائي في المترجم إن وجد في بعض كتبه. (٢) هذا التلخيص مستقىً مما ذكره الدكتور بَشَّار عَوَّاد معروف في مقدمته لكتاب تهذيب الكمال حينما ذكر هذا الكتاب.

стр. 33

٢ - ذكر أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته، وحَذَف كثيرًا من الأقوال طَلَبًا للاختصار. ٣ - استخدم عبارات دالّة على وجود الرجل في الكُتُب السِّتَّة أو في بعضها، كقوله: روي له الجماعة، إذا كان الراوى في الكتب الستة، وكقوله: متفق عليه إذا كان الرواي مِمَّن اتفق على إخراج حديثه البخارى ومسلم، وأمّا الباقي فَيُسَمِّيه تَسْمِيَةً. ٤ - ابتدأ كتابه بسيرة النَّبِيّ ﷺ مختصرةً جدًا، استغرقت صفحة واحدة في المخطوطة، وأتبع ذلك في فصل أقوال الأئمة في أحوال الرُّوَاة والثَّقَلة. ٥ - أفرد الصحابة عن باقي الرُّوَاة، فجعلهم في أوّل الكتاب، وبدأهم بالعشرة المبشرة لهم بالجنة، ثم رتب الرواة الباقين على حروف المعجم، إلّا أنّه قدم المحمدين لشرف هذا الاسم، ثم أتبعهم بِالنساء، إلا أنّه وَقَع في كتابه خَلَل وإغفال كبير، وذلك لعدم عناية المصنف له حق العناية، ولأنّه كان عملا بكرًا من نوعه، ولابد من وقوع الخلل في عمل هذا شأنه، ولذلك يقول المِزّيّ في مقدمته لتهذيب الكمال (١) … وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، لكن لم يَصْرِف مُصَنِّفُه ﵀ عنايتَه إليه حَقّ صرفها، ولا استقصى الأسماءَ الّتى اشتملت عليهما هِذه الكُتُب استقصاءًا تامًا، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء الَّتي ذكرها في

стр. 34

يبلغ في العلم مبلغه، ولا نَالَ في الحفظ درجته، فوقع في بعض ما اختصره بلفظه من كتاب والده خللٌ كَبيِرٌ ووهم شَنيِعٌ. فلما رأى ذلك المِزّيُّ أرَادَ تهذيب كتاب المقدسي "الكمال … " وإصلاح ما وقع فيه من الوهم والإغفال، واستدراك ماحَصَل فيه من النقص والإخلال، فانكب في تأليف كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (١) واستغرق في تبيضه وإعادة النظر النهائي فيه ثمانية أعوام إلاّ شهرًا، فجاء الكتاب "تهذيب الكمال" في هذه العظمة التى نرى فيها اليوم، فكتاب المِزَيّ يزيد في الكَمِّ والكيف على كتاب المقدسي "الكمال" ثلاثة أضعاف، لأنّ كتاب "الكمال" اشتمل على رُوَاة الكُتُب السِّتَّة فقط، فاستدرك المِزِّيّ ما فات المقدسيّ من رُوَاة هذه الكُتُب أوّلًا، وهم كثيرون، ثم أضاف إلى كتابه الرُّواة الوَارِدين في بعض مؤلَّفات أخرى لأصحاب الكُتُب الستة، ورمز لكل هذه الكتب رُمُوزًا، فَزَاد المزّيّ على الكُتُب الستة تسعة عشر كتابًا آخر لأصحاب الكُتُب الستة، كما أنّه أضَافَ جُمْلةً من التراجم للتمييز، وهى تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، ولكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكُتُب الّتي اختارها المِزّيُّ من مؤلَّفات أصحاب الكُتُب الستة، ومن أراد التفاصيل أكثر في الموضوع فليراجع مقدمة المحقق الفاضل لكتاب تهذيب الكمال، فانّه فَصَّل ودَقَّق فكَفَى وشَفَي جَزَاه اللّه خَيْرَ الجزاء. _________ (١) وقد ظنّ بعض الناس أنّ "تهذيب الكمال" للمزّي اختصار من "الكمال، للمقدسي، ولعلهم انخدعوا من ظاهر اللَّفظ "تهذيب الكمال" صع أنّ معنى التهذيب في الأغلب على التنقية والاصلاح، والواقع يشهد أنّ تهذيب الكمال ليس باختصار للكمال، بل يزيد عليه فيِ المحتوى كَيْفًا وكَمًا، يقول المحقق الفاضل لكتاب تهذيب الكمال - وهو الذى دَرَس الكتابين وسَبَرهما أنّ تهذيب الكمال ثلاثة أضعاف الكمال كما في مقدمة تهذيب الكمال ١/ ٤٥.

стр. 35

أمّا منهجه في كتابه تهذيب الكمال فكالتَّالي: ١ - لم يفصل المِزّيُّ الصَّحَابَة عن الرُّواة الآخرين، بل ذكر الجميع على نَسَق واحد، وابتدأ بالرِّجَال منهم، فوضع الصَّحَابة في مواضعهم من الترجمة، ورَتَّب الجميع على حروف المعجم في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، لكنه بَدَأ في حرف الهمزة بالأحمدين، وفي حرف الميم بالمحمدين لشرف هذين الاسمين، ثم رَتَّب في نهاية الأسماء فصول الكني، والأنساب، والألقاب، والمبهمات على الحروف المعجم أيضًا، وجعل النساء في آخر كتابه، ورَتَّبَهُنّ على الترتيب المذكور في الرجال، وقد بَرَّر ما فعله المِزّيّ بالأدلّة في مقدمة كتابه (١)، فأفاد وأحسن. ٢ - عمل المِزيّ إحالات لِلأسماء الواردة بحسب شهرته أو وروده في كتب الحديث، كما أنّه أفاد من الفصول الّتي عملها في أواخر الكتاب، وهى فصول الكنى والأنساب، والألقاب، والمبهمات. ٣ - أبدع المِزّيّ في تنظيم التراجم، ولاسيما في شيوخ المترجم والرواة عنه بعد أن زاد فيهم زيادة كبيرة فاقت الأصل "الكمال" في أغلب الأحيان عدة مَرّات، فَنَظّم شيوخ المترجم والرواة عنه على حروف المعجم على نحو ترتيب الأسماء في الأصل، فَسَهَّل على المستفيد العَجِل الوُقُوفَ على بُغْيتِه ومَطْلُوبه. ٤ - استَخْدَم المزيُّ الرموزَ لكل الكُتُب الّتي تَناول رجالها بالترجمة وهى سبعة وعشرون رَمْزًا، وهى معروفة لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف وهذه بعض الجوانب التي اشتمل عليها كتاب المزيّ، وفيه أشياء وأشياء، لايمكن _________ (١) راجع تهذيب الكمال ١/ ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦.

стр. 36

تجليتها وإبرازها في هذه العُجَالة، ومن أجل هذا أصبح كتاب المِزّيّ "تهذيب الكمال" أعظم كتاب في موضوعه من غير مدافع، ولذلك غَطَّى على كتاب المقدسِيّ "الكمال" فكل من جاء بعده جال حوله فتناوله جُمْلة من الحُفَّاظ والعُلَماء المعنيين بهذا الفَنْ استدراكًا أو تَعْقِيبًا أو تَلْخيِصًا، فألّف رافع السَّلامي المتوفى سنة (٧١٨) كتابه "الكني" المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال، وألّف الإمام الذَّهَبِي كُتُبَه الأربعة، تذهيب التهذيب، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، المُجَرّد من تهذيب الكمال، والمقتضب من تهذيب الكمال، كما أنّ الاندرشي أحمد بن سعد اختصر تهذيب الكمال، ذكر ذلك الذهبي في معجمه (١)، ومن هذه السلسلة التي أُلّفَت حول تهذيب الكمال كتاب المغلطاي "إكمال تهذيب الكمال" وكتاب السبط ابن العجمي كتابنا هذا، وكتابا الحافظ ابن حجر "تهذيب التهذيب" و تقريب التهذيب" وكتاب الخزرجي "خلاصة تذهيب الكمال" وخير ما استدرك على المزي في كتابه هو الإمام علاء الدين مغلطاي ابن قليج المتوفى سنة (٧٦٢) بكتابه العظيم "إكمال تهذيب الكمال" فأغلب المَادَّة التَّاريخية الّتى أوردها المغلطاي هي مادّة إضافيّة على مادّة تهذيب الكمال، وقد صَرّح بذلك المغلطاي في مقدمة كتابه، فقال: وشرطي أن لا أذكر كلمة من كلام الشيخ (المزِّيّ) إلّا اسم الرجل وبعض نَسَبه، ثم آتي بلفظة قال، أو في معناها من هناك، وثم الزيادة وإن كان في كلامه شيء مِمَّن لا يَعْرَى منه البَشَر ذكرتُ لفظَه، وقلتُ: فيه نظر، وبَيَّنتُه بالدَّلائل المُوجَزَة الوَاضِحة مبلغ علمي بعزو كل قول إلى قائله .. ، وبهذا المنهج أطَالَ المغلطاي النَّفَس فيه، فجاء كتابه "إكمال تهذيب الكمال" في حجم كتاب المزيّ أو قريبًا _________ (١) المعجم المختَصّ ص: ١٩ برقم (١٥).

стр. 37

منه، ثم اختصر كتابه هذا في حدود مجلدين، وسَمَّاه "التَّنْقِيب من تهذيب الكمال ثم اختصر المختصر، وسَمّاه "تقريب التنقيب" وَمع هذا كله يعترف المغلطاي بكل وضوح فضل من تقدمه في هذا المجال، فيقول في المقدمة مَادِحًا أبا محمد المقدسي في تأليف كتابه "الكمال" إنّ أبا محمد ﵀ هو الذى نَهَج للنّاس هذه الطريق، وأخرجهم إلى السعة بعد الضيق، فكان الفضل للمتقدم … ثم قال في شأن كتاب المزّيّ "تهذيب الكمال" في المقدمة أيضًا: إنّه كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يُصَنَّف في نوعه مثله … وقال في موضع آخر من المقدمة: إنَّ كتاب التهذيب صَارَ حَكَمًا بين طائفتي المحدثين والفقهاء، إذا اختلفوا قالوا: بَيْنَنا وبَيْنَكم كتاب المِزّيّ. هذا من تواضع المغلطاي الجَمّ وأدَبِه البالغ مع أسلافه، وأكتفي بهذا القدر من التمهيد، وآتي إلى صلب الموضوع وهو دراسة كتاب "نهاية السّول في رواة السِّتَّة الأصُول". وستكون هذه الدراسة في عِدّة نكات: ١ - بيان السبب الباعث على تأليفه: (أ) قال المصنف في المقدمة: فلما كان كتاب "تهذيب الكمال" لشيخ شيوخنا الحَافِظ الجهبذ جَمَال الدِّين أبى الحَجّاج يُوسُف بن الزَّكيّ عبد الرحمن المزِّيّ كتابًا جَلِيلًا، مستوعبًا طويلًا، لَيْس ببلدتنا الآن منه نسخةٌ، ولا يقدر على تحصيله إلّا من بَذَل في ذلك جُهْدَه ووُسْعَه، وكتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني المقدسِي طويلًا أيضا، وفيه أغاليط، وقد أهمل أشخاصًا لهم روايةٌ في بعض الكُتُب الستة، نَبَّه عليها المِزِّيّ، وذكر ما أهمل في تهذيبه، وزاد مُصَنّفات للأئمة السِّتَّة، فحصل من مجموع مِمّا أغفله عبد الغَنِيّ، والمُصَنَّفات الّتى زَادَها المِزّيّ للأئمة المشار إليهم زيادة على أَلْفٍ وسبعمائة اسم، بَرَّد اللّه ثَرَاهُما، وجَعَلَ

стр. 38

الجَنّةَ مأواهما، وكتاب "التَّذْهِيب" اختصار التَّهْذيب للحافظ أبى عبد اللّه الذَّهَبيّ شيخ شيوخنا كتابًا جَليلًا غير أنّ فيه طُولًا أيضًا، وكتاب "الكاشف" مختصره له ذكر فيه رُوَاة الكتب الستة فقط، وكثيرًا ما لا يذكر فيه تَعْدِيلًا ولا تَجْرِيحًا، وَلا وفاة بعض الشُيُوخ، لا رَمْزًا ولا تصريحًا، وكان شَيْخُنَا العِرَاقيّ قد شَرَع في عمل كتاب يحتوي على أسماء رُوَاة الكُتُب السِّتَّة - وفيه استدراكات على المِزِّيّ وفوائد .. ، وذلك لسؤالنا - وصل فيه إلى أثناء الأحمدين، وقد قرأت بعض ذلك عليه، ثم تركه قبل خروجنا من القَاهِرة في الرِّحْلة الثانية، أَحْبَبْتُ أن أؤلّف كتابا جامعًا، لا طَويلا مُمِلًا، ولا مختصرًا مُخِلًا … فقد أبان المصنف عن السبب الباعث له على تأليف هذا الكتاب، وهو أن كتاب المِزّيّ والذّهبي "التذهيب" مع جلالتهما فيهما طُولٌ، وكتاب عبد الغنّي المقدسيّ طويل أيضًا مع ما فيه بعض الأغاليط وإهمال بعض الرُّوَاة الموجودين في الكُتُب السِّتَّة الَّتي نَبَّه عليها المِزّيّ، وأمّا كتاب "الكَاشِف" ففيه اختصار شَديِد، فكثيرًا ما لا يُذكر فيه تَوثيقٌ وَلا تَجْريح ولا وفاة بعض الشيوخ … (ب) يبدو من قراءة مقدمة المؤلف بِالتَّمَعُّن أنَّ هُنَاك سَبَبًا آخر أيضًا لتأليف الكتاب غير السبب الّذِي ذكره المؤلّف صَرِيحًا، وهو أنّ المؤلّف كان له مؤاخَذَات على بعض من تَقَدّمه، ومُنَاقَشَات مع بعضهم، كما أنّ المُؤلّف يَرَى بعضَ النَّقَائص الطَّفيِفة في مؤلّفات من قبله في هذا المجال، ولكن تأدبه البَالغ مع الأسْلاف لم يسمح له بنقدهم بِصريح القول، فذكر بعض ما تَمّيَز به كتابه - وسيأتى ذكر هذه الميزات - عن مؤلّفات السابقين، فخُلُوّ مؤلّفاتِ الآخرين من هذه الصِّفَات الّتي تَحَلّى بها كتاب السِّبْط سَبَبٌ آخر لتأليف هذا الكتاب، والله أعلم.

стр. 39

٢ - بيان مَنْهَج المؤلِّف في كتابه. (أ) منهجه فيمن سيترجم له. (ب) منهجه في الترجمة نفسها. أمّا منهجه فيمن سيترجمه فهو أنّ المؤلّف يترجم رُوَاة الكُتُب السِّتّة، ومَنْ عَلّق له الإمام البُخَارِيّ في صحيحه، أو روى له في المُتَابَعَات، أو قَرَنَه فقط، وكذا "م" ومن هو في مُقَدّمة صحيح مسلم، أو عمل اليوم واللّيلَة للنسائيّ، ولم يُتَرجم لبقية رُوَاة المؤلَّفَات لأصحاب الكُتُب السِّتَّة، ويترجم مع هَذَا لبعض من يشتبه بالواحِد منهم، ويكتب في أوّل من يشتبه ما صورته "تمييز" فَمَنْهُجه في كتابه كَمَنْهج الذَّهَبِيّ في "الكاشف" يقتصر على تراجم رِجال السِّتَّة الأصُول فقط، ويختلف عنه باعتباره "عمل اليوم واللّيلة" للنسائي جزءًا من سُنَنِه الكُبَرى، وكلاهما يترجمان لرجال للتمييز في كتابيهما، إلّا أنّ الّذين يترجمهم السبط للتمييز في كتابه أكتر مِمَّن ترجمهم الذَّهبي في الكاشف، هذا وقد ترجم السبط في كتابه هذا ما زَادَه مغلطاي من رجال، لم يذكرهم المِزّيّ مِمَّنْ له رواية في بعض الكُتُب السِّتَّة كما ذكر، ذكر ذلك المؤلّف في مقدمة كتابه، وكتاب "الكاشف" خال من تراجم هؤلاء الَّذيِن زَادَهم المؤلّف من كتاب المغلطاي انظر مثال ذلك ترجمة "أحمد بن زنجويه" برقم (٣٤). أمّا منهجه في الترجمة نفسها فهو أنّ المؤلف يذكر اسم المترجم ونسبه باختصار ويذكر نِسْبَتَه وكنيته إن وُجِدَتَا، ويذكر فوق اسم المترجم رموزَ مخرجي حديثه، ثم يذكر بعض شيوخ المترجم وبعد ذلك يذكر بعض من رَوَى عن المترجم، وليس له أيّ اصطلاح أو قاعدة في ذكر الشيوخ، فلا يشترط أن يكونوا من رجال الكُتُب السِّتَّة ولا أن يكونوا من كبار شُيُوخِه، وَلا أن يكونوا

стр. 40

ثقاتٍ، وكذا لم يلتزم الترتيب الهجائي في ذكر الشيوخ كما التزمه المِزّيّ في كتابه، وكذا ليس له أيّ اصطلاح في ذكر من رَوَى عنه أيضًا، ثم بعد ذلك قد يذكر ببعض أخباره من مناقب، مآثر علميَّة أو عَمَلِية أو غير ذلك مِمّا يُلقِي ضوءًا على صفات الرجل، ولكنه لا يكثر من ذلك تمشيًا مع طبيعة الكتاب، ولكنه يهتم بذكر ما قيل في المترجم من تعديل أو تجريح أو هما معًا مع ملاحظة الاختصار في ذلك أيضًا، ولذلك كثيرًا ما يَقُول - إذا لم يجد في المترجم كلامًا لأحدٍ -: لم أَرَ لهم فيه كلامًا أو يقول: لم أر لأحد فيه كلاما فأذكره، كما في التراجم بأرقام ١٥، ١٨، ١٥٦، ٢٠٦، ٢٢٩ وغير ذلك، ويذكر في المترجم بعضَ ما استُنكر من حديث الرجل، إن كان المتقدمون ذكروا ذلك، ويهتم اهتمامًا بَالِغًا بذكر تاريخ وفاة المترجم، لما له أهميّة قُصْوَى عند المحدثين لتوقف حكم الرواية عليه بالاتّصال أو الانقطاع، فإذا لم يجد فيه تاريخ الوفاة بالتحديد، يقرب بعبارات مختلفة، كقوله: مات قبل سنة (٢٥٠) كما في ترجمة برقم (٢١) وكقوله: بقي إلى بعد الستين ومأتين كما في ترجمة برقم (٣١) وكقوله: كان حَيًّا سنة (كذا) كما فيه ترجمة برقم (١٤، ١٥) وكقوله: توفي بعد سنة (٢٤٠) كما في ترجمة برقم (٨٦) وفي تقريبه بهذه العبارات فيه فوائد كثيرة، لا تخفى على المشتغلين بهذا العلم، ولذلك آخَذَ المُصَنّف في مقدّمة كتابه الإمامَ الذَّهَبِيّ على عدم اهتمامه بهذا الجَانبِ في الكَاشف، فقال: وكتاب "الكاشف" مختصره - أي مختصر تذهيب التهذيب - وكثيرًا ما لا يذكر تعْديِلًا ولا تجريحًا، ولا وفاة بعض الشيوخ رَمْزًا ولا تَصْريحًا انتهى. ما تَمَيَّز به كتاب "نهاية السول" عن الكُتُب الّتي ألّفت في بابته ذكرتُ فيما تَقَدّم أنّ الكُتُب السِّتَّة منذ ظهورها اعتبرها جهابذة المحدثين دواوين الإسلام، وذَاعَ صِيتُها بين النَّاس، فعُنُوا بها من الجوانب المُخْتَلَفة،
следующие страницы →