Полный текст (979 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
كلمة النّاشر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، وآله وأصحابه الذين اتبعوه واقتدوا به قولا وفعلا وعدلاً وإحسانًا، وبعد …
فإن هذا الكتاب بطبعته الشرعية الجديدة، تجمعت به الكتب السبعة التي سبق نشرها متضمنةً إضافات، وتنقيحات، تركها المؤلف ﵀ مضافًا إليها الكتاب الثامن من تلك السلسلة؛ والذي ينشر للمرة الأولى …
كما عملنا على إحلال صور جديدة للصحابة محل ما سبق نشره من الصحابيات، بعد أن أفردنا لهنّ كتاب مستقل يحمل اسم (صور من حياة الصحابيات) …
وقد أكرمنا الله بإصدار المجلد الثاني من هذا الكتاب، والذي جمعت به ستة كتب؛ ضم كل كتاب منها مجموعة جديدة من صحابة الرسول الأكرم ﷺ لم يسبق نشرها ورقيًا من قبل.
ونزولا عند رغبة القراء الكرام؛ ألحقنا بعد هذه الكلمة تعريفًا موجزا بصاحب الكتاب ﵀.
ولا يفوتنا أن ننبه القارئ الكريم إلى أننا أصحاب الحق الوحيدون لنشر، وطبع، وتوزيع جميع كتب الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا ﵀، ونبرأ إلى الله تعالى مما يظهر في السوق من طبعات لا علم لنا بها …
стр. 2
ونذكر بأن علماء مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي قد أجمعوا في قرارهم رقم (٥) د ٥/ ٩/ ١٩٨٨ م أن: «حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها».
وإننا على ثقة تامة بأن القارئ الكريم يملك البصيرة التي تميز الغث من السمين، وتوازن بين الأصيل وما هو غير أصيل.
سائلين الله تعالى أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمن سواه …
وحسبنا الله ونعم الوكيل … وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الناشر
стр. 3
نبذة عن المؤلّف
ولد الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا عام ١٩٢٠ م في بلدة «أريحا» شمال (سورية)، وتلقى دراسته الابتدائية فيها، ثم تخرج في المدرسة (الخسرويّة) بحلب؛ وهي أقدم مدرسة شرعية رسمية في (سورية) … أما دراسته الجامعية؛ فتلقاها في (القاهرة»؛ حيث نال الشهادة العالية لكلية أصول الدين في الأزهر المعمور، وشهادة الليسانس أيضًا في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، ثم درجتي الماجستير والدكتوراه من هذه الجامعة التي أُطلق عليها فيما بعد اسم جامعة القاهرة.
اشتغل ﵀ مدرسًا فمفتشا، ثم كبيرا لمفتشي اللغة العربية في (سورية)، ثم مديرا لدار الكتب الظاهرية المنبثقة عن المجمع العلمي العربي في (دمشق)، وأستاذًا محاضرًا في كلية الآداب في جامعة دمشق.
ثم انتقل إلى (المملكة العربية السعودية) للتدريس في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية سابقًا] سنة ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م؛ وقد شغل منصب رئيس قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي، وكان عضوًا في المجلس العلمي في الجامعة منذ أن وُجِدَ، وعُهِدَ إليه بلجنة البحث والنشر في الجامعة ذاتها، ولقد أسهم ﵀ إسهامًا كبيرًا في تطوير مناهج الدراسة، وإقرار مادة البحوث في كلية اللغة العربية؛ التي امتد عمله بها إلى اثنين وعشرين عاما.
* * *
لقد أمضى الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا حياته العلمية والعملية منذ بدايتها مكافحا ومنافحًا عن لغة القرآن … داعيًا إلى فن أدبي لا يكتفي بجمال التعبير و إبداع التصوير؛ وإنّما يُشترط فيه أن يكون ممتعا هادفا نافعًا في وقت معًا فن أدبي إسلامي يلتزم أمام إله متصف بصفات الكمال كلّها، منزّه عن صفات النقص جميعها …
стр. 4
ويكون بسماته هذه مغايرا للتيارات الأدبية الأخرى التي تلتزم أمام النفوس البشرية الأمارة بالسوء.
ومع أنه ﵀ لم يكن هو أوّل من دعا إلى إيجاد هذا الأدب، فقد سبقه إلى ذلك كثير من المفكرين، وهو ﵀ يعترف بذلك ويقر بالفضل لأهله … لكنه استطاع أن يجعل أماني أولئك العلماء حقيقة واقعة … فقد سعى ﵀ لإيجاد عمل موسوعي يخدم الأدب الإسلامي ويكون له بمثابة الخلفية التاريخية، والقاعدة الصلبة التي ينهض عليها بناؤه؛ ليساعد الدارسين في معرفة هذا الأدب ودراسة خصائصه ورصد موضوعاته … ومن هنا ظهرت فكرة «موسوعة أدب الدعوة الإسلامية» التي تبنتها كلية اللغة العربية بالرياض، والتي تمت تحت إشرافه وتوجيهه ﵀ حيث كانت نتاج مادة البحث لطلبة السنة النهائية بكلية اللغة العربية، وصدر منها ستة أسفار:
١ - شعر الدعوة الإسلامية «في عصر النبوة والخلفاء الراشدين». إعداد عبد الله حامد الحامد. (١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م).
٢ - شعر الدعوة الإسلامية «في العصر الأموي». إعداد عبد العزيز محمد الزير، ومحمد بن عبد الله الأطرم. (١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م).
٣ - شعر الدعوة الإسلامية «في العصر العباسي الأول». إعداد عبد الله عبد الرحمن الجعيثن. (١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م).
٤ - شعر الدعوة الإسلامية «في العصر العباسي الثاني». إعداد عائض بنية الردادي. (١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م).
٥ - شعر الدعوة الإسلامية «في العصر العباسي الثالث». إعداد محمد بن علي الصامل، وعبد الله بن صالح العريني. (١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م).
هذا في مجال الشعر، أما في مجال النثر، فقد صدرت «القصص الإسلامية في
стр. 5
عهد النبوة والخلفاء الراشدين» في مجلدين اثنين كبيرين؛ أربى عدد صفحاتهما على الألف … إعداد أحمد بن حافظ الحكمي. (١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م).
وقد كان لصدور هذه الأسفار من الموسوعة؛ أثر ملموس في تغيير بعض المُسَلَّمَات الأدبية الخاطئة عن الشعر الإسلامي، ولا سيما في عصر النبوة والخلفاء الراشدين … فلقد كتبت الدكتورة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» مقالا نُشر بالأهرام في عدد يوم الجمعة الواقع في ١٩٧٥/ ٧/ ١١ م بعنوان: «الإسلام والشعر والمستوى الفني لشعر الصحابة»، وذلك بمناسبة الرسالة التي أعدها تحت إشرافها الأستاذ محمد الراوندي؛ المحاضر بدار الحديث الحسنية بالرباط بعنوان: «الصحابة الشعراء»، حيث نقلت فيها فِقَرًا من مقدمة الجزء الأول من موسوعة أدب الدعوة الإسلامية في عصر النبوة والخلفاء الراشدين، وقررت أن الجهود الجدية قلبت المُسَلَّمَات الأدبية السابقة قلبًا؛ إذ كان الدارسون - وهي منهم - يقيمون أحكامهم على حصر شعراء الدعوة بما لا يزيد عن أصابع اليدين عددًا.
كما كان لهذه الأسفار أيضًا أثر كبير في إعداد الدراسات الجامعية حول هذا الأدب؛ حيث سجلت في جامعات الأزهر، والقاهرة، وبغداد، والرباط طائفة مِنَ البحوث حول هذا الأدب؛ لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه.
***
هذا، وقد عمل الدكتور الباشا ﵀ على توسيع نطاق التعريف بهذا الأدب اليتيم - كما كان يُطلق عليه في بعض المناسبات - وذلك من خلال برنامج إذاعي سجلت حلقته الأولى في شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م وبثته إذاعة «الرياض»، وقد أربى عدد حلقاته على (٢٤٠) تحت اسم:
«مع أدب الدعوة الإسلامية».
***
وقد قام ﵀ بعمل لم يسبق إليه وهو رسم منهج إسلامي في الأدب والنقد، وعمل على إرساء قواعده، وتبنت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية هذه الفكرة الرائدة، وأوسعت لها في المحاضرات الجامعية … حتى قيض لمادة منهج الأدب الإسلامي أن تقف على أرض صلبة قوية، وأنشئ على أثرها أول قسم خاص بها
стр. 6
في العالم الإسلامي … وقد عبّر عن ذلك سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي في التقديم الذي كتبه لكتاب «نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد» حيث قال: «كان الدكتور عبد الرحمن ممن يتصف بالعمل والتطبيق، فلم يستجب لهذه الفكرة استجابة فكرية فحسب، بل سبق إلى تنفيذها وتجسيدها خلال تدريسه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وإشرافه على البحوث الأدبية، ثم تطورت آماله إلى تأسيس رابطة تُعنى بهذا الموضوع، وعَقَدَ ندوات حول الموضوع، والتف حوله أساتذة وكتاب كان بينهم وبينه انسجام فكري، وتحولت هذه الفكرة إلى منظمة عالمية». لقد مر إنشاء هذه المنظمة التي دعيت برابطة الأدب الإسلامي العالمية بمراحل عديدة؛ كان أهمها ذلك الاجتماع الذي عُقد في منزل الدكتور الباشا في مدينة «الرياض» عام ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م والذي ضم لفيفًا من العلماء؛ في طليعتهم سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي، وفي هذا الاجتماع وضعت الخطوط العريضة لعقد ندوة عالمية؛ تلم شعث الأدباء في مشرق العالم الإسلامي ومغربه … وهو موضوع شغل بال الدكتور الباشا ﵀ منذ أمد طويل.
ثم كانت الندوة العالمية للأدب الإسلامي في «لكنو» في شهر جمادى الآخرة عام ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، حيث دُعي إلى هذه الندوة عدد كبير من رجالات العالم الإسلامي المهتمين بالأدب، وقد انتخب سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي رئيسًا للرابطة؛ كما انتخب الدكتور الباشا نائبًا لرئيسها، وعضوا في مجلس الأمناء، ورئيسًا لمكتب البلاد العربية … كما شارك الدكتور الباشا - أيضًا في العديد من الندوات والمؤتمرات، وناقش وأشرف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه.
***
تُؤفِّي ﵀ في يوم الجمعة ١٢/ ١١/ ١٤٠٦ هـ الموافق ١٨/ ٧/ ١٩٨٦ م إثر مرض عضال في مدينة «إسطنبول» بتركيا، وسُجِّي جثمانه بمقبرة «الفاتح» هناك؛ حيث يرقد كثير من الصحابة والتابعين الذين أحبهم في حياته وجاورهم في مدفنه. سائلين العلي القدير أن يصحبهم في جنّات الخلد أيضًا.
يمان بن عبد الرحمن الباشا
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهمَّ إِنِّي أَحْبَبْتُ صَحَابَةَ نَبِيِّكَ محمد ﷺ أَصْدَق الحُبِّ وأعْمَقَه؛ فَهَبْنِي يَوْمَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ لِأَيٍّ منهم، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي ما أَحْبَبْتُهُمْ إلَّا فيك، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمين.
عبد الرحمن الباشا
стр. 8
الكتاب الأول
أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ
"اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ"
[مِنْ دُعَاءِ الرَّسُول ﷺ لَهُ]
كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي عُمُرِ الْوَرْدِ حِينَ لَقَّنَتْهُ أُمُّهُ "الْغُمَيْصَاءُ" (١) الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَتْرَعَتْ (٢) فُؤَادَهُ الْغَضَّ بِحُبِّ نَبِيِّ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ …
فَشُغِفَ أَنَسٌ بِهِ حُبًّا عَلَى السَّمَاعِ.
وَلَا غَرْوَ، فَالْأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ الْعَيْنِ أَحْيَانًا ..
وَكَمْ تَمَنَّى الْغُلَامُ الصَّغِيرُ أَنْ يَمْضِي إِلَى نَبِيِّهِ فِي مَكَّةَ، أَوْ يَفِدَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ عَلَيْهِمْ فِي "يَثْرِبَ" لِيَسْعَدَ بِرُؤْيَاهُ، وَيَهْنَأُ بِلُقْيَاهُ.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ طَوِيلُ وَقْتٍ حَتَّى سَرَى فِي "يَثْرِبَ" الْمَحْظُوظَةِ الْمَغْبُوطَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَصَاحِبَهُ الصِّدِّيقَ فِي طَرِيقِهِمَا إِلَيْهَا … فَغَمَرَتِ (٣) الْبَهْجَةُ كُلَّ بَيْتٍ، وَمَلَأتِ الْفَرْحَةُ كُلَّ قَلْبٍ ..
وَتَعَلَّقَتِ الْعُيُونُ وَالْقُلُوبُ بِالطَّرِيقِ الْمَيْمُونِ (٤) الَّذِي يَحْمِلُ خُطَا النبي ﷺ وَصَاحِبِهِ إِلَى "يَثْرِبَ".
* * * الحواشي
(١) قيل في اسمها الرُّمَيْصَاء والغُمَيْصَاء والأرجح أنهما وصف لها انظرها في كتاب "صور من حياة الصّحابيات" للمؤلف.(٢) أَتْرَعَ: ملأ.(٣) غَمَرَت: غطت وعلت وملأت.(٤) الْمَيْمُون: المبارك.стр. 9
وَأَخَذَ الْفِتْيَانُ يُشِيعُونَ مَعَ إِشْرَاقَةِ كُلِّ صَبَاحٍ:
أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ جَاءَ …
فَكَانَ يَسْعَى إِلَيْهِ أَنَسٌ مَعَ السَّاعِينَ مِنَ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ؛ لَكِنَّهُ لَا يَرَى شَيْئًا فَيَعُودُ كَئِيبًا مَحْزُونًا.
* * *
وَفِي ذَاتِ صَبَاحٍ شَذِيِّ (١) الْأَنْدَاءِ، نَضِيرِ الرُّوَاءِ، هَتَفَ رِجَالٌ فِي "يَثْرِبَ": إِنَّ مُحَمَّدًا وَصَاحِبَهُ غَدَوَا قَرِيبَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ.
فَطَفِقَ الرِّجَالُ يَتَّجِهُونَ نَحْوَ الطَّرِيقِ الْمَيْمُونِ الَّذِي يَحْمِلُ إِلَيْهِمْ نَبِيَّ الْهُدَى وَالْخَيْرِ …
وَمَضَوْا يَتَسَابَقُونَ إِلَيْهِ جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ، تَتَخَلَّلُهُمْ أَسْرَابٌ (٢) مِنْ صِغَارِ الْفِتْيَانِ تُزَغْرِدُ عَلَى وُجُوهِهِمْ فَرْحَةٌ تَعْمُرُ قُلُوبَهُمُ الصَّغِيرَةَ، وَتُتْرِعُ أَفْئِدَتَهُم الْفَتِيَّةَ …
وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَةِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ.
* * *
أَقْبَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَعَ صَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ، وَمَضَيَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجُمُوع الزَّاخِرَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْوِلْدَانِ …
أَمَّا النِّسْوَةُ الْمُخَدَّرَاتُ (٣) ، وَالصَّبَايَا الصَّغِيرَاتُ فَقَدْ عَلَوْنَ سُطُوحَ الْمَنَازِلِ، وَجَعَلْنَ يَتَرَاءَيْنَ (٤) الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَيَقُلْنَ: الحواشي
(١) شَذِيّ: مطيب بالمسك.(٢) تَتَخَلَّلُهُم أَسْرَابٌ: تتداخل بينهم، والأسراب: مفردها سرب وهي جماعة الطير.(٣) الْمُخَدَّرات: المستقرات في خدورهن أي بيوتهن.(٤) الترائي: الرؤية من بُعد.стр. 10
أَيُّهُمْ هُوَ؟! … أَيُّهُمْ هُوَ؟!.
فَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمًا مَشْهُودًا …
ظَلَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُهُ حَتَّى نَيَّفَ عَلَى الْمِائَةِ مِنْ عُمُرِهِ.
* * *
مَا كَادَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ يَسْتَقِرُّ بِالْمَدِينَةِ؛ حَتَّى جَاءَتْهُ "الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ" أُمُّ أَنَسٍ، وَكَانَ مَعَهَا غُلَامُهَا الصَّغِيرُ، وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهَا، وَذُؤَابَتاهُ (١) تَنُوسَانِ (٢) عَلَى جَبِينِهِ …
ثُمَّ حَيَّتِ النَّبِيَّ ﵊ وَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ … لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَقَدْ أَتْحَفَكَ بِتُحْفَةٍ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ مَا أُتْحِفُكَ بِهِ غَيْرَ ابْنِي هَذَا …
فَخُذْهُ، فَلْيَخْدِمْكَ مَا شِئْتَ …
فَهَشَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلْفَتَى الصَّغِيرِ وَبَشَّ (٣) ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَمَسَّ ذُؤَابَتَهُ بِأَنَامِلِهِ النَّدِيَّةِ، وَضَمَّهُ إِلَى أَهْلِهِ.
* * *
كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَوْ "أُنَيْسٌ" - كَمَا كَانُوا يُنَادُونَهُ تَدْلِيلًا - فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمُرِهِ يَوْمَ سَعِدَ بِخِدْمَةِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَظَلَّ يَعِيشُ فِي كَنَفِهِ وَرِعَايَتِهِ إِلَى أَنْ لَحِقَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ بِالرَّفِيقِ الأعلى (٤) .
فَكَانَتْ مُدَّةُ صُحْبَتِهِ لَهُ عَشْرَ سَنَوَاتٍ كَامِلَاتٍ، نَهَلَ (٥) فِيهَا مِنْ هَدْيِهِ الحواشي
(١) الذُّؤابَة: الشّعر المضفور من شعر الرأس.(٢) تَنوسَان: تتحركان وتتذبذبان متدليتين.(٣) هَشَّ وبَشَّ: فرح به وأقبل عليه بوجه طلق.(٤) لَحِقَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى: توفي.(٥) نَهَل: شرب أول الشّرب.стр. 11
مَا زَكَّى بِهِ نَفْسَهُ، وَوَعَى مِنْ حَدِيثِهِ مَا مَلأَ بِهِ صَدْرَهُ، وَعَرَفَ مِنْ أَحْوَالِهِ وَأَخْبَارِهِ وَأَسْرَارِهِ وَشَمَائِلِهِ (١) مَا لَمْ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ.
* * *
وَقَدْ لَقِيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ مِنْ كَرِيمٍ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَظْفَرْ بِهِ وَلَدٌ مِنْ وَالِدٍ …
وَذَاقَ مِنْ نَبِيلِ شَمَائِلِهِ، وَجَلِيلِ خَصَائِلِهِ مَا تَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا.
فَلْنَتْرُكُ لِأَنَسٍ الْحَدِيثَ عَنْ بَعْضِ الصُّوَرِ الْوَضَّاءَةِ مِنْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي لَقِيَهَا فِي رِحَابِ النَّبِيِّ السَّمْحِ (٢) الْكَرِيمِ ﷺ ، فَهُوَ بِهَا أَدْرَى، وَعَلَى وَصْفِهَا أَقْوَى …
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَرْحَبِهِمْ (٣) صَدْرًا، وَأَوْفَرِهِمْ حَنَانًا …
فَقَدْ أَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَخَرَجْتُ، وَقَصَدْتُ صِبْيَانًا يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ لأَلْعَبَ مَعَهُمْ وَلَمْ أَذْهَبْ إِلَى مَا أَمَرَنِي بِهِ، فَلَمَّا صِرْتُ (٤) إِلَيْهِمْ شَعَرْتُ بِإِنْسَانٍ يَقِفُ خَلْفِي، وَيَأْخُذُ بِثَوْبِي …
فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ:
(يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟).
فَارْتَبَكْتُ وَقُلْتُ: نَعَمْ …
إِنِّي ذَاهِبٌ الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ … الحواشي
(١) شَمَائِله: خصاله الحميدة.(٢) السَّمْح: الجواد المعطاء اللّين.(٣) أَرْحَبهُمْ صَدْرًا: أوسعهم صدرًا وأطولهم أناة.(٤) صِرْتُ إِلَيْهِمْ: انتهيت إليهم.стр. 12
وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنَينَ، فَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ … وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟!
* * *
وَكَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِذَا نَادَى أَنَسًا صَغَّرَهُ (١) تَحَبُّبًا وَتَدْلِيلًا؛ فَتَارَةً يُنَادِيهِ يَا أُنَيْسُ، وَأُخْرَى يَا بُنَيَّ؟.
وَكَانَ يُغْدِقُ عَلَيْهِ مِنْ نَصَائِحِهِ وَمَوَاعِظِهِ مَا مَلأَ قَلْبَهُ وَمَلَكَ لُبَّهُ.
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لَهُ:
(يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ …
يَا بُنَيَّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي …
وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ …
يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ).
* * *
عَاشَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﵊ نَيِّفًا (٢) وَثَمَانِينَ عَامًا؛ مَلأَ خِلَالَهَا الصُّدُورَ عِلْمًا مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ ، وَأَتْرَعَ فِيهَا الْعُقُولَ فِقْهًا مِنْ فِقْهِ النُّبُوَّةِ …
وَأَحْيَا فِيهَا الْقُلُوبَ بِمَا بَثَّهُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (٣) مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا أَذَاعَهُ فِي النَّاسِ مِنْ شَرِيفِ أَقْوَالِ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ وَجَلِيلِ أَفْعَالِهِ. الحواشي
(١) صَغَّرَه: استعمل في تسميته صيغة التصغير.(٢) نَيِّفًا: زيادةً عَلَى.(٣) التَّابعون: هم الرّعيل الأول بعد صحابة النبي ﷺ ، وقد قسمهم علماء الحديث إلى طبقات، أولهم من لحِقَ العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم من لَقِيَ صغار الصَّحَابة أو من تأخرت وفاتهم … انظر كتاب "صور من حياة التَّابعين" للمؤلف، الناشر دار الأدب الإسلامي.стр. 13
وَقَدْ غَدَا أَنَسٌ عَلَى طُولِ هَذَا الْعُمُرِ الْمَدِيدِ مَرْجِعًا لِلْمُسْلِمِينَ، يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ كُلَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ، وَيُعَوِّلُونَ (١) عَلَيْهِ كُلَّمَا اسْتَغْلَقَ (٢) عَلَى أَفْهَامِهِمْ حُكْمٌ.
مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ بَعْضَ الْمُمَارِينَ فِي الدِّينِ جَعَلُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي ثُبُوتِ حَوْضِ النَّبي ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَسَأَلُوهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:
ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَعِيشَ حَتَّى أَرَى أَمْثَالَكُمْ يَتَمَارَوْنَ (٣) فِي الْحَوْضِ، لَقَدْ تَرَكْتُ عَجَائِزَ خَلْفِي مَا تُصَلِّي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا سَأَلَتِ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَهَا مِنْ حَوْضِ النَّبِيِّ ﵊.
* * *
وَلَقَدْ ظَلَّ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَعِيشُ مَعَ ذِكْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ …
فَكَانَ شَدِيدَ الْبَهْجَةِ بِيَوْمِ لِقَائِهِ، سَخِيَّ الدَّمْعَةِ عَلَى يَوْمِ فِرَاقِهِ، كَثِيرَ التَّرْدِيدِ لِكَلَامِهِ …
حَرِيصًا عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، يُحِبُّ مَا أَحَبَّ، وَيَكْرَهُ مَا كَرِهَ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ أَيَّامِهِ يَوْمَانِ:
يَوْمُ لِقَائِهِ مَعَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَيَوْمُ مُفَارَقَتِهِ لَهُ آخِرَ مَرَّةٍ.
فَإِذَا ذَكَرَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ سَعِدَ بِهِ وَانْتَشَى (٤) ، وَإِذَا خَطَرَ لَهُ الْيَوْمُ الثَّانِي انْتَحَبَ وَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ مِنَ النَّاسِ.
وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵊ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْنَا، وَرَأَيْتُهُ يَوْمَ قُبِضَ مِنَّا، فَلَمْ أَرَ يَوْمَيْنِ يُشْبِهَانِهِمَا. الحواشي
(١) يُعوِّلون: يعتمدون.(٢) اسْتَغْلَق: أشكل عليهم وغمض.(٣) يتمارون: يتنازعون.(٤) انْتَشَى: كأنه شم رائحةً طيبةً.стр. 14
فَفِي يَوْمٍ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ …
وَفِي الْيَوْمِ الَّذِي أَوْشَكَ فِيهِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ أَظْلَمَ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ …
وَكَانَ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَيْهِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ حِينَ كُشِفَتِ السِّتَارَةُ عَنْ حُجْرَتِهِ، فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، وَكَانَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ وُقُوفًا خَلْفَ بَكْرٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَادُوا أَنْ يَضْطَرِبُوا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنِ اثْبُتُوا.
ثُمَّ تُوُفِّيَ الرَّسُولُ ﵊ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَمَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِهِ ﷺ حِينَ وَارَيْنَاهُ تُرَابَهُ.
* * *
وَلَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ … وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ لَهُ:
(اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ) …
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ﵊، فَكَانَ أَنَسٌ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ مَالًا وَأَوْفَرَهُمْ ذُرِّيَّةً؛ حَتَّى إِنَّهُ رَأَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَحَفَدَتِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ.
وَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي عُمُرِهِ حَتَّى عَاشَ قَرْنًا كَامِلا …
وَفَوْقَهُ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ.
وَكَانَ أَنَسٌ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ شَدِيدَ الرَّجَاءِ لِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ:
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَقُولَ لَهُ:
стр. 15
يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا خُوَيْدِمُكَ أُنَيْسٌ.
* * *
وَلَمَّا مَرِضَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَرَضَ الْمَوْتِ قَالَ لِأَهْلِهِ:
لَقِّنُونِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
ثُمَّ ظَلَّ يَقُولُهَا حَتَّى مَاتَ.
وَقَدْ أَوْصَى بِعُصَيَّةٍ صَغِيرَةٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ تُدْفَنَ مَعَهُ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ جَنْبِهِ وَقَمِيصِهِ.
* * *
هَنِيئًا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى مَا أَسْبَغَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ.
فَقَدْ عَاشَ فِي كَنَفِ (١) الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ عَشْرَ سَنَوَاتٍ كَامِلَاتٍ …
وَكَانَ ثَالِثَ اثْنَيْنِ فِي رِوَايَةِ حَدِيثِهِ هُمَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ …
وَجَزَاهُ اللَّهُ هُوَ وَأُمَّهُ الْغُمَيْصَاءَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ (*). الحواشي
(١) في كَنَف الرَّسُول: في رعايته وحرزه.
(*) للاستزادة من أخبار أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ انظر:
١ - الإصابة: ١/ ٧١ أو "الترجمة" ٢٧٧.
٢ - الاستيعاب "على هامش الإصابة": ١/ ٧١.
٣ - تهذيب التهذيب: ١/ ٣٧٦.
٤ - الجمع بين رجال الصحيحين: ١/ ٣٥.
٥ - أسد الغابة: ١/ ٢٥٨.
٦ - صفة الصفوة: ١/ ٢٩٨.
٧ - المعارف: ١٣٣.
٨ - العبر: ١/ ١٠٧.
٩ - سيرة بطل: ١٠٧.
١٠ - تاريخ الإسلام للذهبي: ٣/ ٣٢٩.
١١ - ابن عساكر: ٣/ ١٣٩.
١٢ - الجرح والتعديل: ق ١ ج ١/ ٢٨٦.стр. 16
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الْجُمَحِيُّ
"سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ رَجُلٌ اشْتَرَى الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا وَآثَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى سِوَاهُمَا"
[الْمُؤَرِّخُونَ]
كَانَ الْفَتَى سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الْجُمَحِيُّ، وَاحِدًا مِنَ الْآلَافِ الْمُؤَلَّفَةِ، الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى مِنْطَقَةِ "التَّنْعِيمِ" فِي ظَاهِرِ مَكَّةَ بِدَعْوَةٍ مِنْ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ، لِيَشْهَدُوا مَصْرَعَ "حُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ" أَحَدِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ أَنْ ظَفِرُوا بِهِ غَدْرًا.
وَقَدْ مَكَّنَهُ شَبَابُهُ الْمَوْفُورُ وَفُتُوَّتُهُ الْمُتَدَفِّقَةُ مِنْ أَنْ يُزَاحِمَ النَّاسَ بِالْمَنَاكِبِ، حَتَّى حَاذَى شُيُوخَ قُرَيْشٍ مِنْ أَمْثَالِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَتَصَدَّرُونَ الْمَوْكِبَ.
وَقَدْ أَتَاحَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَرَى أَسِيرَ قُرَيْشٍ مُكَبَّلًا (١) بِقُيُودِهِ، وَأَكُفُّ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّبَّانِ تَدْفَعُهُ إِلَى سَاحَةِ الْمَوْتِ دَفْعًا، لِيَنْتَقِمُوا مِنْ مُحَمَّدٍ فِي شَخْصِهِ، وَلِيَثْأَرُوا لِقَتْلَاهُمْ فِي "بَدْرٍ" بِقَتْلِهِ.
* * *
وَلَمَّا وَصَلَتْ هَذِهِ الْجُمُوعُ الْحَاشِدَةُ بِأَسِيرِهَا إِلَى الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِقَتْلِهِ، وَقَفَ الْفَتَى سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الْجُمَحِيُّ بِقَامَتِهِ الْمَمْدُودَةِ يُطِلُّ عَلَى حُبَيْبٍ، وَهُوَ يُقَدَّمُ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ، وَسَمِعَ صَوْتَهُ الثَّابِتَ الْهَادِئَ مِنْ خِلَالِ صِيَاح النِّسْوَةِ وَالصِّبْيَانِ وَهُوَ يَقُولُ:
إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَتْرُكُونِي أَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ مَصْرَعِي فَافْعَلُوا … الحواشي
(١) المكبل: المقيد.стр. 17
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَا لِحُسْنِهِمَا وَيَا لِتَمَامِهِمَا … ثُمَّ رَآهُ يُقْبِلُ عَلَى زُعَمَاءِ الْقَوْمِ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي أَطَلْتُ الصَّلَاةَ جَزَعًا (١) مِنَ الْمَوْتِ، لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الصَّلَاةِ …
ثُمَّ شَهِدَ قَوْمَهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَهُمْ يُمَثِّلُونَ (٢) بِحُبَيْبٍ حَيًّا، فَيَقْطَعُونَ مِنْ جَسَدِهِ الْقِطْعَةَ تِلْوَ (٣) الْقِطْعَةِ وَهُمْ يَقُولُونَ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ مَكَانَكَ وَأَنْتَ نَاجٍ؟ (٤) .
فَيَقُولُ - وَالدِّمَاءُ تَنْزِفُ مِنْهُ -: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ آمِنًا وَادِعًا فِي أَهْلِي وَوَلَدِي، وَأَنَّ مُحَمَّدًا يُوخَرُ بِشَوْكَةٍ … فَيُلَوِّحُ النَّاسُ بِأَيْدِيهِمْ فِي الْفَضَاءِ، وَيَتَعَالَى صِيَاحُهُمْ: أَنِ اقْتُلُوهُ … اقْتُلُوهُ …
ثُمَّ أَبْصَرَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ خُبَيْبًا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ فَوْقِ خَشَبَةِ الصَّلْبِ وَيَقُولُ:
"اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ (٥) عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا (٦) وَلَا تُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا".
ثُمَّ لَفَظَ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ، وَبِهِ مَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ إِحْصَاءَهُ مِنْ ضَرَبَاتِ السُّيُوفِ وَطَعَنَاتِ الرِّمَاحِ.
* * *
عَادَتْ قُرَيْشُ إِلَى مَكَّةَ، وَنَسِيَتْ فِي زَحْمَةِ الْأَحْدَاثِ الْحِسَامِ خُبَيْبًا وَمَصْرَعَهُ. لَكِنَّ الْفَتَى الْيَافِعَ (٧) سَعِيدَ بْنَ عَامِرٍ الْجُمَحِيَّ لَمْ يَغِبْ خُبَيْبٌ عَنْ خَاطِرِهِ لَحْظَةً. الحواشي
(١) جزعًا: خوفًا وهلعًا.(٢) التمثيل به: تقطيع أجزاء من بدنه.(٣) تلو القطعة: بعد القطعة.(٤) ويقال أن هذا السؤال قد وجه إلى زيد بن الدّثنة، انظر شرح المواهب للعلامة الزرقاني: ٢/ ٧٢، وشرح بهجة المحافل وبغية الأماثل: ١/ ٢٢٠.(٥) أحصهم عددًا: انتقم منهم واحدا بعد واحد ولا تترك منهم أحدًا.(٦) واقتلهم بددًا: اقتلهم قتل إبادة.(٧) اليافع: الذي قارب البلوغ.стр. 18
كَانَ يَرَاهُ فِي حُلُمِهِ إِذَا نَامَ، وَيَرَاهُ بِخَيَالِهِ وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ، وَيَمْثُلُ أَمَامَهُ وَهُوَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ الْهَادِئَتَيْنِ الْمُطْمَئِنَّتَيْنِ أَمَامَ خَشَبَةِ الصَّلْبِ، وَيَسْمَعُ رَنِينَ صَوْتِهِ فِي أُذُنَيْهِ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى قُرَيْشٍ، فَيَخْشَى أَنْ تَصْعَقَهُ صَاعِقَةٌ؛ أَوْ تَخِرَّ عَلَيْهِ صَخْرَةٌ مِنَ السَّمَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ خُبَيْبًا عَلَّمَ سَعِيدًا مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ قَبْلُ …
عَلَّمَهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْحَقَّةَ عَقِيدَةٌ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ الْعَقِيدَةِ حَتَّى الْمَوْتِ.
وَعَلَّمَهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِيمَانَ الرَّاسِخَ يَفْعَلُ الْأَعَاجِيبَ، وَيَصْنَعُ الْمُعْجِزَاتِ.
وَعَلَّمَهُ أَمْرًا آخَرَ، هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُحِبُّهُ أَصْحَابُهُ كُلَّ هَذَا الْحُبِّ إِنَّمَا هُوَ نَبِيٌّ مُؤَيَّدٌ مِنَ السَّمَاءِ.
عِنْدَ ذَلِكَ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَامَ فِي مَلأٍ (١) مِنَ النَّاسِ، وَأَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ مِنْ آثَامِ قُرَيْشٍ وَأَوْزَارِهَا، وَخَلْعَهُ لِأَصْنَامِهَا وَأَوْثَانِهَا وَدُخُولَهُ فِي دِينِ الله.
* * *
هَاجَرَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَشَهِدَ مَعَهُ "خَيْبَرَ" وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْغَزَوَاتِ.
وَلَمَّا انْتَقَلَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُ، ظَلَّ مِنْ بَعْدِهِ سَيْفًا مَسْلُولًا فِي أَيْدِي خَلِيفَتَيْهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعَاشَ مَثَلًا فَرِيدًا فَذًّا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي اشْتَرَى الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا، وَآثَرَ (٢) مَرْضَاةَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ عَلَى سَائِرِ رَغَبَاتِ النَّفْسِ، وَشَهَوَاتِ الْجَسَدِ.
* * *
وَكَانَ خَلِيفَتَا رَسُولِ اللهِ ﷺ يَعْرِفَانِ لِسَعِيدِ بْن عَامِرٍ صِدْقَهُ وَتَقْوَاهُ، الحواشي
(١) ملإ من النَّاسِ: جموعٍ مِنَ النَّاسِ.(٢) آثر: اختار وفضل.стр. 19
وَيَسْتَمِعَانِ إِلَى نُصْحِهِ، وَيُصِيخَانِ (١) إِلَى قَوْلِهِ.
دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ فَقَالَ:
يَا عُمَرُ، أُوصِيكَ أَنْ تَخْشَى اللَّهَ فِي النَّاسِ، وَلَا تَخْشَى النَّاسَ فِي اللَّهِ، وَأَلَّا يُخَالِفَ قَوْلُكَ فِعْلَكَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا صَدَّقَهُ الْفِعْلُ …
يَا عُمَرُ: أَقِمْ وَجْهَكَ (٢) لِمَنْ وَلَّاكَ اللَّهُ أَمَرَهُ مِنْ بَعِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَقَرِيبهِمْ، وَأَحِبَّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ، وَاكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ، وَخُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ وَلَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِم.
فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَا سَعِيدُ؟!.
فَقَالَ: يَسْتَطِيعُهُ رَجُلٌ مِثْلُكَ مِمَّنْ وَلَّاهُمُ اللَّهُ أَمْرَ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَحَدٌ.
* * *
عِنْد ذَلِكَ دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَعِيدًا إِلَى مُؤَازَرَتِهِ (٣) وَقَالَ:
يَا سَعِيدُ إِنَّا مُوَلُّوكَ عَلَى أَهْلِ "حِمْصَ"، فَقَالَ:
يَا عُمَرُ نَشَدْتُكَ (٤) اللَّهَ أَلَّا تَفْتِنَنِي (٥) .
فَغَضِبَ عُمَرُ وَقَالَ:
وَيْحَكُمْ … وَضَعْتُمْ هَذَا الْأَمْر (٦) فِي عُنُقِي ثُمَّ تَخَلَّيْتُمْ عَنِّي!! …
وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ، ثُمَّ وَلَّاهُ عَلَى "حِمْصَ" وَقَالَ: أَلَا نَفْرِضُ لَكَ رِزْقًا؟.
قَالَ: وَمَا أَفْعَلُ بِهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟! فَإِنَّ عَطَائِي (٧) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يَزِيدُ الحواشي
(١) يصيخان: ينصتان ويستمعان باهتمام.(٢) أقم وجهك لفلان: أدِم النّظر في أمْره.(٣) مُؤَازَرَتِهِ: مساعدته ومعاونته، وأن يصنع معه ما يصنع الوزير لمن استوزره.(٤) نشدتك الله: أستحلفك بالله.(٥) تفتنني: تُضِلَّني وتستميلني إِلَى الدُّنْيَا.(٦) الأمر: المراد به هنا الخلافة.(٧) عطائي: حقي في بيت المال.стр. 20
عَنْ حَاجَتِي، ثُمَّ مَضَى إِلَى "حِمْصَ".
* * *
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى وَفَدَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ "حِمْصَ"، فَقَالَ لَهُمْ: اكْتُبُوا لِي أَسْمَاءَ فُقَرَائِكُمْ حَتَّى أَسُدَّ حَاجَتَهُمْ.
فَرَفَعُوا كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ.
فَقَالَ: وَمَنْ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ؟!.
فَقَالُوا: أَمِيرُنَا.
قَالَ: أَمِيرُكُمْ فَقِيرٌ؟!.
قَالُوا: نَعَمْ، وَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَتَمُرُّ عَلَيْهِ الْأَيَّامُ الطِّوَالُ وَلَا يُوقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ.
فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى بَلَّلَتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ فَجَعَلَهَا فِي صُرَّةٍ وَقَالَ: اقْرَؤُوا عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ مِنِّي، وَقُولُوا لَهُ: بَعَثَ إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا الْمَالِ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى قَضَاءِ حَاجَاتِكَ.
* * *
جَاءَ الْوَفْدُ لِسَعِيدٍ بِالصُّرَّةِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ دَنَانِيرُ، فَجَعَلَ يُبْعِدُهَا عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - كَأَنَّمَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ أَوْ حَلَّ بِسَاحَتِهِ خَطْبٌ - فَهَبَّتْ زَوْجَتُهُ مَذْعُورَةً وَقَالَتْ:
مَا شَأْنُكَ يَا سَعِيدُ؟! … أَمَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟!.
قَالَ: بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَتْ: أَأُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ فِي وَقْعَة؟!.
قَالَ: بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 21
قَالَتْ: وَمَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟!.
قَالَ: دَخَلَتْ عَلَيَّ الدُّنْيَا لِتُفْسِدَ آخِرَتِي، وَحَلَّتِ الْفِتْنَةُ فِي بَيْتِي.
قَالَتْ: تَخَلَّصْ مِنْهَا - وَهِيَ لَا تَدْرِي مِنْ أَمْرِ الدَّنَانِيرِ شَيْئًا -.
قَالَ: أَوَتُعِينِينَنِي عَلَى ذَلِكِ؟.
قَالَتْ: نَعَمْ.
فَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ فَجَعَلَهَا فِي صُرَرٍ ثُمَّ وَزَعَهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ طَوِيلُ وَقْتٍ؛ حَتَّى أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ دِيَارَ الشَّامِ يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهَا، فَلَمَّا نَزَلَ "بِحِمْصَ" - وَكَانَتْ تُدْعَى "الْكُوَيْفَةَ" وَهُوَ تَصْغِيرٌ "لِلكُوفَةِ" وَتَشْبِيهٌ "لِحِمْصَ" بِهَا لِكَثْرَةِ شَكْوَى أَهْلِهَا مِنْ عُمَّالِهِمْ وَوُلَاتِهِمْ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَهْلُ "الْكُوفَةِ" - فَلَمَّا نَزَلَ بِهَا لَقِيَهُ أَهْلُهَا لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ: كَيْفَ وَجَدْتُمْ أَمِيرَكُمْ؟ …
فَشَكَوْهُ إِلَيْهِ وَذَكَرُوا أَرْبَعًا مِنْ أَفْعَالِهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ.
قَالَ عُمَرُ: فَجَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَدَعَوْتُ اللَّهَ أَلَّا يُخَيِّبَ ظَنِّيَ فِيهِ؛ فَقَدْ كُنْتُ عَظِيمَ الثِّقَةِ بِهِ … فَلَمَّا أَصْبَحُوا عِنْدِي هُمْ وَأَمِيرُهُمْ، قُلْتُ:
مَا تَشْكُونَ مِنْ أَمِيرِكُمْ؟.
قَالُوا: لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا حَتَّى يَتَعَالَى النَّهَارُ.
فَقُلْتُ: وَمَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ يَا سَعِيدُ؟.
فَسَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ، أَمَا وَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِي خَادِمٌ، فَأَقُومُ فِي كُلِّ صَبَاحٍ فَأَعْجِنُ لَهُمْ عَجِينَهُمْ،
стр. 22
ثُمَّ أَتَرَيَّثُ قَلِيلًا حَتَّى يَخْتَمِرَ، ثُمَّ أَخْبِزُهُ لَهُمْ، ثُمَّ أَتَوَضَّأُ وَأَخْرُجُ لِلنَّاسِ.
قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ لَهُمْ: وَمَا تَشْكُونَ مِنْهُ أَيْضًا؟
قَالُوا: إِنَّهُ لَا يُجِيبُ أَحَدًا بِلَيْلٍ.
قُلْتُ: وَمَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ يَا سَعِيدُ؟.
قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أُعْلِنَ هَذَا أَيْضًا … فَأَنَا قَدْ جَعَلْتُ النَّهَارَ لَهُمْ، وَاللَّيْلَ لِلَّهِ .
قُلْتُ: وَمَا تَشْكُونَ مِنْهُ أَيْضًا؟.
قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا يَوْمًا فِي الشَّهْرِ.
قُلْتُ: وَمَا هَذَا يَا سَعِيدُ؟
قَالَ: لَيْسَ لِي خَادِمٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثِيَابٌ غَيْرُ الَّتِي عَلَيَّ، فَأَنَا أَغْسِلُهَا فِي الشَّهْرِ مَرَّةً وَأَنْتَظِرُهَا حَتَّى تَجِفَّ، ثُمَّ أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فِي آخِرِ النَّهَارِ. ثُمَّ قُلْتُ: وَمَا تَشْكُونَ مِنْهُ أَيْضًا؟.
قَالُوا: تُصِيبُهُ مِنْ حِينٍ إِلَى آخَرَ غَشْيَةٌ (١) فَيَغِيبُ عَمَّنْ فِي مَجْلِسِهِ.
فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا يَا سَعِيدُ؟!.
فَقَالَ: شَهِدْتُ مَصْرَعَ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَنَا مُشْرِكٌ، وَرَأَيْتُ قُرَيْشًا تُقَطِّعُ جَسَدَهُ وَهِيَ تَقُولُ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ مَكَانَكَ؟.
فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ آمِنًا فِي أَهْلِي وَوَلَدِي، وَأَنَّ مُحَمَّدًا تَشُوكُهُ شَوْكَةٌ … وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَكَيْفَ أَنِّي تَرَكْتُ نُصْرَتَهُ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لي … وَأَصَابَتْنِي تِلْكَ الْغَشْيَةُ. الحواشي
(١) تصيبه غشية: يغشى عليه أو يغمى عليه، فلا يدري شيئًا مما حوله.стр. 23
عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُخَيِّبُ ظَنِّي بِهِ.
ثُمَّ بَعَثَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى حَاجَتِهِ.
فَلَمَّا رَأَتْهَا زَوْجَتُهُ قَالَتْ لَهُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانَا عَنْ خِدْمَتِكَ، اِشْتَرِ لَنَا مَؤُنَةً، وَاسْتَأْجِرْ لَنَا خَادِمًا.
فَقَالَ لَهَا: وَهَلْ لَكِ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ؟.
قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟!.
قَالَ: نَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يَأْتِينَا بِهَا، وَنَحْنُ أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَيْهَا.
قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟!
قَالَ: نُقْرِضُهَا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا.
قَالَتْ: نَعَمْ، وَجُزِيتَ خَيْرًا.
فَمَا غَادَرَ مَجلِسَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ حَتَّى جَعَلَ الدَّنَانِيرَ فِي صُرَرٍ، وَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ: انْطَلِقْ بِهَا إِلَى أَرْمَلَةِ فُلَانٍ، وَإِلَى أَيْتَامٍ فُلَانٍ، وَإِلَى مَسَاكِينِ آلِ فُلَانٍ، وَإِلَى مُعْوِزِي (١) آلِ فُلَانٍ.
* * *
رَضِيَ الله عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الْجُمَحِيِّ فَقَدْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ (٢) عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٣) (*). الحواشي
(١) معوزي آل فلان: الفقراء من آل فلان.(٢) يؤثرون: يفضلون.(٣) الخصاصة: شِدَّة الفَقْر.
(*) للاستزادة من أخبار سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الْجُمَحيِّ انظر:
١ - تهذيب التهذيب: ٤/ ٥١.
٢ - ابن عساكر: ٦/ ١٤٥ - ١٤٧.
٣ - صفة الصفوة: ١/ ٢٧٣.
٤ - حلية الأولياء: ١/ ٢٤٤.
٥ - تاريخ الإسلام: ٢/ ٣٥.
٦ - الإصابة: ٢/ ٤٨ أو "الترجمة" ٣٢٧٠.
٧ - نسبُ قُرَيْش: ٣٩٩.стр. 24
الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ
"اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً تُعِينُهُ عَلَى مَا يَنْوِي مِنَ الْخَيْرِ"
[مِنْ دُعَاءِ الرَّسُولِ ﷺ لَهُ]
الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ سَيِّدُ قَبِيلَةِ "دَوْسٍ" فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ الْمَرْمُوقِينَ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُرُوءَاتِ الْمَعْدُودِينَ …
لَا تَنْزِلُ لَهُ قِدْرٌ عَنْ نَارٍ، وَلَا يُوصَدُ لَهُ بَابٌ أَمَامَ طَارِقٍ …
يُطْعِمُ الْجَائِعَ، وَيُؤَمِّنُ الْخَائِفَ، وَيُجِيرُ الْمُسْتَجِيرَ.
وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ أَدِيبٌ أَرِيبٌ لَبِيبٌ (١) ، وَشَاعِرٌ مُرْهَفُ الْحِسِّ رَقِيقُ الشُّعُورِ
بَصِيرٌ بِحُلْوِ الْبَيَانِ وَمُرِّهِ … حَيْثُ تَفْعَلُ فِيهِ الْكَلِمَةُ فِعْلَ السِّحْرِ.
* * *
غَادَرَ الطُّفَيْلُ مَنَازِلَ قَوْمِهِ فِي "تِهَامَةَ" (٢) مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ، وَرَحَى الصِّرَاعِ دَائِرَةٌ بَيْنَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكُفَّارِ قُرَيْشٍ، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يَكْسِبَ لِنَفْسِهِ الْأَنْصَارَ، وَيَجْتَذِبَ لِحِزْبِهِ الْأَعْوَانَ …
فَالرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَدْعُو لِرَبِّهِ وَسِلَاحُهُ الْإِيمَانُ وَالْحَقُّ.
وَكُفَّارُ قُرَيْشٍ يُقَاوِمُونَ دَعْوَتَهُ بِكُلِّ سِلَاحٍ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْهُ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ. وَوَجَدَ الطُّفَيْلُ نَفْسَهُ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ (٣) ، وَيَخُوضُ غِمَارَهَا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ …
فَهُوَ لَمْ يَقْدَمْ إِلَى مَكَّةَ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَلَا خَطَرَ لَهُ أَمْرُ مُحَمَّدٍ وَقُرَيْشٍ قَبْلَ الحواشي
(١) أريب لبيب: ذكي فطن.(٢) تهامة: السّهل السّاحلي في جزيرة العرب المحاذي للبحر الأحمر.(٣) عَلَى غير أهبة: عَلَى غير استعداد.стр. 25
ذَلِكَ عَلَى بَالٍ. وَمِنْ هُنَا كَانَتْ لِلطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ مَعَ هَذَا الصِّرَاعِ حِكَايَةٌ لَا تُنْسَى؛ فَلْنَسْتَمِعْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا مِنْ غَرَائِبِ الْقِصَصِ.
* * *
حَدَّثَ الطُّفَيْلُ قَالَ:
قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَمَا إِنْ رَآنِي سَادَةُ قُرَيْشٍ؛ حَتَّى أَقْبَلُوا عَلَيَّ فَرَحَّبُوا بِي أَكْرَمَ تَرْحِيبٍ، وَأَنْزَلُونِي فِيهِمْ أَعَزَّ مَنْزِلٍ.
ثُمَّ اجْتَمَعَ إِلَيَّ سَادَتُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ وَقَالُوا: يَا طُفَيْلُ، إِنَّكَ قَدْ قَدِمْتَ بِلادَنَا، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ قَدْ أَفْسَدَ أَمْرَنَا وَمَزَّقَ شَمْلَنَا، وَشَتَّتَ جَمَاعَتَنَا، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَخْشَى أَنْ يَحِلُّ بِكَ وَبِزَعَامَتِكَ فِي قَوْمِكَ مَا قَدْ حَلَّ بِنَا، فَلَا تُكَلِّم الرَّجُلَ، وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّ لَهُ قَوْلًا كَالسِّحْرِ: يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الأَخِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ وَزَوْجِهَا. قَالَ الطُّفَيْلُ:
فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا بِي يَقُصُّونَ عَلَيَّ مِنْ غَرَائِبِ أَخْبَارِهِ، وَيُخَوِّفُونَنِي عَلَى نَفْسِي وَقَوْمِي بِعَجَائِبِ أَفْعَالِهِ، حَتَّى أَجْمَعَتُ أَمْرِي (١) عَلَى أَلَّا أَقْتَرِبَ مِنْهُ، وَأَلَّا أُكَلِّمَهُ أَوْ أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا.
وَلَمَّا غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ، وَالتَّبَرُّكِ بِأَصْنَامِهَا الَّتِي كُنَّا إِلَيْهَا نَحُجُّ وَإِيَّاهَا نُعَظِّمُ، حَشَوْتُ فِي أُذُنَيَّ قُطْنَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُلَامِسَ سَمْعِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ.
لَكِنِّي مَا إِنْ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ حَتَّى وَجَدْتُهُ قَائِمًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ صَلَاةً غَيْرَ صَلَاتِنَا، وَيَتَعَبَّدُ عِبَادَةً غَيْرَ عِبَادَتِنَا، فَأَسَرَنِي مَنْظَرُهُ، وَهَزَّتْنِي عِبَادَتُهُ، وَوَجَدْتُ نَفْسِي أَدْنُو مِنْهُ، شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنِّي حَتَّى أَصْبَحْتُ قَرِيبًا مِنْهُ … وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِلَى سَمْعِي بَعْضُ مِمَّا يَقُولُ، فَسَمِعْتُ كَلَامًا الحواشي
(١) أجمعت أمري: عزمت وصمَّمْت.стр. 26
حَسَنًا، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي:
ثَكِلَتْكَ (١) أُمُّكَ يَا طُفَيْلُ … إِنَّكَ لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ، وَمَا يَخْفَى عَلَيْكَ الْحَسَنُ مِنَ الْقَبيح، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسْمَعَ مِنَ الرَّجُلِ مَا يَقُولُ …
فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ حَسَنًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتَهُ.
* * *
قَالَ الطُّفَيْلُ: ثُمَّ مَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ، فَتَبِعْتُهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ دَارَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ:
يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ قَالُوا لِي عَنْكَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يُخَوِّفُونَنِي مِنْ أَمْرِكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنَيَّ بِقُطْنٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي شَيْئًا مِنْهُ، فَوَجَدْتُهُ حَسَنًا … فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ …
فَعَرَضَ عَلَيَّ أَمْرَهُ، وَقَرَأَ لِي سُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْفَلَقِ، فَوَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْ أَمْرِهِ … عِنْدَ ذَلِكَ بَسَطْتُ يَدِي لَهُ، وَشَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَدَخَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ.
* * *
قَالَ الطُّفَيْلُ: ثُمَّ أَقَمْتُ فِي مَكَّةَ زَمَنًا تَعَلَّمْتُ فِيهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ وَحَفِظْتُ فِيهِ مَا تَيَسَّرَ لِي مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى قَوْمِي قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي عَشِيرَتِي، وَأَنَا رَاجِعْ إِلَيْهِمْ وَدَاعِيهِمْ إِلَى الْإِسْلَام، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا فِيمَا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً). فَخَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي مَوْضِعٍ مُشْرِفٍ عَلَى مَنَازِلِهِمْ؛ وَقَعَ نُورٌ فِيمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ، فَقُلْتُ: الحواشي
(١) ثكلتك أُمُّك: فقدتك أُمُّك بالموت.стр. 27
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي غَيْرِ وَجْهِي، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا عُقُوبَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِمُفَارَقَةِ دِينِهِمْ … فَتَحَوَّلَ النُّورُ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي (١) ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ (٢) الْمُعَلَّقِ، وَأَنَا أَهْبِطُ إِلَيْهِمْ مِنَ الثَّنِيَّةِ (٣) فَلَمَّا نَزَلْتُ، أَتَانِي أَبِي - وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا - فَقُلْتُ:
إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَتِ، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي.
قَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟! … قُلْتُ:
لَقَدْ أَسْلَمْتُ، وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، دِينِي دِينُكَ، فَقُلْتُ:
اذْهَبْ وَاغْتَسِلْ وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عُلِّمْتُ.
فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ.
ثُمَّ جَاءَتْ زَوْجَتِي، فَقُلْتُ: إِلَيْكِ عَنِّي فَلَسْتُ مِنْكِ وَلَسْتِ مِنِّي.
قَالَتْ: وَلِمَ؟! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَقُلْتُ:
فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ الْإِسْلَامُ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ، وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ، قُلْتُ:
فَاذْهَبِي فَتَطَهَّرِي مِنْ مَاءٍ "ذِي الشَّرَى" (٤) .
فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَتَخْشَى عَلَى الصِّبْيَةِ شَيْئًا مِنْ "ذِي الشَّرَى"؟!، فَقُلْتُ: تَبًّا لَكِ وَلِذِي الشَّرَى … قُلْتُ لَكِ: اذْهَبِي وَاغْتَسِلِي هُنَاكَ بَعِيدًا عَنِ النَّاسِ، وَأَنَا ضَامِنٌ لَكِ أَلَّا يَفْعَلَ هَذَا الْحَجَرُ الْأَصَمُّ شَيْئًا. الحواشي
(١) السَّوْط: ما يضربُ به من جِلْدٍ مضفورٍ ونحوه.(٢) القنديل: المصباح.(٣) الثّنية: العَقَبة وهي الفرجة بين جبلين.(٤) ذُو الشِّرَى: صَنَمٌ لِدَوْسٍ حَوْلَهُ مَاءٌ يَهْبِطُ مِنَ الْجَبَلِ.стр. 28
فَذَهَبَتْ فَاغْتَسَلَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ؛ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ. ثُمَّ دَعَوْتُ "دَوْسًا" فَأَبْطَؤُوا (١) عَلَيَّ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ (٢) فَقَدْ كَانَ أَسْرَعَ النَّاسِ إِسْلَامًا.
* * *
قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَمَعِي أَبُو هُرَيْرَةَ …
فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﵊: (مَا وَرَاءَكَ يَا طُفَيْلُ؟).
فَقُلْتُ: قُلُوبٌ عَلَيْهَا أَكِنَّةٌ (٣) وَكُفْرٌ شَدِيدٌ …
لَقَدْ غَلَبَ عَلَى "دَوْسٍ" الْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ …
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ خِفْتُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى قَوْمِي فَيَهْلِكُوا.
فَقُلْتُ: وَاقَوْمَاهُ … لَكِنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ جَعَلَ يَقُولُ:
(اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا … اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا … اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا).
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الطُّفَيْلِ وَقَالَ:
(ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ وَارْفِقْ بِهِمْ وَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ).
* * *
قَالَ الطُّفَيْلُ: فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ "دَوْسٍ" أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَتْ بَدْرٌ، وَأُحُدٌ، وَالْخَنْدَقُ، فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي ثَمَانُونَ بَيْتًا مِنْ "دَوْسٍ" أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ؛ فَسُرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَسْهَمَ (٤) لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَنَائِمِ "خَيْبَرَ" (٥) فَقُلْنَا: الحواشي
(١) أبطؤوا علي: تأخروا ولم يسارعوا إلى إجابة الدّعوة.(٢) أبو هُرَيْرَة: انظره ص ٤٧٥.(٣) أكِنَّةٌ: ستور تمنعها من رؤية الْحَقِّ.(٤) أسهم لنا: أعطانا سهمًا.(٥) خَيْبَرَ: واحَةٌ في الحجاز كان يسكنها اليهودُ.стр. 29
يَا رَسُولَ اللَّهِ: اجْعَلْنَا مَيْمَنَتَكَ (١) فِي كُلِّ غَزْوَةٍ تَغْزُوهَا، وَاجْعَلْ شِعَارَنَا: "مَبْرُورٌ".
قَالَ الطُّفَيْلُ:
ثُمَّ لَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْنِي إِلَى "ذِي الْكَفَّيْنِ" صَنَم عَمْرِو بْنِ حَمَمَةَ حَتَّى أَحْرِقَهُ … فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊؛ فَسَارَ إِلَى الصَّنَمِ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ قَوْمِهِ.
فَلَمَّا بَلَغَهُ، وَهَمَّ بِإِحْرَاقِهِ اجْتَمَعَ حَوْلَهُ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ وَالْأَطْفَالُ يَتَرَبَّصُونَ (٢) بِهِ الشَّرَّ، ويَنْتَظِرُونَ أَنْ تَصْعَقَهُ صَاعِقَةٌ إِنْ هُوَ نَالَ "ذَا الْكَفَّيْنِ" بِضُرٍّ. لَكِنَّ الطُّفَيْلَ أَقْبَلَ عَلَى الصَّنَمِ عَلَى مَشْهَدٍ مِنْ عُبَّادِهِ … وَجَعَلَ يُضْرِمُ النَّارَ فِي فُؤَادِهِ … وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
يَا ذَا الْكَفَيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا
مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إِنِّي حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا
وَمَا إِنِ الْتَهَمَتِ النَّارُ الصَّنَمَ حَتَّى الْتَهَمَتْ مَعَهَا مَا تَبَقَّى مِنَ الشِّرْكِ فِي قَبِيلَةِ" دَوْسٍ"؛ فَأَسْلَمَ الْقَوْمُ جَمِيعًا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ.
* * *
ظَلَّ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ مُلَازِمًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ.
وَلَمَّا آلَتِ الْخِلَافَةُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى صَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ، وَضَعَ الطُّفَيْلُ نَفْسَهُ وَسَيْفَهُ وَوَلَدَهُ فِي طَاعَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الحواشي
(١) ميمنتك: جناح جيشك الأيمن.(٢) يتربصون به الشّر: ينتظرون أن يُصيبه الشَّرُّ.стр. 30
وَلَمَّا نَشِبَتْ حُرُوبُ الرِّدَّةِ نَفَر (١) الطُّفَيْلُ فِي طَلِيعَةِ جَيْش الْمُسْلِمِينَ لِحَرْبِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو … وَفِيمَا هُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى "الْيَمَامَةِ" رَأَى رُؤْيَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا فَعَبِّرُوهَا لِي.
فَقَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ؟.
قَالَ: رَأَيْتُ أَنَّ رَأْسِي قَدْ حُلِقَ، وَأَنَّ طَائِرًا خَرَجَ مِنْ فَمِي، وَأَنَّ امْرَأَةً أَدْخَلَتْنِي فِي بَطْنِهَا، وَأَنَّ ابْنِي عَمْرًا جَعَلَ يَطْلُبُنِي حَثِيثًا لَكِنَّهُ حِيلَ (٢) بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
فَقَالُوا: خَيْرًا …
فَقَالَ: أَمَّا أَنَا - وَاللَّهِ - لَقَدْ أَوَّلْتُهَا:
أَمَّا حَلْقُ رَأْسِي فَذَلِكَ أَنَّهُ يُقْطَعُ …
وَأَمَّا الطَّائِرُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَهُوَ رُوحِي …
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَدْخَلَتْنِي فِي بَطْنِهَا فَهِيَ الْأَرْضُ تُحْفَرُ لِي فَأُدْفَنُ فِي جَوْفِهَا … وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أُقْتَلَ شَهِيدًا …
وَأَمَّا طَلَبُ ابْنِي لِي فَهُوَ يَعْنِي أَنَّهُ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ الَّتِي سَأَحْظَى بِهَا - إِذَا أَذِنَ اللَّهُ - لَكِنَّهُ يُدْرِكُهَا فِيمَا بَعْدُ.
* * *
وَفِي مَعْرَكَةِ "الْيَمَامَةِ" أَبْلَى الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ أَعْظَمَ الْبَلَاءِ، حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ.
وَأَمَّا ابْنُهُ عَمْرُو فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى أَثْخَنَتْهُ (٣) الْجِرَاحُ وَقُطِعَتْ كَفُّهُ الْيُمْنَى الحواشي
(١) نَفَرَ: خرج للقتال.(٢) حِيلَ بيني وبينَه: وُضِعَ حائلٌ بيني وبينه فلم يدخل معي.(٣) أثخنته الجراح: أضعفته وأَوْهَنَت قواه.стр. 31
فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُخَلِّفًا عَلَى أَرْضِ "الْيَمَامَةِ" أَبَاهُ وَيَدَهُ.
* * *
وَفِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ، فَأُتِيَ لِلْفَارُوقِ بِطَعَامٍ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عِنْدَهُ، فَدَعَا الْقَوْمَ إِلَى طَعَامِهِ، فَتَنَحَّى عَمْرُو عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الْفَارُوقُ:
مَا لَكَ؟! … لَعَلَّكَ تَأَخَّرْتَ عَنِ الطَّعَامِ خَجَلًا مِنْ يَدِكَ.
قَالَ: أَجَلْ (١) يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَذُوقُ هَذَا الطَّعَامَ حَتَّى تَخْلِطَهُ بِيَدِكَ الْمَقْطُوعَةِ …
وَاللَّهِ مَا فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ بَعْضُهُ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْتَ، [يُرِيدُ بِذَلِكَ يَدَهُ].
* * *
ظَلَّ حُلُمُ الشَّهَادَةِ يَلُوحُ (٢) لِعَمْرٍو، مُنْذُ فَارَقَ أَبَاهُ، فَلَمَّا كَانَتْ مَعْرَكَةُ "الْيَرْمُوك" (٣) بَادَرَ إِلَيْهَا عَمْرُو مَعَ الْمُبَادِرِينَ، وَمَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى أَدْرَكَ الشَّهَادَةَ الَّتِي مَنَّاهُ بِهَا أَبُوهُ.
* * *
رَحِمَ اللَّهُ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ؛ فَهُوَ الشَّهِيدُ وَأَبُو الشَّهِيدِ (*). الحواشي
(١) أجل: نعم.(٢) يلوح: يتراءَى.(٣) معركة اليرموك: إحْدَى المعارك الفاصلة في التّاريخ وقعت في السنة الخامسة عشرة للهجرة وانتصر فيها المسلمون عَلَى الرُّوم نصرًا كبيرًا.
(*) للاستزادة من أخبار الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ انظر:
١ - الإصابة: ٢/ ٢٢٥ أو "الترجمة" ٤٢٥٤.
٢ - الاستيعاب "عَلَى هامش الإصابة": ٢/ ٢٣٠.
٣ - أسد الغابة: ٣/ ٥٤ - ٥٥.
٤ - صفة الصفوة: ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
٥ - سير أعلام النبلاء: ١/ ٢٤٨ - ٢٥٠.
٦ - مختصر تاريخ دمشق: ٧/ ٥٩ - ٦٤.
٧ - البداية والنهاية: ٦/ ٣٣٧.
٨ - شهداء الإسلام: ١٣٨ - ١٤٣.
٩ - سيرة بطل لمحمد زيدان نشرته الدّار السعودية عام ١٣٨٦ هـ.стр. 32
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ
"حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ بِذَلِكَ"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
بَطَلُ قِصَّتِنَا هَذِهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابِةِ يُدْعَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ.
لَقَدْ كَانَ فِي وُسْع التَّارِيخ أَنْ يَمُرَّ بِهَذَا الرَّجُلِ كَمَا مَرَّ بِمَلَابِينِ الْعَرَبِ مِنْ قَبْلِهِ دُونَ أَنْ يَأْبَهَ لَهُمْ، أَوْ يَخْطُرُوا لَهُ عَلَى بَالٍ.
لَكِنَّ الْإِسْلَامَ الْعَظِيمَ أَتَاحَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِي أَنْ يَلْقَى سَيِّدَي الدُّنْيَا فِي زَمَانِهِ: كِسْرَى مَلِكَ "الْفُرْسِ"، وَقَيْصَرَ عَظِيمَ "الرُّومِ" …
وَأَنْ تَكُونَ لَهُ مَعَ كُلِّ مِنْهُمَا قِصَّةٌ مَا تَزَالُ تَعِيهَا ذَاكِرَةُ الدَّهْرِ، وَيَرْوِيهَا لِسَانُ التَّارِيخ.
* * *
أَمَّا قِصَّتُهُ مَعَ كِسْرَى مَلِكِ "الْفُرْس" فَكَانَتْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ حِينَ عَزَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ بِكُتُبِ إِلَى مُلُوكِ الْأَعَاجِمِ يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَلَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُقَدِّرُ خُطُورَةَ هَذِهِ الْمُهِمَّة …
فَهَؤُلَاءِ الرُّسُلُ سَيَذْهَبُونَ إِلَى بِلَادٍ نَائِيَةٍ لَا عَهْدَ لَهُمْ بِهَا مِنْ قَبْلُ …
وَهُمْ يَجْهَلُونَ لُغَاتِ تِلْكَ الْبِلَادِ وَلَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا عَنْ أمْزِجَةِ مُلُوكِهَا …
ثُمَّ إِنَّهُمْ سَيَدْعُونَ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكَ إِلَى تَرْكِ أَدْيَانِهِمْ، وَمُفَارَقَةِ عِزِّهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ، وَالدُّخُولِ فِي دِينِ قَوْمٍ كَانُوا إِلَى الْأَمْسِ الْقَرِيبِ مِنْ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمْ … إِنَّهَا رِحْلَةٌ خَطِرَةٌ، الذَّاهِبُ فِيهَا مَفْقُودٌ، وَالْعَائِدُ مِنْهَا مَوْلُودٌ.
стр. 33
لِذَا جَمَعَ الرَّسُولُ ﵊ أَصْحَابَهُ، وَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ:
(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْضَكُمْ إِلَى مُلُوكِ الْأَعَاجِمِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ كَمَا اخْتَلَفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ).
فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نُؤَدِّي عَنْكَ مَا تُرِيدُ فَابْعَثْنَا حَيْثُ شِئْتَ.
* * *
انْتَدَبَ ﵊ سِتَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ لِيَحْمِلُوا كُتُبَهُ إِلَى مُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَكَانَ أَحَدَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَدِ اخْتِيرَ لِحَمْلِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى "كِسْرَى" مَلِكِ الْفُرْسِ".
* * *
جَهَّزَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ رَاحِلَتَهُ، وَوَدَّعَ صَاحِبَتَهُ (١) وَوَلَدَهُ، وَمَضَى إِلَى غَايَتِهِ تَرْفَعُهُ النِّجَادُ (٢) وَتَحُطُّهُ الْوِهَادُ (٣) ، وَحِيدًا فَرِيدًا لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى بَلَغَ دِيَارَ "فَارِسَ"، فَاسْتَأْذَنَ بِالدُّخُولِ عَلَى مَلِكِهَا، وَأَخْطَرَ الْحَاشِيَةَ (٤) بِالرِّسَالَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا لَهُ.
عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ "كِسْرَى" بِإِيوَانِهِ (٥) فَزُيِّنَ، وَدَعَا عُظَمَاءَ "فَارِسَ" لِحُضُورِ مَجْلِسِهِ فَحَضَرُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ.
* * *
دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ عَلَى سَيِّدِ "فَارِسَ" مُشْتَمِلًا شَمْلَتَهُ (٦) الرَّقِيقَةَ، مُرْتَدِيًا عَبَاءَتَهُ الصَّفِيقَةَ (٧) ، عَلَيْهِ بَسَاطَةُ الْأَعْرَابِ … الحواشي
(١) صاحبته: زوجته.(٢) النجاد: الأماكن العالية.(٣) الوهاد: الأماكن المنخفضة.(٤) حاشية الملك: أعوانه.(٥) الإيوان: القصر.(٦) الشّملة: كساء يلف عَلَى الجسم لفًا.(٧) الصفيقة: الغليظة النسج.стр. 34
لَكِنَّهُ كَانَ عَالِيَ الْهَامَةِ (١) ، مَشدُودَ الْقَامَةِ، تَتَأَجَّجُ بَيْنَ جَوانِحِهِ (٢) عِزَّةُ الْإِسْلَامِ، وَتَتَوَقَّدُ فِي فُؤَادِهِ كِبْرِيَاءُ الْإِيمَانِ.
فَمَا إِنْ رَآهُ "كِسْرَى" مُقْبِلًا حَتَّى أَوْمَأَ إِلَى أَحَدٍ رِجَالِهِ بِأَنْ يَأْخُذَ الْكِتَابَ مِنْ يَدِهِ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَدْفَعَهُ لَكَ يَدًا بِيَدٍ وَأَنَا لا أُخَالِفُ أَمْرًا لِرَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ "كِسْرَى" لِرِجَالِهِ: اتْرُكُوهُ يَدْنُو مِنِّي، فَدَنَا مِنْ "كِسْرَى" حَتَّى نَاوَلَهُ الْكِتَابَ بِيَدِهِ.
ثُمَّ دَعَا "كِسْرَى" كَاتِبًا عَرَبِيًّا مِنْ أَهْلِ "الْحِيرَةِ" (٣) ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَفُضَّ (٤) الْكِتَابَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْ يَقْرَأَهُ عَلَيْهِ فَإِذَا فِيهِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمٍ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) …
فَمَا إِنْ سَمِعَ "كِسْرَى" مِنَ الرِّسَالَةِ هَذَا الْمِقْدَارَ حَتَّى اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ فِي صَدْرِهِ؛ فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ (٥) لِأَنَّ الرَّسُولَ ﵊ بَدَأَ بِنَفْسِهِ … فَجَذَبَ الرِّسَالَةَ مِنْ يَدِ كَاتِبِهِ وَجَعَلَ يُمَزِّقُهَا دُونَ أَنْ يَعْلَمَ مَا فِيهَا وَهُوَ يَصِيحُ: أَيَكْتُبُ لِي بِهَذَا، وَهُوَ عَبْدِي؟!! …
ثُمَّ أَمَرَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأُخْرِجَ.
* * *
خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ مِنْ مَجْلِسِ "كِسْرَى"، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ اللهُ لَهُ … أَيُقْتَلُ أم يُتْرَكُ حُرًّا طَلِيقًا؟.
لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أُبَالِي عَلَى أَيِّ حَالٍ أَكُونُ بَعْدَ أَنْ أَدَّيْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ … وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَانْطَلَقَ. الحواشي
(١) الهامة: الهامة: الرّأس.(٢) الجوانح: الأضلاع.(٣) الجيزة: منطقة في العراق بين النَّجَفِ والْكُوفَة.(٤) فيض الكتاب: فتحه.(٥) الأوداج: جمع ودج، وهو عرق في العنق ينتفخ عند الغضب.стр. 35
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ "كِسْرَى" الْغَضَبُ، أَمَرَ بِأَنْ يُدْخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ؛ فَلَمْ يُوجَدْ … فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَقِفُوا لَهُ عَلَى أَثَرٍ … فَطَلَبُوهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَوَجَدُوهُ قَدْ سَبَقَ.
فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ "كِسْرَى" وَتَمْزِيقِهِ الْكِتَابَ، فَمَا زَادَ ﵊ عَلَى أَنْ قَالَ:
(مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ).
* * *
أَمَّا "كِسْرَى" فَقَدْ كَتَبَ إِلَى "بَاذَانَ" نَائِبِهِ عَلَى "الْيَمَنِ": أَنِ ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي ظَهَرَ بِالْحِجَازِ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ (١) مِنْ عِنْدِكَ، وَمُرْهُمَا أَنْ يَأْتِيَانِي بِهِ … فَبَعَثَ "بَاذَانُ" رَجُلَيْنِ مِنْ خِيرَةِ رِجَالِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحَمَّلَهُمَا رِسَالَةً لَهُ، يَأْمُرُهُ فِيهَا بِأَنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُمَا إِلَى لِقَاءِ "كِسْرَى" دُونَ إِبْطَاءٍ …
وَطَلَبَ إِلَى الرَّجُلَيْنِ أَنْ يَقِفَا عَلَى خَبَرِ النَّبِيِّ ﵊، وَأَنْ يَسْتَقْصِيَا أَمْرَهُ، وَأَنْ يَأْتِيَاهُ بِمَا يَقِفَانِ عَلَيْهِ مِنْ مَعْلُومَاتٍ.
* * *
خَرَجَ الرَّجُلَانِ يُغِذَّانِ السَّيْرَ (٢) حَتَّى بَلَغَا "الطَّائِفَ" فَوَجَدَا رِجَالًا تُجَّارًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَاهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵊، فَقَالُوا:
هُوَ فِي "يَثْرِبَ" … ثُمَّ مَضَى التُّجَّارُ إِلَى مَكَّةَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ، وَجَعَلُوا يُهَنِّئُونَ قُرَيْشًا وَيَقُولُونَ:
قَرُّوا عَيْنًا (٣) فَإِنَّ "كِسْرَى" تَصَدَّى لِمُحَمَّدٍ وَكَفَاكُمْ شَرَّهُ.
أَمَّا الرَّجُلانِ فَيَمَّمَا (٤) وَجْهَيْهِمَا شَطْرَ (٥) الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَاهَا لَقِيَا النَّبِيَّ الحواشي
(١) جلدين: قويين.(٢) يُغِذَّان السَّير: يواصلانه بسرعة.(٣) قروا عينًا: أي افرحوا واستبشروا.(٤) يَمَّما وجهيهما: اتَّجَها.(٥) شطر: ناحية.стр. 36
﵊، وَدَفَعَا إِلَيْهِ رِسَالَةَ "بَاذَانَ" وَقَالَا لَهُ: إِنَّ مَلِكَ الْمُلُوكِ "كِسْرَى" كَتَبَ إِلَى مَلِكِنَا "بَاذَانَ" أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِكَ … وَقَدْ أَتَيْنَاكَ لِتَنْطَلِقَ مَعَنَا إِلَيْهِ، فَإِنْ أَجَبْتَنَا كَلَّمْنَا "كِسْرَى" بِمَا يَنْفَعُكَ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ؛ فَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ سَطْوَتَهُ (١) وَبَطْشَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى إِهْلَاكِكَ وَإِهْلَاكِ قَوْمِكَ.
فَتَبَسَّمَ الرَّسُولُ ﵊ وَقَالَ لَهُمَا:
(ارْجِعَا إِلَى رِحَالِكُمَا الْيَوْمَ وَائْتِيَا غَدًا).
فَلَمَّا غَدَوَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، قَالَا لَهُ: هَلْ أَعْدَدْتَ نَفْسَكَ لِلْمُضِيِّ مَعَنَا إِلَى لِقَاءِ "كِسْرَى"؟.
فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : (لَنْ تَلْقِيَا "كِسْرَى" بَعْدَ الْيَوْم … فَلَقَدْ قَتَلَهُ اللَّهُ؛ حَيْثُ سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ "شِيرَوَيْهِ" فِي لَيْلَةِ كَذَا … مِنْ شَهْرٍ كَذَا مِنْ … ).
فَحَدَّقَا في وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبَدَتِ الدَّهْشَةُ عَلَى وَجْهَيْهِمَا، وَقَالَا:
أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟! … أَنَكْتُبُ بِذَلِكَ "لِبَاذَانَ"؟!.
قَالَ: (نَعَمْ، وَقُولَا لَهُ: إِنَّ دِينِي سَيَبْلُغُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مُلْكُ "كِسْرَى"، وَإِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ).
* * *
خَرَجَ الرَّجُلَانِ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقَدِمَا عَلَى "بَاذَانَ" وَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَهُوَ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَسَنَرَى فِيهِ رَأْيًا … فَلَمْ يَلبَثْ أَنْ قَدِمَ عَلَى "بَاذَانَ" كِتَابُ "شِيرَوَيْهِ" وَفِيهِ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ … فَقَدْ قَتَلْتُ "كِسْرَى"، وَلَمْ أَقْتُلْهُ إِلَّا انتِقَامًا لِقَوْمِنَا، فَقَدِ الحواشي
(١) سطوتَه: قوَّتَه وبأسَهُ.стр. 37
اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَشْرَافِهِمْ وَسَبْيَ نِسَائِهِمْ وَانْتِهَابَ أَمْوَالِهِمْ، فَإِذَا جَاءَكَ كتابي هَذَا
فَخُذْ لِي الطَّاعَةَ مِمَّنْ عِنْدَكَ.
فَمَا إِنْ قَرَأَ" بَاذَانُ" كِتَابَ "شِيرَوَيْهِ" حَتَّى طَرَحَهُ جَانِبًا وَأَعْلَنَ دُخُولَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ "الْفُرْسِ" فِي بِلَادِ "الْيَمَنِ".
* * *
هَذِهِ قِصَّةُ لِقَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ "لِكِسْرَى" مَلِكِ الْفُرْسِ.
فَمَا قِصَّةُ لِقَائِهِ "لِقَيْصَرَ" عَظِيمِ الرُّومِ؟.
لَقَدْ كَانَ لِقَاؤُهُ "لِقَيْصَرَ" فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَانَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ مِنْ رَوَائِعِ الْقِصَصِ …
فَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشًا لِحَرْبِ الرُّومِ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ … وَكَانَ "قَيْصَرُ" عَظِيمُ الرُّومِ قَدْ تَنَاهَتْ (١) إِلَيْهِ أَخْبَارُ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَتَحَلَّوْنَ (٢) بِهِ مِنْ صِدْقِ الْإِيمَانِ، وَرُسُوحَ الْعَقِيدَةِ، وَاسْتِرْخَاصِ النَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَأَمَرَ رِجَالَهُ - إِذَا ظَفِرُوا بِأَسِيرٍ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ - أَنْ يُبْقُوا عَلَيْهِ، وَأَنْ يَأْتُوهُ بِهِ حَيًّا … وَشَاءَ اللهُ أنْ يَقَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الرُّومِ؛ فَحَمَلُوهُ إِلَى مَلِيكِهِمْ وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ السَّابِقِينَ إِلَى دِينِهِ قَدْ وَقَعَ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا؛ فَأَتَيْنَاكَ بِهِ.
* * *
نَظَرَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ طَوِيلًا ثُمَّ بَادَرَهُ قَائِلًا:
إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَمْرًا.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟. الحواشي
(١) تناهَتْ إِليه: بلغته.(٢) يتحلَّون به: يتَّصِفون به.стр. 38
فَقَالَ: أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ …
فَإِنْ فَعَلْتَ؛ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ، وَأَكْرَمْتُ مَثْوَاكَ.
فَقَالَ الْأَسِيرُ فِي أَنَفَةٍ وَحَزْمٍ: هَيْهَاتَ …
إِنَّ الْمَوْتَ لأَحَبُّ إِلَيَّ أَلْفَ مَرَّةٍ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ.
فَقَالَ "قَيْصَرُ": إِنِّي لأَرَاكَ رَجُلًا شَهْمًا … فَإِنْ أَجَبْتَنِي إِلَى مَا أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمْرِي وَقَاسَمْتُكَ سُلْطَانِي.
فَتَبَسَّمَ الْأَسِيرُ الْمُكَبَّلُ (١) بِقِيُودِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكَ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ (٢) مَا فَعَلْتُ.
قَالَ: إِذَنْ أَقْتُلُكَ.
قَالَ: أَنْتَ وَمَا تُرِيدُ …
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِقَنَّاصَتِهِ - بِالرُّومِيَّةِ -: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ التَّنَصُّرَ فَأَبَى.
فَقَالَ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مُفَارَقَةً دِينِهِ فَأَبَى.
عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُنْزِلُوهُ عَنْ خَشَبَةِ الصَّلْبِ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرِ عَظِيمَةٍ فَصُبَّ فِيهَا الزَّيْتُ، وَرُفِعَتْ عَلَى النَّارِ حَتَّى غَلَتْ ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا أَنْ يُلْقَى فِيهَا فَأُلْقِي، فَإِذَا لَحْمُهُ يَتَفَتَّتُ … وَإِذَا عِظَامُهُ تَبْدُو عَارِيَةً … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَدَعَاهُ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَكَانَ أَشَدَّ إِبَاءً لَهَا مِنْ قَبْلُ.
فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ؛ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِي الْقِدْرِ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا صَاحِبَاهُ فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ رِجَالُ "قَيْصَرَ" لِمَلِكِهِمْ: إِنَّهُ قَدْ بَكَى … فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ الحواشي
(١) المكبَّل: المقيَّد.(٢) طرفة عين: بمقدارِ ما تَطْرِف العين.стр. 39
جَزِعَ، وَقَالَ: رُدُّوهُ إِلَيَّ … فَلَمَّا مَثْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَأَبَاهَا.
فَقَالَ: وَيْحَكَ، فَمَا الَّذِي أَبْكَاكَ إِذَنْ؟!
قَالَ: أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي: تُلْقَى الْآنَ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ، فَتَذْهَبُ نَفْسُكَ، وَقَدْ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ مَا فِي جَسَدِي مِنْ شَعْرٍ أَنْفُسٌ؛ فَتُلْقَى كُلُّهَا فِي هَذَا الْقِدْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَقَالَ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّي عَنْكَ؟.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَعَنْ جَمِيعِ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا؟.
قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا.
قَالَ عَبْدُ اللهِ:
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، أُقَبْلُ رَأْسَهُ فَيُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، لَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ عَلَيَّ.
ثُمَّ دَنَا مِنْهُ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ مَلِكُ الرُّومِ أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَدْفَعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَدُفِعُوا لَهُ.
* * *
قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ؛ فَسُرَّ بِهِ الْفَارُوقُ أَعْظَمَ السُّرُورِ، وَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْأَسْرَى قَالَ:
حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ …
وَأَنَا أَبْدَأُ بِذَلِكَ … ثُمَّ قَامَ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ (*) …
الحواشي
(١) (*) للاستزادة من أَخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ انظر:
١ - الإصابة: ٢/ ٢٩٦ أو "الترجمة" ٤٦٢٢.
٢ - السّيرة النّبوية لابن هشام "تحقيق السّقا": انظر الفهارس.
٣ - حياة الصّحابة لِمُحَمَّد يوسف الكاندهلوي: "انظر الفهارس في الجزء الرّابع".
٤ - تهذيب التهذيب: ٥/ ١٨٥.
٥ - إمتاع الأسماع: ١/ ٣٠٨، ٤٤٤.
٦ - حسن الصّحابة: ٣٠٥.
٧ - المحبر: ٧٧.
٨ - تاريخ الإسلام للذهبي: ٢/ ٨٨.стр. 40
عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ
"لَقَدْ غَدَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ أَبْنَائِي"
[عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]
عادَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ الْجُمَحِيُّ مِنْ "بَدْرٍ" نَاجِيًا بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ خَلَّفَ وَرَاءَهُ ابْنَهُ "وَهْبًا" أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ كَانَ عُمَيْرٌ يَخْشَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُونَ الْفَتَى بِجَرِيرَةِ (١) أَبِيهِ، وَأَنْ يَسُومُوهُ سُوءَ الْعَذَابِ جَزَاءَ مَا كَانَ يُنْزِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَذَى، وَلِقَاءَ مَا كَان يُلْحِقُ بِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّكَالِ (٢) .
* * *
وَفِي ذَاتِ ضُحًى تَوَجَّهَ عُمَيْرٌ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ وَالتَّبَرُّكِ بِأَصْنَامِهَا، فَوَجَدَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ (٣) جَالِسًا إِلَى جَانِبِ الْحِجْرِ (٤) ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: عِمْ صَبَاحًا (٥) يَا سَيِّدَ قُرَيْشٍ.
فَقَالَ صَفْوَانُ: عِمْ صَبَاحًا يَا أَبَا وَهْبٍ، إِجْلِسْ نَتَحَدَّثْ سَاعَةً؛ فَإِنَّمَا يُقَطَّعُ الْوَقْتُ بِالْحَدِيثِ.
فَجَلَسَ عُمَيْرٌ بِإِزَاءِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَطَفِقَ الرَّجُلَانِ يَتَذَاكَرَانِ "بَدْرًا"، وَمُصَابَهَا الْعَظِيمَ، وَيُعَدِّدَانِ الأَسْرَى الَّذِينَ وَقَعُوا فِي أَيْدِي مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، الحواشي
(١) بجريرة أبيه: بذنب أبيه.(٢) النَّكال: الضّررُ الشَّديدُ الذي يجعل المرء عِبْرَةً لِغَيْرِهِ.(٣) صَفْوان بن أُميَّة بن خلف الجمحي الْقُرَشِي: وكنيته أبو وهب أَسْلم بعد الفتح، وكان شهمًا جوادًا من أشراف قُرَيش وكان من المؤلفة قلوبهم، شهد معركة اليرموك ومات بمكة سنة ٤١ هـ.(٤) الحجر: أي حجر إسماعيل ﵇ من الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المدار بالبيت، وقد اقتصرت قُرَيْش في بنيان الكعبة عنه لنفاد المال الحلال في بيوتهم.(٥) عِمْ صَباحًا: تحية العرب في الجاهلية.следующие страницы →