← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﵊، وَدَفَعَا إِلَيْهِ رِسَالَةَ "بَاذَانَ" وَقَالَا لَهُ: إِنَّ مَلِكَ الْمُلُوكِ "كِسْرَى" كَتَبَ إِلَى مَلِكِنَا "بَاذَانَ" أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِكَ … وَقَدْ أَتَيْنَاكَ لِتَنْطَلِقَ مَعَنَا إِلَيْهِ، فَإِنْ أَجَبْتَنَا كَلَّمْنَا "كِسْرَى" بِمَا يَنْفَعُكَ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ؛ فَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ سَطْوَتَهُ (١) وَبَطْشَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى إِهْلَاكِكَ وَإِهْلَاكِ قَوْمِكَ. فَتَبَسَّمَ الرَّسُولُ ﵊ وَقَالَ لَهُمَا: (ارْجِعَا إِلَى رِحَالِكُمَا الْيَوْمَ وَائْتِيَا غَدًا). فَلَمَّا غَدَوَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، قَالَا لَهُ: هَلْ أَعْدَدْتَ نَفْسَكَ لِلْمُضِيِّ مَعَنَا إِلَى لِقَاءِ "كِسْرَى"؟. فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : (لَنْ تَلْقِيَا "كِسْرَى" بَعْدَ الْيَوْم … فَلَقَدْ قَتَلَهُ اللَّهُ؛ حَيْثُ سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ "شِيرَوَيْهِ" فِي لَيْلَةِ كَذَا … مِنْ شَهْرٍ كَذَا مِنْ … ). فَحَدَّقَا في وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبَدَتِ الدَّهْشَةُ عَلَى وَجْهَيْهِمَا، وَقَالَا: أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟! … أَنَكْتُبُ بِذَلِكَ "لِبَاذَانَ"؟!. قَالَ: (نَعَمْ، وَقُولَا لَهُ: إِنَّ دِينِي سَيَبْلُغُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مُلْكُ "كِسْرَى"، وَإِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ). * * * خَرَجَ الرَّجُلَانِ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقَدِمَا عَلَى "بَاذَانَ" وَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَهُوَ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَسَنَرَى فِيهِ رَأْيًا … فَلَمْ يَلبَثْ أَنْ قَدِمَ عَلَى "بَاذَانَ" كِتَابُ "شِيرَوَيْهِ" وَفِيهِ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ … فَقَدْ قَتَلْتُ "كِسْرَى"، وَلَمْ أَقْتُلْهُ إِلَّا انتِقَامًا لِقَوْمِنَا، فَقَدِ

стр. 37

اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَشْرَافِهِمْ وَسَبْيَ نِسَائِهِمْ وَانْتِهَابَ أَمْوَالِهِمْ، فَإِذَا جَاءَكَ كتابي هَذَا فَخُذْ لِي الطَّاعَةَ مِمَّنْ عِنْدَكَ. فَمَا إِنْ قَرَأَ" بَاذَانُ" كِتَابَ "شِيرَوَيْهِ" حَتَّى طَرَحَهُ جَانِبًا وَأَعْلَنَ دُخُولَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ "الْفُرْسِ" فِي بِلَادِ "الْيَمَنِ". * * * هَذِهِ قِصَّةُ لِقَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ "لِكِسْرَى" مَلِكِ الْفُرْسِ. فَمَا قِصَّةُ لِقَائِهِ "لِقَيْصَرَ" عَظِيمِ الرُّومِ؟. لَقَدْ كَانَ لِقَاؤُهُ "لِقَيْصَرَ" فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَانَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ مِنْ رَوَائِعِ الْقِصَصِ … فَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشًا لِحَرْبِ الرُّومِ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ … وَكَانَ "قَيْصَرُ" عَظِيمُ الرُّومِ قَدْ تَنَاهَتْ (١) إِلَيْهِ أَخْبَارُ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَتَحَلَّوْنَ (٢) بِهِ مِنْ صِدْقِ الْإِيمَانِ، وَرُسُوحَ الْعَقِيدَةِ، وَاسْتِرْخَاصِ النَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَأَمَرَ رِجَالَهُ - إِذَا ظَفِرُوا بِأَسِيرٍ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ - أَنْ يُبْقُوا عَلَيْهِ، وَأَنْ يَأْتُوهُ بِهِ حَيًّا … وَشَاءَ اللهُ أنْ يَقَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الرُّومِ؛ فَحَمَلُوهُ إِلَى مَلِيكِهِمْ وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ السَّابِقِينَ إِلَى دِينِهِ قَدْ وَقَعَ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا؛ فَأَتَيْنَاكَ بِهِ. * * * نَظَرَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ طَوِيلًا ثُمَّ بَادَرَهُ قَائِلًا: إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَمْرًا. قَالَ: وَمَا هُوَ؟.

стр. 38

فَقَالَ: أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ … فَإِنْ فَعَلْتَ؛ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ، وَأَكْرَمْتُ مَثْوَاكَ. فَقَالَ الْأَسِيرُ فِي أَنَفَةٍ وَحَزْمٍ: هَيْهَاتَ … إِنَّ الْمَوْتَ لأَحَبُّ إِلَيَّ أَلْفَ مَرَّةٍ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. فَقَالَ "قَيْصَرُ": إِنِّي لأَرَاكَ رَجُلًا شَهْمًا … فَإِنْ أَجَبْتَنِي إِلَى مَا أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمْرِي وَقَاسَمْتُكَ سُلْطَانِي. فَتَبَسَّمَ الْأَسِيرُ الْمُكَبَّلُ (١) بِقِيُودِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكَ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ (٢) مَا فَعَلْتُ. قَالَ: إِذَنْ أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَمَا تُرِيدُ … ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِقَنَّاصَتِهِ - بِالرُّومِيَّةِ -: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ التَّنَصُّرَ فَأَبَى. فَقَالَ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مُفَارَقَةً دِينِهِ فَأَبَى. عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُنْزِلُوهُ عَنْ خَشَبَةِ الصَّلْبِ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرِ عَظِيمَةٍ فَصُبَّ فِيهَا الزَّيْتُ، وَرُفِعَتْ عَلَى النَّارِ حَتَّى غَلَتْ ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا أَنْ يُلْقَى فِيهَا فَأُلْقِي، فَإِذَا لَحْمُهُ يَتَفَتَّتُ … وَإِذَا عِظَامُهُ تَبْدُو عَارِيَةً … ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَدَعَاهُ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَكَانَ أَشَدَّ إِبَاءً لَهَا مِنْ قَبْلُ. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ؛ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِي الْقِدْرِ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا صَاحِبَاهُ فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ رِجَالُ "قَيْصَرَ" لِمَلِكِهِمْ: إِنَّهُ قَدْ بَكَى … فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ

стр. 39

جَزِعَ، وَقَالَ: رُدُّوهُ إِلَيَّ … فَلَمَّا مَثْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَأَبَاهَا. فَقَالَ: وَيْحَكَ، فَمَا الَّذِي أَبْكَاكَ إِذَنْ؟! قَالَ: أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي: تُلْقَى الْآنَ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ، فَتَذْهَبُ نَفْسُكَ، وَقَدْ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ مَا فِي جَسَدِي مِنْ شَعْرٍ أَنْفُسٌ؛ فَتُلْقَى كُلُّهَا فِي هَذَا الْقِدْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّي عَنْكَ؟. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَعَنْ جَمِيعِ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا؟. قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، أُقَبْلُ رَأْسَهُ فَيُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، لَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ عَلَيَّ. ثُمَّ دَنَا مِنْهُ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ مَلِكُ الرُّومِ أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَدْفَعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَدُفِعُوا لَهُ. * * * قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ؛ فَسُرَّ بِهِ الْفَارُوقُ أَعْظَمَ السُّرُورِ، وَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْأَسْرَى قَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ … وَأَنَا أَبْدَأُ بِذَلِكَ … ثُمَّ قَامَ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ (*) …

стр. 40

عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ "لَقَدْ غَدَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ أَبْنَائِي" [عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] عادَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ الْجُمَحِيُّ مِنْ "بَدْرٍ" نَاجِيًا بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ خَلَّفَ وَرَاءَهُ ابْنَهُ "وَهْبًا" أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ كَانَ عُمَيْرٌ يَخْشَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُونَ الْفَتَى بِجَرِيرَةِ (١) أَبِيهِ، وَأَنْ يَسُومُوهُ سُوءَ الْعَذَابِ جَزَاءَ مَا كَانَ يُنْزِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَذَى، وَلِقَاءَ مَا كَان يُلْحِقُ بِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّكَالِ (٢). * * * وَفِي ذَاتِ ضُحًى تَوَجَّهَ عُمَيْرٌ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ وَالتَّبَرُّكِ بِأَصْنَامِهَا، فَوَجَدَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ (٣) جَالِسًا إِلَى جَانِبِ الْحِجْرِ (٤)، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: عِمْ صَبَاحًا (٥) يَا سَيِّدَ قُرَيْشٍ. فَقَالَ صَفْوَانُ: عِمْ صَبَاحًا يَا أَبَا وَهْبٍ، إِجْلِسْ نَتَحَدَّثْ سَاعَةً؛ فَإِنَّمَا يُقَطَّعُ الْوَقْتُ بِالْحَدِيثِ. فَجَلَسَ عُمَيْرٌ بِإِزَاءِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَطَفِقَ الرَّجُلَانِ يَتَذَاكَرَانِ "بَدْرًا"، وَمُصَابَهَا الْعَظِيمَ، وَيُعَدِّدَانِ الأَسْرَى الَّذِينَ وَقَعُوا فِي أَيْدِي مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ،

стр. 41

وَيَتَفَجَّعَانِ (١) عَلَى عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قَتَلَتْهُمْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ وَغَيَّبَهُمُ "الْقَلِيبُ" (٢) فِي أَعْمَاقِهِ … فَتَنَهَّدَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَقَالَ: لَيْسَ - وَاللَّهِ - فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ بَعْدَهُمْ. فَقَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ … ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا، وَقَالَ: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَوْلَا دُيُونٌ عَلَيَّ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَقْضِيهَا بِهِ، وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمُ الضَّيَاعَ مِنْ بَعْدِي، لَمَضَيْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَقَتَلْتُهُ، وَحَسَمْتُ أَمْرَهُ، وَكَفَفْتُ شَرَّهُ … ثُمَّ أَتْبَعَ يَقُولُ بِصَوْتٍ خَافِةٍ: وَإِنَّ فِي وُجُودِ ابْنِي وَهْبٍ لَدَيْهِمْ مَا يَجْعَلُ ذَهَابِي إِلَى "يَثْرِبَ" أَمْرًا لَا يُثِيرُ الشُّبُهَاتِ. * * * اغْتَنَمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ كَلَامَ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُفَوِّتَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقَالَ: يَا عُمَيْرُ، اجْعَلْ دَيْنَكَ كُلَّهُ عَلَيَّ، فَأَنَا أَقْضِيهِ عَنْكَ مَهُمَا بَلَغَ … وَأَمَّا عِيَالُكَ فَسَأَضُمَّهُمْ إِلَى عِيَالِي مَا امْتَدَّتْ بِي وَبِهِمُ الْحَيَاةُ … وَإِنَّ فِي مَالِي مِنَ الْكَثْرَةِ مَا يَسَعُهُمْ جَمِيعًا، وَيَكْفُلُ لَهُمُ الْعَيْشَ الرَّغِيدَ. فَقَالَ عُمَيْرٌ: إِذَنْ، اكْتُمْ حَدِيثَنَا هَذَا وَلَا تُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا. فَقَالَ صَفْوَانُ: لَكَ ذَلِكَ. * * * قامَ عُمَيْرٌ مِنَ الْمَسْجِدِ وَنِيرَانُ الْحِقْدِ تَتَأَجَّجُ (٣) فِي فُؤَادِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَطَفِقَ يُعِدُّ الْعُدَّةَ لإِنْفَاذِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَخْشَى ارْتِيَابَ أَحَدٍ فِي سَفَرِهِ؛ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَوِي الْأَسْرَى مِنَ الْقُرَشِيِّينَ كَانُوا يَتَرَدَّدُونَ عَلَى "يَثْرِبَ" سَعْيًا وَرَاءَ افْتِدَاءِ أَسْرَاهُمْ. * * *

стр. 42

أَمَرَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ بِسَيْفِهِ فَشُحِذَ وَسُقِيَ سُمًّا … وَدَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَأُعِدَّتْ وَقُدِّمَتْ لَهُ؛ فَامْتَطَى مَتْنَهَا (١) … وَيَمَّمَ وَجَهَهُ شَطْرَ الْمَدِينَةِ، وَمِلْءُ بُرْدَيْهِ الضَّعِينَةُ (٢) وَالشَّرُّ. بَلَغَ عُمَيْرٌ الْمَدِينَةَ وَمَضَى نَحْوَ الْمَسْجِدِ يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا غَدَا قَرِيبًا مِنْ بَابِهِ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَنَزَلَ عَنْهَا. * * * كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذْ ذَاكَ - جَالِسًا مَعَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَرِيبًا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، يَتَذَاكَرُونَ "بَدْرًا وَمَا خَلَّفَتْهُ وَرَاءَهَا مِنْ أَسْرَى قُرَيْشٍ وَقَتْلَاهُمْ، وَيَسْتَعِيدُونَ صُوَرَ بُطُولَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ، وَمَا أَرَاهُمْ فِي عَدُوِّهِمْ مِنَ النِّكَايَةِ (٣) وَالْخِذْلانِ … فَحَانَتْ مِنْ عُمَرَ الْتِفَاتَةٌ؛ فَرَأَى عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَيَمْضِي نَحْوَ الْمَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا (٤) سَيْفَهُ، فَهَبَّ مَذْعُورًا وَقَالَ: هَذَا الْكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ … وَاللَّهِ مَا جَاءَ إِلَّا لِشَرٍّ، لَقَدْ أَلَّبَ (٥) الْمُشْرِكِينَ عَلَيْنَا فِي مَكَّةَ، وَكَانَ عَيْنًا (٦) لَهُمْ عَلَيْنَا قُبَيْلَ "بَدْرٍ" … ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: امْضُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكُونُوا حَوْلَهُ، وَاحْذَرُوا أَنْ يَغْدُرَ بهِ هَذَا الْخَبِيثُ الْمَاكِرُ. ثُمَّ بَادَرَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ جَاءَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا يُرِيدُ شَرًّا. فَقَالَ ﵇: (أَدْخِلْهُ عَلَيَّ).

стр. 43

فَأَقْبَلَ الْفَارُوقُ عَلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ وَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ (١)، وَطَوَّقَ عُنُقَهُ بِحِمَالَةِ (٢) سَيْفِهِ، وَمَضَى بِهِ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؛ قَالَ لِعُمَرَ: (أَطْلِقْهُ يَا عُمَرُ، فَأَطْلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (اسْتَأْخِرْ عَنْهُ)، فَتَأَخَّرَ عَنْهُ. ثُمَّ تَوَجَّهَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ وَقَالَ: (ادْنُ يَا عُمَيْرُ)، فَدَنَا وَقَالَ: أَنْعِمْ صَبَاحًا [وَهِيَ تَحِيَّةُ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ]. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِتَحِيَّةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتِكَ يَا عُمَيْرُ … لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالسَّلَامِ، وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ). فَقَالَ عُمَيْرٌ: وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِبَعِيدٍ عَنْ تَحِيَّتِنَا، وَإِنَّكَ بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﵊: (وَمَا الَّذِي جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟!). قَالَ: جِئْتُ أَرْجُو فَكَاكَ هَذَا الْأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ، فَأَحْسِنُوا إِلَيَّ فِيهِ. قَالَ: (فَمَا بَالُ (٣) السَّيْفِ الَّذِي فِي عُنُقِكَ؟!). قَالَ عُمَيْرٌ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ … وَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا يَوْمَ بَدْرٍ"؟!!. قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : (اُصْدُقْنِي، مَا الَّذِي جِئْتَ لَهُ يَا عُمَيْرُ؟). قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَاكَ. قَالَ ﵇: (بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عِنْدَ الْحِجْرِ، فَتَذَاكَرْتُمَا أَصْحَابَ "الْقَلِيبِ" مِنْ صَرْعَى قُرَيْشٍ ثُمَّ قُلْتَ: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ

стр. 44

وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّدًا … فَتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ دَيْنَكَ وَعِيَالَكَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي … وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ). فَذَهِلَ عُمَيْرٌ لَحْظَةً، ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ أَرْدَفَ (١) يَقُولُ: لَقَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتَ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنَ الْوَحْيِ، لَكِنَّ خَبَرِي مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ لَمْ يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا أَنَا وَهُوَ … وَوَاللَّهِ لَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنَّهُ مَا أَتَاكَ بِهِ إِلَّا اللَّهُ … فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَاقَنِي إِلَيْكَ سَوْقًا، لِيَهْدِيَنِي إِلَى الْإِسْلَامِ … ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَسْلَمَ. فَقَالَ ﵊ لِأَصْحَابِهِ: (فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ، وَعَلِّمُوهُ الْقُرْآنَ، وَأَطْلِقُوا أَسِيرَهُ). * * * فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ أَشَدَّ الْفَرَحِ؛ حَتَّى إِنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَخِنْزِيرٌ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الْيَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ أَبْنَائِي. * * * وَفِيمَا كَانَ عُمَيْرٌ يُزَكِّي (٢) نَفْسَهُ بِتَعَالِيمِ الْإِسْلَامِ، وَيُشْرِعُ (٣) فُؤَادَهُ بِنُورِ الْقُرْآنِ، وَيَحْيَا أَرْوَعَ أَيَّامٍ حَيَاتِهِ وَأَغْنَاهَا، مِمَّا أَنْسَاهُ مَكَّةَ وَمَنْ فِي مَكَّةَ. كَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يُمَنِّي نَفْسَهُ الْأَمَانِيَّ، وَيَمُرُّ بِأَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا بِنَبَإٍ عَظِيمٍ يَأْتِيكُمْ قَرِيبًا فَيُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ "بَدْرٍ". * * * ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا طَالَ الاِنْتِظَارُ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَخَذَ الْقَلَقُ يَتَسَرَّبُ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى غَدَا يَتَقَلَّبُ عَلَى أَحَرَّ مِنَ الْجَمْرِ، وَطَفِقَ يُسَائِلُ الرُّكْبَانَ

стр. 45

عَنْ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ فَلَا يَجِدُ عِنْدَ أَحَدٍ جَوَابًا يَشْفِيهِ … إِلَى أَنْ جَاءَهُ رَاكِبٌ فَقَالَ: إِنَّ عُمَيْرًا قَدْ أَسْلَمَ … فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ نُزُولَ الصَّاعِقَةِ … إِذْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ لَا يُسْلِمُ وَلَوْ أَسْلَمَ جَمِيعُ مَنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ. * * * أَمَّا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ فَإِنَّهُ مَا كَادَ يَتَفَقَّهُ فِي دِينِهِ، وَيَحْفَظُ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ كَلَامِ رَبِّهِ، حَتَّى جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ غَبَرَ (١) عَلَيَّ زَمَانٌ وَأَنَا دَائِبٌ عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، شَدِيدُ الْأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي بِأَنْ أَقْدَمَ عَلَى مَكَّةَ لِأَدْعُوَ قُرَيْشًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنْ قَبِلُوا مِنِّي فَنِعْمَ مَا فَعَلُوا، وَإِنْ أَعْرَضُوا عَنِّي آذَيْتُهُمْ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْتُ أُوذِي أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَذِنَ لَهُ الرَّسُولُ ﵊، فَوَافَى (٢) مَكَّةَ، وَأَتَى بَيْتَ صَفْوَانَ بْن أُمَيَّةَ وَقَالَ: يَا صَفْوَانُ، إِنَّكَ لَسَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ مَكَّةَ، وَعَاقِلٌ مِنْ عُقَلَاءِ قُرَيْشٍ، أَفَتَرَى أَنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَالذَّبْحِ لَهَا يَصِحُّ فِي الْعَقْل أَنْ يَكُونَ دِينًا؟! … أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. * * * ثُمَّ طَفِقَ عُمَيْرٌ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ فِي مَكَّةَ، حَتَّى أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَجْزَلَ اللَّهُ مَثُوبَةَ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ، وَنَوَّرَ لَهُ فِي قَبْرِهِ (*).

стр. 46

البَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ "لَا تُوَلُّوا الْبَرَاءَ جَيْشًا مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ مَخَافَةَ أَنْ يُهْلِكَ جُنْدَهُ بِإِقْدَامِهِ" [عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] كَانَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ (١) ضَئِيلَ الْجِسْمِ مَعْرُوقَ (٢) الْعَظْمِ تَفْتَحِمُهُ (٣) عَيْنُ رَائِيهِ ثُمَّ تَزْوَرُّ (٤) عَنْهُ ازْوِرَارًا. وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ، قَتَلَ مِائَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُبَارَزَةً وَحْدَهُ، عَدَا عَنِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ فِي غِمَارِ الْمَعَارِكِ مَعَ الْمُحَارِبِينَ. إِنَّهُ الْكَمِيُّ الْبَاسِلُ الْمِقْدَامُ الَّذِي كَتَبَ الْفَارُوقُ بِشَأْنِهِ إِلَى عُمَّالِهِ فِي الْآفَاقِ: أَلَّا يُوَلُّوهُ عَلَى جَيْشٍ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِإِقْدَامِهِ. إِنَّهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكِ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (٥) خَادِمٍ رَسُولِ الله ﷺ . وَلَوْ رُحْتُ أَسْتَقْصِي لَكَ أَخْبَارَ بُطُولَاتِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ، لَطَالَ الْكَلَامُ وَضَاقَ الْمَقَامُ؛ لِذَا رَأَيْتُ أَنْ أَعْرِضَ لَكَ قِصَّةً وَاحِدَةً مِنْ قِصَصِ بُطُولَاتِهِ، وَهْيَ تُنْبِيكَ (٦) عَمَّا عَدَاهَا. * * * تَبْدَأُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُنْذُ السَّاعَاتِ الْأُولَى لِوَفَاةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَالْتِحَاقِهِ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، حَيْثُ طَفِقَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ تَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، كَمَا

стр. 47

دَخَلَتْ فِي هَذَا الدِّينِ أَفْوَاجًا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى الْإِسْلَام، إِلَّا أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَجَمَاعَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ هُنَا وَهُنَاكَ مِمَّنْ ثَبَّتَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ. * * * صَمَدَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لِهَذِهِ الْفِتْنَةِ الْمُدَمِّرَةِ الْعَمْيَاءِ، صُمُودَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، وَجَهَّزَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَحَدَ عَشَرَ جَيْشًا، وَعَقَدَ لِقَادَةِ هَذِهِ الْجُيُوشِ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً، وَدَفَعَ بِهِمْ فِي أَرْجَاءِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِيُعِيدُوا الْمُرْتَدِّينَ إِلَى سَبِيلِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلِيَحْمِلُوا الْمُنْحَرِفِينَ عَلَى الْجَادَّةِ (١) بحَدِّ السَّيْفِ. وَكَانَ أَقْوَى الْمُرْتَدِّينَ بَأْسًا وَأَكْثَرَهُمْ عَدَدًا؛ بَنُو "حَنِيفَة" أَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ لِمُسَيْلِمَةَ مِنْ قَوْمِهِ وَحُلَفَائِهِمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ أَشِدَّاءِ الْمُحَارِبِينَ. وَكَانَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ قَدِ اتَّبَعُوهُ عَصَبِيَّةً (٢) لَهُ، لَا إِيمَانًا بِهِ، فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ كَذَّابٌ، وَمُحَمَّدًا صَادِقٌ … لَكِنَّ كَذَّابَ رَبِيعَةَ (٣) أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ صَادِقِ مُضَرَ (٤). * * * هَزَمَ مُسَيْلِمَةُ أَوَّلَ جَيْشٍ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ (٥) وَرَدَّهُ عَلَى أَعْقَابِهِ. فَأَرْسَلَ لَهُ الصِّدِّيقُ جَيْشًا ثَانِيًا بِقِيَادَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَشَدَ فِيهِ وُجُوهَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَنَفَرٌ مِنْ كُمَاةِ الْمُسْلِمِينَ. * * *

стр. 48

الْتَقَى الْجَيْشَانِ عَلَى أَرْضِ "الْيَمَامَةِ" فِي نَجْدٍ"، فَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ، حَتَّى رَجَحَتْ كَفَّةُ مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَفِقُوا يَتَرَاجَعُونَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ، حَتَّى اقْتَحَمَ أَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ فُسْطَاطَ (١) خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَاقْتَلَعُوهُ مِنْ أُصُولِهِ، وَكَادُوا يَقْتُلُونَ زَوْجَتَهُ لَوْلَا أَنْ أَجَارَهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ. عِنْدَ ذَلِكَ شَعَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَطَرِ الدَّاهِم (٢)، وَأَدْرَكُوا أَنَّهُمْ إِنْ يُهْزَمُوا أَمَامَ مُسَيْلِمَةَ فَلَنْ تَقُومَ لِلْإِسْلَامِ قَائِمَةٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَلَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ في جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَهَبَّ خَالِدٌ إِلَى جَيْشِهِ، فَأَعَادَ تَنْظِيمَهُ، حَيْثُ مَيَّزَ الْمُهَاجِرِينَ عَنِ الْأَنْصَارِ، وَمَيَّزَ أَبْنَاءَ الْبَوَادِي عَنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. وَجَمَعَ أَبْنَاءَ كُلِّ أَبٍ تَحْتَ رَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِيُعْرَفَ بَلَاءُ كُلِّ فَرِيقٍ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَلِيُعْلَمَ مِنْ أَيْنَ يُؤْتَى (٣) الْمُسْلِمُونَ. * * * وَدَارَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسٍ (٤) لَمْ تَعْرِفُ حُرُوبُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا نَظِيرًا مِنْ قَبْلُ، وَثَبَتَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى ثَبَاتَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ وَلَمْ يَأْبَهُوا (٥) لِكَثْرَةِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ … وَأَبْدَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ خَوَارِقِ الْبُطُولَاتِ مَا لَوْ جُمِعَ لَكَانَ مَلْحَمَةً (٦) مِنْ رَوَائِعِ الْمَلَاحِم. فَهَذَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ (٧) حَامِلُ لِوَاءِ الْأَنْصَارِ يَتَحَنَّطُ وَيَتَكَفَّنُ وَيَحْفِرُ لِنَفْسِهِ حُفْرَةً فِي الأَرْضِ، فَيَنْزِلُ فِيهَا إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَيَبْقَى ثَابِتًا فِي مَوْقِقِهِ، يُجَالِدُ عَنْ رَايَةِ قَوْمِهِ حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا.

стр. 49

وَهَذَا زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخُو عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ يُنَادِي فِي الْمُسْلِمِينَ: أَيُّهَا النَّاسُ عَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ وَامْضُوا قُدُمًا … أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ بَعْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَبَدًا حَتَّى يُهْزَمَ مُسَيْلِمَةُ أَوْ أَلْقَى اللَّهَ، فَأُدْلِيَ إِلَيْهِ بِحُجَّتِي … ثُمَّ كَرَّ عَلَى الْقَوْم فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ. وَهَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ (١) يَحْمِلُ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ؛ فَيَخْشَى عَلَيْهِ قَوْمُهُ أَنْ يَضْعُفَ أَوْ يَتَزَعْزَعَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا لَنَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ أُتِيتُمْ مِنْ قِبَلِي فَبِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَكُونُ … ثُمَّ كَرَّ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ كَرَّةً بَاسِلَةً، حَتَّى أُصِيبَ. وَلَكِنَّ بُطُولَاتِ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا تَتَضَاءَلُ أَمَامَ بُطُولَةِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. ذَلِكَ أَنَّ خَالِدًا حِينَ رَأَى وَطِيسَ (٢) الْمَعْرَكَةِ يَحْمَى وَيَشْتَدُّ، الْتَفَتَ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ: إِلَيْهِمْ يَا فَتَى الأَنْصَارِ … فَالْتَفَتَ الْبَرَاءُ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَا يُفَكِّرَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَلَا مَدِينَةَ لَكُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ … وَإِنَّمَا هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ … ثُمَّ الْجَنَّةُ … ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَحَمَلُوا مَعَهُ، وَانْبَرَى يَشُقُّ الصُّفُوفَ، وَيُعْمِلُ السَّيْفَ فِي رِقَابِ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَتَّى زُلْزِلَتْ أَقْدَامُ مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَلَجَأُوا إِلَى الْحَدِيقَةِ الَّتِي عُرِفَتْ فِي التَّارِيخِ بَعْدَ ذَلِكَ بِاسْمِ "حَدِيقَةِ الْمَوْتِ"؛ لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ فِيهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْم. * * *

стр. 50

كَانَتْ "حَدِيقَةُ الْمَوْتِ" هَذِهِ رَحْبَةَ الْأَرْجَاءِ سَامِقَةَ (١) الْجُدْرَانِ، فَأَغْلَقَ مُسَيْلِمَةُ وَالْآلَافُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنْ جُنْدِهِ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَهَا، وَتَحَصَّنُوا بِعَالِي جُدْرَانِهَا، وَجَعَلُوا يُمْطِرُونَ الْمُسْلِمِينَ بِنِبَالِهِمْ مِنْ دَاخِلِهَا فَتَتَسَاقَطُ عَلَيْهِمْ تَسَاقُطَ الْمَطَرِ. عِنْدَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ مِغْوَارُ الْمُسْلِمِينَ الْبَاسِلُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ وَقَالَ: يَا قَوْمُ، ضَعُونِي عَلَى تُرْسٍ، وَارْفَعُوا التُّرْسَ عَلَى الرِّمَاحِ، ثُمَّ اقْذِفُونِي إِلَى الْحَدِيقَةِ قَرِيبًا مِنْ بَابِهَا، فَإِمَّا أَنْ أُسْتَشْهَدَ، وَإِمَّا أَنْ أَفْتَحَ لَكُمُ الْبَابَ. * * * وَفِي لَمْحِ الْبَصَرِ جَلَسَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكِ عَلَى تُرْس؛ فَقَدْ كَانَ ضَئِيلَ الْجِسْمِ نَحِيلَهُ، وَرَفَعَتْهُ عَشَرَاتُ الرِّمَاحِ فَأَلْقَتْهُ فِي "حَدِيقَةِ الْمَوْتِ" بَيْنَ الْآلَافِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ جُنْدِ مُسَيْلِمَةَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ نُزُولَ الصَّاعِقَةِ، وَمَا زَالَ يُجَالِدُهُمْ أَمَامَ بَابِ الْحَدِيقَةِ، وَيُعْمِلُ فِي رِقَابِهِمُ السَّيْفَ حَتَّى قَتَلَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ وَفَتَحَ الْبَابَ، وَبِهِ بِضْعٌ (٢) وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً مِنْ بَيْنِ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ أَوْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ … فَتَدَفَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى "حَدِيقَةِ الْمَوْتِ"، مِنْ حِيطَانِهَا وَأَبْوَابِهَا وَأَعْمَلُوا السُّيُوفَ فِي رِقَابِ الْمُرْتَدِّينَ اللَّائِذِينَ (٣) بِجُدْرَانِهَا، حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا وَوَصَلُوا إِلَى مُسَيْلِمَةً فَأَرْدَوْهُ صَرِيعًا. * * * حُمِلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكِ إِلَى رَحْلِهِ لِيُدَاوَى فِيهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ شَهْرًا يُعَالِجُهُ مِنْ جِرَاحِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالشِّفَاءِ، وَكَتَبَ لِجُنْدِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى يَدَيْهِ النَّصْرَ. * * * ظَلَّ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكِ الْأَنْصَارِيُّ يَتُوقُ إِلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي فَاتَتْهُ يَوْمَ "حَدِيقَةِ الْمَوْتِ" …

стр. 51

وَطَفِقَ يَخُوضُ الْمَعَارِكَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى شَوْقًا إِلَى تَحْقِيقِ أُمْنِيَتِهِ الْكُبْرَى، وَحَنِينًا إِلَى اللِّحَاقِ بِنَبِيَّهِ الْكَرِيم ﷺ ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ فَتْحِ "تُسْتَر" (١) مِنْ بِلَادِ "فَارِسٍ"، فَقَدْ تَحَصَّنَ "الْفُرْسُ" فِي إِحْدَى الْقِلَاعَ الْمُمَرَّدَةِ (٢)، فَحَاصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَحَاطُوا بِهِمْ إِحَاطَةَ السِّوَارِ بِالْمِعْصَمِ. فَلَمَّا طَالَ الْحِصَارُ وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى "الْفُرْسِ"، جَعَلُوا يُدَلُّونَ مِنْ فَوْقِ أَسْوَارِ الْقَلْعَةِ سَلَاسِلَ مِنْ حَدِيدٍ، عُلِّقَتْ بِهَا كَلَالِيبُ مِنْ فُولَاذٍ حُمِّيَتْ بِالنَّارِ حَتَّى غَدَتْ أَشَدَّ تَوَهُّجًا مِنَ الْجَمْرِ؛ فَكَانَتْ تَنْشَبُ (٣) فِي أَجْسَادِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعْلَقُ بِهَا، فَيَرْفَعُونَهُمْ إِلَيْهِمْ إِمَّا مَوْتَى وَإِمَّا عَلَى وَشْكِ الْمَوْتِ. فَعَلِقَ كُلَّابٌ مِنْهَا بِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ -أَخِي الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ- فَمَا إِنْ رَآهُ الْبَرَاءُ حَتَّى وَثَبَ عَلَى جِدَارِ الْحِصْنِ، وَأَمْسَكَ بِالسِّلْسِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ أَخَاهُ، وَجَعَلَ يُعَالِجُ الكُلَّابَ لِيُخْرِجَهُ مِنْ جَسَدِهِ؛ فَأَخَذَتْ يَدُهُ تَحْتَرِقُ وَتُدَخِّنُ، فَلَمْ يَأْبَهُ لَهَا حَتَّى أَنْقَذَ أَخَاهُ، وَهَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ غَدَتْ يَدُهُ عِظَامًا لَيْسَ عَلَيْهَا لَحْمٌ. وَفِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ دَعَا الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ؛ فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، حَيْثُ خَرَّ صَرِيعًا شَهِيدًا مُغْتَبِطًا بِلِقَاءِ اللَّهِ. * * * نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﵊، وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ (*).

стр. 52

ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ "يَضْرِبُ الْحِصَارَ الاقْتِصَادِيَّ عَلَى قُرَيْشٍ" في السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ عَزَمَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُوَسِّعَ نِطَاقَ دَعْوَتِهِ إِلَى اللَّهِ، فَكَتَبَ ثَمَانِيَةَ كُتُبِ إِلَى مُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الْإِسْلَامِ. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ كَاتَبَهُمْ "ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ". وَلَا غَرْوَ (١)، فَثُمَامَةُ قَيْلٌ (٢) مِنْ أَقْيَالِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ … وَسَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ بَنِي "حَنِيفَةَ" الْمَرْمُوقِينَ … وَمَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ "الْيَمَامَةِ" الَّذِينَ لَا يُعْصَى لَهُمْ أَمْرٌ. * * * تَلَقَّى ثُمَامَةُ رِسَالَةَ النَّبِيِّ ﵊ بِالزِّرَايَةِ (٣) وَالْإِعْرَاضِ. وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْم؛ فَأَصَمَّ أُذُنَيْهِ عَنْ سَمَاع دَعْوَةِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ … ثُمَّ إِنَّهُ رَكِبَهُ شَيْطَانُهُ فَأَغْرَاهُ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَأَدِ دَعْوَتِهِ مَعَهُ، فَدَأَبَ يَتَحَيَّنُ الْفُرَصَ لِلْقَضَاءِ عَلَى النَّبِي ﷺ حَتَّى أَصَابَ مِنْهُ غِرَّةً (٤)، وَكَادَتْ تَتِمُّ الْجَرِيمَةُ الشَّنْعَاءُ لَوْلَا أَنَّ أَحَدَ أَعْمَامِ "ثمَامَةَ" ثَنَاهُ عَنْ عَزْمِهِ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ، فَنَجَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ مِنْ شَرِّهِ.

стр. 53

لَكِنَّ ثُمَامَةَ إِذَا كَانَ قَدْ كَفَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُفَّ عَنْ أَصْحَابِهِ، حَيْثُ جَعَلَ يَتَرَبَّصُ (١) بِهِمْ، حَتَّى ظَفِرَ بِعَدَدٍ مِنْهُمْ وَقَتَلَهُمْ شَرَّ قِتْلَةٍ؛ فَأَهْدَرَ (٢) النَّبِيُّ ﵊ دَمَهُ، وَأَعْلَنَ ذَلِكَ فِي أَصْحَابِهِ. * * * لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ طَوِيلُ وَقْتٍ حَتَّى عَزَمَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ عَلَى أَدَاءِ الْعُمْرَةِ، فَانْطَلَقَ مِنْ أَرْضِ "الْيَمَامَةِ" مُوَلِّيّا وَجْهَهُ شَطْرَ مَكَّةَ، وَهُوَ يُمَنِّي نَفْسَهُ بِالطَّوَافِ حَولَ الْكَعْبَةِ وَالذَّبْحِ لِأَصْنَامِهَا. * * * وَبَيْنَا كَانَ ثُمَامَةُ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ لَمْ تَقَعْ لَهُ فِي حُسْبَانٍ. ذَلِكَ أَنَّ سَرِيَّةً مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَانَتْ تَجُوسُ (٣) خِلَالَ الدِّيَارِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَطْرُقَ الْمَدِينَةَ طَارِقٌ، أَوْ يُرِيدَهَا مُعْتَدٍ بِشَرٍّ. فَأَسَرَتِ السَّرِيَّةُ ثُمَامَةَ -وَهِيَ لَا تَعْرِفُهُ-، وَأَتَتْ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَدَّتْهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، مُنْتَظِرَةً أَنْ يَقِفَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ بِنَفْسِهِ عَلَى شَأْنِ الْأَسِيرِ، وَأَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِأَمْرِهِ. وَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﵊ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَهَمَّ بِالدُّخُولِ فِيهِ رَأَى ثُمَامَةَ مَرْبُوطًا فِي السَّارِيَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (أَتَدْرُونَ مَنْ أَخَذْتُمْ؟). فَقَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

стр. 54

فَقَالَ: (هَذَا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ، فَأَحْسِنُوا أَسَارَهُ (١)) … ثُمَّ رَجَعَ ﵊ إِلَى أَهْلِهِ وَقَالَ: (اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ وَابْعَثُوا بِهِ إِلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ) … ثُمَّ أَمَرَ بِنَاقَتِهِ أَنْ تُحْلَبَ لَهُ فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ، وَأَنْ يُقَدَّمَ إِلَيْهِ لَبَنُهَا … وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ يُكَلِّمَهُ. * * * ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى ثُمَامَةَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَدْرِجَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ: (مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟). فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ … فَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ (٢) … وَإِنْ تُنْعِم (٣) تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ … وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ؛ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَوْمَيْنِ عَلَى حَالِهِ، يُؤْتَى لَهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيُحْمَلُ إِلَيْهِ لَبَنُ النَّاقَةِ ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: (مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟). قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا مَا قُلْتُ لَكَ مِنْ قَبْلُ … فَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمُ عَلَى شَاكِرٍ … وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ … وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ؛ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ التَّالِي جَاءَهُ فَقَالَ: (مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟).

стр. 55

فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ … إِنْ تُنْعِمُ تُنْعِمُ عَلَى شَاكِرٍ … وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ … وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ أَعْطَيْتُكَ مِنْهُ مَا تَشَاءُ. فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: (أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) … فَفَكُّوا وِثَاقَهُ وَأَطْلَقُوهُ. * * * غَادَرَ ثُمَامَةُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَضَى حَتَّى إِذَا بَلَغَ نَخْلًا في حَوَاشِي (١) الْمَدِينَةِ -قَرِيبًا مِنَ "الْبَقِيع" (٢) - فِيهِ مَاءٌ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَهُ، وَتَطَّهَرَ مِنْ مَائِهِ فَأَحْسَنَ طُهُورَهُ، ثُمَّ عَادَ أَدْرَاجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَمَا إِنْ بَلَغَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَلَأٍ (٣) مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ … وَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ … وَوَاللَّهِ مَا كَانَ دِينٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ؛ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ … وَوَاللَّهِ مَا كَانَ بَلَدٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ؛ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ …

стр. 56

ثُمَّ أَرْدَفَ قَائِلًا: لَقَدْ كُنْتُ أَصَبْتُ فِي أَصْحَابِكَ دَمًا (١) فَمَا الَّذِي تُوجِبُهُ عَلَيَّ؟. فَقَالَ ﵊: (لَا تَثْرِيبَ (٢) عَلَيْكَ يَا ثُمَامَةُ … فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ (٣) مَا قَبْلَهُ) … وَبَشَّرَهُ بِالْخَيْرِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ بِإِسْلَامِهِ. فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُ ثُمَامَةَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُصِيبَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَضْعَافَ مَا أَصَبْتُ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلَأَضَعَنَّ نَفْسِي وَسَيْفِي وَمَنْ مَعِي فِي نُصْرَتِكَ وَنُصْرَةِ دِينِكَ. ثُمَّ قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إن خيلكَ أَخذَتْني وَأَنا أُرِيدُ العُمْرَةَ؛ فَماذا نرى أن أفعل؟. فَقَالَ ﵊: (امْضِ لِأَدَاءِ عُمْرَتِكَ وَلَكِنْ عَلَى شِرْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) … وَعَلَّمَهُ مَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ. * * * مَضَى ثُمَامَةُ إِلَى غَايَتِهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَطْنَ مَكَّةَ، وَقَفَ يُجَلْجِلُ بِصَوْتِهِ الْعَالِي قَائِلًا: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ … لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ … إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ … لَا شَرِيكَ لَكَ" …

стр. 57

فَكَانَ أَوَّلَ مُسْلِمٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ دَخَلَ مَكَّةَ مُلَبِّيًا. * * * سَمِعَتْ قُرَيْشٌ صَوْتَ التَّلْبِيَةِ فَهَبَّتْ مُغْضَبَةً مَذْعُورَةً، وَاسْتَلَّتِ السُّيُوفَ مِنْ أَغْمَادِهَا، وَاتَّجَهَتْ نَحْوَ الصَّوْتِ لِتَبْطِشَ بِهَذَا الَّذِي اقْتَحَمَ عَلَيْهَا عَرِينَهَا. وَلَمَّا أَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَى ثُمَامَةَ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِكِبْرِيَاءٍ؛ فَهَمَّ فَتًى مِنْ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ أَنْ يُرْدِيَهُ (١) بِسَهُمٍ، فَأَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ (٢) وَقَالُوا: وَيْحَكَ أَتَعْلَمُ مَنْ هَذَا؟! … إِنَّهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ مَلِكُ "الْيَمَامَةِ" … وَاللَّهِ إِنْ أَصَبْتُمُوهُ بِسُوءٍ قَطَعَ قَوْمُهُ عَنَّا الْمِيرَةَ (٣) وَأَمَاتُونَا جُوعًا. ثُمَّ أَقَبَلَ الْقَوْمُ عَلَى ثُمَامَةَ بَعْدَ أَنْ أَعَادُوا السُّيُوفَ إِلَى أَغْمَادِهَا وَقَالُوا: مَا بِكَ يَا ثُمَامَةُ؟!!. أَصَبَوْتَ وَتَرَكْتَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟!! فَقَالَ: مَا صَبَوْتُ وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُ خَيْرَ دِينٍ … اتَّبَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ أَرْدَفَ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، إِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْكُمْ بَعْدَ عَوْدَتِي إِلَى "الْيَمَامَةِ" حَبَّةٌ مِنْ قَمْحِهَا أَوْ شَيْءٌ مِنْ خَيْرَاتِهَا حَتَّى تَتَّبِعُوا مُحَمَّدًا عَنْ آخِرِكُمْ … * * * اعْتَمَر ثُمَامَةُ بن أُثَالٍ عَلَى مَرْأًى مِنْ قُرَيْشٍ كَمَا أَمَرَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ …

стр. 58

وَذَبَحَ تَقَرُّبًا لِلَّهِ لَا لِلْأَنْصَابِ (١) وَالْأَصْنَامِ، وَمَضَى إِلَى بِلَادِهِ فَأَمَرَ قَوْمَهُ أَنْ يَحْبِسُوا الْمِيرَةَ عَنْ قُرَيْشٍ؛ فَصَدَعُوا بِأَمْرِهِ وَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَحَبَسُوا خَيْرَاتِهِمْ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ. * * * أَخَذَ الْحِصَارُ الَّذِي فَرَضَهُ ثُمَامَةُ عَلَى قُرْيَشٍ يَشْتَدُّ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَارْتَفَعَتِ الْأَسْعَارُ، وَفَشَا (٢) الْجُوعُ فِي النَّاسِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْكَرْبُ، حَتَّى خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ مِنْ أَنْ يَهْلَكُوا جُوعًا. عِنْد ذَلِكَ كَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إِنَّ عَهْدَنَا بِكَ أَنَّكَ تَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحُضُّ عَلَى ذَلِكَ … وَهَا أَنْتَ قَدْ قَطَعْتَ أَرْحَامَنَا؛ فَقَتَلْتَ الْآبَاءَ بِالسَّيْفِ، وَأَمَتَّ الْأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ. وَإِنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ قَدْ قَطَعَ عَنَّا مِيرَتَنَا وَأَضَرَّ بِنَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا بِمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَافْعَلْ. فَكَتَبَ ﵊ إِلَى ثمَامَةَ بِأَنْ يُطْلِقَ لَهُمْ مِيرَتَهُمْ، فَأَطْلَقَهَا. * * * ظَلَّ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ -مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ- وَفِيًّا لِدِينِهِ، حَافِظًا لِعَهْدِ نَبِيِّهِ، فَلَمَّا الْتَحَقَ الرَّسُولُ ﵊ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَطَفِقَ الْعَرَبُ يَخْرُجُونَ مِنْ دِينِ اللَّهِ زُرَافَاتٍ (٣) وَوِحْدَانًا، وَقَامَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ فِي بَنِي "حَنِيفَةَ" يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَقَفَ ثُمَامَةُ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: يَا بَنِي "حَنِيفَةَ" إِيَّاكُمْ وَهَذَا الْأَمْرَ الْمُظْلِمَ الَّذِي لَا نُورَ فِيهِ …

стр. 59

إِنَّهُ وَاللَّهِ لَشَقَاءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِهِ مِنْكُمْ، وَبَلَاءٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْخُذُ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي "حَنِيفَةَ" إِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ نَبِيَّانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ … وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَلَا نَبِيَّ يُشْرَكُ مَعَهُ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ (١). ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ كَلَامُ اللَّهِ هَذَا مِنْ قَوْلِ مُسَيْلِمَةَ: "يَا ضِفْدَعُ نِقِّي مَا تَنقِّينَ، لَا الشَّرَابَ تَمْنَعِينَ، وَلَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينَ". ثُمَّ انْحَازَ بِمَنْ بَقِيَ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَضَى يُقَاتِلُ الْمُرْتَدِّينَ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِعْلَاءً لِكَلِمَتِهِ فِي الْأَرْضِ. جَزَى اللَّهُ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرًا … وَأَكْرَمَهُ بِالْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (*).

стр. 60

أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ النَّجَّارِيُّ "يُدْفَنُ تَحْتَ أَسْوَارِ الْقِسْطَنْطِينِيَّةِ" هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ يُدْعَى خَالِدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ، مِنْ بَنِي "النَّجَّارِ". أَمَّا كُنْيَتُهُ فَأَبُو أَيُّوبَ، وَأَمَّا نِسْبَتُهُ فَإِلَى الْأَنْصَارِ. وَمَنْ مِنَّا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ؟!. فَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ فِي الْخافِقَيْنِ (١) ذِكْرَهُ، وَأَعْلَى فِي الأنام (٢) قَدْرَهُ حِينَ اخْتَارَ بَيْتَهُ مِنْ دُونِ بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا لِيَنْزِلَ فِيهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ لَمَّا حَلَّ فِي الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا، وَحَسْبُهُ (٣) بِذَلِكَ فَخْرًا. وَلِنُزُولِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ قِصَّةٌ يَحْلُو تَرْدَادُهَا وَيَلَذُّ تَكْرَارُهَا. ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ حِينَ بَلَغَ الْمَدِينَةَ تَلَقَّتْهُ أَفْئِدَةُ أَهْلِهَا بِأَكْرَمِ مَا يُتَلَقَّى بِهِ وَافِدٌ … وَتَطَلَّعَتْ إِلَيْهِ عُيُونُهُمْ تَبثُّهُ شَوْقَ الْحَبِيبِ إِلَى حَبِيبِهِ … وَفَتَحُوا لَهُ قُلُوبَهُمْ لِيَحُلُّ مِنْهَا فِي السُّوَيْدَاءِ (٤) …

стр. 61

وَأَشْرَعُوا (١) لَهُ أَبْوَابَ بُيُوتِهِمْ لِيَنْزِلَ فِيهَا أَعَزَّ مَنْزِلٍ. لَكِنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَضَى فِي "قُبَاءَ" (٢) مِنْ ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ أَيَّامًا أَرْبَعَةً، بَنَى خِلَالَهَا مَسْجِدَهُ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا رَاكِبًا نَاقَتَهُ، فَوَقَفَ سَادَاتُ "يَثْرِبَ" (٣) فِي طَرِيقِهَا، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يَظْفَرَ بِشَرَفِ نُزُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ … وَكَانُوا يَعْتَرِضُونَ النَّاقَةَ سَيِّدًا إِثْرَ سَيِّدٍ، وَيَقُولُونَ: أَقِمْ عِنْدَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ وَالْمَنَعَةِ (٤). فَيَقُولُ لَهُمْ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ). وَتَظَلُّ النَّاقَةُ تَمْضِي إِلَى غَايَتِهَا تَتْبَعُهَا الْعُيُونُ، وَتَحُفُّ بِهَا الْقُلُوبُ … فَإِذَا جَازَتْ مَنْزِلًا حَزِنَ أَهْلُهُ وَأَصَابَهُمُ الْيَأْسُ، بَيْنَمَا يُشْرِقُ الْأَمَلُ فِي نُفُوسِ مَنْ يَلِيهِمْ. وَمَا زَالَتِ النَّاقَةُ عَلَى حَالِهَا هَذِهِ، وَالنَّاسُ يَمْضُونَ فِي إِثْرِهَا، وَهُمْ يَتَلَهَّفُونَ شَوْقًا لِمَعْرِفَةِ السَّعِيدِ الْمَحْظُوظ؛ حَتَّى بَلَغَتْ سَاحَةً خَلَاءً أَمَامَ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَبَرَكَتْ فِيهَا … لَكِنَّ الرَّسُولَ ﵊ لَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا … فَمَا لَبِثَتْ أَنْ وَثَبَتْ وَانْطَلَقَتْ تَمْشِي، وَالرَّسُولُ ﷺ مُرْخٍ لَهَا زِمَامَهَا (٥)، ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ عَادَتْ أَدْرَاجَهَا وَبَرَكَتْ فِي مَبْرَكِهَا الْأَوَّلِ.

стр. 62

عِنْدَ ذَلِكَ غَمَرَتِ الْفَرْحَةُ فُؤَادَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَبَادَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُرَحِّبُ بِهِ، وَحَمَلَ مَتَاعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَأَنَّمَا يَحْمِلُ كُنُوزَ الدُّنْيَا كُلَّهَا، وَمَضَى بِهِ إِلَى بَيْتِهِ. * * * كَانَ مَنْزِلُ أَبِي أَيُّوبَ يَتَأَلَّفُ مِنْ طَبَقَةٍ فَوْقَهَا عُلِّيَّةً، فَأَخْلَى الْعُلِّيَّةَ مِنْ مَتَاعِهِ وَمَتَاعِ أَهْلِهِ لِيُنْزِلَ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ … لَكِنَّ النَّبِيَّ ﵊ آثَرَ (١) عَلَيْهَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى، فَامْتَثَلَ أَبُو أَيُّوبَ لِأَمْرِهِ، وَأَنْزَلَهُ حَيْثُ أَحَبَّ. وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَأَوَى الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَى فِرَاشِهِ، صَعِدَ أَبُو أَيُّوبَ وَزَوْجُهُ إِلَى الْعُلِّيَّةِ، وَمَا إِنْ أَغْلَقَا عَلَيْهِمَا بَابَهَا حَتَّى الْتَفَتَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى زَوْجَتِهِ وَقَالَ: وَيُحَكِ (٢)، مَاذَا صَنَعْنَا؟! … أَيَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْفَلَ، وَنَحْنُ أَعْلَى مِنْهُ؟! … أَنَمْشِي فَوْقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟! … أَنَصِيرُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْوَحْيِ؟! إِنَّا إِذَنْ لَهَالِكُونَ. وَسُقِطَ (٣) فِى أَيْدِي الزَّوْجَيْنِ وَهُمَا لَا يَدْرِيَانِ مَا يَفْعَلَانِ. وَلَمْ تَسْكُنْ نَفْسَاهُمَا بَعْضَ السُّكُونِ إِلَّا حِينَ انْحَازَا إِلَى جَانِبِ الْعُلِّيَّةِ الَّذِي لَا يَقَعُ فَوْقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْتَزَمَاهُ لَا يَبْرَحَانِهِ إِلَّا مَاشِيَيْنِ عَلَى الْأَطْرَافِ مُتَبَاعِدَيْنِ عَنِ الْوَسَطِ.

стр. 63

فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو أَيُّوبَ؛ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﵊: وَاللَّهِ مَا أُغْمِضَ لَنَا جَفْنٌ فِى هَذِهِ اللَّيْلَةِ، لَا أَنَا وَلَا أُمُّ أَيُّوبَ. فَقَالَ ﵊: (وَمِمَّ ذَاكَ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟!). قَالَ: ذَكَرْتُ أَنِّي عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ أَنْتَ تَحْتَهُ، وَأَنِّي إِذَا تَحَرَّكْتُ تَنَاثَرَ عَلَيْكَ الْغُبَارُ فَآذَاكَ، ثُمَّ أَنِّي غَدَوْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْوَحْيِ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﵊: (هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا أَبَا أَيُّوبَ، إِنَّهُ أَرْفَقُ بِنَا أَنْ نَكُونَ فِي السُّفْلِ؛ لِكَثْرَةِ مَنْ يَغْشَانَا (١) مِنَ النَّاسِ). * * * قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَامْتَثَلْتُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ فَانْكَسَرَتْ لَنَا جَرَّةٌ وَأُرِيقَ مَاؤُهَا فِي الْعُلِّيَّةِ، فَقُمْتُ إِلَى الْمَاءِ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ، وَلَيْسَ لَدَيْنَا إِلَّا قَطِيفَةٌ (٢) كُنَّا نَتَّخِذُهَا لِحَافًا، وَجَعَلْنَا نُنَشِّفُ بِهَا الْمَاءَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ غَدَوْتُ عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ، وَأَنْ تَكُونَ أَسْفَلَ مِنِّي … ثُمَّ قَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرَ الْجَرَّةِ، فَاسْتَجَابَ لِي، وَصَعِدَ إِلَى الْعُلِّيَّةِ، وَنَزَلْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ إِلَى السُّفْلِ. * * *

стр. 64

أَقَامَ النَّبِيُّ ﵊ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ نَحْوًا مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، حَتَّى تَمَّ بِنَاءُ مَسْجِدِهِ فِي الْأَرْضِ الْخَلَاءِ الَّتِي بَرَكَتْ فِيهَا النَّاقَةُ، فَانْتَقَلَ إِلَى الْحُجُرَاتِ الَّتِي أُقِيمَتْ حَوْلَ الْمَسْجِدِ لَهُ وَلِأَزْوَاجِهِ، فَغَدًا جَارًا لِأَبِي أَيُّوبَ، أَكْرِمْ بِهِمَا مِنْ مُتَجَاوِرَيْنِ. * * * أَحَبَّ أَبُو أَيُّوبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حُبًّا مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ وَلُبَّهُ، وَأَحَبَّ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ أَبَا أَيُّوبَ حُبًّا أَزَالَ الْكُلْفَةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَجَعَلَهُ يَنْظُرُ إِلَى بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ كَأَنَّهُ بَيْتُهُ. * * * حَدَّثَ ابْنُ عَبَّاسٍ (١) قَالَ: خرج أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِالْهَاجِرَة (٢) إِلَى الْمَسْجِدِ فرآة عمر ﵁، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟! قَالَ: مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا مَا أَجِدُ مِنْ شِدَّةِ الْجُوع. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنِي غَيْرُ ذَلِكَ. فَبَيْنَمَا هُمَا كَذَلِكَ؛ إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا أَخْرَجَكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟!). قَالَا: وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا مَا نَجِدُهُ فِي بُطُونِنَا مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. قَالَ ﵇: (وَأَنَا -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- مَا أَخْرَجَنِي غَيْرُ ذَلِكَ … قُومَا مَعِي).

стр. 65

فَانْطَلَقُوا فَأَتَوْا بَابَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَّخِرُ لِرَّسُولِ اللهِ ﷺ كُلَّ يَوْمٍ طَعَامًا، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنْهُ وَلَمْ يَأْتِ إِلَيْهِ فِي حِينِهِ أَطْعَمَهُ لِأَهْلِهِ. فَلَمَّا بَلَغُوا الْبَابَ خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ أُمُّ أَيُّوبَ، وَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِنَبِيِّ اللهِ وَبِمَنْ مَعَهُ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﵊: (أَيْنَ أَبُو أَيُّوبَ؟) … فَسَمِعَ أَبُو أَيُّوبَ صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ -وَكَانَ يَعْمَلُ فِي نَخْلِ قَرِيبٍ لَهُ- فَأَقْبَلَ يُسْرِعُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ أَتْبَعَ قَائِلًا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا بِالْوَقْتِ الَّذِي كُنْتَ تَجِيءُ فِيهِ. فَقَالَ ﵊: (صَدَقْتَ)، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى نَخِيلِهِ فَقَطَعَ مِنْهُ عِذْقًا (١) فِيهِ تَمْرٌ وَرُطَبٌ وَبُسْرٌ (٢). فَقَالَ ﵊: (مَا أَرَدْتُ أَنْ تَقْطَعَ هَذَا، أَلَا جَنَيْتَ لَنَا مِنْ تَمْرِهِ؟). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْبَبْتُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ تَمْرِهِ وَرُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، وَلَأَذْبَحَنَّ لَكَ أَيْضًا. قَالَ: (إِنْ ذَبَحْتَ فَلَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ لَبَنٍ).

стр. 66

فَأَخَذَ أَبُو أَيُّوبَ جَدْيًا فَذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اعْجِنِي وَاخْبِزِي لَنَا، وَأَنْتِ أَعْلَمُ بِالْخَبْزِ، ثُمَّ أَخَذَ نِصْفَ الْجَدْيِ فَطَبَخَهُ، وَعَمَدَ إِلَى نِصْفِهِ الثَّانِي فَشَوَاهُ، فَلَمَّا نَضِجَ الطَّعَامُ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، أَخَذَ الرَّسُولُ قِطْعَةً مِنَ الْجَدْيِ وَوَضَعَهَا فِي رَغِيفٍ، وَقَالَ: (يَا أَبَا أَيُّوبَ، بَادِرْ (١) بِهَذِهِ الْقِطْعَةِ إِلَى فَاطِمَةَ (٢)، فَإِنَّهَا لَمْ تُصِبْ مِثْلَ هَذَا مُنْذُ أَيَّامٍ). فَلَمَّا أَكَلُوا وَشَبِعُوا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (خُبْزٌ، وَلَحْمٌ، وَتَمْرٌ، وَبُسْرٌ، وَرُطَبٌ!!!) … وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ هَذَا هُوَ النَّعِيمُ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا أَصَبْتُمْ (٣) مِثْلَ هَذَا فَضَرَبْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ فِيهِ فَقُولُوا: بسم اللَّهِ، فَإِذَا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ أَشْبَعَنَا وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا فَأَفْضَلَ). ثُمَّ نَهَضَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ: (ائْتِنَا غَدًا). وَكَانَ ﵊ لَا يَصْنَعُ لَهُ أَحَدٌ مَعْرُوفًا إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَيْهِ؛ لَكِنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ غَدًا يَا أَبَا أَيُّوبَ.

стр. 67

فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِرَسُولِ اللَّهِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ذَهَبَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ فَأَعْطَاهُ وَلِيدَةً (١) كَانَتْ تَخْدِمُهُ، وَقَالَ لَهُ: (اسْتَوْصِ بِهَا خَيْرًا -يَا أَبَا أَيُّوب- فَإِنَّا لَمْ نَرَ مِنْهَا إِلَّا خَيْرًا مَا دَامَتْ عِنْدَنَا). * * * عَادَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى بَيْتِهِ وَمَعَهُ الْوَلِيدَةُ؛ فَلَمَّا رَأَتْهَا أُمُّ أَيُّوبَ: قَالَتْ: لِمَنْ هَذِهِ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟!. قَالَ: لَنَا … مَنَحَنَا إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَتْ: أَعْظِمْ بِهِ مِنْ مَانِحٍ؛ وَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ مِنْحَةٍ. فَقَالَ: وَقَدْ أَوْصَانَا بِهَا خَيْرًا. فَقَالَتْ: وَكَيْفَ نَصْنَعُ بِهَا حَتَّى نُنَفِّذَ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِهَا خَيْرًا مِنْ أَنْ أُعْتِقَهَا. فَقَالَتْ: هُدِيتَ إِلَى الصَّوَابِ، فَأَنْتَ مُوَفَّقٌ … ثُمَّ أَعْتَقَهَا. * * * هَذِهِ بَعْضُ صُوَرِ حَيَاةِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فِي سِلْمِهِ، فَلَوْ أُتِيحَ لَكَ أَنْ تَقِفَ عَلَى بَعْضٍ صُوَرِ حَيَاتِهِ فِي حَرْبِهِ لَرَأَيْتَ عَجَبًا … فَقَدْ عَاشَ أَبُو أَيُّوبَ ﵁ طُولَ حَيَاتِهِ غَازِيًا حَتَّى قِيلَ:

стр. 68

إِنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا الْمُسْلِمُونَ مُنْذُ عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ؛ إِلَّا إِذَا كَانَ مُنْشَغِلًا عَنْهَا بِأُخْرَى. وَكَانَتْ آخِرُ غَزَوَاتِهِ حِينَ جَهَّزَ مُعَاوِيَةُ جَيْشًا بِقِيَادَةِ ابْنِهِ "يَزِيدَ"، لِفَتْحِ "الْقِسْطَنْطِينِيَّةِ"، وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ آنَذَاكَ شَيْخًا طَاعِنًا فِي السِّنِّ يَحْبُو نَحْوَ الثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهِ؛ فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَنْضَوِيَ (١) تَحْتَ لِوَاءِ "يَزِيدَ"، وَأَنْ يَمْخُرَ عُبَابَ (٢) الْبَحْرِ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى مُنَازَلَةِ الْعَدُوِّ حَتَّى مَرِضَ أَبُو أَيُّوبَ مَرَضًا أَقْعَدَهُ عَنْ مُوَاصَلَةِ الْقِتَالِ، فَجَاءَ "يَزِيدُ" لِيَعُودَهُ وَسَأَلَهُ: أَلَكَ مِنْ حَاجَةٍ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟. فَقَالَ: اِقْرَأْ عَنِّي السَّلَامَ عَلَى جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَقُلْ لَهُمْ: يُوصِيكُمْ أَبُو أَيُّوبَ أَنْ تُوغِلُوا (٣) فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إِلَى أَبْعَدِ غَايَةٍ، وَأَنْ تَحْمِلُوهُ مَعَكُمْ، وَأَنْ تَدْفِنُوهُ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ عِنْدَ أَسْوَارِ "الْقِسْطَنْطِينِيَّة" … وَلَفَظَ أَنْفَاسَهُ الطَّاهِرَةَ. * * * اسْتَجَابَ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ لِرَغْبَةِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَرُّوا عَلَى جُنْدِ الْعَدُوِّ الْكَرَّةَ بَعْدَ الْكَرَّةِ، حَتَّى بَلَغُوا أَسْوَارَ "الْقِسْطَنْطِينِيَّةِ" وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَبَا أَيُّوبَ مَعَهُمْ … وَهُنَاكَ حَفَرُوا لَهُ قَبْرًا وَوَارَوْهُ فِيهِ. * * *

стр. 69

رَحِمَ اللَّهُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَدْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَمُوتَ عَلَى ظُهُورِ الْجِيَادِ الصّافنات (١) غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ … وَسِنُّهُ تُقَارِبُ الثَّمَانِينَ (*) …

стр. 70

عَمرو بن الجَمُوحِ "شَيْخٌ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَطَأَ بِعَرْجَتِهِ الْجَنَّةَ" عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ زَعِيمٌ مِنْ زُعَمَاءِ "يَثْرِبَ" (١) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسَيِّدُ بَنِي "سَلَمَةَ" الْمُسَوَّدُ، وَوَاَحَدٌ مِنْ أَجْوَادِ الْمَدِينَةِ وَذَوِي الْمُرُوءَاتِ فِيهَا … وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ الْأَشْرَافِ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَتَّخِذَ كُلُّ وَاحَدٍ مِنْهُمْ صَنَمًا لِنَفْسِهِ فِي بَيْتِهِ؛ لِيَتَبَرَّكَ بِهِ عِنْدَ الْعَدُوِّ وَالرَّوَاحِ … وَلِيَذْبَحَ لَهُ فِي الْمَوَاسِمِ … وَلِيَلْجَأَ إِلَيْهِ فِي الْمُلِمَّاتِ!!! وَكَانَ صَنَمُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ يُدْعَى "مَنَاةَ"، وَقَدِ اتَّخَذَهُ مِنْ نَفِيسِ الْخَشَبِ … وَكَانَ شَدِيدَ الْإِسْرَافِ فِي رِعَايَتِهِ، وَالْعِنَايَةِ بِهِ وَتَضْمِيخِهِ (٢) بِنَفَائِسِ الطِّيب. * * * كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ قَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهِ حِينَ بَدَأَتْ أَشِعَّةُ الْإِيمَانِ تَعْمُرُ بُيُوتَ "يَثْرِبَ" بَيْتًا فَبَيْتًا عَلَى يَدِ الْمُبَشِّرِ الْأَوَّلِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَآمَنَ عَلَى يَدَيْهِ أَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ: مُعَوَّذٌ، وَمُعَاذٌ، وَخَلَّادٌ، وَتِرْبٌ (٣) لَهُمْ يُدْعَى مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ (٤) … وَآمَنَتْ مَعَ أَبْنَائِهِ الثَّلَاثَةِ أُمُّهُمْ هِنْدُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ إِيمَانِهِمْ شَيْئًا. * * *

стр. 71

رَأَتْ هِنْدُ زَوْجَةُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحٍ، أَنَّ "يَثْرِبَ" غَلَبَ عَلَى أَهْلِهَا الْإِسْلَامُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ السَّادَةِ الْأَشْرَافَ أَحَدٌ عَلَى الشِّرْكِ سِوَى زَوْجِهَا وَنَفَرٍ قَلِيلٍ مَعَهُ … وَكَانَتْ تُحِبُّهُ وَتُجِلُّهُ، وَتُشْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَيَصِيرَ إِلَى النَّارِ. وَكَانَ هُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَخْشَى عَلَى أَبْنَائِهِ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْ دِينِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَأَنْ يَتَّبعُوا هَذَا الدَّاعِيَةَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، الَّذِي اسْتَطَاعَ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ أَنْ يُحَوِّلَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ دِينِهِمْ، وَأَنْ يُدْخِلَهُمْ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَا هِنْدُ، احْذَرِي أَنْ يَلْتَقِيَ أَوْلَادُكِ بِهَذَا الرَّجُلِ [يَعْنِي مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ] حَتَّى نَرَى رَأْيَنَا فِيهِ. فَقَالَتْ: سَمْعًا وَطَاعَةً، وَلَكِنْ هَلْ لَكَ أَنْ تَسْمَعَ مِنِ ابْنِكَ مُعَاذٍ مَا يَرْوِيهِ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ؟. فَقَالَ: وَيْحَكِ (١)، وَهَلْ صَبَأ (٢) مُعَادٌ عَنْ دِينِهِ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ؟. فَأَشْفَقَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ عَلَى الشَّيْخِ وَقَالَتْ: كَلَّا، وَلَكِنَّهُ حَضَرَ بَعْضَ مَجَالِسِ هَذَا الدَّاعِيَةِ، وَحَفِظَ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ. فَقَالَ: ادْعُوهُ إِلَيَّ … فَلَمَّا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: أَسْمِعْنِي شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ هَذَا الرَّجُلُ، فَقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٣). فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَمَا أَجْمَلَهُ؟! أَوَ كُلُّ كَلَامِهِ مِثْلُ هَذَا؟!.

стр. 72

فَقَالَ مُعَادٌ: وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا يَا أَبَتَاهُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُبَايِعَهُ، فَقَوْمُكَ جَمِيعًا قَدْ بَايَعُوهُ … سَكَتَ الشَّيْخُ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ: لَسْتُ فَاعِلًا حَتَّى أَسْتَشِيرَ "مَنَاةَ" فَأَنْظُرَ مَا يَقُولُ. فَقَالَ لَهُ الْفَتَى: وَمَا عَسَى أَنْ يَقُولَ "مَنَاةُ" يَا أَبَتَاهُ، وَهُوَ خَشَبٌ أَصَمُّ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَنْطِقُ. فَقَالَ الشَّيْخُ -فِي حِدَّة-: قُلْتُ لَكَ: لَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُ (١). * * * ثُمَّ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى "مَنَاةَ" -وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُكَلِّمُوهُ جَعَلُوا خَلْفَهُ امْرَأَةً عَجُوزًا، فَتُجِيبُ عَنْهُ بِمَا يُلْهِمُهَا إِيَّاهُ -فِي زَعْمِهِمْ-، ثُمَّ وَقَفَ أَمَامَهُ بِقَامَتِهِ الْمَمْدُودَةِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ، فَقَدْ كَانَتِ الْأُخْرَى عَرْجَاءَ شَدِيدَةَ الْعَرَجِ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ أَطْيَبَ الثَّنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: يَا "مَنَاةُ" لَا رَيْبَ أَنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ بِأَنَّ هَذَا الدَّاعِيَةَ الَّذِي وَفَدَ عَلَيْنَا مِنْ مَكَّةَ لَا يُرِيدُ أَحَدًا بِسُوءٍ سِوَاكَ … وَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيَنْهَانَا عَنْ عِبَادَتِكَ … وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ أُبَايِعَهُ -عَلَى الرَّغْمِ مِمَّا سَمِعْتُهُ مِنْ جَمِيلِ قَوْلِهِ- حَتَّى أَسْتَشِيرَكَ، فَأَشِرْ عَلَيَّ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ "مَنَاةُ" بِشَيْءٍ. فَقَالَ: لَعَلَّكَ قَدْ غَضِبْتَ … وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْ شَيْئًا يُؤْذِيكَ بَعْدُ … وَلَكِنْ لَا بَأْسَ، فَسَأَتْرُكُكَ أَيَّامًا حَتَّى يَسْكُتَ عَنْكَ الْغَضَبُ. * * * كَانَ أَبْنَاءُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ يَعْرِفُونَ مَدَى تَعَلَّقِ أَبِيهِمْ بِصَنَمِهِ "مَنَاةَ"، وَكَيْفَ أَنَّهُ غَدَا مَعَ الزَّمَنِ قِطْعَةً مِنْهُ، وَلَكِنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَنَّهُ بَدَأَتْ تَتَزَعْزَعُ مَكَانَتُهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَزِعُوهُ مِنْ نَفْسِهِ انْتِرَاعًا، فَذَلِكَ سَبِيلُهُ إِلَى الْإِيمَانِ. * * * أَدْلَجَ (٢) أَبْنَاءُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ مَعَ صَدِيقِهِمْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِلَى "مَنَاةَ"

стр. 73

في اللَّيْلِ، وَحَمَلُوهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى حُفْرَةٍ لِبَنِي "سَلَمَةَ" يَرْمُونَ فِيهَا أَقْذَارَهُمْ، وَطَرَحُوهُ هُنَاكَ، وَعَادُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عَمْرُو دَلَفَ (١) إِلَى صَنَمِهِ لِتَحِيَّتِهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ، مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟! … فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ. فَطَفِقَ (٢) يَبْحَثُ عَنْهُ فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ وَخَارِجِهِ، وَهُوَ يُرْغِي وَيُزبدُ (٣) وَيَتَهَدَّدُ وَيَتَوَعَّدُ حَتَّى وَجَدَهُ مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ فِي الْحُفْرَةِ، فَغَسَلَهُ، وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا لَأَخْزَيْتُهُ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَدَا الْفِتْيَةُ عَلَى "مَنَاةَ" فَفَعَلُوا فِيهِ مِثْلَ فِعْلِهِمْ بِالْأَمْسِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْحُ الْتَمَسَهُ (٤) فَوَجَدَهُ فِي الْحُفْرَةِ مُلَطَّخًا بِالْأَقْذَارِ، فَأَخَذَهُ وَغَسَلَهُ وَطَيَّبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ. وَمَا زَالَ الْفِتْيَةُ يَفْعَلُونَ بِالصَّنِم مِثْلَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمَّا ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا؛ رَاحَ إِلَيْهِ قَبْلَ مَنَامِهِ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ فَعَلَّقَهُ بِرَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ: يا "مَنَاةُ"، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ هَذَا الَّذِي تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَادْفَعِ الشَّرَّ عَنْ نَفْسِكَ، وَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ … ثُمَّ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ. فَمَا إِنِ اسْتَيْقَنَ الْفِتْيَةُ مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ قَدْ غَطَّ فِي نَوْمِهِ حَتَّى هَبُّوا إِلَى الصَّنَمِ؛ فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ وذَهَبُوا بِهِ خَارِجَ الْمَنْزِلِ، وَقَرَنُوهُ (٥) إِلَى كَلْبٍ مَيِّتٍ بِحَبْلٍ، وَأَلْقَوْا بِهِمَا فِي بِئْرٍ لِبَنِي "سَلَمَةَ" تَسِيلُ إِلَيْهَا الْأَقْذَارُ وَتَتَجَمَّعُ فِيهَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الشَّيْخُ وَلَمْ يَجِدِ الصَّنَمَ خَرَجَ يَلْتَمِسُهُ؛ فَوَجَدَهُ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْبِئْرِ، مَقْرُونًا إِلَى كَلْبِ مَيَّتٍ، وَقَدْ سُلِبَ مِنْهُ السَّيْفُ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنَ الْحُفْرَةِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ حَيْثُ أَلْقَوْهُ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

стр. 74

وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَيْهَا لَمْ تَكُنْ … أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ دَخَلَ فِي دِينِ الله. * * * تَذَوَّقَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ، مَا جَعَلَهُ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ قَضَاهَا فِي الشِّرْكِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الدِّينِ الْجَدِيدِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَوَضَعَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. * * * وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى كَانَتْ "أُحُدٌ"، فَرَأَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَبْنَاءَهُ الثَّلَاثَةَ يَتَجَهَّزُونَ لِلقَاءِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ غَادِينَ رَائِحِينَ كَأُسْدِ الشَّرَى (١) وَهُمْ يَتَوَهَّجُونَ شَوْقًا إِلَى نَيْلِ الشَّهَادَةِ وَالْفَوْزِ بِمَرْضَاةِ اللَّهِ، فَأَثَارَ الْمَوْقِفُ حَمِيَّتَهُ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَغْدُوَ مَعَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . لَكِنَّ الْفِتْيَةَ أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ أَبِيهِمْ مِمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ … فَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ، وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ أَعْرَجُ شَدِيدُ الْعَرَج، وَقَدْ عَذَرَهُ اللَّهُ فِيمَنْ عَذَرَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَانَا إِنَّ اللَّهَ عَذَرَكَ، فَعَلَامَ تُكَلِّفُ نَفْسَكَ مَا أَعْفَاكَ اللَّهُ مِنْهُ؟!. فَغَضِبَ الشَّيْخُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَشَدَّ الْغَضَبِ، وَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ يَشْكُوهُمْ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبْنَائِي هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذَا الْخَيْرِ وَهُمْ يَتَذَرَّعُونَ (٢) بِأَنِّي أَعْرَجُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊ لِأَبْنَائِهِ: (دَعُوهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ) … فَخَلَّوْا عَنْهُ إِذْعَانًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * * * وَمَا إِنْ أَزِفَ (٣) وَقْتُ الْخُرُوجِ، حَتَّى وَدَّعَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ زَوْجَتَهُ

стр. 75

وَدَاعَ مُفَارِقٍ لَا يَعُودُ … ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَرَفَعَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ وَلَا تَرُدَّنِي إِلَى أَهْلِي خَائِبًا. ثُمَّ انْطَلَقَ يُحِيطُ بِهِ أَبْنَاؤُهُ الثَّلَاثَةُ، وَجُمُوعٌ كَبِيرَةٌ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي "سَلَمَةَ". وَلَمَّا حَمِي وَطِيسُ (١) الْمَعْرَكَةِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، شُوهِدَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ يَمْضِي فِي الرَّعِيلِ (٢) الْأَوَّلِ، وَيَثِبُ عَلَى رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ وَثْبًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى الْجَنَّةِ، إِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى الْجَنَّةِ … وَكَانَ وَرَاءَهُ ابْنُهُ "خَلَّادٌ". وَمَا زَالَ الشَّيْخُ وَفَتَاهُ يُجَالِدَانِ (٣) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى خَرَّا صَرِيعَيْنِ شَهِيدَيْنِ عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، لَيْسَ بَيْنَ الِابْنِ وَأَبِيهِ إِلَّا لَحَظَاتٌ. * * * وَمَا إِنْ وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا (٤) حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ لِيُوَارِيَهُمْ تُرَابَهُمْ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (خَلُّوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَجِرَاحِهِمْ، فَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ). ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُكْلَمُ (٥) فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسِيلُ دَمًا، اللَّوْنُ كَلَوْنِ الزَّعْفَرَانِ، وَالرِّيحُ كَرِيحِ الْمِسْكِ). ثُمَّ قَالَ: (ادْفِنُوا عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَقَدْ كَانَا مُتَحَابَّيْنِ مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا). * * * رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ شُهَدَاءِ "أُحُدٍ"، وَنَوَّرَ لَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ (*).
следующие страницы →