← Тараджим

Тараджим · id 30089

صور من حياة الصحابة

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (979 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رَأَتْ هِنْدُ زَوْجَةُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحٍ، أَنَّ "يَثْرِبَ" غَلَبَ عَلَى أَهْلِهَا الْإِسْلَامُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ السَّادَةِ الْأَشْرَافَ أَحَدٌ عَلَى الشِّرْكِ سِوَى زَوْجِهَا وَنَفَرٍ قَلِيلٍ مَعَهُ … وَكَانَتْ تُحِبُّهُ وَتُجِلُّهُ، وَتُشْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَيَصِيرَ إِلَى النَّارِ. وَكَانَ هُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَخْشَى عَلَى أَبْنَائِهِ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْ دِينِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَأَنْ يَتَّبعُوا هَذَا الدَّاعِيَةَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، الَّذِي اسْتَطَاعَ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ أَنْ يُحَوِّلَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ دِينِهِمْ، وَأَنْ يُدْخِلَهُمْ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَا هِنْدُ، احْذَرِي أَنْ يَلْتَقِيَ أَوْلَادُكِ بِهَذَا الرَّجُلِ [يَعْنِي مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ] حَتَّى نَرَى رَأْيَنَا فِيهِ. فَقَالَتْ: سَمْعًا وَطَاعَةً، وَلَكِنْ هَلْ لَكَ أَنْ تَسْمَعَ مِنِ ابْنِكَ مُعَاذٍ مَا يَرْوِيهِ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ؟. فَقَالَ: وَيْحَكِ (١)، وَهَلْ صَبَأ (٢) مُعَادٌ عَنْ دِينِهِ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ؟. فَأَشْفَقَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ عَلَى الشَّيْخِ وَقَالَتْ: كَلَّا، وَلَكِنَّهُ حَضَرَ بَعْضَ مَجَالِسِ هَذَا الدَّاعِيَةِ، وَحَفِظَ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ. فَقَالَ: ادْعُوهُ إِلَيَّ … فَلَمَّا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: أَسْمِعْنِي شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ هَذَا الرَّجُلُ، فَقَالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٣). فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَمَا أَجْمَلَهُ؟! أَوَ كُلُّ كَلَامِهِ مِثْلُ هَذَا؟!.

стр. 72

فَقَالَ مُعَادٌ: وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا يَا أَبَتَاهُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُبَايِعَهُ، فَقَوْمُكَ جَمِيعًا قَدْ بَايَعُوهُ … سَكَتَ الشَّيْخُ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ: لَسْتُ فَاعِلًا حَتَّى أَسْتَشِيرَ "مَنَاةَ" فَأَنْظُرَ مَا يَقُولُ. فَقَالَ لَهُ الْفَتَى: وَمَا عَسَى أَنْ يَقُولَ "مَنَاةُ" يَا أَبَتَاهُ، وَهُوَ خَشَبٌ أَصَمُّ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَنْطِقُ. فَقَالَ الشَّيْخُ -فِي حِدَّة-: قُلْتُ لَكَ: لَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُ (١). * * * ثُمَّ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى "مَنَاةَ" -وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُكَلِّمُوهُ جَعَلُوا خَلْفَهُ امْرَأَةً عَجُوزًا، فَتُجِيبُ عَنْهُ بِمَا يُلْهِمُهَا إِيَّاهُ -فِي زَعْمِهِمْ-، ثُمَّ وَقَفَ أَمَامَهُ بِقَامَتِهِ الْمَمْدُودَةِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ، فَقَدْ كَانَتِ الْأُخْرَى عَرْجَاءَ شَدِيدَةَ الْعَرَجِ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ أَطْيَبَ الثَّنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: يَا "مَنَاةُ" لَا رَيْبَ أَنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ بِأَنَّ هَذَا الدَّاعِيَةَ الَّذِي وَفَدَ عَلَيْنَا مِنْ مَكَّةَ لَا يُرِيدُ أَحَدًا بِسُوءٍ سِوَاكَ … وَأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيَنْهَانَا عَنْ عِبَادَتِكَ … وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ أُبَايِعَهُ -عَلَى الرَّغْمِ مِمَّا سَمِعْتُهُ مِنْ جَمِيلِ قَوْلِهِ- حَتَّى أَسْتَشِيرَكَ، فَأَشِرْ عَلَيَّ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ "مَنَاةُ" بِشَيْءٍ. فَقَالَ: لَعَلَّكَ قَدْ غَضِبْتَ … وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْ شَيْئًا يُؤْذِيكَ بَعْدُ … وَلَكِنْ لَا بَأْسَ، فَسَأَتْرُكُكَ أَيَّامًا حَتَّى يَسْكُتَ عَنْكَ الْغَضَبُ. * * * كَانَ أَبْنَاءُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ يَعْرِفُونَ مَدَى تَعَلَّقِ أَبِيهِمْ بِصَنَمِهِ "مَنَاةَ"، وَكَيْفَ أَنَّهُ غَدَا مَعَ الزَّمَنِ قِطْعَةً مِنْهُ، وَلَكِنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَنَّهُ بَدَأَتْ تَتَزَعْزَعُ مَكَانَتُهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَزِعُوهُ مِنْ نَفْسِهِ انْتِرَاعًا، فَذَلِكَ سَبِيلُهُ إِلَى الْإِيمَانِ. * * * أَدْلَجَ (٢) أَبْنَاءُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ مَعَ صَدِيقِهِمْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِلَى "مَنَاةَ"

стр. 73

في اللَّيْلِ، وَحَمَلُوهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى حُفْرَةٍ لِبَنِي "سَلَمَةَ" يَرْمُونَ فِيهَا أَقْذَارَهُمْ، وَطَرَحُوهُ هُنَاكَ، وَعَادُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عَمْرُو دَلَفَ (١) إِلَى صَنَمِهِ لِتَحِيَّتِهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ، مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟! … فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ. فَطَفِقَ (٢) يَبْحَثُ عَنْهُ فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ وَخَارِجِهِ، وَهُوَ يُرْغِي وَيُزبدُ (٣) وَيَتَهَدَّدُ وَيَتَوَعَّدُ حَتَّى وَجَدَهُ مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ فِي الْحُفْرَةِ، فَغَسَلَهُ، وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا لَأَخْزَيْتُهُ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَدَا الْفِتْيَةُ عَلَى "مَنَاةَ" فَفَعَلُوا فِيهِ مِثْلَ فِعْلِهِمْ بِالْأَمْسِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْحُ الْتَمَسَهُ (٤) فَوَجَدَهُ فِي الْحُفْرَةِ مُلَطَّخًا بِالْأَقْذَارِ، فَأَخَذَهُ وَغَسَلَهُ وَطَيَّبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ. وَمَا زَالَ الْفِتْيَةُ يَفْعَلُونَ بِالصَّنِم مِثْلَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمَّا ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا؛ رَاحَ إِلَيْهِ قَبْلَ مَنَامِهِ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ فَعَلَّقَهُ بِرَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ: يا "مَنَاةُ"، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ هَذَا الَّذِي تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَادْفَعِ الشَّرَّ عَنْ نَفْسِكَ، وَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ … ثُمَّ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ. فَمَا إِنِ اسْتَيْقَنَ الْفِتْيَةُ مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ قَدْ غَطَّ فِي نَوْمِهِ حَتَّى هَبُّوا إِلَى الصَّنَمِ؛ فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ وذَهَبُوا بِهِ خَارِجَ الْمَنْزِلِ، وَقَرَنُوهُ (٥) إِلَى كَلْبٍ مَيِّتٍ بِحَبْلٍ، وَأَلْقَوْا بِهِمَا فِي بِئْرٍ لِبَنِي "سَلَمَةَ" تَسِيلُ إِلَيْهَا الْأَقْذَارُ وَتَتَجَمَّعُ فِيهَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الشَّيْخُ وَلَمْ يَجِدِ الصَّنَمَ خَرَجَ يَلْتَمِسُهُ؛ فَوَجَدَهُ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْبِئْرِ، مَقْرُونًا إِلَى كَلْبِ مَيَّتٍ، وَقَدْ سُلِبَ مِنْهُ السَّيْفُ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنَ الْحُفْرَةِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ حَيْثُ أَلْقَوْهُ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

стр. 74

وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَيْهَا لَمْ تَكُنْ … أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ دَخَلَ فِي دِينِ الله. * * * تَذَوَّقَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ، مَا جَعَلَهُ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ قَضَاهَا فِي الشِّرْكِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الدِّينِ الْجَدِيدِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَوَضَعَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. * * * وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى كَانَتْ "أُحُدٌ"، فَرَأَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَبْنَاءَهُ الثَّلَاثَةَ يَتَجَهَّزُونَ لِلقَاءِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ غَادِينَ رَائِحِينَ كَأُسْدِ الشَّرَى (١) وَهُمْ يَتَوَهَّجُونَ شَوْقًا إِلَى نَيْلِ الشَّهَادَةِ وَالْفَوْزِ بِمَرْضَاةِ اللَّهِ، فَأَثَارَ الْمَوْقِفُ حَمِيَّتَهُ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَغْدُوَ مَعَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . لَكِنَّ الْفِتْيَةَ أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ أَبِيهِمْ مِمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ … فَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ، وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ أَعْرَجُ شَدِيدُ الْعَرَج، وَقَدْ عَذَرَهُ اللَّهُ فِيمَنْ عَذَرَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَانَا إِنَّ اللَّهَ عَذَرَكَ، فَعَلَامَ تُكَلِّفُ نَفْسَكَ مَا أَعْفَاكَ اللَّهُ مِنْهُ؟!. فَغَضِبَ الشَّيْخُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَشَدَّ الْغَضَبِ، وَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ يَشْكُوهُمْ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبْنَائِي هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذَا الْخَيْرِ وَهُمْ يَتَذَرَّعُونَ (٢) بِأَنِّي أَعْرَجُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊ لِأَبْنَائِهِ: (دَعُوهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ) … فَخَلَّوْا عَنْهُ إِذْعَانًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * * * وَمَا إِنْ أَزِفَ (٣) وَقْتُ الْخُرُوجِ، حَتَّى وَدَّعَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ زَوْجَتَهُ

стр. 75

وَدَاعَ مُفَارِقٍ لَا يَعُودُ … ثُمَّ اتَّجَهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَرَفَعَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ وَلَا تَرُدَّنِي إِلَى أَهْلِي خَائِبًا. ثُمَّ انْطَلَقَ يُحِيطُ بِهِ أَبْنَاؤُهُ الثَّلَاثَةُ، وَجُمُوعٌ كَبِيرَةٌ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي "سَلَمَةَ". وَلَمَّا حَمِي وَطِيسُ (١) الْمَعْرَكَةِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، شُوهِدَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ يَمْضِي فِي الرَّعِيلِ (٢) الْأَوَّلِ، وَيَثِبُ عَلَى رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ وَثْبًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى الْجَنَّةِ، إِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى الْجَنَّةِ … وَكَانَ وَرَاءَهُ ابْنُهُ "خَلَّادٌ". وَمَا زَالَ الشَّيْخُ وَفَتَاهُ يُجَالِدَانِ (٣) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى خَرَّا صَرِيعَيْنِ شَهِيدَيْنِ عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، لَيْسَ بَيْنَ الِابْنِ وَأَبِيهِ إِلَّا لَحَظَاتٌ. * * * وَمَا إِنْ وَضَعَتِ الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا (٤) حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ لِيُوَارِيَهُمْ تُرَابَهُمْ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (خَلُّوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَجِرَاحِهِمْ، فَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ). ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُكْلَمُ (٥) فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسِيلُ دَمًا، اللَّوْنُ كَلَوْنِ الزَّعْفَرَانِ، وَالرِّيحُ كَرِيحِ الْمِسْكِ). ثُمَّ قَالَ: (ادْفِنُوا عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَقَدْ كَانَا مُتَحَابَّيْنِ مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا). * * * رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ شُهَدَاءِ "أُحُدٍ"، وَنَوَّرَ لَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ (*).

стр. 76

عَبْد اللهِ بنُ جَحْشٍ "أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ" الصَّحَابِيُّ الَّذِي نَسُوقُ عَنْهُ الْحَدِيثَ -الْآنَ- وَثِيقُ الصِّلَةِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَوَّلِيَّاتِ فِي الْإِسْلَامِ. فَهُوَ ابْنُ عَمَّةٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ عَمَّةَ النَّبِيِّ ﵊. وَهُوَ صِهْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ لأَنَّ أُخْتَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ كَانَتْ زَوْجَةَ النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ ، وَإِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عُقِدَ لَهُ لِوَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ … وَهُوَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ. * * * أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ النَّبِيُّ ﵊ دَارَ "الْأَرْقَمِ"، فَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَلَمَّا أَذِنَ النَّبِيُّ ﵊ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فِرَارًا بِدِينِهِمْ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ ثَانِيَ الْمُهَاجِرِينَ إِذْ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى هَذَا الْفَضْل إِلَّا أَبُو سَلَمَةَ (١).

стр. 77

عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ، وَمُفَارَقَةَ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ فِي سَبِيلِهِ، لَمْ تَكُنْ أَمْرًا جَدِيدًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَقَدْ هَاجَرَ هُوَ وَبَعْضُ ذَوِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَى الْحَبَشَةِ". لَكِنَّ هِجْرَتَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتْ أَشْمَلَ وَأَوْسَعَ، فَقَدْ هَاجَرَ مَعَهُ أَهْلُهُ وَذَرُوهُ، وَسَائِرُ بَنِي أَبِيهِ رِجَالًا وَنِسَاءً، وَشِيبًا وَشُبَّانًا، وَصِبْيَةً وَصَبِيَّاتٍ، فَقَدْ كَانَ بَيْتُهُ بَيْتَ إِسْلَامِ، وَقَبِيلُهُ قَبِيلَ إِيمَانٍ. فَمَا إِنْ فَصَلُوا (١) عَنْ مَكَّةَ حَتَّى بَدَتْ دِيَارُهُمْ حَزِينَةً كَئِيبَةً، وَغَدَتْ خَوَاءً خَلَاءً كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَنِيسٌ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَسْمُرْ فِي رُبُوعِهَا سَامِرٌ. وَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى هِجْرَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى خَرَجَ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ يَطُوفُونَ فِي أَحْيَاءِ مَكَّةَ؛ لِمَعْرِفَةِ مَنْ رَحَلَ عَنْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. فَنَظَرَ عُتْبَةُ إِلَى مَنَازِلِ بَنِي جَحْشٍ تَتَنَاوَحُ فِيهَا الرِّيَاحُ السَّافِيَاتُ (٢) وَتَخْفِقُ (٣) أَبْوَابَهَا خَفْقًا وَقَالَ: أَصْبَحَتْ دِيَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلَاءً تَبْكِي أَهْلَهَا … فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَنْ هَؤُلَاءِ حَتَّى تَبْكِيَهُمُ الدِّيَارُ؟!!. ثُمَّ وَضَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ عَلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَقَدْ كَانَتْ أَجْمَلَ هَذِهِ الدُّورِ وَأَغْنَاهَا، وَجَعَلَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا وَفِي مَتَاعِهَا كَمَا يَتَصَرَّفُ الْمَالِكُ فِي ملكه. فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ بِدَارِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:

стр. 78

(أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ بِهَا دَارًا فِي الْجَنَّةِ؟). قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (فَذَلِكَ لَكَ). فَطَابَتْ نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَرَّتْ عَيْنُهُ. * * * مَا كَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَسْتَقِرُّ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَكَبَّدَهُ مِنْ نَصَبٍ (١) فِي هِجْرَتَيْهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ … وَمَا كَادَ يَذُوقُ شَيْئًا مِنْ طَعْمِ الرَّاحَةِ فِي كَنَفِ الْأَنْصَارِ؛ بَعْدَ مَا نَالَهُ مِنْ أَذًى عَلَى يَدِ قُرَيْشٍ، حَتَّى شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَقْسَى امْتِحَانٍ عَرَفَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَأَنْ يُعَانِيَ أَعْنَفَ تَجْرِبَةٍ لَقِيَهَا مُنْذُ أَسْلَمَ. فَلْنُرْهِفِ السَّمْعَ لِقِصَّةِ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ الْقَاسِيَةِ الْمُرَّةِ … * * * انْتَدَبَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةً مِنْ أَصْحَابِهِ لِلْقِيَامِ بِأَوَّلِ عَمَلٍ عَسْكَرِيٍّ فِي الْإِسْلَامِ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (٢) وَقَالَ: (لَأَؤَمِّرَنَّ عَلَيْكُمْ أَصْبَرَكُمْ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ)، ثُمَّ عَقَدَ لِوَاءَهُمْ (٣) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ؛ فَكَانَ أَوَّلَ أَمِيرِ أُمِّرَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤). * * * حَدَّدَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وِجْهَتَهُ، وَأَعْطَاهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَنْظُرَ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ.

стр. 79

فَلَمَّا انْقَضَى عَلَى مَسِيرَةِ السَّرِيَّةِ يَوْمَانِ نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ فَإِذَا فِيهِ: (إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ "نَخْلَةَ" بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ، فَتَرَصَّدْ بِهَا قُرَيْشًا، وَقِفْ لَنَا عَلَى أَخْبَارِهِمْ .... ). وَمَا إِنْ أَتَمَّ عَبْدُ اللَّهِ الْكِتَابَ حَتَّى قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةٌ لِنَبِيِّ اللَّهِ … ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَمْضِي إِلَى "نَخْلَةَ" لِأَرْصُدَ قُرَيْشًا حَتَّى آتِيَهُ بِأَخْبَارِهِمْ، وَقَدْ نَهَانِي عَنْ أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الْمُضِيِّ مَعِي، فَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَصْحَبْنِي، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ غَيْرَ مَذْمُومٍ. فَقَالَ الْقَوْمُ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّمَّا نَمْضِي مَعَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ نَبِيُّ اللَّهِ. ثُمَّ سَارَ الْقَوْمُ حَتَّى بَلَغُوا "نَخْلَةَ" وَطَفِقُوا يَجُوسُونَ (١) خِلَالَ الدُّرُوبِ لِيَتَرَصَّدُوا أَخْبَارَ قُرَيْشٍ. وَفِيمَا هُمْ كَذَلِكَ أَبْصَرُوا عَنْ بُعْدٍ قَافِلَةً لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ هُمْ عَمْرُو ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخُوهُ الْمُغِيرَةُ، وَمَعَهُمْ تِجَارَةٌ لِقُرَيْشٍ فِيهَا جُلُودٌ وَزَبِيبٌ وَنَحْوُهَا مِمَّا كَانَتْ تَتَّجِرُ بِهِ قُرَيْشٌ. عِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الصَّحَابَةُ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَ الْيَوْمُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ (٢)، فَقَالُوا: إِنْ قَتَلْنَاهُمْ فَإِنَّمَا نَقْتُلُهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَفِي ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ إِهْدَارِ

стр. 80

حُرْمَةِ هَذَا الشَّهْرِ وَالتَّعَرُّضِ لِسُخْطِ الْعَرَبِ جَمِيعًا … وَإِنْ أَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى يَنْقَضِيَ هَذَا الْيَوْمُ دَخَلُوا فِي أَرْضِ الْحَرَمِ (١) … وَأَصْبَحُوا فِي مَأْمَنِ مِنَّا. وَمَا زَالُوا يَتَشَاوَرُونَ حَتَّى أَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْهِمْ وَقَتْلِهِمْ وَأَخْذِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ غَنِيمَةً … وَفِي لَحَظَاتٍ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ (٢) وَأَسَرُوا اثْنَيْنِ (٣)، وَفَرَّ الرَّابِعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ. * * * اسْتَاقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَصَحْبُهُ الْأَسِيرَيْنِ وَالْعِيرَ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَقَفَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ اسْتَنْكَرَهُ أَشَدَّ الِاسْتِنْكَارِ، وَقَالَ لَهُمْ: (وَاللَّهِ مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ، وَإِنَّمَا أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَقِفُوا عَلَى أَخْبَارِ قُرَيْشٍ، وَأَنْ تَرْصُدُوا حَرَكَتَهَا) … وَأَوْقَفَ الْأَسِيرَيْنِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمَا … وَأَعْرَضَ عَنِ الْعِيرِ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا. عِنْدَ ذَلِكَ سُقِطَ فِي أَيْدِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُمْ هَلَكُوا بِمُخَالَفَتِهِمْ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَزَادَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ ضِيقًا أَنَّ إِخْوَانَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَفِقُوا يُكْثِرُونَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّوْمِ، وَيَزْوَرُّونَ (٤) عَنْهُمْ كُلَّمَا مَرُّوا بِهِمْ وَيَقُولُونَ:

стр. 81

خَالَفُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَدِ ازْدَادُوا حَرَجًا عَلَى حَرَجٍ حِينَ عَلِمُوا أَنَّ قُرَيْشًا اتَّخَذَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ ذَرِيعَةً (١) لِلنَّيْلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّشْهِيرِ بِهِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ؛ فَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اسْتَحَلَّ الشَّهْرَ الْحَرَامَ؛ فَسَفَكَ فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذَ الْمَالَ، وَأَسَرَ الرِّجَالَ … فَلَا تَسَلْ عَنْ مَبْلَغِ حُزْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى مَا فَرَطَ (٢) مِنْهُمْ، وَلَا عَنْ خَجْلَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا أَوْقَعُوهُ فِيهِ مِنَ الْحَرَج. * * * وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْكَرْبُ، وَثَقُلَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، جَاءَهُمُ الْبَشِيرُ يُبَشِّرُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ رَضِيَ عَنْ صَنِيعِهِمْ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ قُرْآنًا … فَلَا تَسَلْ عَنْ مَدَى فَرْحَتِهِمْ، وَقَدْ طَفِقَ النَّاسُ يُقْبِلُونَ عَلَيْهِمْ مُعَانِقِينَ مُبَشِّرِينَ مُهَنِئِّينَ؛ وَهُمْ يَتْلُونَ مَا نَزَلَ فِي عَمَلِهِمْ مِنْ قُرْآنٍ مَجِيدٍ. فَلَقَدْ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُ اللَّهِ عَلَتْ كَلِمَتُهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٣). * * *

стр. 82

فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ طَابَتْ نَفْسُ الرَّسُولِ الكَرِيم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَأَخَذَ الْعِيرَ وَفَدَى الْأَسِيرَيْنِ، وَرَضِيَ عَنْ صَنِيعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ؛ إِذْ كَانَتْ غَزْوَتُهُمْ هَذِهِ حَدَثًا كَبِيرًا فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِينَ … فَغَنِيمَتُهَا أَوَّلُ غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ فِي الْإِسْلَامِ … وَقَتِيلُهَا أَوَّلُ مُشْرِكٍ أَرَاقَ الْمُسْلِمُونَ دَمَهُ … وَأَسِيرَاهَا أَوَّلُ أَسِيرَيْنِ وَقَعَا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ … وَرَايَتُهَا أَوَّلُ رَايَةٍ عَقَدَتْهَا يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ … وَأَمِيرُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ كَانَتْ "بَدْرٌ" فَأَبْلَى فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ مِنْ كَرِيمِ الْبَلَاءِ مَا يَلِيقُ بِإِيمَانِهِ. * * * ثُمَّ جَاءَتْ "أُحُدٌ" فَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَصَاحِبِهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَعَهَا قِصَّةٌ لَا تُنْسَى، فَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لِسَعْدِ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّتَهُ وَقِصَّةَ صَاحِبِهِ. قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: لَمَّا كَانَتْ "أُحُدٌ" لَقِيَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ وَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَخَلَوْنَا فِي نَاحِيَةٍ فَدَعَوتُ فَقُلْتُ: يَا رَبِّ إِذَا لَقِيتُ الْعَدُوَّ فَلَقِّنِي رَجُلًا شَدِيدًا بَأْسُهُ، شَدِيدًا حَرَدُهُ (١)، أُقَاتِلُهُ

стр. 83

وَيُقَاتِلُني، ثُمَّ ارْزُقْنِي الظَّفَرَ عَلَيْهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ (١)، فَأَمَّنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ عَلَى دُعَائِي، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي رَجُلًا شَدِيدًا حَرَدُهُ، شَدِيدًا بَأْسُهُ، أُقَاتِلُهُ فِيكَ وَيُقَاتِلُنِي، ثُمَّ يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعُ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُكَ غَدًا قُلْتَ: فِيمَ جُدِعَ أَنْفُكَ وَأُذُنُكَ؟ … فَأَقُولُ: فِيكَ وَفِي رَسُولِكَ، فَتَقُولُ: صَدَقْتَ … قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: لَقَدْ كَانَتْ دَعْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ خَيْرًا مِنْ دَعْوَتِي، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ آخِرَ النَّهَارِ، وَقَدْ قُتِلَ وَمُثِّلَ بِهِ، وَإِنَّ أَنْفَهُ وَأُذُنَهُ لَمُعَلَّقَانِ عَلَى شَجَرَةٍ بِخَيْطٍ. * * * اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَأَكْرَمَهُ بِالشَّهَادَةِ كَمَا أَكْرَمَ بِهَا خَالَهُ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَوَارَاهُمَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مَعًا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَدُمُوعُهُ الطَّاهِرَةُ تُرَوِّي ثَرَاهُمَا الْمُضَمَّخَ بِطُيُوبِ الشَّهَادَةِ (*).

стр. 84

الكتاب الثاني أَبُو عُبَيْدَة بْنُ الجَرَّاحِ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ "لِكُلٍّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] كَانَ وَضِيءَ الْوَجْهِ، بَهِيَّ الطَّلْعَةِ، نَحِيلَ الْجِسْمِ، طَوِيلَ الْقَامَةِ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ … تَرْتَاحُ الْعَيْنُ لِمَرْآهُ، وَتَأْنَسُ النَّفْسُ لِلُقْيَاةَ، وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ الْفُؤَادُ. وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ رَقِيقَ الْحَاشِيَةِ، جَمَّ (١) التَّوَاضُعِ، شَدِيدَ الْحَيَاءِ؛ لَكِنَّهُ كَانَ إِذَا حَزَبَ (٢) الْأَمْرُ وَجَدَّ الْجِدُّ يَغْدُو كَأَنَّهُ اللَّيْثُ عَادِيًا. فَهُوَ يُشْبِهُ نَصْلَ السَّيْفِ رَوْنَقًا وَبَهَاءً، وَيَحْكِيهِ (٣) حِدَّةً وَمَضَاءً. ذَلِكُمْ هُوَ أَمِينُ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ، عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْفِهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ، الْمُكَنَّى بِأَبِي عُبَيْدَةَ. نَعَتَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَصْبَحُ النَّاسِ وُجُوهًا، وَأَحْسَنُهَا أَخْلَاقًا، وَأَثْبَتُهَا حَيَاءً، إِنْ حَدَّثُوكَ لَمْ يَكْذِبُوكَ (٤)، وَإِنْ حَدَّثْتَهُمْ لَمْ يُكَذِّبُوكَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (٥)، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. * * * كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَدْ أَسْلَمَ فِي اليوم التَّالِي لِإِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ عَلَى يَدَيِ الصِّدِّيقِ نَفْسِهِ، فَمَضَى بِهِ

стр. 85

وَبِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (١) وَبِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ (٢) وَبِالْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْلَنُوا بَيْنَ يَدَيْهِ كَلِمَةَ الْحَقِّ، فَكَانُوا الْقَوَاعِدَ الْأُولَى الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْهَا صَرْحُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ. * * * عَاشَ أَبُو عُبَيْدَةَ تَجْرِبَةَ الْمُسْلِمِينَ الْقَاسِيَةَ فِي مَكَّةَ مُنْذُ بِدَايَتِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا، وَعَانَى مَعَ الْمُسْلِمِينَ السَّابِقِينَ مِنْ عُنْفِهَا وَضَرَاوَتِهَا، وَآلَامِهَا وَأَحْزَانِهَا مَا لَمْ يُعَانِهِ أَتْبَاعُ دِينٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ؛ فَثَبَتَ لِلابْتِلَاءِ (٣)، وَصَدَقَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ. لَكِنَّ مِحْنَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ يَوْمَ "بَدْرٍ" فَاقَتْ فِي عُنْفِهَا حُسْبَانَ الْحَاسِبِينَ وَتَجَاوَزَتْ خَيَالَ الْمُتَخَيِّلِينَ. * * * انْطَلَقَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَوْمَ "بَدْرٍ" يَصُولُ بَيْنَ الصُّفُوفِ صَوْلَةَ مَنْ لَا يَهَابُ الرَّدَى، فَهَابَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَيَجُولُ جَوْلَةَ مَنْ لَا يَحْذَرُ الْمَوْتَ، فَحَذِرَهُ فُرْسَانُ قُرَيْشٍ وَجَعَلُوا يَتَنَحَّوْنَ عَنْهُ كُلَّمَا وَاجَهُوهُ … لَكِنَّ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْهُمْ جَعَلَ يَبْرُزُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَتَحَرَّفُ (٤) عَنْ طَرِيقِهِ وَيَتَحَاشَى (٥) لِقَاءَهُ. وَلَجَّ الرَّجُلُ فِي الْهُجُومِ، وَأَكْثَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنَ التَّنَحِّي، وَسَدَّ الرَّجُلُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَسَالِكَ، وَوَقَفَ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ.

стр. 86

فَلَمَّا ضَاقَ بِهِ ذَرْعًا (١) ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةٌ فَلَقَتْ هَامَتَهُ فَلْقَتَيْنِ؛ فَخَرَّ الرَّجُلُ صَرِيعًا بَيْنَ يَدَيْهِ. لَا تُحَاوِلْ -أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ- أَنْ تُخَمِّنَ مَنْ يَكُونُ الرَّجُلُ الصَّرِيعُ … أَمَا قُلْتُ لَكَ: إِنَّ عُنْفَ التَّجْرِبَةِ فَاقَ حُسْبَانَ الْحَاسِبِينَ، وَجَاوَزَ خَيَالَ الْمُتَخَيِّلِينَ؟ … وَلَقَدْ يَتَصَدَّعُ رَأْسُكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الرَّجُلَ الصَّرِيعَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ وَالِدُ أَبِي عُبَيْدَةَ. * * * لَمْ يَقْتُلْ أَبُو عُبَيْدَةَ أَبَاهُ، وَإِنَّمَا قَتَلَ الشِّرْكَ فِي شَخْصِ أَبِيهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي شَأْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَشَأْنِ أَبِيهِ قُرْآنًا فَقَالَ -عَلَتْ كَلِمَتُهُ-: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). * * * لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَجِيبًا مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَدْ بَلَغَ مِنْ قُوَّةِ إِيمَانِهِ بِاللَّهِ وَنُصْحِهِ لِدِينِهِ، وَالأَمَانَةِ عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ مَبْلَغًا طَمَحَتْ إِلَيْهِ نُفُوسٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ. حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدٌ مِنَ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ

стр. 87

الله ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا لِيَحْكُمَ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَمْوَالِنَا اخْتَلَفْنَا فِيهَا، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَرْضِيُّونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمُ الْقَوِيُّ الْأَمِينَ). قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَرُحْتُ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مُبَكِّرًا، وَإِنِّي مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ حُبِّي إِيَّاهَا يَوْمَئِذٍ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَ هَذَا النَّعْتِ … فَلَمَّا صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ الظُّهْرَ، جَعَلَ يَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِينَا حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: (اخْرُجْ مَعَهُمْ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) … فَقُلْتُ: ذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ. * * * وَلَمْ يَكُنْ أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِينًا فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ الْقُوَّةَ إِلَى الْأَمَانَةِ، وَقَدْ بَرَزَتْ هَذِهِ الْقُوَّةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ: بَرَزَتْ يَوْمَ بَعَثَ الرَّسُولُ ﷺ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ لِيَتَلَقَّوْا عِيرًا (١) لِقُرَيْشٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵃ وَعَنْهُ، وَزَوَّدَهُمْ جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً، فَيَمُصُّهَا الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ ضَرْعَ أُمِّهِ، ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا مَاءً؛ فَكَانَتْ تَكْفِيهِ يَوْمَهُ إِلَى اللَّيْلِ. * * *

стр. 88

وَفِي يَوْم "أُحُدٍ" حِينَ هُزِمَ الْمُسْلِمُونَ وَطَفِقَ صَائِحُ الْمُشْرِكِينَ يُنَادِي: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ … دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ … كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَحَدَ النَّفَرِ (١) الْعَشَرَةَ الَّذِينَ أَحَاطُوا بِالرَّسُولِ ﷺ لِيَذُودُوا (٢) عَنْهُ بِصُدُورِهِمْ رِمَاحَ الْمُشْرِكِينَ. فَلَمَّا انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ كُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ (٣) وَشُجَّ جَبِينُهُ، وَغَارَتْ فِي وَجْنَتِهِ حَلْقَتَانِ مِنْ حَلَقِ دِرْعِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ يُرِيدُ انْتِزَاعَهُمَا مِنْ وَجْنَتِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ تَتْرُكَ ذَلِكَ لِي، فَتَرَكَهُ، فَخَشِيَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِنِ اقْتَلَعَهُمَا بِيَدِهِ أَنْ يُؤْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَعَضَّ عَلَى أُولَاهُمَا بِثَنِيَّتِهِ (٤) عَضًا قَوِيًّا مُحْكَمًا فَاسْتَخْرَجَهَا وَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ … ثُمَّ عَضَّ عَلَى الْأُخْرَى بِثَنيَّتِهِ الثَّانِيَةِ فَاقْتَلَعَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ الثَّانِيَةُ … قَالَ أَبُو بَكْر: "فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ هَتَمًا (٥) ". * * * لَقَدْ شَهِدَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مُنْذُ صَحِبَهُ إِلَى أَنْ وَافَاهُ الْيَقِينُ (٦). فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّقِيفَةِ (٧)، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ).

стр. 89

فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا كُنْتُ لِأَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَؤُمَّنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّنَا حَتَّى مَاتَ. ثُمَّ بُويعَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَيْرَ نَصِيحٍ لَهُ فِي الْحَقِّ، وَأَكْرَمَ مِعْوَانٍ لَهُ عَلَى الْخَيْرِ. ثُمَّ عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بِالْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى الْفَارُوقِ، فَدَانَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالطَّاعَةِ، وَلَمْ يَعْصِهِ فِي أَمْرٍ، إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. فَهَلْ تَدْرِي مَا الْأَمْرُ الَّذِي عَصَى فِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ أَمْرَ خَلِيفِةِ الْمُسْلِمِينَ؟!. لَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ حِينَ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي بِلَادِ الشَّامِ يَقُودُ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَصْرٍ إِلَى نَصْرٍ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الدِّيَارَ الشَّامِيَّةَ كُلَّهَا. فَبَلَغَ الْفُرَاتَ شَرْقًا وَآسْيَا الصُّغْرَى شَمَالًا. عِنْدَ ذَلِكَ دَهَمَ بِلَادَ الشَّامِ طَاعُونٌ مَا عَرَفَ النَّاسُ مِثْلَهُ قَطُّ؛ فَجَعَلَ يَحْصُدُ النَّاسَ حَصْدًا … فَمَا كَانَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَّا أَنْ وَجَّهَ رَسُولًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِرِسَالَةٍ يَقُولُ فِيهَا: إِنِّي بَدَتْ (١) لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ لَا غِنَى لِي عَنْكَ فِيهَا، فَإِنْ أَتَاكَ كِتَابِي لَيْلًا فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ (٢) أَلَّا تُصْبِحَ حَتَّى تَرْكَبَ إِلَيَّ، وَإِنْ أَتَاكَ نَهَارًا فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ أَلَّا تُمْسِيَ حَتَّى تَرْكَبَ إِلَيَّ.

стр. 90

فَلَمَّا أَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ كِتَابَ الْفَارُوقِ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ حَاجَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيَّ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مَنْ لَيْسَ بِبَاقٍ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ حَاجَتَكَ إِلَيَّ، وَإِنِّي فِي جُنْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَجِدُ بِنَفْسِي رَغْبَةٌ عَنِ الَّذِي يُصِيبُهُمْ (١). وَلَا أُرِيدُ فِرَاقَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيهِمْ أَمْرَهُ … فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَحَلِّلْنِي مِنْ عَزْمِكَ، وَائْذَنْ لِي بِالْبَقَاءِ. فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ الْكِتَابَ بَكَى حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ -لِشِدَّةِ مَا رَأَوْهُ مِنْ بُكَائِهِ-: أَمَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟. فَقَالَ: لا، وَلَكِنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ قَرِيبٌ. وَلَمْ يَكْذِبْ ظَنُّ الْفَارُوقِ، إِذْ مَا لَبِثَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ أُصِيبَ بِالطَّاعُونِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى جُنْدَهُ فَقَالَ: إِنِّي مُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ إِنْ قَبِلْتُمُوهَا لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَتَصَدَّقُوا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَتَوَاصَوْا، وَانْصَحُوا لِأُمَرَائِكُمْ وَلَا تَغُشُوهُمْ … وَلَا تُلْهِكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْمَرْءَ لَوْ عُمِّرَ أَلْفَ حَوْلٍ مَا كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَصْرَعِي هَذَا الَّذِي تَرَوْنَ …

стр. 91

إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْمَوْتَ عَلَى بَنِي آدَمَ فَهُمْ مَيِّتُونَ، وَأَكْيَسُهُمْ (١) أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَأَعْمَلُهُمْ لِيَوْمِ مَعَادِهِ … وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (٢) وَقَالَ: يَا مُعَاذُ، صَلِّ (٣) بِالنَّاسِ. ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ، فَقَامَ مُعَاذٌ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّكُمْ قَدْ فُجِعْتُمْ بِرَجُل -وَاللَّهِ- مَا أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا أَبَرَّ صَدْرًا، وَلَا أَبْعَدَ غَائِلَةً (٤) وَلَا أَشَدَّ حُبًّا لِلْعَاقِبَةِ، وَلَا أَنْصَحَ لِلْعَامَّةِ مِنْهُ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ (*).

стр. 92

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا نَزَلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] كَانَ يَوْمَئِذٍ غُلَامًا يَافِعًا لَمْ يُجَاوِزِ الْحُلُمَ، وَكَانَ يَسْرَحُ فِي شِعَابِ (١) مَكَّةَ بَعِيدًا عَنِ النَّاسِ، وَمَعَهُ غَنَمٌ يَرْعَاهَا لِسَيِّدٍ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ هُوَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مَعِيْطٍ (٢). كَانَ النَّاسُ يُنَادُونَهُ: "ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ" أَمَّا اسْمُهُ فَهْوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَمَّا اسْمُ أَبِيهِ "فَمَسْعُودٌ". * * * كَانَ الْغُلَامُ يَسْمَعُ بِأَخْبَارِ النَّبِي ﷺ الَّذِي ظَهَرَ فِي قَوْمِهِ فَلَا يَأْبَهُ (٣) لَهَا لِصِغَرِ سِنِّهِ مِنْ جِهَةٍ، وَلِبُعْدِهِ عَنِ الْمُجْتَمَعِ الْمَكِّيِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَقَدْ دَأَبَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِغَنَم عُقْبَةَ مُنْذُ الْبُكُورِ ثُمَّ لَا يَعُودُ بِهَا إِلَّا إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ. * * * وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ أَبْصَرَ الْغُلَامُ الْمَكِّيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ كَهْلَيْنِ عَلَيْهِمَا الْوَقَارُ يَتَّجِهَانِ نَحْوَهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَقَدْ أَخَذَ الْجُهْدُ مِنْهُمَا كُلَّ مَأْخَذٍ (٤)، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمَا الظَّمَأُ حَتَّى جَفَّتْ مِنْهُمَا الشِّفَاهُ وَالْحُلُوقُ.

стр. 93

فَلَمَّا وَقَفَا عَلَيْهِ، سَلَّمَا وَقَالَا: يَا غُلَامُ، احْلِبْ لَنَا مِنْ هَذِهِ الشِّيَاهِ مَا نُطْفِئُ بِهِ ظَمَأَنَا، وَنَبْلُّ عُرُوقَنَا. فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا أَفْعَلُ؛ فَالْغَنَمُ لَيْسَتْ لِي، وَأَنَا عَلَيْهَا مُؤْتَمَنٌ … فَلَمْ يُنْكِرِ الرَّجُلَانِ قَوْلَهُ، وَبَدَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا الرِّضَا عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: دُلَّنِي عَلَى شَاةٍ لَمْ يَنْرُ عَلَيْهَا فَحْلٌ (١)، فَأَشَارَ الْغُلَامُ إِلَى شَاةٍ صَغِيرَةِ قَرِيبَةٍ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ مِنْهَا الرَّجُلُ وَاعْتَقَلَهَا، وَجَعَلَ يَمْسَحُ ضَرْعَهَا (٢) بِيَدِهِ وَهُوَ يَذْكُرُ عَلَيْهَا اسْمَ اللَّهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ فِي دَهْشَةٍ؛ وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: وَمَتَى كَانَتِ الشِّيَاهُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَنْزُ عَلَيْهَا الْفُحُولُ تُدِرُّ لَبَنًا؟!. لَكِنَّ ضَرْعَ الشَّاةِ مَا لَبِثَ أَنِ انْتَفَخَ، وَطَفِقَ اللَّبَنُ يَنْبَثِقُ مِنْهُ ثَرًّا (٣) غَزِيرًا. فَأَخَذَ الرَّجُلُ الْآخَرُ حَجَرًا مُجَوَّفًا مِنَ الْأَرْضِ، وَمَلَأَهُ بِاللَّبَنِ، وَشَرِبَ مِنْهُ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ سَقَيَانِي مَعَهُمَا، وَأَنَا لَا أَكَادُ أُصَدِّقُ مَا أَرَى … فَلَمَّا ارْتَوَيْنَا، قَالَ الرَّجُلُ الْمُبَارَكُ لِضَرْعِ الشَّاةِ: انْقَبِضْ … فَمَا زَالَ يَنْقَبِضُ حَتَّى عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. عِنْدَ ذَلِكَ قُلْتُ لِلرَّجُلُ الْمُبَارَكِ: عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ. فَقَالَ لِي: إِنَّكَ غُلَامٌ مُعَلَّمٌ. * * *

стр. 94

كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةَ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَعَ الْإِسْلَامِ … إِذْ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ الْمُبَارَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ إِلَّا الصِّدِّيقَ ﵁. فَقَدْ نَفَرَا (١) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى شِعَابِ مَكَّةَ، لِفَرْطِ مَا أَرْهَقَتْهُمَا (٢) قُرَيْشٌ، وَلِشِدَّةِ مَا أَنْزَلَتْ بِهِمَا مِنْ بَلَاءٍ. * * * وَكَمَا أَحَبَّ الْغُلَامُ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ ﷺ وَصَاحِبَهُ، وَتَعَلَّقَ بِهِمَا، فَقَدْ أُعْجِبَ الرَّسُولُ ﷺ وَصَاحِبُهُ بِالْغُلَامِ وَأَكْبَرَا أَمَانَتَهُ وَحَزْمَهُ؛ وَتَوَسَّمَا (٣) فِيهِ الْخَيْرَ. * * * لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَخْدِمَهُ؛ فَوَضَعَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي خِدْمَتِهِ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم انْتَقَلَ الْغُلَامُ الْمَحْظُوظُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ رِعَايَةِ الْغَنَمِ إِلَى خِدْمَةِ سَيِّدِ الْخَلْقِ وَالْأُمَمِ. * * * لَزِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مُلَازَمَةَ الظَّلِّ لِصَاحِبِهِ، فَكَانَ يُرَافِقُهُ فِي حِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، وَيُصَاحِبُهُ دَاخِلَ بَيْتِهِ وَخَارِجَهُ … إِذْ كَانَ يُوقِظُهُ إِذَا نَامَ، وَيَسْتُرُهُ إِذَا اغْتَسَلَ، وَيُلْبِسُهُ نَعْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ، وَيَخْلَعُهُمَا مِنْ قَدَمَيْهِ إِذَا هَمَّ بِالدُّخُولِ، وَيَحْمِلُ لَهُ عَصَاهُ وَسِوَاكَهُ، وَيَلِجُ الْحُجْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا أَوَى إِلَى حُجْرَتِهِ …

стр. 95

بَلْ إِنَّ الرَّسُولَ ﵊ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ مَتَى شَاءَ، وَالْوُقُوفِ عَلَى سِرِّهِ مِنْ غَيْرِ تَحَرُّجٍ وَلَا تَأْثُّمٍ، حَتَّى دُعِيَ "بِصَاحِبِ سِرِّ" رَسُولِ الله ﷺ . * * * رُبِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ، وَتَخَلَّقَ بِشَمَائِلِهِ (١)، وَتَابَعَهُ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ، حَتَّى قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدْيًا وَسَمْتًا (٢). * * * وَتَعَلَّمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي مَدْرَسَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ أَقْرَإِ الصَّحَابَةِ لِلْقُرْآنِ، وأَفْقَهِهِمْ لِمَعَانِيهِ، وَأَعْلَمِهِمْ بِشَرْع اللَّهِ. وَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حِكَايَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ وَاقِفٌ "بِعَرَفَةَ"، فَقَالَ لَهُ: حِئْتُ -يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- مِنَ "الْكُوفَةِ" وَتَرَكْتُ بِهَا رَجُلًا يُمْلِي الْمَصَاحِفَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ؛ فَغَضِبَ عُمَرُ غَضَبًا قَلَّمَا غَضِبَ مِثْلَهُ، وَانْتَفَخَ حَتَّى كَادَ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ شُعْبَتَي (٣) الرَّحْلِ وَقَالَ: مَنْ هُوَ وَيْحَكَ (٤)؟! … قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. فَمَا زَالَ يَنْطَفِيءُ وَيُسَرَّى عَنْهُ حَتَّى عَادَ إِلَى حَالِهِ، ثُمَّ قَالَ:

стр. 96

وَيْحَكَ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ. وَاسْتَأْنَفَ عُمَرُ كَلَامَهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَيَتَفَاوَضَانِ (١) فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُنْتُ مَعَهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ لَمْ نَتَبَيَّنُهُ (٢) … فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا وَقَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ رَطْبًا كَمَا نَزَلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) … ثُمَّ جَلَسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَدْعُو فَجَعَلَ الرَّسُولُ ﵊ يَقُولُ لَهُ: (سَلْ تُعْطَه … سَلْ تُعْطَهْ) … ثُمَّ أَتْبَعَ عُمَرُ يَقُولُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ لَأَغْدُوَنَّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ وَلَأُبَشِّرَنَّهُ بِتَأْمِينِ الرسول ﷺ عَلَى دُعَائِهِ، فَغَدَوْتُ عَلَيْهِ فَبَشَّرْتُهُ، فَوَجَدْتُ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ؛ فَبَشَّرَهُ … وَلَا وَاللَّهِ مَا سَابَقْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقَنِي إِلَيْهِ. * * * وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ عِلْمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِكِتَابِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ نَزَلَتْ

стр. 97

وَأَعْلَمُ فِيمَا نَزَلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تَنَالُهُ الْمَطِيُّ (١) لأَتَيْتُهُ. * * * لَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مُبَالِغًا فِيمَا قَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَلْقَى رَكْبًا (٢) فِي سَفَرٍ مِنْ أَسْفَارِهِ، وَاللَّيْلُ مُخَيِّمٌ يَحْجُبُ الرَّكْبَ بِظَلَامِهِ. وَكَانَ فِي الرَّكْبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَأَمَرَ عُمَرُ رَجُلًا أَنْ يُنَادِيَهُمْ: مِنْ أَيْنَ الْقَوْمُ؟ … فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ: مِنَ الْفَجِّ الْعَمِيقِ (٣). فَقَالَ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: الْبَيْتَ الْعَتِيق. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ فِيهِمْ عَالِمًا … وَأَمَرَ رَجُلًا فَنَادَاهُمْ: أَيُّ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٤). قَالَ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَحْكَمُ؟. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (٥). فَقَالَ عُمَرُ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَجْمَعُ؟.

стр. 98

فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١). فَقَالَ عُمَرُ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَخْوَفُ (٢)؟. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٣). فَقَالَ عُمَرُ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَرْجَى (٤)؟. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). فَقَالَ عُمَرُ: نَادِهِمْ، أَفِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ؟!. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. * * * ولَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَارِئًا عَالِمًا عَابِدًا زَاهِدًا فَحَسْبُ؛ وَإِنَّمَا كَانَ -مَعَ ذَلِكَ- قَوِيًّا حَازِمًا مُجَاهِدًا مِقْدَامًا إِذَا جَدَّ الْجِدُّ. فَحَسْبُهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مُسْلِمٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ : فَقَدِ اجْتَمَعَ يَوْمًا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَكَّةَ، -وَكَانُوا قِلَّةً مُسْتَضْعَفِينَ- فَقَالُوا:

стр. 99

وَاللَّهِ مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا الْقُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمْ إيَّاهُ؟!. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا أُسْمِعُهُمْ إِيَّاهُ. فَقَالُوا: إِنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ، تَحْمِيهِ وَتَمْنَعُهُ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادُوهُ بِشَرٍّ. فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ اللَّهَ سَيَمْنَعُنِي وَيَحْمِينِي … ثُمَّ غَدًا إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فِي الضُّحَى، وَقُرَيْشٌ جُلُوسٌ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَوَقَفَ عِنْدَ الْمَقَامِ وَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ - ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (١) … وَمَضَى يَقْرَؤُهَا، فَتَأَمَّلَتْهُ قُرَيْشٌ وَقَالَتْ: مَاذَا قَالَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؟! … تَبًّا لَهُ (٢) … إِنَّهُ يَتْلُو بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ … وَقَامُوا إِلَيْهِ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ وَجْهَهُ وَهْوَ يَقْرَأُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْهُ، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا الَّذِي خَشِينَا عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَهْوَنَ فِي عَيْنِي مِنْهُمُ الْآنَ، وَإِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنَّهُمْ (٣) بِمِثْلِهَا غَدًا، قَالُوا:

стр. 100

لَا، حَسْبُكَ (١) لَقَدْ أَسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ. * * * عَاشَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى زَمَنِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ (٢) ﵁، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ جَاءَهُ عُثْمَانُ عَائِدًا، فَقَالَ لَهُ. مَا تَشْتَكِي؟. قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟. قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَائِكَ الَّذِي امْتَنَعْتَ عَنْ أَخْذِهِ مُنْذُ سِنِينَ؟!. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ. قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ. قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟. إِنِّي أَمَرْتُهُنَّ أَنْ يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ … وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قَرَأَ الْوَاقِعَةَ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ (٣) أَبَدًا). * * * وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ؛ لَحِقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَلِسَانُهُ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللَّهِ، نَدِيٌّ بِآيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ.

стр. 101

فَصَلَّى عَلَيْهِ جُمُوعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فِيهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ … ثُمَّ دُفِنَ فِي الْبَقِيعِ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ (*).

стр. 102

سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ "لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ" [قَالَهَا الرَّسُولُ ﷺ وَكَانَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ] قِصَّتُنَا هَذِهِ هِيَ قِصَّةُ السَّاعِي وَرَاءَ الْحَقِيقَةِ، الْبَاحِثِ عَنِ اللَّهِ … قِصَّةُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ وَأَرْضَاهُ. فَلْنَتْرُكُ لِسَلْمَانَ نَفْسِهِ الْمَجَالَ لِيَرْوِيَ لَنَا أَحْدَاثَ قِصَّتِهِ … فَشُعُورُهُ بِهَا أَعْمَقُ، وَرِوَايَتُهُ لَهَا أَدَقُّ وَأَصْدَقُ .... قَالَ سَلْمَانُ: كُنْتُ فَتًى فَارِسِيًا مِنْ أَهْلِ "أَصْبَهَانَ" (١)، مِنْ قَرِيَةٍ يُقَالَ لَهَا: "جَيَّانَ". وَكَانَ أَبِي "دُهْقَانَ" (٢) الْقَرْيَةِ، وَأَغْنَى أَهْلِهَا غِنًى، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً. وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ مُنْذُ وُلِدْتُ، ثُمَّ مَا زَالَ حُبُّهُ لِي يَشْتَدُّ وَيَزْدَادُ عَلَى الأَيَّامِ حَتَّى حَبَسَنِي فِي الْبَيْتِ خَشْيَةً عَلَيَّ؛ كَمَا تُحْبَسُ الْفَتَيَاتُ. وَقَدِ اجْتَهَدْتُ فِي "الْمَجُوسِيَّةِ" (٣)، حَتَّى غَدَوْتُ قَيِّمَ النَّارِ الَّتي كُنَّا نَعْبُدُهَا، وَأُنِيطَ (٤) بِي أَمْرُ إِضْرَامِهَا حَتَّى لَا تَخْبُوَ سَاعَةً فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ … وَكَانَ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ تَدِرُّ عَلَيْنَا غَلَّةً كَبِيرَةً، وَكَانَ أَبِي يَقُومُ (٥) عَلَيْهَا، وَيَجْنِي غَلَّتَهَا.

стр. 103

وَفِي ذَاتِ مَرَّةٍ شَغَلَهُ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى الْقَرْيَةِ شَاغِلٌ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ عَنِ الضَّيْعَةِ بِمَا تَرَى، فَاذْهَبْ إِلَيْهَا وَتَوَلَّ الْيَوْمَ عَنِّي شَأْنَهَا، فَخَرَجْتُ أَقْصُدُ ضَيْعَتَنَا، وَفِيمَا أَنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى؛ فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ فَلَفَتَ ذَلِكَ انْتِبَاهِي. * * * لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى أَوْ أَمْرِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَدْيَانِ لِطُولِ مَا حَجَبَنِي أَبِي عَنِ النَّاسِ فِي بَيْتِنَا، فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ لِأَنْظُرَ مَا يَصْنَعُونَ. فَلَمَّا تَأَمَّلْتُهُمْ أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي دِينِهِمْ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ هَذَا خَيْرٌ مِنَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَلَمْ أَذْهَبْ إِلَى ضَيْعَةِ أَبِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟. قَالُوا: فِي بِلَادِ الشَّامِ. وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ عُدْتُ إِلَى بَيْتِنَا فَتَلَقَّانِي أَبِي يَسْأَلُنِي عَمَّا صَنَعْتُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ إِنِّي مَرَرْتُ بِأُناسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، وَمَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ … فَذُعِرَ أَبِي مِمَّا صَنَعْتُ وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ … دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ. قُلْتُ: كَلَّا - وَاللَّهِ - إِنَّ دِينَهُمْ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، فَخَافَ أَبِي مِمَّا أَقُولُ، وَخَشِيَ أَنْ أَرْتَدَّ عَنْ دِينِي، وَحَبَسَنِي بِالْبَيْتِ، وَوَضَعَ قَيْدًا فِي رِجْلَيَّ. * * *

стр. 104

وَلَمَّا أُتِيحَتْ لِيَ الْفُرْصَةُ بَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى أَقُولُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ يُرِيدُ الذَّهَابَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ فَأَعْلِمُونِي. فَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مُتَّجِهُ إِلَى الشَّامِ، فَأَخْبَرُونِي بِهِ فَاحْتَلْتُ عَلَى قَيْدِي حَتَّى حَلَلْتُهُ، وَخَرَجْتُ مَعَهُمْ مُتَخَفِّيًا حَتَّى بَلَغْنَا بِلَادَ الشَّامِ … فَلَمَّا نَزَلْنَا فِيهَا، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟. قَالُوا: الْأُسْقُفُ (١) رَاعِي الْكَنِيسَةِ، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَلْزَمَكَ وَأَخْدِمَكَ وَأَتَعَلَّمَ مِنْكَ وَأُصَلِّيَ مَعَكَ. فَقَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ عِنْدَهُ وَجَعَلْتُ أَخْدِمُهُ. ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّجُلَ رَجُلُ سُوءٍ؛ فَقَدْ كَانَ يَأْمُرُ أَتْبَاعَهُ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ بِثَوَابِهَا، فَإِذَا أَعْطَوْهُ مِنْهَا شَيْئًا لِيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ مِنْهُ شَيْئًا؛ حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ (٢) مِنَ الذَّهَبِ. فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ مِنْهُ، ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ مَاتَ فَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى لِدَفْنِهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ ذَلِكَ؟!.

стр. 105

قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ. قَالُوا: نَعَمْ دُلَّنَا عَلَيْهِ، فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَفِضَّةً، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ. ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى نَصَّبُوا رَجُلًا آخَرَ مَكَانَهُ، فَلَزِمْتُهُ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَزْهَدَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَرْغَبَ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبَ مِنْهُ عَلَى الْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا جَمًّا (١)، وَأَقِمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَعَ مَنْ تَنْصَحُنِي أَنْ أَكُونَ مِنْ بَعْدِكَ؟. فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا "بِالْمَوْصِل" (٢) هُوَ فُلَانٌ لَمْ يُحَرِّفُ وَلَمْ يُبَدِّلْ فَالْحَقِّ بِهِ. فَلَمَّا مَاتَ صَاحِبِي لَحِقْتُ بِالرَّجُلِ فِي "الْمَوْصِلِ"، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَيْهِ قَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرِي وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ مُسْتَمْسِكٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي … فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى خَيْرٍ حَالٍ. ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ لَقَدْ جَاءَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِي مَا تَعْلَمُ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ … وَمَنْ تَأْمُرُنِي بِاللَّحَاقِ بِهِ؟.

стр. 106

فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا "بِنَصِيبِينَ" (١) وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ. فَلَمَّا غُيِّبَ الرَّجُلُ فِي لَحْدِهِ لَحِقْتُ بِصَاحِبٍ "نَصِيبِينَ" وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدَنَا … فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ مِنَ الْخَيْرِ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: لَقَدْ عَرَفْتَ مِنْ أَمْرِي مَا عَرَفْتَ؛ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟. فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ إِنِّي مَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا إِلَّا رَجُلًا "بِعَمُورِيَّةَ" (٢) هُوَ فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ، فَلَحِقْتُ بِهِ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي … فَأَقَمْتُ عِنْدَ رَجُلٍ كَانَ - وَاللَّهِ - عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ، وَقَدِ اكْتَسَبْتُ وَأَنَا عِنْدَهُ بَقَرَاتٍ وَغُنَيْمَةً. ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ مَا نَزَلَ بِأَصْحَابِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِي مَا تَعْلَمُ؛ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ … وَمَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ؟. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ - وَاللَّهِ - مَا أَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُسْتَمْسِكًا بِمَا كُنَّا عَلَيْهِ … وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ (٣) زَمَانٌ يَخْرُجُ فِيهِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ نَبِيٌّ يُبْعَثُ بِدِينِ

стр. 107

إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ يُهَاجِرُ مِنْ أَرْضِهِ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ (١)، وَلَهُ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى … فَهُوَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ … وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ. ثُمَّ وَافَاهُ الْأَجَلُ؛ فَمَكَثْتُ بَعْدَهُ "بِعَمُّورِيَّةَ" زَمَنًا إِلَى أَنْ مَرَّ بِهَا نَفَرٌ مِنْ تُجَّارِ الْعَرَبِ مِنْ قَبِيلَةِ" كَلْبٍ". فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَمَلْتُمُونِي مَعَكُمْ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ أَعْطَيْتُكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي، فَقَالُوا: نَعَمْ نَحْمِلُكَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا "وَادِي الْقُرَى" (٢) غَدَرُوا بِي وَبَاعُونِي لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَالْتَحَقْتُ بِخِدْمَتِهِ … ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ زَارَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي "قُرَيْظَةَ" فَاشْتَرَانِي مِنْهُ، وَنَقَلَنِي مَعَهُ إِلَى "يَثْرِبَ" فَرَأَيْتُ النَّخْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ لي صَاحِبِي "بِعَمُّورِيَّة"، وَعَرَفْتُ الْمَدِينَةَ بِالْوَصْفِ الَّذِي نَعَتَهَا بِهِ، فَأَقَمْتُ بِهَا مَعَهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ يَدْعُو قَوْمَهُ فِي مَكَّةَ، لَكِنّنِي لَمْ أَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ لانْشِغَالِي بِمَا يُوجِبُهُ عَلَيَّ الرِّقُّ. * * * ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ هَاجَرَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى "يَثْرِبَ"، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهَا بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتَهَا إِذْ أَقَبْلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ وَقَالَ لَهُ:

стр. 108

قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي "قَيْلَةَ" (١)، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ "بِقُبَاءَ" (٢)، عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْيَوْمَ مِنْ مَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَمَا إِنْ سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ حَتَّى مَسَّنِي مَا يُشْبِهُ الْحُمَّى، وَاضْطَرَبْتُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَسْقُطَ عَلَى سَيْدِي، وَبَادَرْتُ إِلَى النُّزُولِ عَنِ النَّخْلَةِ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لِلرَّجُلِ: مَاذَا تَقُولُ؟! أَعِدْ عَلَيَّ الْخَبَرَ … فَغَضِبَ سَيِّدِي وَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ لي: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟! عُدْ إِلَى مَا كُنْتَ فِيهِ مِنْ عَمَلِكَ. * * * وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ أَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ كُنْتُ جَمَعْتُهُ، وَتَوَجَّهْتُ بِهِ إِلَى حَيْثُ يَنْزِلُ الرَّسُولُ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (كُلُوا) … وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَأَخَذْتُ أَجْمَعُ بَعْضَ التَّمْرِ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ "قُبَاءَ" إِلَى الْمَدِينَةِ جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا … فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ.

стр. 109

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ الثَّانِيَةُ … ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ "بِيَقِيعِ الْغَرْقَدِ" (١) حَيْثُ كَانَ يُوَارِي أَحَدَ أَصْحَابِهِ، فَرَأَيْتُهُ جَالِسًا وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ (٢)، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ لَعَلِّي أَرَى الْخَاتِمَ الَّذِي وَصَفَهُ لِي صَاحِبِي فِي "عَمُورِيَّةَ". فَلَمَّا رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ عَرَفَ غَرَضِي؛ فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ الْخَاتِمَ، فَعَرَفْتُهُ فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (مَا خَبَرُكَ؟!). فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتي؛ فَأُعْجِبَ بِهَا، وَسَرَّهُ أَنْ يَسْمَعَهَا أَصْحَابُهُ مِنِّي، فَأَسْمَعْتُهُمْ إِيَّاهَا، فَعَجِبُوا مِنْهَا أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَسُرُّوا بِهَا أَعْظَمَ السُّرُورِ. * * * فَسَلَامٌ عَلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ يَوْمَ قَامَ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِّ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَسَلَامٌ عَلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ يَوْمَ عَرَفَ الْحَقَّ فَآمَنَ بِهِ الْإِيمَانِ. وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ مَاتَ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (*).

стр. 110

عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ "سَيَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ؛ فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ" [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] "مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ" [مِنْ تَحِيَّةِ النَّبِيِّ لِعِكْرِمَةَ] كَانَ فِي أَوَاخِرِ الْعِقْدِ الثَّالِثِ مِنْ عُمُرِهِ، يَوْمَ صَدَعَ (١) نَبِيُّ الرَّحْمَةِ بِدَعْوَةِ الْهُدَى وَالْحَقِّ. وَكَانَ مِنْ أَكْرَمِ قُرَيْشٍ حَسَبًا، وَأَكْثَرِهِمْ مَالًا وَأَعَزِّهِمْ نَسَبًا. وَكَانَ جَدِيرًا بِهِ أَنْ يُسْلِمَ كَمَا أَسْلَمَ نُظَرَاؤُهُ، مِنْ أَمْثَالِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (٢)، وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَبْنَاءِ الْبُيُوتَاتِ الْمَرْمُوقَةِ فِي مَكَّةَ لَوْلَا أَبُوهُ. فَمَنْ يَكُونُ هَذَا الْأَبُ يَا تُرَى؟. إِنَّهُ جَبَّارُ مَكَّةَ الْأَكْبَرُ، وَزَعِيمُ الشِّرْكِ الْأَوَّلُ، وَصَاحِبُ النَّكَالِ (٣) الَّذِي امْتَحَنَ اللهُ بِبَطْشِهِ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَبَتُوا … وَاخْتَبَرَ بِكَيْدِهِ صِدْقَ الْمُوقِنِينَ فَصَدَقُوا … إِنَّهُ أَبُو جَهْلٍ (٤)، وَكَفَى …
следующие страницы →