← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المؤلف الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. أحمده حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به. وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، والهادي إلى الصراط المستقيم، القائل في جوامع كَلِمه: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٢).

стр. 2

الذي من تمسك بهديه وسنته فقد هُدي ورشدَ ونجا، ومن حاد عن سبيله فقد ضل سواء السبيل، وهلك يوم المصير. أما بعد، فينبغي على الإنسان العاقل أن يكون سَعيُهُ وكَدُّه في حياته، تحصيلَ ما ينفعه، وأن يدفع عن نفسه ما يضره، بل يعودُ عليه بالهلكة في دنياه وآخرته. فرأس مال الإنسان الحقيقي في هذه الحياة هو عمره -سنوات حياته وأيامها ولياليها وساعاتها-، وقد اتفق العقلاء على الحكم بالحمق على من يُبَدِّدُ رأس ماله وثروته فيما لا يفيد. وكم من أناس عاشوا أيامهم وأضاعوا أعمارهم فيما لا ينفع، وفي مخالطة ومجالسة من تضر مخالطته ومجالسته، ولا تعود عليهم بصلاحهم. فضاعت بذلك أعمارهم، وفسدت قلوبهم؛ وكل آفة تدخل على العبد فبسبب ضياع الوقت وفساد القلب. ومتى ضاع الوقت وفسد القلب انفرطت على العبد أموره كلها، وكان ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].

стр. 3

ومن تأمل حال كثير من الخلق وجدهم ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله تعالى، واتَّبعوا أهواءهم، وصارت أمورهم ومصالحهم فرطًا. ففرطوا فيما ينفعهم ويعود بصلاحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم بل يعود بضررهم عاجلًا وآجلًا. وكل إنسان مسؤول يوم القيامة عن عمره ماذا فعل فيه، كما أخبر النبي ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأَل عن عمره فيما أفناه» (١). والإنسان ما خُلِقَ إلا لغاية عظيمة ومهمة جسيمة، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. والعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. ولا تكون تلك العبادة تامة ومحبوبة ومرضية إلى الله ، إلا أن يكون الله تعالى شرعها في كتابه، أوسنة رسوله ﷺ . فلا يُعلم المحبوبُ والمرضي له سبحانه إلا بالوحي كتابًا وسنة.

стр. 4

فصار بذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما أصل الأصول، وطريق الوصول إلى تحصيل محبة الله ومرضاته (العبادة). وانقسم الناس بحسب ذلك إلى فريقين: فريق يعبد الله ﵎ بغير ما شرع، فيَتعب ويَنصب ويحسب أنه يحسن صُنْعًا. وفريق يعبد الله ﵎ بما شرع وعلى بصيرة من أمره. وهذه البصيرة التي انقسم الناس بحسبها لا تحصل إلا بالعلم؛ لذلك كان أمرُ الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]، فقدَّم العلم قبل القول والعمل. فلما كان العلم مقدمًا ومطلوبًا قبل القول والعمل، بل هو الموصل إلى تحقيق العبادة على بصيرة -التي هي الغاية من الخلق- كان من أجَلِّ ما تُنفَق فيه الأوقات، ويُبذَل في سبيل تحصيله كل غالٍ ونفيس؛ طلب العلم النافع، وكان أحق الناس بالمخالطة والمجالسة العلماء. ولِمَ لا؟! وفضل طلب العلم وشرفُ أهله عظيم وردت به الآيات والأحاديث والآثار. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا

стр. 5

بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. فقرن شهادته سبحانه بشهادتهم دلالة على فضلهم، وفضل ما أوتوه من العلم. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فقصر الخشية وحصولها في عباده عليهم. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. ونفي الاستواء بين أهل العلم وأهل الجهل؛ دلالة على الفضل في الدنيا، وعظم الجزاء في الآخرة. وما أمر الله نبيه ﷺ أن يستزيد من شيء من الدنيا إلا من العلم، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وقال ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقِّههُ في الدين» (١)، فالفقه في الدين إرادة خير من الله بالعبد.

стр. 6

عن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإنَّ العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا؛ ولكن ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (١). قال علي ﵁: كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نسب إليه (٢). وقال الشاعر الأبرش: تعلَّم فليس المرء يولد عالمًا … وليس أخو علم كمن هو جاهلُ

стр. 7

وإن كبيرَ القومِ لا علم عنده … صغيرٌ إذا التفَّت عليه المحافلُ (١) وقال أبو الدرداء ﵁: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة (٢). وقال أيضًا: (كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا، ولا تكن الرابع فتهلك) (٣). وقال الماوردي: (اعلم أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجَدَّ فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله يُنمي على طالبه) (٤). ونُسِب إلى علي بن أبي طالب ﵁: ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم … على الهدى لمن استهدى أدِلَّاءُ ووزن كل امرئ ما كان يحسنه … والجاهلون لأهل العلم أعداءُ (٥) وقال بعض الحكماء: (ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فاته من أدرك العلم) (٦).

стр. 8

وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد الرجلين: رجلًا تتعلم منه شيئًا في أمر دينك فينفعك، أو رجلًا تعلمه شيئًا في أمر دينه فيتقبل منك، وأما الثالث فاهرب منه (١). وقال الشافعي في الصبر على العلم: اصبر على مر الجفا من معلم … فإن رسوب العلم في نفراته من فاته التعلم وقت شبابه … تجرع مر الجهل طول حياته من لم يذق ذل التعلم ساعة … كَبِّر عليه أربعًا لوفاتهِ (٢) وقال بعضهم في طريق تحصيل العلم: أخي لن تنال العلم إلا بستَّةٍ … سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص وافتقار وبلغة … وتلقين أستاذ وطول زمان (٣) فإذا كان من فضل العلم وأهله ما عرفت، فاعلم أنه من أجَلِّ العلوم قدرًا وأعلاها شرفًا وذكرًا بعد علم العقيدة علم الفقه؛ لما يتعلق به من مصالح العباد في المعاش والمعاد، لذلك كان أولى العلوم بالالتفات إليه.

стр. 9

قال سلمان الفارسي: العمر قصير، والعلم كثير (١)، فالأولى أن يتجه المرء إلى ما ينفعه، وأنفع العلوم في هذه العصور بعد علم العقيدة هو علم الفقه. وقد قال ﷺ : «نضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلِّغه، فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيه» (٢). • فإذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ ، فلك فيه طريقان: الطريق الأول: إثبات سنده. الطريق الثاني: فَهم متنه، وفقه المتن هو رأس الأمر. ولا سبيل إلى هذا الفقه إلا بالنظر في الأدلة -الكتاب والسنة-، واستنباط الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية منها، ولا يتأتى ذلك إلا بعلم جليل هو علم أصول الفقه. فليس الفقيه من يحفظ المسائل والفروع والأحكام، إنما الفقيه الذي يملك القدرة، وله من الملكة والنظر ما يُمَكِّنُه من استنباط هذه

стр. 10

الأحكام من الأدلة. فموضع علم أصول الفقه من الفقه موضع الأساس من البناء، وموضع الأصل من الفرع. لذلك يقول الإمام الزركشي: أشرف العلوم بعد الاعتقاد الصحيح معرفة الأحكام العملية (الفقه)، ومعرفة ذلك بالتقليد، ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن، ولا ينشرح به الصدر، لعدم أخذه بالدليل. وشتان بين من يأتي بالعبادة تقليدًا لإمامه بمعقوله، وبين من يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض من ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وادرع ملابسه الضافية، وسبح في بحره، وربح من مكنون دره (١) اه. وقال أبو بكر الشاشي في كتابه الأصول: اعلم أنَّ النص على حكم كل حادثة عينًا معدوم، وأنَّ للأحكام أصولًا وفروعًا، وأنَّ الفروع لا تدرك إلا بأصولها، وأنَّ النتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، فحق أن يبدأ بالإبانة عن الأصول؛ لتكون سببًا إلى معرفة

стр. 11

الفروع (١) اه. فلا ترسخ للفقيه قدمٌ في الفقه إلا برسوخه في أصول الفقه، بل لا يكون فقيهًا إلا إذا حصَّل مسائله وسلك مسالكه. قال الزركشي: الأصولي غير الفقيه كالطبيب الذي لا عقار عنده، أما الفقيه غير الأصولي كالعطار عنده كل عقار، لكنه لا يعلم النافع من الضار (٢) اه. فلا غنى عن الأصول مع الفقه بحال من الأحوال، ومن أراد الرسوخ في الفقه؛ فعليه البداءة في طلبه بعلم الأصول على الصحيح. فهو العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يُلجأ إليه عند تحرير المسائل وتقرير الدلائل في غالب الأحكام. ولأجل شرف علم الأصول ورفعته؛ وفَّر الله دواعي الخلق على طلبته، وكان العلماء به أرفع مكانًا وأجلهم شأنًا، وأكثرهم أتباعًا وأعوانًا. فهو علم الفحول من الرجال، ألا ترى -كما قال الشوكاني-: إذا استشهد أحدهم لما قاله بكلمة من كلام أهل الأصول أذعن له

стр. 12

المنازعون وإن كانوا من الفحول؛ لاعتقادهم أنَّ مسائل هذا العلم قواعد مؤسسة على الحق الحقيق بالقبول (١). ومن أجل ذلك جمعنا هذا الجمع استطردنا فيه في مسائل هذا العلم، وحاولنا بعون الله وتوفيقه الإلمام بما استطعنا من شارده ووارده، وجمعنا فيه بين فرعي علم الأصول، الأول منهما: هو ما يبحث في الدليل، وكيفية الاستدلال، وبيان حال المستدل ونحوه، والثاني هو: علم المقاصد الذي هو روح الشريعة وقطب رحاها، الذي يبحث عن علل الأحكام، وإظهار الحِكَم التي من أجلها شرع الله تعالى أحكامه؛ لذا سميته (جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد)، ولما كان المقصود من دراسة علم الأصول هو التطبيق العملي لقواعده في أحكام الشريعة فقهًا، وعقيدة، وغيرها من فهم الواقع ومعالجته، والربط بين أحكام الشريعة وواقع الناس في صورة من التوافق والفهم والعلم، والحفاظ على ثوابت الشريعة مع مراعاة حال الناس وعاداتهم وأعرافهم ختمنا الكتاب بجزء خاص سطَّرنا فيه بعض التدريبات والتطبيقات العملية لقواعد ومسائل هذا العلم المبارك لكي تحصل لطالب العلم والباحث الدربةُ على تطبيق قواعد هذا العلم في مظانه، ويكون بذلك قد حقق المراد من تعلم علم

стр. 13

الأصول إن شاء الله تعالى. واللهَ تعالى أسأل أن يكتب له القبول، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفعنا به، وأن ينفع به طلبة العلم وأهله. ولا يفوتني الشكر لإخواني في الله، وطلبة العلم الفضلاء لما قدموا من جهد وافر معنا في هذا الكتاب، فأسأل الله تعالى أن يتقبل منهم، وأن يجعله في ميزان حسناتهم، وأخص بالذكر الأخوة الفضلاء - دون قصد للترتيب -: الأخ/ محمد جاد. والأخ/ أحمد عزت. والأخ/ مجدي محمود. والأخ/ إبراهيم زكريا. والأخ/ عمر السيد عمر. والأخ/ سيد سويلم. والأخ/ محمد نبيل. والأخ/ محمود العوفي، ومن ساعده في تحقيق أحاديث الكتاب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي

стр. 14

الجزء الأول: المقدمات ويشتمل على أربعة فصول: • الفصل الأول: بعض الشبه الواردة على علم أصول الفقه، والجواب عنها. • الفصل الثاني: المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه. • الفصل الثالث: نشأة علم أصول الفقه وأطواره التي مر بها. • الفصل الرابع: بعض المقدمات والمصطلحات المهمة لدارس علم أصول الفقه.

стр. 15

الفصل الأول بعض الشبه الواردة على علم أصول الفقه، والجواب عنها: إنه مع جلالة هذا العلم وشرفه وعظيم خطره، قد أثيرت حوله شبهات قعدت بالهمم عن سلوك دربه، وتحصيل مسائله وطلبه، فأدى ذلك إلى إهمال هذا العلم، والعزوف عنه عند البعض؛ مما أدى إلى فشو التقليد والجمود، وانتشار التعصب للمذاهب وأقوال الرجال، ففشى الجهل وادعاء العلم، وقعدت الهمم والعقول عن الاجتهاد في النصوص. والسبب في ذلك ما أشرنا إليه من إثارة بعض الشبه حول هذا العلم؛ لذا كان لزامًا أن نبدأ بها لإزالة هذه الشبه قبل تناول مباحث هذا العلم وتأصيله وبيانه، فإنه لا بد من التخلية قبل التحلية.

стр. 16

• الشبهة الأولى: قيل هو ليس علمًا، بل هو نُبَذٌ جُمِعَت من علوم متفرقة. فقالوا: إنَّ بعضه مأخوذ من اللغة، كالكلام عن الأمر والنهي والعام والخاص وغيرها، وبعضه مأخوذ من النحو، كالكلام عن حروف المعاني، والاستثناء، وغيرها، وبعضه مأخوذ من القرآن وعلومه، كالكلام عن مباحث النسخ والمحكم والمتشابه، وبعضه مأخوذ من علم الحديث، كالكلام عن التواتر والآحاد وحجية كل منهما، وغير ذلك من المباحث. فمن أراد أن يتعلم تلك المباحث؛ فليتعلمها من تلك العلوم دون الرجوع إلى علم أصول الفقه. وبهذا لو جرد علم الأصول من هذا، لصار ما انفرد به أصول الفقه شيئًا يسيرًا جدًّا لا فائدة فيه. والجواب عن ذلك: أنه لا يُنْكر أنَّ علم الأصول قد استمد بعض مباحثه من تلك العلوم التي ذكرتموها، ولكن اهتم الأصوليون بتلك المباحث ودرسوها دراسة تختلف عن دراستها لو أخذت من تلك العلوم مباشرة، فقد دقق الأصوليون في فهم أشياء لم يصل إليها المتخصصون بتلك العلوم. فمثلًا: توصل الأصوليون إلى فهم أشياء من كلام العرب لم يصل

стр. 17

إليها النحاة ولا اللغويون، فالنظر في كلام العرب متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي المتعمق. فلقد توصل الأصوليون إلى أحكام في الاستثناء لم يتوصل إليها النحاة في كتبهم. وكذلك عني الأصوليون بدلالات لم يعتن بها النحاة واللغويون كدلالة صيغة الأمر (افعل) على الوجوب، ودلالة صيغة النهي (لا تفعل) على التحريم، وكون (كل) تفيد العموم، ونحو ذلك لا تجده في كتب اللغة والنحو. فهم يبحثون في هذه المباحث التي أخذت من هذه العلوم بحثًا خاصًّا، من جهة الدلالة الموصلة إلى الأحكام الشرعية. ولذلك يقول الطوفي: الكلام يشتمل على لفظ ومعنى، فحظ اللغوي النظر في ألفاظه ببيان ما وضعت له كقوله: العموم: الشمول، والعام: الشامل والتخصيص: تمييز شئ عما شاركه بحكم، وحظ النحوي بيان ما يستحقه من الحركات اللاحقة لآخره إعرابًا أو بناءًا، وحظ التصريفي بيان وزنه، وصحيحه من معتله، وأصله من زائده أو بدله، وغير ذلك من أحكامه.

стр. 18

أما كون العام بعد تخصيصه حجة أو ليس بحجة، حقيقة أو مجازًا، فهذا ليس حظ واحد من هؤلاء، بل حظ الأصولي، والأصولي موضوع علمه المعنى، وإنما ينظر في الألفاظ بطريق العرض في مبادئ الأصول (١). ويقول تقي الدين السبكي: إن الأصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراء زائد على استقراء اللغوي، مثاله دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، و (لا تفعل) على التحريم، وكون (كل وأخواتها) للعموم، وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاء في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التى تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه (٢).

стр. 19

فنظرة الأصولي إلى تلك المباحث تختلف عن نظرة المتخصصين بها. والعلوم تختلف جهات بحثها للموضوعات المشتركة بينها، فالموضوع الواحد قد تشترك عدد من العلوم في بحثه، ولكن كل علم يبحثه من جهة مناسبة لطبيعته، والخلط بين تلك الجهات يؤدي إلى أغلاط متعددة في الاستدلال والفهم، وبعض الموضوعات يكون اختصاصها ببعض العلوم أكثر من غيرها، وتكون تلك العلوم هي الأصل فيها من جهة توسع البحث والدخول في التفاصيل المتعلقة بها (١). فهذا التداخل الموضوعي وهو أن ثمة موضوعات تُبحَث في عدد من العلوم الشرعية لكونها متعلقة بها جميعًا هو نمط من أنماط تأثر العلوم الشرعية وعلاقتها ببعضها البعض، وهذا لا يُنكَر عند من عَمَّقَ النظر في علوم الشريعة. وبهذا لا يمكن تعلم مباحث الأصول إلا بالرجوع إلى ما وضع في علم أصول الفقه.

стр. 20

• الشبهة الثانية: قيل هذا العلم لا فائدة منه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وجواب هذا: أنَّ هذا نتج من عدم المعرفة بحقيقة هذا العلم وثمرته، وقد قيل: من جهل شيئًا عاداه، فهذا العلم هو من أهم شروط الاجتهاد، بل لا يتوصل إلى درجة الاجتهاد إلا به، ولا يمكن للفقيه استنباط حكم شرعي من دليل إلا به. بل لو جهل مسألة -كالقياس مثلًا- من مسائله لا يعد فقيهًا عند البعض. قال الشافعي: من لم يعرف القياس فليس بفقيه. وقال أحمد: لا يستغني أحد عن القياس (١). فإن قيل: إنكم جعلتم علم أصول الفقه أهم شرط من شروط الاجتهاد، فلا يمكن لأحد أن يبلغ درجة الاجتهاد إلا بالرسوخ فيه، فكيف يستقيم ذلك وهو علم مبتدع محدث، فلقد كان الصحابة ﵃ وأتباعهم من كبار المجتهدين، ولم يكن هذا العلم موجودًا حتى جاء الشافعي وصنف فيه وسماه بهذا الاسم.

стр. 21

والجواب عن هذا: أن الصحابة ﵃ وأتباعهم من كبار التابعين كانوا أعلم الخلق بالعلوم، وكانوا أفهم الخلق بدلالات الألفاظ ومقاصد الشريعة متتبعين لها، محيطين بها، وكانوا متمرسين على ذلك. فأكسبتهم تلك الممارسة قوة يفهمون بها مراد الشارع، وما يصلح وما لا يصلح من الأدلة. عرفوا ذلك جزءًا منه سليقة وبلغة العرب، وجزءًا أخذوه عن رسول الله ﷺ ، فعلم أصول الفقه كان موجودًا في زمن النبوة، وفي عصر الصحابة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ثم انتقل من الصحابة إلى التابعين، ولكن لما اتسعت الرقعة الإسلامية وفتحت البلاد فسدت الألسن، وتغيرت الفهوم، وكثرت الحوادث التي تحتاج إلى المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية لتلك الحوادث، مستندة إلى الدليل من الكتاب والسنة؛ فوضع الإمام الشافعي قواعد لذلك، وجمعها في علم مستقل سمي "علم أصول الفقه"، كما جُمِعَت قواعد علم النحو لنفس السبب.

стр. 22

• الشبهة الثالثة: قيل هذا العلم لا يتعلم لقصد صحيح، بل يتعلم للرياء والسمعة. الجواب عن ذلك: إنَّ هذا غير صحيح جملة وتفصيلًا، فالقصد من تعلم علم أصول الفقه معرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، أما إذا فسدت نية صاحبه فتعلمه للرياء والسمعة، فهذا وارد على كل العلوم ولا يختص بأصول الفقه، وكل شخص سيحاسب عن قصده في تعلم أي علم من العلوم قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١). • الشبهة الرابعة: قيل هذا العلم يتعلم للجدال والمناظرة، لا لقصد صحيح ونحن نُهينا عن كثرة الجدال. والجواب عن ذلك: أنَّ الجدال الموجود في أصول الفقه وسيلة إلى الحق، وإذا كان الجدال بهذه الصفة لا يعاب، بل الجدال بالحق للحق من شأن رسل الله تعالى وأنبيائه. بل ذكر الله تعالى في كتابه أنه أقام سبحانه الحجج، وعامل عباده بالمناظرة، فقال سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 23

وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وقال الله لملائكته: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، وذلك لما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وجادلت الأنبياء أممها وحاجَّتها، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فالجدال في نفسه لا يُذم ولا يُمدح، ولربما المدح والذم حسب الاستعمال، فمن استعمل الجدال للوصول إلى الحق الذي أمر الله به فهو ممدوح، ومن استعمل الجدال في صرف الحق إلى الباطل فهو مذموم. والجدال الذي جاء به أصول الفقه يستعمل للوصول به إلى الحق الذي أمر الله به، فيكون على هذا ممدوحًا. (١).

стр. 24

• الشبهة الخامسة: قيل إنه علم قائم على المنطق وعلم الكلام، وهي علوم مذمومة: وجوابه: أن دخول علم الكلام والمنطق على علم الأصول متأخر عن نشأة العلم، بل هو أجنبى عنه، وعلم الأصول عارٍ عنه، وجدير بالذكر أن دخول علم الكلام على علم أصول الفقه كان في القرن الرابع أو الخامس تقريبًا مع كتابة المعتزلة في علم الأصول، كالقاضى عبد الجبار في العمد، والقاضي أبو الحسين في المعتمد، وكذلك الأشاعرة كما فعل الباقلاني في التقريب والإرشاد؛ حيث كانت كتب الأصول سجالًا عقديًّا بين الفريقين. وأما علم المنطق فأول من أدخله على علم الأصول الغزالى في المستصفى، فقدم بمقدمة منطقية، وتبعه في ذلك ابن قدامة فى روضة الناظر، وفي بعض النسخ الخطية أزالها؛ قيل أنه لما عوتب في ذلك. لكن إذا نظرتَ الى كتاب الرسالة للإمام الشافعى، وهو أول ما دُوِّن في هذا العلم تجده خال تمامًا من هذه المباحث الكلامية والمنطقية؛ إذ لا علاقة لها بعلم الأصول. وقد كان الأئمة من التابعين قبل الشافعي ومِن قبلهم صحابة النبي ﷺ يمارسون هذا العلم تطبيقًا، وما يدرون ما المنطق ولا علم الكلام والفلسفة، ومع ذلك كانوا أفهم وأعلم الناس على الإطلاق، بل مَنْ

стр. 25

بعدهم عالة على فقههم وعلمهم. ونحن نسلم بذم هذه العلوم، وأنها أجنبية عن علوم الشريعة، بل أفسدت في علوم الشريعة. لكن هل معنى دخول هذه العلوم على علم أصيل من علوم الشريعة كعلم أصول الفقه أن نهجر هذا العلم على أهميته، أم أن الواجب علينا أن ننقي علومنا مما أُدخِل عليها، ونردها إلى أصلها ونبعها الصافي. وخاصة أن هذه العلوم - الفلسفة والمنطق وعلم الكلام - دخلت في كثير من علوم الشريعة في نفس الوقت الذي أُدْخِلت في علم الأصول، فدخلت في علم التفسير، فكثيرًا ممن كتب في التفسير في تلك الآونة وكان أشعري العقيدة أو معتزليًّا أدخل عقيدة الأشعرية والمعتزلة في التفسير. وكذلك في علم العقيدة كثر في ذاك الزمن القول بقول الأشاعرة، بل أصبح علم العقيدة يسمى علم الكلام. ومع ذلك لم يقل أحد يجب ترك علم التفسير وهجره، أو علم العقيدة من أجل دخول هذه العلوم فيهما في زمن ما، بل أصبح الواجب تنقية هذه العلوم حتمًا من هذه العلوم المبتدعة المذمومة.

стр. 26

فنقول: وكذلك علم الأصول إذًا يجب تنقيته من هذه العلوم، لا هجره وتركه بحجة دخول هذه العلوم فيه في بعض الأزمان. وإلا كيف يهمل علم وظيفته بيان مراد الله تعالى ورسوله ﷺ ، بل وربط الأحكام الشرعية بالواقع وملاءمة العرف بضوابط الشريعة، وكذلك ربط الحاضر بالماضي، وربط المستجدات والمحدثات بالمسائل القديمة والأحكام المقررة في الشريعة. بل في رأيي - والله أعلم -: أن هذه الحملة على هذا العلم، ومحاولة إقصائه عن العمل وتأدية دوره؛ لأنه هو العلم الوحيد الذي يستطيع إثبات أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان، وكل ما يستجد يُستطاع بفضل الله تعالى إيجاد حكمه المبني على الأدلة، والأسس السليمة المنضبطة الموافقة للنصوص، والمرتبطة بالقواعد الثابتة المقررة والملائمة للواقع الجديد مهما كان تغيره، والله أعلم. فهذه جملة من الشُبه قعدت بأصحابها عن سلوك درب الاجتهاد، فما شموا رائحة العلم، ولا ذاقوا حلاوة الفقه في الدين، وإنما البكاء على ضعف الهمم. فإذا زالت عنك غمامة وضباب الشُبَه، وعلت همتك، وتاقت نفسك لتكون من أصحاب هذا العلم وتسلك طريق تحصيله؛ فحُقَّ على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن يتصور معناه أولًا

стр. 27

بالحد ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه تمييزًا له عن غيره، وما الغاية المقصودة من تحصيله حتى لا يكون سعيه عبثًا، وما عناه البحث فيه من الأحوال التي هي مسائله ليتصور طلبها، وما منه استمداده لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سَبْقِ معرفتها فيه لإمكان البناء عليها (١). لذلك كان من الواجب قبل الولوج إلى صلب الأصول، أن يحيط الدارس بهذا العلم بداياته ونهايته؛ ليحصل له من تصور هذا العلم ما يمكنه من الإبحار فيه بسلاسة. لذا سنتناول دراسة ذلك في الفصول التالية إن شاء الله تعالى.

стр. 28

الفصل الثاني: المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه قال الصبان: إنَّ مبادئ كل فن عشرة … الحد والموضوع ثم الثمرة وفضله ونسبة والواضع … والاسم الاستمداد حكم الشارع فمسائل والبعض بالبعض اكتفى … ومن درى الجميع حاز الشرفا • أولًا: الحد: هو الذى يبين الشيء على حقيقته ولابد أن يكون جامعًا مانعًا (١). حد علم أصول الفقه: أولًا: باعتبار مفرديه: الأصل لغة: هو الأساس (٢)، وقيل عبارة عما يُفتَقَر إليه، ولا يَفتَقِر هو إلى غيره (٣).

стр. 29

واصطلاحًا: ما يُبنَى عليه غيره، ولا يُبنَى هو على غيره (١). وقيل: ما له فرع (٢). ويطلق الأصل أيضًا على معاني كثيرة منها: ١ - الدليل: يقال الأصل في وجوب الزكاة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ٢ - القاعدة: يقال: الأصل في الأشياء الإباحة. ٣ - الأصل قد يطلق على المقيس عليه، وهو أحد أركان القياس. ٤ - الأصل بمعنى الراجح، تقول الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز. ٥ - الأصل بمعنى المستصحب، تقول الأصل في الأشياء الإباحة والأصل براءة الذمة. الفقه لغة: الفهم (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. واصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة

стр. 30

التفصيلية (١). ثانيًا: تعريف أصول الفقه باعتباره لقبًا لهذا العلم: بعض أهل العلم لم يذكر عبارة محررة في حد علم أصول الفقه مثل الباقلاني قال: أصول الفقه العلوم التي هي أصول العلم بأحكام أفعال المكلفين (٢). والبعض اقتصر على جزء من علم أصول الفقه فعرفه به. مثل الجويني في البرهان قال: أصول الفقه أدلة الفقه (٣). وكذلك فعل الغزالى في المستصفى قال أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام ومعرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل (٤). وأضاف الآمدي مكونًا ثالثًا على تعريف الغزالي فقال أصول الفقه أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدل

стр. 31

من حيث الجملة (١) وعرفه الرازي في المحصول بنحو عبارة الآمدي. وأشهر التعريفات لعلم أصول الفقه ومن أفضلها ما عرفه ابن الحاجب في مختصره وإن كان اقتصر فقط في تعريفه على القواعد وهي جزء من علم الأصول فقال: هو العلم بالقواعد التى يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية (٢). وقد يكون أجمع التعريفات لعلم الأصول ما عرفه البيضاوي في المنهاج؛ قال: أصول الفقه هو معرفة دلائل الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد (٣). فهذا التعريف جمع كل أبواب علم أصول الفقه؛ فهو يتعلق بالأدلة الإجمالية التي هي مصادر الأحكام، كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكالقواعد الإجمالية الكلية مثل الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي التحريم، وكيفية استفادة الأحكام من هذه القواعد

стр. 32

والأدلة، ثم البحث في حال الشخص المنوط به هذه الاستفادة وهو المجتهد، فتعلق البحث في أحواله كالبحث في الشروط التي تأهله لذلك، وأنواع المجتهد، وهل يخلو الزمان منه، وغير ذلك من المباحث. • ثانيًا: الموضوع: قيل: هو الأدلة الإجمالية (١) وهى الكتاب والسنة، وما يحتويانه كالعام والخاص والمطلق والمقيد، ونحو ذلك. وقيل: هو الكتاب والسنة، وبيان حال المستفيد، وكيفية الاستفادة منهما (٢). وقيل: هو بيان طرق الاستنباط (٣). وهذا من فوائد علم أصول الفقه أيضًا، فهو علم يبين كيفية استنباط الأحكام، فلا يستطيع الفقيه أن يستنبط أحكامًا إلا إذا كان أصوليًّا. مثال: قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾

стр. 33

[البقرة: ١٨٧]، فالحكم الظاهر من الآية هو حل الجماع في ليل رمضان. • مسألة: هل يجوز للصائم أن يصبح جنبًا؟ من الفقهاء من يقول: نعم يجوز له ذلك. ومنهم من يقول: يجب أن يغتسل بالليل. وهذه الآية دليل للقائلين بالجواز؛ لدلالة إشارتها، حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والليل يبدأ من غروب الشمس وينتهى ببزوغ الفجر، والآية تبين أنَّ كل الليل يحل فيه للرجل أن يجامع زوجته، وما دام أنَّ الشرع أحل له كل الليل، فهذا يلزم منه أنه قد يصبح جنبًا، ولو قيل يجب أن يصبح طاهرًا، فهذا يلزم منه أنه لابد من وجود وقتٍ من الليل يحرم الجماع فيه، وهو الوقت الكافى للاغتسال، وهذا يُحَرِّم الرفث في جزء من الليل، وهذا مناقض لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وكقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، والفصال هو الفطام، فتمام الفطام في عامين، والآية الأولى تبين أنَّ الحمل والفطام في ثلاثين شهرًا، وبالنظر للآيتين علم أنه من الجائز أن تلد المرأة بعد ستة أشهر

стр. 34

من الحمل. • مسألة أخرى: حكم صلاة المرأة في المسجد؟ وهل الأفضل صلاتها في بيتها أم في المسجد؟ أولًا: حكم الصلاة في المسجد الجواز؛ لقوله ﵊: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (١)، أما في بيتها فهو أفضل، فعن أم حميد امرأة أبى حميد الساعدي ﵄ أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنى أحب الصلاة معك قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معى، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدى»، قال: فأمرت فبُنِى لها مسجد في أقصى شاء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلى فيه حتى لقيت الله (٢)، وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن

стр. 35

خير لهن» (١)، وعن ابن مسعود بلفظ: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (٢)، فالحكم العام ذكره رسول الله ﷺ ، وهو جواز صلاة المرأة في المسجد، لكن صلاتها في بيتها أفضل. وبالنظر للقواعد يمكن أيضًا إخراج هذا الحكم بدلالة الإشارة من القرآن. وقد استُنبِط هذا الحكم من القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وذلك على النحو التالي. ١ - الخطاب في الآية متوجه لمريم، والقاعدة: شرع من قبلنا شرع

стр. 36

لنا ما لم ينسخ. إذن فقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٣٧] هو خطاب لكل نساء المسلمين. ٢ - إنَّ كل ذات لها أركان وواجبات وسنن، والأركان هى التى لا توجد الذات إلا بها، والواجبات هى شيء هام للذات، لكن يمكن وجود الذات بدونها، والسنن هى كماليات للذات، فالأصل في الذات هو الركن؛ لأنه بوجوده توجد الذات، وبانعدامه تنعدم الذات؛ لذلك صحَّ شرعًا ولغةً إطلاق الجزء وإرادة الكل ما دام هذا الجزء ركنًا في الشيء، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالذى يحرر لا يحرر رقبة فقط، بل يحرر الجسد كله، ولكنه أطلق الرقبة التى هى جزء وأراد بها كل الجسد؛ لأنَّ الرقبة ركن في الجسد، ومثله عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ في الْحَجِّ أَوِ الْعمرَة أول مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمروة (١). أى أنه صلى ركعتين، فعبر عن الركعة بالسجدة، فأطلق الجزء وأراد الكل، إذن فقوله تعالى لمريم ولنساء المسلمين: اسجدي. أى صلي، فأطلق

стр. 37

الجزء من الصلاة وهو السجود، وأراد به الكل أى الصلاة، وكذلك قوله «واركعي». ٣ - العطف يقتضى المغايرة؛ لأنه يمتنع عطف الشيء على نفسه، وعلى هذا لما ذُكِرَ في الآية: اسجدي واركعي. وعلم أنَّ المراد بهما الصلاة؛ عُلِمَ أن الصلاتين مختلفتان، فاسجدي تعبر عن صلاة، واركعي تعبر عن صلاة أخرى. ٤ - قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، فالمراد بالسجود الصلاة بمفردها، والمراد بالركوع الصلاة في جماعة، بدليل قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وعليه يجوز للمرأة الصلاة في بيتها، والصلاة في المسجد. ٥ - عبَّر عن الصلاة في البيت مفردة بالسجود، وعبر عن الصلاة في المسجد جماعة بالركوع، ومعلوم شرعًا وعرفًا أنَّ السجود أفضل من الركوع، فعلم أنَّ صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. والخلاصة أن موضوعات علم أصول الفقه: الأحكام الشرعية باعتبارها الثمرة، والأدلة الإجمالية على الأحكام كالكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها، وطرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، وأبواب الاجتهاد والفتوى والتقليد.

стр. 38

وقد نظم بعض المعاصرين (١) ذلك فقال: علم الأصول أربعٌ أحكام … أدلة دلالة حكام • ثالثًا: الثمرة، وهى الفائدة: ١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فائدة علم أصول الفقه: هى معرفة الدارس مراد الله، ومراد رسوله ﷺ ، من الكتاب والسنة (٢). وهي من أعظم ثمرات هذا العلم. مثال توضيحي: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]: أى أكلها. لكن الآية لم تصرح بذلك، إنما عُلم ذلك بالقاعدة التى تقول: إذا علق الحكم بعين رجع عرفًا ولغةً لما جُعِلت له هذه العين. فالحلال والحرام لا يتعلقان بذوات، إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة بتلك الذوات، فقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأم ذات، فليس المراد تحريم ذات الأم، وإنما حرم الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذى جُعِلت له المرأة وهو

стр. 39

النكاح، ومنه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فالميتة المحرم منها الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذى أعدت له الأنعام وهو الأكل. ٢ - التمكن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها، على أسس سليمة. ٣ - يثبت أنَّ أحكام الإسلام صالحة لكل زمان ومكان. ٤ - يزيد في الفهم والفقه في الدين، وعليه فهو دليلٌ على إرادة الخير بالعبد؛ لأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (١). ٥ - يُمَكِّن من تعليم الأحكام وبيانها أحسن بيان. ٦ - هو الذى تأمن من خلاله الأمة بقاء الأحكام الشرعية منضبطة. ٧ - طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد يستفيد من دراسة أصول الفقه، حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه عند استنباطه للأحكام، فمتى وقف الطالب على طرق الأئمة وأصولهم، فإنه تطمئن نفسه إلى مدرك ذلك الإمام الذي قلده في عين هذا الحكم أو ذاك.

стр. 40

٨ - المتخصص بعلم التفسير، وعلم الحديث يحتاج إلى دراسة علم أصول الفقه، حيث إنه يبين دلالات الألفاظ كتابًا أو سنة، وما يتعلق بها من أحكام. ٩ - هو علم يجمع بين العقل والنقل، ومن تعمق فيه عرف طريقة إيراد المسألة وتصورها، والاستدلال عليها، والاعتراض على بعض الأدلة، والجواب عن تلك الاعتراضات بأسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم .. • رابعًا: فضله: والفضل يتناسب مع الثمرة، فكلما كانت الثمرة عالية؛ فالفضل يكون عظيمًا، فلما كانت ثمرته الفهم والبيان لكلام الله ورسوله ﷺ ؛ كان علمًا عظيم الفضل جليل القدر. يقول الزركشى بعد أن قسم العلوم إلى عقلى وشرعى ولغوى: ولا شك أنَّ أشرف العلوم بعد الاعتقاد معرفة الأحكام العملية … ، وشتان بين من يأتى بالعبادة تقليدًا، وبين من يأتى بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، ولا يحصل هذا إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وادرع ملابسه
следующие страницы →