لنا ما لم ينسخ. إذن فقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٣٧] هو خطاب لكل نساء المسلمين.
٢ - إنَّ كل ذات لها أركان وواجبات وسنن، والأركان هى التى لا توجد الذات إلا بها، والواجبات هى شيء هام للذات، لكن يمكن وجود الذات بدونها، والسنن هى كماليات للذات، فالأصل في الذات هو الركن؛ لأنه بوجوده توجد الذات، وبانعدامه تنعدم الذات؛ لذلك صحَّ شرعًا ولغةً إطلاق الجزء وإرادة الكل ما دام هذا الجزء ركنًا في الشيء، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالذى يحرر لا يحرر رقبة فقط، بل يحرر الجسد كله، ولكنه أطلق الرقبة التى هى جزء وأراد بها كل الجسد؛ لأنَّ الرقبة ركن في الجسد، ومثله عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ في الْحَجِّ أَوِ الْعمرَة أول مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمروة (١). أى أنه صلى ركعتين، فعبر عن الركعة بالسجدة، فأطلق الجزء وأراد الكل، إذن فقوله تعالى لمريم ولنساء المسلمين: اسجدي. أى صلي، فأطلق
стр. 37
الجزء من الصلاة وهو السجود، وأراد به الكل أى الصلاة، وكذلك قوله «واركعي».
٣ - العطف يقتضى المغايرة؛ لأنه يمتنع عطف الشيء على نفسه، وعلى هذا لما ذُكِرَ في الآية: اسجدي واركعي. وعلم أنَّ المراد بهما الصلاة؛ عُلِمَ أن الصلاتين مختلفتان، فاسجدي تعبر عن صلاة، واركعي تعبر عن صلاة أخرى.
٤ - قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، فالمراد بالسجود الصلاة بمفردها، والمراد بالركوع الصلاة في جماعة، بدليل قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وعليه يجوز للمرأة الصلاة في بيتها، والصلاة في المسجد.
٥ - عبَّر عن الصلاة في البيت مفردة بالسجود، وعبر عن الصلاة في المسجد جماعة بالركوع، ومعلوم شرعًا وعرفًا أنَّ السجود أفضل من الركوع، فعلم أنَّ صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد.
والخلاصة أن موضوعات علم أصول الفقه: الأحكام الشرعية باعتبارها الثمرة، والأدلة الإجمالية على الأحكام كالكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها، وطرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، وأبواب الاجتهاد والفتوى والتقليد.
стр. 38
وقد نظم بعض المعاصرين (١) ذلك فقال:
علم الأصول أربعٌ أحكام … أدلة دلالة حكام
• ثالثًا: الثمرة، وهى الفائدة:
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فائدة علم أصول الفقه: هى معرفة الدارس مراد الله، ومراد رسوله ﷺ ، من الكتاب والسنة (٢). وهي من أعظم ثمرات هذا العلم.
مثال توضيحي:
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]: أى أكلها. لكن الآية لم تصرح بذلك، إنما عُلم ذلك بالقاعدة التى تقول: إذا علق الحكم بعين رجع عرفًا ولغةً لما جُعِلت له هذه العين.
فالحلال والحرام لا يتعلقان بذوات، إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة بتلك الذوات، فقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأم ذات، فليس المراد تحريم ذات الأم، وإنما حرم الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذى جُعِلت له المرأة وهو
стр. 39
النكاح، ومنه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فالميتة المحرم منها الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذى أعدت له الأنعام وهو الأكل.
٢ - التمكن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها، على أسس سليمة.
٣ - يثبت أنَّ أحكام الإسلام صالحة لكل زمان ومكان.
٤ - يزيد في الفهم والفقه في الدين، وعليه فهو دليلٌ على إرادة الخير بالعبد؛ لأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (١).
٥ - يُمَكِّن من تعليم الأحكام وبيانها أحسن بيان.
٦ - هو الذى تأمن من خلاله الأمة بقاء الأحكام الشرعية منضبطة.
٧ - طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد يستفيد من دراسة أصول الفقه، حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه عند استنباطه للأحكام، فمتى وقف الطالب على طرق الأئمة وأصولهم، فإنه تطمئن نفسه إلى مدرك ذلك الإمام الذي قلده في عين هذا الحكم أو ذاك.
стр. 40
٨ - المتخصص بعلم التفسير، وعلم الحديث يحتاج إلى دراسة علم أصول الفقه، حيث إنه يبين دلالات الألفاظ كتابًا أو سنة، وما يتعلق بها من أحكام.
٩ - هو علم يجمع بين العقل والنقل، ومن تعمق فيه عرف طريقة إيراد المسألة وتصورها، والاستدلال عليها، والاعتراض على بعض الأدلة، والجواب عن تلك الاعتراضات بأسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم ..
• رابعًا: فضله:
والفضل يتناسب مع الثمرة، فكلما كانت الثمرة عالية؛ فالفضل يكون عظيمًا، فلما كانت ثمرته الفهم والبيان لكلام الله ورسوله ﷺ ؛ كان علمًا عظيم الفضل جليل القدر.
يقول الزركشى بعد أن قسم العلوم إلى عقلى وشرعى ولغوى: ولا شك أنَّ أشرف العلوم بعد الاعتقاد معرفة الأحكام العملية … ، وشتان بين من يأتى بالعبادة تقليدًا، وبين من يأتى بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، ولا يحصل هذا إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وادرع ملابسه
стр. 41
الضافية، وسَبَح في بحره، وربح من كنوز درِّه (١).
• خامسًا: النسبة:
هو من العلوم الشرعية، فهو ليس من العلوم العربية مثلًا أو العلوم العقلية، بل هو من العلوم الشرعية، ونسبته إلى غيره التباين والاختلاف، فعلم أصول الفقه يعمل في القواعد الأصولية، وعلم الفقه يعمل في الأحكام العملية، وعلم العقيدة يعمل في المسائل العلمية وهكذا، مع العلم أن جميع العلوم الشرعية يخدم بعضها البعض.
ومن ذلك ما يشير إليه الإمام الشاطبي فيقول:
والتاسع: حمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده حتى تحصل الفتيا في أحدها بقاعدة الآخر من غير أن تجتمع القاعدتان في أصل واحد حقيقي، كما يحكى عن الفراء النحوي أنه قال: من برع في علم واحد سهل عليه كل علم، فقال له محمد بن الحسن القاضي - وكان حاضرًا في مجلسه ذلك- وكان ابن خالة الفراء: فأنت قد برعت في علمك، فخذ مسألة أسألك عنها من غير علمك، ما تقول فيمن سها في صلاته، ثم سجد لسهوه، فسها في سجوده أيضا؟
قال الفراء: لا شاء عليه، قال: وكيف؟ قال: لأن التصغير عندنا لا
стр. 42
يصغر، فكذلك السهو في سجود السهو لا يسجد له؛ لأنه بمنزلة تصغير التصغير، فالسجود للسهو هو جبر للصلاة، والجبر لا يجبر كما أن التصغير لا يصغر، فقال القاضي: ما حسبت أن النساء يلدن مثلك.
وقال: رُوِيَ أن أبا يوسف دخل على الرشيد والكسائي يداعبه ويمازحه، فقال له أبو يوسف: هذا الكوفي قد استفرغك: وغلب عليك: فقال يا أبا يوسف إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي.
فأقبل الكسائي على أبي يوسف، فقال: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟ فقال: نحو أم فقه؟ قال: بل فقه، فضحك الرشيد حتى فحص برجله، ثم قال: تلقي على أبي يوسف فقهًا، قال: نعم، قال: يا أبا يوسف ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق أن دخلت الدار، وفتح أن؟ قال: إذا دخلت طلقت، قال أخطأت يا أبا يوسف، فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال "أن" فقد وجب الفعل، ووقع الطلاق، وإن قال "إن"، فلم يجب، ولم يقع الطلاق، قال فكان أبو يوسف بعدها لا يدع أن يأتي الكسائي، فهذه المسألة جارية على أصل لغوي لا بد من البناء عليه في العلمين (١).
стр. 43
• سادسًا: الواضع:
إنَّ علم أصول الفقه كان موجودًا في زمن النبي وصحابته، ومن بعدهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، لكنَّ أول من جمعه في كتاب مستقل هو الإمام الشافعي ﵀، وذلك في كتابه الرسالة، ووضع الشافعى هذه الرسالة لمّا طلب منه عبد الرحمن بن مهدى أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجيَّة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنَّة، فكتبها وأرسلها إليه؛ ولهذا سمِّيت بالرسالة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: لما نظرت في " كتاب الرسالة " لمحمد بن إدريس أذهلني؛ لأنني رأيت كلام رجل عاقل فقيه ناصح، وإني لأكثر الدعاء له. وقال يحيى بن سعيد القطان مثل قول عبد الرحمن بن مهدي (١).
وقال أحمد بن حنبل: ما عَلِمْنا المجمَل مِنْ المفسَّر، ولا ناسخ الحديث مِنْ مَنسوخِه حتى جالسنا الشافعي (٢).
قال المزني: قرأت «كتاب الرسالة» للشافعي خمسمائة مرة، ما من
стр. 44
مرة منها إلا واستفدت منها فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى.
وفي كتاب أبي الحسن العاصمي عن أبي نعيم: عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: قال أبو القاسم الأَنْمَاطِيّ: قال المُزَني: أنا أنظر في «كتاب الرسالة» عن الشافعي منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيه من مرة إلا وأنا أستفيد شيئاً لم أكن عرفته (١).
• سابعًا: الاسم:
علم أصول الفقه.
• ثامنًا: الاستمداد:
يستمد علم أصول الفقه من الكتاب والسنة، حيث إنَّ أفضل البيان لكلام الله بكلام الله، وهذه القواعد الأصولية نعمل بها في الكتاب والسنة، فالأولى استخراجها من الكتاب والسنة ليُحكَم بالكتاب والسنة على الكتاب والسنة، قال ابن تيمية: فمن بنى الكلام في علم الأصول والفروع على الكتاب والسنة، والآثار المأثورة عن السابقين؛ فقد أصاب طريق النبوة (٢).
وكذلك يستمد من اللغة وذلك في أبواب دلالات الألفاظ، وغيرها.
стр. 45
وقيل: إنه يستمد من العقل المجرد عن النص. وهذا غير صحيح؛ لأنَّ العقل في هذه الحالة سيكون حاكمًا على الشرع، وهذا خطأ؛ لأنَّ الشرع هو الحاكم على العقل، قال الزركشي: العقل مدرك للحكم لا حاكم. (١) لذا يقول ابن تيمية: الشرع قاض، والعقل شاهد، ويجوز للقاضي طرد الشاهد متى شاء (٢).
وما أجمل قول القائل:
عِلْمُ الْعَلِيمِ وَعَقْلُ الْعَاقِلِ اخْتَلَفَا … مَنْ ذَا الَّذِى مِنْهُمَا قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا
فَالْعِلْمُ قَالَ أَنَا قَدْ حُزْتُ غَايتَهُ … وَالْعَقْلُ قَالَ أَنَا الرَّحْمَنُ بِى عُرِفَا
فأَفْصَحَ الْعِلْمُ إفْصَاحًا وَقَالَ لَهُ … بَأينَا اللَّهُ في تَنْزِيلِهِ اتَّصَفَا
فَأيقَنَ الْعَقْلُ أَنَّ الْعِلْمَ سَيِّدُه … وَقَبَّلَ الْعَقْلُ رَأْسَ الْعِلْمِ وَانْصَرَفَا (٣)
وقيل: يستمد من المنطق والفلسفة وعلم الكلام وغيرها، حتى ظن البعض بأنه لا يمكن أن تستغني علوم الشريعة عن هذه العلوم.
وهذا قول غير صحيح؛ لأمور منها:
أولًا: أنها في غالبها علوم مذمومة في الشريعة؛ إذ إن كثيرًا منها جاء مناقضًا لما في الكتاب والسنة.
стр. 46
ثانيًا: هى علوم حادثة لم تكن موجودة في زمان الوحى، ورغم عدم وجودها كان الصحابة يفهمون النصوص أحسن فهم، ويبينونها أحسن بيان.
ثالثًا: إن كان في هذه العلوم بعض الخير، فكل خير فيها موجود في علوم الكتاب والسنة.
• تاسعًا: حكم الشارع:
تعلم علم أصول الفقه فرض كفاية (١)، إذا قام به البعض الكافي سقط عن الجميع، فإن لم يخرج البعض الكافى بقي الإثم على القادر.
• عاشرًا: مسائله:
هى تدوين المسالك التى يلتزمها المجتهد، ويسترشد بها، ويجتهد على ضوئها (٢).
стр. 47
الفصل الثالث
نشأة علم أصول الفقه والأطوار التي مر بها
وفيه مباحث:
• المبحث الأول: علم أصول الفقه في زمن النبوة.
• المبحث الثاني: علم أصول الفقه في عصر الصحابة.
• المبحث الثالث: علم أصول الفقه في عصر التابعين.
• المبحث الرابع: نبذة مختصرة عن الإمام الشافعي ﵀.
• المبحث الخامس: رسالة الإمام الشافعي.
• المبحث السادس: ما بعد رسالة الشافعي.
• المبحث السابع: المذاهب الأصولية وطرق التصنيف.
• المبحث الثامن: طرق التصنيف في أصول الفقه، والكتب المصنفة فيه.
• المبحث التاسع: أثر دخول المسائل الكلامية والمباحث الاعتقادية في
علم أصول الفقه.
стр. 48
المبحث الأول:
علم أصول الفقه في عهد النبوة
• تنبيه: إن معرفة تاريخ أي علم من العلوم نشأة وتطورًا له فوائد منها:
١ - الإحاطة بجوانب هذا العلم بداياته ونهاياته، فيسهل على الدارس أن يضع لنفسه منهجًا يستطيع من خلاله أن يرتقي في هذا العلم.
٢ - معرفة فضل السلف على الخلف، فكم ترك السلف المبارك نتاجًا تذخر به المكتبة الإسلامية اليوم.
٣ - علو همة الدارس في أن ينظر في بناء هذا العلم، ما ينقصه فيكمله، فيضيف لبنة في بناء العلم الشامخ؛ فإن العلماء في التصنيف في كل علم على أضرب:
فمن تصانيفهم ما بُسط ليسهل فهمه، ومنها ما اختُصِر ليسهل حفظه.
стр. 49
ثم يأتي اللاحق فإما أن يختصر ما بسطه السابق، أو يستدرك عليه مسائل، أو يرتب أبوابه.
أو يأتي إلى ما اختصره السابق فيشرحه ويبين فوائده، ويفتح أبواب كنوزه.
أو يأتي إلى مسألة واحدة من مسائله فيصنف فيها استقلالًا، فيجمع أقوال العلماء وخلافهم، ويستفرغ وسعه في بحثها، ثم يرجح فيها ما يترجح لديه.
٤ - الرد على الشبهات المثارة حول هذا العلم، وغير ذلك من الفوائد.
وعليه لابد من معرفة تاريخ علم أصول الفقه، وتطوره بداية من عصر النبوة إلى يومنا هذا، وهذه ما سنتناوله في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وأول ذلك أصول الفقه في عصر النبوة.
كان الصحابة ﵃ يعيشون في صدر الإسلام، والوحي ينزل، فيتلقون من النبي ﷺ الأحكام والشريعة والعقيدة وسائر أبواب الدين، فكانوا يتلقون هذا الدين منه ﷺ غضًّا طريًّا.
وعلم أصول الفقه كان علمًا مبثوثًا، وملكة راسخة عند الصحابة في عصر النبوة وبعده، بل كانوا منضبطين في تعاملهم بجملة من القواعد
стр. 50
استحالت بعد ذلك في عصر التدوين إلى علوم، وصنفت فيها المدونات وأخرجت للناس.
يقول الزركشي: علم أصول الفقه قاعدة الشرع، وأصلٌ يرد إليه كل فرع، وقد أشار المصطفى ﷺ في جوامع كلمه إليه، ونبه أرباب اللسان عليه، فصدر في الصدر الأول منه جملة سنِّية، ورموز خفية (١).
• وقد كان هذا العلم في عصر النبوة على جزأين أو مستويين:
الأول: جزء كان ملكة عندهم بحكم السليقة واللسان العربي، والصحابة كانوا عربًا قِحاحًا، فكانوا لا يجدون عنتًا وتكلفًا في معرفة مراد الله في كتابه، ومراد رسوله ﷺ في سنته.
ولا شك أن معرفة دلالات الألفاظ هي مناط الاستنباط الدقيق للأحكام من الوحيين (الكتاب والسنة)، بل هو المقصد الأعظم من أصول الفقه.
والثاني: كان تربية وتلقيًا من رسول الله ﷺ ، يدلهم فيها النبي ﷺ على طرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، وكان جزءًا من الممارسة العملية لهذا العلم.
فالصحابة كانوا أعلم الناس بلغة العرب مصدرًا وموردًا مع
стр. 51
مشاهدتهم التنزيل، فتحصَّل لهم من ذلك الرسوخ العلمي بدلالات الألفاظ مما يحتاج إليه المشتغل باستخراج الأحكام من الكتاب والسنة.
قال ابن القيم: فإنَّ الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقوها من فيِّ رسول الله، فلا يُظن بأحد منهم أن يُقْدِمَ على قول: أمَرَ رسول الله، أو حرَّم، أو فرض إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه واحتمال خلاف هذا، كاحتمال الغلط والسهو في الرواية بل دونه، فإن رد قوله أَمَرَ ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر (١).
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أنَّ الصحابة ﵃ أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم (٢)؛ لذلك بنى العلماء على ذلك أحكامًا أصولية، منها:
١ - قول الصحابي: حرَّم رسول الله ﷺ كذا أو أمر بكذا، وقضى بكذا، أو أوجب كذا. في حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ .
٢ - جواز رواية الحديث بالمعنى.
стр. 52
قال السبكي: إنَّ الصحابة ﵃ ربما نقلوا القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، وكتب الحديث تشهد بذلك، ومن الظاهر أنَّ النبي ﷺ لم يذكر تلك القصة بجميع تلك الألفاظ، بل نحن في بعضها قاطعون بذلك، وكان هذا شائعًا بينهم ذائعًا غير منكر من أحد، فكان إجماعًا على نقل الحديث بالمعنى (١).
٣ - اعتبار بيان الصحابة النصوص وتفسيرها.
فعلماء الأصول يقررون أنَّ القرآن يبين مجمل القرآن، وكذلك السنة تبين مجمل القرآن ومجمل السنة، ثم يأتي بيان الصحابة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
قال شيخ الإسلام: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين مثل عبد الله بن مسعود (٢).
стр. 53
قال ابن حجر: وتفاسير الصحابة عند جمهور الأئمة المتقدمين على ما نقله الحاكم أبو عبد الله محمولة على الرفع، وبعض المحققين حمل ذلك على ما يتعلق بأسباب النزول وما أشبهها، وهو واضح والله أعلم (١).
لذلك كان خطأ أكثر المستدلين بالألفاظ على غير وجهها الصحيح، إنما كان بسبب استعمالهم الألفاظ في معانٍ غير ما استعمله الصحابة.
فمن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ ، وعادتهم في الكلام حرَّف الكلم عن مواضعه.
لذلك فالرجوع إلى فهم الصحابة للألفاظ أمر متعين سواء في معانيها اللغوية أو الشرعية.
فهذا العلم (أصول الفقه) كان موجودًا بين الصحابة وكانوا يعرفونه.
قال السبكي: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين به -يعني أصول الفقه- بطباعهم، كما كانوا عارفين النحو بطباعهم قبل مجيء الخليل وسيبويه، فكانت ألسنتهم قويمة، وأذهانهم مستقيمة، وفهمهم لظاهر
стр. 54
كلام العرب دقيق عتيد؛ لأنهم أهله الذين يؤخذ عنهم، أما بعدهم فسدت الألسن، وتغيرت الفهوم، فيُحتَاج إليه كما يُحتَاج إلى النحو (١).
فالصحابة كانوا يفهمون نصوص الوحي بحكم سليقتهم العربية، لذا لم تبرز الحاجة إلى تسطير قواعد تساعد على فهم النصوص، ولم تُرْوَ عنهم تلك القواعد؛ لأنها كانت مركوزة في الفِطَر بحكم الطبيعة واللسان العربي.
وكانت محاولاتهم واجتهادهم في فهم النصوص في حياة النبي ﷺ ، فمنهم مصيب، ومنهم مخطئ، والنبي ﷺ يُقَوِّمُ ذلك، يُصَوِّب هذا ويُخطِّئ هذا، ويبين لهم الراجح والمرجوح.
والأدلة والأمثلة على استعمال الصحابة لتلك القواعد التي يصدرون عنها في فهم النصوص كثيرة:
منها: إقراره ﷺ لاجتهاد الصحابة، وإن أدى ذلك إلى اختلافهم نتيجة اجتهادهم في فهم المراد.
فعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في
стр. 55
الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذُكِرَ للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم (١).
ففريق اعتمد على ظاهر اللفظ، وفريق اعتمد على المعنى والنظر والحكمة المقصودة من اللفظ؛ وهذان مسلكان يحتاجهما الفقيه.
ومنها: أنَّ عمرو بن العاص ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت له ذلك، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم، إني احتلمت في ليلة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (٢).
فعمرو بن العاص ﵁ استدل بعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، على جواز أن يصلي
стр. 56
بأصحابه متيممًا حفاظًا لنفسه من الهلكة، وهذا باب العموم من أبواب أصول الفقه، وأقره النبي ﷺ على ذلك، بل لم يأمره بالإعادة، بل إنَّ ضحك النبي ﷺ يدل على ما هو أعلى من مجرد الإقرار، إنه يدل على الإعجاب بالفهم والعمل.
ومنها: عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه. قال: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (١).
وهذا فيه دلالة على أنَّ قواعد أصول الفقه كانت حاضرة في أذهان الصحابة فالآية: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على الصحابة للعموم الوارد في الآية.
فهذه القواعد كانت مستقرة في أذهان الصحابة؛ لذا شق ذلك عليهم فقالوا: فأينا لا يظلم نفسه. فبين لهم النبي ﷺ أنَّ الأمر ليس كما
стр. 57
فهموا، بل هو عموم مخصوص، أو عموم يراد به الخصوص وهو الشرك.
ومنها: حديث ابن عمر قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، إذ جاءهم آت، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أُنْزِل عليه الليلة، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى القبلة (١).
• وهذا فيه دلالة على قواعد ومسائل أصولية عدة، منها:
أولًا: أنَّ ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وهذا كان مقررًا في أذهان الصحابة؛ لذلك استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة، مع ما يلزم ذلك من محظورات ككثرة الحركة والاستدارة ونحوها في الصلاة.
ثانيًا: أنَّ الأمر على الفور، فلم ينتظروا ولو لمجرد إنهاء الصلاة.
ثالثًا: أنَّ العلم شرط في التكليف، فمع أنَّ النص نزل قبل ذلك بزمن، لكنهم لم يُكَلَّفوا به إلا بعد وصوله إليهم، بدليل إكمالهم للصلاة مع أنهم صلوا منها ركعتين لقبلة منسوخة.
رابعًا: أنَّ التكليف بالنص يكون إذا سلم من المعارض، فالحركة والدوران والانتقال للرجال مكان النساء والعكس، كل ذلك محظور
стр. 58
ممنوع، لكنهم غير مكلفين به لوجود العارض، وهو وصول نص تحويل القبلة إليهم.
خامسًا: حجية خبر الواحد، وأنه دليل معتبر من أدلة الأحكام؛ لذا قبلوا قول الصحابي وعملوا به.
ومنها: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: «لمن عمل بها من أُمتي» (١).
وفي رواية: فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: «للناس كافة» (٢).
فلما نزلت الآية جوابًا على سؤال السائل فهم منها أنها له خاصة، فسأل النبي ﷺ ؛ فبين أنها للناس كافة.
وهذه دلالة على قاعدة أصولية وهي: العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
стр. 59
ومنها: سؤالهم النبي ﷺ عن تعليل الأحكام، كما في حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل؛ فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود»، فقال أبو ذر: يا رسول الله، فما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ فقال ﷺ : «الكلب الأسود شيطان» (١).
وهذا فيه أيضًا العمل بمفهوم المخالفة، فأبو ذر فهم أنَّ حكم الأحمر والأصفر مخالف لحكم الأسود، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
ومنها: أن النبي ﷺ أَقَرَّ معاذًا ﵁ على اجتهاد رأيه فيما لا يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فكان هذا إجازة في الاجتهاد فيما لا نص فيه.
وذلك لما بعثه إلى اليمن فقال: بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يحبه الله ورسوله» (٢). فبين معاذ الأدلة التي يأخذ منها
стр. 60
الأحكام، وهي الكتاب والسنة والرأي والاجتهاد، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
ومنها: أنَّ القياس -وهو من الأدلة- عمل به النبي ﷺ وقرره وعلَّمه الصحابة -رضوان الله عليهم-.
ومن هذا ما كان تعليمًا وتربية منه ﷺ لصحابته كيف يتعاملون مع ما يستجد لهم من الحوادث إن لم يكن معهم نص فيها، فكان القياس تقريرًا شرعيًّا لمبدأ من مبادئ التعامل مع النصوص.
ومن ذلك عن ابن عباس ﵄: أنَّ امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: اقضوا الله الذي له، فإنَّ الله أحق بالوفاء» (١).
وفي حديث ابن عباس ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك» (٢).
стр. 61
فكلا الحديثين قياس من النبي ﷺ ، وهو قياس الأولى، فالأصل الدين المادي، والفرع الحج والصيام، والجامع بينهما أنَّ كليهما دين؛ لذلك أعطى النبي ﷺ حكم الأصل للفرع بجامع العلة، وقوله ﷺ : «أرأيت لو كان … الحديث»، هذه تربية منه للصحابة وتعليم لهم كيف يستنبطون الأحكام.
وجاء من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ جاءه أعرابي، فقال: يا رسول الله إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال: «هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى كان ذلك؟ قال: أراه عرق نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (١).
ومن ذلك ما ورد من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «وفي بُضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ» (٢).
وهذا نوع من أنواع القياس يسمى قياس العكس، وهو إثبات نقيض حكم الأصل للفرع؛ لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه.
стр. 62
ومنها: تعليمه ﷺ كيفية التعامل مع النصوص عند إيهام التعارض، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من حوسب يوم القيامة عُذِّب»، فقلت: أليس قد قال الله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]، فقال: «ليس ذلك الحساب إنما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب» (١).
فعائشة ﵂ فهمت العموم في قول النبي ﷺ ، وقابلته بآية من كتاب الله ظاهرها التعارض.
ومنها: أبواب مقاصد الشريعة وتقديم خير الخيرين، ودفع شر الشرين، فلقد قرر قواعدَ هذا الباب النبيُّ ﷺ .
كما في حديث عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «لولا أنَّ قومك حديث عهد بشرك، لهدمت الكعبة … الحديث» (٢).
وكما في حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنَّ عبد الله بن أبي لما قال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا
стр. 63
المنافق. فقال النبي ﷺ : «دعه، لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه» (١).
وهذا باب من أبواب أصول الفقه، وهو باب التزاحم، ماذا يقدم إذا تزاحم واجب مع واجب، أو محرم مع محرم، وغير ذلك.
وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
فتطبيق الأصول علمًا ذا قواعد وطرقًا للاستنباط والفهم، كان موجودًا في عصر النبوة، جزءًا منه كان موجودًا سليقة باللسان العربي الذي يمتلكونه، وجزءًا كان تربية من النبي ﷺ يعرفهم مبادئ الاستنباط، ومآخذ الحكم من الدليل.
فتكوَّن بذلك ملكة عند الصحابة أهَّلَتْهم بعد وفاة النبي ﷺ ، ليكونوا فقهاء وعلماء مجتهدين يقوون على استنباط الأحكام من الأدلة، للمسائل التي لم يكن لها تعيين في القرآن ولا في السنة.
وقد كان ذلك واضحًا منذ اليوم الأول لهم بعد وفاة النبي ﷺ ، فلم يكونوا عالة على النصوص، بل وفقهم الله تعالى لاتخاذ المواقف الصحيحة، واستنباط الأحكام الصحيحة، وأن يكونوا علماء مجتهدين منذ اليوم الأول بعد وفاة النبي ﷺ .
стр. 64
المبحث الثاني:
أصول الفقه في عصر الصحابة
عاش الصحابة مرحلة لا وحي فيها بعد وفاة النبي ﷺ ، لكنهم امتلكوا قدرًا كبيرًا من فهم الشريعة، وإدراك مقاصدها.
وبعد وفاة النبي ﷺ أصبح هذا العلم أكثر بروزًا، وهذه التطبيقات أكثر وضوحًا، وكانوا يجتهدون في كثير من المسائل المستجدة، وظهر في اجتهادهم النظر السديد، والفقه الدقيق.
فصار تعامل الصحابة مع النصوص وفهمها بمثابة وضع القواعد للفهم والاستنباط فيما يتعلق بدلالات الألفاظ.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ كلمة، وقلتُ أخرى، قال النبي ﷺ : «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار»، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًّا دخل الجنة (١).
стр. 65
فهذه إشارة إلى دلالة مفهوم المخالفة الذي عبر عنه الخطيب البغدادي فقال: ولم يقل عبد الله هذا إلا من ناحية دليل الخطاب (١) اه.
ومنها: أنَّ عمر ﵁ أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فهَمَّ برجمها، فبلغ ذلك عليًّا ﵁ فقال: ليس عليها رجم. فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه، فقال: قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فستة أشهر حمله وحولين تمام لا حد عليها، فخلى عمر عنها (٢).
وهذه إشارة إلى دلالة القرآن للحكم من دليلين، باستخراج حكم لم يدل عليه أحدهما، وإنما استفيد من مجموعهما، وتسمى (دلالة إشارة).
ومنها: إجماع الصحابة أنَّ ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، كاحتجاج أبي بكر على عمر ﵄ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
стр. 66
[البقرة: ٤٣]، وذلك في نفي التفريق بين تارك الصلاة ومانع الزكاة في الحكم بالوجوب.
وكذلك فهم أنَّ هناك من الأوامر على الوجوب، ومنها ما ليس بواجب، كما في حديث علي ﵁: الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنَّه رسول الله ﷺ وقال: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» (١).
وكذلك فهم الصحابة أنَّ النهي قد يأتي للتحريم، وقد يأتي لغير التحريم.
كما في الصحيحين من حديث أم عطية ﵂ قالت: نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا (٢).
ومنها: إجماع الصحابة على أنَّ للعموم صيغًا تخصه.
قال الآمدي: وأما الإجماع فمنه احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل
стр. 67
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» (١)(٢).
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر إلى التعليق بالاستثناء، وهو قوله ﷺ : «إلا بحقها» فدل ذلك على أنَّ لفظ الجمع المعرَّف للعموم.
ومنها: احتجاج فاطمة ﵂ على أبي بكر ﵁ في توريثها من أبيها ﷺ فدك والعوالي، بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة.
بل عدل أبو بكر ﵁ إلى ما رواه عن النبي ﷺ من دليل التخصيص، وهو قوله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (٣) اه.
стр. 68
• وكذلك في استخدامهم القياس لاستنباط الأحكام في المسائل الغير منصوص فيها:
منها: قياسهم شارب الخمر على المفتري في جلده ثمانين جلدة قياسًا على المفتري، فقد أخرج مالك في الموطأ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ استشار في الخمر يشربها الرجل؟ فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سَكَر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى (١). فَجَلد عمر في الخمر ثمانين.
ومنها: قياسهم قتل الجماعة بالواحد قياسًا على سرقتهم.
ومنها: جعلهم الرقيق على النصف من الحُر في النكاح والطلاق والعدة قياسًا على الحدود.
وقولهم بالعول في الفرائض، لإدخال النقص على جميع الورثة قياسًا على النقص على الغرماء في الدين، وغيرها الكثير.
قال الجويني: ونحن نعلم أنَّ الصحابة ﵃ كانوا يبتدرون إلى القياس بالحوادث ما شذ منها وما ظهر، ونعلم قطعًا بألفاظ مصرح بها،
стр. 69
وهذا ما لا سبيل إلى جحده، والذي يوضح ذلك أنهم اعتبروا طريق القياس في غوامض المسائل مع شغورها عن العلل المنصوصة في أصولها (١).
وقد اختصر الإمام الشاطبي منهج الصحابة في الاستدلال والقياس بكونه منطلقًا من أمرين: الوحي، والمقاصد. فيقول: الصحابة ﵃ قصروا أحكامهم على اتباع الأدلة، وفهم مقاصد الشرع (٢).
وكان من منهجهم أيضًا في الاستدلال اعتناؤهم بتعليل الأحكام، وهو كثير في اجتهادهم، فبنوا الأحكام المقيسة على العلل؛ كتعليلهم أولوية أبي بكر بالخلافة، لأنَّ النبي ﷺ رضيه لدينهم، وتعليل علي ﵁ جلد شارب الخمر ثمانين بأنه إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، والفرية حدها ثمانون جلدة.
فلذلك كان من أسباب اختلاف الصحابة اختلافهم في التعليل.
فالصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا علماء مجتهدين، وقد تفاوتوا في الفقه والفهم غاية التفاوت، وكانوا يجتهدون ويختلفون وينكر بعضهم على بعض، ويستدرك بعضهم على بعض.
стр. 70
وفي كل ذلك كانت قواعد علم أصول الفقه حاضرة في أذهانهم، وفي اجتهادهم، لكنها لم تكن مدونة، بل كانت في أذهانهم.
وورَّث الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا العلم إلى جيل التابعين، كما ورَّثوا غيره من العلوم.
стр. 71
المبحث الثالث:
علم أصول الفقه في عصر التابعين
ما زال علم أصول الفقه إلى الآن قواعد على ألسنة العلماء من الصحابة وتلاميذهم من التابعين لم يُدوَّن كعلم مستقل.
وقد وَرِث التابعون هذا العلم من الصحابة بملازمتهم، والتفقه عليهم، فتشكلت حلق ومدارس للصحابة يُدَرِّسون فيها العلم للتابعين.
فكان ابن عباس في مكة، وابن عمر في المدينة، وعبد الله بن مسعود في الكوفة، وأنس بن مالك في البصرة، وأبو الدرداء في الشام، وكان من سياسة عمر ﵁ أن يرسل مع الجيوش في الفتوحات من يعلِّم أهلها.
فتأثر أهل كل بلد بفقه الصحابي الذي فيه، فورثوا علم الصحابة من خلال التأثر بطرائق الصحابة في الفهم والفتوى.
وقد يرحل التابعي إلى الصحابي، فيجمع فقهه وعلمه، ثم يرحل إلى آخر، فيجمع فقهه وعلمه.
стр. 72
وقد يلزم التابعي صحابيًّا بعينه حتى يُشتهر بالأخذ عنه.
ومن ذلك: سعيد بن المسيب اشتهر بالأخذ عن أبي هريرة.
وكذلك نافع مولى ابن عمر اشتهر بالأخذ عنه، وتشرب فقهه.
واشتهر عكرمة بالأخذ عن ابن عباس، والتفقه عليه.
فورَّث الصحابة العلم بانتشارهم في الآفاق والبلاد، وتدريسهم العلم لطلابهم، والآخذين عنهم.
فتشرب به التابعون، وورَّثوه بدورهم إلى غيرهم من أتباعهم، بل إنَّ المذاهب الفقهية الكبرى كانت متأثرة بفقه الصحابة.
ففقه أبي حنيفة ينتهي في إسناده إلى عبد الله بن مسعود.
وفقه مالك ينتهي في إسناده إلى ابن عمر (مالك عن نافع عن ابن عمر).
وفقه الشافعي ينتهي في إسناده إلى ابن عباس (الشافعي عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس)، وقد جمع ﵁ بين علم الحجاز (مالك)، وعلم العراق (أبو حنيفة).
وفقه أحمد بن حنبل متأثر بفقه الشافعي، فهو أجل من أخذ عنه.
فالصحابة ورَّثوا العلم للتابعين، ثم تلت تلك المرحلة مرحلة تابعة
стр. 73
لها، فاتسعت بلاد الإسلام والفتوحات الإسلامية، وامتد الزمان، وانقرض عهد الصحابة بموت أحدهم تلو الآخر، ولم يبق إلا جيل التابعين الذين أخذوا من الصحابة، ثم ورَّثوا أتباعهم الذين جدت في عهدهم أمور منها:
١ - كثرة الفتوحات الإسلامية واتساع رُقعة البلاد الإسلامية.
٢ - ضعف اللغة وانتشار العجمة.
٣ - قلة الصحابة ﵃.
٤ - قلة رواية الحديث كما في العراق والشام والبصرة.
٥ - نشأة الفرق أو المذاهب المخالفة (الخوارج، والشيعة، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة)، وأصحاب هذه الفرق كانوا يستدلون لمذاهبهم بالأدلة.
فكانوا يعتمدون في فهم النصوص على قواعد عقيمة، وفهوم سقيمة تخالف ما كان عليه الصحابة الكرام والسلف الأطهار.
فهذه الأمور كانت عائقًا أمام انتقال العلم بصورته الوراثية بين الأجيال، كما كان في الصحابة مع التابعين، والتابعين مع أتباعهم.
لذلك دعت الحاجة إلى أن يدون علم أصول الفقه، حتى يحفظ من الضياع بين تلك المآخذ والمذاهب، وذلك كان في منتصف القرن الثاني
стр. 74
الهجري.
وكانت أولى المحاولات في جمع هذا العلم المبارك على يد الإمام المطلبي الشافعي محمد بن إدريس ﵀.
стр. 75
المبحث الرابع:
نبذة مختصرة عن الإمام الشافعي ﵀ -
إن من أقل الواجب علينا، والاعتراف بالفضل والجميل لمن أسس هذا العلم (علم أصول الفقه)، وأرسى قواعده وأسسه أن نذكر نبذة موجزة عن سيرته (الإمام الشافعي) وحياته، وبيان بعض مناقبه، وكلام العلماء في ذكر فضائله ومكانته.
• أولًا: اسمه ونسبه (١):
الإمام الشافعي هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، الإمام العلم أبو عبد الله المكي المطلبي الفقيه.
• ثانيًا: مولده ونشأته وطلبه للعلم (٢):
ولد سنة خمسين ومائة بغزة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ