وكذلك يناقش بهدوء المؤرخ ابن أبي طي الحلبي فيما يورده من أخبار تكشف عن فتور العلاقة بين نور الدين وصلاح الدين عقب تولي صلاح الدين مصر، فهو يعترف بادئ ذي بدء بهذا الفتور الذي يعتري أي إنسان لسبب من الأسباب، لأنه مما تقتضيه الطباع البشرية والجبلة الآدمية، وقد أجرى الله العادة بذلك إلا من عصمه الله، ومن أنصف عذر، ومن عرف صبر (١).
ثم يرد هذا الفتور، والاختلاف بينهما إلى سببه، فيقول: «والذي أنكره نور الدين إفراط صلاح الدين في تفرقة الأموال، واستبداده بذلك من غير مشاورته» (٢).
بيد أنه يأخذ على ابن أبي طي مبالغته في تصوير هذا الفتور، ويعارضه بكتاب لنور الدين قرأه بخطه يشكر فيه صلاح الدين، فيقول: «وذلك ضد ما قاله ابن أبي طي» (٣).
ويرى وراء مبالغة ابن أبي طي هذه محاولة منه للطعن بنور الدين، مصورا إياه حاكما يتآكله الحسد من صعود نجم صلاح الدين، ثم يبين السبب الذي دفع ابن أبي طي لقول ما قاله في نور الدين، فيقول: «مع أن ابن أبي طي متهم فيما ينسبه إلى نور الدين مما لا يليق به، وذلك لأن نور الدين ﵀ كان قد أذل الشيعة بحلب، وأبطل شعارهم، وقوى أهل السنة، وكان والد ابن أبي طي من رؤوس الشيعة، فنفاه عن حلب، وقد ذكر ذلك كله ابن أبي طي في كتابه مفرقا في مواضع، فلهذا هو في هذا الكتاب الذي له كثير الحمل على نور الدين، فلا يقبل منه ما ينسبه إليه مما لا يليق به» (٤).
وهكذا نرى أبا شامة في نقده يتبع المنهج التاريخي، فهو يعترف بما وقع، غير
стр. 356
أنه يحيله على الأسباب الحقيقية التي كانت وراءه، بعيدا عن العصبية والضغينة التي تشوه وجه الحقيقة التاريخية، معترفا بالمشاعر الإنسانية، وما تمليه من مواقف، رادا الأخبار بوثائق تدحضها، كاشفا عن السبب الذي يحرف المؤرخ عن حياده.
وبحس المؤرخ المرهف يستشرف أبو شامة آفاق هذا الخلاف بين نور الدين وصلاح الدين، ويضعه في سياقه التاريخي الذي آل إليه، فيرى أنه خلاف حول بعض الوسائل، ولا يمس الهدف الأكبر الذي كان واحدا عندهما، وفي لفتة بارعة حقا يكتب: «ولو علم نور الدين ماذا ذخر الله تعالى للإسلام من الفتوح الجليلة على يدي صلاح الدين من بعده لقرت عينه، فإنه بنى على ما أسسه نور الدين من جهاد المشركين، وقام بذلك على أكمل الوجوه وأتمها» (١).
وكان ديدن أبي شامة فيما نقل عن ابن أبي طي أن يتتبع ما وقع له من أوهام (٢).
* * *
ولا يفارقه منهجه التاريخي في النقد، وهو يرد على ابن الأثير، ذلك المؤرخ الجليل، فحين يورد ابن الأثير أبياتا لابن منير في غزاة وقعت سنة (٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م)، يقول أبو شامة: «وقد سبق أن ابن منير توفي سنة (٥٤٨ هـ)، فإما أن يكون ابن منير قال الشعر في غير هذه الغزاة، وإما أن تكون هذه الغزاة في غير هذه السنة» (٣).
وحين يذكر ابن الأثير خاتون زوج قطب الدين مودود حاكم الموصل، ويقول فيها: إنها أشبهت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوج عمر بن عبد العزيز، كان لها أن تضع خمارها عن ثلاثة عشر خليفة. ثم يعددهم ابن الأثير، فيعقب عليه
стр. 357
أبو شامة بقوله: «وهذا كله مبني على أصل فيه خلل، وهو أن فاطمة بنت عبد الملك ليست أمها عاتكة بنت يزيد بن معاوية، بل أمها امرأة مخزومية، ولكن الصواب في ذلك أن يقال: كان لفاطمة أن تضع خمارها عن عشرة من الخلفاء. أما عاتكة فاثني عشر خليفة، وذلك ظاهر لمن عرف أنساب بني أمية» (١).
ويهم ابن الأثير في تسمية أحد ملوك السلاجقة، وهو ألب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد، فيسميه ابن الأثير: ألب أرسلان المعروف بالخفاجي، فيرد أبو شامة عليه وهمه، مبينا أن من أولاد السلطان محمود: ألب أرسلان، والآخر يعرف بالخفاجي، ويسمى فرخشاه (٢).
وينقل عن ابن الأثير قوله في البيمارستان النوري بدمشق: «بلغني أنه لم يجعله وقفا على الفقراء حسب، بل على كافة المسلمين من غني وفقير». فيسارع أبو شامة إلى الكشف عن كتاب وقفه، فيرى أنه غير مشعر بذلك، وأن ما ينقله ابن الأثير هو ما يشاع على ألسنة العامة، ثم يورد ما جاء في كتاب الوقف (٣).
* * *
ولا يتوانى أبو شامة في التعليق على الأخبار من جانبها الفقهي إذا استدعى سياقها ذلك، وهو الفقيه، فحين يرى أن كتب القاضي الفاضل غالبا ما يختمها بالدعاء، معلقا إجابته بالمشيئة، قائلا: إن شاء الله تعالى. فينبه أبو شامة على ذلك بقوله: «التعليق بالمشيئة غير لائق بالأدعية»، ثم يسوق حديثا شريفا يؤيد قوله (٤).
وكذلك حين يورد ابن الأثير خبرا عن الصالح إسماعيل بن نور الدين، وقد اشتد به المرض، فوصف له الأطباء شرب الخمر تداويا بها، فقال: لا أفعل حتى
стр. 358
أستفتي الفقهاء. وكان عنده علاء الدين الكاساني الفقيه الحنفي، فأفتاه بجواز شربها. فيعقب أبو شامة بقوله: «يحتمل أنه ذكر له أن من العلماء من ذهب إلى جواز ذلك، لا أنه يرى ذلك، فإن مذهبه بخلافه، والله أعلم» (١).
* * *
وكان أحيانا ينقد الأخبار نقدا عيانيا إن صح التعبير، وذلك من خلال زيارة مكان الخبر ومعاينته، فحين يذكر ابن الأثير رباط وزير الموصل جمال الدين في المدينة المنورة، يقول: «وبينه وبين قبر النبي ﷺ خمسة عشر ذراعا … »، فيتعقبه أبو شامة بقوله: «كذا قال ابن الأثير، وقد رأيت المكان، ولعله أراد الحائط الشرقي من مسجد النبي ﷺ لا نفس القبر الشريف، زاده الله شرفا، وصلى على ساكنه» (٢).
* * *
وإذا ما أورد أبو شامة شعرا، فإنه يصحح نسبته إلى قائله، من ذلك ما ساقه ابن الأثير من أبيات في حادثة ضياع خاتم نور الدين في سنة (٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م) ناسبا إياها إلى بعض الشاميين، قائلا: «وأظنه أحمد بن منير من جملة قصيدة يمدحه بها، ويهنئه بهذه الغزاة، وعود الفص الياقوت».
فيتعقبه أبو شامة بقوله: «هذه الأبيات لابن منير بلا شك، ولكن في غير هذه الغزاة، فإن ابن منير قد سبق أنه توفي سنة (٥٤٨ هـ)، ثم يبين مناسبة قول هذه الأبيات على الصواب» (٣).
وحين يسوق العماد الكاتب أبياتا في ترجمة الجليس بن الجباب على أنها من شعره، يتعقبه أبو شامة بأن هذه الأبيات تمثل بها الجليس، وهي للشاعر صردر، وقد قرأها في ديوانه (٤).
стр. 359
ولا يغفل أبو شامة نقد الشعراء، فحين استفتح عمارة اليمني قصيدته الميمية في مدح الفائز بن الظاهر، ووزيره طلائع بن رزيك، بقوله:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدا يقوم بما أولت من النعم
يقف أبو شامة عند هذه الافتتاحية قائلا: «وشعر عمارة كثير حسن، وعندي من قوله: الحمد للعيس - وإن كانت القصيدة فائقة - نفرة عظيمة، فإنه أقام ذلك مقام قولنا: الحمد لله، ولا ينبغي أن يفعل ذلك مع غير الله تعالى ، فله الحمد وله الشكر، فهذا اللفظ كالمتعين لجهة الربوبية المقدسة، على ذلك اطرد استعمال السلف والخلف، ﵃» (١)
فلم يتسامح أبو شامة مع هذا التعبير الغريب برغم إعجابه بالقصيدة، وإعلانه ذلك.
ومن ثم يتضح لنا مجازفة بعض الأساتذة الكبار، ممن تصدى للتأليف التاريخي في عصرنا، حين يقول: «إن السالفين جميعا بلا استثناء ساروا على طريقة النقل من المراجع الكبيرة والصغيرة والمعاصرة وغير المعاصرة، دون رجوع إلى العقل والسنن الكونية، فضلا عن قواعد الجرح والتعديل» (٢).
وما أدري حقا كيف واتته هذه العبارة الجارحة، بهذا التعميم الذي يتنافى وأيسر قواعد المنهج العلمي القائم على الاستقراء التام، والتجوز في العبارة.
أذكر ذلك لأقول: حقا نحن بحاجة إلى مراجعة لأقوال هؤلاء الأساتذة الكبار، الذين وضعتهم منزلتهم العلمية عند بعضهم فوق النقد، ولا يمكن أن تقوم حياتنا العلمية على أسس صحيحة إذا لم نشرع أبوابها للنقد النزيه، مناقشين الأفكار غير مجرحين لأصحابها، والله الموفق.
стр. 360
أبو شامة والشعر
كان للشعر النصيب الأوفى في «كتاب الروضتين»، وقد أودع فيه أبو شامة كثيرا من القصائد والمقطعات التي لولاه لضاعت فيما ضاع من تراثنا الشعري، ويتبدى فيما أورده ولعه به، وتذوقه له، وإدراكه أهميته في الكتابة التاريخية، فقد ألقت هذه القصائد والمقطعات ظلالها على الكتاب بما بثته من مشاعر وأحاسيس وآمال، جعلت الحدث التاريخي ينبض بالحياة ونحن نعايش تلك القلوب التي عاصرته، وانفعلت به، فإذا بنا فيه، وقد نقلنا إليه أبو شامة بحس المؤرخ ورهافة الأديب. وأكاد أجزم بأني لم أر مؤرخا توسع في إيراد الشعر في كتابه كما فعل أبو شامة، ولعل مما سهل ذلك عليه اختصاره جملة من دواوينه (١).
وأول ما يلفت نظرنا أن أبا شامة - وهو المؤرخ - لم يكن يثبت منه في كتابه إلا ما تحقق من نسبته إلى قائله، فحين يسوق بيتي أسامة ابن منقذ في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته … يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا … لناظري افترقنا فرقة الأبد
يقول: «ومن عجيب ما اتفق أني وجدت هذين البيتين مع بيتين آخرين،
стр. 361
المجموع أربعة أبيات في ديوان أبي الحسين أحمد بن منير الأطرابلسي، ومات ابن منير سنة (٥٤٨ هـ) قرأت في ديوانه، وقال في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته … يشقى لنفعي وأجني ضره بيدي
ثم قال:
أدنى إلى القلب من سمعي ومن بصري … ومن تلادي ومن مالي ومن ولدي
أخلو ببثي من خال بوجنته … مداده زائد التقصير للمدد
لم أره من تصاحبنا … البيت
فالأشبه أن ابن منير أخذهما وزاد عليهما، ولهذا غير فيهما كلمات، وقد وجدت هذا البيت الأول على صورة أخرى حسنة:
وصاحب ناصح لي في معاملتي
ويجوز أن يكون أسامة أنشدهما متمثلا، فنسب إليه لما كان مظنة ذلك، ويجوز أن يكون اتفاقا، والله أعلم (١).
بل إنه يتتبع المؤرخ الذي ينقل عنه الشعر في ألفاظه، ليتحقق من صحة إيراده له، فحين نقل عن ابن أبي طي قصيدة ابن التعاويذي في مدح السلطان صلاح الدين في وقعة مرج عيون سنة (٥٧٥ هـ/ ١١٧٩ م) التي يقول فيها:
فهوت نجوم سعودهم وقضى لهم … بالنحس طائرهم بمرج عيون
يتعقبه أبو شامة بقوله: «هكذا أنشده (يعني ابن أبي طي) وهو حسن، وقد كشفته من نسخة ديوان ابن التعاويذي، فوجدت آخر هذا البيت: طائر جدك الميمون» (٢).
* * *
стр. 362
ولأبي شامة فيما يورده من أشعار ذائقة أديبة عالية، وأحيانا يعبر عنها باستحسانه بعض الأبيات بكلمات مجملة، لا يتعداها في الغالب إلى بيان مواطن جمالها.
فهو معجب أشد الإعجاب بشعر ابن القيسراني وابن منير الأطرابلسي، فهما من أفحل الشعراء ممن مدح نور الدين، ولهما فيه أشعار فائقة (١)، وهما في عصرهما بمنزلة الفرزدق وجرير (٢)، ومن أتى بعدهما ممن مدح نور الدين لم يبلغ شأوهما (٣).
ومعجب كذلك بالشاعر المصري أبي الحسن بن الذروي، فقد مدح القاضي الفاضل عند عوده من حجه سنة (٥٧٤ هـ/ ١١٧٩ م) بقصيدة حسنة (٤)، وقصيدته الذالية في المبارك ابن منقذ قصيدة غراء، قال فيها: «ما أظن أنه نظم على قافية الذال أرق منها لفظا، وأروق معنى» (٥).
أما العماد الكاتب، فقد نظم أوصاف نور الدين الجليلة بأحسن لفظ وأرقه (٦).
ولعلم الدين الشاتاني مطلع قصيدة في مدح صلاح الدين يقوم مقام قصائد كثيرة (٧).
* * *
ولم يلتزم أبو شامة بإيراد القصيدة كلها في موضع واحد، وإنما يقطعها حسب
стр. 363
المناسبة التي يقتضيها سياق الخبر، فقصيدة العماد الكاتب التي مدح فيها السلطان صلاح الدين في وقعة حطين، قدم منها أبياتا في وصف كسرة حطين، وأبياتا عند فتح القدس (١).
وكذلك أورد من قصيدة ابن جبير في مدح السلطان صلاح الدين ما يتعلق بإسقاط المكوس في حوادث سنة (٥٧٤ هـ/ ١١٧٩ م) وأورد باقيها في فتح القدس (٢).
وحين افتتح نور الدين قلعة أفامية، أورد أبياتا من قصيدة لابن منير في فتحها، ثم اختار أبياتا من القصيدة نفسها في رثاء سيف الدين غازي أخي نور الدين (٣).
وللشعر عنده أهمية في تأريخ بعض الوقائع، فحين يذكر العماد الكاتب قصد الشاعر عرقلة الكلبي صلاح الدين في مصر، يجد أبو شامة مصداق ذلك في ديوانه، فيقول: «وفي ديوانه ما يدل على قدومه مصر» (٤).
ويستشهد بأشعار لعمارة اليمني يدلل بها على تعلقه بالفاطميين، وبغضه لصلاح الدين، وهي أبيات منتزعة من قصائد طويلة له (٥).
بل إنه يحاول من خلال الشعر أن يتبين حقيقة ما وقع، فهل كان عطاء بن حفاظ السلمي، أحد رجال مجير الدين أبق حاكم دمشق، متواطئا مع نور الدين؟ أم أن الأبيات التي قالها ابن منير في مدحه قيلت لتكون سببا في قتله (٦)؟
وثمة أخبار لا مصادر لها إلا أشعار الشعراء، من ذلك وصول خلع الخليفة
стр. 364
من بغداد إلى نور الدين سنة (٥٤٦ هـ/ ١١٥١ م) فقد استفاد ذلك أبو شامة من قصيدة لابن منير يمدح فيها نور الدين، ويهنئه فيها بوصول هذه الخلع على يد الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون (١).
وكذلك غزاة الوزير طلائع بن رزيك للصليبيين يفصل خبرها من خلال قصيدة أرسلها طلائع إلى أسامة ابن منقذ، شارحا له فيها حال هذه الغزاة (٢).
وصلح نور الدين مع حاكم دمشق سنة (٥٤٥ هـ/ ١١٥٠ م) يؤيده بقصيدة للقيسراني يمدح فيها نور الدين لإبرامه هذا الصلح (٣).
وأحيانا تكون قصيدة شعر هي وراء وقعة من الوقائع، كما في قصيدة الواعظ أبي عثمان المنتجب بن أبي محمد البحتري الواسطي، التي كانت من أقوى الأسباب المحركة لنور الدين لإبطال المكوس (٤).
من ذلك نتبين أن أبا شامة كان من أولئك المؤرخين الذين اكتشفوا أهمية الشعر في تدوين التاريخ، وأنه من أهم مصادره فيه (٥).
* * *
стр. 365
مختصرات «كتاب الروضتين»
اختصر أبو شامة كتابه «الروضتين» على عادته في اختصار بعض مؤلفاته (١)، غير أنه لم يسمه، فقد قال في أثناء كلامه على تصانيفه: «ومنها كتاب الروضتين في أخبار الدولتين في مجلدين، ومختصره في مجلدة صغيرة» (٢)، ولم يسمه كذلك في المقدمة القصيرة التي استهل بها هذا المختصر (٣).
وكان العلامة المحدث الشيخ خليل بن كليكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي (٤) قد نقل هذا المختصر من خط أبي شامة، ثم زاد على مختصره، فقال: «وزدت على مختصره هذا فوائد وتتمات حسنة كانت عندي معلقة من كتابه الكبير المسمى بالروضتين» (٥) وقد جاء على غلاف نسخته التي بخطه: «كتاب عيون
стр. 366
الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، تصنيف الشيخ الإمام العلامة، جامع الفضائل شهاب الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بأبي شامة، رحمة الله عليه، وهو مشتمل على المختصر الذي اختصره المصنف من كتابه المذكور جميعه، وعلى زيادات كثيرة من الأصل الكبير، وشيء من غيره أيضا، جمع ذلك وكتبه خليل بن العلائي الشافعي، غفر الله له» (١).
وهذا يدل على أن «عيون الروضتين» هي التسمية التي وضعها العلائي لمختصر أبي شامة والزيادات التي جمعها، وقد جاء في خاتمته: «آخر المختصر والمضاف إليه كلاهما من كتاب الروضتين، فرغ منه كتابة وتنقيحا خليل بن كيكلدي العلائي الشافعي، لطف الله به، في بكرة يوم الثلاثاء، تاسع شهر ذي القعدة سنة ٧٣٤ هـ بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف» (٢).
وقد التقط د. صلاح الدين المنجد هذه الخاتمة، وجعلها عنوانا لكتاب العلائي، فذكر في مؤلفاته: المختصر والمضاف لكتاب الروضتين لأبي شامة (٣)، ثم ذكر أن نسخة منه في المتحف البريطاني برقم (٥٥٤)، اسمها «عيون الروضتين في أخبار الدولتين» (٤).
نسخة العلائي هذه طبعت بتحقيق الأستاذ أحمد البيسومي، وصدرت عن وزارة الثقافة بدمشق سنة (١٩٩١ م)، على أنها مختصر أبي شامة لكتابه، وقد أغفل محققها على غلاف الكتاب ما قام به العلائي، مقتصرا فيه على ذكر أبي شامة، وكأن الكتاب هو من اختصار أبي شامة وحده، بل إن محققه نسب تسميته «عيون الروضتين» لأبي شامة دون أن يبين مستنده في ذلك (٥)!.
стр. 367
وثمة اختصار آخر لكتاب الروضتين قام به عبد اللطيف بن محمد البهنسي (١)، أتمه سنة (٧٩٠ هـ/ ١٣٨٨ م) منه نسخة في المكتبة الأحمدية بتونس برقم (٦٥٦١)(٢).
وإتماما للفائدة أورد مقدمة أبي شامة لمختصره، وتبيانا لمنهجه فيه، قال أبو شامة: «الحمد لله على كل حال، وصلواته وسلامه على خير خلقه من الملائكة والأنبياء والأولياء والأبدال.
هذا مختصر كتاب الروضتين الذي كنت جمعته في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية، وما جرى في زمانهما، اقتصرت فيه على الإشارة إلى الوقائع والنوازل، وبسط القول في وصف الملكين القائمين بتلك الفضائل، إذ كان قصدي بذلك الكتاب تنهيض همم الملوك إلى الاقتداء بهما، واستقباح التخلف عنهما، خوفا من زلة القدم، فما بالعهد من قدم، وليشتهر فيما بعد فضلهما بتدوين ذكرهما، فلا ينسى بعد طول الزمان أمرهما، بل تعطر المجالس بأخبارهما، وتزين المحافل بتذكار أحوالهما، ومواظبتهما على الجهاد، وفتح البلاد، والنظر الدائم في مصالح العباد، فرضي الله عنهما، فما أكثر التأسف على زمانهما، ووفق ملوكنا لسلوك مسالكهما، والتخلق بأخلاقهما، آمين» (٣).
стр. 368
طبعات «كتاب الروضتين»
طبع كتاب الروضتين أول ما طبع في مصر بمطبعة وادي النيل سنة (١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م) في جزأين، الأول عن نسخة خطية فرغ من نسخها سنة (٧٣٤ هـ)، والثاني عن نسخة أخرى فرغ من نسخها سنة (١١٢٣ هـ) (١).
ثم ترجم إلى الألمانية سنة (١٨٧٩ م).
ثم نشر المستشرق الفرنسي كاترمير (Quatremere)، منتخبات منه مع ترجمتها إلى الفرنسية، وطبعها في باريس سنة (١٨٨٨ م) (٢).
وكان د. محمد حلمي محمد أحمد المتخرج بدار العلوم بمصر سنة (١٩٤٤ م) قد أوفد في بعثة علمية لانجلترا لنيل درجة الدكتوراه، فتقدم إلى جامعة لندن برسالة عنوانها: دراسة حول أعمال أبي شامة (٣).
غير أن هذه الدراسة لم تنشر (٤).
Studies on the Works of Abu Shama; ١٩٥١
стр. 369
وقد تصدى من بعد لتحقيق «كتاب الروضتين»، فأصدر القسم الأول من الجزء الأول سنة (١٩٥٦ م)، والقسم الثاني من الجزء الأول سنة (١٩٦٢ م)، وقد نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة. ثم توقف صدور الكتاب.
وقد قدم د. محمد حلمي في القسم الأول من الجزء الأول دراسة عن أبي شامة، يغلب على الظن أنها ملخصة عن دراسته.
ولم يستطع في دراسته هذه أن يصور لنا حياة أبي شامة تصويرا متكاملا في مراحلها كلها، بل كان يقفز فيها عبر السنين إلى بعض أحداث حياته حسبما يتفق له من أخبارها، تاركا فجوات لم يستطع معرفتها، خالصا إلى استنتاجات خاطئة أحيانا، وأحيانا تفتقر إلى الدقة العلمية، قاده إليها استقراؤه الناقص لأخباره، وقصوره في تحليلها، فكان مما وصل إليه أن الغموض يكتنف حياة أبي شامة في جميع مراحلها (١)، ومع غموضها عنده استنتج أنها في مجموعها كانت حياة سهلة مطمئنة، وأنه لم يعترضه من الصعوبات ما يعكر صفوها، أو يخرج بها عن هدوئها واستقرارها (٢).
ومن ثم اضطرب في تعيين السنوات التي أقام بها في المدارس التي درس بها أو درس بها، فكان من جملة ما قال: «من غير الممكن القطع بتاريخ انتقاله من المدرسة العزيزية التي كان مقيما بها حوالي سنة (٦١٥ هـ) إلى المدرسة العادلية التي ثبت استقراره بها سنة (٦٣٤ هـ)، ويبدو أن إقامة أبي شامة بهذه المدرسة الأخيرة بين سنتي (٦٣٤ - ٦٥٦ هـ) كانت متصلة لم يقطعها إلا مدة انصرافه إلى بساتينه (٣) الخاصة».
وهذه كلها أقوال مبتسرة، لا تقوم على منهج علمي يتهدى في جمع مادته من
стр. 370
مظانها، ثم يحللها التحليل الكاشف لمعناها وسياقها، ولن أقف هنا للرد على ما قاله، وما فاته من مراحل حياة أبي شامة الهامة، ففي دراستي عن أبي شامة التي بين يديك - أيها القارئ الكريم - رد علمي على هذا الاضطراب والابتسار (١).
أما تحقيقه ل «كتاب الروضتين» فقد وقع فيه بأوهام تشعرك حقا أنه كان غريبا عن النص، غريبا عن روحه وأماكنه وحوادثه (٢).
وهكذا بقي كتاب «الروضتين بين أيدي الباحثين والقارئين موزعا بين طبعته القديمة، ونشرة د. محمد حلمي الناقصة.
وكانت فكرة تحقيقه كاملا تراودني منذ قراءتي له، واهتمامي بأخباره في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، حتى عزمت أمري أخيرا، وهيأت نسخه الخطية (٣)،
стр. 371
وشرعت في تحقيقه مع بداية عام (١٩٨٨ م) وفرغت منه سنة (١٩٩٦ م) (١)، وقد صدر - بحمد الله - في خمسة أجزاء عن مؤسسة الرسالة في بيروت سنة (١٩٩٧ م) (٢).
ومن الموافقات الجميلة أنني عشت في المكان الذي عاش فيه أبو شامة، وحققت كتابه في المكان الذي ألفه فيه؛ وهو المدرسة العادلية الكبرى (٣) … فكثيرا ما كنت ألقي بالقلم، وأتمشى في باحتها، متفيئا ظلال أشجار الليمون والنارنج، متحسسا نبض الأحجار التي اكتحلت عيونها برؤيته، شاعرا أن ما يفصلني عنه ليس تسعة من القرون، بل لا يكاد أن يكون تسعا من السنوات.
стр. 372
المذيل على الروضتين
стр. 373
متى ألف كتاب «المذيل على الروضتين»؟
ألمعنا فيما سلف إلى أن أبا شامة حين انتقل من القراءة في التاريخ إلى التدوين فيه خطر له أن يؤلف كتابا في التأريخ لوقائع عصره (١)، وذلك سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) وكان في نحو الخامسة والعشرين من عمره، وهي السنة التي توفي فيها الملك المعظم عيسى بن العادل (٢)، بيد أنه لم يباشر تدوينه حتى سنة (٣) (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م). وقد افتتحه بأهم حدثين وقعا في سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م)، وهما فجيعة الناس فيها بوفاة إمامين جليلين من أئمة دمشق: شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر، وشيخ الحنابلة موفق الدين ابن قدامة (٤).
ثم راح يدون ما جرى بعدهما من الوقائع مما هو مستحضره حتى آخر سنة (٦٢٤ هـ (٥) / ١٢٢٧ م).
وابتداء من سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) أطلق لقلمه العنان في التأريخ لما جرى في زمانه مما عاينه، أو بلغه مما استثبته، ذاكرا في كل سنة من مات بها من المعارف
стр. 374
والإخوان والأقارب والجيران، وذوي الثروة والسلطان (١)، ولم يضع له عنوانا يعرف به، ولا غاية يصل إليها، وقد كتب له مقدمة ذكر فيها باعثه على تأليفه (٢).
وظل هذا دأبه على مر السنين، وكان في أثناء ذلك قد فرغ من تأليف كتابه «الروضتين» (٣)، وبرغم أنه لم يكن من شرطه فيه ذكر ما جرى من وقائع بعد وفاة صلاح الدين، غير أنه ألفى نفسه يلم ببعض ما جرى حتى وقف عند وقائع سنة (٤) (٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م).
وظلت رغبته في التأريخ لما جرى بعد وفاة صلاح الدين تعتمل في نفسه حتى كانت سنة (٥) (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م)، وقد أتم من عمره الستين، وهنا خطر له خاطر: لم لا يجعل تاريخه هذا مذيلا على كتاب الروضتين (٦)؟ مستدركا فيه ما وقع عقب وفاة صلاح الدين منذ سنة (٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م) وحتى سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م) وبذلك يصل ما انقطع، وتكتمل الصورة، وتتعاقب الأحداث حتى زمنه.
ومن ثم كر أبو شامة على تاريخه هذا يستدرك فيه ما فاته تدوينه منذ سنة (٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م) حتى سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م)، ثم راح يوسع ما كان قد كتبه من سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) إلى سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) معتمدا في بعض أخباره فيه على من سبقه من المؤرخين ممن عاصر أحداث تلك السنين كسبط ابن الجوزي، وعز الدين محمد بن تاج الأمناء ابن عساكر، وقد كتب لتاريخه هذا مقدمة جديدة، افتتحه بها، وسماه فيها «المذيل على الروضتين» (٧).
стр. 375
ولما أتم استدراكه هذا استأنف تدوين ما كان يعيشه من وقائع حتى كبا قلمه - وقد اعتدي عليه بالضرب المبرح (١) - قبل نحو شهر من وفاته سنة (٢) (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م).
فكان هذا الكتاب أول مؤلفات أبي شامة التاريخية وآخرها.
стр. 376
موارد أبي شامة في «المذيل على الروضتين»
أما وقد حددنا زمن تأليف أبي شامة للمذيل نتبين أنه مر بمرحلتين في تأليفه: المرحلة الأولى: وهي التي ابتدأها أبو شامة من سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) إلى آخر الكتاب، وكان فيها شاهد عيان لكثير من وقائعها.
والمرحلة الثانية: وهي التي استدرك فيها ما فاته تدوينه، ابتداء من سنة (٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م) وهي السنة التي أعقبت وفاة صلاح الدين، إلى سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م) مع ما أضافه إلى ما كتبه سابقا من سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) إلى سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) وقد اعتمد في بعض أخبار هذه المرحلة على من سبقه من المؤرخين.
فكانت المرحلة الثانية هي جزؤه الأول من الكتاب، أما المرحلة الأولى والتي تبدأ من سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) إلى آخر الكتاب، فهي جزؤه الثاني (١).
فما هي موارده في التأريخ لتلك المرحلتين؟
* * *
سأبدأ بالجزء الأول، الذي يضم المرحلة الثانية من تأليفه (٢)، ولن أقف فيه
стр. 377
على ما نقله عن سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»، فقد صرح بالنقل عنه في أكثر المواضع، ويمكن الاهتداء إلى نقوله التي لم يصرح بها بما علقته عليها أثناء تحقيقي لكتابه، ولا تثريب على أبي شامة فيما نقل عنه، فأكثر حوادث تلك السنين لم يكن قد شهدها، ما شهده منها، فإنه لم يكن بذلك الوعي التاريخي الذي يمكنه من الكتابة عنها.
بيد أن ما يهمني حقا هو أن أقف على من نقل عنه أبو شامة غير سبط ابن الجوزي، ثم أقف من بعد على ما انفرد بكتابته عن هذه المرحلة، لأتبين إلى أي مدى كان تاريخه هذا مفارقا لتاريخ «مرآة الزمان».
وأول من يطالعك بالنقل عنه إلى جانب سبط ابن الجوزي هو عز الدين محمد بن تاج الأمناء أحمد بن محمد ابن عساكر، المتوفى سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) وكان له عناية بعلم التاريخ (١)، وقد ترك فيه تعاليق في جريدة، جمع فيها الغث والسمين (٢)، ووقف أبو شامة على تعاليقه هذه بخطه (٣)، ونقل عنه في المواضع الآتية من هذا الجزء الأول:
٨٧، ٩٦ - ٩٧، ١١٦ - ١١٧، ١٢٦، ١٦٢ - ١٦٣، ١٦٧، ١٧٠، ١٧٣،
١٧٤،٣١٢، ٢٢٧، ٢٢٦، ٢٢٤، ١٩٦، ٩١
وثاني من نقل عنه، وكان يكتفي أحيانا بالإحالة عليه هو أبو العرب إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري القوصي، المتوفى سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م) فقد ألف معجما في شيوخه، سمي «معجم القوصي»، طالعه أبو شامة، ورأى فيه أغاليط كثيرة، وتصحيف أسماء وتبديلها (٤)، وقد نقل عنه في المواطن التالية: ٣١٨، ٩٤ - ٩٥
стр. 378
ثم نقل عن تاريخ إربل لابن المستوفي: ١٦٨ - ١٦٩، ١٨٢. وعن الدبيئي في تاريخه: ٢١٢.
وعن العماد الكاتب في «خريدة القصر»: ١٣٤.
واطلع على ديوان أبي اليمن الكندي بخطه، وفهرست كتبه: ٢٧٥.
ونقل عن عمه أبي القاسم من تعليقاته: ١٩٧.
وعن محمد بن أحمد النسوي في «سيرة جلال الدين منكبرتي»: ٢٨٢.
* * *
أما نقله مشافهة عمن عاصر تلك السنين، فهم:
١ - شيخه علم الدين السخاوي: ١٦٠، ١٢١، ٢٧١ - ٢٧٣، ٣٤٤.
٢ - الشيخ عماد الدين ابن الحرستاني: ١١٩ - ١٢٠، ١٢٣، ٢٩٥ - ٢٩٦.
٣ - والده إسماعيل: ٢٤٢.
٤ - ضياء الدين بن أبي الحجاج: ٢٧٠.
٥ - صاحبه جمال الدين أحمد بن عبد الله بن شعيب: ٢٧٦.
٦ - عن بعض الحجاج: ٣٣٢.
٧ - عمن لم يسمه: ١٩٦.
* * *
أما ما انفرد به أبو شامة في هذا الجزء، فهو في المواضع التالية:
، ١٩٣، ١٩٢، ١٨٣، ١٧٤ - ١٧٥، ١٦٠ - ١٦١، ١٥٧ - ١٥٨، ١٢٣، ١٣٦ - ١٥٣، ٢٩١ - ٢٩٠، ٢٧٥، ٢٥٨، ٢٤٩، ٢٤٨، ٢٤٠، ٢٢٦، ٢٢٥، ٢٢٢ - ٢٢٣، ١٩٤، ٣٢٠، ٣١٩، ٣١٧ - ٣١٨، ٣١١، ٣٠٧، ٣٠٤ - ٣٠٥، ٢٩٩، ٢٩١ - ٢٩٤، ٣٥٣، ٣٥٢، ٣٥١، ٣٤٩، ٣٤٨ - ٣٤٧، ٣٢٧، ٣٢٥ - ٣٢٦، ٣٢٤، ٣٢١ - ٣٢٢، ٣٧٢، ٣٧٠، ٣٦٩، ٣٦٨ - ٣٦٧، ٣٦٠ - ٣٦٧، ٣٦٠، ٣٥٩، ٣٥٥، ٣٥٤
стр. 379
٣٧٤ - ٣٧٦، ٣٧٦ - ٣٧٨، ٣٨٠ - ٣٨٣، ٣٨٤، ٣٨٧ - ٣٨٨، ٣٨٩ - ٣٩٠، ٣٩١، ٣٩٦ - ٣٩٧، ٣٩٧ - ٣٩٩
وفي هذه المواضع معلومات هامة، سأشير إلى بعضها:
١ - ترجمته لنفسه: ١٣٦ - ١٥٣.
٢ - وصف مجالس وعظ سبط ابن الجوزي في جامع دمشق: ١٦٠ - ١٦١.
٣ - ترجمة عيسى بن يوسف الغرافي: ١٧٤ - ١٧٥.
٤ - ترجمة جمال الدين إقبال الخادم: ١٨٣.
٥ - خبر دخول فرنجي أسير إلى جامع دمشق، وقتله لبعض المصلين: ١٩٤.
٦ - موقع قبر أبي عمر المقدسي: ٢٢٢ - ٢٢٣.
٧ - عمارة المصلى بظاهر دمشق: ٢٢٥ - ٢٢٦.
٨ - تجديد أبواب جامع دمشق الغربية: ٢٢٦.
٩ - إحداث العادل تركيب سلاسل على أفواه السكك المجاورة لجامع دمشق: ٢٤٠
١٠ - ترجمة الفقيه مودود بن الشاغوري: ٢٥٨.
١١ - بعض ما ورد في ترجمة العماد المقدسي: ٢٩٠ - ٢٩١.
١٢ - معظم ما ورد في ترجمة أبي القاسم ابن الحرستاني: ٢٩١ - ٢٩٤.
١٣ - وصف برج السلسلة في دمياط: ٢٩٩.
١٤ - بعض ما جاء في ترجمة العادل: ٣٠٤ - ٣٠٥.
١٥ - بعض ما جاء في ترجمة الطاهر بن محيي الدين بن الزكي: ٣١٧ - ٣١٨، ٣١٩.
١٦ - ترجمة ابن نسيم كاتب طباق السماع من الحافظ ابن عساكر: ٣٢٦.
١٧ - وصف الدرس الأول في المدرسة العادلية الكبرى بعد افتتاحها: ٣٥١ - ٣٥٢.
стр. 380
١٨ - ترجمة فخر الدين ابن عساكر، وقد أطال النفس فيها.
ولم ينقل منها عن سبط ابن الجوزي سوى سبعة أسطر: ٣٦٠ - ٣٦٧.
١٩ بعض ما جاء في ترجمة الموفق ابن قدامة: ٣٦٧ - ٣٦٨، ٣٦٩ - ٣٧٠، ٣٧٢
٢٠ - مشاهداته في حجتيه: ٣٧٤ - ٣٧٦، ٣٧٨، ٣٨٠.
٢١ - ترجمة جمال الدين المصري: ٣٨٧ - ٣٨٨.
٢٢ - ترجمة تقي الدين خزعل: ٣٨٩ - ٣٩٠.
٢٣ - ترجمة زكي الدين بن رواحة: ٣٩١.
٢٤ - سفره إلى بيت المقدس بصحبة العز بن عبد السلام: ٣٩٦ - ٣٩٧.
٢٥ - ترجمة الملك المعظم عيسى بن العادل: ٣٩٧، ٣٩٩
* * *
أما الجزء الثاني، وهو يضم المرحلة الأولى من تأليفه التي تبدأ من سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) إلى سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) فقد انفرد فيه بتأريخ ما جرى في زمانه مما عاينه، أو بلغه مما استثبته (١)، ولم يحل فيه إلا في بعض المواضع على «معجم القوصي»، وهي: ٦، ٢٢، ٢٤، ٣٦، ٥٤.
ويضم هذا الجزء وثائق هامة اطلع عليها أبو شامة، وأثبتها في كتابه، وهي:
١ - الكتب التي وردت إلى دمشق من المدينة المنورة، في شأن النار التي خرجت في خامس جمادى الآخرة سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م): ١٠٨ - ١١٤.
٢ كتاب من بعض من سلم من أهل بغداد بعد استيلاء التتار عليها: ١٢٥.
٣ - فرمان هولاكو في أمان أهل دمشق وما حولها: ١٣٩.
٤ - منشور هولاكو للقاضي كمال الدين التفليسي بتفويض القضاء إليه: ١٤٠.
стр. 381
٥ - فرمان هولاكو بتولية محيي الدين ابن الزكي القضاء: ١٤٤.
٦ - كتاب بيعة الظاهر بيبرس للخليفة أبي القاسم العباسي: ١٦٢ - ١٦٣.
٧ - تقليد الظاهر بيبرس ابن خلكان قضاء بلاد الشام: ١٦٧.
٨ - كتاب يتضمن انتصار المسلمين على النصارى في الأندلس: ٢٠٨.
٩ - عهود السلطان الظاهر بيبرس لثلاثة من القضاة: ٢١٤.
١٠ - كتاب الظاهر بإلزام القاضيين الحنبلي والمالكي بتولي القضاء: ٢١٥.
١١ - كتاب بعض أولاد الملوك يخبر فيه باستيلاء المسلمين على أسرى من الفرنج ناحية حصن الأكراد وأعمال طرابلس: ٢١٧.
١٢ - كتاب يتضمن استيلاء عسكر الظاهر بيبرس على بلاد الأرمن سيس وما يجاورها، وأسر ملكها: ٢١٩.
* * *
من هذا الاستعراض لموارد «المذيل» نتبين أصالة أبي شامة فيما أورده من أخبار ووقائع، ونتبين كذلك مدى الجور الذي طغى على قلم د. مصطفى جواد في حديثه عن «المذيل»، حين قال فيه: «طالعت هذا المذيل، وأكثر حوادثه مأخوذة من «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي، كما يعلمه القائم على طبعه، وكل قارئ لمرآة الزمان» (١).
وهذا الحكم لا يسلم له فيه حتى في الجزء الأول، إذ إن كثيرا من أخباره قد نقلها أبو شامة عن غير سبط ابن الجوزي كما بينت، إضافة لما كتبه هو من إنشائه.
أما في الجزء الثاني، فإن أبا شامة لم ينقل عن أحد البتة، لأنه قد اشترط فيه أن يؤرخ ما عاينه من الأحداث.
والعجيب حقا أن من جاء من المؤرخين بعد د. مصطفى جواد كان أشد قسوة
стр. 382
وجورا في الحكم، فقد قال د. جوزيف نسيم في كتابه «العدوان الصليبي على بلاد الشام» حين حديثه عن مصادره فيه، وذكر أبا شامة، قال: «وله المذيل على الروضتين الذي لم يزد فيه شيئا جديدا عما كتبه ابن الجوزي عن هذه الفترة … » (١).
وكذلك قال مثل قوله د. محمود سعيد عمران في كتابه «الحملة الصليبية الخامسة»: «لم يأت أبو شامة في كتابه المذيل على الروضتين بجديد أكثر مما ذكره ابن الجوزي، إذ يلاحظ أنه نقل عنه» (٢).
هكذا تطلق الأحكام من قبل مؤرخين محترمين حقا، نقر لهم بالفضل والمعرفة، دون استقراء تام، أو تجوز في العبارة، فما بالك ممن يكتب في التاريخ، وهو متطفل على موائده! ..
* * *
стр. 383
منهج أبي شامة في «المذيل»
اختلف منهج أبي شامة في مذيله تبعا لاختلاف المرحلتين من تأليفه كما بينت (١)، ففي جزئه الأول - وهو يمثل المرحلة الثانية من تأليفه، التي تضم حوادث سنة (٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م) حتى سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) - كان أبو شامة يتكئ في كثير من أخباره وتراجمه على من سبقه من المؤرخين ممن عاصر أحداث تلك السنين (٢)، وكان يلم بالحدث من جوانبه كلها، ويطول النفس في بعض تراجمه، مستقصيا في المترجم كل ما يعرف عنه كي يتيح لنا معرفته معرفة تامة، مثل ترجمته لأبي اليمن الكندي، وأبي القاسم بن الحرستاني، وأبي عمر والعماد المقدسيين، وعبد الله اليونيني، وفخر الدين ابن عساكر، وموفق الدين ابن قدامة، وقد احتفظ لنا في هذا الجزء بنقول عن «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي لم تصل إلينا في مختصره لقطب الدين اليونيني (٣).
فأبو شامة في هذا الجزء مؤرخ محترف، يجمع مادته وينتقيها وينسقها، ويضيف إليها من مشاهداته، وما سمعه من شيوخه، ثم يصوغها مرتبة على السنين،
стр. 384
فعمله في هذا الجزء هو امتداد لعمله في «كتاب الروضتين» على نحو ما، وعلينا ألا ننسى أن هذا الجزء قد استدركه وهو في نحو الستين من عمره كما أسلفت (١).
أما في جزئه الثاني - وهو يمثل المرحلة الأولى من تأليفه، التي تضم حوادث سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) حتى سنة (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م) - فمنهجه فيه مختلف تمام الاختلاف عن جزئه الأول.
في هذه المرحلة الأولى بدأ أبو شامة في التأليف التاريخي، وهو في نحو السابعة والعشرين من عمره (٢)، وقد أخذ على نفسه فيه أن يؤرخ ما جرى في زمانه مما عاينه، أو بلغه مما استثبته، وأن يذكر فيه من مات من المعارف والإخوان، والأقارب والجيران، وذوي الثروة والسلطان، وقد حداه إلى ذلك كثرة من يموت من المعارف، فأراد إثباتهم لعل بمطالعتهم يجد قلبا على الإقبال على الآخرة يساعف (٣).
ومن ثم لم يستقص فيه كل ما وقع في عصره من الحوادث إلا تلك التي شهدها، أو بلغته واستثبتها، ولم يترجم لمعاصريه إلا لمن يعرفه، ولن يذكر في ترجمته إلا ما ترك في نفسه من أثر ليعود إليه للذكرى، فهو بهذا المعنى إنما يكتب انطباعاته عن عصره ورجاله، فلا تعنيه الحادثة التي يدونها أن تكون قد وقعت على خلاف ما يعرفه، فهو لن يتتبع أخبارها، ولن يجمع أطرافها، سيكتفي في حديثه عنها بما شاهده منها، ولا يهمه ممن يترجم له ألا تكون له جوانب أخرى لم يتطرق إليها، لأن ما يكتبه عنه هو ما يعرفه فيه، ثم إنه لن يكتب إلا عمن يعرف، ولو كان من الأقارب والجيران، ممن تهمله عادة كتب التاريخ، ولهذا يمكن أن نعد ما كتبه أبو شامة في «المذيل» مذكرات تاريخية، يكاد يكتبها لنفسه، وقد ترك لقلمه أن ينثر فيه نتفا من أخباره، وبعضا من أحلامه، ولم يضع له عنوانا يعرف به، ولا غاية يصل إليها.
стр. 385
وهذا ما يفسر لنا غياب حوادث مهمة عن تاريخه لم يدونها، بل إنه لم يستقص ما دون فيها، مما يجعل القارئ لتاريخه لا يحيط بالحدث إحاطة تامة ما لم يرجع فيه إلى غيره من المؤرخين.
وهذا ما يفسر لنا كذلك غياب تراجم لأعلام كبار كانوا في عصره، أمثال الشاعرين الكبيرين فتيان الشاغوري وابن عنين، والمؤرخ الكبير ياقوت الحموي، والملك الأمجد بهرام بن فرخشاه صاحب بعلبك، وغيرهم. ومن يفقد تراجم هؤلاء في تاريخه من المؤرخين والباحثين يتعجب (١) حقا من ترجمته لأناس لا تلتفت إليهم عادة كتب التاريخ، من أمثال محمد بن خليل الأكال، وعلي المغسل القباقبي ويوسف القميني (٢)، ويستغرب وقوفه مطولا أمام بعض الحوادث يفصل القول فيها في صفحات كحادثة صلب الفتى التركي (٣)، مغفلا حوادث قد تكون أعظم منها، بل يبيح لنفسه فيه أن يبوح بما لا يباح به عادة في كتب التاريخ من حبه لزوجته، وتغنيه بصفاتها بقصيدة طويلة (٤)، أو ببثه شكواه مما يعانيه من بعض معاصريه من اغتياب وحسد وإهمال (٥)، تاركا أحيانا دموعه تتقاطر كلمات، وهو يتوجع لفقد أصدقائه وأحبابه (٦).
لقد كان أبو شامة فيما يكتب صادقا مع نفسه، فهو لا يكتب إلا ما يراه ويحس به، حتى لنكاد أحيانا أن نرى عصره من خلال عيونه ومشاعره، ونتحسس معه أوجاعه وأحزانه، وأفراحه وآلامه، ونعيش مع علمائه العاملين، وحكامه الفاسدين، وقضاته
стр. 386
الأتقياء والمرتشين، وزنادقته الإباحيين، وناسه البسطاء، وزهاده الأنقياء، بل نمشي معه في أزقة دمشق وحاراتها، ونتعرف معه إلى مدارسها ومساجدها، وأسواقها وقيسارياتها، وندخل معه جامعها الكبير، ونجلس بحلقته مع شيخه السخاوي، ونسكن في العادلية حيث كان يسكن، ونصلي معه في محرابها حيث كان يصلي.
لقد أودع أبو شامة في أخباره وتراجمه هذا الإحساس الشفاف الذي نفتقده عند غيره من المؤرخين، ومن لم يعايش أبا شامة فيما كتب وأحس سيجد متسعا للقول فيه، وسيردد مع الأستاذ محمد كرد علي قوله فيه: «وتراجم من ترجم لهم غير مستوفاة على الأكثر، بل يورد الاسم وشيئا من عمل صاحبه ووفاته. ويلاحظ عليه أنه ذكر مولودا، بل أولادا ولدوا له، وغلاما مات، وابنا له توفي، وأمه التي توفيت، وأخبارا في خصوصيات بيته ونفسه مثل صلاته على جنائز بعض المشايخ مما لا يدخل في كتاب يكتب للأمة، كما أنه ذكر بعض المؤذنين أو المعدلين أو التجار الذين لا شأن لهم، وكان الأولى أن يترفع تاريخه عن اسمهم، وقد أطال في أشياء لا تهم التاريخ بحال، مثل قصة الصبي التركي المصلوب كتب فيها أربع صفحات، وحقها أن تكتب بأربع كلمات، أو تحذف لأنها خالية من الفائدة على ما رأيناه» (١).
ولعمري، أي عالم جميل كان سيغيب، وأي إحساس مرهف كان سيضيع، وأي صورة نابضة بالحياة كانت ستتلاشى لو أن أبا شامة كتب تاريخه وفق هذا المفهوم الضيق للتاريخ، الذي يستبعد تاريخ الناس، ويقتصر على تاريخ الحكام، حتى إننا في كثير من صفحات تاريخنا نرى حكاما في قصور يحكمون مدينة من الأشباح، وتراجم العلماء، وهم منكبون على تأليفهم كالتماثيل، لا تسمع منهم نبضة قلب، ولا تحس دفء شعور.
وإذا كان التاريخ حقا هو التأريخ لتجربة الإنسان، لا لوقائع السلاطين وأحداثهم فحسب، فإن أبا شامة هو بحق من أوائل من جسد هذا المفهوم الرحب للتاريخ.
стр. 387
منهجه في نقد الأخبار في «المذيل»
تابع أبو شامة في «المذيل على الروضتين» منهجه النقدي الذي اتبعه في «كتاب الروضتين»، غير أن النقد فيه اقتصر على جزئه الأول، وهو الجزء الذي اعتمد فيه على من سبقه من المؤرخين.
فرد على ابن الدبيثي حين طعن في ابن المارستانية لروايته عن أبيه، قائلا فيه: «وهذه قحة عظيمة، وأبوه عامي لا يعرف الحديث ولا سمعه، وكان قصده أن يقال عنه محدث بن محدث». فيتعقبه أبو شامة بهدوء العالم قائلا: «هذا غلو من قائله، لا يلزم من كونه عاميا أن يكون له سماع في صغره يوما ما، فلا يسمع قوله: ولا سمعه، فإنها شهادة على نفي» (١).
ويشير في ترجمة الموفق ابن قدامة إشارة عابرة إلى وهم ابن الدبيثي في ذكر مكان مولده (٢)، بقوله: الدمشقي المولد (٣)، والمعروف أنه ولد في قرية جماعيل قرب نابلس (٤).
стр. 388
ويتتبع أوهام سبط ابن الجوزي فيما نقل عنه من أخبار، فيشير إلى وهمه في سنة وفاة خوارزم شاه محمد بن تكش بأنها سنة خمس عشرة وست مئة، والصواب أنه توفي سنة (٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م) (١).
ويشير كذلك إلى وهمه في سنة وفاة الوزير ابن شكر، وقد ذكر أنها كانت سنة (٦٣٠ هـ)، فيتعقبه أبو شامة بقوله: «كذا ذكر سبط ابن الجوزي، هو وهم، وإنما توفي سنة اثنتين وعشرين» (٢).
وأحيانا يسوق الترجمة وفق السنة التي ذكرها فيها سبط ابن الجوزي، غير أنه ينبه على خطئه فيها إن أخطأ، كما صنع في ترجمة عبد الرحمن اليمني الزاهد، فقد ترجم له في سنة (٦٢٠ هـ) متابعا له، ثم ذكره على الصواب في سنة (٦٢١ هـ)، قائلا: «وقد سبق ذكرنا له في سنة عشرين متابعة لأبي المظفر سبط ابن الجوزي، وإنما كانت وفاته في سنة إحدى وعشرين، ﵀» (٣).
وحين لا يتبين له ترجيح رواية على رواية في خبر ما، يورد الأقوال كلها فيه، تاركا للقارئ أن يحقق وجه الصواب فيها، ذلك ما فعله حين نقل عن سبط ابن الجوزي في حوادث سنة (٦٠٢ هـ) اسم أمير حج الشام الشجاع علي بن السلار، فعلق أبو شامة على ذلك بقوله: «كذا قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي فيما نقلته من خطه، وقد نقلت من خط العز محمد بن تاج الأمناء، قال: وفي السابع والعشرين من رمضان سنة اثنتين وست مئة نادوا الحج على أيلة صحبة ابن الجراحي» (٤).
وكذلك فعل في ترجمة زين الدين قراجا الصلاحي حين نقل عن سبط
стр. 389
ابن الجوزي قوله فيه: «توفي بدمشق، ودفن بجبل قاسيون، وقبره عند تربة ابن تميرك في قبة على الجادة عن يمين السالك شرقا». فيعلق أبو شامة على ذلك بقوله: «كذا قال أبو المظفر، وقال العز بن تاج الأمناء: توفي بالمعسكر على بحيرة قدس مرابطا يوم السبت أول جمادى الأولى، وحمل إلى دمشق في محفة، فدفن بالمقبرة العادلية من جبل قاسيون حالة وصوله بكرة يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى المذكور» (١).
ومع ذلك فقد فاته التعقيب على بعض الأخبار التي نقلها عن سبط ابن الجوزي، والتي يغلب عليها المبالغة والتهويل مما يخرجها عن حد الصدق، فقد نقل عن السبط خبر الغرق الذي أصاب بغداد سنة (٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م) وقد بالغ سبط ابن الجوزي في تصوير آثاره، فقال: «وانهدمت بغداد بأسرها والمحال، ووصل الماء إلى رأس السور، وبقي مقدار أصبعين حتى يطفح على السور، فأيقن الناس بالهلاك، ودام سبع ليال وثمانية أيام، ثم نقص الماء، وبقيت بغداد من الجانبين تلولا، لا أثر لها» (٢).
لم تستوقف أبا شامة هذه المبالغات التي انفرد سبط ابن الجوزي يذكرها، ولم يتابعه عليها أحد من المؤرخين، مما جعل الإمام الذهبي يعجب حقا من سكوت أبي شامة عنها، وهو المعروف بدقة نقده، قائلا: «والعجب من أبي شامة ينقل أيضا هذا، ولا يبالي بما يقول» (٣).
وقد يقتضي الخبر تعقيبا فقهيا ليزيل بعض غموضه، فنرى أبا شامة يبادر إلى ذلك، وهو الفقيه، ففي ترجمة الشيخ عبد الله اليونيني ينقل عن سبط ابن الجوزي
стр. 390
قصته مع الشيخ أبي عمر المقدستي حين صلى الجمعة في جامع الحنابلة، وكان الخطيب فيه الشيخ أبا عمر، فلما كان في آخر الخطبة وأبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعا، وصعد إلى مغارة التوبة، وكان نازلا بها، فظن سبط ابن الجوزي أنه قد احتاج إلى الوضوء، أو آلمه شيء، فيقول: «فلما صلينا الجمعة صعدت وراءه، وقلت له: خير؟ ما الذي أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة. قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذي قال؟ قال: الملك العادل، وهذا ظالم، فما يصدق. وكان أبو عمر يقول في آخر الخطبة: اللهم وأصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب. فقلت له: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح فيا ليت شعري، خلف من تصح؟ (١)
قال أبو المظفر: وبينا نحن في الحديث، وإذا بالشيخ أبي عمر قد صعد إلى مغارة التوبة، فدخل ومعه مئزر، فسلم، وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصلاة، ثم قال: ابتداء قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل كسرى. فنظر إلي الشيخ عبد الله وتبسم، ومد يده فأكل، وقام أبو عمر فنزل، فقال لي عبد الله: يا سيد، ما ذا إلا رجل صالح» (٢).
ويعقب أبو شامة على هذه القصة بما يزيل غموضها، ويبين معانيها واحتمالاتها، فيقول: «الشيخ عبد الله اليونيني كان أيضا من الصالحين، وقد رأيته، وهذا لفرط صلاحه وورعه ما رأى مسامحة مثل الشيخ أبي عمر بإطلاق لفظ العادل على من هو في ظنه غير مستحقه، وعذر الشيخ أبي عمر في ذلك أنه اسم من الأسماء الأعلام، لا تلحظ فيه الصفة، فهو كالتسمية بسالم وغانم ومحمود
стр. 391
ومسعود، يعبر عن المسمى بذلك في حالة يكون متصفا بضد ما يقتضيه اشتقاق هذه الأسماء، فيكون عاطبا ولا يدعى إلا بسالم، ومذموما ولا يدعى إلا بمحمود، تعريفا لا مدحا، فكذا إطلاق لفظ العادل في حق من أطلقه فيه الشيخ أبو عمر.
على أنه قد اعتذر بعذر آخر، وهو إطلاق هذا اللفظ على كافر (١)، ولا ظلم أعظم من الشرك بالله، قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، وقال: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ أي بشرك. فإذا لم يمنع الشرك المحقق من إطلاق لفظ العادل على من اتصف به، فأن لا يمنع ظلم ما شي من الأشياء التي دون الشرك أولى. بقي في قضية الشيخ عبد الله إشكال من جهة كونه ترك صلاة الجمعة الواجبة لما تخيله من هذا الأمر الذي لو كان صحيحا لما أسقط فرض الجمعة، ولعله كان مسافرا، فلم تكن الجمعة واجبة عليه، والله أعلم (٢).
وكذلك حين نقل عن سبط ابن الجوزي قوله في حجة الملك المعظم: «ولقد رأيت كتفه بعدما عاد وقد أكلته الشمس وانكشط وقيح، فقلت: ما هذا؟ قال: ما غطيت رأسي ولا كتفي منذ ثلاثة عشر يوما». فتعقبه أبو شامة بقوله: «لم تكن له حاجة إلى كشف كتفه، فإنه لا يستحب إلا في حالة الاضطباع في طواف القدوم، والله أعلم» (٣).
стр. 392
من تكلم فيهم أبو شامة في «المذيل»
ويسوقني الحديث في «المذيل» إلى الكلام عمن تكلم فيهم أبو شامة، فعلى عادة علماء الجرح والتعديل في تبيين حال رواة الحديث، وما يليق بهم من توثيق أو جرح، كان أبو شامة يبدي رأيه الصريح فيمن يترجم له، صادعا بالحق، وأداء لأمانة العلم، غير عابئ بما قد يجره عليه ذلك من تنكر الأصدقاء، وشنآن الأعداء، وقد تلقى أقواله بالقبول من جاء بعده من المؤرخين إلا من شذ منهم لغرض في نفسه كما سنبين فيما بعد، حتى إن الإمام الذهبي، وهو مؤرخ الإسلام في عصره، عده في طبقة من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (١)، وذلك لما عرف عن أبي شامة من علم غزير يوصله إلى الحق، وورع كبير يحجزه عن الباطل.
وقد كان أبو شامة واعيا تمام الوعي لما تمليه الأهواء من حسد، أو مخالفة في مذهب أو عقيدة من انحرافات تخرج المؤرخ عن جادة الصواب، لتلقي به في مهاوي الخطأ، فكان يتحرى ما استطاع حال المترجم، مهتديا فيما يقول فيه بقاعدة أصلها لنفسه، ووضعها نصب عينيه، وهي أنه لا ينبغي أن يسمع فيمن ثبتت فضليته
стр. 393
كلام مشنع، لعله صاحب غرض في حسد أو مخالفة في مذهب أو عقيدة (١)، وهو إن فعل ذلك فعليه أن يأتي بالدليل على ما يقول.
ونحن هنا سنضرب صفحا عن أولئك المترجمين الذين عدلهم أبو شامة، ونعتهم بأحسن الصفات، فلم يخالفه أحد في تعديل من عدل، أما ما نوزع فيه فهم بعض المترجمين قال فيهم أقوالا لم ترق لمحبيهم، ومن ينتسب إليهم، فشنعوا عليه، ونسبوه إلى الجور في القول، وتنقص الناس، ومن ثم آثرت أن أستعرض أصناف الناس كلهم ممن قال أبو شامة بحقهم ما يجرحهم ويطعن فيهم، ولن أستثني من ذلك حتى العلماء الكبار الذين لمس بناعم القول مآخذه عليهم، لنرى إلى أي حد قارب الإنصاف فيما قال، وابتعد عن نوازع الهوى.
وأول ما يطالعنا في ذلك ما قاله في آيات صفات الباري ، وما صح فيها من أحاديث، هل نمرها كما جاءت، أم نؤولها؟ وهي مسألة قديمة تنازع فيها علماؤنا، وصنفوا فيها تأليف، ورأيه فيها بينه فيما نقله عن سبط ابن الجوزي في ترجمة العماد المقدسي، وكان العماد، وهو من كبار الحنابلة في عصره قد قال للسبط: «صلاح الدين يوسف فتح الساحل وأظهر الإسلام، وأنت يوسف أحييت السنة بالشام» (٢). فبين أبو شامة معنى السنة الذي أراده العماد بقوله: «السنة التي يشير إليها كون أبي المظفر (يعني سبط ابن الجوزي) رحمنا الله وإياه كان كثيرا ما يورد على المنبر من كلام جده أبي الفرج وخطبه ما يتضمن إمرار آيات صفات الباري ، وما جاء في الأحاديث الصحاح في ذلك على ما ورد من غير ميل إلى تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، ومشايخ الحنابلة هذا مختارهم، وهذا جيد، ولكن الإكثار منه على أسماع العوام ربما يحمل أكثرهم على شيء من التشبيه، فإذا قرن به ما يشرحه، وينفي توهم التشبيه كان أولى، والله أعلم (٣).
стр. 394
فأبو شامة لا يعيب على الحنابلة مذهبهم، وإن كان يخالفهم فيه، إذ يميل إلى تأويل الصفات، وقد ألمع إلى ذلك في ترجمته لشيخه الموفق ابن قدامة، وهو من كبار شيوخ الحنابلة، فيقول فيه: «كان إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبا كثيرة حسانا في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام هو على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح الأمر له فيها على جلالته في العلم، ومعرفته بمعاني الأخبار والآثار» (١).
وهو ينعى على المتعصبين تعصبهم، وينأى بنفسه عنهم، فيقول في ترجمة الشيخ عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ ابن حمويه: «وكان من أعيان المتعصبين لمذهب الأشعري» (٢).
غير أنه لم يكن بهذا الرفق واللين مع من اشتغل بعلوم الأوائل من منطق وجدل، وأفضى به ذلك إلى قلة الدين، وكانت هذه العلوم قد ازدهرت في دمشق زمن المعظم عيسى بن العادل، وابنه الناصر داود، بيد أنها أخمدت في دولة الأشرف موسى بن العادل (٣)، فهو يبين حالهم في ترجمته لهم، صادعا بالقول، غير متلجلج فيه، ذاكرا في الوقت نفسه ما لهم من صفات حسنة، فيقول في ترجمة العز الإربلي: «كان يقرئ علوم الأوائل في بيته لمن يتردد إليه من أهل الملل