← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 390–429 · переход к 395.

стр. 390

قصته مع الشيخ أبي عمر المقدستي حين صلى الجمعة في جامع الحنابلة، وكان الخطيب فيه الشيخ أبا عمر، فلما كان في آخر الخطبة وأبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعا، وصعد إلى مغارة التوبة، وكان نازلا بها، فظن سبط ابن الجوزي أنه قد احتاج إلى الوضوء، أو آلمه شيء، فيقول: «فلما صلينا الجمعة صعدت وراءه، وقلت له: خير؟ ما الذي أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة. قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذي قال؟ قال: الملك العادل، وهذا ظالم، فما يصدق. وكان أبو عمر يقول في آخر الخطبة: اللهم وأصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب. فقلت له: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح فيا ليت شعري، خلف من تصح؟ (١) قال أبو المظفر: وبينا نحن في الحديث، وإذا بالشيخ أبي عمر قد صعد إلى مغارة التوبة، فدخل ومعه مئزر، فسلم، وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصلاة، ثم قال: ابتداء قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل كسرى. فنظر إلي الشيخ عبد الله وتبسم، ومد يده فأكل، وقام أبو عمر فنزل، فقال لي عبد الله: يا سيد، ما ذا إلا رجل صالح» (٢). ويعقب أبو شامة على هذه القصة بما يزيل غموضها، ويبين معانيها واحتمالاتها، فيقول: «الشيخ عبد الله اليونيني كان أيضا من الصالحين، وقد رأيته، وهذا لفرط صلاحه وورعه ما رأى مسامحة مثل الشيخ أبي عمر بإطلاق لفظ العادل على من هو في ظنه غير مستحقه، وعذر الشيخ أبي عمر في ذلك أنه اسم من الأسماء الأعلام، لا تلحظ فيه الصفة، فهو كالتسمية بسالم وغانم ومحمود

стр. 391

ومسعود، يعبر عن المسمى بذلك في حالة يكون متصفا بضد ما يقتضيه اشتقاق هذه الأسماء، فيكون عاطبا ولا يدعى إلا بسالم، ومذموما ولا يدعى إلا بمحمود، تعريفا لا مدحا، فكذا إطلاق لفظ العادل في حق من أطلقه فيه الشيخ أبو عمر. على أنه قد اعتذر بعذر آخر، وهو إطلاق هذا اللفظ على كافر (١)، ولا ظلم أعظم من الشرك بالله، قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، وقال: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ أي بشرك. فإذا لم يمنع الشرك المحقق من إطلاق لفظ العادل على من اتصف به، فأن لا يمنع ظلم ما شي من الأشياء التي دون الشرك أولى. بقي في قضية الشيخ عبد الله إشكال من جهة كونه ترك صلاة الجمعة الواجبة لما تخيله من هذا الأمر الذي لو كان صحيحا لما أسقط فرض الجمعة، ولعله كان مسافرا، فلم تكن الجمعة واجبة عليه، والله أعلم (٢). وكذلك حين نقل عن سبط ابن الجوزي قوله في حجة الملك المعظم: «ولقد رأيت كتفه بعدما عاد وقد أكلته الشمس وانكشط وقيح، فقلت: ما هذا؟ قال: ما غطيت رأسي ولا كتفي منذ ثلاثة عشر يوما». فتعقبه أبو شامة بقوله: «لم تكن له حاجة إلى كشف كتفه، فإنه لا يستحب إلا في حالة الاضطباع في طواف القدوم، والله أعلم» (٣).

стр. 392

من تكلم فيهم أبو شامة في «المذيل» ويسوقني الحديث في «المذيل» إلى الكلام عمن تكلم فيهم أبو شامة، فعلى عادة علماء الجرح والتعديل في تبيين حال رواة الحديث، وما يليق بهم من توثيق أو جرح، كان أبو شامة يبدي رأيه الصريح فيمن يترجم له، صادعا بالحق، وأداء لأمانة العلم، غير عابئ بما قد يجره عليه ذلك من تنكر الأصدقاء، وشنآن الأعداء، وقد تلقى أقواله بالقبول من جاء بعده من المؤرخين إلا من شذ منهم لغرض في نفسه كما سنبين فيما بعد، حتى إن الإمام الذهبي، وهو مؤرخ الإسلام في عصره، عده في طبقة من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (١)، وذلك لما عرف عن أبي شامة من علم غزير يوصله إلى الحق، وورع كبير يحجزه عن الباطل. وقد كان أبو شامة واعيا تمام الوعي لما تمليه الأهواء من حسد، أو مخالفة في مذهب أو عقيدة من انحرافات تخرج المؤرخ عن جادة الصواب، لتلقي به في مهاوي الخطأ، فكان يتحرى ما استطاع حال المترجم، مهتديا فيما يقول فيه بقاعدة أصلها لنفسه، ووضعها نصب عينيه، وهي أنه لا ينبغي أن يسمع فيمن ثبتت فضليته

стр. 393

كلام مشنع، لعله صاحب غرض في حسد أو مخالفة في مذهب أو عقيدة (١)، وهو إن فعل ذلك فعليه أن يأتي بالدليل على ما يقول. ونحن هنا سنضرب صفحا عن أولئك المترجمين الذين عدلهم أبو شامة، ونعتهم بأحسن الصفات، فلم يخالفه أحد في تعديل من عدل، أما ما نوزع فيه فهم بعض المترجمين قال فيهم أقوالا لم ترق لمحبيهم، ومن ينتسب إليهم، فشنعوا عليه، ونسبوه إلى الجور في القول، وتنقص الناس، ومن ثم آثرت أن أستعرض أصناف الناس كلهم ممن قال أبو شامة بحقهم ما يجرحهم ويطعن فيهم، ولن أستثني من ذلك حتى العلماء الكبار الذين لمس بناعم القول مآخذه عليهم، لنرى إلى أي حد قارب الإنصاف فيما قال، وابتعد عن نوازع الهوى. وأول ما يطالعنا في ذلك ما قاله في آيات صفات الباري ، وما صح فيها من أحاديث، هل نمرها كما جاءت، أم نؤولها؟ وهي مسألة قديمة تنازع فيها علماؤنا، وصنفوا فيها تأليف، ورأيه فيها بينه فيما نقله عن سبط ابن الجوزي في ترجمة العماد المقدسي، وكان العماد، وهو من كبار الحنابلة في عصره قد قال للسبط: «صلاح الدين يوسف فتح الساحل وأظهر الإسلام، وأنت يوسف أحييت السنة بالشام» (٢). فبين أبو شامة معنى السنة الذي أراده العماد بقوله: «السنة التي يشير إليها كون أبي المظفر (يعني سبط ابن الجوزي) رحمنا الله وإياه كان كثيرا ما يورد على المنبر من كلام جده أبي الفرج وخطبه ما يتضمن إمرار آيات صفات الباري ، وما جاء في الأحاديث الصحاح في ذلك على ما ورد من غير ميل إلى تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، ومشايخ الحنابلة هذا مختارهم، وهذا جيد، ولكن الإكثار منه على أسماع العوام ربما يحمل أكثرهم على شيء من التشبيه، فإذا قرن به ما يشرحه، وينفي توهم التشبيه كان أولى، والله أعلم (٣).

стр. 394

فأبو شامة لا يعيب على الحنابلة مذهبهم، وإن كان يخالفهم فيه، إذ يميل إلى تأويل الصفات، وقد ألمع إلى ذلك في ترجمته لشيخه الموفق ابن قدامة، وهو من كبار شيوخ الحنابلة، فيقول فيه: «كان إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبا كثيرة حسانا في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام هو على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح الأمر له فيها على جلالته في العلم، ومعرفته بمعاني الأخبار والآثار» (١). وهو ينعى على المتعصبين تعصبهم، وينأى بنفسه عنهم، فيقول في ترجمة الشيخ عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ ابن حمويه: «وكان من أعيان المتعصبين لمذهب الأشعري» (٢). غير أنه لم يكن بهذا الرفق واللين مع من اشتغل بعلوم الأوائل من منطق وجدل، وأفضى به ذلك إلى قلة الدين، وكانت هذه العلوم قد ازدهرت في دمشق زمن المعظم عيسى بن العادل، وابنه الناصر داود، بيد أنها أخمدت في دولة الأشرف موسى بن العادل (٣)، فهو يبين حالهم في ترجمته لهم، صادعا بالقول، غير متلجلج فيه، ذاكرا في الوقت نفسه ما لهم من صفات حسنة، فيقول في ترجمة العز الإربلي: «كان يقرئ علوم الأوائل في بيته لمن يتردد إليه من أهل الملل

стр. 395

مسلمها وكافرها ومبتدعها واليهود والنصارى والسامرة، وكان قليل الدين، لكنه كان ذكيا فصيحا، حسن المحاضرة» (١). ويقول في ترجمة عبد المنعم بن علي الصقلي: «كان رجلا صالحا خيرا … وهو أخو الزين الضرير، كان أخوه على غير طريقته مشتغلا بعلوم الأوائل» (٢). وفي ترجمة البدر المراغي الطويل، يقول: «وكان قليل الدين، تاركا للصلاة، مغتبطا بما كان فيه من معرفة الجدال والخلاف على اصطلاح المتأخرين» (٣). وهو لا يتهاون أبدا مع من كان قليل الدين على حد تعبيره، فينبزه بتلك الصفة، وهو يترجم له، فيقول في الشاعر الحلي علي بن الحسن الملقب بشميم: «وكان قليل الدين، ذا حماقة ورقاعة» (٤). ويقول في ترجمة الزين عمر بن عقيل التنوخي: «وكان قليل الدين، مخلطا» (٥). ويكشف حال من تصدى للتحديث منهم على كثرة مسموعاتهم، فيقول في ترجمة النجيب بن الشقيشقة: «وكان قد سمع كثيرا، لكنه لم يكن بحال أن يؤخذ عنه، كان مشتهرا بالكذب ورقة الدين وغير ذلك» (٦). ويشتد أكثر ما يشتد وهو يترجم لمن عرف بالزندقة، وشاع عنه ذلك، فيقول في ترجمة الشهاب النقاش: «وكان يتعانى الكلام على طريقة الحكماء، وإنكار النبوات، والإزراء بما أهل الإسلام عليه، وكان يسكن بالمدرسة النورية، ويجلس

стр. 396

كثيرا بالجامع في قبة يزيد على باب مشهد علي، ويجتمع إليه عدد من جنسه الزنادقة، لا ﵀» (١). ويقول في ترجمة الفخر بن البديع البندهي: «يتعاطى الفلسفة والنظر في علوم الأوائل، ويسكن في مدارس فقهاء المسلمين، وقد أفسد عقائد جماعة من الشباب المشتغلين فيما بلغني، وكان يتجاهر باستنقاص الأنبياء ﵈، لا ﵀ ولا رضي عنه ولا عن أمثاله» (٢). وكذلك لا تروج عليه انحرافات بعض المتصوفة الذين ينخلعون من الالتزام بأمور الشريعة، فيقول في ترجمة الشيخ علي الحريري: «وتبعه طائفة من الفقراء، وهم المعروفون بالحريرية، أصحاب الزي المنافي للشريعة، وباطنهم شر من ظاهرهم إلا من رجع إلى الله منهم، وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة، والتهاون بها، ومن إظهار شعار أهل الفسوق والعصيان شيء كثير، فانفسد بسببه جماعة كثيرة من أولاد كبراء دمشق، وصاروا على زي أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغناء الدائم والرقص والمردان، وترك الاحتجار على أحد فيما يفعله، وترك الصلوات، وكثرة النفقات، فأضل خلقا كثيرا، وأفسد جما غفيرا، وقد أفتى في قتله مرارا جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح الله منه» (٣). * * * وأبو شامة الذي عاش ما عاش وفيا لشيوخه، ويحمد الله تعالى على أن شيخه السخاوي مات وهو راض عنه (٤)، لا يمكن أن يغفر قلة الوفاء للشيوخ ونكران

стр. 397

فضلهم، كما فعل المنتجب الهمذاني، فيقول في ترجمته: «كان مقرئا مجودا، وانتفع بشيخنا أبي الحسن (يعني السخاوي) في معرفة قصيدة الشاطبي، ثم تعانى شرح القصيدة، فخاض بحرا عجز عن سباحته، وجحد حق تعليم شيخنا له وإفادته، والله يعفو عنا وعنه» (١). وينبه، وهو المحقق المدقق فيما ألف (٢)، على أخطاء الآخرين في مؤلفاتهم، فيقول في إسماعيل بن حامد المعروف بالقوصي: «له معجم حكى فيه عن شيوخه، وطالعته، فرأيت أغاليط كثيرة، وتصحيف أسماء وتبديلها» (٣). ويقول فيما ألفه شيخ بعلبك محمد بن أحمد اليونيني، والد المؤرخ قطب الدين: «صنف أوراقا فيما يتعلق بإسراء النبي ﷺ ليلة المعراج، وأخطأ فيه أنواعا من الخطأ الفاحش، فصنفت أنا في الرد عليه كتابا سميته «الواضح الجلي في الرد على الحنبلي» (٤). فهو يرى أن ما كتبه اليونيني لا يرقى لأن يسمى كتابا، بل هو مجرد أوراق (٥). حتى إنه ينبه على أخطاء النساخ، فيقول في ترجمة ضياء الدين أبي بكر محمد بن يوسف الآملي: «اعتنى بكتب القراءات سماعا ونسخا، وفي خطه كثير من تصحيف وتحريف» (٦).

стр. 398

وأكثر ما كان يزعجه في العالم تقربه من السلطان، والتزلف إليه، وهو الذي آلى على نفسه ألا يمشي إلى من يرى خطير القدر لأجل دنيا، لأن مشيه إليه بالعلم يزري (١)، ومن ثم ابتعد عن سبط ابن الجوزي، وقد جمع بينهما حب التاريخ، لأنه كان قريبا من السلاطين (٢)، فقد ربي طوال زمانه في جاه عريض عندهم (٣). ولم يخف أبو شامة موقفه منه، فقد قص لنا مناما رآه عند موته، فقال: «ورأيت موته مناما تلك الليلة قبل أن أسمع به يقظة، إلا أني رأيته في حالة منكرة، ورآه غيري أيضا كذلك، نسأل الله العافية» (٤)، وربما لهذا لم يحضر أبو شامة جنازته، متعللا بمرض ألم به (٥). وهذا الموقف من علماء السلاطين هو الذي أملى عليه موقفه من شيخ بعلبك محمد بن أحمد اليونيني، والد المؤرخ قطب الدين، فقال في ترجمته: «ونفق على جماعة من الملوك والأمراء، وحصل منهم دنيا واسعة، ورفاهية عيش» (٦). ومن ثم ندت عن قلم أبي شامة عبارات يفهم منها أنه يستهزئ بها على تصوفه الظاهر الذي لا يصله بتصوف شيخه عبد الله اليونيني - وكان من كبار زهاد عصره - إلا أنه يلبس على رأسه قبع فرو أسود، جوفه إلى الخارج بلا عمامة (٧)، كما كان يلبس شيخه عبد الله (٨)، وليس له من المشيخة إلا ظاهرها، فقد كان شيخا ضخما، واسع الوجه، كبير اللحية (٩).

стр. 399

ألقى أبو شامة برأيه فيه بهذه الصراحة الجارحة، غير عابئ بما ستجره عليه تلك الكلمات من عداوة لا تهدأ. وإذا كان هذا موقفه من علماء السلاطين، فقد كان موقفه أشد ممن تعاون منهم مع التتار، فيقول في ترجمة الفخر محمد بن يوسف الكنجي: «قتل بالجامع». وكان من أهل العلم بالفقه والحديث، ولكنه كان فيه كثرة كلام، وميل إلى مذهب الرافضة، جمع لهم كتبا توافق أغراضهم، وتقرب بها إلى رؤساء منهم في الدولتين الإسلامية والتاتارية .. ثم وافق الشمس القمي فيما فوضه إليه من تخليص أموال الغائبين وغيرهم، فانتدب له من تأذى منه، وألب عليه بعد صلاة الصبح، فقتل، وبقر بطنه، كما قتل أشباهه من أعوان الظلمة» (١). ولم يكن أبو شامة يتسامح مع من يعتدي على أوقاف المسلمين أو يسيء القيام عليها، ولو كان في منزلة شيخه ابن الصلاح، فيقول في ترجمة ابن رواحة، واقف المدرسة الرواحية: «وكان قد أسند النظر في مدرسته التي بدمشق إلى الشيخ تقي الدين عثمان بن الصلاح، ثم إنه بعد موته - يعني موت ابن رواحة - شهد عليه بالعزل له الشيخان تقي الدين خزعل، ومحيي الدين محمد بن العربي وكانا ساكنين قريبا من المدرسة - فزعما أنه استدعاهما ليلا، وأشهدهما عليه بعزل ابن الصلاح عن نظر المدرسة، وجرت في ذلك فصول لا حاجة إلى ذكرها، وكأنه كان قد ألهمه الله تعالى المصلحة في ذلك، فإن ابن الصلاح أسند النظر إلى شخص، أسنده ذلك الشخص إلى ولد له، فغلب على وقف المدرسة وتدريسها بغير أهلية ولا استحقاق ولا أمانة، ولا عدل ولا إشفاق، والأمر على ذلك إلى الآن، والله المستعان» (٢).

стр. 400

أما من كان يتولى ديوان المواريث الحشرية، وهي تلك المواريث التي يموت عنها أصحابها، ولا وارث لهم، فتؤول إلى بيت المال (١)، فيبشر متوليها أبا القاسم بن اللهيب بجهنم، لظلمه الناس في أموالهم، ويستعير أبياتا نظمها فيه الكمال بن الظهير يقول فيها: اليوم زار ابن اللهيب أباه … ورأى الذي قد قدمته يداه لم ينتفع بالظلم لكن ضره … إذ كان حسب الظالمين الله (٢) ويذكره هذا الاعتداء على الأوقاف بما حدث معه يوم أقصي عن مشيخة الإقراء في تربة أم الصالح، وكان الأحق فيها على ما شرطه واقفها (٣)، فيقول في ترجمة من وليها مكانه أبي الفتح محمد بن علي بن موسى الأنصاري: «توفي الشمس أبو الفتح الذي كان يقرئ بالتربة الصالحية (٤) هكذا يذكره بإغفال منزلته، غير مقر له بمشيخة الإقراء الذي كان يعتقد أنه لا يستحقها بوجوده، وأبو شامة لا ينازع في ذلك، وهو الأدرى به، وقد ندت عنه كلمة تشي بانزعاجه واستيائه لما وقع له حين ترجم للعلم النحوي المغربي الذي استغلت عبارته التي قالها في أبي شامة لتنحيته عن مشيخة الإقراء، فقال فيه: «كان معمرا مشتغلا بأنواع من العلوم، على خلل في ذهنه» (٥). وهي عبارة أملاها الغضب، وقد ابتعد فيها أبو شامة عن الإنصاف، ولم يقره عليها شيخ المؤرخين الذهبي، فقال: كذا قال أبو شامة، بل كان من أذكياء النحاة والمتكلمين» (٦).

стр. 401

بيد أن هجومه الأعنف شنه على قضاة عصره، وقد رأى فيهم أس الفساد المستشري من استيلائهم على أوقاف المسلمين، وهم من عليه حمايتها ورعايتها، والخضوع لمآرب السلطان، وهم من عليه نصحه وإرشاده، وتعاونهم مع التتار، وهم من عليه الدعوة إلى جهادهم، ثم استغراقهم في الفواحش من معاشرة الغلمان، وتعاطي الحشيشة، فأطلق لسانه فيهم متتبعا مخازيهم، كاشفا لها، نصحا للأمة، غير هياب ولا وجل مما قد تجره عليه عداوتهم له، وهم من ذوي الجاه والسلطان. ويبدأ أول ما يبدأ بالقاضي جمال الدين يونس بن بدران المصري، وقد ولي القضاء للملك المعظم عيسى بن العادل، وتوفي سنة (٦٢٣ هـ / ١٢٢٦ م)، فيقول فيه: «لم ينقم عليه شيء في ولايته سوى أنه كان إذا ثبت عنده وراثة شخص لما وضع نواب بيت المال أيديهم عليه يأمره بمصالحة بيت المال، فيقتطع منه قطعة لبيت المال، وأما لنفسه فلم يشتهر عنه شيء من ذلك» (١). ونقم عليه أيضا استنابته لولده التاج محمد، ولم تكن طريقته مستقيمة (٢)، بل كان ظالما مشهورا بالفسق (٣). وهذا القاضي على ما فيه كان من أمثلهم، أما من جاء بعده فلم يكن له من القضاة إلا رسمهم، فها هو ذا قاضي القضاة رفيع الدين الجيلي الذي ولي القضاء للملك الصالح إسماعيل بن العادل، وقد قتل سنة (٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م)، فقد عرف عنه شربه للخمر (٤)، وظهر منه سوء سيرة وعسف وفسق وجور، ومصادرة في

стр. 402

الأموال، لا سامحه الله (١)، ومن ثم يصفه أبو شامة بالقاضي الظالم (٢)، ويلقبه بالوضيع بدل الرفيع (٣). وأما القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سني الدولة، فقد ولي القضاء خمس عشرة سنة (٤)، قضاها مراعيا لأرباب الجاهات، معينا شهودا في القضاء مقدوحا فيهم مثل النجيب بن الشقيشقة، وهو متهم بالكذب ورقة الدين، وقد جعله من بعد عاقدا للأنكحة، فعجب الناس منه، وأنكروا عليه فعله (٥)، وقد أثرى من منصبه بعد فقر (٦)، وأنهى حياته طالبا القضاء من هولاكو بعد سقوط دمشق بأيدي التتار، فسعى إليه حيث كان يقيم في حلب بعد تدميرها (٧)، غير أن رد خائبا، وفي طريقه إلى دمشق تمرض في بعلبك (٨)، وأقام فيها في بيت قطب الدين اليونيني لقرابة كانت له مع والدته، وهو كذلك عديل والده الشيخ محمد (٩)، حيث مات بعد أيام (١٠)، وقد أخبر أبا شامة علي بن الشيرازي أنه رآه في منامه، وسأله عن حاله، فقال: لما وصلت، قيل: هاتوا الدرة. ويعقب أبو شامة على سوء هذه الخاتمة بقوله: «اللهم عفوك» (١١).

стр. 403

وكان التتار قد ولوا القضاء كمال الدين التفليسي، وكان نائب القاضي صدر الدين، فافتتح عهده بقبول حياصة الناصر يوسف هدية من التتار، وكانوا قد نهبوها من مخزن الأيتام، حيث رهنها الناصر يوسف لقاء دين من ورثة عرفة الدنيسري (١). ثم ولى التتار من بعده محيي الدين يحيى ابن الزكي، وكان قد قصد هولاكو في حلب مع القاضي صدر الدين (٢)، فشرع هذا القاضي في جر الأشياء إلى نفسه وأولاده ومن يتعلق به مع عدم الأهلية (٣)، وحين انتصر قطز على التتار في معركة عين جالوت، بذل محيي الدين أموالا جمة ليقره قطز على القضاء، فلم يستجب له، وعزله (٤). وولى قطز من بعده نجم الدين بن القاضي صدر الدين ابن سني الدولة، وكان حاكما جائرا فاجرا ظالما متعديا، وقد شاع عنه أنه قليل الأمانة، فقد أودع كيسا فيه ألف دينار، فرد بدلا منه كيسا فيه فلوس (٥). ثم ولى الظاهر بيبرس القاضي شمس الدين ابن خلكان، وكان عاكفا على تعاطي الحشيشة، ومغازلة الغلمان، ونظم الدوبيت وتقريب الشعراء (٦). ويبلغ الأسى والغضب عند أبي شامة كل مبلغ، فيطلق صرخته، وقد استبد به اليأس: كلما قلت دولة الحاكم الجا … ئر زالت قامت علينا أخرى (٧)

стр. 404

وفي غمرة غضبه ويأسه ينظم أبياتا يغمز فيها من قضاة عصره بأجمعهم، وكان بعضهم قد عدله وأحسن الثناء عليه حين ترجم له، كأبي القاسم ابن الحرستاني، وشهاب الدين الخويي، فيقول: دمشق في عصرنا مع فضلها بليت … من القضاة بجهال وأوقاح بأعجمين ومصري وصائغهم … واربلي وخياط وفلاح هم ضعف ستة والتواب كلهم … ضعفان أحزانهم أضعاف أفراح (١) فهل كان أبو شامة يريد من وراء ذلك نقد نظام القضاء كله؟ هذا النظام الذي نخر فيه الفساد حتى استعصى على الإصلاح؟

стр. 405

من تكلم في أبي شامة كلام أبي شامة فيمن تكلم فيهم أثارت عليه عداوات في حياته حملت بعضهم على الاعتداء عليه، ومحاولة قتله (١)، وبعد وفاته أدت إلى اتهامه بتهم هو بريء منها. وفي تحليلنا لأقوال من تكلم في أبي شامة سنحتكم إلى تلك القاعدة التي ارتضاها أبو شامة لنفسه في حكمه على الرجال، وهي أنه لا ينبغي أن يسمع فيمن ثبتت فضيلته كلام مشنع لعله صاحب غرض في حسد أو مخالفة في مذهب أو عقيدة (٢)، لنفتش على هديها في أقوالهم، ولنبحث فيها عما وراء كلامهم، فأبو شامة هو ممن ثبتت فضيلته من علمائنا، وتكفي نظرة على كلام من ترجم له لنرى تلك الفضيلة مبثوثة في كلماتهم، فقد وصفه الذهبي، وهو شيخ المؤرخين بقوله: «العلامة المجتهد المقرئ النحوي ذو الفنون» (٣). وقال فيه كذلك: «وكان مع فرط ذكائه وكثرة علمه متواضعا مطرحا للتكلف» (٤). وقال فيه ابن كثير: «الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ» (٥)، وقال فيه الإسنوي: «كان عالما

стр. 406

راسخا في العلم» (١)، وقال فيه السبكي: «الشيخ الإمام المفنن، كان أحد الأئمة، وبرع في فنون من العلم» (٢)، وقال فيه الصفدي: «الإمام العلامة ذو الفنون» (٣). وغير هذه الأقوال كثير، اجتزأت ببعضها. فما الذي دفع من تكلم فيه إلى ما تكلم فيه، وهو بهذه المنزلة الجليلة من العلم، التي شهد له فيها من ترجم له؟ وإذا ما استعرضنا أقوال من تكلم فيه نجد فيهم الإمام ابن رجب الحنبلي، في تعقيبه على ترجمة إبراهيم بن علي بن محمد بن بكروس الفقيه الحنبلي، فقد كتب أبو شامة في ترجمته: «ثم إن الله تعالى مكر به، فصار صاحب خبر بباب النوبي، ورمى الثوب الواسع، ولبس المزند، وتقلد السيف، وظلم وفتك في الغلمان والحريم، وضرب جماعة بالخشب، ورماهم في دجلة، وما كانت تأخذه في أذى مسلم لومة لائم» (٤). فعقب ابن رجب على قوله هذا: «وقد وجد أبو شامة في ابن بكروس مجالا للمقال فيه، وأطال، وأظهر بعض ما في نفسه فيه وفي أمثاله حيث لم يمكنه القول في أكابر الرجال، وذكر أنه رمي في دجلة، وهذا لم يصح بحال» (٥). فصور أبا شامة في عبارته هذه رجلا يطوي في صدره حقدا على الحنابلة، ويتربص بهم ويتوثب للانقضاض عليهم، ولما أعجزه الكلام في كبارهم لأنه لم يجد مجالا للقول فيهم، عمد إلى صغارهم ممن وقع في هفوات، فأظهر ما في نفسه منهم. والقارئ لكتابه «المذيل» لا يجد دليلا فيه على ما يقوله ابن رجب، فقد أطال

стр. 407

أبو شامة في ترجمته للحنابلة، ووصفهم بما يليق بهم، وبخاصة أن بعض شيوخه منهم (١)، وله فيهم أصدقاء (٢)، ولم ينازعهم إلا في مسألة صفات الباري ، وهي مسألة اختلف فيها علماء الأمة من قديم (٣)، وليقرأ القارئ ما كتبه في ترجمة الشيخ العماد المقدسي (٤)، وأخيه عبد الغني (٥)، والموفق ابن قدامة (٦)، وأخيه أبي عمر (٧)، وقد أطال في تراجمهم، ليجد مصداق ما أقول. ثم إن هذا القول الذي كتبه أبو شامة في ترجمة ابن بكروس، ليس من كلامه، وإنما هو ما نقله عن سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان (٨)»، غير أنه قصر في عزوه إليه، فنسب خطأ إليه. وكذلك نسبت إليه بعض أقوال سبط ابن الجوزي مع أنه لم يدونها في مذيله، من ذلك ما قاله الإمام الذهبي في ترجمته للحريري في كتاب «سير أعلام النبلاء»: «وممن انتصر له، وخضع لكشفه الإمام أبو شامة، فقال: كان عنده من القيام بواجب الشريعة ما لم يعرفه أحد من المتشرعين ظاهرا وباطنا، وأكثر الناس يغلطون فيه، كان مكاشفا لما في الصدور بحيث قد أطلعه الله على سرائر أوليائه» (٩).

стр. 408

وقد مر بك ما قاله أبو شامة في الحريري هذا (١)، فكيف يستقيم ما نسب إليه مع ما صح من قوله فيه؟ وقد وقف بعض المشتغلين بنشر التراث حائرا في التوفيق بين كلامين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما، بل لا يمكن أن يصدرا عن قائل واحد، وهذا ما جعلني أفتش عن قائل تلك الكلمات التي نسبها الذهبي إلى أبي شامة حتى وقعت عليها في «عيون التواريخ» معزوة لسبط ابن الجوزي (٢)، فبرح الخفاء، وظهر أن الذهبي وهم في نسبتها إلى أبي شامة. وكان المنتجب الهمذاني المقرئ من أصحاب الشيخ علم الدين السخاوي، غير أنه جحد حق تعليم الشيخ له (٣)، وآذاه في شرح أول بيت من الشاطبية بعبارة نكدة (٤)، وقد قال أبو شامة في شرحه للشاطبية: «ثم تعاني شرح القصيدة، فخاض بحرا عجز عن سباحته» (٥). فهل كان أبو شامة في قوله هذا متعاطفا مع شيخه السخاوي؟ هذا الشيخ الذي بلغ من انزعاجه أن منع أصحابه من حضور مجلس المنتجب (٦). الحق أن أبا شامة قد اعترف للمنتجب في صدر ترجمته له بأنه كان مقرئا مجودا (٧)، غير أنه لم يحسن شرح الشاطبية، وهو حكم أملاه على أبي شامة اشتغاله بشرح الشاطبية، وخبرته بدقائقها (٨)، ومن ثم لا تضر مخالفة الذهبي له

стр. 409

يقوله في شرح المنتجب: «بل هو شرح كبير، جم الفوائد، واضح» (١). إذ إن رأي أبي شامة، وهو من كبار شيوخ القراءات، مقدم على رأي الذهبي الذي لم يشتهر بهذا الفن شهرته في التاريخ. * * * بيد أن كلام أبي شامة في ابن خلكان، وقد كان جارحا له (٢)، لم يدفع ابن خلكان للكلام فيه، وهو يعرف منزلة أبي شامة بين معاصريه، فاكتفى بإهماله في كتابه «وفيات الأعيان»، فلم يترجم له، ولم يذكره إلا مرة واحدة في كتابه كله، وذلك حين ذكر سنة وفاة ابن رواحة، فقال: «وذكر الشهاب عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في تاريخه المرتب على السنين أنه مات سنة ثلاث وعشرين» (٣). وتكاد تحس باستياء ابن خلكان منه من هذه العبارات التي تشي بتجاهله وإغفاله، ولربما كان يرد على أبي شامة ضمنا كلامه في ابن الصلاح، وتهاونه في وقف المدرسة الرواحية (٤)، وذلك في قوله: «وكان - أي ابن الصلاح - يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لا بد منه … » (٥). * * * أما من أطلق القول في أبي شامة، وشنع عليه، فهو قطب الدين اليونيني، صاحب كتاب «ذيل مرآة الزمان»، وذلك حين ترجم لأبي شامة في كتابه، فقال فيه: «كان كثير الغض من العلماء والأكابر والصلحاء، والطعن عليهم، والتنقص لهم، وذكر مساوئ الناس، وثلب أعراضهم، ولم يكن بمثابة لا يقال فيه، فقدح

стр. 410

الناس فيه وتكلموا في حقه، وكان عند نفسه عظيما، فسقط بذلك في أعين الناس مع ما كان عليه من ثلب العلماء والأعيان، وذكر ما يشينهم به» (١). وقد تلقف قوله هذا دون تحقيق فيه أبو عبد الله السخاوي، صاحب كتاب «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ»، فقد قال فيه عن أبي شامة: «كان كثير الوقيعة في العلماء والصلحاء وأكابر الناس، والطعن عليهم، والتنقص لهم، وذكر مساوئهم، وكونه عند نفسه عظيما، فصار ساقطا من أعين الناس ممن علم منه ذلك، وتكلموا فيه، وأدى ذلك إلى امتحانه … » (٢). ومن خلال استعراضنا لمن تكلم فيهم أبو شامة (٣) لم نجده قد غض من العلماء والأكابر والصلحاء، ولا طعن فيهم، ولا تنقصهم، ولم يذكر مساوئهم، ولم يثلب أعراضهم، وإنما تكلم في القضاة المرتشين الظالمين، والزنادقة الملحدين، والمتصوفة المنحلين، والمؤلفين المخطئين والمتزلفين للسلاطين، والمتعدين على أوقاف المسلمين، والمتعاونين مع التتار أعداء الدين. وكان في جملة من تكلم أبو شامة فيهم الشيخ محمد بن أحمد اليونيني، والد المؤرخ قطب الدين (٤)، والقاضي صدر الدين ابن سني الدولة، وهو ابن خالة أمه، وعديل أبيه (٥)، فلم يغفر قطب الدين لأبي شامة ما قاله في والده، وقد استشعر استهزاءه فيه، فأطلق فيه هذا القول الجارح انتقاما منه، ودفاعا عن أبيه، فجار في قوله وحكمه، ونأى فيه عن الإنصاف، ومن ثم أهمل المؤرخون قول قطب الدين

стр. 411

فيه، فلم يلتفتوا إليه، ولم ينقلوه إلا ما كان من أبي عبد الله السخاوي (١)، ولم يذكر أن أحدا قدح في أبي شامة أو تكلم فيه، كما ذكر قطب الدين، وها هي أقوال المؤرخين فيه، وقد سلفت، وكلها تصفه بالإمام المجتهد العلامة المؤرخ (٢). بل إن قطب الدين إمعانا في النيل من أبي شامة راح يتزيد في النقل عنه ليثير استعداء الناس عليه، فقد نقل عنه في ترجمة القاضي نجم الدين بن صدر الدين ابن سني الدولة، وهو قريبه كذلك، قال: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وكان نجم الدين حاكما جائرا ظالما لنفسه، أحمق رقيعا، فاستراح الناس منه» (٣). فزاد في قول أبي شامة فيه: «أحمق رقيعا»، وهي عبارة لم يقلها أبو شامة (٤)، وليس هذا من الأمانة في النقل، بل إنه أغار على كتابه «المذيل»، ونقل منه كثيرا من تراجمه في كتابه «ذيل مرآة الزمان» دون عزوها إليه (٥)، وأحيانا كان يدلس اسمه قائلا: شهاب الدين عبد الرحمن (٦)، مغفلا لقبه أبا شامة، وهو اللقب الذي عرف به واشتهر. لقد جاوز قطب الدين في عداوته لأبي شامة كل حد، تاركا لهواه أن يملي عليه ما يقول، مما يجعلنا حقا لا نسمع لقوله فيه، لأنه كلام مشنع فيمن ثبتت فضيلته، ولا دليل له عليه.

стр. 412

وقد كان لتلك المنازعات صدى فيما كتبه المؤرخون المعاصرون، ولعل السابق إلى اكتشاف النزاع بين أبي شامة وابن خلكان كان الأستاذ محمد كرد علي، فقال: «لم يذكر ابن خلكان في وفياته أبا شامة لأمور كانت بينهما على ما يظهر من الذيل على الروضتين، وكانا متعاصرين متباغضين» (١). لكنه يعزو ذلك إلى حسد أبي شامة لابن خلكان، أو لأن ابن خلكان أقصى أبا شامة عن بعض المدارس، فيقول: «وكان كلاهما يختلف إلى المدرسة العادلية حيث المجمع العلمي اليوم، وقد سكنها كلاهما، ولعل أبا شامة كان يحسد ابن خلكان، أو أن ابن خلكان أقصى أبا شامة عن بعض المدارس، أو من المدرسة العادلية نفسها» (٢). والسبب على خلاف ما ذكر الأستاذ كرد علي، كما بينت، فقد كان أبو شامة ناقما على القضاة الذين اتخذوا من القضاء مطية لتحقيق مآربهم الشخصية بعيدا عن إشاعة العدل وكف الظلم، وابن خلكان واحد من هؤلاء القضاة، ومع أن أبا شامة قد سكن المدرسة العادلية زمنا طويلا، غير أنه لم يجاور في سكناها ابن خلكان، لأنه كان قد تركها قبل مقدمه إليها بزمن (٣)، وعاش أبو شامة ما عاش من حياته زاهدا في المناصب، مترفعا عنها، حتى اعتزلها (٤)، ولم يقطع عزلته هذه إلا حين ولاه ابن خلكان التدريس بالمدرسة الركنية تقربا منه (٥). فالدافع الذي دفع أبا شامة إلى قول ما قال هو الرغبة في الإصلاح، لا سعيا وراء منفعة. والغريب حقا كيف لم يتنبه د. إحسان عباس، وهو الناقد اللماح، إلى ما جرى

стр. 413

بين أبي شامة وابن خلكان، بل إنه يصور الأمر بينهما على خلاف ما كان، فيقول: «ويبدو أن العلاقة بين أبي شامة وقاضي القضاة ظلت طيبة» (١). وقد يصدق هذا الحكم على الفترة الأولى من لقائهما، حين كان أبو شامة يؤمل في ابن خلكان أن يكون قاضيا نزيها على خلاف من سبقه من قضاة فاسدين، حتى إذا تبين أنه لا يختلف عنهم في كبير شيء انقلب عليه، وقال فيه ما قال (٢). ويمر د. إحسان عباس على ما قاله أبو شامة في ابن خلكان دون أن يتنبه له كما تنبه له من قبل الأستاذ محمد كرد علي، مرددا صدى كلمات قطب الدين اليونيني فيه، فيقول: «لم يحاول (أبو شامة) أن يغمز منه (أي من ابن خلكان) في تاريخه على عادته في حال الآخرين» (٣). ويبدو أن ما أهمله القدماء من كلام قطب الدين اليونيني في أبي شامة تبناه المعاصرون، وكأنه حقيقة لا تقبل إلا التسليم بها، فنرى كذلك د. بشار عواد معروف يردد في أبي شامة ما قاله فيه قطب الدين، وذلك في تعقيبه على كلام ابن رجب في ترجمة ابن بكروس، فيقول: «هذه عادة أبي شامة - سامحه الله، وغفر له - في كشف عورات الناس» (٤). وأحمد له أن شفع حكمه بالدعاء له، وأتساءل: إذا كان من نتوسم فيهم المعرفة يطلقون الأحكام هكذا دون دليل أو تحليل، فكيف حال من لم ينل من المعرفة إلا لقبها، وما أكثرهم! ..

стр. 414

طبعة «المذيل» طبع «المذيل على الروضتين» أول ما طبع في القاهرة سنة (١٩٤٧ م)، تحت عنوان «تراجم القرنين السادس والسابع المعروف بالذيل على الروضتين». وعرف بالكتاب، وترجم للمؤلف، وصححه الشيخ محمد زاهد الكوثري؛ وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقا، وعني بنشره، وراجع أصله، ووقف على طبعه السيد عزت العطار الحسيني. واعتمدا في إخراجه على نسخة خطية في دار الكتب المصرية، كتبت سنة (٩٦٧ هـ) كما جاء في آخر المطبوع منه. ويبدو أنها نسخة سقيمة، فشا فيها التحريف والتصحيف، فات الشيخ زاهد الكوثري ﵀ أن يتنبه لها، إضافة لما أخطأ هو في قراءته، والفن ليس بفنه، بل إن في النسخة زيادات ليست لأبي شامة، أدخلها الناسخ خطأ في متن الكتاب، وقد سقط منها أخبار في حوادث سنة (٦٦٤ هـ)، واضطربت أوراقها في آخره مما جعل حوادث السنوات (٦٦٣ هـ، ٦٦٤ هـ، ٦٦٥ هـ)، تتداخل فيما بينها، وتذكر في غير سنتها التي وقعت فيها. وقد أخطأ ناشراه كذلك في تغيير عنوانه الذي ارتضاه مؤلفه له، وهو «المذيل على الروضتين»، فسمياه اعتمادا على هذه النسخة السقيمة «الذيل على الروضتين».

стр. 415

ثم أضافا إلى عنوانه «تراجم القرنين السادس والسابع»، وهو لا يشي حقيقة بتاريخ تراجمه، فليس فيه من تراجم القرن السادس إلا السنوات العشر الأخيرة منه، ولم يكمل تراجم القرن السابع، حيث وصل فيه إلى سنة (٦٦٥ هـ). وقد تتبع د. مصطفى جواد بعض أخطاء هذه الطبعة، ونشرها في مقالين في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، مج ٢٣/ ٦١٨ - ٦٣١، مج ٢٤/ ١٥٣ - ١٥٨. وكنت كلما طالعت الكتاب تتشوف نفسي لتحقيقه وفق المنهج العلمي، حتى شرفني الله بذلك، بعد فراغي من تحقيق «كتاب الروضتين»، واعتمدت في تحقيقه على خمس نسخ خطية، وصفتها في مقدمتي له، وقد فرغت بحمد الله من تحقيقه سنة (٢٠٠٤ م). وقد صدر - بحمد الله في جزأين عن مؤسسة الرسالة في بيروت سنة (٢٠٠٩ م).

стр. 416

نزهة المقلتين في سيرة الدولتين العلائية والجلالية وما كان فيهما من الوقائع التاتارية

стр. 417

لم يذكر أبو شامة هذا الكتاب في قائمة مؤلفاته التي كتبها سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وأثبتها في ترجمته لنفسه في «المذيل على الروضتين» (١)، بل اكتفى بالإشارة إليه في ثلاثة مواضع منه، اثنين في القسم الأول الذي استدركه في المرحلة الثانية من تأليفه سنة (٢) (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) فقال في أوله: «وذكر المنشئ محمد بن أحمد النسوي في كتابه الذي ذكر فيه وقائع التاتار مع علاء الدين محمد خوارزم شاه المذكور، ومع ولده جلال الدين، وقد اختصرته» (٣). وثانيه حين قال في حوادث سنة (٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م): «وفيها مات خوارزم شاه محمد بن تكش، وقد ذكرنا صفة موته، وما تم له مع التاتار في هذه السنة وقبلها في الكتاب الذي اختصرت فيه سيرة الدولتين العلائية والجلالية» (٤). وهذا يشي بأن اختصاره له كان قبل سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) بل يمكننا أن نعود باختصاره إلى ما قبل سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، إذ إنه ذكر في «مذيله» في حوادث هذه السنة سقوط بغداد بيد التتار، فقال: «ففي أولها في المحرم استولى التتار - لعنهم الله - على بغداد، فقتلوا ونهبوا، وفعلوا ما جرت عادتهم عند استيلائهم على

стр. 418

بلاد العجم على ما ذكرناه في كتاب السيرة العلائية والجلالية» (١). ويؤيد ما ذهبنا إليه أن هذا القسم الأول من «المذيل» كان أبو شامة يكتبه غالبا تباعا إثر ما يعاصره من وقائع وأحداث (٢). ولعل أبا شامة قد اختصر هذا الكتاب عقب فراغه مباشرة من تأليف «كتاب الروضتين» في مرحلته النهائية، وقد سلف معنا أنه أنهى المجلدة الأولى منه في (١١) رمضان سنة (٣) (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م)، وإذا افترضنا أن المجلدة الثانية قد استغرقت منه بضع أشهر أخرى، فيكون اختصاره لكتاب النسوي في نحو سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م)، وكان ضغط التتار قد اشتد في تلك الفترة على المشرق الإسلامي (٤)، وفيما كتبه أبو شامة في تقديمه لهذا المختصر ما يؤيد ذلك، إذ قال: «أما بعد، فقد جمعت في كتابين مطول ومختصر ما كان في زمن آبائنا من مناقب سلطانين جليلين متتابعين ببلادنا الشامية، جمعت فيهما من أخبارهما ومآثرهما ما غبر في وجوه من قبلهما من الملوك، فكيف من بعدهما؟ فسقى الله عهدهما، وسميت الكتاب المطول بالروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، والآخر مختصره. ثم إني أردت الوقوف على أخبار ملكي بلاد العجم في زماننا، اللذين قهرا العباد، ثم خربت في ولايتهما البلاد، واستولى على تلك الديار الكفرة التتار - لعنهم الله - وسفك أولئك الملاعين دم الكبير والصغير من المسلمين، وجرى في تلك المدة من العجائب والغرائب ما لم يتقدم مثله - ولا أظنه يأتي إن شاء الله تعالى - فإنها من أفظع المصائب، فوجدت قد جمع أخبار تينك الدولتين الكاتب

стр. 419

الفاضل العالم، شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد النسوي، المعروف بالمنشئ، الذي كان في صحبتهم وخدمتهم، مطلعا على أحوالهم، متصرفا في أعمالهم، جمع ما جرى من ذلك في مجلدة واحدة، فاختصرت المقاصد منها على عادتي في مثل ذلك» (١). ويستوقفنا في هذا التقديم تلك المقارنة البارعة بين الدولتين النورية والصلاحية، اللتين قامتا على نشر العدل وإقامة الجهاد، والنظر في مصالح العباد (٢)، وبين الدولتين العلائية والجلالية اللتين قامتا على قهر العباد، فآل الأمر إلى خراب البلاد، واستيلاء التتار عليها. وبهذا يكمل أبو شامة رؤياه ليضعها بين يدي ملوك عصره، العدل الذي يعمر البلاد، والظلم الذي يفضي إلى الخراب. ولكي يكون أمينا فيما يؤرخ له، وهو البعيد عن تلك الدولة الخوارزمية، اختار النسوي، وهو مؤرخ معاصر لأحداثها، ليعتمد عليه فيما يسوقه من أخبارها (٣).

стр. 420

وما يعنيه من تاريخ الدولة الخوارزمية هي تلك الفترة الأخيرة من حياتها، التي حكم فيها سلطانها علاء الدين محمد بن تكش وابنه جلال الدين منكبرتي، وما يعنيه من أحداثها ووقائعها ما يتعلق بحال تلك الدولة مع التتار، ومن ثم اختط أبو شامة منهجا في اختصاره للكتاب يختلف عن منهج النسوي في تأليفه. فالنسوي أراد أن يؤرخ للفترة الأخيرة من حياة الدولة الخوارزمية من خلال سلطانيها علاء الدين وجلال الدين، فاستفاض في أخبارها، بل إنه توسع في أخبار جلال الدين، لأنه عقد كتابه على سيرته، وسماه باسمه «سيرة السلطان جلال الدين منكبرتي»، وهذا يقتضي منه الإحاطة بأخباره كلها، ولذلك رأينا النسوي يسوق إلينا تفاصيل ما جرى مع تلك الدولة في علاقاتها الخارجية والداخلية، بل إنه وجد متسعا ليذكر ما وقع له من وقائع قادته إلى التعرف إلى جلال الدين وملازمته له حتى مقتله. أما أبو شامة، فما كان يعنيه من الكتاب هو ما كان لتلك الدولة من وقائع مع

стр. 421

التتار، ولهذا قيد عنوان اختصاره له بقوله: «وما كان فيهما من الوقائع التاتارية»، فلم يلتزم أبو شامة في اختصاره للكتاب إلا بتلك الفصول التي بين النسوي فيها تلك الأحداث والوقائع، وكذلك لم يلتزم بعناوين الفصول التي عنون بها النسوي كتابه، بل وضع عناوين لفصوله التي اختصرها، تتناسب ومضمون ما اختصره منها، مفصلا في وقائع تلك الفترة من سنة (٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م) حتى سنة (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م)، حيث قتل جلال الدين، وانطوى خبر تلك الدولة، فكان عمل أبي شامة في الكتاب أقرب إلى الاختيار منه إلى الاختصار، وهو ما عبر عنه في آخر الكتاب بقوله: «هذا آخر ما اخترته من هذا الكتاب، وإلى الله تعالى المصير والمآب» (١). ويبدو أن هذا الاختصار قد بقي على حالته هذه حتى سقوط بغداد بيد التتار سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، وما أعقب ذلك من سقوط حلب في صفر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، واستسلام دمشق في العام نفسه، ثم ما جرى من انتصار المسلمين في معركة عين جالوت في رمضان سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ومعركة حمص في محرم سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦٠ م). فعكف أبو شامة على كتابه هذا يضيف إليه أخبار هذه الوقائع باختصار، مفتتحا ذلك بالنقل عن العماد الكاتب من آخر كتابه «الوزراء السلجوقية»، ثم مثنيا بما كتبه البنداري في اختصاره له. فيبدأ بذكر سقوط بغداد، ثم استيلاء التتار على حلب، ووصولهم إلى دمشق، ودخولهم إليها بالأمان، ثم إغارتهم على حوران ونابلس، وقتلهم للكامل محمد بن شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين، وطوافهم برأسه في أسواق دمشق، ثم ما وقع في رمضان من سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) من انتصار المسلمين على التتار في معركة عين جالوت، تلك المعركة التي بين أبو شامة أهميتها في تاريخ المسلمين

стр. 422

بقوله: «فكان ذلك فتحا مبينا، ونصرا عزيزا، نشأ به الإسلام نشأ جديدا» (١). ثم يذكر مقتل السلطان قطز في طريق رجوعه إلى مصر بعد هذه الموقعة بنحو شهرين، ثم يذكر هزيمة التتار الثانية في معركة حمص خامس محرم سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦٠ م)، ذاكرا أن التتار قد ذلوا بعد هاتين الكسرتين، وطمع فيهم المسلمون، وانتقل إليهم ما كان عند المسلمين من الخوف منهم (٢). ويبدو أن هذه الأخبار كان يدونها أبو شامة تباعا، إثر وقوعها، يدل على ذلك افتتاحه لبعضها بقوله: ثم. بيد أن ما كتبه في مختصره هذا، كان قد دونه في كتابه «المذيل على الروضتين» تدوينا أحسن سياقا وأتم، ولعله لم يفصل في هذه الأخبار هنا تفصيله لها في «المذيل» انسجاما مع موضوع الكتاب ومنهجه، المقتصر على أخبار التتار فحسب.

стр. 423

نسخة كتاب «نزهة المقلتين» للكتاب نسخة مصورة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، عن نسخة في مكتبة العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور بتونس، برقم (١٢٨٢) تاريخ، في (٥٣) ورقة، فرغ من نسخها ثامن عشر شهر شوال المبارك سنة (٧٣٤ هـ/ ١٣٣٤ م)، على يد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن حسن، نزيل بيت المقدس الشريف، وهي مقابلة بنسخة أبي شامة بخطه، إذ جاء في هامش الورقة الأخيرة منها بخط ابن العلائي: «بلغ مقابلة على أصله بخط مؤلفه، رحمه الله تعالى، كتبه ابن العلائي». وعنوان الكتاب فيها: «نزهة المقلتين في سيرة الدولتين العلائية والجلالية وما كان فيهما من الوقائع التاتارية، جمعهما الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي، عفا الله عنه، على سبيل الاختصار من كتاب المنشئ الفاضل شهاب الدين محمد بن أحمد النسوي، رحمه الله تعالى». وعندي صورة من هذه النسخة، وهي مما تفضل به علي صديقي الحبيب المحقق الشيخ محمد بن ناصر الدين العجمي، نفع الله به. وثمة نسخة أخرى من الكتاب في المغرب في الخزانة العامة بالرباط، برقم (٢٥١)

стр. 424

أشار إليها محقق كتاب «عيون الروضتين» (١)، ووضع في مقدمته ورقتين منها أنموذجا (٢)، إخاله ظنهما من كتاب «عيون الروضتين»، والله أعلم.

стр. 425

مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر

стр. 426

«تاريخ دمشق» للحافظ أبي القاسم ابن عساكر (١) هو الكتاب الذي تخرج به أبو شامة مؤرخا، فبعد أن أمضى سنين يقرأ في التاريخ وأخباره، وتراجم أعلامه، أحب أن يتصدى للتأليف فيه، ليجمع شتات ما قرأ، فلم يجد خيرا من تاريخ ابن عساكر يتتلمذ عليه (٢)، وقد حكى لنا في مقدمة «كتاب الروضتين» عن أثره الكبير في تكوينه التاريخي، فقال: «ثم أردت أن أجمع في هذا العلم كتابا يكون حاويا لما حصلته، وأتقن فيه ما خبرته، فعمدت إلى أكبر كتاب وضع في هذا الفن على طريقة المحدثين، وهو تاريخ دمشق حماها الله ، وهو ثماني مئة جزء.

стр. 427

في ثمانين مجلدا، فاختصرته، وهذبته، وزدته فوائد من كتب أخرى جليلة، وأتقنته، ووقف عليه العلماء، وسمعه الشيوخ والفضلاء» (١). وقد ألهمه اختصاره له من بعد كتابين تاريخيين هامين، هما: «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» (٢)، وكتاب «كشف ما كان عليه بنو عبيد» (٣). وكان أبو شامة قد اختصره اختصارين، أكبر، وهو في خمسة عشر مجلدا، وأصغر في خمسة مجلدات (٤). غير أن اختصاريه هذين ضاعا فيما ضاع من تراث أبي شامة، ولم يبق منه إلا جزآن، أحدهما في مكتبة برلين برقم (٩٧٨٢)، والآخر في مكتبة باريس برقم (٢١٣٧) (٥). ويمكننا أن نتبين بعض ملامح منهجه فيه، مما أشار إليه من اطلع عليه من العلماء، فقد ذكروا أنه في اختصاره الأكبر لم يخل بشيء من تراجمه، بل أوردها كلها وإن اختصر مادتها (٦). وقد توسع أبو شامة في بعض تراجمه، فزاد على ما ساقه فيها ابن عساكر، كما فعل في ترجمة الإمام الشافعي محمد بن إدريس، فقد جمع فيها من أخباره ما تفرق في كتب المصنفين، وإلى ذلك أشار مادح أبي شامة بقوله: وله الشامة في تر … جمة في حرف ميم تلك أنباء ابن إدريـ … س بإسهاب عميم (٧)

стр. 428

وأحيانا كان أبو شامة يترجم لمن لم يترجم لهم ابن عساكر من ذوي المنزلة من معاصريه، وإن تأخرت وفاتهم بعد وفاة ابن عساكر، فقد أشار إلى ترجمته للعماد الكاتب في اختصاره «تاريخ دمشق» ووفاته سنة (١) (٥٩٧ هـ/ ١٢٠١ م)، وترجم لصلاح الدين يوسف بن أيوب، ووفاته سنة (٢) (٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م)، ولعله تأسى في ذلك بمن ترجم لهم ابن عساكر من معاصريه، وهم أحياء، كنور الدين محمود بن زنكي (٣)، وأسامة ابن منقذ (٤). ونستطيع أن نجزم من خلال ما كتبه أبو شامة في مقدمته لكتاب الروضتين أن اختصاره لتاريخ ابن عساكر كان من أوائل أعماله التاريخية، ويبدو أنه شرع فيه عقب عودته من مصر، وذلك نحو سنة (٥) (٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م)، ولم نقف على تاريخ فراغه منه، غير أننا علمنا أنه كان يسمعه سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥١ م)، في جامع دمشق (٦)، وقد فرغ من إسماعه سنة (٧) (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م)، ولا ريب أنه قد أنهاه قبل ذلك بفترة تسمح له بإسماعه حتى ينتهي منه بهذه السنة. وقد أتيح لي الوقوف على الجزء المحفوظ في مكتبة باريس، إذ منه مصورة في مكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق، وهو من اختصاره الأكبر له، إذ لم يخل بشيء من تراجمه، بيد أنه وقع فيه خرم أتى على أوراق من أوله وآخره، فهو يبدأ من ترجمة يزيد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وينتهي بترجمة أبي محمد بن العباس العطار.

стр. 429

ومما يدل على أنه مختصر أبي شامة ترجمته فيه لصلاح الدين يوسف بن أيوب ترجمة مختصرة (١)، ذكر فيها أنه استقصى أخباره وسيرته في «كتاب الروضتين»، ولعل هذه الإشارة تشي إلى تأخر فراغه من اختصاره حتى شارف على الانتهاء من «كتاب الروضتين»، أو أن هذه الإشارة قد كتبها، وهو بعد يؤلف «كتاب الروضتين»، أو أنه كان قد كتبها في حاشية على هامش نسخته، ثم أضيفت من بعد إلى متن الكتاب، والله أعلم.
следующие страницы →