أجل أصحابه - عن زهده وورعه وعلمه، وقد كانت قصيدته في القراءات «حرز الأماني» من أوائل ما حفظ بعد كتاب الله (١)، هذه القصيدة التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر، وكل عصر، فنبذ الناس سواها من مصنفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حوت من ضبط المشكلات وتقييد المهملات، مع صغر الحجم وكثرة العلم، وكان شيخه السخاوي هو الذي شهرها بين الناس، وبين معانيها، وكم قرأ هذه القصيدة بين يدي شيخه، وكم سمعها منه، وفي كل مرة كان ينفتح له من فوائدها باب، ومن معانيها ما لم يكن في حساب، وقد اختصه شيخه فيها بمعاني لم يودعها كتابه حين شرحها، ولم يعرفها أصحابه (٢).
ويجد عند أصحاب الشاطبي، ومن قرأ عليه من الإعجاب به مثلما كان يجد عند شيخه السخاوي، فيقول:
رأيت جماعة فضلاء فازوا … برؤية شيخ مصر الشاطبي
وكلهم يعظمه ويثني … كتعظيم الصحابة للنبي (٣)
ومن هؤلاء الأصحاب - الذين التقاهم أبو شامة - الشيخ أبو الطاهر محمد بن الحسين بن عبد الرحمن الجابري، من ولد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁.
وكان الجابري يخطب في جامع عمرو بن العاص (٤)، فكان أبو شامة - وقد أعجب بتدينه - يجتمع به كلما سنح له الوقت، ولربما طلب الجابري من أبي شامة، وقد عرف منزلته في العلم أن يقرئ في الجامع شيئا من علوم العربية، فكان ممن
стр. 73
قرأ عليه عز الدين أيبك المحيوي (١)، غلام الوزير محيي الدين ابن ندى الجزري (٢).
وفي القاهرة يلتقي مرة أخرى إماما من أئمة القراءات هو محمد بن عمر بن يوسف القرطبي (٣)، وكان قد التقاه في المدينة المنورة في حجته الأولى سنة (٤) (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م). ويجتمع مرة أخرى كذلك بالقاضي ابن شداد، وكان قد التقاه بدمشق سنة (٥) (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م)، وكان ابن شداد قد قدم القاهرة من حلب لإحضار ابنة الكامل فاطمة خاتون زوجة العزيز بن الظاهر، فيجلس عند قبر
стр. 74
الشافعي، وهناك يسمع عليه أبو شامة دروسا في الحديث النبوي الشريف (١). ويحضر دروس الزين النحوي يحيى بن معطي، وكان آية في حفظ كلام النحويين (٢).
ويزور في دار الحديث الكاملية بين القصرين الشيخ الحافظ أبا الخطاب ابن دحية، وكان يدرس بها، ويأخذ منه إجازة (٣).
وقد حضر عنده ذات يوم، وهو يقرأ عليه «صحيح مسلم»، وكان قد وصل فيه إلى حديث أنس بن مالك (٤) ﵁ أن نبي الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما (٥).
وكان أبو شامة يستشكل هذا الحديث، ويقول: أي إثم كان يلحقه لو لم يخبر به حتى تجنب الإثم بإخباره، غايته أن يقال: جاءت آثار وأخبار تقتضي الأمر بالتبليغ والنهي عن الكتمان نحو ﴿إن الذين يكتمون﴾، «بلغوا عني ولو آية»، نضر الله امرءا ونحو ذلك، إلا أن هذه الأشياء غايتها أن تكون عامة في جميع ما سمع من النبي ﷺ حتى تتناول محل النزاع، وفي محل النزاع دليل يخصه يقتضي منع الإعلام، والخاص مقدم على العام (٦).
стр. 75
ووجدها أبو شامة فرصة حين سمع الحديث، فأورد على الشيخ أبي الخطاب هذا الإشكال، فما كان من أبي الخطاب إلا أن صاح، وقال: هذا جدل، والتفت إلى أبي شامة بعض أصحاب الشيخ، مشيرين إليه أن يسكت، فسكت (١).
وكان مما سمعه أبو شامة من أبي الخطاب كتاب ألفه في «أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب» (٢).
ويغتنم أبو شامة وجوده في القاهرة، فيزور دار الوزارة، ويطلع على بعض ما فيها من وثائق ومراسلات، وينسخها، ومما اطلع عليه توقيع كتب في ذي القعدة سنة (٥٤١ هـ/ ١١٤٧ م) عن خليفة مصر يومئذ الحافظ لدين الله، وعليه علامته: الحمد لله رب العالمين (٣).
واطلع على كتب وزير مصر الأفضل عباس بن أبي الفتوح، ورأى علامته في الكتب: الحمد الله وبه أثق (٤). ووقف على نسخة سجل بإسقاط المكوس بمصر قرئ على المنبر بالقاهرة يوم الجمعة بعد العصر ثالث صفر سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م) عن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في أيام نور الدين (٥)، ووقف على كتب بخط صلاح الدين (٦)، والقاضي الفاضل (٧).
ويزور قلعة الجبل، ويلتقي فيها الأمير أبا الفتوح بن العاضد، وهو ابن آخر
стр. 76
الخلفاء الفاطميين، وهو محبوس فيها، يرسف في أغلاله، ويسأله أبو شامة عن بعض الوقائع التي عاصرها، فكان مما أخبره به أن أباه العاضد استدعى صلاح الدين في مرضه، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا (١).
وكان صلاح الدين بعد موت العاضد سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م) قد أقام أبناء الفاطميين في إيوان القصر، واحترز عليهم في ذلك المكان، وأبعد عنهم النساء لئلا يتناسلوا، فيكثروا (٢).
ثم أخرجوا من القصر سنة (٥٦٩ هـ/ ١١٧٤ م) بعد صلب عمارة اليمني، وكان قد حاول قلب دولة صلاح الدين، وإرجاع الفاطميين (٣).
ومما أخبره به أبو الفتوح أن صلاح الدين جعلهم في دار برجوان، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، وكان عيشهم فيها طيبا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها (٤).
وكان أبو شامة يدون بشغف كل ما يسمعه، وحين شعر أن كل ما أحب أن يحصل عليه قد جمعه عزم على الخروج إلى الإسكندرية، ولكن قبل أن يغادر القاهرة توفي في مستهل ذي الحجة سنة (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م) شخه زين الدين النحوي، فحضر الصلاة عليه تحت القلعة، وكان ممن حضر السلطان الكامل، ثم ودع أبو شامة شيخه، وهو يدفن بالقرافة، وودع القاهرة (٥).
* * *
ويصل إلى الإسكندرية في ذي الحجة، ويقيم فيها نحو أربعة أشهر (٦)، ولعل
стр. 77
أول من زار فيها قبر حافظها الكبير أبي طاهر السلفي، داخل الباب الأخضر (١)، فقد كانت منزلته عنده كمنزلة الشاطبي في القاهرة، ويسعى إلى لقاء أصحابه، فيلتقي منهم في جامعها المقرئ المحدث أبا الفضل جعفر بن علي بن أبي البركات بن جعفر بن يحيى الهمداني (٢)، ويلتقي مقرئ الإسكندرية الشيخ عيسى بن عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد الإسكندراني، وكانت له مسموعات كثيرة على الحافظ السلفي، وهو من كبار القراء، فيجيزه بجميع ما يرويه (٣).
غير أن الزيارة التي تركت في نفسه أثرا لا يمحى هي زيارته إلى زاهد الإسكندرية الشيخ محمد بن منصور بن يحيى القباري مع جماعة من الفضلاء، كان للشيخ محمد بستان يفلحه ويزرعه بنفسه، ويأكل من ثماره وزرعه، ويتورع في تحصيل بذره، حتى إنه كان إذا رأى ثمرة ساقطة تحت أشجاره، ولا يشاهد سقوطها، يتورع من أكلها، خوفا من أن تكون من شجرة غيره، قد حملها طائر، فسقطت منه في بستانه.
حين زاره أبو شامة كان الشيخ محمد في الواحدة والأربعين من عمره، وقد وافقه يسقي بستانه في جرار ماء من الخليج على حمار له، وكان الماء في الخليج قليلا، قال أبو شامة: «فأجلسنا إلى أن تم عمله، ثم قدم لنا من ثمر غيطه، وكذا كانت عادته مع كل من يزوره من الملوك وغيرهم» (٤).
وستبقى صورة هذا الشيخ المترفع عن الدنيا وحطامها، الزاهد بما في أيدي الناس، القانع بما تخرجه أرضه من ثمار، في ذاكرة أبي شامة، وسيكون له تأثير عليه في القادم من أيامه (٥).
стр. 78
العودة إلى دمشق وتلمذته على تاريخ دمشق لابن عساكر
ويعود أبو شامة إلى دمشق في سابع ربيع الآخر سنة (١) (٦٢٩ هـ/ ١٢٣٢ م) بعد غيبة عنها دامت نحو سنة، وقد ازداد معرفة وفهما، وثقة بما حصله من العلوم تمكنه من الانصراف للتأليف فيها (٢)، فعلم القراءات قد أتقنه، والتقى أئمته، وأخذ عنهم، وفي الفقه بلغ منزلة تؤهله للتصدي للفتوى، وثمة مسائل فيه يود لو يفرد لها تصنيفا، أما في التاريخ فما تجمع لديه من أخباره ووقائعه، وتراجم رجالاته تملأ مجلدات. فكيف سينظم هذه المعلومات المتناثرة، ويضم شواردها؟ كيف سيخرج منها مؤلفا في التاريخ يسلكه في عداد المؤرخين؟ لقد رجع حقا بعد سفره إلى تدوين وقائع عصره في تاريخه الذي هو أشبه باليوميات، غير أن هذه الكتابة لا تستنفد ما عنده من معارف ولا تلبي طموحه في أن يكون مؤرخا، وهنا خطرت في باله فكرة راح يقلبها في ذهنه أياما وليالي، لم لا يتخرج في التاريخ بأكبر مؤرخي دمشق الحافظ ابن عساكر؟ ألم يتلق سائر علومه عن كبار شيوخها، فلم لا يكون تلميذا لهذا المؤرخ الكبير؟ ولئن فاته زمنه عن إدراكه إن كتابه بين يديه،
стр. 79
وهو أكبر كتاب وضع في هذا الفن على طريقة المحدثين، هذه الطريقة التي يأنس إليها، وقد غدا كتابه بحق تاريخ الإسلام، فلم لا يلخصه، ويهذبه، ويزيده فوائد مما تجمع لديه؟ فمن خلال عمله هذا سيطلع على تاريخ الإسلام اطلاعا شاملا، وسينقاد قلمه للكتابة فيه.
وحين استوت لديه هذه الفكرة انقطع إليها، وراح يقضي سحابة نهاره في المدرسة العادلية الكبرى مع «تاريخ دمشق» في مجلداته الثمانين، قارئا وملخصا، ومؤلفا في آن (١).
ولعله عين في نحو هذه الفترة إماما للصلاة في محراب العادلية (٢).
وأحيانا كان يختلس بعض ساعاته يقضيها في ملازمة شيوخه، ومنهم تقي الدين ابن الصلاح، الذي تصدر في منتصف شعبان سنة (٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م) للتدريس في مدرسته الجديدة التي بنيت له، وهي دار الحديث الأشرفية (٣).
وفي نحو هذه الفترة شعر بحاجته إلى سكن يأوي إليه، فكان زواجه الأول الذي رزق منه بمولودة في (٢٣) شوال سنة (٦٣١ هـ/ ١٢٣٤ م) سماها أم الحسن فاطمة، ويبدو أن مزاجه في ذلك اليوم لم يكن رائقا، فقد سجل في تاريخه يوم ولادتها بعبارة صماء لا ترشح منها مشاعر الأبوة، بله الغبطة، ولا يكاد يستشف منها صلة النسب، فقد كتب: «وفيها ولدت أم الحسن فاطمة بنت عبد الرحمن بن
стр. 80
إسماعيل في الثالث والعشرين من شوال، جعلها الله ذرية مباركة (١). ولولا هذا الدعاء لما عرف القارئ أن أبا شامة إنما يتحدث عن ولادة ابنته! … فلم هذا الجفاء؟ سؤال يتركنا فيه أبو شامة حيارى، غير أنني أنزهه وهو الفقيه - أن يكون مبعثه أنه رزق بأنثى.
ويبوح لنا أبو شامة بمرضه الذي ألم به في شعبان سنة (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م) هذا المرض الذي حال بينه وبين حضور جنازة شيخه تقي الدين ابن باسوية، وكان شيخا مشهورا بالقراءات، وقد كان أجاز لأبي شامة رواية جميع ما يرويه (٢). وفي أوائل شوال سنة (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م) قدم دمشق فيمن يقدمها لطلب العلم شاب من إربل في الرابعة والعشرين من عمره، هو أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، ويلتقيه أبو شامة في حلقة شيخه ابن الصلاح في دار الحديث الأشرفية على مدار عام كامل قضاه ابن خلكان في دمشق ملازما لابن الصلاح (٣)، فأي أثر تركه هذا اللقاء في نفسيهما؟ وهل سيذكرانه في أيامهما القادمة حين يجتمعان معا بعد نحو ربع قرن (٤)؟
وبعد نحو ثلاث سنين من ولادة ابنته فاطمة يرزق في (٢٥) ذي القعدة سنة (٦٣٤ هـ/ ١٢٣٧ م) بمولوده الثاني، وربما فاجأه مخاض امرأته في الساعة الأولى من ذلك اليوم، وضاق الوقت عن استدعاء قابلة له، وقد كاد الوليد يخرج من بطنها، فأسرع أبو شامة إلى تلقيه بيديه، فكان هو قابله (٥).
стр. 81
وفي فرح لم يستطع إخفاءه يكتب في تاريخه في حوادث تلك السنة: «وفيها في الساعة الأولى من يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وست مئة، ولد لي مولود ذكر سميته محمدا، وكنيته أبا الحرم، جعله الله مباركا وذرية طيبة» (١).
وقدر لابنه محمد أن يعيش يتيم الأم، فهل ماتت أمه بعد ولادته بقليل (٢)؟ ..
وبينما كان أبو شامة يعيش أفراحه في تلك الأيام بولادة ابنه محمد، وقد انهمك في تأليف كتابه «المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ » (٣) كان الأشرف موسى بن العادل سلطان دمشق يرقد في قلعتها، وهو يعاني آلام مرضه، وقد أشفى منه على الموت (٤)، وزاده ألما ما بلغه من طمع أخيه الكامل في دمشق (٥)، وبخاصة أن الأشرف لم يكن له ولد يخلفه، فجعل أخاه الصالح إسماعيل بن العادل وليا لعهده (٦)، ولم ينل ذلك رضا الكامل، وهو كبير البيت الأيوبي، فوقعت الوحشة بين الأخوين، وأسفرت عن نفسها بطلب الأشرف من جيشه الاستعداد لمهاجمة مصر، وخيم عسكره في الكسوة جنوبي دمشق إيذانا بذلك (٧).
стр. 82
وحاول الشيخ عز الدين بن عبد السلام أن يثني الأشرف عن عزمه، فصعد إلى قلعة دمشق لعيادته، مذكرا إياه بالخطر القادم من الشرق، حيث التتار يجتاحون كالعاصفة المدن الإسلامية، ناشرين الخراب والموت أينما حلوا، طالبا إليه أن ينقل عسكره إلى جهة التتار، فإن من الله عليه بالعافية قاتلهم، وإن قضى في مرضه أثابه الله على نيته في جهادهم.
واستجاب الأشرف له، وأمر في الحال - والشيخ حاضر - بنقل معسكره إلى الشرق، إلى منزلة يقال لها القصير. ثم قال للشيخ: زدني من نصائحك ووصاياك. فقال له الشيخ عز الدين: السلطان في مثل هذا المرض، وهو على خطر، ونوابه يبيحون فروج النساء، ويدمنون الخمور، ويرتكبون الفجور، ويتنوعون في تمكيس المسلمين، ومن أفضل ما تلقى الله به أن تتقدم بإبطال هذه القاذورات، وإبطال كل مكس، ورفع كل مظلمة.
وكذلك استجاب الأشرف له، وودع الشيخ السلطان المريض، ونزل من قلعة دمشق، وقد شاع في البلد ما جرى بينهما، وباشر الشيخ بنفسه تبطيل بعض المنكرات، إلا أن الصالح إسماعيل بن العادل لم يرق ذلك له، فوقف دون إمضاء الأمر إلى نهايته (١).
ويموت الأشرف في أول نهار يوم الخميس رابع محرم سنة (٢) (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٧ م) ويلي دمشق بعده أخوه الصالح إسماعيل بعهد منه (٣).
* * *
ويأتي الكامل من مصر بعساكره في أواخر شهر ربيع الآخر سنة (٤) (٦٣٥ هـ/
стр. 83
١٢٣٧ م)، وينزل قرب دمشق عند مشهد القدم، وتحدق عساكره بها، ويقطع المياه عنها، ويشدد حصارها، فترتفع الأسعار، ويستعد الصالح إسماعيل للدفاع عن نفسه، فينصب المجانيق على أبواب دمشق، وكيلا يدع لجيش الكامل موطئ قدم قرب أسوارها أمر بتخريب ما حول السور من دور ومساكن وطواحين، وترمي مجانيقه بصخورها الصم على أهل دمشق خارج السور، فتخرب العقيبة والطواحين خرابا شنيعا، وتحرق قصر حجاج والشاغور، ويتفنن الصالح إسماعيل بالعيث في التخريب، ومصادرة الناس، وكأنه يرى أن لا بقاء له بدمشق إلا بإحراقها، فذاقت دمشق على يديه من الموت والخراب ما لم تذقه من الجيش المهاجم، وأصبح سكان تلك الأماكن مشردين على الطرقات يستجدون، وبعضهم آثر الموت في داره (١).
وحين ألقيت للصالح إسماعيل بعلبك وبصرى عوضا عن دمشق، كف عن التخريب (٢)، وعقد الصلح مع أخيه الكامل في يوم الأربعاء الفاتح من جمادى الأولى سنة (٣) (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٧ م).
وعاش أبو شامة مرارة تلك الأيام، وهو لم ينس بعد ما حل بدمشق من دمار قبل تسع سنين، ولم يطاوعه قلمه أن يصف ما حل بها الآن من خراب، فما أشبه الليلة بالبارحة، فاكتفى في تاريخه بقوله: «فجرى نحو من الحصار المتقدم سنة (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م) إلا أن هذا الحصار كان أكثر خرابا في ظاهر البلد، وحريقا ومصادرة» (٤).
وسقطت دمشق مرة أخرى جريحة بأيدي سلاطينها، ويلتقي أعداء الأمس
стр. 84
القريب، وقد ساد فيهم وفاق الأصدقاء، وكأن دماء لم تسفك ودورا لم تخرب، ويحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى قلعة دمشق، مسلما على السلطان الكامل، فيكرمه الكامل غاية الإكرام، ويجلسه إلى جانبه، وكان أخوه الصالح إسماعيل يقف خلفه، ويسأل الكامل الشيخ عز الدين، وهو يشير إلى الصالح: إن هذا له غرام برمي البندق (١)، فهل يجوز ذلك؟ ويجيب الشيخ عز الدين بهدوء: بل يحرم عليه، فإن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: «إنه يفقأ العين ويكسر العظم» (٢).
وربما تساءل الشيخ عز الدين في سره: رمي البندق يحرم، ولكن هل يحل رمي المجانيق، وحرق الناس في دورهم؟ ويبدو أن الشيخ عز الدين آثر الصمت في هذه المرة، وربما كان يتمزق من الغيظ، وهو يلقي درسه الأول في الزاوية الغربية من جامع دمشق بعد أيام من لقائه مع الكامل (٣).
* * *
стр. 85
بيد أن الكامل لم يمتع في انتصاره، إذ لم يمض على استيلائه على دمشق سوى شهرين ونصف تقريبا، حتى وقع فريسة مرض شديد أدى إلى وفاته في أول ليلة الخميس (٢٢) رجب سنة (١) (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م) وحيدا في غرفة صغيرة بدار العقيقي، لم يؤنس وحشة ساعته تلك أحد من أمرائه، وحاشيته لشدة هيبته، ولم يعلموا بموته إلا حين دخلوا عليه، فلم يحزن عليه أحد (٢).
وسارع الأمراء، وابنا شيخ الشيوخ: عماد الدين وفخر الدين إلى الاجتماع، كي يتشاوروا فيمن يخلف الكامل في دمشق، وانفض اجتماعهم دون أن يصلوا فيه إلى قرار.
وتفاءل أهل دمشق بقرب رجوع ملكهم الناصر داود بن المعظم عيسى حاكما عليهم، وكان الناصر في دار سامة الجيلي، فأرسل إليه أمير أبيه عز الدين أيبك ناصحا له بالمسارعة في كسب ولاء أمراء أبيه المعظم، قائلا له: أخرج المال، وفرقه في مماليك أيبك، والعوام معك وتملك البلد، ويبقى أمراء الكامل في القلعة محصورين. إلا أن الناصر داود أبطأ في فهم الرسالة.
وما إن أطل صباح يوم الجمعة حتى أعلن أمراء الكامل وفاته، واجتمعوا ثانية في القلعة، وتداولوا فيما بينهم، وكانت الآراء تحوم حول الناصر داود والجواد يونس بن مودود بن العادل، وكان عماد الدين بن شيخ الشيوخ يكره الناصر داود لما كان يظهره الناصر من الاستخفاف به في مجالس الكامل، وكان أخوه فخر الدين بن شيخ الشيوخ يميل إليه، غير أن كفة عماد الدين كانت الأرجح في ميزان الآراء، فتم الاتفاق على الجواد يونس.
وأرسل أمراء الناصر داود الموالون له يخوفونه المقام بدمشق، قائلين له: قم واخرج، أيش قعودك في بلد القوم؟ فركب الناصر داود من باب دار سامة، واتجه نحو القلعة، فظن أهل دمشق أنه طالع إليها، وقد تم له الأمر، فلما رأوه ينحرف
стр. 86
معرجا على باب الفرج، صاحوا: لا .. لا .. وانقلبت دمشق، وخرج الناصر داود من باب الفرج نحو القابون، وسارع أمراء الجواد إلى ضرب الناس بالدبابيس، فأنكوا فيهم، فهربوا.
وفتح الجواد الخزائن، وفرق الأموال، وخلع الخلع، وتأليفا لقلوب أهل دمشق أبطل المكوس، ونفى الخواطئ.
وأقام الناصر داود بالقابون أياما، ثم أرسل إليه الأمراء أن القوم يأتمرون بك، فسار في الليل إلى عجلون (١).
هكذا استقر الأمر بعد الكامل، فقد ولي ابنه العادل بن الكامل الديار المصرية ودمشق، والجواد يونس بن مودود نائبه فيها، وولي ابنه الأكبر الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل الجزيرة وديار بكر وربيعة (٢).
* * *
стр. 87
الصراع على دمشق وأبو شامة أحد عدولها
لم يمض على ولاية الجواد يونس دمشق سوى ثلاثة أشهر ونصف حتى توفي قاضي قضاتها شمس الدين يحيى بن هبة الله المعروف بابن سني الدولة في خامس ذي القعدة سنة (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م) وولي القضاء بعده بيومين شمس الدين أحمد بن خليل الخويي (١)، وسكن في المدرسة العادلية الكبرى، على عادة القضاة في ذلك الزمن، وكان لطيفا، متواضعا، عفيفا، كثير المداراة، محببا إلى الناس (٢)، وكان على تمكنه في الأمور الشرعية فصيح اللسان، بليغ البيان (٣)، وقد عرف الخويي لأبي شامة قدره، وقد جمعت بينهما المدرسة العادلية، فحين عدل جماعة من أهل دمشق، كان أبو شامة واحدا منهم (٤)، وفي هذا دلالة على ما عرف عن أبي شامة من نزاهة وصدق، وقد كان المعدل يحضر مجلس الحكم عند قاضي القضاة (٥).
стр. 88
ولم تكن دمشق في تلك الأيام قد استتب أمرها لواليها الجديد، الذي أظهر ميله إلى الاستقلال عن مصر، مما أغضب العادل الثاني بن الكامل، فاستدعى أولاد شيخ الشيوخ الأربعة: فخر الدين، وعماد الدين، ومعين الدين، وكمال الدين، وقال لهم معاتبا: أنتم ضيعتم علي ملك دمشق، فإن أبي الكامل فتحها، وهو مالكها، فسلمتم دمشق وخزائن أبي إلى الجواد، فتغلب على دمشق، وضيع الخزائن، وما أعرف عود دمشق إلي، وانتزاعها من يد الجواد إلا منكم.
وعرف عماد الدين أن العادل يعنيه، لأنه هو الذي مال إلى الجواد وعينه، فضمن للعادل رجوع دمشق إليه.
وعاد عماد الدين من القاهرة إلى دمشق، ولما وصل التقاه الجواد، وأنزله في القلعة تكريما له، واطمئنانا إليه، فطالبه عماد الدين بتسليم دمشق إلى العادل، مهددا إياه بمجيء العساكر المصرية إليه واعتقاله إن أبي، أما إن قبل فسيعطيه العادل إقطاعا جيدا بالديار المصرية، ويحسن إليه.
فراوغ الجواد في الجواب، وراح يدبر مساومة تكون أرجح في ميزان الربح، فهو يعلم حقا أن لا طاقة له بقتال العادل، ولذلك إن سلم له دمشق فلن يعطيه إلا إقطاعا صغيرا بالديار المصرية لن يرضي طموحه بعد أن ذاق لذة الملك، ويعلم أن الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل غير راض عما آل إليه من ملك أبيه، وأنه يمد عينيه إلى القاهرة، فماذا لو عرض عليه دمشق نكاية بالعادل، على أن يعوضه عنها سنجار والرقة وعانة؟ وحين استوى له هذا الرأي سارع بإرسال خطيب جامع دمشق كمال الدين بن طلحة (١) إلى الصالح أيوب يعرض عليه دمشق، فما كان من الصالح أيوب إلا أن أجابه على الفور، فقد أتاه الفرج من حيث لا يحتسب، وحلف لابن عمه الجواد على العوض المذكور (٢).
стр. 89
وما إن تم الاتفاق بينهما حتى سار الصالح أيوب نحو دمشق، والفرح يستخفه، ولما علم الجواد بقربه خاف من عماد الدين أن يفسد عليه أمره، فدس إليه من قتله (١).
ووصل الصالح أيوب إلى دمشق في مستهل جمادى الآخرة سنة (٦٣٦ هـ/ ١٢٣٩ م)، وزين البلد لقدومه، وخرج الجواد لاستقباله، ودخل الصالح أيوب قلعة دمشق إيذانا بتملكها، وانتقل الجواد منها إلى دار السعادة عند باب النصر (٢).
وقدم إليه عمه الصالح إسماعيل من بعلبك مهنئا ومبايعا، فاطمأن إليه الصالح أيوب، وتحالفا وتعاهدا أن يسيرا معا إلى مصر لإزاحة العادل عنها، ثم رجع الصالح إسماعيل إلى بعلبك ليهيئ أسباب ذلك (٣).
وانزعج العادل في مصر، وأمه وخواصه من قدوم الصالح إلى دمشق، وعلموا أنه لا بد قاصدهم لما يتحققونه من ميل عسكر مصر إليه، لأنه أكبر من العادل، وأحسن سيرة منه، وأعظم هيبة، وأجدر بالقيام بأعباء الملك، وخافوا منه خوفا شديدا (٤).
وبدأت ترد إلى الصالح أيوب كتب بعض أمراء المصريين، يحثونه فيها على القدوم إلى الديار المصرية، ويعلمونه أنه متى دخل سيناء انضمت العساكر كلها إليه (٥).
فخرج الصالح أيوب من دمشق في (٢) رمضان سنة (٦٣٦ هـ/ ١٢٣٩ م) مطمئنا إلى تحالفه مع عمه الصالح إسماعيل، فلم يخلف في دمشق حامية تدافع عنها في غيابه، وأقام في نابلس ينتظر وصول عمه حسب الاتفاق (٦).
стр. 90
بيد أن الصالح إسماعيل كان في بعلبك يحيك الدسائس بغية الاستيلاء على دمشق أثناء غياب الصالح أيوب عنها، فعقد تحالفا مع صاحب حمص الملك المجاهد، وأرسل ابنه إلى معسكر الصالح أيوب تمويها وإظهارا للولاء (١).
أما في دمشق، فكان متولي ديوانها نجم الدين بن سلام (٢) يفرق الأموال في داره، ويكسب ولاء أمرائها، تمهيدا للصالح إسماعيل في تملكها، ولم يكن أحد يجرؤ على إخبار الصالح أيوب بما يجري هيبة منه (٣).
فلما تمهد للصالح إسماعيل أمر دمشق، رحل عن بعلبك بعساكره، وقصدها من عقبة دمر، وكذلك رحل عن حمص المجاهد في عسكره، وقصدها من جهة ثنية العقاب، وذلك في شهر صفر سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) فاجتمعا على دمشق، ولم يشعر الناس بهما إلا وهما على أبوابها بكرة النهار، في جمع عظيم من الخيالة والرجالة، وليس في دمشق من يمنع عنها، فتسلق جماعة من أصحاب الصالح إسماعيل من خان ابن المقدم الذي يلي باب الفراديس، ونزلوا منه، وكسروا قفل باب الفراديس، وساعدهم على ذلك جماعة ممن استمالهم نجم الدين بن سلام، فدخل الصالح إسماعيل والملك المجاهد دمشق يوم الثلاثاء (٢٧) صفر سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م)، وطيب الصالح إسماعيل قلوب أهل دمشق، قائلا لهم: ادعوا للسلطان العادل، فأنا نائبه وغلامه (٤).
ومضى إلى داره بدرب الشعارين، فنزلها، وكان نجم الدين بن سلام أول
стр. 91
الداخلين عليه، فرقص بين يديه، وهنأه، وقال له: إلى بيتك جئت (١). ونزل الملك المجاهد في داره قرب جامع دمشق (٢).
وفي الغد زحف الصالح إسماعيل والملك المجاهد إلى القلعة، حيث امتنع فيها الملك المغيث بن الصالح أيوب مع جماعة قليلة، فخربت بذلك دار الحديث الأشرفية، وغيرها من الدور والحوانيت تحت القلعة، واضطر الملك المغيث إلى تسليمها للصالح إسماعيل بالأمان، فاعتقل في برج من أبراجها (٣).
وكان الصالح أيوب لما بلغه عزم الصالح إسماعيل والملك المجاهد على قصد دمشق، وانتزاعها منه، أرسل إليها أستاذ داره الأمير حسام الدين بن أبي علي لحفظها، فوصل إليها وقد دخلاها، فرجع إلى الصالح أيوب، وشاع بين جنده خبر سقوطها، ففسدت نياتهم، وعلموا أن لا مقام لهم معه وقد صارت البلاد لغيره، وبخاصة أن أولادهم وأهاليهم في دمشق، ففارقه بعض أمرائه إليها، ولم يبق معه من مماليكه السبعين غير خمسة أو ستة منهم، وألفى الصالح أيوب نفسه في العراء، بلا ملجأ ولا وزر يحميه، وقد تلاشى أمره، فخف إليه ابن عمه الناصر داود، فقبض عليه، وسجنه بقلعة الكرك (٤).
وتقربا إلى الرعية ولى الصالح إسماعيل الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطابة جامع دمشق في العشر الآخر من ربيع الآخر سنة (٥) (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) بعد أن عزل خطيبه كمال الدين بن طلحة (٦)، ولربما طمع في أن يلجم لسانه بثقل هذا المنصب
стр. 92
الخطير، ولم يكتم أبو شامة فرحه بهذا التعيين، وقد رأى فيه إنصافا لصاحبه، فكتب في تاريخه: «تولى الخطابة بدمشق أحق الناس بالإمامة الشيخ عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي، مفتي الشام يومئذ، ناصر السنة، قامع البدعة» (١).
* * *
في تلك الأثناء كانت الهدنة التي عقدها الكامل مع الإمبراطور فريدريك الثاني قد انتهى أجلها في الفاتح من محرم سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) وكانت أوربة قد استعدت قبل ذلك لإرسال حملة صليبية إلى الشرق، وقد وصلت الحملة إلى عكا في آخر محرم (٢)، وعلى رأسها تيبالد كونت شامبانيا، وملك نافار مع جيش من ألف فارس (٣)، وقد اختلفت الآراء حول الجهة التي ستقصدها الحملة، أتتجه نحو مصر حيث سلطانها العادل الثاني يعاني من ميل عسكره إلى أخيه الصالح أيوب؟ أم تتجه إلى دمشق حيث تعاني من اضطرابها وضعفها؟ وأخيرا قرر تيبالد أن يهاجم المعقلين المصريين في عسقلان وغزة، ثم يتوجه إلى دمشق بعد أن يكون قد أمن حدودها الجنوبية (٤).
وخرجت الحملة من عكا في ربيع الأول سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) إلى غزة، حيث منيت هناك بهزيمة مفاجئة، انكفأ تيبالد على إثرها مع فلول جيشه نحو طرابلس (٥).
وانتهز الناصر داود صاحب الكرك هذه الهزيمة، وتوجه بعساكره ومن معه من
стр. 93
أمراء الصالح أيوب نحو بيت المقدس، وكان الصليبيون قد بنوا فيها قلعة تضم برج داود، مخالفين في ذلك شروط صلحهم مع الكامل، فهاجم القلعة، ونصب عليها المجانيق، حتى تم له فتحها في يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) بعد حصار دام نحو واحد وعشرين يوما، وجلا عنها الصليبيون، فدمر الناصر داود القلعة وبرج داود، والاستحكامات التي أقاموها، ثم رجع إلى الكرك، تاركا القدس بيد الصليبيين على ما شرط لهم الكامل، مجردة من أسباب الدفاع عنها (١).
وقد حلا لبعض المؤرخين أن يصور ما قام به الناصر داود على أنه فتح لبيت المقدس، حتى إن بعض الشعراء بالغ فشبهه بفتح صلاح الدين لها (٢)! ..
* * *
لربما لم يبال أبو شامة بعودة الصالح إسماعيل إلى حكم دمشق من جديد، فما دامت ثمرة الملك عند الأمراء هي الاستمتاع بالملاذ والراحات، فكلهم سواء، ولربما رضي بعض الرضا، وهو يرى صاحبه الشيخ عز الدين بن عبد السلام يعتلي كل جمعة منبر جامع دمشق، ناصحا للأمة، ومشفقا عليها، ومبينا لها طريق نجاتها. ولربما أنس بعض الأنس وهو في إيوان العادلية، صارفا جل وقته في إنجاز مؤلفاته، مستغرقا في تهذيبه تاريخ دمشق لابن عساكر واختصاره، وقد شارف على الانتهاء منه، مستمتعا بما يضيفه إلى بعض تراجمه وأخباره مما اقتنصه من فوائد، وما قيده من شوارد (٣)، ولربما زاده رضا إلى رضاه صحبته لقاضي قضاة دمشق شمس الدين أحمد بن الخليل بن سعادة الخويي، وقد وجد في ملازمته له بمجالس الحكم، وفي سكناه بالعادلية لطفا وورعا، فقد كان ملازما الصلاة
стр. 94
والصيام وقراءة القرآن، وكان في درسه فصيحا، حسن العبارة، وفي قضائه متحريا للعدل، مداريا للناس، متحببا إليهم، لقد كان حقا كريم النفس، محبا للخير (١)، وقد أعجب أبو شامة بكتابه في العروض أي إعجاب، وقد وقف على نسخة منه بخط القاضي، فمدحه أبو شامة ببيتين، يعترف فيهما ببراعته في هذا الفن:
أحمد بن الخليل أرشده الله لما … أرشد الخليل بن أحمد
ذاك مستخرج العروض وهذا … مظهر السر منه والعود أحمد (٢)
غير أن السعادة التي كان أبو شامة يتفيأ ظلها في العادلية سرعان ما تقلص بوفاة هذا القاضي، وذلك ظهر يوم السبت (٧) شعبان سنة (٣) (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) وهو في نحو الخامسة والخمسين من عمره، وتولى القضاء بعده رفيع الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل الجيلي (٤)، وتستقبل العادلية ساكنها الجديد، وينقلب فيها كل شيء.
* * *
стр. 95
السنوات العجاف
كان رفيع الدين الجيلي فقيها في المدرسة العذراوية داخل باب النصر، وكان على ذكاء ودراية بعلم الطب وعلوم الأوائل، وقد تميز بهما، وله مجلس للمشتغلين عليه فيهما، وكان فصيح اللسان، شغوفا بالمطالعة (١). غير أنه بقي في دمشق خاملا، لم ينبه ذكره، فتركها، وانتقل إلى بعلبك أيام حكم الصالح إسماعيل لها، وهناك انعقدت أواصر الصحبة بينه وبين وزيرها أمين الدولة أبي الحسن بن غزال المسلماني - وكان يهوديا، وأسلم في صباه (٢) - وهو على معرفة كذلك بعلم الطب، فولى رفيع الدين قضاء بعلبك (٣).
فلما استولى الصالح إسماعيل على دمشق، فوض أمور مملكته لوزيره أمين الدولة (٤)، وولى رفيع الدين المدرسة الشامية البرانية، وهي من كبريات المدارس في ذلك الوقت (٥). وكان أن اتفقت وفاة القاضي شمس الدين الخويي،
стр. 96
فأشار أمين الدولة على الصالح إسماعيل بتولية رفيع الدين قاضيا للقضاة (١)، وهكذا ارتفعت منزلة رفيع الدين في دمشق بعد خمول.
وكان أمين الدولة قد وضع خبرته وذكاءه وحنكته السياسية في خدمة سيده الصالح إسماعيل، وكان الصالح إسماعيل لا يرضيه مثل المال، وقد مد عينيه إلى أموال رعيته لا يحجزه عنها حاجز، وفي سبيل إشباع نهمه اشتد أمين الدولة بمصادرة أملاك أهل دمشق، ووجد في القاضي رفيع الدين خير معوان على هذه المهمة، فاتخذه أداة في ذلك (٢).
وأظهر رفيع الدين حرصا على امتلاك المال لا يقل عن حرص صاحبيه، ومن ثم شهدت دمشق في تلك الفترة حملة منظمة لإفقار أهلها، وتوسل رفيع الدين في سبيل ذلك بفنون من المكر والخديعة، فقد اتخذ شهود زور ووكلاء، فكان يستدعي إلى مجلس قضائه الرجل الثري، فيثبت عليه مدع ألف دينار، ويحضر شهود الزور، فيشهدون عليه بذلك، فيسقط في يد الرجل، ويتحير، وهنا يظهر رفيع الدين بمظهر القاضي النصوح الشفوق، فيقول للثري المتحير: صالح غريمك. فيجدها الرجل فرصة للخلاص من السجن، فيصالح على النصف، وهو لا يكاد يصدق أنه قد نجا حقا من هذه المحنة (٣).
حتى مال الأيتام لم يكن بنجوة من جشع هذا القاضي، فقد كتب إلى نوابه القضاة بإحضار ما تحت أيديهم من أموال اليتامى (٤).
وكان لا يحكم بين الناس إلا بمال يأخذه جهرا من الخصمين، ولم يكتف
стр. 97
بذلك، بل أراد أن ينتشر الفسق والفجور في دمشق، فسمح بالاختلاط في جامع دمشق أيام المناسبات بين الرجال والنساء، قائلا: ما هو أعظم من الحرمين! فغص الجامع بالرجال والنساء، وخاصة في ليلة النصف من شعبان (١).
وفاض قلب أبي شامة بالغم من هذا الساكن البغيض، فتوقف عن الكتابة في تاريخه، إذ افتقد المكان الآمن الذي كان يدون فيه بهدوء وقائع عصره، ودليلنا على ذلك سياق الأحداث، والأسلوب الذي كتب به من بعد حين استدرك في تاريخه أخبار هذه السنين العجاف.
* * *
لبث الصالح أيوب في السجن بضع شهور حتى قرر الناصر داود الإفراج عنه في أواخر رمضان سنة (٢) (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) طمعا في أن يساعده الصالح أيوب حين يغدو سلطان مصر على استرداد أملاك أبيه المعظم، وبخاصة دمشق، ومن ثم أمر الناصر داود بقطع الخطبة للعادل، وخطب للصالح أيوب، واتفقا على قصد الديار المصرية، وتسامع أصحاب الصالح أيوب بهذا الخبر، فراحوا يتقاطرون إليه من كل ناحية (٣).
في تلك الأثناء قبض أمراء مصر على العادل، وأرسلوا يستحثون الصالح أيوب على القدوم إليهم (٤).
فخرج الصالح أيوب ومعه الناصر داود إلى مصر، فوصل إليها، وقبض على أخيه العادل ليلة الجمعة ثامن ذي القعدة سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) ثم دخل بعساكره القاهرة (٥).
стр. 98
وأسقط في يد الصالح إسماعيل في دمشق، وخاف أشد الخوف من الصالح أيوب، لما كان أسلفه في حقه من أخذ دمشق منه بعد أن صالحه، وحلف له وتوثق منه، ولما كان من اعتقاله لولده الملك المغيث، وخوفا من أن يبغته الصالح أيوب والناصر داود في مهاجمته، ألقى بنفسه في أحضان الصليبيين متحالفا معهم، وقد تم له ذلك في ذي الحجة سنة (١) (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) واتفق معهم على أن يعضدوه على الصالح أيوب لقاء تسليمه لهم حصن شقيف أرنون، وصفد، وهما حصنان كبيران (٢).
وارتاع المسلمون لهذا الاتفاق، وأنكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطيب جامع دمشق هذا التحالف غاية الإنكار، وأطلق لسانه في الصالح إسماعيل، وساعده في ذلك شيخ المالكية أبو عمرو بن الحاجب، فأكثرا من التشنيع عليه فيما فعل (٣).
وصار الصليبيون إثر هذا الاتفاق يدخلون دمشق، ويبايعون أهلها، وكان أكثر ما يشترون منهم السلاح، وقد اشتهرت دمشق بصناعته، وبخاصة السيوف الدمشقية، فأصدر الشيخ عز الدين فتوى بتحريم بيعهم السلاح، وجدد إنكاره على الصالح إسماعيل، وزيادة في الإنكار عليه ترك الدعاء له في خطبة الجمعة، فصار يدعو إذا فرغ من الخطبتين، قبل نزوله: اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك.
وكأن في ترك الخطبة للسلطان دعوى لعزله، فخاف الصالح إسماعيل من مغبة ذلك، فعزل الشيخ عز الدين عن خطابة الجامع، والتدريس بالزاوية الغربية فيه، وسجنه مع الشيخ أبي عمرو بن الحاجب في قلعة دمشق (٤).
стр. 99
ويرقب أبو شامة هذه الأحداث، ويتألم منها كما تألم شيخاه، غير أنه أثر ألا يجهر بإنكاره، فعلى بعد خطوات منه في المدرسة العادلية كان يقبع القاضي رفيع الدين الجيلي، يد الصالح إسماعيل التي يبطش بها، فلم يجد إلا أوراقه يبثها ألمه، فكتب في تاريخه في حوادث سنة (٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م): «وفيها سلم حصن شقيف أرنون إلى الفرنج - خذلهم الله تعالى - سلطان دمشق، وأنكر ذلك عليه شيخا الشافعية والمالكية بدمشق ابن عبد السلام وأبو عمرو، فعزل ابن عبد السلام عن خطابة دمشق بذلك السبب، وسجنا بقلعة دمشق، وتولى الخطابة بجامع دمشق والتدريس بالزاوية الغربية خطيب بيت الأبار عماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي الشافعي» (١).
ويتوفى والده إسماعيل، فيلجمه الغم عن الكتابة فيه إلا بضع كلمات، يقول فيها: «في ثالث عشر ربيع الأول توفي والدي ﵀، ودفن على أبيه بباب الفراديس» (٢).
ويتوفى فيها كذلك علم التصوف الشيخ محيي الدين بن عربي، فيقتضب الحديث عنه بكلمات تدل على عدم صلته به، ولا تحمل في طياتها مدحا ولا ذما، ولا إعجابا ولا نفورا، فهل آثر أن يتريث في أمره، وبخاصة أنه كان على علاقة مع ابنه سعد الدين محمد (٣)؟ فقد كتب فيه: «وفي الثاني والعشرين من ربيع الآخر توفي بدمشق المحيي بن العربي، واسمه محمد بن علي بن محمد بن العربي، أبو عبد الله الطائي الحاتمي، قرأته من خطه، ودفن بمقبرة القاضي محيي الدين بجبل قاسيون، حضرت الصلاة عليه بجامع دمشق يوم الجمعة، وشيعته إلى الميدان بسوق الغنم، وكانت له جنازة حسنة، وله تصانيف كثيرة، وكانت عليه سهلة، وله
стр. 100
شعر حسن، وكلام طويل على طريق التصوف وغيره، وهو من بلاد الأندلس، طاف في البلاد شرقا وغربا، وأقام بمكة مدة» (١).
فهل كان يكتب هذه الكلمات، وليس بعيدا عن مسامعه قول صاحبه فيه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، سجين قلعة دمشق آنذاك (٢)؟
وقد بقي الشيخ عز الدين في القلعة حتى آخر سنة (٦٣٨ هـ/ ١٢٤١ م) حيث أخرج منها مع الشيخ أبي عمرو بن الحاجب، فمضى ابن الحاجب إلى الكرك، فأقام فيها عند الناصر داود (٣)، أما الشيخ عز الدين، فمضى إلى مصر، حيث وصل إليها في أول سنة (٤) (٦٣٩ هـ/ ١٢٤٠ م) فتلقاه الصالح أيوب بالإكرام والتعظيم والاحترام لمنزلته في العلم، ولما صدر عنه من التشنيع على خصمه اللدود الصالح إسماعيل (٥).
* * *
стр. 101
الأمل في الخلاص وشروع أبي شامة في «كتاب الروضتين»
وخلت دمشق من شيخيها الجليلين، وعلتها الكآبة، وأصابها الجفاف، فأمسكت السماء، وغارت الآبار، ونقصت الأنهار، وهلكت الزروع والثمار (١)، وزاد الجو قتامة بما كان الناس يتشاكون فيه من ظلم القاضي رفيع الدين (٢).
ولربما تساءل أبو شامة في نفثة غضب: أما لهذا الليل من فجر؟ وكان في تهذيبه تاريخ دمشق لابن عساكر قد قرأ فيه ترجمة الملك العادل نور الدين، فأطربه حقا ما رأى من آثاره، وسمع من أخباره، مع تأخر زمانه، وتغير خلانه، ثم وقف على سيرة سيد الملوك بعده، الملك الناصر صلاح الدين (٣)، فأحس، وهو المفجوع بعصره، أنهما في المتأخرين كالعمرين ﵄ في المتقدمين، عدلا وجهادا، فخطرت في باله فكرة: لم لا ينشئ كتابا في التأريخ لدولتيهما، يتضمن التقريظ لهما، والتعريف، فلعله يقف عليه من الملوك من يسلك في ولايته ذلك السلوك (٤).
стр. 102
ولاحت له دولتا نور الدين وصلاح الدين روضتين في صحراء عصره المترامية، فهل تهوي إليهما قلوب ملوك عصره، فيحاولون التشبه بهما؟ إنه لن يكتب لهم عن العمرين، فقد بعد زمانهما، ويشعرون بالعجز عن التشبه بهما، أما نور الدين وصلاح الدين، فهما من بعض ملوك دهرهم، ولن يعجزوا عن التشبه بهما (١).
وعكف أبو شامة على مصادره يجمعها، وعلى وثائقه يرتبها، وعلى الأخبار يستخرجها، استعدادا لإنشاء «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية».
وريثما يتم له ذلك، ضمت يداه طفله محمدا ذا السنوات الأربع، فرأى فيه الأمل الذي يضيء حلكة تلك الأيام، فراح يبدد وحشتها بالسعي في إسماعه من مسندي عصره، وتحصيل الإجازات له، عساه أن يعوض في ابنه ما فاته وهو صغير (٢)، ولم ينس أحيانا أن يصحب معه إلى مجالس السماع ابنته فاطمة (٣).
* * *
ولعل البدر المعلم أول شيخ سعى إليه أبو شامة مصطحبا ابنه محمد ليسمعه عليه، وقد كان البدر معلما في مكتب جاروخ جوار المدرسة العادلية الكبرى، وكان يروي الثمانين للآجري عن الحافظ أبي طاهر السلفي سماعا، فقرأها أبو شامة، وسمعها الابن على الشيخ بقراءة أبيه (٤).
وتحصيلا للأسانيد العالية سعى أبو شامة بابنه إلى مجالس سماع المسندين، فأسمعه من الشيخ أبي الطاهر إسماعيل بن ظفر بن أحمد النابلسي بجبل قاسيون، وكان متفردا بطريقين: عن اللبان عن أبي علي الحداد، وعن أبي سعيد الصفار عن الفراوي (٥).
стр. 103
وأسمعه كذلك من الشيخ المسند تاج الدين أبي الحسن محمد بن أبي جعفر إمام الكلاسة، وكان مسند وقته، ذا سماعات جمة صحيحة، وأصول جليلة (١).
وأسمعه من الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عثمان بن أبي طاهر الإربلي، إمام دار الحديث النورية، وكان شيخا حسنا، مسندا، أسمعه عليه كثيرا من الكتب والأجزاء (٢).
وأسمعه من الشيخ تاج الدين عبد الجليل الأبهري الصوفي، وكان من أهل الحديث، ذا سماعات كثيرة، وبخطه طباق جمة (٣).
وأسمعه كذلك من الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني، وكان شيخا صالحا، مشتغلا بالحديث سماعا وكتابة وإسماعا (٤).
وسعى به إلى أصحاب حافظ دمشق ومؤرخها أبي القاسم ابن عساكر، فأسمعه من الشيخ عز الدين عبد العزيز بن محمد بن الحسن، ويعرف بابن الدجاجية، وكان له سماع من الحافظ أبي القاسم، وهو ابن خمس سنين أو نحوها، فأسمعه أشياء من تصانيف الحافظ أبي القاسم ومروياته بسماعه لها منه (٥).
وكذلك أسمعه من الشيخ زكي الدين أبي إسحاق إبراهيم بن الشيخ المسند أبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، وكان شيخا مسندا صالحا، ويروي بكثرة عن الحافظ أبي القاسم، فأسمعه أشياء من أمالي الحافظ وغيرها (٦).
وأسمعه من المخلص عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن هلال
стр. 104
العدل، وكان من أصحاب الحافظ أبي القاسم، فأسمعه عليه أجزاء بقراءته وقراءة غيره (١).
وأسمعه من شيخ الشيوخ أبي محمد عبد الله بن حموية، وكان شيخا متواضعا، عالما فاضلا دينا، صحيح الاعتقاد، وكان قد سمع من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، والفقيه قطب الدين النيسابوري، وأبي الفرج الثقفي، وأبي طاهر الخشوعي، فأسمعه عليه كثيرا، وأجازه بجميع ما يرويه (٢).
وأسمعه «صحيح البخاري» من الشيخة أم الفضل كريمة بنت عبد الوهاب بقراءته عليها، وقراءة غيره (٣).
وأسمعه «صحيح مسلم» من الشيخ زين الدين أبي زكريا المالقي، ومن الشيخ تاج الدين أبي العباس أحمد بن القاضي شمس الدين بن الشيرازي، وكان خيرا، متواضعا، فاضلا، أمينا، ثقة (٤).
وسعى به إلى مجلس سماع شيخه تقي الدين بن الصلاح، فأسمعه عليه معظم «السنن الكبير» للبيهقي، وجملة من تصانيفه (٥)، منها كتاب «المناسك»، وحين مر فيه ابن الصلاح على ذكر ما ابتدعه الناس من صلاة ركعتين عقب الفراغ من السعي على المروة، قال: إنه ينبغي أن يكره ذلك، لأنه ابتداع شعار. وهنا التفت إليه أبو شامة قائلا: فكيف صلاة الرغائب؟ فتبسم ابن الصلاح، ولم يرد (٦).
стр. 105
وأسمع ابنه محمدا كذلك من الشيخ الفقيه أبي الفتوح عمر بن أسعد بن المنجى الحنبلي، وكان فقيها، يدرس بالمدرسة المسمارية، وكان يروي عن أبي المعالي بن صابر، والقاضيين: ابن الشهرزوري، وابن أبي عصرون (١).
وأسمعه من الشيخ الحافظ تقي الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر الصريفيني، وكان عالما بالحديث، دينا، متواضعا (٢).
ولم يفت أبا شامة أن يحصل لابنه إجازة من الشيخ أبي الفضل جعفر بن علي بن أبي البركات بن جعفر بن يحيى الهمداني، المقرئ المحدث، وهو من أصحاب الحافظ أبي طاهر السلفي، وكان قد قدم دمشق صحبة الناصر داود بن المعظم (٣)، سنة (٤) (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٧ م).
وكذلك حصل له إجازة من الشيخ عماد الدين عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي، وكان شيخا حسنا لطيفا، وكان له رواية من الثقفي وغيره (٥).
وكان يرافق أبا شامة إلى مجالس السماع هذه صاحبه الشيخ شمس الدين محمد بن المبارك السنجاري (٦).
ولا ريب أن أسارير أبي شامة كانت تتلألأ بالفرح، وهو يرى عقب انتهاء مجلس السماع، وقد كتب اسم ابنه محمد بخط دقيق في طباق السماع في جملة الأسماء.
стр. 106
وزال الظلم عن دمشق … ولكن
لم يحصل الناصر داود صاحب الكرك على ما كان يؤمله من مساعدة الصالح أيوب له في استعادة دمشق، فانضم نكاية به إلى عدويه: الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص (١)، واتفقت كلمة الثلاثة على محاربة الصالح أيوب (٢)، وبخاصة بعد علمهم بمكاتبته للخوارزمية، وطلبه الاستعانة بهم على حربهم، وبما أنهم لا طاقة لهم به فزعوا إلى الصليبيين يستنجدون بهم، واتفقوا معهم على أن يتنازلوا لهم عما بقي بأيدي المسلمين من بيت المقدس، وهو الحرم الشريف بما يحويه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى، إضافة إلى تسليمهم طبرية وعسقلان وكوكب. وكان سفيرهم إليهم الملك المنصور، وقد قدم عكا لإبرام هذا التحالف، وهكذا خلي بين المسجد الأقصى والصليبيين، ووقعت القدس بكاملها مرة أخرى أسيرة في أيدي الصليبيين، وذلك سنة (٣) (٦٤١ هـ/ ١٢٤٣ م).
كانت دمشق في تلك الفترة تضج بالشكوى من ظلم القاضي رفيع الدين الجيلي، وقد استعلى بمنزلته عند أمين الدولة، فتمادى في غيه، ولم يعد يراعي
стр. 107
أيسر مظاهر السلوك التي تليق بقاضي المسلمين، فصار يقعد في مجلس الحكم وهو سكران، ويخرج إلى صلاة الجمعة مخمورا، وغدت داره مثل الحانات (١)، وبسلامة نية اعتقد شمس الدين محمد بن سعد؛ كاتب الصالح إسماعيل أن لا علاقة للسلطان بذلك، فكتب إليه مشفقا وناصحا:
يا مالكا لم أجد لي من نصيحته … بدا وفيها دمي أخشاه منسفكا
اسمع نصيحة من أوليته نعما … يخاف كفرانها إن كف أو تركا
والله ما امتد ملك مد مالكه … على رعيته من ظلمه شبكا
وزره ابن غزال والرفيع به … قاضي القضاة ووالي حربه ابن بكا
جماعة بهم الآفات قد نشرت … والشرع قد مات والإسلام قد هلكا
ما راقبوا الله في سر وفي علن … وإنما يرقبون النجم والفلكا
والآن قد حكموا واستوثقوا حلفا … وصيروك لهم في صيدهم شركا
إن كان خيرا ورزقا واسعا فلهم … أو كان شرا وأمرا سيئا فلكا
وقد نصحت فقم واقبل نصيحة من … ما كان في قوله خرقا ولا أفكا
واستدرك الأمر واستر ما جنوه بهم … تلف الرشاد وإن أصررت منهمكا
فعن قريب ترى آثار فعلتهم … فيهم وفيك إذا ما سترهم هتكا (٢)
وما لم يكن يدريه ابن سعد الكاتب أن رفيع الدين كان يدل على الصالح إسماعيل بما يحمله إلى خزائنه من أموال الرعية، بل بلغ به إدلاله أن تشوفت نفسه إلى منصب الوزارة، فراح يسعى في إفساد العلاقة ما بين الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة، ليحل محله، فلما أحس أمين الدولة بدبيب السعاية، كاشف الصالح إسماعيل بها، طالبا إليه التخلص منه، قائلا له: هذا الرفيع قد أكل
стр. 108
البلاد، وأقام علينا الشناعات، والمصلحة عزله ليتحقق الناس أنك ما أمرته بهذه الأشياء (١).
ووجدها الصالح إسماعيل نصيحة تحفظ مركزه، فعزل القاضي رفيع الدين، وقبض على أعوانه، وولى القضاء محيي الدين يحيى بن محيي الدين محمد بن الزكي (٢).
ويستخف الفرح أبا شامة لنهاية هذا القاضي، فيكتب في تاريخه في حوادث سنة إحدى وأربعين وست مئة عبارات ترشح بالشماتة، قائلا: «وفيها يوم الجمعة بعد الصلاة صبيحة عيد الأضحى قبض على أعوان القاضي الرفيع الجيلي الظلمة الأرجاس، وكبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد الجبار الواسطي، المعروف بابن الرواس - لا ﵏ وسجنوا، ثم عذبوا بالضرب والعصر والمصادرات (٣).
وفي يوم الجمعة الآتي ثامن عشر ذي الحجة تحقق صرف هذا القاضي الظالم وعزله، ثم أخرج من داره، وسجن بالمدرسة المقدمية بباب الفراديس، ثم أخرج ليلا، وذهب به، فسجن بمغارة أفقه من نواحي البقاع، ثم انقطع خبره» (٤).
وهكذا لم يعلم أبو شامة ولا أهل دمشق بما حل بالقاضي رفيع الدين، فبعد أن أخرجه أمين الدولة من دمشق ليلا، وبعث به إلى منطقة نائية عن أعين الرقباء، إلى مغارة أفقه، وهي على حافة منحدر يشرف على مهواة سحيقة ينساب في قعرها نهر إبراهيم، شهد عليه هناك عدلان من عدول بعلبك ببيع أملاكه لأمين الدولة، ثم كتف بالحبال، ودفع في تلك المهواة، فسقط يتهاوى إلى قعرها السحيق، غير أن
стр. 109
ثيابه علقت بصخرة من صخورها، فارتطم بها، فرمي بالحجارة، وظل أنينه يسمع، ويتخافت حتى مات، وذلك في آخر ذي الحجة سنة (١) (٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م).
وتناهى من بعد إلى سمع أبي شامة بعض ما حدث له، غير أنه لم يتيقن منه، فكتب في تاريخه: «وذكروا أنه توفي - لا ﵀ فمنهم من قال: ألقي من شاهق، ومنهم من قال: خنق» (٢).
ولم يتحقق الناس من موته إلا بعد زمن، إذ كتب أبو شامة في حوادث سنة اثنتين
وأربعين وست مئة: «وفيها تحقق موت القاضي الظالم، الوضيع الملقب بالرفيع» (٣).
* * *
وسار الخوارزمية في أوائل محرم سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) لنصرة الصالح أيوب، وهم في نحو عشرة آلاف فارس، وانضم إليهم جماعة من الأمراء القيمرية، وأصحابهم وأتباعهم، فقطعوا الفرات، وأجفل الناس بين أيديهم، وكانوا لا يمرون بموضع إلا نهبوه، وعاثوا فيه فسادا.
وفي طريقهم إلى غزة، هاجموا بيت المقدس، وقتلوا من فيه من الصليبيين، وسبوا ذراريهم ونساءهم، وعفوا كل أثر لهم، وعادت القدس إلى أيدي المسلمين مخصبة بالدماء.
ولما وصلوا إلى غزة أرسلوا إلى الصالح أيوب يخبرونه بقدومهم إليه لنصرته، ويطلبون منه إنفاذ عساكره إليهم ليحاربوا عمه الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص (٤). فأرسل إليهم عسكرا مقدما عليهم أجل مماليكه الأمير
ركن الدين بيبرس.
стр. 110
وفي دمشق جهز الصالح إسماعيل عساكره، وقدم عليهم الملك المنصور لخبرته في قتال الخوارزمية، وانتصاره عليهم مرتين، مؤملا أن ينتصر عليهم في الثالثة.
ورحل المنصور بعساكره وعسكر دمشق مع الصليبيين المتحالفين معهم، وقد استعدوا وحشدوا، وأرسل الناصر داود عساكره كذلك معاضدا لهم، قاصدين الخوارزمية ومن معهم من عسكر مصر.
وفي جمادى الأولى سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) وقع المصاف بين الفريقين في موضع بين عسقلان وغزة، فانكسر المنصور ومن معه من الصليبيين كسرة عظيمة، وأخذتهم سيوف المصريين والخوارزمية، فأفنوهم قتلا وأسرا، ولم يفلت منهم إلا قليل، وأسر من عسكر دمشق وعسكر الكرك جماعة مقدمون، ونهبت جميع أثقال الدمشقيين.
ومضى المنصور، وفلول عسكره وعسكر دمشق في أسوأ حال، ودخل دمشق، وهو لا يكاد يصدق بالنجاة، ووصل إلى مصر أسارى الصليبيين، ومعهم جماعة من الأمراء والأعيان من جيش دمشق وحمص والكرك، وكان يوم دخولهم القاهرة يوما مشهودا (١).
وكانت قلوب أهل دمشق مع الجيش المصري، فما إن بلغهم خبر انتصاره حتى فرحوا به، وقد عبر عن فرحتهم أبو شامة فيما كتبه في تاريخه في حوادث جمادى الأولى: «وفي هذا الشهر كسر الفرنج - لعنهم الله - ومن انضم إليهم من منافقي المسلمين كسرة عظيمة بين عسقلان وغزة، وغنم منهم أموال عظيمة، وأسر من الفرنج خلق من ملوكهم وكبرائهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وذهب برؤوس المقتلين والمأسورين إلى مصر» (٢).
стр. 111
ودب الرعب في قلب الصالح إسماعيل، وراح يستعد لحصار دمشق القادم، مطبقا سياسته في كل حصار، وذلك بتخريب البلد خارج السور. فخرب رباعا كثيرة حول البلد، وخرب جسر باب توما، وسده، فارتفع ماء نهر بردى، فغرقت المساكن التي على حافته بين جسري باب توما وباب السلامة (١).
وجهز الصالح أيوب عساكره لفتح دمشق، مقدما وزيره معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ أميرا عليهم.
ويرحل معين الدين في عسكر مصر عن القاهرة، ويصل إلى غزة، وهناك ينضم إليه الخوارزمية ومن بغزة من العساكر المصرية، فيرحل بهم إلى بيسان، فينزلها، ويرتب أموره فيها، ثم يقصد دمشق، فيبلغ أسوارها في أواخر سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٥ م)، ويضرب حصاره عليها (٢)، ويقطع الخوارزمية الطرق على الناس، ويزحفون إليها من كل ناحية.
ويبعث الصالح إسماعيل إلى معين الدين استهزاء به سجادة وإبريقا وعكازا، ويقول له: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك. مشيرا إلى أنه ابن شيخ الشيوخ المشرف على خوانق الصوفية (٣). فيبعث إليه معين الدين بجنك وزمر وغلالة حريري أحمر وأصفر، قائلا له: السجادة تصلح لي، وأنت أولى بهذا. يشير إلى انشغاله باللهو والغناء (٤).
ويشتد الحصار على دمشق، وكان أشد أيامه يوم الاثنين ثامن محرم سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) فقد ركب معين الدين في العساكر، وزحفوا من كل ناحية، ورموا النيران من قصر حجاج، وضربوا بالمجانيق على باب الجابية وباب الصغير،