← Тараджим

Тараджим · id 30091

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق

Полный текст (476 стр.). Показаны 37–76 · переход к 42.

стр. 37

وكذلك كان أبو شامة يرى الملك المعظم يأتي كل جمعة - إذا كان بدمشق - إلى تربة والده العادل، يجلس فيها مع أمرائه وخواصه إلى أن يؤذن المؤذن لصلاة الجمعة، فيخرج المعظم حينئذ ماشيا إلى تربة عمه صلاح الدين المجاورة للكلاسة شمالي جامع دمشق، فيصلي الجمعة بها مع الناس (١). * * *

стр. 38

عام الأحزان ما كانت أيامه في تلك السنين لتستمر في هدوئها وهناءتها وهو يقضي ساعاتها في المدرسة العادلية الكبرى، متنقلا بين حلقات شيوخها، أو جالسا في جامع دمشق بصحبة شيخه علم الدين السخاوي، أو مستمعا تحت قبة النسر في مجلس شيخه فخر الدين ابن عساكر، أو مترددا إلى المدرسة العزيزية حيث شيخاه تقي الدين خزعل، وسيف الدين الآمدي، أو إلى المدرسة الرواحية حيث شيخه تقي الدين ابن الصلاح، أو صاعدا كل جمعة إلى جبل قاسيون لحضور درس شيخه موفق الدين ابن قدامة، أو مستمتعا في أويقات فراغه بصحبة صديقه الأثير عبد الغني بن حسان المصري. في زحام شواغله هذه يفجع قلب أبي شامة بوفاة أمه في سادس رجب سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) تاركة حلمها وهو في بداية طريقه، ويتجمل أبو شامة بالصبر راضيا بقضاء الله، وفي مكان ناء في جبل قاسيون في طريق الكهف إلى جانب الوادي يختار لها قبرا هناك (١) يضم جسدها الطاهر، ربما كان قريبا من قبر شيخ المقادسة وزاهدهم أبي عمر، أخي شيخه الموفق، وطالما كان يزوره، ويفيض

стр. 39

الدمع على قبره (١)، ويكتوي القلب المفجوع بألم الفراق، فيتمنى أن يرجع ذات يوم إلى قربها، ويدفن عند قبرها (٢). ولم تكد تمضي أربعة أيام على وفاة أمه حتى يعاجله الحزن بوفاة أحب شيوخه إلى قلبه، فخر الدين ابن عساكر (٣)، وتخرج دمشق لتشييع شيخها، ويغص جامع دمشق بالناس، ويصلي عليه أخوه زين الأمناء، ويخرجون بجنازته إلى ناحية الميدان الأخضر بالشرف القبلي، وقد امتلأت الطرق بالناس، ويتمنى أبو شامة، وهو يرى جنازة شيخه تتهادى فوق الأيدي المرفوعة نائية عنه أن يكون ممن يحملها مع الحاملين، ولكن هيهات! .. إذ من كان يقدر من الناس على الوصول إلى جنازته، لقد وقف أجناد الملك العزيز بن العادل وعز الدين أيبك حولها بالدبابيس والعصي يمنعون من يحاول الاقتراب منها (٤). وبحب غامر يقاوم به جفاء النسيان يحدد أبو شامة موقع قبره، فهو على يسار المار مغربا في طريق الشرف القبلي، مقابل لرأس الميدان الأخضر، قبل الوصول إلى قبر شيخه قطب الدن مسعود النيسابوري بقليل (٥).

стр. 40

وما يكاد أبو شامة يفيق من أحزانه حتى يستقبله عيد الفطر بحزن جديد، لقد توفي شيخه موفق الدين ابن قدامة (١)، وكما خرجت دمشق لتوديع شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر تخرج في وداع شيخ الحنابلة موفق الدين، حيث دفن بجبل قاسيون خلف جامع الحنابلة في مقبرتهم المشهورة (٢)، ويرى راء في منامه ليلة وفاة الموفق كأن مصحف عثمان ﵁ قد رفع من جامع دمشق إلى السماء (٣).

стр. 41

في طريقه إلى الحج ربما تخفيفا عن قلبه المثقل بالحزن، وشوقا إلى الحرمين الشريفين يعزم أبو شامة في سنة (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م) على الحج مع والده (١)، وكان والده قد غدا خبيرا بطريق الحج وشؤونه، وهذه هي حجته الرابعة (٢)، ويأزف وقت الرحيل، فينضمان إلى قافلة الحج الشامي، مع أميرها شجاع الدين علي بن السلار (٣)، ويسلكان طريق تبوك نحو المدينة المنورة (٤). وفي الطريق، والشوق يحدوه إلى البيت الحرام، وزيارة المصطفى ﵊، يعن له - وقد آنس في نفسه القدرة على النظم - أن ينظم قصيدة يذكر فيها منازل الحجاج التي ينزلونها في طريقهم من دمشق إلى عرفات. وأن يصف فيها - ما أمكن - أماكن الزيارات، ويفتتحها بقوله: ما زلت أشتاق حج البيت والحرم … وأن أزور رسول الله ذا الكرم (٥) وكان الحج في تلك السنة - على خلاف غيرها من السنين - حجا هنيئا مريئا،

стр. 42

نعمت فيه قافلة الحج الشامي برخص الأسعار، والأمن في الطرقات، وحين وصلت سالمة إلى المدينة المنورة، خصها أميرها - وكان مواليا للمعظم صاحب دمشق - بعناية فائقة على غيرها من القوافل، وكان - حرصا على سلامتها - يبعث إليها كل ليلة من جنوده من يحرسها (١). وأمضى أبو شامة أيامه في المدينة المنورة بين شوق يبوح به للمصطفى ﷺ ، وعبرات يسكبها على أعتاب روضته الشريفة، ومشاعر إيمانية تفيض من قلبه، فيودعها أبياتا في قصيدته. وكان يختلس ساعات يجلس فيها إلى إمام المسجد النبوي أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي، وكان إماما من أئمة القراءات العارفين بوجوهها، وقد بلغت منزلته فيها أن جلس بعد وفاة الإمام الشاطبي في مكانه للإقراء، وقد أجاز لأبي شامة رواية ما يصح عنه روايته (٢). والتقى في المدينة فيمن التقى صفي الدين حسن بن أبي طالب، وهو صاحب له بغدادي، كان يلتقيه بدمشق، وكان يعمل كاتبا بالمدينة في ديوان أميرها (٣). * * * وتتابع القافلة طريقها نحو مكة المكرمة، ملبية بالحج، كانت مكة يحكمها منذ نحو سنة الملك المسعود بن الكامل بن العادل (٤)، وكان على ظلمه وشدته حازما، فقضى على ما كان فيها من اضطراب وقلاقل يثيرها المفسدون، وبخاصة في موسم الحج، فنعم الناس في أيام دولته بالأمن والخصب (٥).

стр. 43

وكان من عادة الحجاج في ذلك الزمن أن يصلوا ركعات في جوف الكعبة المشرفة، فكان سدنتها من بني شيبة يستغلون ذلك، فيأخذون مالا لقاء فتحهم بابها لمن أرادوا، أو يغلقونه دونهم، فكان الناس يزدحمون عند فتح الباب، حتى إن بعضهم يتسلق على رقاب بعض، ولأن الباب مرتفع عن الأرض نحو قامة رجل فكثيرا ما كان بعضهم يقع على بعض، فمنهم من ينكسر عظمه، ومنهم من يشج رأسه، ومنهم من يموت (١). وقد رأى الكامل بن العادل - حاكم مصر - أن يسهل هذا الأمر على الحجيج، وذلك بأن يبقي بابها مفتوحا ليلا ونهارا، فأرضى بني شيبة بمال يعوضهم عما كانوا يأخذونه من الناس (٢). لم يدر الناس - وهم في طريقهم إلى مكة المكرمة - بما فعل الكامل، فكان أبو شامة طوال الطريق تتنازعه الأماني، هل يستطيع دخول الكعبة والصلاة فيها؟ وكيف السبيل إلى دخولها مع شدة ازدحام الناس على بابها؟ وما إن يتخيل ما ينتظره من مشقة حتى يبدد الهم والقلق كل أمانيه (٣). وحطت القافلة أخيرا رحالها في مكة المكرمة، ودخل أبو شامة الحرم الشريف من باب بني شيبة مع الداخلين، وما إن وقع نظره على البيت - شرفه الله تعالى - حتى فوجئ ببابه مفتوحا، وسلمه منصوبا، والناس طالعون إليه ونازلون منه من غير ازدحام ومشقة، فعقدت الفرحة لسانه، وهو لا يكاد يصدق عينيه، وخوفا من أن يغلق الباب دونه عجل في طواف القدوم، ثم صعد السلم مع الصاعدين، فدخل البيت - عظمه الله تعالى - وقد طفح قلبه بالشوق، فسكب العبرات، وصلى ركعات، واستغفر ودعا وسبح (٤)، وقد وصف في قصيدته الحجاج في هذا المشهد الجليل بقوله: وأسرعوا نحو ذاك البيت حاسرة … رؤوسهم بين مطواف ومستلم

стр. 44

والباب قد أطلقوه للحجيج فلم … يروا به مانعا طول مقامهم (١) * * * وفي الحرم، وقد التف الناس فيه حلقات حول الشيوخ من حاج أو مجاور، فمن محدث يحدث، ومن واعظ يعظ، ومن فقيه يفتي، جلس أبو شامة مع من جلس في حلقة الشيخ الإمام الحجة أبي طالب عبد المحسن بن أبي العميد الخفيفي الأبهري - وهو من علماء بغداد وعبادها، وممن حضر حصار عكا مع السلطان صلاح الدين - يسمع منه مروياته، ويجيزه بها (٢). ويلتقي في الحرم فيمن يلتقي شيخا عالما بالقراءات قادما من إربل، هو الشيخ عثمان بن أحمد بن بذال الحنبلي، فلربما كانا يجلسان في بعض الأماسي يتذاكران في علم القراءات الفن الذي أتقنه أبو شامة، ويتطارحان بعض الأشعار في الزهد والقناعة (٣)، وكان مما أنشده الشيخ عثمان لأبي شامة: أيا نائما في ظلام الدجى … تيقظ فصبح الدجى قد أضا أتاك المشيب ولوعاته … وول شبابك ثم انقضى فلو كنت تذكر ما قد جنيت … لضاق عليك اتساع الفضا (٤)

стр. 45

في نأنأة التأليف وبداية اهتمامه بالتاريخ رجع أبو شامة من حجه صافي النفس، منشرح الصدر، وقد ضم بين أوراقه أولى قصائده التي نظمها في منازل الحجاج من دمشق إلى عرفات، ووصف فيها أماكن الزيارات، ولا شك أنه كان فرحا بنظمها، إذ شعر وهو ينظمها كيف بدأت اللغة تسلس له قيادها، وكيف أن معرفته بالعروض كانت عاصمة له من الإخلال بوزنها، كما أن معرفته بالنحو كانت عاصمة له من اللحن فيها. ولا شك أنه أطلع عليها صديقه عبد الغني في بعض مجالسه، فاستحسنها، وربما أطلع عليها من بعد شيخيه علم الدين السخاوي وتقي الدين خزعل، وهما ممن تمكن من النظم، وله قدرة عليه، ولربما في لحظة ثقة بالنفس استدعتها كلمة ثناء، خطر له خاطر: لم لا يتصدى للتصنيف، وقد لانت له اللغة؟ وكي لا يكون بعيدا عما يحسنه اختار قصائد شيخه علم الدين السخاوي التي مدح فيها النبي ﷺ ، ليكتب شرحا لها (١). وكانت نفسه مواتية لهذا الشرح، فعهده قريب بزيارة المصطفى ﷺ ، والشوق له

стр. 46

ما زال يضطرم في القلب، والقلم يساعف، ولربما شعر، وهو منهمك في كتابة هذا الشرح أنه قد بدأ يلملم أطراف العلوم، ويجمعها إليه، فقد أتم علم القراءات، وأتقن العربية، وقرأ الفقه، وسمع الحديث، وبدأ قلبه ينتشي بمشاعر الرضا، تلك المشاعر التي تنتاب قلب طالب العلم وهو في أول طريقه، وقد خيل إليه أنه قد علم. حتى كان ذات يوم، وقد حضر كعادته مجلس قاضي القضاة جمال الدين المصري، وهو يلقي درسه في التفسير في المدرسة العادلية (١)، وجرى في أثنائه محاورة بين قاضي القضاة ومن يحضر درسه من أعيان الشيوخ والمدرسين حول من تحرم عليه الصدقة من ذوي القربى (٢)، ربما كان ذلك أثناء تفسيره لقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ (٣)، فقد جعل الله لذوي القربى الخمس مكان الصدقة، فمن هم ذوو القربى؟ ويفاجأ أبو شامة بقولهم جميعا، وكأن الأمر بالنسبة لهم لا يستحق عناء البحث والسؤال: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. ويباغت أبو شامة بالجواب، ويتساءل: أحقا لا يفرق هؤلاء الكبار بين المطلب وعبد المطلب؟ أحقا يجهلون أن عبد المطلب هو ابن هاشم، وأن المراد هو المطلب عم عبد المطلب، ويأسى أبو شامة لحالهم وهو يراهم يتمرغون بتراب الخطأ، غير أن سنه، وهو الصغير بين الكبار، تحجزه أن يعلن لهم ما يعرفه من أن ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم وبنو المطلب من أبناء عبد مناف، لا يشاركهم في ذلك أبناء عبد شمس ونوفل، ألم يسمعوا حديث رسول الله ﷺ : «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» (٤)؟

стр. 47

ويكتشف أبو شامة أنهم أتوا - على فضلهم - من جهلهم بالتاريخ، ويتنبه عندئذ إلى ما لم يتنبه له من قبل، فهو أيضا قد أهمل التاريخ كما أهملوه، وهو أصل من أصول الشريعة. وباب من أبواب العلم، ويأنف لنفسه أن تقوم ذات يوم مثل مقامهم، وتخطئ مثل خطئهم، فيعقد العزم على أن يتمم علومه بقراءة التاريخ، وهو علم - كما سيكتشف فيما بعد - ليس سهل التحصيل، فهو باب واسع، غزير الفوائد، صعب المصادر والموارد (١). * * *

стр. 48

حجته الثانية ويحج أبو شامة في العام التالي (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م) حجته الثانية، منضما وحده إلى قافلة الحج الشامي، راكبا في المحمل السلطاني المعظمي (١)، ومع القافلة جماعة من مساحي الأرض بعث بهم المعظم ليمسحوا له طريق الحج من باب الجابية بدمشق إلى جبل عرفات، وليكتبوا له منازل الحجاج فيه منزلة منزلة، ومع المساحين فعلة يمهدون للحجاج المواضع الوعرة فيه (٢). فهل كان أبو شامة في جملة من بعثه المعظم لهذا الأمر؟ وهل كان لقصيدته الميمية التي نظمها في موسم الحج الفائت أثر في إثارة اهتمام المعظم بذلك؟ هذا ما نرجحه على الرغم من صمت أبي شامة المطبق (٣)، وتشعيثه للخبر، وما يجعلنا نميل إلى هذا الترجيح أن أبا شامة نظم في هذه الحجة قصيدة ثانية في منازل الحجاج على قافية الهمزة، فلعله راعى فيها ذكر المنازل وفق هذا المسح الجديد، ولعلها كانت مهمته في هذه البعثة، وقد افتتح القصيدة بقوله:

стр. 49

يا حبذا وطن الحبيب النائي (١) وقد ظل هاجسه طوال حجته هذه أن يعرف المكان، فبعد أن يطوي لنا خبر وصوله إلى الحرم المكي بقوله: «وكان أيضا حجا مباركا، كثير الخير والأمن في الطريق والحرمين، وباب الكعبة مفتوح للحاج مدة مقامهم ليلا ونهارا» (٢). نراه يقف ليحدثنا عن مكثه في منى يوم التروية، وتخلفه عن ركب الحج الشامي المتوجه إلى عرفات، ليتمكن - وقد خف الزحام - من رؤية الآثار بمنى والمزدلفة، فيقول: «وخرجت يوم التروية إلى منى، ولم أوافق الركب في التوجه إلى عرفات في ذلك اليوم، وبت أنا ورفيقي الشهاب غازي الناسخ الفقير ليلة عرفة بمسجد الخيف بمنى، ثم أصبحنا، وتوجهنا حين طلعت الشمس إلى نحو عرفات، فمررنا على تلك الآثار بمنى والمزدلفة، وحدود الحرم وحدود عرفة، والمسجد الذي بعضه من أرض عرنة، وبعضه من أرض عرفة، ثم توجهنا إلى الموقف، شرفه الله تعالى» (٣). وبينما كان أبو شامة في عرفات سمع من الحاج العراقي خبر وفاة الخليفة الناصر لدين الله في أواخر شهر رمضان، وولاية ابنه الظاهر من بعده (٤). وكان قد مر على وفاته شهران وعشرة أيام! وبعد إفاضته من عرفات، ومبيته بمزدلفة، ورميه جمرة العقبة بمنى يدخل الحرم ليطوف طواف الإفاضة مع الطائفين، فيرى الكعبة المشرفة، وقد ألبست الكسوة السوداء التي يرسلها خليفة بغداد كل عام، وفي أعلاها الطراز الأبيض الذي يكتب فيه اسم الخليفة الذي نسجت في أيامه، ويقف أبو شامة ليقرأ ما كتب على هذا الطراز، فيجد اسم الناصر قد كتب في جانبين منه، وفي الجانبين الآخرين كتب

стр. 50

اسم الظاهر، فيقول: «فعلمت أنهم كانوا قد فرغوا من نسج الجانبين عند وفاة الناصر، ثم استأنفوا ما بقي باسم الظاهر» (١). * * * وفي طريق عودته إلى دمشق يشتد شوقه إلى صديقه الأثير عبد الغني، ويهم بإنشاء رسالة تسبقه إليه، يعبر له فيها عن تباريح شوقه إليه، ويختار بيتين من شعره ليكونا فاتحة رسالته: أنت الظهير على المكارم كلها … من رد ذلك فهو عين معاند عبد الغني ولست عبدا للغنى … بحر الفرائد حبر كل فوائد (٢) ويردد أبو شامة هذين البيتين، بينما كانت القافلة تتابع طريقها نحو دمشق.

стр. 51

صراع الإخوة وتفكير أبي شامة في تدوين التاريخ لم تدم الألفة التي جمعت بين الملوك الثلاثة: المعظم والأشرف والكامل في محنة دمياط، فما إن تمت هزيمة الصليبيين، واستراحت القلوب من عنائهم، حتى تسلل الحسد والخوف إليها، وبدأت تنتاب المعظم هواجس اتفاق أخويه عليه (١). وربما أثارها بقاء الأشرف في مصر عند أخيه الكامل عقب النصر الكبير. ولكي يحمي المعظم نفسه، وقد شعر بضعفه لوقوع بلاده بينهما، الأشرف في البلاد الشرقية: حران وخلاط وميافارقين، والكامل في مصر، أرسل سرا إلى جلال الدين خوارزم شاه ملك المملكة الخوارزمية يتقوى به (٢). وأرسل كذلك إلى أخيه شهاب الدين غازي - وكان الأشرف قد جعله ولي عهده حين سافر إلى مصر - يحثه على عصيان الأشرف، فاستجاب له (٣). ولما علم الأشرف بدسائس المعظم عليه خرج من مصر، قاصدا بلاده بالشرق، وفي طريقه مر على دمشق، فعرض عليه المعظم النزول بالقلعة، فامتنع

стр. 52

الأشرف خوفا منه، ونزل بجوسق أبيه العادل، وفي وقت السحر خرج من دمشق يطوي البلاد إلى حران، دون أن يعلم المعظم برحيله، فبرح الخفاء، واستعلن العداء، وبدت الوحشة بين الإخوة الأعداء (١). وسارع خليفة بغداد في الصلح بين الإخوة، وبخاصة أن سياسة المعظم بتحالفه مع جلال الدين تهدده (٢)، إذ كان جلال الدين يطمع بالاستيلاء على بغداد، وتنصيب نفسه سلطانا عليها (٣)، وقد هاجم كثيرا من البلاد حولها، واستولى على دقوقا سنة (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م) وأوقع السيف في أهلها (٤)، ولولا رجوعه إلى تفليس لإعانة جيشه الذي يقاتل هناك لقصد بغداد (٥). غير أن المعظم أصم أذنيه عن هذه الوساطة، متعللا بأن أخويه قد اتفقا عليه (٦). ولشغل الأشرف عنه أرسل المعظم إلى جلال الدين يحثه على الاستيلاء على خلاط - وهي من بلاد أخيه - حتى يستطيع أن يتفرغ للكامل إن قصده من مصر (٧). وأثمرت سياسة المعظم هذه بتفكيك التحالف بين الأشرف والكامل، فحين حاصر جلال الدين خلاط شعر الأشرف أن لا خلاص له إلا بتصالحه مع المعظم، فقدم دمشق، وتذلل له، وقال: نحن مماليكك، وما أنبت الشعر على رؤوسنا إلا أنت. وسأله أن يطلب من جلال الدين الرحيل عن خلاط، فبعث المعظم إليه، فرحل عنها، وكان قد أقام على حصارها أربعين يوما (٨).

стр. 53

وفزع الكامل لما جرى، وأحس أن المعظم بات حقا يهدد مصر إن فكر بمهاجمتها مع حليفه جلال الدين، فلكي يشغل المعظم عنه أرسل إلى الإمبراطور فريدريك الثاني يطلب منه القدوم إلى عكا، ووعده أن يعطيه بيت المقدس، وبعض البلاد التي فتحها من قبل عمه صلاح الدين (١). وهكذا راح كل من الأخوين يستجلب الأعداء لأخيه، ويرى حياته بموت أخيه … .! * * * كان الإمبراطور فريدريك الثاني قد تزوج من وريثة ما بقي من مملكة بيت المقدس سنة (٢) (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م) مما جعل له الحق في إدارتها، فلما جاءته رسالة الكامل تجددت رغبته في أخذ القدس، ورآها فرصة سانحة لتحقيق ما كان يلوح به منذ زمن بعيد، وذلك بتجهيز حملة صليبية إلى الشرق يقودها بنفسه (٣)، فسارع إلى إرسال رسول إلى الكامل الذي رحب به ترحيبا كبيرا، وكان على رسوله أن يقابل المعظم في دمشق، ويعرض عليه اتفاق الكامل مع الإمبراطور (٤). فلما وصل إلى دمشق سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) أغلظ له المعظم في الجواب، وقال له معرضا بأخيه الكامل: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، وماله عندي سوى السيف (٥). وأخذ المعظم يستعد للحرب القادمة، وخيمت أجواء الحزن والضيق على دمشق، وهي ترى عاقبة هذا الخلاف بين الإخوة الذي بات يهدد بضياع بيت المقدس من جديد.

стр. 54

وبينما كان أبو شامة منهمكا في إنجاز شرح صغير مختصر لقصيدة الإمام الشاطبي في القراءات «حرز الأماني» (١) راح يتجرع غصص هذا الحزن والضيق مع من يتجرعه من أهل دمشق، ويرى ذات ليلة في منامه كأن عمر بن الخطاب ﵁، فاتح القدس، قد أقبل إلى الشام منجدا لأهله على الفرنج، وأبو شامة يمشي إلى جانبه، ملاصقا منكبه بمنكبه حتى كان الناس يسألونه عنه وعما يريد أن يفعل، وكان أبو شامة يخبرهم عنه، فكأنه كان واسطة بينه وبين الناس (٢). هل كان أبو شامة - وهو الرازح تحت الشعور بالعجز - يبحث عن دور له في كشف هذه الغمة؟ ربما تجلى له هذا الدور، وهو يرى في منامه كذلك ذات ليلة كأن المسلمين في صلاة الجمعة في حر شديد، وأبو شامة خائف عليهم من العطش، ولا ماء، ثم ينظر إلى بئر ماء، وإلى جانبه حوض، فيخطر له أن يستقي من ذلك البئر، ويسكب في الحوض حتى يشرب منه الناس إذا انصرفوا من الصلاة، وكان شخص قبله لا يعرفه قد استقى دلوا أو دلوين، فيأخذ منه أبو شامة الدلو، فيستقي دلاء كثيرة لم يعرف عددها، ويسكب في الحوض (٣). فهل كان من معاني هذا الدور أنه يريد أن يعلم الأمة الأخذ بأسباب الحياة؟ * * * ويحركه الشوق إلى القدس، وقد أثاره الخوف عليها، فيسافر إليها في رحلة جماعية في آخر شعبان سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) بصحبة الفقيه عز الدين بن عبد السلام، فيزور الأقصى والخليل، وما بتلك الديار من الآثار، ويقضي هناك أربعة عشر يوما من رمضان، ثم يعود إلى دمشق (٤).

стр. 55

وتعاوده الأحلام من جديد، فيرى عقب عودته ذات ليلة في منامه كأنه والفقيه عز الدين بن عبد السلام داخل باب الرحمة بالبيت المقدس، وقد أرادا فتحه، وثم من يمنع من فتحه، ويدفعونه لينغلق، فما زالا يعالجان الباب حتى فتحا مصراعيه فتحا تاما بحيث أسندا كل مصراع إلى الحائط الذي خلفه (١). وتتضح معالم الخلاص لأبي شامة، فلا بد للأمة كي تنهض من كبوتها من حاكم عادل كعمر بن الخطاب ﵁ ومن عالم ناصح، يفتح للأمة باب الرحمة، ويأخذ بأيديها إلى أسباب الحياة. ويصحو أبو شامة من أحلامه ليرى بؤس الواقع، فبينما كان المعظم يجهز عساكره إلى نابلس يسقط فجأة صريع المرض في منتصف شوال ولعله سقي السم - ويعاني آلام المرض حتى يوم الجمعة الفاتح من ذي الحجة سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) حيث يموت في صباحه عن سبع وأربعين عاما (٢)، والأمة أحوج ما تكون إلى قائد في هذه الأوقات العصيبة، وتبكي دمشق ملكها، فهو على ما فيه قد تفرد من بين ملوك عصره بالجمع بين الجهاد، والاشتغال بأنواع العلوم … وكان عديم الالتفات إلى ما يرغب فيه الملوك من الأبهة والتعظيم (٣)، وهي صفات تغفر له ما عداها عند أبي شامة، ويتولى من بعده ابنه الناصر داود، وهو في الحادية والعشرين من عمره (٤). ويزداد بموت المعظم طمع الصليبيين بالبلاد، فيخرجون من عكا وصور وبيروت إلى مدينة صيدا - وكانت مناصفة بينهم وبين المسلمين، وسورها خراب - فيستولون عليها، ويعمرون سورها، ولم تجد صيدا من يدافع عنها؛ لأن أسوار الحصون القريبة منها مثل تبنين وهونين مخربة كذلك (٥).

стр. 56

وفي غمرة هذه الحوادث المتلاطمة يخطر في بال أبي شامة أن يدون ما يجري في زمانه مما يعاينه (١)، فهو لا يملك إلا الكلمة، فليدون ما يراه، مما يجري تحت سمعه وبصره، عساه بذلك أن يخدم الأمة بكتابة هذا التاريخ، كي تستفيد تجربة في قراءته. خطر في باله ذلك الخاطر، وراحت الأيام تؤجل الشروع فيه. وتعاوده الأحلام يستنجدها على هذا الخذلان الذي أصاب ملوك الأمة، فيرى فيما يرى النائم ليلة الثلاثاء تاسع صفر سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) كأن عمر بن الخطاب قد جاء للنصرة، وعليه برد يمان، ويقول لأبي شامة: سنأمر من ينادي بالرحيل إلى الساحل، ووعد بأن يستخلف على الشام إذا عاد رجلا شريفا شجاعا (٢)، ويقص أبو شامة رؤياه هذه على الناس، فيستبشرون بهذه الرؤيا (٣). فهل تحققت هذه الرؤيا حين بعث الكامل لابن أخيه الناصر منشور الولاية (٤)؟ كان الناس في دمشق في خوف عظيم من أن يأتي الصليبيون من الساحل، أو يأتي الكامل من مصر، وقد غدا بعد موت أبيه العادل كبير البيت الأيوبي، فلربما اطمأنوا بعض الاطمئنان حين أرسل منشور الولاية للناصر، وأقره على حكم مملكة دمشق. ومن ثم تستعيد دمشق بعض عافيتها، ويغير جنودها على بلاد صور، ويعودون محملين بالغنائم بعد أن أثخنوا في الصليبيين (٥). أما الكامل فقد كان يرمي من وراء ذلك إلى تطمين الناصر داود، ريثما يتضح له موقف الإمبراطور فريدريك الثاني المتأهب للقدوم إلى الشرق.

стр. 57

ولا شك أن الكامل وجد نفسه بعد موت المعظم في موقف صعب، وشعر بندم شديد على استقدام الإمبراطور، إذ لم يبق له حاجة إليه (١)، فخصمه العنيد الذي كان وراء استدعائه قد غاب، والإمبراطور القادم لاستلام بيت المقدس محروم من الكنيسة، ورسائل البابا إليه تحثه على عدم تسليمه بيت المقدس كيلا يكتسب بذلك شرفا ونصرا في حربه مع البابوية (٢)، وهو يخشى - إن لم يف للإمبراطور بما وعده - أن ينفتح له من جديد باب محاربة الصليبيين الذي لم يستطع إغلاقه إلا من وقت قريب، فما عليه إن أرضى الصليبيين بمدينة القدس، وهي خراب، ثم إنه قادر على انتزاعها منهم متى شاء (٣). وربما لم يخرج الكامل من حيرته وأفكاره إلا عند اقتراب وصول الامبراطور إلى عكا، حينئذ غلب جانب اتفاقه مع الإمبراطور، وأرسل إلى الناصر داود متحرشا به، طالبا منه تسليم قلعة الشوبك، وهو العارف بمنزلتها عنده، وأنها عزيزة عليه (٤)، ويأتيه جواب الناصر داود المتوقع، وهو رفض تسليمها إليه (٥)، فيتخذه الكامل ذريعة لمهاجمة الناصر، ويخرج من مصر بعساكره المتوافرة في شهر رمضان سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م)، ويصل إلى غزة، ويخيم بتل العجول، ويبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وغيرها من الأعمال التابعة للناصر داود، فينزعج الناصر لذلك (٦)، ويرسل إلى عمه الأشرف موسى بن العادل، مستنصرا به (٧). * * *

стр. 58

وحانت أخيرا للأشرف الفرصة التي طالما انتظرها، فدمشق هي مطمع آماله ومهوى فؤاده، فسار إليها على عجل، وقد ازينت لقدومه، ودخل قلعتها مع الناصر داود في العشر الأخير من رمضان سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) والناصر في غاية أفراحه! (١) ووصل الإمبراطور فريدريك الثاني بعد أيام إلى عكا عن طريق قبرص في يوم الخميس (٥) شوال سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) (٢) ومعه نحو خمس مئة فارس بعد أن سبقته إليها قوات الحملة، مدركا أن ما استجد من أحداث لم تعد في صالحه (٣)، وأنه لم يبق له غير سلاح المفاوضات والاستعطاف لتحقيق هدفه، واستلام بيت المقدس (٤). وتنفيذا لما عزم عليه الأشرف من الاستيلاء على دمشق، اقترح على الناصر داود أن يمضي في صحبته إلى نابلس ويقيم فيها، بينما يتابع هو طريقه إلى الكامل في غزة لإصلاح الأمر معه. فأجابه الناصر إلى ذلك، ورحلا معا من دمشق (٥). ولما وصل الأشرف إلى غزة خف الكامل لاستقباله، وعاد به إلى معسكره بتل العجول (٦)، وهناك سرعان ما اتفقا على أخذ البلاد من الناصر داود، وأن تكون دمشق للأشرف، وقد انضم إليهما من عسكر الناصر داود عمه الصالح إسماعيل بن

стр. 59

العادل، وابن عمه شهاب الدين محمود بن المغيث عمر بن العادل، وجاء مناصرا لهم كذلك المظفر شهاب الدين غازي بن العادل (١). وأسقط في يد الناصر حين علم باجتماع أعمامه عليه، ووقوفهم ضده، وأنهم عازمون على القبض عليه، فانكفأ إلى دمشق، وأخذ يستعد للحصار القادم (٢). * * * وكانت المفاوضات قد بدأت بين الكامل والإمبراطور فريدريك الثاني، وراحت الرسل تتردد بينهما، إلى أن اتفقا أخيرا بعد نحو ستة أشهر على أن يسلم الكامل بيت المقدس للإمبرطور دون قراه، وأن يبقى سوره خرابا، ويبقى الحرم الشريف من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى بأيدي المسلمين (٣)، ويتعهد الإمبراطور لقاء ذلك بمخالفة الكامل ضد أعدائه حتى لو كانوا من الصليبيين، وأن تعقد هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات (٤)، وأبرم هذا الاتفاق في يافا في (٢٢) ربيع الأول سنة (٦٢٦ هـ/ ١٨ شباط ١٢٢٩ م) (٥). وأرسل الكامل إلى القدس من نادى بخروج المسلمين منه، وتسليمه إلى الصليبيين، وتعالى الصراخ والبكاء بين أهل القدس، وعظم ذلك على المسلمين، وأنكروا ما فعله الكامل واستشنعوه، إذ كان فتح هذا البلد الشريف، واستنقاذه من الكفار من أعظم مآثر عمه صلاح الدين. وقد دافع الكامل عما أقدم عليه بأن الفرنج لا يمكنهم الامتناع بالقدس مع خراب أسواره، وأنه إذا قضى غرضه، واستتبت الأمور له، يستطيع تطهيره من الفرنج

стр. 60

وإخراجهم منه، وقال: إنا لم نسمح لهم إلا بكنائس وآدر خراب … والحرم وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين على حاله، وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله (١). ولم تقنع كلمات الكامل هذه أحدا من خصومه، فما إن سمع المسلمون بتخلي الكامل عن القدس، ودخول الإمبراطور إليه حتى قامت القيامة في بلاد الإسلام، واشتدت العظائم، وأقيمت المآتم، وتوغرت قلوب أهل دمشق عليه، ووجد الناصر بذلك فرصة للتشنيع عليه، وتأليب القلوب ضده، فأشار على واعظ دمشق سبط ابن الجوزي أن يجلس في جامع دمشق، وأن يذكر ما جرى على بيت المقدس، فجلس بالجامع، وقد غص بالناس، إذ لم يتخلف من أهل دمشق أحد، وحضر الناصر داود على باب مشهد علي، وتجاوبت قلوب الحاضرين، وهي تسمع ما يقوله سبط ابن الجوزي، بصوت باك حزين: انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، كم جرت على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت، ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما شفت، أحسن الله عزاء المسلمين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات: أعيني لا ترقأي من العبرات … صلي بالبكا الآصال بالبكرات على المسجد الأقصى الذي جل قدره … على موطن الإخبات والصلوات على منزل الأملاك والوحي والهدى … على مشهد الأبدال والبدلات على سلم المعراج والصخرة التي … أنافت بما في الأرض من صخرات «مدارس آات خلت من تلاوة … ومنزل وحي موحس العرصات» (٢) وعلا ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم، وكان يوما مشهودا (٣).

стр. 61

حصار دمشق وبداية تدوين أبي شامة للتاريخ ويسارع الكامل في إرسال عساكره إلى دمشق، فينزلون قبليها وراء مسجد القدم، ويقطعون عنها أنهارها: باناس والقنوات، ثم يزيد وثورا، وينهبون بساتينها، ويخربون رباعها، ويحرقون بعض قصورها، وتتأذى أشجارها بانقطاع الماء، ويخرج إليهم جيش دمشق مع أهلها، وتجري بينهم وقعات، فيقتل قوم ويجرح آخرون، ويهدم كثير من الخانات التي كانت خارج السور، وبخاصة ما كان منها على أبواب دمشق (١). كانت قلوب أهل دمشق مع الناصر داود، وسيوفهم معه، فكانوا يخرجون كل يوم مع عساكره، ويقاتلون أشد القتال، وكان بعضهم يصعد على منارة دمشق، ليصف لأهلها ما يشاهده من المعارك (٢). وكان أبو شامة يعيش وقائع هذا الحصار - وهو أول حصار يشهده كسير القلب، كاسف البال، أحقا ما يراه؟ في القدس تغمد السيوف في وجه الصليبيين، وفي دمشق تشهر لتذبح أهلها! ولم تقو أحلامه هذه المرة أن تنتشله من وهدة هذا

стр. 62

الخذلان المذل، فيعزم مع صديقه زين الدين أحمد بن يوسف الفرغاني على أن ينأيا بأنفسهما عن هذا الواقع المؤلم، ليجاورا في المدينة المنورة أو مكة المشرفة (١)، عساهما أن يجدا من الأمن والسكينة ما يفتقدانه هنا، فراحا ينتظران بصبر أشهر الحج، لينضما إلى قافلة الحجيج (٢)، ولكن يقطع عليهما انتظارهما سهم عائر ينطلق في القتال الدائر يوم الجمعة (٢٣) جمادى الأولى سنة (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م)، فيصيب كتف صديقه زين الدين (٣). كان زين الدين من فقراء الصوفية، ممن يسيح في البلاد، لا يأوي إلى عائلة، ولا يقيده هم الكسب، وكان قد حج من العراق، فلما قضى حجه سافر إلى مصر، ثم أتى إلى دمشق سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م)، وكان شابا رقيق القلب، مرهف الشعور، مولعا بإنشاد الأشعار الرقيقة (٤). وعلى الرغم من جرحه النازف وآلامه ما كان لينسى أن ينشد صديقه أبا شامة عشية يوم إصابته بيتين من الشعر جميلين كان قد سمعهما في بغداد من شيخه شهاب الدين السهروردي: شربت الهوى والخمر صرفا كلاهما … فكان الهوى عندي أشدهما سكرا أما والهوى لو ذقت طعما من الهوى … لما كنت من بعد الهوى تشرب الخمرا (٥) ويصغي أبو شامة إلى كلمات صديقه الجريح بعيون دامعة، وربما تساءل: أين رقة هذا القلب من قسوة هذه الأيام؟ ويشتد القتال يوم السبت، ويتقدم عسكر الكامل إلى دور البلد من جوانبه،

стр. 63

ويدخلون الميدان الأخضر، وتدور رحى معركة عظيمة يقتل فيها ناس كثير، ويجرح فيها جم غفير، وينهب قصر حجاج والشاغور، وتشتعل فيهما النيران، غير أن عسكر الكامل يضطر إلى الانسحاب آخر النهار إلى خيامهم، وقد خلفوا وراءهم قتلى وجرحى من الفريقين، ويستمر نزيف دمشق (١). ويأبى أن يلتئم جرح القلب الرقيق، ويموت زين الدين يوم الاثنين (٢٦) جمادى الأولى (٢)، بعد يومين من إصابته، تاركا صديقه أبا شامة يتجرع كأس الحزن والحصار. * * * كان أبو شامة يقضي نهاره أثناء هذا الحصار القاسي في تتبع وقائعه وأخباره، وما يجري خلاله من حوادث، يتلقفها مما يشاهده أو يسمع عنه، وفي لياليه الطويلة كان يجلس في غرفته في المدرسة العادلية الكبرى - حيث كان يسكن - يستعيد رواية تلك الوقائع مع الأصحاب والأصدقاء، وذات ليلة استبدت به رغبة شديدة في تسجيلها، فإذا به يستل ورقة من أوراقه، وعلى ضوء الشموع، يسجل فيها بخطه المتقن وقائع أول حصار يشهده: الأحد تاسع جمادى الآخرة: وصل الكامل محمد إلى دمشق، ونزل بالقرب من مسجد القدم، وأمر بإجراء نهري يزيد وثورا لأجل سقي الأراضي، وخرج إليه ابن الفاضل أحمد بن عبد الرحيم بأمان منهما، ونفذ الناصر من جهته في آخر النهار جماعة من كبراء البلد من العلماء: خطيب الجامع جمال الدين الدولعي، وقاضي القضاة شمس الدين الخويي، والقاضي شمس الدين ابن الشيرازي، وجمال الدين الحصيري شيخ الحنفية إلى الكامل نيابة عنه في الخدمة والسلام، ثم عاودوا من الغد. الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الآخرة: خرج عز الدين أيبك أستاذ الدار إلى

стр. 64

الكامل باستدعائه، وجرى الحديث في الصلح، وعاد ليلا، ومضى وعاد مرات، وكان يأتي إليه عماد الدين بن شيخ الشيوخ، فلم ينتظم صلح في الظاهر. السبت خامس عشر جمادى الآخرة: وقعت بينهم وقعة قبالة باب الحديد، وفي الميدان، وما بين ذلك، وكان النصر فيه لأهل البلد. الأحد سادس عشر جمادى الآخرة: وقع الحريق والنهب من ناحية باب توما، وأحرقت الطاحونة الأحد عشرية والحرشنية، والتي في مرج الشيخ، وطاحونة الأشنان، أحرق بعضها ثم أطفئ، ونهبت الدور حول ذلك، ووقع الجرح والقتل. وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة: خربوا قريات من قرى الغوطة، وأخرجوا منها أهلها، منها: جوبر، وجديا، وزملكا، ثم خربت سقبا وغيرها، والأسعار كلما مرت تغلو، والخوف حول البلد، وقد انقطع عنه الجلب، وبلغت أوقية الأشنان تسعة أفلس - وحكى لي والدي أن شخصا اشترى أوقية الأشنان بأربعة عشر فلسا - وبلغت أوقية الجبن نصف درهم، ورطل اللحم ستة دراهم، وأما الخبز فكان - بحمد الله - موجودا كثيرا، وكان أطيب شيء فيه وهو المثلث يباع رطله بثلاثة عشر قرطاسا، وسمعت والدي وجماعة من المشايخ الذين شاهدوا الحصارات المتقدمة في دولة أولاد صلاح الدين يحكون أنهم ما رأوا أشد من هذا الحصار. ثم إنهم زحفوا من ناحية الميادين مرارا، والكرة عليهم، واتخذوا مسجد خاتون ومسجد الشيخ إسماعيل وخانقاه الطاحون والجوسق الذي في آخر الميدان الأخضر حصونا وظهرا لهم. أوائل رجب: وأحرق الناصر لأجل ذلك مدرسة أسد الدين وخانقاه خاتون وما يليها من الخانات والدور، وبستان ابن يمن، والحمام، وخربت خانقاه الطواويس. الأحد تاسع رجب: زحفوا آخر النهار إلى أن وصلوا إلى محاذاة الباب الحديد.

стр. 65

ليلة الأربعاء رابع عشر رجب: خرج الناصر إلى الكامل، واجتمع به، ثم اجتمعا مرات حتى تقرر الصلح بينهما على أن يبقى له مما كان في يده: الكرك، وثلثا نابلس، وقرايا من الغور والبلقاء. ليلة السبت خامس عشر رجب: رأى شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي ليلة السبت كأن قائلا يقول له: بعد شهر تكون دمشق كأنها جنة الخلد. الاثنين مستهل شعبان: دخل عسكر الكامل دمشق. الجمعة ثاني عشر شعبان: رحل الناصر من دمشق إلى بلاده التي بقيت عليه. الأحد ليلة الخامس عشر من شعبان: كان الناس فيها في أطيب عيش، لأن الصلح انتظم أول شعبان، وما زال البلاد والناس في ترق من زوال الشعث وكثرة الخيرات، ولهم في ليلة نصف شعبان موسم معلوم، يحتفلون فيه، ويكثر الوقيد في المساجد، لكن عادتهم كل سنة تكثر الزحمة والضراب والنهب والعياط، ولم يكن في هذا النصف مثل ما كنا نعرف في غيره، بل كان الناس في سكون مع قلة زحمة، وهم في سرور الصلح والرخص. فقلت: هذه الجنة التي أشار إليها المنام. الثلاثاء سادس عشر شعبان: دخل الكامل وإخوته دمشق، فزار قبر والده، ثم خرج إلى مقامه بجوسق العادل. الخميس ثامن عشر شعبان: دخل الكامل والأشرف القلعة. أواخر شعبان: تسلم الأشرف دمشق، وأعطى الكامل عوضها جملة من بلاد الشرق، منها: حران والرها، ورأس عين، والرقة، والموزر. تاسع رمضان: رحل الكامل صوب الشرق (١). * * * كان الحصار قد طال على دمشق، وكثرت الجراح فيها، وسيف العطش مصلت

стр. 66

عليها، وقد أقبل الصيف بحرارته اللاهبة، وانشغل الناس عن ثماره الناضجة، فذوت الفواكه على أغصانها، وارتفعت الأسعار. ونفدت خزائن الناصر دفاعا عنها، حتى إنه اضطر إلى ضرب ما عنده من الأواني الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأنفقها، حتى أتى على أكثر ما عنده من الذخائر (١). فرأى أن الإذعان للصلح قد يبقي عليه بعض بلاده، فخرج إلى الكامل، واجتمعا مرات حتى انتظم الصلح بينهما على أن يبقى له مما كان في يده: الكرك، وثلثا نابلس، وقرايا من الغور والبلقاء (٢)، وكم بكى بين يدي الكامل على قلعة الشوبك، أعز مكان إلى قلبه لحصانتها، متوسلا إليه أن يبقيها عليه، غير أن الكامل أصم أذنيه، قائلا له: أنا ما لي حصن يحمي رأسي، وهب أنك وهبتني إياه. فسكت الناصر سكوت العاجز (٣). وفي يوم الاثنين أول شعبان فتحت دمشق أبوابها، ودخلها عسكر الكامل حتى غصت بهم، ووقف الدمشقيون ينظرون بعيونهم الدامعة إلى أعداء الأمس، وهم ينتشرون في سكك مدينتهم وأسواقها ودروبها، وقلوبهم تتقطع حسرات من الحزن، ويغلب البكاء بعضهم فيعلو عويله، حتى لكأنه قد فجع بموت ولد أو أب (٤). ويرحل ملكهم المحبوب الناصر داود من دمشق يوم الجمعة ثاني عشر شعبان، وهو يتعثر بأذيال الهزيمة (٥)، وتخضع دمشق للأشرف بعد أن أعطى أخاه الكامل عوضها جملة من بلاد الشرق (٦)، وبعد سنين حين يبني الأشرف قصره بالنيرب

стр. 67

المعروف بالدهشة، وصفة بقراط، اللذين يسلبا عقل من يراهما لجمالهما، وحسنهما، يقول: إني بعت ممالك الشرق كلها بهذين الموضعين، إذ ليس ثمرة الملك إلا الاستمتاع بالملاذ والراحات (١). وربما تعزى أبو شامة بعض العزاء - وهو يغالب حزنه - بلقاء شيخين جليلين، أولهما القاضي بهاء الدين بن شداد، كاتب سيرة صلاح الدين «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية»، وكان قد قدم من حلب، وفي صحبته أكابرها وعدولها لعقد النكاح بين العزيز بن الظاهر غازي بن صلاح الدين وبين ابنة الكامل فاطمة خاتون، وكان أبوه الظاهر قد خطبها له قبيل وفاته سنة (٦١٣ هـ/ ١٢١٦ م)، وقد تم العقد في سحر يوم الأحد سادس عشر رجب في مسجد خاتون على صداق مبلغه خمسون ألف دينار (٢)، فيلتقيه أبو شامة حين يدخل دمشق مع الداخلين، فيجيزه ابن شداد بجميع ما يرويه (٣). وممن دخل دمشق كذلك الإمام الشيخ الزاهد الورع، رشيد الدين عبد العزيز بن أبي محمد بن أبي الطاهر، المعروف بابن عوف، من ذرية الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، ومفتي الإسكندرية في مذهب مالك بن أنس، فيجتمع به أبو شامة في المدرسة العادلية يوم الأربعاء (١٠) شعبان مع شيخه أبي عمرو بن الحاجب (٤). وتلملم دمشق أحزانها، فتبني ما تهدم من حاراتها، وتصلح ما تشعث من بيوتها، واحترق من طواحينها ومدارسها، وتدفن قتلاها، وتداوي جرحاها، وتحاول في كبرياء قبول حاكمها الجديد، وقد فرضه السيف عليها.

стр. 68

وبينما كان أبو شامة يلملم جراحه كذلك، إذا بالموت يخطف أقرب أصدقائه إلى قلبه وأحبهم إليه، ظهير الدين عبد الغني بن حسان المصري، الذي كان أنيسه في وحشة تلك الأيام، فتعصر قلبه مرارة اللوعة وفاجعة الفراق، فيبكيه بكلمات حزينة قائلا: «لم يكن لي صاحب أخص منه، كنت آنس به وبحديثه، وفي أضيق ما أكون من الهم أجتمع به فيزول عني، ﵀» (١). ومن لهمه الآن؟ ويتلفت حوله فلا يرى إلا ما تركه الحصار من دمار في القلوب والبيوت، ومن ظلمة الحزن تشع في قلبه فكرة، لم لا يبث أوراقه ما يجده ويكابده في حياته بعد فقده أصدقاءه وشيوخه؟ ألم تغيبهم القبور واحدا بعد الآخر، فلم لا ينتشل معانيهم الجميلة وصفاتهم الحميدة من حفرة النسيان والعدم، ليبقيهم معه أحياء على الورق؟ أما آن له أن يدون تاريخه الذي فكر فيه منذ زمن؟ ويكب على أوراقه ليكتب فيها أول مؤلفاته التاريخية، وهو في السابعة والعشرين من عمره، تاريخ هو أقرب إلى الذكريات، ومن ثم لم يعن نفسه في البحث له عن عنوان، وبنفس تفيض بالحزن والأسى، يخط مقدمته، وكأنها مرثية من المراثي: «الحمد لله الذي بإرادته تتغير الأحوال، وعلى وفق مشيئته تتصرف الأفعال، الذي انفرد بالبقاء، وكتب على غيره الزوال، وجعل الدنيا متنقلة لا تدوم على حال، وقضى على أهلها بالإدبار والإقبال، فكم ممن يؤمل الآمال فتحترمه دونها الآجال، وكم ممن يفجأه النوال، ولم يكن يخطر له ببال، فالحمد لله الكبير المتعال، ذي المعارج والطول والإكرام والإجلال، وصلى الله على نبيه ورسوله، وصفيه وخيرته من خلقه وخليله المفضال سيدنا أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، خير صحب وآل، وبعد: فإنه عن لي بمشيئة الله تعالى أن أؤرخ في زماني مما عاينته، وبلغني مما استثبته، لأن في ذكر التواريخ معتبرا، وفيها عن الغرور بالدنيا مزدجرا، لا سيما إذا

стр. 69

ذكر من مات في كل سنة من المعارف والإخوان، والأقارب والجيران، وذوي الثروة والسلطان، فإن ذلك مما يزهد ذوي البصائر في الدنيا، ويرغبهم في الحياة العليا، والاستعداد لما هم ملاقوه، والإقلاع عما هم عن قليل مفارقوه. وكان مما حداني إلى ذلك كثرة من يموت من المعارف، فأردت إثباتهم لعل بمطالعتهم أجد قلبا على الإقبال على الآخرة يساعف. وبدأت بالتاريخ من موت السلطان عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، الملقب بالملك المعظم، صاحب دمشق وأعمالها، والبيت المقدس وأعماله بعد أبيه العادل، لأن بعده جرت أمور شاهدتها، وأحوال عرفتها، وهو الوقت الذي خطر لي فيه تدوين التاريخ، وأذكر من قبل هذا ما أنا مستحضر له» (١). ويفتتح تاريخه بعد هذه المقدمة الحزينة بأهم ما وقع في سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) إذ فجع الناس فيها بوفاة إمامين كبيرين، شيخي مذهبيهما، أحدهما شيخ الشافعية في وقته علما وعملا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن، المعروف بفخر الدين ابن عساكر (٢)، والثاني شيخ الحنابلة موفق الدين، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، من علماء المسلمين وعبادهم (٣). ثم يوجز ما جرى بعدهما من الحوادث مرتبة على السنين، حتى آخر سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) (٤) حيث يطلق بعدها لقلمه العنان في وصف ما شاهده من وقائع وأحداث (٥). * * *

стр. 70

رحلته إلى مصر وكان التاريخ قد ملك عليه عقله وقلبه، فهو منذ أن بدأ اهتمامه به، انكب على كتبه يطالعها، وعلى حوادثه وأخباره يدونها، جامعا شواردها من أفواه شيوخه، ومما يطلع عليه من كتاب وقف أو محضر اجتماع، أو قصيدة شاعر، أو مراسلات سلطان، حتى استطاع في مدة وجيزة أن يقف على جملة من أحوال المتقدمين والمتأخرين من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين، والخلفاء والسلاطين، والفقهاء والمحدثين، والأولياء والصالحين، والشعراء والنحويين، وأصناف الخلق الباقين (١). وتاقت نفسه لمعرفة المزيد، فتشوف إلى زيارة مصر، موطن شيوخه، وموئل علمهم: علم الدين السخاوي، وتقي الدين خزعل، وأبي عمرو بن الحاجب، وموطن صديقه الحبيب ظهير الدين عبد الغني، ولطالما حدثوه عنها، وأفاضوا في أخبارها. ويغادر دمشق مع القافلة المتجهة إلى مصر في آخر شهر ربيع الآخر سنة (٢) (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م)، وبدل أن يؤم القاهرة يتابع طريقه إلى دمياط، فتكون أولى محطاته، فيصل إليها في يوم من أيام جمادى الأولى، ويقيم فيها نحو شهر (٣).

стр. 71

كانت دمياط في ذاكرته وقلبه منذ حاصرها الصليبيون سنة (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م) يومها راح يتتبع أخبار حصارها الآثم، وصمودها الرائع، ثم سقوطها المفجع تحت سنابك خيل الصليبيين في (٢٥) شعبان سنة (٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م) وما يزال يذكر ألم شيخه السخاوي، وهو يصف له برجها العظيم، برج السلسلة (١). ها هو الآن في دمياط، وقد تطهرت من دنس الصليبيين سنة (٦١٨ هـ/ ١٢٢١ م)، وها هو الآن يقف أمام برجها العظيم، قفل مصر، فيراه كما وصفه شيخه حقا. ويزور فيمن يزور شيخ دمياط أبا الحسن بن قفل، وهو ممن عاش محنتها، فإذا هو شيخ كبير، كان يحكي لكل من يزوره ما فعل الصليبيون بدمياط وقت استيلائهم عليها، كان أهلها قد فتحوا لهم أبوابها بعد أن عجز سلطانهم الكامل عن نصرتهم، مغترين بما بذل لهم الصليبيون من الأمان، حتى إذا رفعوا أعلامهم على سورها، غدروا بأهلها، ووضعوا فيهم السيف قتلا وأسرا، وباتوا تلك الليلة يفجرون بالنساء، وأخذوا منبر جامعها، وكان من الأبنوس، والمصاحف، ورؤوس القتلى، وبعثوا بها إلى بلادهم آية على انتصارهم، وحولوا جامعها كنيسة (٢). كان الشيخ يحكي، وأبو شامة يصغي، ودمياط تحاول لملمة أحزانها وجراحها وقد مضى على محنتها نحو عشر سنين. * * * وينتقل أبو شامة في جمادى الآخرة إلى القاهرة، ويقيم فيها نحو خمسة أشهر (٣)، ولعل أول من زار فيها قبر الإمام العالم الزاهد أبي القاسم الشاطبي في القرافة بتربة سارية (٤)، وما تزال في سمعه أحاديث شيخه السخاوي وكان من

стр. 72

أجل أصحابه - عن زهده وورعه وعلمه، وقد كانت قصيدته في القراءات «حرز الأماني» من أوائل ما حفظ بعد كتاب الله (١)، هذه القصيدة التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر، وكل عصر، فنبذ الناس سواها من مصنفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حوت من ضبط المشكلات وتقييد المهملات، مع صغر الحجم وكثرة العلم، وكان شيخه السخاوي هو الذي شهرها بين الناس، وبين معانيها، وكم قرأ هذه القصيدة بين يدي شيخه، وكم سمعها منه، وفي كل مرة كان ينفتح له من فوائدها باب، ومن معانيها ما لم يكن في حساب، وقد اختصه شيخه فيها بمعاني لم يودعها كتابه حين شرحها، ولم يعرفها أصحابه (٢). ويجد عند أصحاب الشاطبي، ومن قرأ عليه من الإعجاب به مثلما كان يجد عند شيخه السخاوي، فيقول: رأيت جماعة فضلاء فازوا … برؤية شيخ مصر الشاطبي وكلهم يعظمه ويثني … كتعظيم الصحابة للنبي (٣) ومن هؤلاء الأصحاب - الذين التقاهم أبو شامة - الشيخ أبو الطاهر محمد بن الحسين بن عبد الرحمن الجابري، من ولد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁. وكان الجابري يخطب في جامع عمرو بن العاص (٤)، فكان أبو شامة - وقد أعجب بتدينه - يجتمع به كلما سنح له الوقت، ولربما طلب الجابري من أبي شامة، وقد عرف منزلته في العلم أن يقرئ في الجامع شيئا من علوم العربية، فكان ممن

стр. 73

قرأ عليه عز الدين أيبك المحيوي (١)، غلام الوزير محيي الدين ابن ندى الجزري (٢). وفي القاهرة يلتقي مرة أخرى إماما من أئمة القراءات هو محمد بن عمر بن يوسف القرطبي (٣)، وكان قد التقاه في المدينة المنورة في حجته الأولى سنة (٤) (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م). ويجتمع مرة أخرى كذلك بالقاضي ابن شداد، وكان قد التقاه بدمشق سنة (٥) (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م)، وكان ابن شداد قد قدم القاهرة من حلب لإحضار ابنة الكامل فاطمة خاتون زوجة العزيز بن الظاهر، فيجلس عند قبر

стр. 74

الشافعي، وهناك يسمع عليه أبو شامة دروسا في الحديث النبوي الشريف (١). ويحضر دروس الزين النحوي يحيى بن معطي، وكان آية في حفظ كلام النحويين (٢). ويزور في دار الحديث الكاملية بين القصرين الشيخ الحافظ أبا الخطاب ابن دحية، وكان يدرس بها، ويأخذ منه إجازة (٣). وقد حضر عنده ذات يوم، وهو يقرأ عليه «صحيح مسلم»، وكان قد وصل فيه إلى حديث أنس بن مالك (٤) ﵁ أن نبي الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما (٥). وكان أبو شامة يستشكل هذا الحديث، ويقول: أي إثم كان يلحقه لو لم يخبر به حتى تجنب الإثم بإخباره، غايته أن يقال: جاءت آثار وأخبار تقتضي الأمر بالتبليغ والنهي عن الكتمان نحو ﴿إن الذين يكتمون﴾، «بلغوا عني ولو آية»، نضر الله امرءا ونحو ذلك، إلا أن هذه الأشياء غايتها أن تكون عامة في جميع ما سمع من النبي ﷺ حتى تتناول محل النزاع، وفي محل النزاع دليل يخصه يقتضي منع الإعلام، والخاص مقدم على العام (٦).

стр. 75

ووجدها أبو شامة فرصة حين سمع الحديث، فأورد على الشيخ أبي الخطاب هذا الإشكال، فما كان من أبي الخطاب إلا أن صاح، وقال: هذا جدل، والتفت إلى أبي شامة بعض أصحاب الشيخ، مشيرين إليه أن يسكت، فسكت (١). وكان مما سمعه أبو شامة من أبي الخطاب كتاب ألفه في «أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب» (٢). ويغتنم أبو شامة وجوده في القاهرة، فيزور دار الوزارة، ويطلع على بعض ما فيها من وثائق ومراسلات، وينسخها، ومما اطلع عليه توقيع كتب في ذي القعدة سنة (٥٤١ هـ/ ١١٤٧ م) عن خليفة مصر يومئذ الحافظ لدين الله، وعليه علامته: الحمد لله رب العالمين (٣). واطلع على كتب وزير مصر الأفضل عباس بن أبي الفتوح، ورأى علامته في الكتب: الحمد الله وبه أثق (٤). ووقف على نسخة سجل بإسقاط المكوس بمصر قرئ على المنبر بالقاهرة يوم الجمعة بعد العصر ثالث صفر سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م) عن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في أيام نور الدين (٥)، ووقف على كتب بخط صلاح الدين (٦)، والقاضي الفاضل (٧). ويزور قلعة الجبل، ويلتقي فيها الأمير أبا الفتوح بن العاضد، وهو ابن آخر

стр. 76

الخلفاء الفاطميين، وهو محبوس فيها، يرسف في أغلاله، ويسأله أبو شامة عن بعض الوقائع التي عاصرها، فكان مما أخبره به أن أباه العاضد استدعى صلاح الدين في مرضه، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا (١). وكان صلاح الدين بعد موت العاضد سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م) قد أقام أبناء الفاطميين في إيوان القصر، واحترز عليهم في ذلك المكان، وأبعد عنهم النساء لئلا يتناسلوا، فيكثروا (٢). ثم أخرجوا من القصر سنة (٥٦٩ هـ/ ١١٧٤ م) بعد صلب عمارة اليمني، وكان قد حاول قلب دولة صلاح الدين، وإرجاع الفاطميين (٣). ومما أخبره به أبو الفتوح أن صلاح الدين جعلهم في دار برجوان، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، وكان عيشهم فيها طيبا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها (٤). وكان أبو شامة يدون بشغف كل ما يسمعه، وحين شعر أن كل ما أحب أن يحصل عليه قد جمعه عزم على الخروج إلى الإسكندرية، ولكن قبل أن يغادر القاهرة توفي في مستهل ذي الحجة سنة (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م) شخه زين الدين النحوي، فحضر الصلاة عليه تحت القلعة، وكان ممن حضر السلطان الكامل، ثم ودع أبو شامة شيخه، وهو يدفن بالقرافة، وودع القاهرة (٥). * * * ويصل إلى الإسكندرية في ذي الحجة، ويقيم فيها نحو أربعة أشهر (٦)، ولعل
следующие страницы →