← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30092

رسالة في الأدب لأصحاب الطلب

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (88 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، وبعد: إنَّ الله بعث نبيه ﷺ ليتمم محاسن الأخلاق، ويُعَلِّم الناس مكارمها، وكذلك ليدل الناس على معالي الأمور، وينهاهم عن سفاسفها. ولقد اعتنى الإسلام بتربية المسلم على الأخلاق الحسنة، والآداب الراقية المهذبة أيما اعتناء؛ وذلك لأنَّ حسن أخلاق المسلم، وحسن أدبه هو عنوان سعادته في الدنيا والآخرة. قال ابن القيم ﵀: وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.

стр. 2

فانظر إلى الأدب مع الوالدين: كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة (١)، والإخلال به مع الأم تأويلًا وإقبالًا على الصلاة كيف امتُحِن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة (٢).

стр. 3

وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان (١). لذا عني الإسلام بالدعوة إلى حسن الهدي والسمت والأخلاق، وكَثُرَ ورود ذلك في الكتاب والسنة، فمن ذلك أمر الله تعالى المسلم أن لا يقول إلا القول المهذب الحسن، فقال تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وليس هذا خاصًّا بمخاطبته للمسلم فقط، بل إنَّ هذا للمسلم وغيره، فلفظ الناس لفظ عام؛ لذا كان خلق المسلم، وحسن سمته، وهديه، وأدبه صفة لازمة له مع جميع الناس، وكان هذا فعل النبي ﷺ وخلقه، فإذا سلم اليهود أوالنصارى عليه، وقالوا: السام عليك لم يقل: وعليكم السام، بل كان يقول وعليكم، عن أنس قال: مر يهودي برسول الله ﷺ ، فقال: السام عليكم، فقال رسول الله ﷺ "وعليك، أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك"، قالوا: يا رسول الله ألا نقتله؟، قال" لا. إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا وعليكم" (٢).

стр. 4

ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]؛ لذا كان ابن عباس يقول: ردوا السلام على من كان يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا؛ ذلك بأنَّ الله يقول" وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها" [النساء: ٨٦] (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك (٢). وهكذا جاء القرآن والسنة يدلان الناس على أحسن الأخلاق وأفضلها، وأصبح ميزان العبد في الشرع، وعند الله تعالى هو أخلاقه. ومن هذه الأخلاق العظيمة الفاضلة التي اعتنى الإسلام بها خلق إنزال الناس منازلهم، ووضعهم في المكانة التي وضعهم الله فيها، وخاصة إن كان هؤلاء هم حملة الدين وورثة الأنبياء، فإنَّ الله تعالى إذا أمرنا بالتأدب مع الناس عامة، والقول الحسن لهم، فالمسلم من باب أولى، بل وأهل العلم والدين، ووارثوا الكتاب والسنة يحتلون في هذا الباب الدرجة العليا.

стр. 5

وما وقع عبد في هذا المنزلق وأطلق لسانه في أهل العلم والدين إلا هو دليل على جرأته على الله تعالى، ومخالفته لسنة نبيه ﷺ ، ورقة دينه، وسوء أدبه وخلقه، فليحذر العبد من ذلك. ولقد أخفق في هذا الباب في هذا الزمان بعض إخواننا من طلبة العلم - غفر الله لنا ولهم- الذين زين لهم الشيطان الوقيعة في أعراض أهل العلم بحجة خطئهم في بعض المسائل - كما يزعمون -، وليس أحد معصومًا من الخطإ بعد الأنبياء، ولكن هل يجيز الخطأ سوء الأدب؟!، فلو كان الأمر كذلك لأساء النبي مع من قالوا: إنَّ الله ثالث ثلاثة، ومع من قالوا: عزير ابن الله، ولكن هذا لم يحدث، بل كان ﷺ أحسن الناس خلقًا وأدبًا مع أحبابه وأعدائه، فليتق الله إخواننا ممن أطلقوا لسانهم في علماء الأمة، ومصابيحها، وتيجان رؤوسها، وليعودوا إلى تعاليم الشريعة المطهرة، وليتمثلوا بخلق نبيهم ﷺ . ولنعلم - أحبتي في الله - أنَّ سوء الأدب يؤدي إلى الشقاق، والخلاف، ووقوع الشحناء والبغضاء، وأما الأدب فإنه يجمع بين المختلفين، ويؤلف بينهم، ويزيل حواجز القلوب، ويحمي النفوس من هاوية الشقاق. وصدق القائل: إن يختلف ماء الوصال فماؤنا … عَذْبٌ تَحَدَّرَ من غمام واحد أو نختلف نسبًا يؤلف بيننا … أدبٌ أقمناه مقام الوالد وهذه نصيحة محب، راغب في الخير لنفسه، وللناس عامة، ولطلبة العلم خاصة، سميتها (رسالة في الأدب لأصحاب الطلب).

стр. 6

فأسأل الله تعالى أن يجعلها نافعة خالصة لوجهه، وأن يهدينا جميعًا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا هو. وأسأل الله تعالى أن يجزي كل من ساعد في إتمامنا هذا العمل، وغيره من الأعمال، وأسدل لنا النصح والإرشاد والمساعدة خير الجزاء، وأخص بالذكر أحبتي وإخواني في الله: الأخ الفاضل/ أحمد عزت الذي ساهم بجهد مشكور في إتمام كتاب "التعليقات التأصيلية للعقيدة الطحاوية" سابقًا. والأخ الفاضل/ أحمد الغمري الذي قام بعزو الأحاديث والآثار في هذه الرسالة، وأزاد زيادات نافعة ومفيدة في هامشها، وغيرهم من أهل الفضل، وطلبة العلم، فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء. وصلَّى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وكتبه أبو سلسبيل عبد الفتاح محمد مصيلحي

стр. 7

اعتذار بين يدي الرسالة • اعتذار: لأهل العلم والفضل الذين أُسِيءَ إليهم، وأُطْلِقَت الألسن في أعراضهم، فأنتم آباؤنا وأجدادنا في العلم، وعلى الوالد أن يتحمل أبناءه ويعفو عن خطئهم، وزلاتهم حتى يئوب الآبق، ويعود الشارد، ويفيق الغافل، والله يجزيكم على ذلك خير الجزاء، ويجزل لكم المثوبة والعطاء. • اعتذار: لأهل العلم وطلبته أصحاب الخلق السامي، والأدب الرفيع أني زاحمتهم في هذا الأمر، وكتبت في موضوع هم له أهل، ولست له بأهل، ولكن دافعي إلى ذلك أني: أحب المؤدبين ولست منهم … لعلي أن أنال بهم شفاعة • اعتذار: لإخواني من طلبة العلم الذين أوقعهم الشيطان في شراكه، وأطلقوا ألسنتهم في أهل العلم إن كنتُ قد أغلظتُ القول أحيانًا في الرسالة، أو قسوت في العبارة، فما ذلك إلا لخوفي عليهم، وحب الخير لهم، وما قصدت لي ولهم إلا التوفيق والسداد، والاجتماع والائتلاف. فأسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يجمعنا جميعًا في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في الفردوس الأعلى.

стр. 8

مفهوم الأدب الأدب: هو ترويض النفس على الأخلاق الحسنة، والأفعال الحميدة التي يرضاها الله ويؤيدها الشرع، والأخذ بمكارم الأخلاق، والعمل بكل ما يُسْتَحْسَن، والبعد عن كل ما يُسْتَقْبَح. وإنما جاء الأدب من المَأْدُبَةِ: وهو ما يعد للطعام، ويدعى الناس جميعًا إليه، فدل على أنَّ الأدب ليس خُلقاً خاصًّا بأهل العلم أو بطلبة العلم؛ وإنما هو خلق عام يُدْعَى إليه كل الناس صغيرهم وكبيرهم. عن الحسن بن إسماعيل قال: سمعتُ أبي يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيد أقل من خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب، وحسن السمت (١).

стр. 9

وهذا يدل على أنَّ طالبي الأدب أضعاف أضعاف من يطلب العلم، لكنه أُلْصِق بطلبة العلم لأنهم أمكن فيهم، وأنهم أحوج إليه من غيرهم، فالأدب خلق عام؛ لأنَّ فيه بغية كل خير، فبه ينال العبد حب الله تعالى، وبه ينال القرب من رسوله ﷺ ، وبه يستحوذ على حب الناس، لأنَّ العبد أسير الإحسان، والأدب مع الناس وحسن الخلق خير إحسان، قال تعالى ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. وكذلك إن كان متعلمًا أحبه مشايخه وسارعوا في بذل العلم له، وإن كان معلمًا أحبه طلبة العلم، ولاذوا به، وركنوا إليه للطفه، ورفقه، وحسن أدبه، فانتشر علمه في البلاد، وبين العباد.

стр. 10

مكانة الأدب إنَّ الأدب من أصول الدين وقَوَامه، ومن صفات أصحابه وقُوَّامه؛ لذلك فإنه من الأسس والأصول التي جاء بها دين الإسلام، وقررته الشريعة المطرة؛ ولذا فإنه من الأمور التي جاء جبريل ﵇ ليعلمها للنبي ﷺ وأصحابه، وللأمة من بعدهم، ففي الحديث الطويل المعلوم الذي قال النبي ﷺ فيه "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١) فإنَّ جبريل ﵇ جاء ليعلمنا بقوله وفعله، ففي رواية يحكي لنا أبوهريرة فعل جبريل ﵇ قال: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا (٢) من طين كان يجلس عليه، وإنا لجلوس، ورسول الله ﷺ في مجلسه إذ أقبل رجل أحسن

стр. 11

الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا كأنَّ ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلم في طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه¬ السلام، قال: أدنو يا محمد؟ قال " ادنه "، فما زال يقول: أدنو مرارًا، ويقول له "ادن" حتى وضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ (١). ففيه تعليم الأدب في التعامل مع المعلم، فإنه ﵇ استأذن برفق، وكلما أُذِن له دنا قليلًا، ثم يستأذن حتى دنا، واقترب، وجلس بين يديه جلوس المتورك في الصلاة، ووضع كفيه على ركبتيه، ثم بدأ يسأله، وهو يدل على أنَّ الأدب مع المعلم والمفتي من الدين بدليل قوله ﷺ " هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم". ولما كان الأدب من أصول الدين مدح الله تعالى المؤدبيين، وأثنى عليهم، فأثنى الله على الجن لما تأدبوا معه ، وقالوا ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. فلم ينسبوا الشر إليه سبحانه، ونسبوا إليه الخير والرشد، فأثنى عليهم وذكرهم في كتابه. وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].

стр. 12

قال علي بن أبي طالب ﵁: علموهم وأدبوهم (١). وبيّن النبي ﷺ أنَّ العبد يبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم (٢). وبيَّن ﷺ أنَّ أقرب الناس منه منزلة يوم القيامة هم أحاسنهم أخلاقًا (٣). إنهم أهل الأدب … لذا أُعْجِب النبي ﷺ بفعل أبي بكر ﵁ مع أنه خالف أمره؛ لأنَّ الدافع له حينها كان هو الأدب، عن سهل بن سعد أنَّ رسول الله ﷺ بلغه أنَّ بني عمرو بن عوف كان بينهم شرٌّ، فخرج رسول الله ﷺ يصلح بينهم في أناسٍ معه، فجلس رسول الله

стр. 13

ﷺ ، وحانت الصلاة، فجاء بلالٌ إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر إنَّ رسول الله ﷺ قد حبس، وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس، قال: نعم إن شئت، فأقام بلال، وتقدم أبو بكر، فكبر، وكبر الناس، وجاء رسول الله ﷺ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف، فأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ ، فرفع أبو بكر يده، فحمد الله، ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، فتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال " أيها الناس مالكم حين نابكم شيءٌ في الصلاة أخذتم في التصفيق، إنما التصفيق للنساء من نابه شيءٌ في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحدٌ حين يقول سبحان الله إلا التفت. يا أبا بكر ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك " فقال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ (١). فكان الداعي إلى ذلك هو الأدب.

стр. 14

قال الإمام ابن القيم عن ذلك: فإنه بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قُدَّامَ تنقطع فيه أعناق المَطِي (١). و أُعْجِب ﷺ بفعل ابن عباس، ودعا له بالفهم والعلم، مع أنه خالف أمره أيضًا؛ لما كان سبب فعله هو الأدب، عن ابن عباس قال: أتيت رسول الله ﷺ من آخر الليل، فصليت خلفه، فأخذ بيدي، فجرني، فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاته خنست، فصلى رسول الله ﷺ ، فلما انصرف قال لي " ما شأني أجعلك حذائي فتخنس " فقلت: يا رسول الله أو ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك - وأنت رسول الله الذي أعطاك الله - قال: فأعجبته " فدعا الله لي أن يزيدني علمًا وفهمًا" (٢)؟!! قال ابن المبارك: كاد الأدب يكون ثلثي الدين (٣).

стр. 15

وقال مَخْلَدُ بنُ الحُسينِ لابنِ المُبارَكِ: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منَّا إلى كثير من الحديث (١). وكان مالك يقول: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه (٢). وقال ابن المقفع: ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تتقاوت العقول، وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل (٣).

стр. 16

قال القرافي ﵀: فإنَّ كثير الأدب مع قليل العمل أفضل من كثير العمل مع سوء الأدب (١). لذلك كان العالم يوصي ابنه ويقول: يا بني: لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إليّ من أن تتعلم سبعين بابًا من العلم (٢). وكان الحكماء يقولون: لا ميراث أفضل من الأدب (٣).

стр. 17

وصدق القائل: فللمرء في أخلاقه وفعاله … معنى يدل عليه إن جُهِل النسب فإذا فقدتَ الجد فاختر بعده … أن تنتمي لأب شريف كالأدب (١) فكل ما سبق يدل على أنَّ للأدب المكانة العظيمة في الشرع، والفضائل الجمة ويتلخص ذلك في أمور: أنه من أصول الدين، وسبب للوقاية من النار، وسبب لثناء الله تعالى على العبد، ويبلغ به العبد درجة الصائم القائم، ويقرب العبد في منزلته يوم القيامة من النبي ﷺ ، وهو غذاء العقول ولقاحها كالطعام والشراب للأجساد، وغير ذلك من فضائله ومحاسنه.

стр. 18

الأدب مع أهل العلم والعلماء لماذا الأدب مع أهل العلم والعلماء؟! - الأدب مع العلماء؛ لأنهم شهداء الله في الأرض على أفضل مشهود عليه وأعظم ألا وهو التوحيد، قال الله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. قال ابن القيم: استشهد الله بأهلِ العلمِ على أجلِّ مشهودٍ عليه وهو توحيده، فقال ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وهذا يدلُّ على فضلِ العلمِ وأهلِهِ من وجوه: أحدها: استشهادُهُم دونَ غيرِهم من البشر. الثاني: اقتران شهادتهم بشهادته. الثالث: اقترانها بشهادة ملائكته. الرابع: أنَّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإنَّ الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول.

стр. 19

الخامس: أنه وصفهم بكونهم أولى العلم، وهذا يدل على اختصاصهم به، وأنهم أهله وأصحابه. السادس: أنه سبحانه استشهد بنفسه، وهو أَجَلُّ شاهد، ثم بخيار خلقه، وهم ملائكته، والعلماء من عباده، ويكفيهم بهذا فضلًا وشرفًا. السابع: أنه استشهد بهم على أَجَلِّ مشهود به، وأعظمه، وأكبره، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم. الثامن: أنه سبحانه جعل شهادتهم حجةً على المنكِرين، فهم بمنزلة أدلته، وآياته، وبراهينه الدالة على توحيده. التاسع: أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة الصادرة منه، ومن ملائكته، ومنهم، ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته، وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته. العاشر: أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة، فإذا أدوها فقد أدوا الحق المشهود به، فثبت الحق المشهود به، فوجب على الخلق الإقرار به، وكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وكل من ناله الهدى بشهادتهم، وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم، فلهم من الأجر مثل أجره، وهذا فضل عظيم لا يدرى قدره إلا الله (١).

стр. 20

- الأدب مع العلماء؛ لعظم فضلهم وقدرهم ومكانتهم: ففضل العلماء فضل لا يُبارَى، وبحر لا يُجارَى؛ إذ هم ورثة الأنبياء، وحملة اللواء، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ " فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدناكم، ثمَّ قالَ ﷺ : إنَّ اللَّهَ، وملائِكتَهُ، وأَهلَ السَّماواتِ والأرضِ، حتى النَّملةَ في جُحرِها، وحتى الحوتَ ليصلُّونَ على معلِّمِ النَّاسِ الخيرَ" (١). لكن لا يعرف هذا الفضل ويقدره إلا أهله، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل؛ لذا ما عرف فضلهم وقدرهم حق المعرفة إلا أهل العلم أمثالهم: قال شعبة بن الحجاج: كنت إذا سمعت الحديث من الرجل كنت له عبدًا ما حَيِيَ (٢).

стр. 21

قال أبوبكر النحوي: إذا تعلم الإنسان من العالم واستفاد منه الفوائد فهو له عبد، قال الله تعالى " وإذ قال موسى لفتاه " وهو يوشع بن نون، ولم يكن مملوكًا له، وإنما كان متلمذًا له، متبعًا له، فجعله الله فتاه لذلك (١). قال أبوحنيفة: ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي (٢). وكان أبويوسف يقول: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي (٣).

стр. 22

ذلك لأنَّ فضل الأبوين هو مجيء العبد إلى الدنيا، أما العلماء هم سبب في رحيل العبد إلى مرضات الله والدار الآخرة فهل يستويان؟! قال أحمد بن حنبل: منذ ثلاثين سنة وأنا أدعو للشافعي، وأستغفر له (١). وهذا ليس كثيرًا على المعلم، بل هو أقل ما يقدم له ردًّا لبعض جميله، وشكرًا لنعمة ربه عليه أن وفق له من يعلمه. سأل رجل أحمد بن حنبل فقال: عندنا بالري - مدينة بالمشرق - شاب يقال له: أبوزرعة، فغضب أحمد، وقال تقول شاب - كالمنكر عليه -، ثم رفع يديه وجعل يدعو الله لأبي زرعة يقول: اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم عافه، اللهم ادفع عنه البلاء (٢).

стр. 23

قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ قال: يا بني كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف، أو منهما من عوض؟! (١). وما أجمل وأحسن هذا التشبيه! هو للناس كالشمس في ضوئها، وإزالة الظلمة عن أهلها، وبعث الدفء والراحة في ربوعها، بل وكالعافية للناس؛ إذ إنَّ العافية هي باب الرزق، ودليل القوة، وطريق الكفاف والراحة، وعدم الحاجة، وغير ذلك من المعاني الجليلة. بل ومن فضلهم أنهم إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله تعالى. كان محمد بن سيرين إذا مر في السوق فما يراه أحد إلا ذكر الله تعالى (٢).

стр. 24

قال أبو حنيفة: إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة الفقهاء والعلماء، فليس لله ولي (١). من أجل ذلك كان لقاء أهل العلم وورثة الأنبياء فخر للعبد. قال أبو عبد الله البخاري: إنَّ أبي سمع من مالك، ورأى حمادًا، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه (٢). فيفتخر البخاري ﵀ أنَّ أباه سمع من مالك، ليس هذا فحسب، بل عَدَّ البخاري رؤية أبيه لحمّاد، ومصافحته لعبد الله بن المبارك فخرًا. ومن أجل ذلك عدَّ الشافعي زيارة أحمد له فضلًا منه أي من أحمد، وزيارته لأحمد فضلًا له أي للشافعي. ياله من أدب جم، وخلق سامي!!.

стр. 25

فنُسب له قوله: قالوا يزورك أحمد وتزوره … قلت الفضائل ما تعدت منزله إن زارني فبفضله أو زرتُه … فلفضله فالفضل في الحالين له (١) قال عبد الله بن المعتز: العالم يعرف الجاهل، لأنه قد كان جاهلًا، والجاهل لا يعرف العالم، لأنه لم يكن عالمًا (٢). ونُسِب إلى علي بن أبي طالب ﵁ قوله: النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ … أَبُوهُمْ آدَمٌ، وَالْأُمُّ حَوَّاءُ فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَا نَسَبٌ … يُفَاخِرُونَ بِهِ، فَالطِّينُ وَالْمَاءُ مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، إِنَّهُمْ … عَلَى الْهُدَى لِمَنْ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ … وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ وهذا المعنى مأخوذ من قول الله سبحانه: بل كذبوا بما لم يحيطوا

стр. 26

بعلمه (١). وكفى بالعلم وأهله شرفا أنَّ الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع (٢). بل بمجرد سلوك العبد طريق العلم يسهل الله له طريقاً إلى الجنة (٣). وما أحسن ما وصف به الشاعر الأندلسي العلم وأهله فقال: هُوَ الْعَضَب المهند لَيْسَ ينبو … تصيب بِهِ مقَاتل من ضربتا وكنز لَا تخَاف عَلَيْهِ لصًّا … خَفِيف الْحمل يُوجد حَيْثُ كنتا يزِيد بِكَثْرَة الْإِنْفَاق مِنْهُ … وَينْقص إِنْ بِهِ كفًّا شددتا (٤)

стр. 27

ومن أجل كل ذلك كان من أشد العقوبات أن يحرم الله الناس من أهل العلم. قال ابن عيينة: وأي عقوبة أشد على أهل الجهل من موت أهل العلم (١). - الأدب مع العلماء؛ لأنهم أهل الذكر والفتوى، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. بل إنَّ الحياة لا تحلو ولا تحل بعيدًا عنهم، فلقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يحل للعبد أن يجلس في مكان ليس فيه أحد من أهل العلم ليعلمه ما يحتاج إليه من أمر دينه. قال ابن حزم: فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو حصن أن ينتدب منهم من يطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها … ، ثم قال: فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين في صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم وإن كانوا بالصين (٢).

стр. 28

- الأدب مع العلماء؛ لأنهم أحسن الناس قولًا، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. _ الأدب مع العلماء؛ لأنهم الهداة إليه، قال تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. - الأدب مع العلماء؛ لأنهم ورثة الأنبياء، قال ﷺ "إنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا، ولا درهمًا، وإنما وَرَّثُوا العلم" (١). ولما كان العلماء ورثة الأنبياء استحقوا التوقير، والتقدير، والمهابة. قال طاووس: من السنة أن تُوَقِّرَ العالم (٢).

стр. 29

ورُئِىَ ابن عباس يأخذ بركاب أبيِّ بن كعب، فقيل له: أنت ابنُ عم رسول الله تأخذ بركاب رجل من الأنصار؟! فقال: إنه ينبغي للحَبر أن يُعَظَّمَ ويُشَرَّفَ (١). قال عبد الرحمن بن حرملة: ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يُستَأْذن الأمير (٢).

стр. 30

قال أبو عاصم: كنا عند ابن عون وهو يُحَدِّث، فمر بنا إبراهيم بن عبد الله بن حسن في موكبه، وهو إذ ذاك يُدعى إماماً، بعد قتل أخيه محمد، فما جسر أحد أن يلتفت فينظر إليه فضلًا عن أن يقوم هيبة لابن عون (١). قال الإمام أحمد بن إسحاق الفقيه: ما رأيت في المحدثين أهيب من إبراهيم بن أبي طالب كنا نجلس كأن على رءوسنا الطير، عطس أبوزكريا العنبري فأخفى عطاسه، فقلت له سرًّا: لا تخف فلست بين يدي الله (٢). - الأدب مع العلماء؛ لأنَّ مقامهم أعلى المقامات بعد مقام النبوة: قال ابن المبارك: لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء (٣).

стр. 31

-الأدب مع العلماء؛ لأنهم أرحامنا وآباؤنا وأجدادنا في العلم: قال ﷺ : " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم … " (١). وقال النووي عن أهل العلم: إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين لنا، وقال عن أبي العباس بن سريج وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه (٢). -الأدب مع العلماء؛ لأنهم في البلاد كالعين العذبة، أو المصباح المضيء، أو الغيث والمطر: فكل عالم مصباح زمانه يستضئ به أهل زمانه وعصره، قيل: العالم كالعين العذبة نفعها دائم، وقيل: العالم كالغيث حيث وقع نفع، وقيل: هو كالسراج مَنْ مَرَّ به اقتبس (٣). قال ابن القيم ﵀:

стр. 32

فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١). -الأدب مع العلماء؛ لأنَّ الإنسان يولد بين أيديهم أي يولد بالشريعة والفهم والعلم. قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك ويفسره بأنَّ الولادة نوعان: أحدهما هذه المعروفة، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع، قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبي بن كعب ﵁ "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم". قال: ومعنى هذه الآية والقراءة في قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع عن ثبوت أبوته. قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح، والوالد أب

стр. 33

الجسم (١). قال الشاعر: أُفَضِّلُ أستاذي على فضل والدي … وإن نالني من والدي المجد والشرف فهذا مربي الروح والروح جوهر … وذاك مربي الجسم والجسم كالصدف (٢) - الأدب مع العلماء؛ لأنَّ مفاتح العلوم بأيديهم: قال الشاطبي: وقد قالوا: إنَّ العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال (٣).

стр. 34

الأدب قبل العلم فالأدب هو سبيل الانتفاع بالعلم، وهو بركته، وأساسه، وهو فرشه وحصيره، وهو طريق حمايته، وهو الأرض الخصبة له؛ لذا كان لزامًا أن يكون الأدب قبل العلم. قال أنس بن مالك ﵁: تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم (١). قال ابن المبارك: كانوا يطلبون الأدب ثم العلم (٢). قال الثوري: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وكان الرجل لا يكتب الحديث حتى يتأدب (٣).

стр. 35

قال مخلد بن الحسين لابن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم (١). وكل هذا يدل على أنَّ الأدب لا بد أن يسبق العلم حتى يُحْمَى طالب العلم من مهاوي الكبر، والعجب، وآفات الطلب. فالعلم كالبذرة تحتاج خمسة أمور لكي تصلح: تحتاج أرضًا خصبة تنبت فيها، ومصدرَ رَيٍّ يرويها، وتحتاج سمادًا يغذيها، وأدوية من الآفات والمهلكات تحميها، ومتعهد لها في كل وقت يراعيها. • وكل ذلك يكمن بالنسبة للعلم في كلمة من خمسة حروف هي " الأدب ".

стр. 36

كيف يُنَالُ الأدب؟ • هناك أمور عدة يُنَالُ بها الأدب، ومن أهمها: • الرحلة في طلب الأدب: يُنَال الأدب بالرحلة في طلب الأدب، فكما يرحل العبد لتعلم العلم لابد أن يرحل لتعلم الأدب، يجلس بين أيدي أهل العلم والأدب، ويتعلم من هديهم، وسمتهم، ودَلِّهم. قال ابن سيرين: كان أصحاب النبي ﷺ يرحلون في تعلم الهدى والسمت (أي الأدب) كما يرحلون في تعلم العلم (١). وقال الحسن البصري: كانوا يرحلون السنتين تلو السنتين في تعلم الأدب (٢). وكان ابن المبارك يقول: تعلمت الأدب في ثلاثين سنة، ثم تعلمت العلم في عشرين سنة (٣).

стр. 37

عن أبي بكر المطوعي قال: اختلفت إلى أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولاده، فما كتبت عنه حديثًا واحدًا، وإنما كنت أنظر إلى هديه (١). قال ابن المبارك: إذا وُصِفَ لي رجل له علم الأولين والآخرين لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت رجلًا له أدب النفس أتمنى لقاءه، وأتأسف على فوته (٢). قيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه فتود أعضائي أنَّ لها أسماعًا فتنعم به، فقيل له: وكيف طلبك له؟ فقال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره (٣).

стр. 38

• النظر في سير أهل الأدب: ومما يكتسب به العبد صفة الأدب النظر في سير أهل الأدب، ليعلم كيف كانوا يتدأبون، فإنَّ الطالب لابد أن يكون له قدوات في كل مجال تبين له المنارات، وتُهَوِّن عليه اقتحام العقبات؛ لذا كان لابد من النظر في سيرهم، ومعرفة أحوالهم في هذا المجال. وبالنظر في أحوالهم نجد أنَّ أدبهم كان في كل وقت، وفي كل مكان، وعلى كل حال، ومن ذلك: • الأدب عند التعلم: فعند التعلم التزموا الأدب، وهذا هو أَجَلُّ مقامات الأدب؛ إذ إنَّ العلم لا يُنال إلا إذا تحلى صاحبه بالأدب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المتعلم طالب علم، أو إمامًا عالمًا، فإذا كان في مقام المتعلم لا بد وأن يتحلى بالأدب. قال ابن ماجة القزويني: جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل، فبينا هو عنده، إذ مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يسلم عليه، وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء، قال يحيى: يا أبا عبد الله كم هذا؟ فقال: دع عنك هذا؟ إن أردت الفقه، فالزم ذنب البغلة (١).

стр. 39

قال قتيبة بن سعيد: قدمت بغداد ولم يكن همي إلا أن ألقى أحمد بن حنبل، فإذا هو جاءني مع يحيى بن معين فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل وجلس بين يدي، وقال: أملِ علي، ثم تذاكرنا، فقام أيضًا وجلس بين يدي. فقلت: يا أبا عبد الله اجلس مكانك. فقال: لا تشتغل بي، إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه (١). عن إدريس بن عبد الكريم قال: قال لي سلمة بن عاصم النحوي: أريد أن أسمع كتاب العدد من خلف، فقلت لخلف، قال: فليجئ، فلما دخل رفعه لأن يجلس في الصدر، فقال: لا أجلس إلا بين يديك، وقال هذا حق التعليم، فقال له خلف: جاءني أحمد بن حنبل ليسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أدفعه فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك؛ أُمِرْنا أن نتواضع لمن نتعلم منه (٢). قال إسحاق الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه علي بن المديني،

стр. 40

والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم؛ يسألونه عن الحديث، وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظامًا (١). وهؤلاء هم مَنْ منهم مكانة وعلمًا وفضلًا!! لكنه الأدب!!! • الأدب عند السؤال: وهذا مجال آخر من مجالات الأدب، وهو عند السؤال والاستفتاء، وذلك يكون بأمور منها:
следующие страницы →