← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30092

رسالة في الأدب لأصحاب الطلب

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كيف يُنَالُ الأدب؟ • هناك أمور عدة يُنَالُ بها الأدب، ومن أهمها: • الرحلة في طلب الأدب: يُنَال الأدب بالرحلة في طلب الأدب، فكما يرحل العبد لتعلم العلم لابد أن يرحل لتعلم الأدب، يجلس بين أيدي أهل العلم والأدب، ويتعلم من هديهم، وسمتهم، ودَلِّهم. قال ابن سيرين: كان أصحاب النبي ﷺ يرحلون في تعلم الهدى والسمت (أي الأدب) كما يرحلون في تعلم العلم (١). وقال الحسن البصري: كانوا يرحلون السنتين تلو السنتين في تعلم الأدب (٢). وكان ابن المبارك يقول: تعلمت الأدب في ثلاثين سنة، ثم تعلمت العلم في عشرين سنة (٣).

стр. 37

عن أبي بكر المطوعي قال: اختلفت إلى أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولاده، فما كتبت عنه حديثًا واحدًا، وإنما كنت أنظر إلى هديه (١). قال ابن المبارك: إذا وُصِفَ لي رجل له علم الأولين والآخرين لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت رجلًا له أدب النفس أتمنى لقاءه، وأتأسف على فوته (٢). قيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه فتود أعضائي أنَّ لها أسماعًا فتنعم به، فقيل له: وكيف طلبك له؟ فقال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره (٣).

стр. 38

• النظر في سير أهل الأدب: ومما يكتسب به العبد صفة الأدب النظر في سير أهل الأدب، ليعلم كيف كانوا يتدأبون، فإنَّ الطالب لابد أن يكون له قدوات في كل مجال تبين له المنارات، وتُهَوِّن عليه اقتحام العقبات؛ لذا كان لابد من النظر في سيرهم، ومعرفة أحوالهم في هذا المجال. وبالنظر في أحوالهم نجد أنَّ أدبهم كان في كل وقت، وفي كل مكان، وعلى كل حال، ومن ذلك: • الأدب عند التعلم: فعند التعلم التزموا الأدب، وهذا هو أَجَلُّ مقامات الأدب؛ إذ إنَّ العلم لا يُنال إلا إذا تحلى صاحبه بالأدب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المتعلم طالب علم، أو إمامًا عالمًا، فإذا كان في مقام المتعلم لا بد وأن يتحلى بالأدب. قال ابن ماجة القزويني: جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل، فبينا هو عنده، إذ مر الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يسلم عليه، وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء، قال يحيى: يا أبا عبد الله كم هذا؟ فقال: دع عنك هذا؟ إن أردت الفقه، فالزم ذنب البغلة (١).

стр. 39

قال قتيبة بن سعيد: قدمت بغداد ولم يكن همي إلا أن ألقى أحمد بن حنبل، فإذا هو جاءني مع يحيى بن معين فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل وجلس بين يدي، وقال: أملِ علي، ثم تذاكرنا، فقام أيضًا وجلس بين يدي. فقلت: يا أبا عبد الله اجلس مكانك. فقال: لا تشتغل بي، إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه (١). عن إدريس بن عبد الكريم قال: قال لي سلمة بن عاصم النحوي: أريد أن أسمع كتاب العدد من خلف، فقلت لخلف، قال: فليجئ، فلما دخل رفعه لأن يجلس في الصدر، فقال: لا أجلس إلا بين يديك، وقال هذا حق التعليم، فقال له خلف: جاءني أحمد بن حنبل ليسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أدفعه فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك؛ أُمِرْنا أن نتواضع لمن نتعلم منه (٢). قال إسحاق الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه علي بن المديني،

стр. 40

والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم؛ يسألونه عن الحديث، وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظامًا (١). وهؤلاء هم مَنْ منهم مكانة وعلمًا وفضلًا!! لكنه الأدب!!! • الأدب عند السؤال: وهذا مجال آخر من مجالات الأدب، وهو عند السؤال والاستفتاء، وذلك يكون بأمور منها:

стр. 41

ينبغي لطالب العلم أن يحسن السؤال والمسألة، وأن يرفق بشيخه عند السؤال، ويدعو له، فإن ذلك خير سبيل إلى بلوغ مرامه. عن سليمان بن يسار وابن وهب أنهما قالا: حسن المسألة نصف العلم (١). كان عبيد الله بن عبد الله يلاطف ابن عباس فكان يغره غَرًّا (أي يغذيه كما يغذي الطائر صغيره) (٢). قال ابن جريج: لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به (٣).

стр. 42

وكان الشافعي يقول للربيع: لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك (١). قال الأصمعي: لم أر مثل الرفق في أمره … أخرج العذراء من خدرها من يستعن بالرفق في أمره … قد يخرج الحية من جحرها (٢) وعلى العكس من ذلك من لم يرفق بالعلماء حرم خيرًا كثيرًا. قال الزهري: كان أبو سلمة يسأل ابن عباس فكان يخنز عنه (٣).

стр. 43

وليس المراد هنا مجرد السؤال، بل المماراة وعدم الرفق. قال الشعبي: كان أبو سلمة يماري ابن عباس؛ فحرم بذلك خيرًا كثيرًا (١). بل قال أبو سلمة نفسه: لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علماً كثيرًا (٢). • الأدب في تحين الوقت المناسب: فمن الأدب مراعاة الوقت المناسب للشيخ الذي يكون فيه خالي الذهن نشيطًا، فإنَّ هذا أدعى لأخذ ما يحتاجه الطالب من العلم. قال ابن عباس: إن كنت لآتي الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ فإذا رأيته نائمًا لا أوقظه، وإن رأيته مغمومًا لم أسأله، وإن رأيته مشغولًا لم أسأله (٣).

стр. 44

وهذا أدب راقٍ من ابن عباس وفهم عال، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، ومع هذا التزم الأدب مع معلميه؛ ولذا صار ابن عباس بعدها حبر الامة، وبحرها. قال أبوعبيد القاسم بن سلام: ما أتيت عالمًا قط فاستأذنت عليه؛ ولكن صبرت حتى يخرج علي، وتأولت قول الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] (١). وهذا يعني أنهم كانوا ينزلون العلماء منزلة الأنبياء؛ لذا تأول القاسم بن سلام الآية على ذلك. قال ابن جماعة: لا يقرأ عند شغل قلب الشيخ، أو ملله، أو غمه، أو غضبه، أو جوعه، أو عطشه، أو نعاسه … (٢).

стр. 45

• الأدب عند مخاطبة الشيخ، أو التحدث عنه: قال الخطيب البغدادي: من أدب الطالب مع شيخه أن ينبله في الخطاب، ويبجله في الألفاظ، ولا تكون مخاطبته له كمخاطبته أهل السوق ...... فقد قال تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، وهذا أصل في أن يميز ذو المنزلة بمنزلته (١). ولما دخل ربيعة على الوليد بن يزيد، وهو خليفة، فقال يا ربيعة حدثنا. فقال: ما أحدث شيئًا، فلما خرج من عنده قال: ألا تعجبون من هذا الذي يقترح علي كما يقترح على المغنية: حدثنا يا ربيعة (٢). وحكي أن فتوى وردت من السلطان إلى الطبري لم يكتب له الدعاء فيها (فإنَّ من أدب المستفتي أن يدعو لشيخه، كأن يقول: رحمك الله، أو وفقك الله، ونحوه)، فكتب في أسفل الرسالة الجواب، ولم يزد على ذلك، فلما عادت الرقعة إلى السلطان علم أن ذلك كان للتقصير في الخطاب، فاعتذر إليه (٣).

стр. 46

قال علي بن المديني: أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أحدث إلا من كتاب (١). • الأدب عند الجلوس أمام الشيخ: قال ابن جماعة: فلا بد للطالب أن يجلس بين يدي أستاذه متأدبًا بسكون، وإطراق رأس، وخضوع، وجلوس الافتراش أو التورك، ويتعاهد تغطية أقدامه، وإرخاء ثيابه، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره (٢). وهذا الشافعي في مجلس مالك يقول: فأصفح الورق تصفحاً رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها (٣). وقال الربيع: ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي (٤).

стр. 47

قال أحمد بن إسحاق: ما رأيت في المحدثين أهيب من إبراهيم بن أبي طالب كنا نجلس كأنَّ على رءوسنا الطير، لقد عطس أبوزكريا العنبري فأخفى عطاسه، فقلت له سرًّا: لا تخف إنك لست بين يدي الله (١). • الأدب عند التعليم والفتوى: ليس الأدب عند التعلم فقط، بل هو لازم أيضًا عند التصدر والتعليم والفتوى. قال يحيى بن معين: الذي يحدث ببلد به من هو أولى منه بالتحديث فهو أحمق، وإذا رأيتني أحدث ببلد فيها مثل أبي مُسهِر فينبغي للحيتي أن تحلق (٢). وكان القاضي أحمد بن إبراهيم المالكي يتردد على الإمام الطحاوي، فجاء رجل، فسأل الطحاوي عن مسألة، فقال الطحاوي مذهب القاضي أيده الله كذا وكذا.

стр. 48

فقال السائل: ما جئت إلى القاضي إنما جئت إليك. قال: هو كما قلت، فأعاد السؤال. فقال القاضي أفته برأيك، فقال الطحاوي إذًا حيث أذن القاضي، فأقول فيها كذا وكذا (١). قال الثوري لابن عيينة: ما لك لا تحدث؟ قال وأنت حي فلا (٢). دخل ابن المبارك على المعتمر بن سليمان، وكان يحدث الناس، فسكت، فقام الطلبة، فقالوا: أكمل حديثك، فقال: نحن لا نتحدث عند كبرائنا (٣). وكان الثوري جالسًا فدخل عليه أبو حنيفة فقام الثوري، فقال الطلبة: لم تفعل ذلك؟ فقال: إن لم أقم لعلمه قمت لسنه (٤).

стр. 49

فهذا هو فعل الأكابر حقًّا أن ينزلوا الناس منازلهم، ولا يتكلمون أو يفتون عند وجودهم. • الأدب عند الوصف: ففي علم التراجم والسير يصف العلماء من يترجمون له حتى يُعرَف بوصفه، ويُمَيَّز عن غيره، فكان من هؤلاء العلماء من أصيب في عينه، وهو المسمى بالعور، لكنهم تلطف كثيرٌ منهم عند ذكر هذا الوصف، وحسَّنه، وجمَّله. ففي الأعلام للزركلي قال: إبراهيم بن عبد الرحيم الكناني الحموي قاضي مصر والشام، وكان لا ينظر بإحدى عينيه (١). وفي طبقات الشافعية: وكان القفال مصابًا بإحدى عينيه (٢). وقال بعضهم: كان بإحدى عينيه بياض (٣). ومن أحسن ما كان يقال كما في تاريخ بغداد: عبد الله بن ناجية كان مُمَتَّعًا بإحدى عينيه (٤).

стр. 50

كل ذلك محاولة للبعد عن كل ما يوهم المذمة والعيب، وإن كان في الوصف والمظهر. إنه الأدب!!! • الأدب عند العبادة: فإذا اجتمعوا مع أهل العلم عند العبادة التزموا الأدب أيضا. قال محمد بن رافع: كنت مع أحمد، وإسحاق عند عبد الرزاق، فجاءنا يوم الفطر، فخرجنا مع عبد الرزاق إلى المصلى، ومعنا ناس كثير، فلما رجعنا دعانا عبد الرزاق إلى الغداء، فجعلنا نتغدى معه، فقال لأحمد وإسحاق: رأيت اليوم منكما عجبًا، لَمْ تكبرا! فقالا: يا أبا بكر نحن ننظر إليك هل تكبر فنكبر، فلما رأيناك لم تكبر أمسكنا، قال: وأنا كنت أنظر إليكما هل تكبران فأكبر (١).

стр. 51

• الأدب مع المخالف: وهذا باب من الأدب لا يهتدي إليه إلا الموفق الذي زاده الله تعالى توفيقًا، فإنَّ بعض طلبة العلم قد يتحلى بالأدب مع مشايخه ومعلميه، لكنه لا يستطيع أن يتحلى بالأدب مع مخالفيه، مع أنَّ هذا الأدب من الأهمية بمكان؛ إذ هو دليل التجرد والإخلاص. ومن ذلك ما ورد أنَّ محمد بن سريج بلغه موت محمد بن داود الظاهري - وكان بينهما مناظرات - حزن له، ونحى مخاده، وجلس للتعزية، وقال: ما آسى إلا على تراب يأكل لسان محمد بن داود (١). قال ابن القيم عن ابن تيمية: كان بعض أصحابه الأكابر يقولون: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وجئت يوما مبشرًا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم (٢).

стр. 52

ومن ذلك أيضًا: أنه كان بين الإمامين أبي نعيم وابن منده وحشة شديدة، ومع ذلك لما ذُكِر ابن منده عند أبي نعيم قال كان جبلًا من الجبال (١). وهذا يدل على الإنصاف، وعدم التعصب، وحسن الظن، وكل هذا من حسن الهدي والسمت والأدب. قال أبوزرعة: كنت عند أحمد بن حنبل فذكر له إبراهيم بن طهمان وكان متكئًا من علة، فجلس، وقال: لا ينبغي إذا ذُكِر الصالحون فيتكأ، وقال أحمد: كان مرجئًا، وكان شديدًا على الجهمية (٢). ما أعظم الإمام أحمد من معلم ومؤدب، فلقد أدب الناس بعمله قبل قوله، فجلوسه - مع اتكائه من علة - لتعليم الأدب مع العلماء والصالحين، حتى عند غيابهم، بل بمجرد ذكر أسمائهم، ثم تعليمه الأدب لطلبته بذكره أنه من الصالحين فينبغي أن يُقَدَّر ويُوَقَّر، وأعظم من كل ذلك إنصافه وذكره للخير والشر معًا ليعالج هذا بذاك، فإن أراد أحد أن يعتدي لما عنده من الخطأ نظر إلى ما عنده من الخير

стр. 53

والصواب فأمسك. حقًّا إنها أخلاق النبوة وورثتهم، وهو أصل عام في هذه الشريعة المطهرة، قال تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فأين هذا ممن يفعل الضد تمامًا، فإذا ذُكِرَ أهل العلم لا يَذْكُرُ إلا أخطاءهم وعيوبهم، ويُخفِي فضائلهم وخيراتهم، ثم يدَّعي مع ذلك أنه من أهل السنة، ومتبع منهجهم. أليس هذا أمرًا عُجابًا؟! • الأدب عند المناظرة والجدال: والأدب عند المناظرات أدب عال عظيم المقام؛ إذ إنَّ المناظرات يغلب عليها الانتصار للنفس، والتعصب والحمية، وكأنها ميدان من ميادين المعارك؛ لذا قليلًا مايرى المتعصب في المناظرات الحق وإن كان واضحًا جليًّا؛ لمجرد أنه مع غيره، لكنه بالأدب يهون الخطب، وتهدأ النفوس، وتبصر عيون القلب الحق بمجرد أن يلوح لها؛ لذا قال تعالى في تقرير هذا الأدب حتى في حوار أهل الكتاب ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. قال الشافعي: ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة إلا على الحق (١). أي على إظهار الحق وبيانه.

стр. 54

وقال أيضاً: ما ناظرت أحدًا قط فأحببت أن يخطئ، وما كلمت أحدًا إلا وأحببت أن يُوَفَّق ويُسَدَّد، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبالِ بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه (١). وهذا أدب من تحلى به يكون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود؛ إذ هو دليل على تجرد وإخلاص يناطح الجوزاء في العلياء، وما يناله إلا ذو حظ عظيم. • الأدب في الطرقات والشوارع: وهذا مجال آخر للأدب بعيدًا عن ميدان العلم وحلقات العلم، كي لا يظن ظان أنَّ الأدب مع أهل العلم في حلقات العلم وحلق الذكر فقط، بل إنه في الطرقات والشوارع أيضًا. ومن ذلك: كان الشيخ شمس الدين الديروطي ﵀ إذا مر على فقيه ينزل عن دابته، ويسوقها أمامه، ويقبل يده، ثم لا يركب حتى يبعد عنه جدًّا، ويتوارى عنه بجدار أو نحوه (٢).

стр. 55

وعن عاصم بن أبي النجود قال: ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبل كفي (١). وكان الإمام مسلم بن الحجاج يلقى البخاري فيقول له: دعني أقبل رجليك ياأستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين (٢). • الأدب في الخلوات: مجال آخر للأدب إنه ليس في مجالس العلم، ولا عند ملاقاة أهل العلم، بل هو أدب معهم في الخلوات أي عند غيابهم، إذ إنَّ الأدب معهم هو أدب وتوقير لما يحملون من العلم، وهذ لا يغيب عن خلد المسلم، ولا يذهب عن خاطره، لذا فإنَّ أهل العلم وإن غابوا لا يغيب أثر علمهم في الناس. يقول أحمد بن حنبل ﵀: استأجر الشافعي دارًا، وكان داره مقابلًا لداري، فكنت لا أمد قدمي نحو بيت الشافعي (٣). وقال أبو حنيفة ﵀: ما كنت أمد قدمي نحو بيت حماد، وكان بيني وبينه سبع سكك (٤).

стр. 56

• الأدب عند خطأ العلماء: إنَّ العلماء ليسوا معصومين من الخطإ فلا معصوم إلا الأنبياء، وإن أخطأوا فمن حقهم علينا إسدال النصح، وتسديد الخطإ، ولكن كيف يُصحَّحُ الخطأ. قال الإمام ابن العربي المالكي: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة: وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيِّ، وحضرتُ كلامه على الناس، فكان مِمَّا قال في أول مجلس جلستُ إليه: إنَّ النبي ﷺ طَلَّقَ وَظَاهَرَ وَآلَى، فَلَمَّا خرج تبعتُه حتى بلغتُ معه إلى منزله في جماعة، فجلس معنا في الدِّهْلِيزِ، وعرفهم أمري، فإنه رأى إشارة الغربة ولم يعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه، فَلَمَّا انْفَضَّ عنه أكثرهم قال لي: أراك غريبًا، هل لك من كلام؟ قلتُ: نعم. قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه. فقاموا، وبقيتُ وحدي معه. فقلتُ له: حضرْتُ المجلس اليوم مُتَبَرِّكًا بك، وسمعتك تقول: آلَى رسول اللَّه ﷺ وصدقتَ، وطلَّق رسول اللَّه ﷺ وصدقتَ. وقلتَ: وَظَاهَرَ رسول اللَّه ﷺ وهذا لم يكن، ولا يصحُّ أَنْ يكون؛ لأَنَّ الظِّهار منكر من القول وزور؛ وذلك لا يجوز أَنْ يقع من النَّبِيِّ ﷺ . فَضَمَّنِي إلى نفسه وَقَبَّل رأسي، وقال لي: أنا تائب من ذلك، جزاك اللُّه عني مِنْ مُعَلِّمٍ خيرًا. ثم انقلبتُ عنه، وبكرتُ إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيتُه قد سبقني إلى الجامع، وجلس على

стр. 57

المنبر، فَلَمَّا دخلتُ من باب الجامع ورآني نادى بأعلى صوته: مرحبا بِمُعَلِّمِي؛ أفسحوا لِمُعَلِّمِي، فَتَطَاوَلَتِ الأعناقُ إليَّ، وَحَدَّقَتِ الأبصارُ نحوي، - وتعرفني: يا أبا بكر يشير إلى عظيم حيائه، فإنه كان إذا سلَّم عليه أحد، أو فاجأه خجل لعظيم حيائه، واحْمَرَّ حتى كأنَّ وَجْهَهُ طُلِيَ بِجُلَّنَارٍ - قال: وتبادر الناس إليَّ يرفعونني على الأيدي، ويتدافعونني حتى بلغتُ المنبر، وأنا لعظم الحياء لا أعرف في أي بُقْعَةٍ أنا من الأرض، والجامع غَاصٌّ بأهله، وأسال الحياءُ بدني عَرَقًا، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: أنا مُعَلِّمكم، وهذا مُعَلِّمِي؛ لَمَّا كان بالأمس قلتُ لكم: آلَى رسولُ اللَّه ﷺ وَطَلَّقَ، وَظَاهَرَ؛ فما كان أحد منكم فَقِه عني، ولا رَدَّ عليَّ، فَاتَّبَعَني إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا؛ وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائبٌ عن قولي بالأمس، وراجعٌ عنه إلى الحق؛ فَمَنْ سمعه مِمَّنْ حضر فلا يُعَوِّلْ عليه. وَمَنْ غاب فَلْيُبَلِّغْهُ مَنْ حضر؛ فجزاه اللَّه خيرًا؛ وجعل يَحْفُلُ في الدعاء، وَالْخَلْقُ يُؤَمِّنون (١). سبحان مَنْ أدَّب هؤلاء، ووفقهم للصواب، وألهمهم إياه!! إنَّ هذا من المواقف التي يقف المتأمل فيها حيرانًا من هؤلاء الأعلام، فأيهما أعظم موقفًا، وأنبل من صاحبه؟! محمد بن القاسم الذي التزم الأدب مع شيخه، ولم يُهَلِّل فرحًا بحصوله على خطئه، ولم يقف على الملإ لإظهار خطإ شيخه لعلو شأنه، وإظهار مكانته في العلم، وهو غريب بين الناس، وكذلك لم

стр. 58

ينتظر انصراف شيخه ثم بدأ يذكر الخطأ لتلامذته، ويقول لقد أخطأ شيخكم في كذا وكذا، لا. لا. كل هذا لم يحدث. ولكنه لحقِّ معلمه عليه نبهه للخطإ بأدب، فأعلمه بالخطإ بينه وبينه، وذلك بعدما طيب نفسه بأمور منها: قوله حضرت المجلس مُتَبَرِّكًا بك أي حدثت لي البركة والعلم بالحضور بين يديك، ومنها بذكر الصواب الذي ذكره أولًا، حيث قال: قلت كذا وصدقت، وقلت كذا وصدقت، ثم ذكر له مؤخرًا الخطأ، وذكر سبب الخطأ. فهل هذا أعظم أم موقف أبي الفضل؟! العالم المعلم، سيد الناس، وإمامهم في هذا الزمان حين يعترف بخطئه على رؤوس الحاضرين لغريب لا يعرفه، ويسميه معلمًا له، ويدعو له بين الناس وهم يؤمنون، فإنه موقف يدل على متانة الدين، وحسن الأدب والخلق، وتجرد النية، وإخلاص العمل لله. ولا جرم، فإنَّ هذا حقًّا هو فعل المؤدَّبين المؤدِّبين. • كيف يصحح الخطأ؟ قال ابن جماعة: - تكرار اللفظة مع ما قبلها لينتبه لها الشيخ. - إن لم ينتبه أُتِي بالصواب على هيئة استفهام. - إن أصر يؤجلها للدرس المقبل ويتأكد منها. - إن كانت المسألة لا تحتمل التأخير، أو يترتب عليها أضرار ينبهه

стр. 59

بأدب وتلطف (١). • أدب الوالد مع ولده: وهذا من أغرب ما يُعْلَم في باب الأدب، فقد يتغلب العالم على نفسه، ويجلس بين يدي معلمه، ولكن أن يتغلب الأب على نفسه، ويجلس بين يدي ابنه جلوس المتعلم، فهذا ما أصعبه على النفس!؛ للعلم بمشقة الطلب ومذلته، لكن من أهل الأدب والفضل مَنْ قدر على ذلك، كل ذلك إجلالًا للعلم وأهله. كان ربيع القطان من الفقهاء المعدودين، وكان أبوه من أهل العبادة، قال أخوه أحمد: كنا إذا جلسنا مع والدي وخطر في باله شيء من العلم قام من مكانه يبحث بين يدي ربيع ابنه، فيقوم ربيع إليه، ويقول: لم فعلت هذا؟ فيقول: أردت أن أسألك عن شئ من العلم، فقال: هلا وأنت مكانك؟ فيقول: أردت أن أعطي العلم حقه (٢). • أدب الخلفاء مع العلماء: وهذا مجال آخر للأدب: فإنه مجال يصدق أن يقال عنه " لقاء العمالقة الأكابر "، ولكن الفرق أنه لقاء بين أكابر الدنيا وهم الخلفاء، وأكابر الدين وهم العلماء، فإذا بالخلفاء في هذا اللقاء يدينون لأهل العلم بالفضل والأدب، وإنهم وإن كبروا مهما كبروا لا يكبرون على

стр. 60

العلم وأهله؛ لأنهم أعظم الناس مرتبة وفضلًا عند الله بعد الأنبياء؛ فكان لزامًا أن يكونوا كذلك عند الناس إلا من جهل ذلك، أو عاند فيه. وما أجمل قول المأمون في هذا (كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى): فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم. يقول الأصمعي: أرسل إليَّ هارون ولده لكي أعلمه، فرآه يومًا يتوضأ ويغسل رجله، وابن الخليفة يصب الماء على رجله، فعاتب الأصمعي في ذلك، وقال إنما بعثته إليك لتعلمه وتأدبه، فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك (١). قال أبو معاوية الضرير: صَبَّ عليَّ بعد الأكل شخصٌ لا أعرفه، فقال الرشيد أتدري من يصب عليك؟ قلت: لا، قال: أنا. إجلالًا للعلم (٢). ومن ذلك أيضًا: أنَّ المأمون كان قد أرسل ابنيه إلى الفراء، فلما كان الفراء يريد أن ينهض إلى بعض حوائجه فابتدرا إلى نعل الفراء ليقدمانه، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما

стр. 61

فردًا فقدماها، وكان المأمون على كل شيء صاحب خبر، فاستدعاه، فلما دخل عليه قال: مَنْ أَعَزُّ الناس؟ قال: لا أعرف أعز من أمير المؤمنين، فقال: بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد منهما أن يقدم له فردًا … إلى أن قال: وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم (١). قال أحمد بن حمدون: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه، فأكرمه، فقيل له: من هذا؟ فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله (٢). ومما سبق يُعلَم أنَّ الأدب صفة ملازمة للمؤدبين أصحاب الخلق السامي، والأدب الرفيع في كل وقت، وفي كل مكان، وعلى أي حال سواء كانوا من عامة الناس، أو من طلبة العلم، بل حتى وإن كانوا من الخلفاء أو العلماء.

стр. 62

الإنكار على مَنْ حاد عن الأدب كان أهل العلم يزجرون من حاد عن الأدب، وينكرون على من خالف فيه، ولا يسمحون بتجاوز هذا الباب مهما كان قدره ومكانته؛ لأنَّ هذا هو طريق العلم. ومن ذلك: دخل الحافظ ابن وارة الرازي (وكان فيه زهو) على الإمام الشاذكوني فجعل يتمعر في كلامه فقال له: من أي بلد أنت؟ فقال: من أهل الري ألم يأتك خبري، ألم تسمع بنبئي؟! أنا ذو الرحلتين. فقال: من روى حديث " إنَّ من الشعر لحكمة "؟ فقال ابن وارة: حدثني بعض أصحابنا. فقال الشاذكوني: من أصحابك؟ فقال: أبو نعيم، و قبيصة. فقال: ياغلام ائتني بالدرة، فأمر أن يضرب خمسين ضربة، وقال: أنت تخرج من عندي، وما آمن أن تقول حدثني بعض غلماننا (١).

стр. 63

ومما يعجب له المتأمل في ذلك بقاء ابن وارة حتى ضرب خمسين ضربة؛ لعله بذلك ينال العلم، فمع إنكار الشاذكوني عليه، وتعنيفه له، وضربه خمسين ضربة، ومع كل ذلك كان جالسًا يأمل أن يُعَوَّض عن كل ذلك العلمُ. فياأسفاه!! على بعض طلبة العلم في زماننا ممن لم يسئ لهم أهل العلم، ولم يزجروهم أو ينهروهم بحيدهم عن الأدب، بل يتلطفون لهم، ويرفقون بهم، ومع كل ذلك لم يسلم أهل العلم من لسانهم. فأهل العلم لهم الله في زمان قل فيه الأدب، وكثر فيه الجهل، وما عليهم إلا تحمل جهل الجاهل حتى يتعلم، وسوء أدب المسيء حتى يتأدب. فلله درهم، وإعانة الله لهم. يقول الأصبهاني: حضرت شريكًا وأتاه ابن المهدي أي الخليفة فجلس بجوار الحائط، وسأله سؤالًا فلم يرد عليه شريك، فسأله مرة ثانية فلم يرد عليه، ثم الثالثة فلم يرد عليه، فقال: أراك تستخف بأبناء الخلفاء، فقال له: كلا. ولكن العلم أزين أن تضيعوه، قال: فقام فجلس بين يديه، فقال له شريك: هكذا يُطلب العلم (١).

стр. 64

قال الإمام مالك ﵀: وجَّهَ إليَّ هارون الرشيد يسألني أن أحدثه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ العلم يؤتي ولا يأتي، قال: فصار إلى منزلي فاستند معي إلى الجدار، فقلت: يا أمير المؤمنين إنَّ من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، قال: فجلس بين يدي، قال: فقال لي بعد مدة: يا أبا عبد الله، تواضعنا لعلمك فانتفعنا به (١). وهذا دليل على أهمية الأدب، فما كانوا يفرقون في هذا الباب بين خليفة، وعالم، ومتعلم إذا حاد عن الأدب. ومن ذلك أيضًا: أنهم كانوا يعدون مجرد الانشغال عن الشيخ في دروس العلم من سوء الأدب يُعاقَب صاحبه عليه، وأعظم عقاب يُعاقَب به طالب العلم هو بحرمانه من العلم. عن أحمد بن سنان قال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُتَحَدَّث في مجلسه، ولا يُبْرَى فيه قلم، ولا يَبْتَسِم أحدٌ فإن تحدث، أو برى قلمًا صاح، ولبس نعليه، ودخل (٢).

стр. 65

وكان بعضهم يعد مجرد السؤال عن أهل العلم لمن ليس أهلًا لذلك من سوء الأدب، قال أبوبكر بن الأثرم، سمعت أحمد بن حنبل، فسئل عن إسحاق بن إسماعيل، فقال: ما أعلم إلا خيرًا إلا إنه … ثم قال - وهو مغتاظ -: مَالَكَ أنت - ويحك - ولذكر الأئمة (١). وهذا دليل أنَّ مجرد السؤال عن أهل العلم وأخطائهم لا يكون لكل أحد، بل هو لأهل الاختصاص منهم، فضلًا أن يكون التجريح والحكم بالخطأ والصواب، فهذا من باب أولى يكون للعلماء والمختصين، ولا يكون كما يقولون: لكل مَنْ هَبَّ ودَبَّ. ومن ذلك أيضًا: أنه لما شرع شمس الدين الجوهري ﵀ في طلب العلم طاف على أكابر علماء بلده، فلم يعجبه منهم أحد حتى جاء إلى شيخ الإسلام يحيى المناوي، فجلس بين يديه، وفي ظنه أنه يلحقه بمن تقدم، فشرع في القراءة، فتأمل الشيخ فوجد أصبعًا من أصابع رجله مكشوفًا، فانتهره، وقال له: بحال أنت قليل الأدب، لا يجيء منك في الطلب، غَطِّ أصبعك، واستعمل الأدب، فحُمَّ لوقته، وزال عنه ما كان

стр. 66

يجده من الاستخفاف بالناس، ولزم دروسه حتى صار رأسًا عظيمًا في العلم (١). • وهنا فائدة مهمة: وهي أنَّ التلطف والرفق ليس في كل حال هو علاج من أساء الأدب، بل أحيانًا يكون الزجر والإنكار عليه حَيْدَه عن الأدب هو علاجه، ويكون فيه نجاته من منزلق وهاوية سوء الأدب.

стр. 67

الآثار السيئة لمخالفة الأدب إنَّ لكل خلق تبعات وآثارًا، فإنَّ الخلق الحسن، والأدب الرفيع آثاره حسنة، والأخلاق السيئة آثارها سيئة، ومن الآثار السيئة لعدم التزام الآداب مع أهل العلم ما يلي: • الوقوع في البدع والضلالات: فالجزاء من جنس العمل، فمن لم يرض بالعلماء نورًا أبدله الله البدع وأهلها يهوي في ظلماتها، ويصدق عليه قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. ومن ذلك أنَّ واصل بن عطاء كان تلميذًا للحسن البصرى، وبينما هو جالس فى درسه سأل سائل الحسن البصرى عن مرتكب الكبيرة: أهو كافر كما يقول وعيدية الخوارج، أو مؤمن لا يضره مع الإيمان ذنب كما يقول مرجئة الأمة؟ فتعجل واصل فى الجواب، وقال: لا. هو فى منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وخالف بذلك أهل السنة من السلف، فإنهم لا يحكمون بخروج المؤمن من الإيمان بارتكابه الكبيرة، واعتزل مجلس الحسن، وجلس إلى اسطوانة يقرر مذهبه، واجتمع إليه التلاميذ، فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمى من تبعه فى

стр. 68

ذلك المعتزلة (١). وهذا من شؤم مخالفة الأدب، فليس من الأدب أن يُسْأَل الحسن البصري، ويجيب واصل في حضرته، وهو تلميذه؛ لذا كانت هذه بداية البدعة له، وأصبح مؤسسًا لمذهب من مذاهب أهل البدع وهم المعتزلة - نسأل الله السلامة والعافية -. وروي عن إسماعيل بن علية، قال: حدثني اليسع، قال: تكلم واصل بن عطاء يوماً يعني المعتزلي فقال عمرو بن عبيد: ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن و ابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيض ملقاة (٢). سبحانك هذا بهتان عظيم!! إنه لسوء أدب وجرأة على ورثة الأنبياء أن يشبه عمرو بن عبيد كلام الحسن الذي كان العلماء يشبهون كلامه بكلام الأنبياء، وابن سيرين العالم الزاهد الورع يشبه كلامهما بخرقة حيض ملقاة. حقًّا، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. من أجل ذلك لا تعجب إذ يقدر الله لهؤلاء أن كانوا من مؤسسي مذهب من مذاهب أهل البدع.

стр. 69

• الحرمان من العلم: ومن جزاء مخالفة الأدب مع أهل العلم هو الحرمان من العلم ولا بد؛ إذ إنَّ العلم لا ينال إلا بالأدب. قال زكريا الساجي: جاء ابن وارة إلى أبي كريب، فقال لأبي كريب: ألم يبلغك خبري ألم يأتك نبئي؟! أنا ذو الرحلتين، أنا محمد بن مسلم بن وارة. فقال وارة، وما وارة، وما أدراك ما وارة؟! ثم قال: فوالله لا أحدثك، ولا أحدث قومًا أنت فيهم (١). • سوء الخاتمة: فإنَّ العبد لا يدري بم يختم له، والأعمال بالخواتيم، وكان السلف يحذرون من الكلام في العلماء والاستمرار عليه خوفًا من ذلك؛ لأنه استمرار وإصرار على كبيرة من الكبائر. قال الإمام أحمد بن الأذرعي ﵀: الوقيعة في أهل العلم لا سيما أكابرهم من الكبائر (٢).

стр. 70

وقال ابن عساكر ﵀: واعلم ياأخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه، ويتقيه- أنَّ لحوم العلماء-رحمة الله عليهم- مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة. وقال أيضًا: ومن أطلق لسانه في العلماء بالسلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (١). ومما يورده العلماء في ذلك - عفا الله عنا وعن جميع المسلمين - ما حدث للقاضي الفقيه الشافعي محمد بن عبد الله الزبيدي الذي درَّس وأفتى، وكثر طلابه، واشتهر، قال الجمال المصري وإنه شاهده عند وفاته، وقد اندلع لسانه واسود، فكانوا يرون أنَّ ذلك بسبب وقيعته

стр. 71

في الشيخ محيي الدين النووي ﵏ جميعًا - (١). • ومن الآثار السيئة للطعن في العلماء أيضًا عزوف الناس عنهم، وتعطيل الانتفاع بعلمهم: وإنَّ هذا من الإفساد العظيم في الأرض، فإنَّ مُعَطِّلَ انتفاع الناس بطعامهم وشرابهم وحاجاتهم مفسد في الأرض، مستحق للعقاب، بل وسماه الله تعالى محاربًا لله ورسوله، قال تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. فما بالنا بمن عطل على الناس انتفاعهم بأطباء الروح والقلوب، وقطع على الناس طريق الآخرة، بل إنَّ من عظيم الإفساد في هذا الباب أنه يؤدي للطعن في الدين؛ لأنهم حملة الدين ومبلغوه.

стр. 72

قال الشيخ بكر أبوزيد ﵀ عن الطعن في أهل العلم، وتبديعم، ونحو ذلك: كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جُرِحَ شهود الشرع جُرِحَ المشهود به، لكن الأغرار لا يتفقهون، ولا يتثبتون (١). وغير ذلك من الآثار السيئة، نسأل الله تعالى لنا، ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

стр. 73

الخاتمة وبها إحدى عشرة نصيحة لطالب العلم قال الله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. عن جرير بن عبد الله قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم (١). وعن تميم الداري: أنَّ النبي ﷺ قال " الدين النصيحة " قلنا: لمن؟ قال "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" (٢). فمن باب التواصي بالحق، والنصيحة بالخير أختم هذه الرسالة ببعض النصائح، والوصايا المهمة تتمة للفائدة، أوصي بها نفسي، وإخواني من طلبة العلم.

стр. 74

وجعلتها إحدى عشرة نصيحة لأمرين: الأول: أني جعلتها وترًا؛ لأنَّ الله تعالى وتر يحب الوتر، وكل شيء يحبه الله تعالى نرجو منه الخير، والبركة، والتوفيق والسداد. الثاني: أني استحضرت حينها صلاة النبي ﷺ بالليل، وأنها كانت في أغلبها إحدى عشرة ركعة، وأنه بانقضاء صلاة الليل يبزغ نور الفجر، فجعلتها إحدى عشرة نصيحة أختم بها الرسالة مستبشرًا، ومتفائلًا، ومؤملًا بعدها أن يبزغ نور الفجر، فينفع الله بها، وتستضييء بصائر القلوب، فيستزيد بذلك الساعي إلى الخير في سعيه، ويهتدي الحيران من حيرته، ويفيق الغافل من غفلته، والله الموفق، والهادي إلى الصراط المستقيم. • أخي وحبيبي طالب العلم: النصيحة الأولى احضر مجالس العلم حضور مستفيد لا باحثٍ عن العورات فإنك إن حضرت حضور مستفيد وُفِّقْتَ وأُعِنْتَ، وإلا تُرِكْتَ لنفسك وحُرِمْتَ، يقول الإمام الصنعاني ﵀ عن هذا الصنف الباحث عن العورات والعثرات: " لئيم الطلبة، وخبيث الحضَّار عند العالم، متتبع العثرات، وكاشف العورات، ودافن الحسنات، قال: وما أكثر هذا النوع لا كَثَّرَه الله فإنهم الذين أفسدوا معالم العلم، وملأوا المواقف على العلماء بأحاديث كاذبة، ثم قال: وبئس الجزاء أن

стр. 75

يجازي التلميذ شيوخه بإشاعة هفواتهم وزلاتهم، فإنه لابد لكل جواد من كبوة، ولكل صارم نبوة: ومن ذا الذي تُرْجَي سجاياه كلها … كفي بالمرء نبلًا أن تُعَدَّ معايبُه ثم قال: فخير الناس من أشاع الخير عن العلماء وأذاعه، ودافع عنهم إن سمع قادحاً فيهم (١). قال ابن حزم: إذا حضرت مجلس علم فلا يكن حضورك إلا حضور مستفيد، مستزيد علمًا وأجرًا، لا حضور مستغن بما عندك، طالبًا عثرة تُشَنِّعُها، أوغريبة تُشَيِّعُها، فهذه أفعال الأراذل الذين لا يفلحون في العلم أبدًا (٢). النصيحة الثانية لا تفرح بخطأ العالم فالفرح بأخطاء الناس عامة وأهل العلم خاصة دليل على خبث النية، وسوء الطوية. قال الشيخ بكر أبو زيد: إذا ظفرت بوهم العالم فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به
следующие страницы →