← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30092

رسالة في الأدب لأصحاب الطلب

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (88 стр.). Показаны 71–88 · переход к 76.

стр. 71

في الشيخ محيي الدين النووي ﵏ جميعًا - (١). • ومن الآثار السيئة للطعن في العلماء أيضًا عزوف الناس عنهم، وتعطيل الانتفاع بعلمهم: وإنَّ هذا من الإفساد العظيم في الأرض، فإنَّ مُعَطِّلَ انتفاع الناس بطعامهم وشرابهم وحاجاتهم مفسد في الأرض، مستحق للعقاب، بل وسماه الله تعالى محاربًا لله ورسوله، قال تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. فما بالنا بمن عطل على الناس انتفاعهم بأطباء الروح والقلوب، وقطع على الناس طريق الآخرة، بل إنَّ من عظيم الإفساد في هذا الباب أنه يؤدي للطعن في الدين؛ لأنهم حملة الدين ومبلغوه.

стр. 72

قال الشيخ بكر أبوزيد ﵀ عن الطعن في أهل العلم، وتبديعم، ونحو ذلك: كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جُرِحَ شهود الشرع جُرِحَ المشهود به، لكن الأغرار لا يتفقهون، ولا يتثبتون (١). وغير ذلك من الآثار السيئة، نسأل الله تعالى لنا، ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

стр. 73

الخاتمة وبها إحدى عشرة نصيحة لطالب العلم قال الله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. عن جرير بن عبد الله قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم (١). وعن تميم الداري: أنَّ النبي ﷺ قال " الدين النصيحة " قلنا: لمن؟ قال "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" (٢). فمن باب التواصي بالحق، والنصيحة بالخير أختم هذه الرسالة ببعض النصائح، والوصايا المهمة تتمة للفائدة، أوصي بها نفسي، وإخواني من طلبة العلم.

стр. 74

وجعلتها إحدى عشرة نصيحة لأمرين: الأول: أني جعلتها وترًا؛ لأنَّ الله تعالى وتر يحب الوتر، وكل شيء يحبه الله تعالى نرجو منه الخير، والبركة، والتوفيق والسداد. الثاني: أني استحضرت حينها صلاة النبي ﷺ بالليل، وأنها كانت في أغلبها إحدى عشرة ركعة، وأنه بانقضاء صلاة الليل يبزغ نور الفجر، فجعلتها إحدى عشرة نصيحة أختم بها الرسالة مستبشرًا، ومتفائلًا، ومؤملًا بعدها أن يبزغ نور الفجر، فينفع الله بها، وتستضييء بصائر القلوب، فيستزيد بذلك الساعي إلى الخير في سعيه، ويهتدي الحيران من حيرته، ويفيق الغافل من غفلته، والله الموفق، والهادي إلى الصراط المستقيم. • أخي وحبيبي طالب العلم: النصيحة الأولى احضر مجالس العلم حضور مستفيد لا باحثٍ عن العورات فإنك إن حضرت حضور مستفيد وُفِّقْتَ وأُعِنْتَ، وإلا تُرِكْتَ لنفسك وحُرِمْتَ، يقول الإمام الصنعاني ﵀ عن هذا الصنف الباحث عن العورات والعثرات: " لئيم الطلبة، وخبيث الحضَّار عند العالم، متتبع العثرات، وكاشف العورات، ودافن الحسنات، قال: وما أكثر هذا النوع لا كَثَّرَه الله فإنهم الذين أفسدوا معالم العلم، وملأوا المواقف على العلماء بأحاديث كاذبة، ثم قال: وبئس الجزاء أن

стр. 75

يجازي التلميذ شيوخه بإشاعة هفواتهم وزلاتهم، فإنه لابد لكل جواد من كبوة، ولكل صارم نبوة: ومن ذا الذي تُرْجَي سجاياه كلها … كفي بالمرء نبلًا أن تُعَدَّ معايبُه ثم قال: فخير الناس من أشاع الخير عن العلماء وأذاعه، ودافع عنهم إن سمع قادحاً فيهم (١). قال ابن حزم: إذا حضرت مجلس علم فلا يكن حضورك إلا حضور مستفيد، مستزيد علمًا وأجرًا، لا حضور مستغن بما عندك، طالبًا عثرة تُشَنِّعُها، أوغريبة تُشَيِّعُها، فهذه أفعال الأراذل الذين لا يفلحون في العلم أبدًا (٢). النصيحة الثانية لا تفرح بخطأ العالم فالفرح بأخطاء الناس عامة وأهل العلم خاصة دليل على خبث النية، وسوء الطوية. قال الشيخ بكر أبو زيد: إذا ظفرت بوهم العالم فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به

стр. 76

لتصحيح المسألة فقط، فإنَّ المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام لا سيما المكثرين منهم، وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص إلا متعالم يريد أن يُطِبَّ زكامًا، فيحدث به جزامًا (١). النصيحة الثالثة لا يمنعنك غلظة العالم أو خطؤه من التزامه والتعلم منه، خذ ما عنده من الخير، واترك له خطأه وغلظته قال بلال بن أبي بردة: لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا (٢). قال الشافعي: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوماً يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يهبوا ويتركوك، قال: هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خلقي (٣).

стр. 77

قال محمد بن هارون الدمشقي: لمحبرة تجالسني نهاري … أحب إلي من أُنْسِ الصديق ورِزمة كاغد في البيت عندي … أحب إلي من عِدْلِ الدقيق ولطمة عالم في الخد مني … ألذ إلي من شرب الرحيق (١) النصيحة الرابعة أمسك عليك لسانك طالبَ العلمِ: اجعل الثنايا الطيبة التي يخرج منها قال الله، قال رسوله ﷺ لا يخرج منها السيء والقبيح، فقل خيرًا تغنم، واسكت عن شرٍّ تسلم، قال ﷺ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٢)، بل إنَّ الناس يُكَبُّون على مناخرهم يوم القيامة بحصائد ألسنتهم، عن معاذ بن جبل: قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال "لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا

стр. 78

تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل" قال ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، ثم قال " ألا أخبرك برأس الأمر كله، وعموده، وذروته وسنامه؟ " قلت: بلى يا نبي الله "، فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا "فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟ فقال " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (١). النصيحة الخامسة عليك بالستر والنصح فالستر مع النصح من خير صفات المسلم فضلًا عن طلبة العلم، وهو يعني أمورًا: حب الخير للناس، وعدم الفرح بخطئهم، وإخلاص العمل لله، وعدم تمني العلو على حساب الغير. قال الفضيل: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير (٢).

стр. 79

قال يحيى بن معين: أخطاء عفان عندي في نيفٍ وعشرين حديثاً، ما أعلمت بها أحدًا، وأعلمته بها سرًّا، ولقد طلب إليَّ خلف بن سالم أن أخبره بها، فما عرَّفته، وكان يحب أن يجد عليه (١). قال ابن المبارك: كان الرجل إذ رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره، ويؤجر في نهيه (٢). قال يحيى بن معين: ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته، وأحببت أن أُزَيِّن أمره (٣).

стр. 80

حكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضر أبا بكر الأنباري في مجلس أملاه يوم الجمعة، فصحَّف اسمًا أورده في إسناد حديث، إما كان حبان، فقال حيان، أو حيان فقال حبان، قال أبو الحسن فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم، وهِبْتُه أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملى، وذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه، فقال أبو بكر للمستملي عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلانى لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهَنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال (١). فمن فعل مثل ذلك في تصحيح الخطإ فليعلم أنه يريد الحق والخير، ولا حظَّ لنفسه فيه، وإلا فلْيَتَّهِم العبد نفسه، وينقب ويفتش على نيته.

стр. 81

النصيحة السادسة ادع الله تعالى أن يستر عنك عيوب أهل العلم وذلك لأنَّ الاضطلاع على عيوب أهل العلم قد يكون فتنة للعبد إن لم يُحْسِنِ التصرف والأدب والنصح، فسلامة طالب العلم منها أفضل. لذا كان بعض السلف إذا ذهب لشيخه تصدق بشيء، وقال: اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تذهب بركة علمه مني (١). والعجب كل العجب أن ترى أناسًا يَدَّعون طلب العلم، ولا أقول يتمنون البعد عن أخطاء أهل العلم، ويدعون الله أن يسترها عنهم، بل إنهم يبحثون عنها عمدًا، وتجد منهم من يسخر جهده ووقته في سماع العلم ودروس العلم بحثًا عن سقطات أهل العلم وأخطائهم. أيحسن هذا من طالب علم؟! فإنه بذلك قد تحول من طالب علم، وباحث عن الخير إلى باحث عن العورات والعثرات، وطالب شر - ولا حول ولا قوة إلا بالله -، إنَّ هذا لنذير شؤم للعبد، عافانا الله، والمسلمين من ذلك.

стр. 82

النصيحة السابعة اعترف بالفضل لأهل الفضل، ولا تكن ناكرًا للجميل فإنَّ الاعتراف بالفضائل من مزايا الأنبياء والمرسلين، قال تعالى حكاية عن موسى ﵇ ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤]. واعترف النبي ﷺ بفضل الأنصار مع أنَّ الفضل والمنة لله ورسوله، فقال ﷺ لهم" ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟! "، قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل، قال " ألا تجيبونني يا معشر الأنصار"، قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل، قال" أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتُم وصُدِّقْتُم: أتيتَنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فأغنيناك" (١). بل اعترف ﷺ بجميل بعض أهل الكفر، فقال ﷺ في أسارى بدر " لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له " (٢)، وكانت له عند النبي ﷺ يد. وإنكار الفضل من فعل إبليس وأتباعه، قال تعالى ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وكان النبي ﷺ بين أهل مكة يدعى الصادق الأمين، فلما

стр. 83

أعلمهم بالنبوة قالوا: كذاب، ساحر، مجنون. فياطلبة العلم: احذروا أن تتركوا طريق الأنبياء والصالحين، وتنزلقوا في طريق الشيطان والمفسدين، فإنَّ طريق الأنبياء والصالحين طريق العدل، والإنصاف، والاعتراف بالفضل، وما من أحد من أهل العلم والدعاة إلى الله إلا وله علينا فضل، وجميل، وخير، فلا أقل من أن نجزيهم بقولنا: جزاكم الله عنا خيرًا. النصيحة الثامنة الزم الأدب يورثك التواضع، فالعلم يكثر فى المؤدبين المتواضعين وذلك لأنَّ عامة ما يقع الإنسان في غيره وإساءة الأدب معه يكون بسبب رؤيته لنفسه، وحسن ظنه بها، وعدم رؤيته لغيره - أي لمكانتهم وقدرهم - وسوء الظن بهم، فلو أحسن العبد الظن بالناس، واتهم نفسه، وتواضع للعلم ما أساء الأدب، وما اتهم أحدًا بسوء. قال عبد الله بن المعتز: المتواضع في طلاب العلم أكثرهم علماً، كما أنَّ المكان المنخفض أكثر البقاع ماء (١).

стр. 84

النصيحة التاسعة اعلم أنَّ العلم لا يُنَال براحة النفس وعزها، بل بذل النفس، وخدمة أهل العلم قال الشافعي: لا يطلب أحدهم هذا العلم بالملل، وعز النفس فيفلح؛ ولكن من طلبه بذلِّ النفس، وضيق العيش، وخدمة العلماء أفلح (١). النصيحة العاشرة لا تُقِم صرحَك على أنقاض غيرك فإنَّ بعض من غره الشيطان ظنَّ أنه لن يقوم له صرحٌ، ويعلو له شأنٌ إلا بهدم بعض الصروح القائمة لأهل العلم، ويظن أنهم عقبة في طريق علوه وانطلاقه، ويتوهم أنَّ تفرده هو طريق الوصول، ولكنه قد أبعد النجعة بذلك، واستبدل بالبعير بعرًا، وبالثُّريَّا ثرى، وبالوحدة، والائتلاف، والاتفاق، والاجتماع انفرادًا واختلافًا وشرذمة، وإنما المرء بإخوانه، وأقرانه، والتفرد شقاء، وتعب، ومشقة، وخاصة في العلم.

стр. 85

كان ابن عيينة ﵀ يقول: كنت أخرج إلى المسجد، فأتصفح الخلق، فإذا رأيت مشيخة وكهولًا جلست إليهم، وأنا اليوم قد اكتنفنى هؤلاء الصبيان، ثم ينشد: خلت الديار فسُدْتُ غير مُسَوَّد … ومن الشقاء تفردي بالسُّؤْدُدِ (١) وورد أنَّ القفال الشاشي عندما جلس للتدريس مكان مشايخه، وضع منديله على عينيه، وبكى كثيرًا، وهو جالس على السدة التي جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها، وكان ينشد: خلت الديار فسُدْتُ غير مُسَوَّد … ومن العناء تفردي بالسُّؤْدُدِ وجعل يردد هذا البيت ويبكي (٢). النصيحة الحادية عشرة انْشَغِلْ بنفسك تُشغَلْ عن عيوب غيرك لا بد لطالب العلم أن ينشغل بنفسه وعمله، فثمرة العلم ليست بالتنقيب عن مثالب الناس، بل بالعمل بما علم، وكلما ازداد العبد علمًا لا بد أن يزداد عملًا وخُلُقًا، وإلا فإنه لم ينتفع بهذا العلم. قال الحسن: كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرَى ذلك في تخشعه، وهديه، ولسانه، وبصره، ويده (٣).

стр. 86

وكانت أم سفيان الثوري تعظه وتقول: يا بني: إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك، وحلمك، ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك (١). عن إسماعيل بن يحيى قال: رآني سفيان وأنا أمازح رجلًا من بني شيبة عند البيت، فتبسمت، فالتفت إلي، فقال: تبتسم في هذا الموضع، إن كان الرجل ليسمع الحديث الواحد فنرى عليه ثلاثة أيام سمته، وهديه (٢). عن أبي عمرو بن حمدان: قال: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي، فحضرَتْ صلاة الظهر، فأذَّن أبوعبد الله، فخرجت من المسجد فقال: يا أبا جعفر إلى أين؟ قلت: أتطهر للصلاة.

стр. 87

قال: قد كان ظني بك غير هذا يدخل عليك وقت الصلاة وأنت على غير طهارة. وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: بتُّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء، فإذا هو كما هو، فقال: سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له وِردٌ من الليل (١). سُئل الإمام أحمد عن رجل يكتب الحديث فيكثر، فقال: فينبغي أن يكثر العمل به على قدر زيادته في الطلب، ثم قال: سبل العلم مثل سبل المال، إنَّ المال إذا زاد ازدادت زكاته (٢). وفي هذا بيان أنَّ العلم ثمرته العمل، وأنَّ طلاب العلم حقًّا يجب أن يكونوا رُوَّادًا في كل مجال، وكلما ازداد طلبهم للعلم لا بد وأن يزدادوا عملًا، وهذا يعني أنهم إذا جَنَّ الليل فهم قوامه، وإذا حضرت الصلاة فهم المبكرون لها أصحاب الصف الأول وتكبيرة الإحرام، وهم أهل القرآن تلاوة وعملًا، وهم وأهل الحديث فهمًا وعلمًا، وهم أهل الخلق حسنًا وأدبًا، وهم أهل البر عطاء وصلة .....

стр. 88

إنهم أهل الله وخاصته. فلينظر من كان من أهل الله وخاصته ماذا يجب عليه، إنها منة كبيرة، وفضل عظيم، لكنها في ذات الوقت حمل ثقيل، والموفق من وفقه الله، والمعصوم من عصمه الله. فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهله وخاصته، وأن يغفر لنا خطأنا وزلاتنا، وأن يعصمنا من الغواية والهوى وسوء الأدب، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. وصلَّى الله وسلم على معلم البشرية الإيمان والعلم والأدب، وعلى أصحابه مصابيح الدجى، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.