(إسرائيل): هو الإمام أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الهَمدانيّ الكوفيّ، توفي سنة ١٦٠ هـ.
(أبو إسحاق): هو الإمام أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وقال ابن المَدينيّ: أحصينا مَشْيَختَه نحوًا من ثلاث مئة شيخ، وقال مرة أربع مئة. قال عن نفسه: ذهبت الصلاة منّي وضَعُفْت، فما أقدر أن أصلّي إلا بالبقرة وآل عمران. توفي سنة ١٢٦ هـ، وقيل غير ذلك.
(الأسود): هو الإمام الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، قال عنه الحكم: كان الأسود يصوم الدهر كله، وذهبتْ إحدى عينيه في الصوم، حج مع أبي بكر وعمر وعثمان، توفي سنة ٩٥ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحديث دليل على قاعدة أصولية تقول: إذا تزاحم واجبان في حق شخص واحد في وقت واحد فيجب عليه أن يقدم أعلاهما، فقد تزاحم في حق النبي ﷺ واجب إعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي، وواجب الحفاظ على دين المسلمين، وعدم وقوع الفتنة بينهم، فقدَّم اجتماع المسلمين، فلما زال ذلك فعل ابن الزبير هذا الأمر، قال النووي: وفيه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم (١).
الفائدة الثانية: النفوس تحب أن تساس بما تأنس إليه في دين الله من غير الفرائض.
стр. 212
الفائدة الثالثة: اهتمام ولي الأمر بمصالح رعيته ومتابعة ذلك.
الفائدة الرابعة: وجوب تأليف القلوب وحسن حياطتها وعدم تنفيرها.
الفائدة الخامسة: على الإمام أن يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا.
الفائدة السادسة: فعل ابن الزبير يدل على أنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالخوف من الفتنة لما زال واستقر الإسلام أعاد ابن الزبير الكعبة إلى وضعها الأصلي.
الفائدة السابعة: دليل على أنَّ التكليف بالنص إذا سلم من المعارض، فالنبي ﷺ مكلف بإعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي لكن قام له معارض، فاعتبر أنَّ هذا التكليف غير واقع في حقه ﷺ .
وقال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قَالَ: أَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لا. إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا» (١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الجواب: في الباب السابق كان ترك بعض المختار مخافة قصور فهم البعض، وأما هنا ففيه ترك بعض الناس من التبليغ بالعلم لقصور فهمهم، والترجمة السابقة مطلقة أما هذه الترجمة مقيدة، ولا يعتبر ذلك كتمانًا للعلم.
• تراجم بعض الرواة:
(معروف بن خربوذ): هو العلامة معروف بن خربوذ المكي، ليس له في البخاري إلا هذا الخبر.
(إسحاق بن إبراهيم): هو الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المعروف بابن راهويه، قال الإمام محمد الطوسي: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، توفي سنة ٢٣٠ هـ.
(معاذ بن هشام): هو الإمام معاذ بن هشام الدَّسْتَوائيّ البصري، توفي سنة ٢٠٠ هـ.
(أبيه): هو الإمام هشام بن أبي عبد الله - واسمه سَنْبَر - أبو بكر البصري الدَّسْتَوائيّ، أخرج له الجماعة، قال شعبة عنه: ما من الناس أحدٌ أقول: إنه طلب
стр. 215
الحديث، يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، توفي ﵀ سنة ١٥٣، أو ١٥٤ هـ.
(قتادة): هو الإمام قتادة بن دعامة السدوسي أبوالخطاب البصري، وهو رأس في العلم، توفي ﵀ سنة ١١٧ هـ.
(أبو الطفيل): هو عامر بن واثلة، وهو آخر الصحابة موتًا باتفاق أهل الحديث، ولد عام أحد، وتوفي وله مائة عام.
• بعض معاني الكلمات:
(لَقِيَ اللَّهَ): اللقاء كناية عن الموت.
• وصَرَّح في هذا الحديث بدخول الجنة؛ لأن التحريم على النار أعم مفهومًا منه إلا أنهما متلازمان لقوله تعالى ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز تكرار الكلام لنكتة وقصد.
الفائدة الثانية: جواز الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده.
الفائدة الثالثة: جواز الإجابة بلبيك وسعديك.
الفائدة الرابعة: فيه بشارة عظيمة للموحدين.
الفائدة الخامسة: فيه دليل لتخصيص قوم بالعلم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم.
الفائدة السادسة: لا تبذل المعاني الدقيقة واللطيفة لمن لا يستأهلها ولا يفهمها.
الفائدة السابعة: لا يذكر المتشابه عند العامة، ومما يؤيد ذلك أيضًا ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه عن ابن مسعود: وما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا يبلغه
стр. 216
عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
الفائدة الثامنة: فضل معاذ لركوبه رديف النبي ﷺ ، وهذا يشهد للمثل الذي يقول: ليس العبرة ما تركب إنما العبرة من تصحب، فقد كان يصحب النبي ﷺ ، وإن كان يركب حمارًا.
الفائدة التاسعة: أدب معاذ في إجابته للنبي ﷺ : لبيك وسعديك مرات.
الفائدة العاشرة: فضل معاذ بتخصيصه ببعض العلم.
الفائدة الحادية عشرة: الإيمان قول وعمل لقوله (صدقًا من قلبه) ليس من لسانه كالمنافقين.
الفائدة الثانية عشرة: قوله "صدقًا": قال البعض أنها أقيمت هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولًا عن مطابقة المخبر عنه، وفعلًا عن تحري الأخلاق المرضية قال تعالى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣].
والأدلة الأخرى تدل على أنَّ ظاهر الحديث ليس مرادًا لثبوت الأدلة أنَّ فئة من الموحدين تدخل النار؛ لذا اختلفوا في معنى الحديث.
فقيل: إنها مطلقة مقيدة بمَن قالها تائبًا ثم مات.
وقيل: كان ذلك قبل نزول الفرائض، وفيه نظر لأن مثله ورد عن أبي هريرة وصحبته متأخرة.
وقيل: خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنَّ الموحد يعمل بالطاعة ويجتنب المعصية.
وقيل: إنَّ المراد تحريم الخلود وليس الدخول.
وقيل: إنَّ المراد بالنار هنا نار الكافرين وليست نار الموحدين.
وقيل: تحريم الدخول العام أو المجمل؛ لأن النار لا تأكل كل الجسد، حيث
стр. 217
إنها لا تأكل مواضع السجود كما ورد في الحديث، وقيل غير ذلك.
• ملحوظة:
قال ابن حجر: وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَا تَعْجَلْ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْتَ أَفْضَلُ رَأْيًا، إِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ اتَّكَلُوا عَلَيْهَا، قَالَ فَرَدَّهُ (١).
الفائدة الثالثة عشرة: علم الصحابة بالقواعد والأصول، فإخبار معاذ قد يكون لأسباب: أنه فهم أنَّ النهي للتنزيه وليس للتحريم فأخبر بها عند الموت، وإما أنه رأى أنَّ العلة قد زالت فأخبر البعض، وإما أنه رأى أنَّ مفسدة إخفاء العلم في زمنه أكبر من هذا، وغير ذلك.
الفائدة الرابعة عشرة: تواضع النبي ﷺ لإردافه معاذًا خلفه.
الفائدة الخامسة عشرة: وفيه جواز الإرداف.
النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا».
• مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله:
أنَّ السابق تخصيص قومٍ بالعلم لمعني، ثم ذكر عقبه هذا الباب - باب الحياء في العلم - تنبيهًا علي أنه لا ينبغي لأحد أن يستحي من السؤال مما له فيه حاجة زاعما أنَّ العلم مخصوص بقوم دون قوم، بل عليه أن يسأل عن كل ما يحتاجه من أمر دينه ودنياه.
• تراجم بعض الرواة:
(مجاهد): هو الإمام أبو الحجاج مجاهد بن جبر القرشي المكي، وقال الذهبي عنه: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، توفي سنة ١٠١ هـ، وقيل غير ذلك.
(أبو معاوية): هو الإمام محمد بن خازم التميمي السَّعْدي الكوفي، وهو أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره. توفي سنة ١٩٤ هـ.
(هشام بن عروة): هو الإمام هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، اختلف في وفاته فقيل: سنة ١٤٥ هـ، وقيل سنة ١٤٦ هـ.
• أم سُليم: اختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة وقيل غير ذلك، ولكنها اشتهرت بكنيتها، وكانت من عقلاء النساء، وهي أم خادم النبي ﷺ أنس بن مالك ﵁.
стр. 220
• بعض معاني الكلمات:
الحياء: هو خُلق داخلي يبعث الإنسان على فعل ما يجمله ويزينه، ويمنعه عما يشينه، ويحمله على فعل الفضائل، ويمنعه عن الرذائل وخوارم المروءة.
(احْتَلَمَتْ): أي من الحُلم - بالضم - وهو ما يراه النائم، يقال: حَلَم الرجل - بفتح اللام - واحتلم. والمقصود ما تراه المرأة من المواقعة مع الرجل أي الجماع.
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا: أي من حُمر النعم كما ورد عند الحميدي في مسنده، وكذلك ابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح.
• في الباب فوائد منها:
• أولًا: من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: أنَّ الحياء لا يمنع من طلب الأحكام والتعلم كما فعلت أم سليم ﵂.
الفائدة الثانية: فيه دليل أنَّ المرأة تحتلم إلا أنه نادر، وهذا يظهر في إنكار أم سلمة ﵂.
الفائدة الثالثة: وجوب الغسل من الاحتلام للرجل والمرأة.
الفائدة الرابعة: أنَّ الحياء المذموم هو ما يمنع من تعلم أمور الشرع وهذا يعتبر ضعف وعجز، أما الحياء فلا يأتي إلا بخير.
الفائدة الخامسة: فقه بعض النساء كأم سليم ﵂ حيث إنها أحسنت السؤال، فقبل أن تسأل - وهو سؤال خاص بالنساء، وكان بحضرة الرجال - بسطت عذرها أولًا للسؤال فقالت (إنَّ الله لا يستحي من الحق)، قال تعالى ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فكأنها تقول فكما أنَّ الله لا يستحي من الحق، فكذلك أنا لا أستحي أن أسأل عن الحق الذي أحتاجه.
стр. 221
الفائدة السادسة: فيه قول النبي ﷺ تربت يمينك أي افتقرت وصارت علي التراب، وهي من الألفاظ التي تطلق عند الزجر، ولا يراد ظاهرها، فلا يراد المعنى الحقيقي لها.
الفائدة السابعة: أنَّ للمرأة ماءًا كالرجل، ومنه يكون الشبه بالأم.
الفائدة الثامنة: أنَّ ماء الرجل والمرأة يكون سببًا لمشابهة الولد لهما.
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: ذكر الإمام البخاري هذا الحديث في غير باب، وإن كان ذكره هنا قد يكون لسبب، فذكر حديث ابن عمر هنا لقول ابن عمر " فاستحييت "، وأيضًا لتأسف عمر علي كونه لم يقل لتظهر فضيلته أمام النبي ﷺ ، وكأنَّ عمر يقول له كان أولي بك أن تذكر ولا يمنعك الحياء، وكان يمكنه إذا استحيا إجلالًا لمن هو أكبر منه أن يذكر ذلك لغيره سرًّا ويخبر عن نفسه، فيكون جمعًا بين المصلحتين.
الفائدة الثانية: الابن الموفق في العلم أفضل مكاسب الدنيا.
الفائدة الثالثة: جواز جلوس الصغير في مجالس الكبار، وإن كان عنده شئ من العلم ثم طُلب منه أن يُلقيه فلا بأس بإلقائه ولا يستحي.
الفائدة الرابعة: ينبغى على الصغير ألا يحتقر نفسه إذا كان بين الكبار، وأن يلقي ما عنده من العلم إن سُئل عنه.
стр. 222
٥١ - بَابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ» (١).
• مناسبة الباب للباب الذي قبله:
أنَّ كلا البابين مشتمل على الحياء، وأيضًا من فقه الإمام البخاري ﵀ جاء به بعد الباب السابق إشارة منه إلي مسألة ابن عمر وحيائه، وأنه كان أولي به أن يأمر غيره أن يسأل، ويكون جمعًا بين المصلحتين، كما في هذا الباب.
• تراجم بعض الرواة:
(عبد الله بن داود): هو الإمام عبد الله بن داود بن عامر الخريبي الهمداني، قال: ما كذبت قط إلا مرة واحدة في صغري قال لي أبي: ذهبتَ إلى الكُتَّاب؟ فقلت: نعم، ولم أكن ذهبتُ، توفي سنة ٢١٣ هـ.
стр. 223
(منذر): هو الإمام أبو يعلى المنذر بن يعلى الثوري، قال عن نفسه: لزمت محمد ابن الحنفية حتى قال بعض ولده: لقد غلبنا هذا النبطى على أبينا.
(محمد بن الحنفية): هو الإمام محمد بن علي بن أبي طالب القرشي، قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: لا نعلم أحدًا أسند عن على عن النبى ﷺ أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية، توفي: ٨٠ هـ، وقيل: ٨١ هـ، وقيل: غير ذلك.
• معاني بعض الكلمات:
(مذاء): صيغة مبالغة أي كثير الإمذاء وذلك غالبًا ما تكون بسبب صحة الجسم وقوته، والمذي: هو ماء لزج شفاف يخرج عند اشتداد الشهوة أو الملاعبة، وهو نجس بالإجماع، ولكن نجاسته مخففة، فيكفي فيه النضح إذا أصاب الثوب.
(فيه الوضوء): أي يجب فيه الوضوء بعد غسل الفرج أولًا؛ لإزالة أثره؛ لأنه نجس.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحياء من الأصهار في ذكر أمور الجماع ونحوه أمر مستحب.
الفائدة الثانية: هذا حياء محمود؛ لأنه لم يمنعه من العلم، فأرسل غيره، فسأل.
الفائدة الثالثة: دليل على قبول خبر الواحد.
الفائدة الرابعة: مشروعية الإنابة في العلم والاستفتاء بسبب الحياء، ويقاس عليه غيره.
الفائدة الخامسة: استدل به بعضهم على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع إن كان هناك حاجة.
الفائدة السادسة: فيه دليل أنَّ المذي ناقض للوضوء.
стр. 224
٥٢ - بَابُ ذِكْرِ العِلْمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الجواب: أنَّ كلا البابين سؤال وجواب، وكلاهما سؤال من رجل خاص وجاء الجواب عامًّا لأنه مما يشترك فيه العامة، لكن الفرق أنَّ الأول بواسطة، والثاني بغير واسطة.
• معاني بعض الكلمات:
(أَنْ نُهِلَّ): الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، والمراد من أي مكان نُحرم منه؟.
(ذو الحُلَيْفَةِ): الحليفة هي تصغير الحلفاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته، وتبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي أبعد
стр. 225
المواقيت عن مكة، وهي الآن تُسمى بأبيار علي.
(الجحفة): هي قرية خربة قديمة تُسمى مَهْيعة دعا النبي ﷺ أن يُنقل حمى المدينة إليها، وأعيدت الآن وبينها وبين مكة تقريبًا ٢٠٠ كم، وهي ميقات أهل مصر حاليًا، وأهل مصر لا يحرمون بها، بل يُحرمون من مكان يوازيها يُقال له رابغ.
• ذكر صاحب الكوثر الجاري أنه حج عام ٨٤١ هـ مع أهل مصر فسأل بعض العارفين بتلك البقاع عن عدم إحرامهم من الجحفة، فذكر له: أنه من بات بها يحصل له الحمى من أثر دعاء النبي ﷺ .
(نجد): هي الرياض حاليًا.
(قرن): هي قرن المنازل وتبعد عن مكة تقريبًا ٩٤ كم، وتسمى الآن السيل الكبير.
(يلملم): اسم لوادٍ أو جبلٍ يمر به أهل اليمن، ويسمى الآن السَّعْدية.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الاستعداد للعبادة بالسؤال عنها قبل الإقدام عليها، وذلك أنَّ السؤال كان قبل السفر من المدينة لقوله (في المسجد).
الفائدة الثانية: أنَّ الأمر للوجوب؛ لقول الصحابة: أين تأمرنا أن نهل؟
الفائدة الثالثة: فيه الجواب الحكيم من النبي ﷺ ، وهو الانتقال من حالة الرجل إلى الجواب العام له، ولغيره، ولشبيهه.
الفائدة الرابعة: جواز السؤال والقيام في المسجد.
الفائدة الخامسة: جواز القيام من أجل السؤال إن كان هناك حاجة.
الفائدة السادسة: وفي قول ابن عمر (وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ
стр. 226
أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) هو شدة تحريه وورعه وحرصه على العلم أنَّ ما أتقنه بلغه، فيه أيضًا إشارة أنه ربما لم يسمعه من النبي مباشرة إنما سمعه بواسطة، وربما أنه سمعه ولم يضبطه فصار يرويها عن غيره.
الفائدة السابعة: بيان المواقيت المكانية للحج.
الفائدة الثامنة: وفيه جواز إطلاق الزعم على القول المحقق؛ لأن القائل صحابي ولا يجوز أن ينسبه ابن عمر إلى الزور والقول الباطل.
стр. 227
٥٣ - بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ» (١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
اشتمال كلا البابين أيضًا على سؤال وجواب، وكلاهما اشتمل على الجواب الحكيم، فالسابق انتقل فيه ﷺ من الخاص إلى العام، وهنا انتقل من غير المحصور إلى المحصور.
стр. 228
• تراجم بعض الرواة:
(آدم): هو الإمام أبو الحسن آدم بن أبي إياس العسقلاني وهو من شيوخ الإمام البخاري، لما حضرته الوفاة، ختم القرآن و هو مسجى، ثم قال: بحبى لك إلا رفقت لهذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك، ثم قال: لاإله إلا الله، ثم قضى.
• معاني بعض الكلمات:
(القميص): هو ما خيط على قدر البدن أو قدر عضو منه، لا كما يظن البعض بالنهى عن المخيط أي كل ما أُدخل فيه خيط.
(العمامة): هي ما يُلف على الرأس، وسُميت بذلك لأنها تعمُّ جميع الرأس، وينبه به على كل ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط.
(السراويل): قيل: كلمة فارسية معربة، وقيل: عربية لا مفرد لها، وقيل: مفردها سروالة، وهو ثوب مختص بالنصف الأسفل من البدن.
(البرنس): هو ثوب كان يلبسه النساك في صدر الإسلام ويشتهر الآن في بلاد المغرب، وهو ثوب رأسه ملتصق به.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه الجواب الحكيم وذلك بأمور:
• الانتقال من غير المحصور إلى المحصور.
• ومنه أيضا جزيل فصاحته ومراعاته للمفهوم ﷺ ، فلو أجاب فقال يلبس كذا وكذا قد يفهم منه بمفهوم المخالفة أنَّ غير المحرم لا يلبس هذه الأشياء.
• وأيضًا من جوابه الحكيم أنه سئل عن حالة الاختيار فأزاده حالة الاضطرار في مسألة النعلين.
الفائدة الثانية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 229
الفائدة الثالثة: على المفتي أن يُفَصِّل الجواب إذا احتيج لذلك، وإن لم يتفطن له السائل ويسأل عنه.
الفائدة الرابعة: أنه ينبغي على الإنسان أن يسلك أقصر الطرق للحصول على المقصود؛ لأن النبي ﷺ اقتصر على ما يمكن حصره، وهو الذي لا يُلبس، والحكمة فيه أنَّ ما يجتنبه المحرم ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولي، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أنَّ السائل لَمْ يُحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، فالسؤال عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفَق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى.
الفائدة الخامسة: أجمعوا على أنَّ المراد بالمحرم في الحديث هو الرجل لا المرأة؛ لأنها لا تُمنع من لبس هذه الأنواع بالإجماع كما ذكره ابن المنذر.
الفائدة السادسة: وفيه التجرد عند القدوم على الله في مثل هذا، وترك الزينة، والتواضع لله تعالى.
قال الإمام ابن رَشِيد (ت ٧٢١ هـ): خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْعِلْمِ بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوَابِ عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَة، وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ، فَأَتْبَعَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَعِ سِيَاقٍ وَأَبْدَعِ اتِّسَاقٍ ﵀ (١).
تم بحمد الله تعالى
стр. 230
المصادر والمراجع
- الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم.
- أخبار أبي حنيفة وأصحابه لأبي عبد الله الصيمري. ط عالم الكتب.
- أخلاق حملة القرآن للآجري.
- الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح. ط عالم الكتب.
- أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني. ط دار الكتب العلمية.
- الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع. ط دار صادر.
- إعلام الموقعين لابن القيم.
- الإعلام في أصول الأحكام لعبد الفتاح محمد مصيلحي. مكتبة العلوم والحكم.
- البداية والنهاية لابن كثير. ط دار هجر.
- البر والصلة لأبي عبد الله المروزي. ط دار الوطن.
- بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث. ط مركز خدمة السنة النبوية.
- التاريخ الكبير لأبي عبد الله البخاري. ط دائرة المعارف.
- تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
- تاريخ دمشق لابن عساكر. ط دار الفكر.
стр. 231
- تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة. ط دار البشائر.
- تفسير الطبري. ط دار هجر.
- تهذيب الأسماء واللغات للنووي. ط دار الكتب العلمية.
- تهذيب الكمال للمزي. ط الرسالة.
- جامع الترمذي. ط دار الغرب الإسلامي.
- جامع بيان العلم لابن عبد البر.
- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي. ط مكتبة المعارف.
- الجواهر المضية في طبقات الحنفية لمحيي الدين الحنفي.
- حليه الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم. ط دار السعادة.
- ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري. ط مؤسسة الأعلمي.
- الرحلة في طلب الحديث للخطيب. ط دار الكتب العلمية.
- رسالة في الأدب لأصحاب الطلب لعبد الفتاح مصيلحي. ط مكتبة العلوم والحكم.
- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم البستي. ط دار الكتب العلمية.
- زهر الآداب وثمر الألباب لأبي إسحاق الحُصري القيرواني. ط دار الجيل.
- سنن ابن ماجه.
- سنن أبي داود.
- سنن الترمذي.
- سنن الدارمي. ط دار البشائر.
стр. 232
- السنن الكبرى للنسائي.
- سنن النسائي.
- سير أعلام النبلاء للذهبي. ط مؤسسة الرسالة.
- شرح صحيح البخاري لابن بطال. ط دار الرشد.
- شرح صحيح مسلم للنووي. ط دار إحياء التراث.
- شرح مشكل الآثار للطحاوي. ط الرسالة.
- الشكر لابن أبي الدنيا. ط المكتب الإسلامي.
- صحيح ابن حبان.
- صحيح ابن خزيمة.
- صحيح البخاري.
- صحيح مسلم.
- صفة الصفوة لابن الجوزي. ط دار الحديث.
- طبقات الشافعية لتاج الدين السبكي. ط دار هجر.
- العلم لأبي خيثمة النسائي. ط المكتب الإسلامي.
- الفتاوى الكبرى لابن تيمية.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر. ط دار المعرفة.
- فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل. ط الرسالة.
- الفقيه والمتفقه للخطيب. ط دار ابن الجوزي.
- فيض الباري على صحيح البخاري للكشميري. ط دار الكتب العلمية.
стр. 233
- الكتاب لسيبويه. ط الخانجي.
- الكفاية في علم الرواية للخطيب. ط المكتبة العلمية.
- الكنى والأسماء لأبي بشر الدولابي.
- الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري للكرماني. ط دار إحياء التراث.
- المجالسة للدينوري.
- مجمع الأدباء لياقوت الحموي. ط دار الغرب الإسلامي.
- المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي. ط دار الفكر.
- مدارج السالكين لابن القيم. ط دار الكتاب العربي.
- المدخل إلى السنن للبيهقي. ط دار الخلفاء.
- المذكر والمؤنث لأبي بكر الأنباري. ط مجلس الشؤون الإسلامية مصر.
- المستدرك للحاكم.
- مسند أبي داود الطيالسي. ط دار هجر.
- مسند أحمد.
- مسند البزار. مكتبة العلوم والحكم.
- مصنف ابن أبي شيبة.
- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية. ط دار العاصمة.
- مناقب الشافعي للبيهقي. ط دار التراث.
- موطأ الإمام مالك. ط دار إحياء التراث.