← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30093

سيل الأقلام بفوائد من كتاب العلم من صحيح الإمام

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (233 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٣٩ - بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: «لا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (١). حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ".

стр. 177

فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ (١). • وفيه (اكتبوا لأبي فلان): هو أبو شاه اليماني. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلا أَكْتُبُ» (٢). تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ»، قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ»، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ» (٣).

стр. 178

• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ السابق فيه الحث على الاحتراز عن الكذب على رسول الله ﷺ ، وفي هذا الحث على الاحتراز عن ضياع كلام رسول الله ﷺ ولا سيّما من أهل الزمان لقصور هممهم في الضبط وتقصيرهم في النقل. • تراجم بعض الرواة: (مطرف): هو الإمام مطرف بن طريف الحارثى الكوفي، قال عن نفسه: ما يسرنى أنى كذبت كذبة وأنَّ لى الدنيا وما فيها. توفي سنة ١٤١ هـ، وقيل بعد ذلك. (شيبان): هو الإمام أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن التميمى المؤدب، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: شيبان ثبت فى كل المشايخ. توفي سنة ١٦٤ هـ. (وهب بن منبه): هو الإمام أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، قال عنه المثنى بن الصباح: لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئًا فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء و الصبح وضوءًا. اختلف في وفاته فقيل: ١١٤، وقيل: ١١٦ هـ، وقيل غير ذلك. (أخيه): هو الإمام أبو عقبة همام بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، اختلف في وفاته، فقيل: ١٣١ هـ، وقيل ١٣٢ هـ.

стр. 179

• في الباب فوائد منها: • من فوائد الحديث الأول: الفائدة الأولى: فيه إباحة كتابة العلم وتقييده. الفائدة الثانية: وفيه أيضًا بيان لقاعدة (ما لا يتم الواجب به فهو واجب) (١)، فحفظ العلم واجب فإن لم يتم حفظ العلم إلا بالكتابة والتقييد والتدوين يصبح التدوين والكتابة والتقييد واجبًا. الفائدة الثالثة: فيه أنَّ تغير العمل قد يتغير بتغير الحاجة والحال؛ لذلك فإنَّ البعض نهى عن الكتابة وكرهها واعتلوا بأنها سبب ضياع الحفظ، والقول الآخر أيضًا أنه يجوز الكتابة، واستدلوا بكتابة المصحف، وهو أصل العلوم وإنما كُرِه ذلك لأنهم كانوا حُفَّاظًا، وليس كذلك مَنْ بعدهم، فلو لم يُكتب ما بقي منه شيء، لذلك قال الشعبي: (إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط) (٢). الفائدة الرابعة: وفيه إبطال زعم الشيعة بأنَّ النبي ﷺ خص عليًّا وآل البيت بشيء من علوم الشريعة. الفائدة الخامسة: فيه إرشاد أنَّ للعالم الفهم والاستنباط، وأنه يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا. الفائدة السادسة: فيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها. الفائدة السابعة: وفيه جواز سؤال العالم فيما يتعلق بخاصيته. الفائدة الثامنة: وفيه أنه لا يُقتل مسلم بكافر.

стр. 180

الفائدة التاسعة: وفيه أنَّ الاختصاص بالفهم أو زيادة الفهم منة من الله وعطاء؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. • من فوائد الحديث الثاني: الفائدة الأولى: وفيه جواز كتابة العلم أيضًا. الفائدة الثانية: وفيه دليل أنَّ الخطبة تكون على موضع عالٍ منبر أو نحوه. الفائدة الثالثة: واستدل به من قال أنَّ النبي ﷺ كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه. الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ ولي القتيل بالخيار بين القصاص والدية. الفائدة الخامسة: وفيه اهتمام النبي ﷺ بأمور المسلمين. الفائدة السادسة: واستدل به من يقول أنَّ الاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا، ولكن رُدَّ عليهم بأنَّ الاستثناء لا بد أن يكون متصلًا أو في حكم المتصل؛ لأن قوله " إلا الإذخر " في حكم المتصل. الفائدة السابعة: وفيه مراعاة الشريعة لحاجة الناس، كرفعها الحرج بإباحة الإذخر لحاجة الناس إليه. الفائدة الثامنة: وفيه أنَّ الحكم يكون بالمجاورة، وفضل مجاورة الأخيار والأماكن المقدسة حتى للشجر وللشوك وغيرها، فأكرمه الله ﵎ وحرم قطعه والاعتداء عليه. • مناسبة فعل ابن عمر بالباب الذي قبله؟ الجواب: أنَّ عبد الله بن عمر من أفاضل الصحابة وكان يكتب ما يسمعه، ولو لم تكن الكتابة جائزة ما فعل ذلك ﵁.

стр. 181

• من فوائد الأحاديث الأخرى: الفائدة الأولى: فيها فضل الكتابة وأنها تساعد في الإكثار من العلم. الفائدة الثانية: وفيه أنَّ عبد الله بن عمرو أكثر أخذًا من أبي هريرة، لكن أبا هريرة أكثر رواية منه، وذلك لأمور: ١) كان عبد الله ﵁ منشغلًا بالعبادة أكثر من التعليم. ٢) وكان أكثر مقامه بمصر أو بالطائف والرحلة لهما لم تكن كالرحلة للمدينة. ٣) وقيل من أسباب ذلك أيضًا أنَّ عبد الله بن عمرو ظفر ببعض كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها، فتجنب بعض التابعين الأخذ عنه. الفائدة الثالثة: وفيه بيان فضل طلبة العلم وحملهم للعلم لأنهم هم الذين حملوا علم أبي هريرة ﵁، وأيضًا السبب في ذلك ما اختص به أبو هريرة ﵁ من دعوة النبي ﷺ أنه لا ينسى ما حُدِّث به. الفائدة الرابعة: وفي الحديث الرابع أيضًا جواز كتابة العلم وهو أصل الباب. الفائدة الخامسة: وفيه أنَّ للإمام أن يوصي عند موته بما يراه مصلحة للأمة. الفائدة السادسة: وفي ترك الكتابة إباحة الاجتهاد لأنه وكلهم لأنفسهم واجتهادهم. الفائدة السابعة: وفيه أيضًا أنَّ فعل النبي ﷺ كان باجتهاده ولم يكن تشريعًا أو وحيًا، ولو كان تشريعًا أو وحيًا لما تركه النبي ﷺ لخلافهم. الفائدة الثامنة: وفيه أيضًا عدم إنكار النبي ﷺ على عمر، فقال البعض أنه قد استصوب فعله، وقال البعض أنه سكت لأنه كثر النزاع عنده.

стр. 182

الفائدة التاسعة: وفيه استحباب الوصية والكتابة وقتها، وليس الوجوب لترك النبي ﷺ ذلك، وقد يُقال ترك النبي ﷺ ذلك من أجل التنازع. الفائدة العاشرة: فيه اجتهاد الصحابة بحضرة النبي ﷺ ، فلقد أمر النبي ﷺ بأمر لكن فهم عمر أنَّ هذا الأمر للإرشاد، وما أراد أن يشق على النبي ﷺ . الفائدة الحادية عشرة: وفيه حب الصحابة للنبي ﷺ وخوفهم من المشقة عليه، ولو كان في ذلك تفويت مصلحتهم. الفائدة الثانية عشرة: وأيضًا فيه أنَّ الاختلاف المؤدي للتنازع قد يَحْرِم الأمة من الخير كما حدث ذلك أيضًا في ليلة القدر. تنبيه: اختلف العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث وأحاديث النهي عن الكتابة كحديث (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (١)، فقيل: أنَّ النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية الالتباس، وقيل أنَّ النهي عن كتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، أو النهي متقدم والإذن بعد ذلك ناسخ عند الأمن من الالتباس، وهو قد يكون أقربها، وقيل: النهي لمن خشي الاتكال منه على الكتابة دون الحفظ، ومحصله أنَّ الكتابة الآن جائزة لأنها لا يُستغنى عنها لحفظ العلم.

стр. 183

٤٠ - بَابُ الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ السابق كتابة العلم الدالة على الضبط والاجتهاد، وهنا فيه تعليم العلم والموعظة بالليل الدال كل منهما على قوة الاجتهاد وشدة التحصيل، وكذلك كل منهما وسيلة لحفظ العلم.

стр. 184

• تراجم بعض الرواة: (صدقة): هو الإمام أبو الفضل صدقة بن الفضل المروزي، قال عنه عباس بن الوليد النرسى: كنا نقول: بخراسان صدقة بن الفضل، وبالعراق أحمد بن حنبل، توفي سنة ٢٢٣ هـ، وقيل ٢٢٦ هـ. (معمر): هو الإمام أبو عروة معمر بن راشد الأزدى الحدانى البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ليس يضم إلى معمر أحد إلا وجدته فوقه، توفي سنة ١٥٤ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: فيه التسبيح عند التعجب من شيء ولو من الفتن. الفائدة الثانية: فيه أنَّ النجاة من الفتن بالأعمال الصالحة. الفائدة الثالثة: وفيه أنَّ الإنذار يكون للعشيرة الأقربين أولًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فأول من أمر النبي ﷺ وحذر هن صاحبات الحجر، وهن نساؤه. الفائدة الرابعة: فيه دليل أنَّ الراعي مسؤول عن رعيته، قال ﷺ (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) فلا بد للراعي أن يأخذ رعيته إلى سبل الخير، وأن يحذرها من مواضع الخطر. الفائدة الخامسة: فيه أيضًا دليل على أنَّ الفتن قد تكون بالمال، لقوله " وماذا فتح من الخزائن "، وقيل أنَّ الخزائن هنا بمعنى الرحمة أي أنه أيضًا فتح من خزائن رحمة الله تعالى، وعبر عن العذاب بالفتن لأنها أسبابه، فكأنه أشار إلى أنَّ هناك رحمات تتنزل، وعذاب يُحذَر، فلا بد للإنسان أن يجتهد. الفائدة السادسة: وفيه أيضًا أنَّ الطاعة تجلب الرحمة كما تنقذ من الفتن.

стр. 185

الفائدة السابعة: وفيه دليل أنَّ " رُبَّ " قد تأتي للتكثير؛ لأن النساء أكثر أهل النار. الفائدة الثامنة: وفي قوله " كاسيات عاريات " قيل: أنَّ العقوبة في الآخرة من جنس العمل أي في الدنيا، فرُبَّ كاسية المظهر في الدنيا عارية في الآخرة يعريها الله ﵎ ويفضحها ببيان ذنوبها، وقيل أنَّ المعنى كاسية بالمال والثياب عارية من الحسنات، وفي كل ذلك الحث على فعل الخيرات وأنه هو اللباس الحقيقي؛ لذلك قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ا﴾ [البقرة: ١٩٧]. الفائدة التاسعة: وفيه أنَّ الإنسان لا ينفعه نسب ولا قرابة، وفي قوله "أيقظوا" إشارة إلى أنهن لا يعتمدن أنهن أزواج النبي ﷺ ، فلن ينفعهن إلا العمل. الفائدة العاشرة: وفيه استحباب الإسراع إلى الصلاة خاصة إن خُشي شيء، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وفي صلاة الخسوف إذا خسفت الشمس أو القمر فزع النبي ﷺ إلى صلاة الخسوف، وإذا مُنِع الماء فزع النبي ﷺ إلى صلاة الاستسقاء، وهكذا. الفائدة الحادية عشرة: وفيه وجوب تحذير العلماء عامة الناس عند خوفهم من المحذور المخوف، ودلالة الناس على ما يدفع عنهم هذا المحذور.

стр. 186

٤١ - بَابُ السَّمَرِ فِي العِلْمِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» (١). قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ» أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ (٢).

стр. 187

• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: الباب السابق كان العلم والموعظة بالليل، وقد كان التحدث بعد العشاء منهيًّا عنه، ونبه به أنَّ السمر المنهي عنه إنما فيما لا يكون فيه خير، أما السمر بالخير فليس منهيًّا عنه، بل هو مرغوب فيه. • تراجم بعض الرواة: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِر): هو الإمام عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، شهد جده فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب ﵁، توفي سنة ١٢٧ هـ. (سالم): هو الإمام سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى المدني، فكان أشبه ولد عبد الله به، وكان يشبه أباه فى السمت والهدى، توفي سنة ١٠٦ هـ. (أَبو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ): هو الإمام أبو بكر بن سليمان بن أبى حثمة المدني وكان من علماء قريش. (الحَكَمُ): هو الإمام الحكم بن عتيبة الكندى الكوفي، قال عنه عبدة بن أبي لبابة وكذلك يحيى بن أبي كثير: ما بين لابتيها أفقه منه، توفي سنة ١١٣ هـ، وقيل بعدها. • من فوائد الحديث الأول: الفائدة الأولى: السمر بالعلم والخير مباح، وأنه يستثنى من النهي السابق، وقد سمر السلف الصالح في مذاكرة العلم، فقد ورد عن أبي موسى أنه قال: أتيت عمر أكلمه في حاجة بعد العشاء فقال: هذه الساعة؟ فقلت: إنه شيء من الفقه، فقال: نعم، فكلمته، فذهبت لأقوم، فقال: اجلس فقلت: الصلاة، فقال: إنا في صلاة، فلم نزل جلوسًا حتى طلع الفجر (١).

стр. 188

وكذلك ورد استيقاظ ابن عباس وملاحظة النبي ﷺ ، وإنما السمر المكروه هو الذي يكون في غير طاعة. والنهي عن السمر بعد العشاء قد يكون للحفاظ على قيام الليل وصلاة الفجر، وقد يكون لأنهم أحبوا أن يجعلوا الصلاة آخر أعمالهم بالليل، وكرهوا الحديث بعد العتمة لذلك؛ لأن النوم وفاة فأحبوا أن يناموا على خير أعمالهم. • وكان ابن عمر إذا تكلم أو قضى شيئًا من أمور الدنيا رجع إلى الصلاة. الفائدة الثانية: الحرص على حسن الخاتمة. الفائدة الثالثة: فيه دليل على أنَّ (مِنْ) تأتي لابتداء الغاية الزمانية كقول الكوفيين كقوله تعالى ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقول أنس ما زلت أحب الدباء من يوم ما رأيت النبي ﷺ . الفائدة الرابعة: وفيه قصر أعمار هذه الأمة، وهذا يحتاج إلى الاجتهاد في العمل. الفائدة الخامسة: اختلف العلماء في معنى " لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ ": قال النووي: المراد أنَّ من كان على الأرض بعد تلك الليلة فإنه لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، وليس فيه نفي أنَّ أحدًا يعيش أكثر من مائة سنة يولد بعد تلك الليلة. وقيل: إنَّ المراد هم الإنس فقط، وقيل المسلمون فقط، وقيل غير ذلك. الفائدة السادسة: حرص النبي ﷺ على أمته ونصحهم وتحذيرهم في آخر حياته.

стр. 189

• الحديث الثاني: • مناسبته للباب: اختُلِفَ في مناسبته للباب: قال ابن الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَصْلَ السَّمَرِ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ «نَام الغليم». وَيحْتَمل أَنه يُرِيد ارتقاب ابن عَبَّاسٍ لِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيمِ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّعْلِيمِ من الْفِعْل فقد سمر ابن عَبَّاسٍ لَيْلَتَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. زَادَ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ مَا يُفْهَمُ مِنْ جَعْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى يَمِينِهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: قِفْ عَنْ يَمِينِي فَقَالَ: وَقَفْتُ. اه وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَرَضٌ لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُسَمَّى سامرًا وصنيع ابن عَبَّاسٍ يُسَمَّى سَهَرًا لَا سَمَرًا إِذِ السَّمَرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَحَدُّثٍ. قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبْعَدُهَا الْأَخِيرُ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ لَا يُسَمَّى سَمَرًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَقَارِبَ إِذَا اجْتَمَعُوا لَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ حَدِيثٌ لِلْمُؤَانَسَةِ، وَحَدِيثُهُ ﷺ كُلُّهُ عِلْمٌ وَفَوَائِدُ. قال ابن حجر: وَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَهَذَا يَصْنَعُهُ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا يُرِيدُ بِهِ تَنْبِيهَ النَّاظِرِ فِي كِتَابِهِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِتَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَالنَّظَرِ فِي مَوَاقِعِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ هُنَا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى حَقِيقَةِ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِير وَغَيره من طَرِيق كريب عَنْ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ "فتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ .. " فَصَحَّتِ التَّرْجَمَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَعَسُّفٍ وَلَا رَجْمٍ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ لَا فِي الْعِلْمِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَالْجَامِعُ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ، أَوْ هُوَ بِدَلِيلِ الْفَحْوَى لِأَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي الْمُبَاحِ فَفِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ طَرِيقِ

стр. 190

الْأَوْلَى (١). ورد الكرماني في عمدة القاري هذا القول فقال: ليس له توجه أصلًا فضلًا عن أن يكون هو الأولى. • بعض معاني الكلمات: الغطيط: صوت نفس النائم، والنخير أقوى منه، أما الخطيط فهو دون الغطيط. • من فوائد الحديث الثاني: الفائدة الأولى: جواز السمر في الفوائد العامة للمسلمين، وفي حديث ابن عمر: كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر وعمر في الأمر من أمور المسلمين. الفائدة الثانية: جواز السمر في العلم، ففي حديث أنس خطبنا النبي ﷺ بعد العشاء. الفائدة الثالثة: وسطية الدين فقد كان النبي ﷺ ينام ويقوم. الفائدة الرابعة: متابعة النبي ﷺ للكبير والصغير واطمئنانه على أحوال رعيته في قوله «أنام الغليم». الفائدة الخامسة: همة ابن عباس العالية من صغره، ولذلك أصبح بعدها بحر العلم وحبر الأمة. الفائدة السادسة: التوجية والإرشاد للصغير وإن لم يكن مكلفًا لأخذه النبي ﷺ من وراء ظهره وجعله عن يمينه.

стр. 191

٤٢ - بَابُ حِفْظِ العِلْمِ قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمِ﴾ [البقرة: ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ» (١). قال البخاري: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ (٢).

стр. 192

قال البخاري: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ " (١). • مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: أنَّ من يسمر بالعلم فإنه يسمر من أجل حفظه، والحديث الأول مطابقته للترجمة أنَّ الإكثار لا يكون إلا عن حفظ. • تراجم بعض الرواة: (عبد العزيز بن عبد الله): هو الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني، توفي سنة ١٦٤ هـ. (الأعرج): هو الإمام أبو داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، يُذكر أحيانًا باسمه وكذلك بلقبه، كان عالمًا بالأنساب والعربية، توفي سنة ١١٧ هـ بالاسكندرية. (أحمد بن أبي بكر): هو الإمام أبو مصعب أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث القرشي المدني، كان عالمًا بمذاهب أهل المدينة، توفي سنة ٢٤٢ هـ. (محمد بن إبراهيم بن دينار): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن دينار الجهني، وكان فقيهًا فاضلًا، له بالعلم رواية وعناية، توفي سنة ١٨٢ هـ. (حدثنا أخي): هو الإمام عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس المدني، توفي

стр. 193

سنة ٢٠٢ هـ. (إبراهيم بن المنذر): هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر القرشي المدني، قال عنه الزبير بن بكار: كان له علم بالحديث ومروءة وقدر، توفي سنة ٢٣٦ هـ. (ابن أبي فديك): هو الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبى فديك المدني، توفي سنة ٢٠٠ هـ على الصحيح. • فوائد الباب: • أولًا: من فوائد الحديث الأول: الفائدة الأولى: فضيلة حفظ العلم والمواظبة عليه. الفائدة الثانية: فضيلة أبي هريرة ﵁ لحفظه للعلم. الفائدة الثالثة: التقليل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال. الفائدة الرابعة: جواز إخبار الإنسان عن نفسه وفضيلته إن اضطر لذلك، وأمن من الرياء والعجب. الفائدة الخامسة: جواز الإكثار من الحديث. الفائدة السادسة: جواز التجارة والعمل ولا محظور في ذلك إن لم يضيع حقًّا من الحقوق. الفائدة السابعة: جواز الاقتصار على مجرد الشبع. الفائدة الثامنة: عدم المبالاة بالناس واتهاماتهم إن كان اتباع الناس في ذلك سيضيع حقًّا من الحقوق، أو يخالف نصًّا. الفائدة التاسعة: الأدب والألفة بين المسلمين في قول أبي هريرة (إنَّ إخواننا .... ).

стр. 194

الفائدة العاشرة: التواضع في قوله "وإنَّ أبا هريرة" حيث تكلم بصيغة الغائب عن نفسه. الفائدة الحادية عشرة: العطاء في العلم والزيادة فيه ملازم لأمرين: التقلل من الدنيا، والحضور والملازمة لأهل العلم كما سبق. فقد تقلل أبو هريرة من الدنيا حتى أنه كان يعيش بشبع بطنه، وأما الملازمة فقد لازم النبي ﷺ زمنًا، وكان خادمًا له. • ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني: الفائدة الأولى: جواز الشكوى للمعلم وطلب النصح منه، وإن كان في أمور الشريعة. الفائدة الثانية: الفيض الإلهي والعطاء يكون له أساب منها: الطلب، وكذلك ما سبق من التقلل من الدنيا. الفائدة الثالثة: الحفظ والعلم قد يكون بأسباب مادية من العبد، وقد يكون بالفيض الإلهي، لكن كل شيء بحكمة. الفائدة الرابعة: الحث على طلب العلم وحفظه، وطلب أسباب ذلك. الفائدة الخامسة: سعة حفظ أبي هريرة. الفائدة السادسة: وفيه جواز إطلاق المحل وإرادة الحال، وذلك في قوله وعاءين أي نوعين من العلم، والمراد حفظت ما لو كُتِبَ لملأ وعاءين. الفائدة السابعة: جواز كتم بعض العلم عند العامة إن كان في ذلك مضرة.

стр. 195

٤٣ - بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»، فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: أنَّ العلم إنما يؤخذ ويحفظ من العلماء، ولابد فيه من الإنصات لكلام العلماء حتى لا يشذ عنه شيء، ولا يضيع منه شيء. • تراجم بعض الرواة: (حجاج): هو الإمام أبو محمد حجاج بن منهال البصري الأنماطي، كان من خيار الناس، توفي سنة ٢١٦ هـ، وقيل: ٢١٧ هـ. (علي بن مدرك): هو الإمام أبو مدرك علي بن مدرك النخعي الكوفي، توفي سنة ١٢٠ هـ.

стр. 196

(أبو زرعة بن عمرو): هو الإمام أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، واختلفوا في اسمه فقيل: هرم، وقيل عمرو، وقيل عبد الرحمن، وقيل جرير. • المعنى الإجمالي للحديث: اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» على أقوال: فقال بعضهم: إنَّ ذلك كفر في حق المستحل. وقيل: إنَّ المراد كفر النعمة وهي نعمة الإسلام. وقيل المعنى: دوموا مسلمين بأقوالكم وأفعالكم وأحوالكم، ولا تفعلوا أفعال الكفار. وقيل: إنَّ المراد بالكفر أي المتكفرين بالسلاح. وقيل: المعنى: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا فتستحلون قتال بعضكم، وقيل غير ذلك. كل ذلك لأنه معلوم عند أهل السنة أنَّ القتل ليس بكفر. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: النهي عن التشبه بالكفار أو فعل أفعالهم. الفائدة الثانية: الإنصات للعلماء لازم للمتعلم حتى لا يفوته شيء من العلم، وأنه من الأدب مع العلماء. الفائدة الثالثة: وفيه بيان قدر العلم وأهله، وأهمية العلم، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. الفائدة الرابعة: الإنصات عند قراءة حديث النبي ﷺ ، والإنصات للعلماء لأنهم يبلغون سنته.

стр. 197

تنبيه: تمسك بهذا الحديث بعض أهل البدع على نفي الإجماع لأنه نهى الأمة كلها عن القتال، ولولا جواز إجماعهم على القتال لما نهاهم، فمن الممكن إذًا أن يجمعوا على شيء خطأ، أو على معصية. والجواب: جاء من قبل النص لا من عدم الإمكان أي أنَّ: الإمكان ممكن إن لم يرد النص، وقد اجتمعت أمم من قبلنا على الباطل، ولكن هذه الأمة ورد أنها لا تجتمع على ضلالة بخبر الصادق المصدوق ﷺ ، والمفهوم من آيات القرآن الكريم، وليس كل شيء ينهى عنه الله ﵎ أو ينهى عنه النبي ﷺ يمكن وقوعه ممن وُجِّه إليه الخطاب، فقد يكون الخطاب عامًّا ويراد البعض، أو يكون ذلك تحذيرًا لغيره، فقد قال تعالى للنبي ﷺ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والنبي ﷺ معصوم من الشرك قطعًا. الفائدة الخامسة: في الحديث دليل على أنَّ القتال لن يحدث في وجود النبي ﷺ لقوله ﷺ " لا ترجعوا بعدي ....... ". الفائدة السادسة: أنَّ الإستماع والإنصات هو أول العلم، ثم العمل، ثم تبليغ العلم.

стр. 198

٤٤ - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إِلَى اللَّهِ قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] قَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] يَا مُوسَى

стр. 199

إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لا أَعْلَمُهُ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] قَالَ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]- فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا -، فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤]: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]- قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، قَالَ ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا» (١).

стр. 200

• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: في الباب السابق: لزوم الإنصات للعالم، وفي هذا الباب اعتراض موسى على الخضر في المرات الثلاث حرمه من بعض العلم، ولو أنصت وصبر لكان أخذه للعلم أكثر. • تراجم بعض الرواة: (عمرو): هو الإمام أبو محمد عمرو بن دينار المكي، كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدًا لا الحكم ولا غيره، وهو مولى شرفه الله بالعلم، توفي سنة ١٢٦ هـ. (سعيد بن جبير): هو الإمام سعيد بن جبير الأسدي، وهو إمام حجة على المسلمين، ومناقبه كثيرة، توفي سنة ٩٥ هـ. (نوف البكاليّ): هو نوف بن فضالة بن الحميري البكاليَّ، فكان نوف البكالى إمامًا لأهل دمشق، فكان إذا أقبل على الناس بوجهه قال: من لا يحبكم لا أحبه الله، ومن لا يرحمكم فلا ﵀، توفي بعد سنة ٩٠ هـ. • ليس له ذكر في البخاري إلا في هذا الحديث. • معانى بعض الكلمات: (كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ): لم يرد به معناه الحقيقي، بل هذه كلمة صدرت منه في حالة الغضب، أو أراد تنفير الناس عن اتباعه في تلك المقالة. (مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ): قيل: هو ملتقى بحري فارس والروم، مما يلي المشرق، وقيل: طنجة، وقيل: أفريقية، وذكر السهيليّ أنها بحر الأردن، وبحر القلزم، وقيل: بحر المغرب، وبحر الزقاق. (نَوْلٍ): بفتح النون وسكون الواو أي من غير أجرة، وأصل النول العطاء.

стр. 201

• من فوائد الباب: سبق بعض الفوائد من هذا الحديث، وفيه أيضًا فوائد أخرى منها: الفائدة الأولى: التنبيه على موسى والتعليم لمن بعده أن يكل الفضل والعلم لله تعالى. الفائدة الثانية: استحباب الرحلة في طلب العلم. الفائدة الثالثة: استحباب التزود للسفر. الفائدة الرابعة: الأدب مع العالم أمر لازم لتعلم العلم. الفائدة الخامسة: الوفاء بالعهود مع العلماء، والاعتذار عند المخالفة. الفائدة السادسة: جواز سؤال الطعام عند الحاجة. الفائدة السابعة: جواز الإجارة. الفائدة الثامنة: تسمية الشيء بما يؤول إليه فإنَّ الخضر سمى الغلام كافرًا لما يؤول إليه إن عاش، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. الفائدة التاسعة: جواز تعليق الوعد بالمشيئة. الفائدة العاشرة: الشرع حجة على العقل وليس العكس، ألا ترى إنكار موسى في الظاهر صوابًا، لكن الشرع حجة عليه قال تعالى " وما فعلته عن أمري "، وقيل: إنَّ موسى في الحقيقة لم يعتمد على عقله، بل اعتمد على ظاهر الشرع. الفائدة الحادية عشرة: فيه استخدام الصاحب لصاحبه ومتعلمه، وخاصة إن كان أصغر منه. الفائدة الثانية عشرة: العالم يُكْرَم بأن تُقْضَى له حاجة، وأن يُوهَب له شيء، وفيه جواز قبول ذلك؛ لأن الخضر حمل بغير أجر.

стр. 202

الفائدة الثالثة عشرة: يجوز للعالم عيب شيء لغيره إن كان فيه مصلحة. الفائدة الرابعة عشرة: فيه جواز ركوب البحر. الفائدة الخامسة عشرة: وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه. الفائدة السادسة عشرة: وفيه جواز إفساد بعض المال لإصلاح بعضه. الفائدة السابعة عشرة: الأنبياء لا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم الله به. الفائدة الثامنة عشرة: فيه التلطف مع العالم قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، فأخرج موسى ﵇ الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة. الفائدة التاسعة عشرة: إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر. الفائدة العشرون: استدل به البعض على نبوة الخضر لقوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]. الفائدة الحادية والعشرون: لا يجوز قتل أحد لما يتوقع وقوعه منه؛ لذا أنكر ذلك موسى، لكن كان جواب الخضر " وما فعلته عن أمري". الفائدة الثانية والعشرون: قال بعضهم أنَّ الخضر أفضل من موسى لذهاب موسى للتعلم منه، وهذا ليس بصحيح حتى وإن كان الخضر نبيًّا، فإنه ليس أفضل من موسى؛ لأن موسى أحد أولي العزم من الرسل، وأما إن كان وليًّا فإنَّ النبي أفضل من الولي بالإجماع.

стр. 203

٤٥ - بَابُ مَنْ سَأَلَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: والمناسبة أنهما سؤال متعلمٍ إلى عالم، فالباب السابق كان فيه سؤال موسى للخضر، وهنا سؤال القائم للعالم الجالس. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: الإخلاص شرط فى العبادة؛ لذلك قال النبي ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله». الفائدة الثانية: أنه لا بأس أن يكون المستفتِي قائمًا والمستفتَي جالسًا. الفائدة الثالثة: إقبال المتكلم على المخاطب، والمتعلم على العالم.

стр. 204

الفائدة الرابعة: فيه ما أُعْطِى النبي ﷺ من الفصاحة حيث أجاب بجوامع الكلم حيث إنَّ الرجل سأله "الرجل يقاتل غضبًا ويقاتل حمية" فأعطاه النبي ﷺ جوابًا جامعًا فيه جواب لهذه المسألة وشبيهها فقال «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله». الفائدة الخامسة: فيه أنَّ الجواب الحكيم هو الذى يكون فى عين حاجة السائل، فالرجل سأل النبي ﷺ عن القتال، ما القتال فى سبيل الله؟ ولم يقل من المقاتل فى سبيل الله؟ فأجابه النبي ﷺ عن المقاتل؛ لأنه يعلم أنَّ السائل لا يسأل عن مجرد القتال، وإنما يسأل عن حال صاحب القتال وهو المقاتل لذا قال «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله». الفائدة السادسة: أيضًا فيه أنَّ من قاتل لطلب ثواب الآخرة فهو فى سبيل الله، ولا يلزم أن يستحضر المعنى المذكور بعينه «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله»، فقد يقاتل الرجل لينال الآخرة ولم يستحضر إعلاء كلمة الله، وما إلى ذلك، لكنه يعمل للآخرة، ويبتغي رضوان الله، ويرجو الشهادة، فكل ذلك فى سبيل الله، لأن إعلاء كلمة الله تأتى من إخلاص العمل، وتأتى من بذل الشهداء أنفسهم، وتأتى من البحث عن الآخرة، فهو أيضًا من إعلاء كلمة الله ضمنًا، فقد يكون للعبد غرض آخر، لكنه مستلزمٌ لإعلاء كلمة الله.

стр. 205

٤٦ - بَابُ السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: «انْحَرْ وَلا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ» (١). • سؤال: ما غرض البخاري من هذا التبويب؟ الجواب: ذكر البخاري هذا التبويب ليدل على جواز أن يُسأل العالم وهو مشتغل بطاعةٍ أخرى إذا لم يمنعه من طاعته التي هو فيها. • تراجم بعض الرواة: (أبو نعيم): هو الإمام أبو نعيم الفضل بن دُكين واسمه عمرو بن حماد القرشي الكوفي، وذُكر عند الإمام أحمد بن حنبل فأثنى عليه، وقال: ثقة، توفي ﵀ سنة ٢١٨ هـ، وقيل ٢١٩ هـ.

стр. 206

• بعض معاني الكلمات: (النحر): ذبح الإبل خاصة؛ لأن النحر هو الصدر والإبل تذبح في اللَّبّة - بفتح اللام وتشديد الباء - وهي آخر الحلق يتصل بالصدر. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: أنَّ الفتيا ليس بقادح فى الذكر على اعتبار أنَّ العلماء يعتبرون أنَّ رمى الجمار ذكر؛ لأنها عبادة والعبادة ذكر، والفتيا لا تمنع من الذكر ولا تعارضه، بل هي أيضًا من الذكر. الفائدة الثانية: فيه أيضًا أنه يجوز للقاضي والمفتي الفتوى حال انشغاله، لكن بشرط أن يكون متيقظًا للسؤال والجواب ومناط الأحكام وما إلى ذلك، ولا يعارض ذلك قول النبي ﷺ : " لا يقضى القاضي وهو غضبان " ذلك لانشغال القلب والفكر، لكن المفتي لو كان منشغلًا لكنه مستحضر القلب والبال ويعلم السؤال والجواب فلا مانع من ذلك. الفائدة الثالثة: وفيه أيضًا جواز الكلام وقت رمى الجمار. الفائدة الرابعة: وفيه دليل أنَّ الأصل فى أفعال الحج الترتيب، لقول النبي ﷺ : «خذوا عنى مناسككم»، وفهم الصحابة ﵃ أنَّ أخذ المناسك تكون على هيئتها وعلى ترتيبها لذلك لما اختل الترتيب عند بعضهم عادوا للنبي ﷺ وسألوه، فأجاز النبي ﷺ ذلك، وهذا يدل على أنَّ الخلل فى الترتيب ليس هو الأفضل، بل الأفضل والأولى الترتيب. الفائدة الخامسة: فيه دليل على أنَّ الأمر قد يخرج للإباحة، ويشهد ذلك للقاعدة الأصولية: أنَّ الأمر إذا جاء لدفع ما يتوهم أنه محظور دل على أنه مباح، ففى قول النبي ﷺ : «انحر ولا حرج» صورة من الصور التي يكون فيها الأمر للإباحة. الفائدة السادسة: وفيه دليل على يسر الشريعة ورفع الحرج، وهذا أمر عام فى الحج فمتى استطاع المفتي فى الحج أن ييسر على الناس طالما أنَّ له مسوغًا شرعيًّا فلا بأس بذلك.

стр. 207

٤٧ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]». قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا (١). • مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: أنَّ كلًّا منهما مشتملٌ على سؤالٍ للعالم غير أنَّ المسؤول عنه قد بُيِّن فى الحالة الأولى، ولم يُبَيَّن فى الحالة الثانية، وهو يدل على أنَّ الجواب لا يكون فى كل وقتٍ مناسبًا للسائل، فقد يجاب عنه وقد لا يجاب، لأنه قد يكون مما اختص الله به نفسه.

стр. 208

• تراجم بعض الرواة: (قيس بن حفص): هو الإمام أبو محمد قيس بن حَفْص بن القَعْقاع التّميميّ الدارميّ البصري، توفي سنة ٢٢٧ هـ. • انفرد البخاري به عن الأئمة الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه. (عبد الواحد): هو الإمام أبو بشر عبد الواحد بن زِياد العَبْديّ، توفي سنة ١٧٦ هـ، وقيل سنة ١٧٧ هـ، ليس من رواة الكتب الستة من اسمه عبد الواحد بن زياد سواه. • بعض معاني الكلمات: العَسِيب: - بفتح العين وكسر السين - جريد النخل إن لم تنبت عليه الخوص. النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة. • اختلفوا في المراد بالروح هل هي الروح التي بها حياة الأبدان، أم المقصود به جبريل؟ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا: أي أوتوا بلفظ الغيبة، والضمير يعود لليهود. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: فيه فضل ابن مسعود ﵁، وأنه كان ملازمًا للنبي ﷺ ، وكان يمشى معه قال " بينا أنا أمشى مع النبي ﷺ فى خرب المدينة ". الفائدة الثانية: فيه شدة تحرى الصحابة للنقل، قال ابن مسعود ﵁ " بينا أنا أمشى مع النبي ﷺ فى خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيبٍ معه " كل ذلك لدقة النقل.

стр. 209

الفائدة الثالثة: حب الصحابة للنبي ﷺ ، وشدة ارتباطهم به، يقول ابن مسعود: " بينا أنا أمشى مع النبي ﷺ "، وقال معاذ "كنت رديف النبي " (١)، " أخذ النبي ﷺ بيدي وقال يا معاذ إنى أحبك " (٢)، فهذا يدل على فضل هؤلاء الصحابة، وشدة ارتباطهم بالنبي ﷺ . الفائدة الرابعة: فيه استحباب الاتكاء على شيء، ولا يلزم أن يكون الاتكاء من علة أو مرض، وفيه أيضًا جواز سؤال العالم أثناء مشيه ما لم يُثقل عليه. الفائدة الخامسة: فيه دليل على أنَّ العلم منه أشياء لم يطَّلع عليها الأنبياء، ولا الملائكة، وتكون أشياء اختص الله ﵎ بها نفسه. الفائدة السادسة: فيه أيضًا دليل على قلة علم الإنسان مهما أوتى من العلم، قال تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. الفائدة السابعة: فيه إجلال أهل العلم وتهيئة الأمور لهم لتعليم الناس، قال ابن مسعود فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، قيل: قام حتى لا يشوش على النبي ﷺ فقام وابتعد، وقيل: إنه قام وحجب اليهود عنه حتى لا يشوشوا عليه. الفائدة الثامنة: فيه دليل على غي اليهود وضلالهم - عليهم من الله ما يستحقون -؛ لأنهم كانوا يعلمون نبوة النبي ﷺ ، وذلك يظهر في قولهم "لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه"، لكن مع ذلك أصَرَّ البعض على أن يسأل تعنتًا، وهم يعلمون أنَّ هذه من الأشياء التي اختص الله ﵎ بها نفسه .

стр. 210

٤٨ - بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا عَائِشَةُ لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ " فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: في الباب السابق ترك الجواب عن السائل لحكمة اقتضت ذلك، وأما هنا ترك بعض المختار لحكمة اقتضت ذلك أي ترك بعض الأحكام والأوامر لحكمة. • تراجم بعض الرواة: (عبيد الله بن موسى): هو أبو محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، قال عنه العجلي: ثقة، رأس في القرآن، عالم به، ما رأيْتُه رافعًا رأسه، وما رُئِي ضاحكًا قط، توفي سنة ٢١٣ هـ.

стр. 211

(إسرائيل): هو الإمام أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الهَمدانيّ الكوفيّ، توفي سنة ١٦٠ هـ. (أبو إسحاق): هو الإمام أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وقال ابن المَدينيّ: أحصينا مَشْيَختَه نحوًا من ثلاث مئة شيخ، وقال مرة أربع مئة. قال عن نفسه: ذهبت الصلاة منّي وضَعُفْت، فما أقدر أن أصلّي إلا بالبقرة وآل عمران. توفي سنة ١٢٦ هـ، وقيل غير ذلك. (الأسود): هو الإمام الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، قال عنه الحكم: كان الأسود يصوم الدهر كله، وذهبتْ إحدى عينيه في الصوم، حج مع أبي بكر وعمر وعثمان، توفي سنة ٩٥ هـ. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: الحديث دليل على قاعدة أصولية تقول: إذا تزاحم واجبان في حق شخص واحد في وقت واحد فيجب عليه أن يقدم أعلاهما، فقد تزاحم في حق النبي ﷺ واجب إعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي، وواجب الحفاظ على دين المسلمين، وعدم وقوع الفتنة بينهم، فقدَّم اجتماع المسلمين، فلما زال ذلك فعل ابن الزبير هذا الأمر، قال النووي: وفيه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم (١). الفائدة الثانية: النفوس تحب أن تساس بما تأنس إليه في دين الله من غير الفرائض.

стр. 212

الفائدة الثالثة: اهتمام ولي الأمر بمصالح رعيته ومتابعة ذلك. الفائدة الرابعة: وجوب تأليف القلوب وحسن حياطتها وعدم تنفيرها. الفائدة الخامسة: على الإمام أن يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا. الفائدة السادسة: فعل ابن الزبير يدل على أنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالخوف من الفتنة لما زال واستقر الإسلام أعاد ابن الزبير الكعبة إلى وضعها الأصلي. الفائدة السابعة: دليل على أنَّ التكليف بالنص إذا سلم من المعارض، فالنبي ﷺ مكلف بإعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي لكن قام له معارض، فاعتبر أنَّ هذا التكليف غير واقع في حقه ﷺ .

стр. 213

٤٩ - بَابٌ: مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا قال البخاري ﵀: وَقَالَ عَلِيٌّ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». وقال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ. • هذا الإسناد من عوالي البخاري إذ هو ملحق بالثلاثيات فإنَّ الراوي الثالث صحابي. وقال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا (١).

стр. 214

وقال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قَالَ: أَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لا. إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا» (١). • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: الجواب: في الباب السابق كان ترك بعض المختار مخافة قصور فهم البعض، وأما هنا ففيه ترك بعض الناس من التبليغ بالعلم لقصور فهمهم، والترجمة السابقة مطلقة أما هذه الترجمة مقيدة، ولا يعتبر ذلك كتمانًا للعلم. • تراجم بعض الرواة: (معروف بن خربوذ): هو العلامة معروف بن خربوذ المكي، ليس له في البخاري إلا هذا الخبر. (إسحاق بن إبراهيم): هو الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المعروف بابن راهويه، قال الإمام محمد الطوسي: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، توفي سنة ٢٣٠ هـ. (معاذ بن هشام): هو الإمام معاذ بن هشام الدَّسْتَوائيّ البصري، توفي سنة ٢٠٠ هـ. (أبيه): هو الإمام هشام بن أبي عبد الله - واسمه سَنْبَر - أبو بكر البصري الدَّسْتَوائيّ، أخرج له الجماعة، قال شعبة عنه: ما من الناس أحدٌ أقول: إنه طلب

стр. 215

الحديث، يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، توفي ﵀ سنة ١٥٣، أو ١٥٤ هـ. (قتادة): هو الإمام قتادة بن دعامة السدوسي أبوالخطاب البصري، وهو رأس في العلم، توفي ﵀ سنة ١١٧ هـ. (أبو الطفيل): هو عامر بن واثلة، وهو آخر الصحابة موتًا باتفاق أهل الحديث، ولد عام أحد، وتوفي وله مائة عام. • بعض معاني الكلمات: (لَقِيَ اللَّهَ): اللقاء كناية عن الموت. • وصَرَّح في هذا الحديث بدخول الجنة؛ لأن التحريم على النار أعم مفهومًا منه إلا أنهما متلازمان لقوله تعالى ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: جواز تكرار الكلام لنكتة وقصد. الفائدة الثانية: جواز الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده. الفائدة الثالثة: جواز الإجابة بلبيك وسعديك. الفائدة الرابعة: فيه بشارة عظيمة للموحدين. الفائدة الخامسة: فيه دليل لتخصيص قوم بالعلم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم. الفائدة السادسة: لا تبذل المعاني الدقيقة واللطيفة لمن لا يستأهلها ولا يفهمها. الفائدة السابعة: لا يذكر المتشابه عند العامة، ومما يؤيد ذلك أيضًا ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه عن ابن مسعود: وما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا يبلغه
следующие страницы →