← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30093

سيل الأقلام بفوائد من كتاب العلم من صحيح الإمام

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (233 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق، وخاتم المرسلين، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه. أما بعد: فإنَّ من المنة والشرف أن يُلْصَقَ اسمُ العبد بالوحي وسنة النبي ﷺ حتي يصير علمًا عليه يعرف به، وهذا مما مَنَّ الله تعالى به على الإمام البخاري ﵀، وأصبح يسمى ب (صاحب الصحيح)، وَوُسِمَ كتابه بكتاب الصحيح، حتى أصبح يقال هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى. وقيَّد الله تعالى العلماء وساقهم بتقديره إلى هذا الكتاب المبارك شرحًا، ودراسة، وتَعَلُّمًا، وتعليما، ولا يكاد يمر زمان أو قرن إلا واتجه أهل العلم إلى هذا الكتاب المبارك ووضعوا فيه بصمات جديدة، واستخرجوا منه الفوائد الجمة. ولعل ذلك مِنْ مِنَّة الله تعالى عَلَى العبد الفقير أن قَدَّرَ الله لي جمع هذه الفوائد لأكون في الركب، ولا ضير فإنَّ خادم القوم منهم - وإن كان خادمًا -، وحسبه أنه في الركب عسى أن يُلْحِقَه الله بهم. وما هي إلا إشارات أتحفت به الساري في طريقه سميتُها (سيل الأقلام بفوائد من كتاب العلم من صحيح الإمام) حاولت فيها التنبيه على جملة من الفوائد من كلام النبي ﷺ وسنته، وكذلك جملة من الفوائد من ترتيب البخاري للأحاديث،

стр. 2

ومن فقهه الذي وضعه في الأبواب، واختياره للأحاديث، وربط الأحاديث بأبوابها؛ إذ الإحاطة بكل الفوائد من أحاديث النبي ﷺ في كتاب أمر صعب المنال؛ إذ هو بحر لا ساحل له، ومن رام ذاك فإنما رام ما فوق الطاقة، لكنها إشراقة صبح من ضوء النهار، أوغرفة يد من مياه الأنهار، فأسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه، وأن يكتب لها القبول. ولا يفوتني تقديم الشكر والعرفان لأخي في الله الأخ الفاضل/ أحمد الغمري الذي حقق الأحاديث والآثار، وأزاد لطائف إسنادية حسنة، وترجم لرواة الأحاديث، ولم يدَّخر جهدًا ليخرج الكتاب جامعًا لجملة من الفوائد النافعة، فجزاه الله خيرًا، وتقبل منا ومنه صالح الأعمال. وكذلك لا يفوتني تقديم الشكر والعرفان للأخوين الفاضلين: الأخ/ إبراهيم كامل، والأخ/ خالد عبد الحكيم لما قدما من جهد وبذل في تفريغ مادة الكتاب، فجزاهما الله خيرًا، وجعل ذلك في ميزان حسناتهما. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 3

ترجمة مختصرة للإمام البخاري • أولًا: اسمه ونسبه: هو الإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحدِيث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه البخاري. والده كان من المحدثين، وقد روى عن حماد بن زيد، والإمام مالك، وأبي معاوية وغيرهم، ولقد لقى ابن المبارك واستفاد منه. والدته كانت من الصالحات العابدات، وكانت صاحبة كرامات ورزقت حظًّا وافرًا من الابتهال والدعاء إلى الله. وُلِد الإمام البخاري في ١٣ من شوال سنة ١٩٤ هـ بعد صلاة الجمعة، وقيل ١٢ شوال في مدينة " بخارى " وهذه المدينة خرج منها أئمة وكبار المحدثين آنذاك. • نشأته: نشأ الإمام البخاري يتيمًا وقد توفي أبوه صغيرًا، فقامت على رعايته وكفالته وتربيته والدته التقية، وقد حفظ القرآن صغيرًا، ولما بلغ سن التمييز حبب إليه حفظ الأحاديث، وبدأ يختلف على الشيوخ لسماع الحديث وغيره، وكان يراجع المشايخ في الأسانيد وقد بدأ في معرفة العلل، والأحاديث الصحيحة والضعيفة وهو في الحادية عشر من عمره، ولقد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وهو في السادسة عشر من عمره، وكان ينتقل في بخارى، ورحل إلى بلخ ومرو والري، وغيرها من المدن.

стр. 4

رحل الإمام البخاري مع أمه وأخيه للحج، ورجعا ومكث الإمام البخاري يطلب العلم من علماء الحجاز في مكة ثم المدينة، وفيها ألف كتابه التاريخ الكبير، وهو ابن ثمان عشرة سنة، ثم رحل إلى العراق ومدنها كبغداد والبصرة والكوفة، ورحل إلى واسط، ورحل إلى الشام ومدنها دمشق وحمص وقيسارية وعسقلان، ورحل إلى مصر وأراد الرحلة إلى عبد الرزاق في اليمن فقيل له: إنه مات، فأخذ عن طلبته، وكان يعاود الرحلة إلى البلاد مرات عديدة. • من شيوخه: كَتَبَ الإمام البخاري عن أكثر من ألف شيخ، وترك الكتابة عن الكثير؛ لأن فيهم نظرًا عنده، وإحصاء شيوخه صعب جدًّا، وللبخاري أسانيد ثلاثية، فمن أبرز شيوخه: الإمام مكي بن إبراهيم، والإمام أبو عاصم النبيل، والإمام الفضل بن دكين، والإمام آدم بن أبي أياس، والإمام سعيد بن أبي مريم، والإمام سليمان بن حرب، والإمام علي بن المديني، والإمام يحيى بن معين، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام إسحاق بن راهويه، والإمام محمد بن يحيى الذهلي، والإمام أبو حاتم الرازي، والإمام عبد الله بن الشخر، والإمام محمد بن يوسف الفريابي، والإمام محمد بن سلام البيكندي، والإمام عبد الله بن محمد المسندي، والإمام إبراهيم بن الأشعث، وغيرهم من الأئمة. • ومن تلاميذه: الإمام مسلم بن الحجاج، والإمام أبو عبد الرحمن النسائي، والإمام أبو عيسى الترمذي، والإمام محمد بن نصر المرْوزي، والإمام الدارمي، والإمام ابن خزيمة، وغيرهم. وحضر دروسه يعض شيوخه كالمسندي وغيره، وكثير من أقرانه كأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم.

стр. 5

• صفاته: كان الإمام البخاري قد وهبه الله صفات كثيرة منها: الورع، والصدق، والإخلاص، والكرم، وعفة اللسان، وكان صاحب عبادة وتهجد، وكان من أذكياء الدنيا، وقوي الذاكرة، وغير ذلك من الصفات. • كتبه: وللإمام البخاري مصنفات عدة منها: التاريخ الكبير، التاريخ الصغير، الجامع الكبير، خلق أفعال العباد، كتاب الضعفاء الصغير، كتاب الهبة، كتاب الوحدان، كتاب الأدب المفرد، جزء رفع اليدين، جزء القراءة خلف الإمام، الجامع الصحيح المسند المختصر من أقوال رسول الله وسننه وأيامه المعروف ب" صحيح البخاري ". • كتاب صحيح البخاري: هذا الكتاب العظيم الذي كتب الله له القبول في الأرض، لا يوجد مكان على وجه الأرض غالبًا إلا وتجد به نسخة من صحيح البخاري. قال الفِرَبْرِي: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيت البخاري في المنام خلف النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يمشي فكلما رفع النبي ﷺ قدمه، وضع أبو عبد الله قدمه في ذلك الموضع. صنف الإمام البخاري كتابه الصحيح من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وكان يغتسل ويصلي ركعتين قبل أي حديث يضعه في صحيحه، ولما صنفه عرضه على الإمام ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث، ولقد قال الإمام العقيلي: والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة. كان غرض تأليف الإمام البخاري غرضين أساسيين: ١ - انتخاب وجمع تلك الأحاديث التي اتفق على صحتها المحدثون قبل

стр. 6

الإمام البخاري أو المعاصرون له، ولذلك سماه " الجامع الصحيح المسند من أحاديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه". ٢ - استنباط المسائل الفقهية واستخراج النكات العلمية، وذلك في تراجمه. • سبب تأليفه للصحيح: قال البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النبي ﷺ ، قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح. • محنته ووفاته: جرى مع الإمام قبل وفاته محنة مع الحافظ محمد بن يحيى الذهلي في مسألة اللفظ بالقرآن، وكان البخاري ﵀ يقول: كلام الله غير مخلوق، والقرآن المسطور في المصاحف، المقروء بالألسنة، بألفاظه وحروفه كلام الله غير مخلوق، ولكن أفعال العباد مخلوقة، وألف في ذلك كتابه: خلق أفعال العباد، وما قرره ﵀ هو مذهب أهل السنة قطعًا. ثم جرت له محنة مع والي بخارى خالد بن أحمد الذهلي فقد بعث إلى البخاري: أن احمل إليّ كتاب الجامع (صحيح البخاري)، والتاريخ وغيرهما، لأسمع منك، فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة، فاحضر مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان، فامنعني من المجلس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم، فكانت سبب الوحشة بينهما، واستعان الوالي بمن تكلم في البخاري ومذهبه، ونفاه الأمير عن البلد، فدعا عليهم البخاري، فلم يأت إلا شهر ابتُلِي هو، وغيره ممن تكلم في البخاري. وقد خرج البخاري إلى خرتنك قرية من قرى سمرقند ولم يطل مكثه فيها، وتوفي ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ هـ، وعمره ٦٢ عامًا.

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ العِلْمِ ١ - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وَقَوْلِهِ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. • افتتح الإمام البخاري ﵀ كل كتاب من الكتب التي جعلها ضمن كتابه الجامع الصحيح ب (بسم الله الرحمن الرحيم)، وفي هذا موافقة منه لكتاب الله تعالى وللسنة الفعلية عن النبي ﷺ . • بدأ الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح بكتاب (بدء الوحي)؛ لأنَّ الوحي هو أساس الإيمان وأصله، ثم ثَنَّى بكتاب (الإيمان)؛ إذ هو مقصود الوحي، وشرط قبول الأعمال، فلا يقبل عمل بلا إيمان، ثم ثلث بكتاب (العلم)؛ لأن الإيمان لا يسلم ويصح إلا بعلم. • ذكر الإمام البخاري ترجمة الباب، ولم يذكر فيها حديثًا، وهذا وقع له في عدة مواضع من صحيحه، فما وجه ذلك؟ قيل: إنه ترك ذكر الأحاديث بعد ترجمة الباب سهوًا منه وهذا بعيد؛ لأنَّ كتابه الجامع قد قُرأ عليه أكثر من مرة. وقيل: إنه اكتفى بالآيتين ففيهما كامل الدلالة على ما أراد. وقيل: إنه لا يوجد فيه حديث على شرطه لذا اكتفى بالآيتين، وقيل غير ذلك.

стр. 8

س: لماذا بدأ البخاري بفضل العلم، ولم يبدأ بتعريف العلم، والأصل أن تُبدَأ الكتب بالحدود؟ ج: أنَّ الشيء إذا كان معلومًا لا يحتاج إلى حد، فالحدود تكون عند عدم تميز الأشياء. وقيل: إنَّ الإمام البخاري ﵀ لم يضع كتابه هذا للحدود والتعريفات، ولذلك لم يضع حدًّا للعلم، وبدأ بفضله أولًا. س: لماذا بدأ الإمام البخاري ﵀ كتاب العلم بباب فضل العلم دون غيره من أبواب العلم؟ ج: إنَّ هذا للدلالة على أنَّ العلم عمل مضنٍ وشاق، فيحتاج إلى جهد وتعب ومشقة، فذِكْرُ الفضل والجزاء والثواب يكون دافعًا وحافزًا للعبد على ذلك العمل. • قال علي ﵁: كفى بالعلم شرفًا أنه يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نسب إليه (١) (٢).

стр. 9

وقد بدأ البخاري ﵀ هذا الكتاب بآيتين كريمتين من كتاب الله : الآية الأولى قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. ذكر الله ﵎ في الآية رفعه لصنفين من الناس، وهما: الذين آمنوا، والذين أوتوا العلم، وخص ربنا ﵎ الإيتاء بالعلم، مما يدل على أنَّ العلم هبة وعطاء من الله ، أما الإيمان فإنه لازم للنجاة، ولكل مسلم منه نصيب؛ لذلك قال : ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. • وفي قوله تعالى ﴿مِنْكُمْ﴾ احتمالان فقيل: إنها عائدة على المؤمنين جميعًا فيكون مَنِ ازداد علمًا وإيمانًا فهو المرتفع. وقيل: إنها تعود على الصحابة بخصوصهم، والأول أولى. • وخص الله : العلماء بذلك لأنهم ورثة الأنبياء، فإنَّ أشرف المنازل هي منازل الأنبياء، والمنزلة التي تليها هي منزلة ورثتهم من العلماء. • وسمي العلماء ورثة الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. • وأفضل من ورث هذا الميراث هم العلماء، ويدل على ذلك قولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ كَأَنِّى أُتِيتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ فَأَعْطَيْتُ فَضْلِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْعِلْمَ» (١). • والمراد هنا بيان فضيلة العلماء، وليس بيان فضيلة العلم بذاته فالله تعالى يرفع العلماء، وهذا الرفع يكون في الدنيا وفي الآخرة، فيكون في الدنيا بالبصيرة

стр. 10

والنور والهداية، وبعُلُوِّ ذكرهم وقدرهم، وبجعل محبتهم في قلوب العباد، وإن كانت هذه الأمور ليست مرادة ابتداء لأهل العلم، ولكنها تحدث تبعًا، ويكون في الآخرة بالثواب والكرامة. • قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّةَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ خَلْفَ ابْنِ المُبَارَكِ، وَتَقَطَّعَتِ النِّعَالُ، وَارتَفَعَتِ الغَبَرَةُ، فَأَشرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ مِنْ بُرْجٍ مِنْ قَصْرِ الخَشَبِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: عَالِمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدِمَ. قَالَتْ: هَذَا - وَاللهِ - المُلْكُ، لا مُلْكَ هَارُوْنَ الَّذِي لا يَجْمَعُ النَّاسَ إِلا بِشُرَطٍ وَأَعْوَانٍ (١). • ولذلك لم يأمر الله نبيه ﷺ في القرآن الكريم من طلب الاستزادة من شيء إلا من العلم، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وقد قدم البخاري آية المجادلة على هذه الآية ليببن أنَّ أهل العلم في دجات عالية ومنزلة رفيعة عند الله تعالى، وعلى هذا فإنه لابد للإنسان أن يطلب من الله تعالى أن يرزقه العلم. • قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقوله ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] واضحة الدلالة في فضل العلم؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم (٢). • وقد اعتبر الصحابة ﵃ تبليغ العلم من أعظم الأعمال، فكان أبو ذر ﵁ يقول: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا» (٣) أي من الفرائض

стр. 11

ونحوها مما يحتاج إليه الناس لبلَّغتُها. • وهذا يدل على أنَّ العالم يجوز له الأخذ بالعزيمة، وكذلك يجوز له أن يأخذ بالرخصة في البلاغ إن كانت هناك حاجة، ومن ذلك قول أبي هريرة: " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ " (١). ومما يدل على فضل العلم أنَّ أصحابه وهم العلماء هم الواسطة بين الله وبين عباده، لذلك قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فجعل الله شهادة العلماء شهادة معتبرة مرضية عنده، وقرن شهادتهم بشهادته ﷻ ، وأنه تعالى لما قبل شهادتهم دل ذلك على رضاه عنهم وعن أقوالهم وأفعالهم؛ بل إنه عطف شهادتهم على شهادته بنفس الفعل ولم يفردهم بالفعل، فلم يقل شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وشهد أولو العلم. وكما أنهم هم ورثة الأنبياء، فهم شهداء الله تعالى على أَجَلِّ عمل ألا وهو التوحيد، والعظيم لا يستشهد على الأمر العظيم إلا العظماء من خلقه وهم أهل العلم. • وهذه المقدمة من البخاري ﵀ شحذ للهمم في طلب العلم، وتحمل المشاق في طريق الطلب.

стр. 12

٢ - بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ ومن الملاحظ في تبويب الإمام البخاري ﵀ أنه قد يبين فيه مذهبه، والأدب الذي يشير إليه. قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (١).

стр. 13

وجاء البخاري بهذا الحديث بيانًا لأدب من آداب طالب العلم. • مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: والمناسبة أنه لما ذكر باب فضل العلم كأنه رأى أنَّ الناس سيُقبلون على طلب العلم، فكأنه يقول لطالب العلم تمهل، وتعلم الأدب أولًا قبل أن تسلك طريق العلم. • قال أبو زكريا العنبري ﵀: علم بلا أدب كنار بلا حطب (١)، وهذا يعني أنَّ الأدب هو وقود العلم. • بعض تراجم الرواة: (محمد بن سنان): هو الإمام أبو بكر محمد بن سنان الباهلى البصري، اختلف في وفاته فقيل سنة ٢٢٣ هـ، وقيل سنة ٢٢٢ هـ. (فُليح): هو الإمام أبو يحيى فليح بن سليمان بن أبى المغيرة المدني، توفي سنة ١٦٨ هـ. (إبراهيم بن المنذر): هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر المدني، اختلف في وفاته فقيل: توفي سنة ٢٣٦ هـ، وقيل: سنة ٢٣٥ هـ

стр. 14

(محمد بن فُليح): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن فليح بن سليمان المدني، توفي سنة ١٩٧ هـ. (هلال بن علي): هو الإمام هلال بن على بن أسامة المدني، توفي سنة ١٠٠ وبضع عشرة هـ، وبقال له أيضًا: هلال بن أبي هلال، وهلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أسامة نسبة إلى جده، وقد يُظن أنهم أربعة وهم واحد. (عطاء بن يسار): هو الإمام عطاء بن يسار الهلالى المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار، توفي سنة ١٠٣ هـ، وقيل ١٠٤، وقيل غير ذلك. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم ما دام منشغلًا، ولذلك نهى النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان (١)، بل ونهى النبي ﷺ عن الصلاة بحضرة طعام (٢)، وكذلك وهو يدافع الأخبثين (٣)، و كل ذلك لانشغال البال وتشويش الفكر. الفائدة الثانية: الرفق بالمتعلم، فالنبي ﷺ لم يزجره، ولم يعنفه؛ إذ إنَّ الشدة والغلظة قد تؤدي في غالب أحوالها إلى الشرودِ والنفورِ والبُعدِ.

стр. 15

• فلقد ذُكر أنَّ سبب انتقال الإمام الطحاوي ﵀ إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله المزني الذي كان شافعيًّا أنه قال له يومًا: (والله لا يجيء منك شيء)، أي لا ينتظر منك شيء ذو قيمة فتركه واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنف كتبًا كثيرة (١). الفائدة الثالثة: حسن الظن بالمتعلم. الفائدة الرابعة: وجوب تعليم السائل والمتعلم. سؤال: لماذا لم يُجِبِ النبي ﷺ على الرجل أول ما سأله؟ الجواب: اختلف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في هذا: • فقال بعضهم: إنَّ النبي ﷺ سمع ما قاله الرجل فكره قوله؛ إذ إنه كان يسأل عن شيء لا يرتبط بالعمل، وكان النبي ﷺ يكره مثل هذا. • وقال بعضهم: إنَّ النبي ﷺ لم يسمع ما قال الرجل، وهذا يدل على أنه ﷺ ليس من دأبه أن يُعرض عن السائل، ولو كان النبي ﷺ يخطب على المنبر، لأنه ثبت من حديث أبي رِفَاعَةَ أنه قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا (٢).

стр. 16

فإن قيل: لم أجاب النبي ﷺ هذا، وأعرض عن الآخر؟ الجواب: لأن هذا رجل غريب، وجاء يسأل عن أمر مهم لا يؤخر، وهو بعض أمور دينه، من أجل ذلك ترك النبي ﷺ خطبته وأتى بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمه بخلاف الآخر. الفائدة الخامسة: يجب على المتعلم أن يتحين الوقت المناسب للتعلم والسؤال، وألا يمل ويترك التعلم، حيث إنَّ السائل لم يضجر أو يغضب، بل انتظر حتى أجابه النبي ﷺ . الفائدة السادسة: مراجعة العالم للسائل للتأكيد على سؤاله، ويظهر ذلك في قول النبي ﷺ «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ». الفائدة السابعة: قوله ﷺ «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، ما علاقة هذا بفضل العلم وآدابه؟ الجواب: المراد بذلك أنَّ الأمر إذا أُسند لغير أهله فهذا دليل على غلبة الجهل وضياع الحق، فضياع الحق يكون بسبب غياب أهل العلم. الفائدة الثامنة: كما أنَّ للطالب آدابًا ينبغي أن يتحلى بها، فإنَّ للمعلم والشيخ كذلك آدابًا ينبغي له أن يتحلى بها، ومن ذلك عدم إهمال السائل، وجوابه عما يريد، والصبر عليه. الفائدة التاسعة: في هذا الحديث إشارة إلى العناية بما ينتفع بها الناس، وعدم الاهنمام بما ليس فيه مصلحة. الفائدة العاشرة: كما أشار البخاري ﵀ في هذا الباب إلى أدب من آداب العلم أشار إلى أمر آخر وهو: طريقة من طرق التعلم وهي السؤال والجواب، فإن السؤال نصف العلم.

стр. 17

• قال ابن حجر ﵀: العلم سؤال وجواب (١). الفائدة الحادية عشرة: وفيه أنَّ على طالب العلم أن يسأل ولا يستحيي، ولكن لابد أن يكون ذلك مع التحلي بالأدب. قال مجاهد ﵀: لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر (٢)، ولكن مع السؤال عليه ألا يُضجِر معلمه، بل يرفق به. • قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب: " كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَكُنْتُ قَدْ أَوْعَيْتُ مَا عِنْدَهُ، فَإِذَا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: بِشَرٍّ مَا رَأَيْتُ وَجْهَكَ " (٣). • قال الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَان: قَالَ لِيَ الشَّافِعِيُّ ﵀: " يَا رَبِيعُ، لَوْ قَدَرْتُ أَنْ أُطْعِمَكَ الْعِلْمَ لَأَطْعَمْتُكَ إِيَّاهُ " (٤)؛ وذلك لرفقه به.

стр. 18

• وكان من تلامذة ابن عباس من يكثر له المراء كأبي سلمة، ومنهم من يترفق به كعبيد الله، فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ رَفَقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ لَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا " (*). • قَالَ الإمام الشَّعْبِيُّ: " كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يُمَارِي ابْنَ عَبَّاسٍ؛ فَحُرِمَ بِذَلِكَ عِلْمًا كَثِيرًا " (١). • قَالَ الإمام الزُّهْرِيُّ: «كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَخْزُن عَنْهُ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ يُلْطِفُهُ فَكَانَ يَغُرُّهُ غَرّاً» (٢): أي يطعمه كما يطعم العصفور صغيره.

стр. 19

٣ - بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: " وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (١). • مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: ترجم البخاري ﵀ للباب السابق بقوله: «بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ»، وترجم لهذا الباب بقوله: «بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ»، ومناسبة هذا الباب لما قبله هي: أنَّ العالِم قد يحتاج في إجابته لرفع صوته حتى يعقل المتعلم، أو لأنه لما ذكر فضل العلم، ثم أدب طلب العلم، ذكر تبليغ العلم، والتبليغ قد يحتاج إلى رفع الصوت للفهم، أو لكثرة الحاضرين فيلزم ذلك حتى يصل الصوت إليهم، وقد كان النبي ﷺ يرفع صوته بالموعظة كأنه منذر جيش (٢)، وأصل العلم والموعظة لا يكون برفع الصوت إلا إذا احتيج لذلك.

стр. 20

• قال ابن رشيد: في هذا التبويب رمز من المصنف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب بأن يستفرغ وسعه في حسن ترتيبه وكذلك فعل ﵀ (١). • تراجم بعض الرواة: (أبو النعمان عارم بن الفضل): هو الإمام أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري يلقب بعارم، توفي سنة ٢٢٤ هـ. (أبو عوانة): هو الإمام أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكرى الواسطي، توفي سنة ١٧٥، وقيل ١٧٦ هـ. (أبو بشر): هو الإمام أبو بشر جعفر بن إياس واسمه أبو وحشية اليشكرى الواسطي، كان ساجدًا خلف المقام حين مات. توفي سنة ١٢٣ هـ، وقيل غير ذلك. (يوسف بن ماهك): هو الإمام يوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسى المكى، توفي سنة ١١٣ هـ، وقيل غير ذلك. • بعض مفردات الحديث: قول الصحابة ﵃: (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ) (٢) أي تأخرنا عنها، وهذا يدل على أنَّ تأخير الصلاة عند الصحابة ﵃ كان أمرًا صعبًا عليهم، ومرهقًا لنفوسهم. • سبب تأخير الصحابة للصلاة: قيل كان ذلك لعدم وجود النبي ﷺ معهم، فأخروا الصلاة انتظارًا لإتيانه ﷺ ، فإنه ليس من دأب الصحابة ﵃ تأخير الصلاة بدون عذر.

стр. 21

قولهم ﵃: (فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) المراد بالمسح هنا الغسل الخفيف؛ لأنَّ الأمر في الآية (١) بالغسل، وكذلك كان فِعْلُ النبي ﷺ دائما هو الغسل، ولا ضَيْرَ فقد يطلق المسح على الغسل، ويقصد به الغسل الخفيف. وقوله ﷺ (ويل): قيل: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقيل: عذاب أليم، وقيل: صديد أهل النار. • واستند العلماء إلى أنَّ المسح المراد به الغسل إلى رواية الإمام مسلم منْ حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» (٢). فلو كانوا يمسحون لأمرهم بالغسل؛ إنما قال: «أسبغوا» فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكنه ليس غسلًا مُسْبِغًا. • في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: جواز الإنكار من العالِم على الناس إن رأى منهم تضييع الفرائض والواجبات، فالنبي ﷺ لما رأى أنهم لم يتموا شرطًا من شروط الصلاة وهو الوضوء نادى بأعلى صوته «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». الفائدة الثانية: تكرار القول والكلام إن احتيج إلى ذلك، وفي الحديث قال النبي ﷺ : «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مرتين أو ثلاثًا.

стр. 22

وهذا يكون لسبب من الأسباب منها: • التكرار لإفهام المستمع. • التكرار لإسماعه إذا احتُمل عدم السماع لبعد ونحوه. • التكرار لاحتمال أن يكون السامع منشغلًا. • التكرار لأهمية الأمر وخطورته، وذلك كقول النبي ﷺ في الحديث «أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ»، وكرر ذلك (١). الفائدة الثالثة: جواز رفع الصوت بالعلم للحاجة، وهذا يدل على أنَّ الأصل في التعليم خفض الصوت، والتؤدة والسكينة، والرفق واللين. الفائدة الرابعة: الحديث يدل على وجوب غسل الرِّجل، فقد علق النبي ﷺ العقاب على عدم الإسباغ في الوضوء، فكيف لو اكتفى المتوضئ بالمسح. • وهنا قاعدة: إنَّ الفعل إذا علق عليه عقاب دل على أنه محرم. • وهنا شبهة: قد زعم الروافض أنَّ المسح على القدمين جائز واستدلوا برواية شعبة عن عاصم والتي قرأ كلمة أرجلكم بالكسر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فقالوا: إن هذا يعود على الممسوحات أي وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم.

стр. 23

• الجواب عن هذه الشبهة من وجوه: • أنَّ الجر قد يكون على الجوار، فقد تكون الكلمة مرفوعة، ولكنها لما جاورت مجرورا جرت، ومنه قول العرب: (هذا جحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) (١) فكلمة (خربٍ) صفة لكلمة (جحرُ) وليست صفة لكلمة (ضبٍ)، وهي مرفوعة، لكنها لما جاورت المجرور جُرَّت. • قد يكون المراد هنا الغسل الخفيف؛ لأنه يطلق عليه مسح، وقد يكون هذا لفائدة وهي: أنَّ الرِّجْلَ قد يُستخدم لغسلها ماء كثير، فنبه الشرع بذلك على عدم الإسراف في الماء فأمر بالغسل الخفيف. • قد يكون المراد بالمسح هنا المسح على الخفين. والأصل عندنا حمل المتشابه على المحكم، والمحكم يبينه فعل النبي ﷺ وهو غسل الرجلين دائمًا، هذا إذا اعتبرناه متشابهًا. الفائدة الخامسة: وجوب تعميم الأعضاء بالماء، وإن كان النص خاصًّا في الرِّجلين إلا أنَّ باقي الأعضاء تقاس عليهما، وقد ثبت ذلك أيضًا بالأدلة الأخرى. الفائدة السادسة: وجوب تعليم الجاهل؛ لأنَّ فعل الصحابة ﵃ يدل على عدم علمهم، وصور التعليم تختلف باختلاف الحال فهنا رفع النبي صوته، وبين لهم عقاب هذا الفعل. الفائدة السابعة: في قوله ﷺ : «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» دليل على أنَّ الجسد يعذب في النار.

стр. 24

مسألة: يقول علماء الأصول: إنَّ الجزء إذا أطلق وأريد به الكل، دل على أنَّ هذا الجزء ركن (١)، فهل العقب ركن في الجسد؟ وإن لم يكن ركنًا، كيف أطلقه النبي ﷺ وأراد به الجسد؟ الجواب: أنَّ العقب ليس بركن من أركان الجسد؛ لكنه السبب الأصلي في وقوع العذاب على سائر الجسد بسبب ترك غسله في الوضوء، فاعتبر من أجل ذلك ركنًا، وهو من باب إطلاق السبب، والمراد به صاحب السبب، فأطلق النبي ﷺ العقب؛ لأنه هو السبب في ذلك العقاب. الفائدة الثامنة: مراعاة العالِم للناس وخوفه عليهم، كما كان النبي ﷺ يراقب أصحابه ﵃ ويراعي أعمالهم وأحوالهم. الفائدة التاسعة: احتج بالحديث من قال بوجوب تخليل الأصابع؛ لأنَّ النبي ﷺ رتب العقاب على ترك العقب، والعقب جزء خفي لأنه في الخلف، بينما الأصابع جزء ظاهر، فقالوا أنَّ ما بين الأصابع أولى بالغسل والتخليل لأنه شيء ظاهر. الفائدة العاشرة: أدب الصحابة ﵃ ولين جانبهم، فلما عنفهم النبي ﷺ ، ورتب العقاب على ما فعلوه، لم يعترضوا ولم يتضجروا، ولم يعتذروا بعدم القصد والعمد، ولكنهم امتثلوا أمره ﷺ . الفائدة الحادية عشرة: فضل الاستعداد للعبادة، ويدل على ذلك أنهم ﵃ لما أرهقتهم الصلاة تعجلوا لإدراكها، فحدث لهم بسبب تعجلهم عدم الإسباغ للوضوء، وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يستعد للعبادة، ويتأهب لها،

стр. 25

وأن يجعل بينه وبين وقت الفرض وقتًا مناسبًا حتى يأتي بالفرائض والشروط والأركان على وجهها. الفائدة الثانية عشرة: في هذا الحديث دليل على أنَّ الذي يترك شرطًا من الشروط ليس معذورًا طالما أنَّ الوقت لم يخرج؛ لأنَّ الغالب في ترك الشروط يكون من باب التفريط وعدم التأني، ومع أنَّ الصحابة فعلوا ذلك عن طريق الخطأ إلا أنَّ النبي ﷺ علق عليه العقاب.

стр. 26

٤ - بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا قال الإمام البخاري ﵀: وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: " كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ. وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً. وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ. وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ . • وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله: ترجم البخاري ﵀ للباب السابق بقوله بَابُ: مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ، وهذا معناه: أنَّ العالِم قد يحتاج في إجابته لرفع صوته حتى يعقل المتعلم، ولما تعلم المتعلم العلم كان لزامًا عليه أن يبلغه، فأورد البخاري ﵀ في هذا الباب طريقة إبلاغ هذا العلم وذلك من خلال صيغ التحديث. وقد ذكر البخاري ﵀ أكثر من صيغة من صيغ التبليغ والنقل. وفي قوله: (كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا)

стр. 27

الظاهر من كونه بدأ به الباب يدل على أنَّ البخاري ﵀ كان يأخذ بمذهب ابن عيينة ﵀ في هذه المسألة. • ففي الغالب يقدم البخاري من يأخذ بقوله في بداية الأبواب. قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». وسوف يذكر البخاري هذا الحديث أيضًا في الباب القادم وهو بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ. • وهنا يبين البخاري ﵀ طريقة من طرق التعليم، حيث إنَّ النبي ﷺ كان يتخذ طرقًا عدة للتعليم منها: ١) أنه كان ﷺ يخبرهم بالعلم مباشرة. ٢) طريقة الاختبار أي السؤال والجواب. ٣) طريقة التشبيه وضرب الأمثال، وغيرها. وهذا الحديث من طريقة التشبيه وضرب الأمثال، فالنبي ﷺ شبه المسلم بالنخلة، وهذا التشابه حاصل من عدة وجوه منها: • البركة: فالنخلة مثل المسلم في البركة، فالتمر من الأطعمة المفيدة والغنية بالعناصر الغذائية المختلفة، وفيه يقول النبي ﷺ «لا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ» (١).

стр. 28

• ويستخدم نوى البلح علفًا للحيوانات. • وكذلك يستخدم النوى في إنتاج الفحم البلدي وزيت النوى. • ويؤكل جُمَّار النخيل فيمد الإنسان بالسكريات والدهون والبروتين والأملاح المعدنية والفيتامينات. • وتستعمل جذوع النخيل في أعمال البناء والنجارة. • وتستعمل الأوراق في تسقيف المنازل، كما يدخل في صناعة الورق. • تستعمل أعناق الأوراق في صناعة الكراسي والأقفاص والأسرة والسلال. • ويستعمل الليف البني في صناعة الحبال والمكانس اليدوية وفي صناعة الحصر. وكذلك المسلم فإنه مبارك نافع كله فينتفع بجميع أقواله وأفعاله. • ورق النخلة لا يسقط، وكذلك المسلم لا تسقط له دعوة بغير إجابة ولا بغير فائدة، ويظهر هذا في رواية الحارث في مسنده لحديث: ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ لَا يَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ، لا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، وَلَا يَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ» (١). • الثبات: فالنخلة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكذلك المسلم تجده ثابتًا مستمسكًا، والنخلة من صفاتها أنها خضراء لا تيبس وكذلك المسلم. • قال الحسن البصري: تلقى المسلم عامًا بعد عام وهو على كلمة واحدة، ونية واحدة، وعبادة واحدة، والمنافق تجده في كل وقت بحال.

стр. 29

• من أوجه الشبه بين النخلة والمؤمن: أنَّ كليهما امتداده إلى السماء: وإن كان المسلم يحيا في الأرض ببدنه، ولكن قلبه وروحه معلقان دائما بالسماء. • عزة النخلة وشموخها: وكذلك المسلم قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، باسقات يعني طويلات. سؤال: لماذا لم يقل تعالى طويلات وقال باسقات؟ الجواب: لأن الباسقات معناها الطويلات المعتدلات القائمات، فقد يكون الشيء طويلًا، لكنه منحنٍ ومائل، فالمسلم دائما يكون في عزة بدينه وبتعلقه بربه، وثقته بنفسه، فيكون شامخًا حتى وإن كان ضعيفًا. • لين المسلم وحسن خلقه وأنه لا يقابل السيئة بالسيئة، ولكنه يقابل السيئة بالحسنة، وهكذا النخلة إذا رُمِيَت بالحجارة فإنها تسقط رطبًا. • النخل ينتفع به الإنسان والحيوان وسائر الدواب، وكذلك المسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (١)، فهذا دليل على أنهم يستفيدون من المسلم ببركة طاعته وإيمانه ووجوده في الأرض. • النخلة يُنتَفَع بها حية وميتة، مثمرة أو غير مثمرة، وكذلك المسلم قد ينتفع به حيًّا وميتًا، كأن ينتفع الناس بصدقته الجارية، وعلمه النافع، وغير ذلك. هذه جملة من أوجه الشبه بين النخلة والمسلم، وغير ذلك.

стр. 30

• ومن فقه البخاي ﵀ وسعة علمه، ودقة فهمه، أنه ذكر هذا الحديث في أكثر من موضع من كتابه (١): ١) ذكره في كتاب العلم في عدة أبواب: • (بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا). • (بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ). • (بَاب الفَهْمِ فِي العِلْمِ). • (بَاب الحَيَاءِ فِي العِلْمِ). ٢) وفي كتاب البيوع: (بَاب بَيْعِ الجُمَّارِ وَأَكْلِهِ)، وإن كان لم يرد في الحديث بيع، ولكنه كأنه يشير ﵀ للقاعدة الشرعية "أنَّ كل ما جاز أكله جاز بيعه"، وأكل النبي ﷺ الجمار فهو دليل على جواز بيعه. ٣) وجاء في كتاب تفسير القرآن: بَاب قَوْلِهِ تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وذكره في التفسير يشير إلى أنَّ البخاري ﵀ يؤيد الرأي الذي يقول أنَّ الشجرة المذكورة هي النخلة. ٤) وفي كتاب الأطعمة: (بَابُ بَرَكَةِ النَّخْلِ)، (بَابُ أَكْلِ الجُمَّارِ). ٥) وفي كتاب الأدب: (بَاب مَا لا يُسْتَحْيَا مِنَ الحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ)، (بَابُ إِكْرَامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبَرُ بِالكَلامِ وَالسُّؤَالِ).

стр. 31

• تراجم بعض الرواة: (الحميدي): هو الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي المكي، قال عنه سفيان بن يعقوب: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. توفي سنة ١١٩ هـ، وقيل بعدها. (ابن عيينة): هو الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران الكوفي المكي، قال عن نفسه: كنت أخرج إلى المسجد فأتصفح الحلق، فإذا رأيت مشيخة وكهولًا جلست إليهم، وأنا اليوم قد اكتنفنى هؤلاء الصبيان، توفي في مكة سنة ١٩٨ هـ. (أبو العالية): هو الإمام أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، وقال عنه أبو بكر بن أبى داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبى العالية، اختلف في وفاته، فقيل في ولاية الحجاج، وقيل سنة ٩٠ هـ، وقيل غير ذلك. (قتيبة بن سعيد): هو الإمام أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفى البلخى، قال عنه الفرهياني: ليس أحد من الكبار إلا وقد حمل عنه بالعراق، توفي سنة ٢٤٠ هـ. (إسماعيل بن جعفر): هو الإمام أبو إسحاق إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى الزرقى المدني، شارك الإمام مالك فى أكثر شيوخه كما قال الخليلي، توفي سنة ١٨٠ هـ. (عبد الله بن دينار): هو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار القرشي مولى ابن عمر ﵁ توفي سنة ١٢٧ هـ.

стр. 32

• في الباب فوائد منها: الفائدة الأولى: امتحان العالم لأذهان أصحابه بما يخفى عليهم، مع بيانه لهم إن لم يفهموه، وهذه هي طريق الاستنباط والمناقشة في التعلم، لكن يشترط في هذا الاختبار ألا يكون الأمر خفيًّا خفاءًا تامًّا، ولابد أن يذكر السائل بعض القرائن، كقوله ﷺ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا»، وقول ابن عمر ﵁: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا. الفائدة الثانية: التحريض على الفهم في العلم، والحث على ذلك. الفائدة الثالثة: أن يوثق بالصغير أحيانًا ما لم يوثق فيه بالكبير؛ لأن العلم عطاء وهبات من الله، ولذلك كان عمر يُدخِل ابن عباس مع أشياخ الصحابة الكبار، ففي البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ» قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رأِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ» (١).

стр. 33

سؤال: هل إجابة ابن عمر لسؤال النبي ﷺ أفضل أم السكوت هو الأفضل؟ الجواب: قيل إنَّ فعل ابن عمر ﵁ من عدم الإجابة كان هو الأفضل؛ لأنه غلب عليه الأدب فاستحيا، وإن كان أبوه تمنى أن لو أجاب، لكن إن منع الإنسان من التقدم الأدب فإنه يكافأ عليه. • ومن ذلك رجوع أبي بكر ﵁ لما تأخر النبي ﷺ عن الصلاة وأَمَّ هو الناس، فلما رأى النبي ﷺ رجع إلى الوراء، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). • قال ابن القيم ﵀: بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي (٢). • وقد وُصِف ابن عمر ﵁ هنا بالأدب والفهم معًا. • تنبيه: هناك أوقات يولد فيها الإنسان، فابن عمر ﵁ ولد واكتشف في هذا الموقف. • لذا قيل: إنَّ للإنسان مولدين: يولد يوم أن تضعه أمه، ويولد في العلم والفهم. ومثال ذلك: ابن عباس ﵁ فقد كانت ولادته في الشعب قبل الهجرة بثلاث

стр. 34

سنين، أما ولادته كعالم للأمة فكان عند وضعه وضوءًا للنبي ﷺ فقَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١)، فإنَّ وقت دعاء النبي ﷺ وقت ولادة ابن عباس في العلم والفهم، وكذلك ابن عمر ولد في الشريعة والعلم وقت هذا الحديث، فعُلِمَ أنه له فهمًا وعلمًا وأدبًا وحياءًا. الفائدة الرابعة: استحباب الحياء ما لم يؤد لتفويت مصلحة، وحياء ابن عمر لم يفوت مصلحة؛ لأنَّ النبي ﷺ قد أجاب عن السؤال، أما عمر فقد اعتبر أنَّ ابنه فوت مصلحة، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا»، وذلك لأن ابن عمر ربما لو أجاب لكان دعا له النبي ﷺ فقد فاتته الدعوة، وكذلك فاته الحظوة، والمكانة في الدين. الفائدة الخامسة: أنَّ الدنيا لا تساوي شيئًا في الآخرة، قال عمر ﵁: " لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَوْ قَالَ: مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ". الفائدة السادسة: جواز تجمير النخل، وبيع الجمار وأكله. الفائدة السابعة: جواز ضرب الأمثال لزيادة الفهم. الفائدة الثامنة: فيه دليل على علو فهم الصحابة، وتمييزهم بين سؤال وسؤال، فإنَّ الصحابة قد أجابوا هنا واجتهدوا، ولكنهم وقعوا في شجر البوادي، لأنهم لم يلتفتوا لقرائن الحال كوجود الجمار. وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ سألهم في مواضع فأجابوا بقولهم: الله ورسوله أعلم كما جاء في حديث أبي بكرة عند البخاري وكان في حجته ﷺ «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى

стр. 35

ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (١)، وذلك لأن الموقف موقف تشريع فظنوا أنه ﷺ سيميه بغير اسمه، لكن في حديث ابن عمر لما علموا أنَّ السؤال مجردٌ أجابوا. الفائدة التاسعة: الاشتراك اللفظي لا يلزم منه الاشتراك في كل الأحكام والدلائل، فالنخلة والمسلم لا يستويان في كل شيء؛ حيث إنَّ المسلم لا يساويه شيئٌ من مخلوقات الله تعالى. الفائدة العاشرة: عدم المبادرة بالصواب إن كان هناك مانع، فابن عمر كان يعلم الصواب، لكنه منعه الأدب والحياء، فلم يتقدم على أبي بكر، ولا على أبيه عمر، وأهل الفضل والمنزلة لأنه لا يستحب للابن أن يتقدم على أبيه، ولا على أهل المنزلة والفضل. الفائدة الحادية عشرة: يدل الحديث على أنَّ الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء ونحو ذلك لا بأس بها إذا كان العمل من أصله خالصًا لله ، وذلك حيث إنَّ عمر تمنى أن يجيب ابنه فيفوز بالثناء والحظوة عند النبي ﷺ وأصحابه. الفائدة الثانية عشرة: حب الوالد لولده حتى وإن تقدم عليه، وخاصة إن كان ذلك بقربه، وحظوته عند الصالحين. الفائدة الثالثة عشرة: تنوع أساليب التربية والتعليم كما سبق. الفائدة الرابعة عشرة: محاولة العالِم اكتشاف المواهب بطرح الأسئلة والاختبار؛ لأنه من ها هنا اكتشف ابن عمر.

стр. 36

• قال ابن المعتز ﵀: كما أنَّ الشمس لا يخفى ضوؤها وإن كان تحتها سحاب، كذلك الصبي لا يخفى غريزة عقله، وإن كانت مطمورة بأطمار الحداثة (١). الفائدة الخامسة عشرة: عدم احتقار أحدٍ أو التهاون به لصغرٍ ونحوه. وكما قال الشافعي ﵀: عليّ ثياب لو تباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفس لو تقاس ببعضها نفوس الورى كانت أجل وأكبرا وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضبًا حيث وجهته فرى (٢). الفائدة السادسة عشرة: أهمية التربية وتعاهد الأب لابنه وتوجيهه وإرشاده. الفائدة السابعة عشرة: يعتبر الحديث أصل في باب الأدب، قال علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: أدبوهم وعلموهم (٣).

стр. 37

• قِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: أَيُّمَا أَكْبَرُ أَنْتَ أَمِ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: " هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا وُلِدْتُ قَبْلَهُ " (١). • قال ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم. وجاء التابعون من بعدهم على هذا النحو فكان الحسن البصري ﵀ يقول: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه يكسبه السنتين ثم السنتين (٢). • قال ابن المقفع ﵀: ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تقاوت العقول، وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل (٣). • قال الثوري ﵀: حسن الأدب يطفئ غضب الرب (٤). • قال ابن المبارك ﵀: لو وصف لي رجل عنده علم الأولين والآخرين لم أتأسف على فوات لقائه، وأما إذا سمعت أنَّ رجلًا عنده أدب النفس تمنيت لقاءه وأتأسف على فوته (٥).

стр. 38

• كان المعتمر بن سليمان ﵀ يحدث الناس، فلما دخل عليه ابن المبارك سكت فقالوا لِمَ سكتَّ؟ قال: لا نتكلم عند كبرائنا (١). • وكان الثوري ﵀ إذا دخل عليه أبو حنيفة قام بعد أن يسكت، فيُسأَل عن ذلك، فيقول: إن لم أقم لعلمه قمت لسنه (٢).

стр. 39

٥ - بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». • تراجم بعض الرواة: (خالد بن مخلد): هو الغمام أبو الهيثم خالد بن مخلد القطواني البجلي، وهو من كبار شيوخ الإمام البخاري، واختلف في وفاته فقيل سنة ٢١٣ هـ، وقيل ٢١٤ هـ. (سليمان بن بلال): هو الإمام سليمان بن بلال التيمي المدني، قال عنه عبد الرحمن بن مهدى: ندمت أن لا أكون أكثرت عنه. توفي سنة ١٧٧ هـ. • وفائدة إعادته لهذا الحديث مع أنَّ لفظه واحد سوى ما وقع التنبيه عليه، اختلاف سنده المؤذِن بتعدد مشايخه، واتساع رواياته، مع استفادة الحكم المترجم له، المقتضي لدقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، كما وقع له ذلك. الفوائد من الحديث سبقت في الباب السابق.

стр. 40

٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] قال البخاري ﵀: القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً» وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلانٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. في هذا الباب أراد البخاري ﵀ أن يثبت أنَّ القراءة على الشيخ مثل قراءة الشيخ على التلميذ، فهي صورة من صور التحمل والتعليم. فيجوز للطالب أن يقرأ على الشيخ ويقول أقرأني الشيخ، أو علمني الشيخ، أو أعطاني ونحو هذا. وسبب تبويب البخاري لهذا الباب هو: أنَّ هناك من العلماء وخاصة بعض علماء العراق في ذلك الزمان أو قبله كانوا ينكرون القراءة على الشيخ، فهو ليس
следующие страницы →