• قال ابن المعتز ﵀: كما أنَّ الشمس لا يخفى ضوؤها وإن كان تحتها سحاب، كذلك الصبي لا يخفى غريزة عقله، وإن كانت مطمورة بأطمار الحداثة (١).
الفائدة الخامسة عشرة: عدم احتقار أحدٍ أو التهاون به لصغرٍ ونحوه.
وكما قال الشافعي ﵀:
عليّ ثياب لو تباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو تقاس ببعضها نفوس الورى كانت أجل وأكبرا
وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضبًا حيث وجهته فرى (٢).
الفائدة السادسة عشرة: أهمية التربية وتعاهد الأب لابنه وتوجيهه وإرشاده.
الفائدة السابعة عشرة: يعتبر الحديث أصل في باب الأدب، قال علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: أدبوهم وعلموهم (٣).
стр. 37
• قِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: أَيُّمَا أَكْبَرُ أَنْتَ أَمِ النَّبِيُّ ﷺ ؟
فَقَالَ: " هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا وُلِدْتُ قَبْلَهُ " (١).
• قال ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.
وجاء التابعون من بعدهم على هذا النحو فكان الحسن البصري ﵀ يقول: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه يكسبه السنتين ثم السنتين (٢).
• قال ابن المقفع ﵀: ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تقاوت العقول، وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل (٣).
• قال الثوري ﵀: حسن الأدب يطفئ غضب الرب (٤).
• قال ابن المبارك ﵀: لو وصف لي رجل عنده علم الأولين والآخرين لم أتأسف على فوات لقائه، وأما إذا سمعت أنَّ رجلًا عنده أدب النفس تمنيت لقاءه وأتأسف على فوته (٥).
стр. 38
• كان المعتمر بن سليمان ﵀ يحدث الناس، فلما دخل عليه ابن المبارك سكت فقالوا لِمَ سكتَّ؟
قال: لا نتكلم عند كبرائنا (١).
• وكان الثوري ﵀ إذا دخل عليه أبو حنيفة قام بعد أن يسكت، فيُسأَل عن ذلك، فيقول: إن لم أقم لعلمه قمت لسنه (٢).
стр. 39
٥ - بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ
لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ
قال الإمام البخاري ﵀: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
• تراجم بعض الرواة:
(خالد بن مخلد): هو الغمام أبو الهيثم خالد بن مخلد القطواني البجلي، وهو من كبار شيوخ الإمام البخاري، واختلف في وفاته فقيل سنة ٢١٣ هـ، وقيل ٢١٤ هـ.
(سليمان بن بلال): هو الإمام سليمان بن بلال التيمي المدني، قال عنه عبد الرحمن بن مهدى: ندمت أن لا أكون أكثرت عنه. توفي سنة ١٧٧ هـ.
• وفائدة إعادته لهذا الحديث مع أنَّ لفظه واحد سوى ما وقع التنبيه عليه، اختلاف سنده المؤذِن بتعدد مشايخه، واتساع رواياته، مع استفادة الحكم المترجم له، المقتضي لدقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، كما وقع له ذلك.
الفوائد من الحديث سبقت في الباب السابق.
стр. 40
٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
قال البخاري ﵀: القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً» وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلانٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
في هذا الباب أراد البخاري ﵀ أن يثبت أنَّ القراءة على الشيخ مثل قراءة الشيخ على التلميذ، فهي صورة من صور التحمل والتعليم.
فيجوز للطالب أن يقرأ على الشيخ ويقول أقرأني الشيخ، أو علمني الشيخ، أو أعطاني ونحو هذا.
وسبب تبويب البخاري لهذا الباب هو: أنَّ هناك من العلماء وخاصة بعض علماء العراق في ذلك الزمان أو قبله كانوا ينكرون القراءة على الشيخ، فهو ليس
стр. 41
تحملًا عندهم أي لابد أن تكون القراءة من الشيخ على الطالب.
• وجه مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله:
الباب السابق [بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ] يعني قراءة الشيخ على الطالب، ثم جاء بهذا الباب بعده وهو قراءة الطالب على الشيخ، فالبخاري ﵀ يريد أن يذكر كل صور التحمل التي وردت من طريقه، سواء كانت بالتحديث أو بالقراءة على الشيخ، وهو يُبَيِّنُ أنَّ كليهما جائز عنده، واستدل على ذلك بحديث ضمام، فكأنه قرأ على النبي ﷺ (آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ».
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ».
فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ،
стр. 42
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا (١).
• تراجم بعض الرواة:
(الحسن): هو الإمام أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن واسمه يسار البصرى الأنصارى، وهو شيخ أهل البصرة، أكثر كلامه حِكَمٌ وبلاغة، وهو أحد أئمة الهُدى والسنة، توفي سنة ١١٠ هـ.
(الثوري): هو الإمام أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفي، وهو أمير المؤمنين في الحديث، قال غير واحد من الأئمة: لم نر مثل سفيان، توفي سنة ١٦١ هـ.
(أبو عاصم): هو الإمام أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني المعروف بالنبيل، قيل: لقب بهذا اللقب لأجل أنه قدم الفيل البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جُريج: مالك لا تنظر؟ فقال: "لا أجد منك عوضًا"، فقال: أنت نبيل، وقال عن نفسه: مُذْ عَقَلْت أنَّ الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا قطّ. اختلف في وفاته فقيل سنة ٢١١ هـ، وقيل سنة ٢١٢ هـ، وقيل غير ذلك.
(مالك): هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة، والكلام عنه وعن فضائله ومناقبه من نافلة القول. توفي سنة ١٧٩ هـ.
(محمد بن سلام): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن سلام البيكندي محدث ما وراء النهر، قال عن نفسه: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، ومثلها في نشره، وانكسر قلمه يومًا في مجلس شيخه، فأمر أن يُنادى قلم بدينار، فتطايرت إليه
стр. 43
الأقلام.
(محمد بن الحسن الواسطي): هو الإمام محمد بن الحسن بن عمران المزنى الواسطى القاضي، وهو من الثقات.
(عوف): هو الإمام أبو سهل عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى البصري المعروف بالأعرابي، اختلف في وفاته فقيل سنة ١٤٦ هـ، وقيل: ١٤٧ هـ.
(محمد بن يوسف الفربري): هو الإمام أبو عبد الله محمد بْن يوسف بْن مطر بْن صالح بْن بِشْر الفربري، الفِرَبْرِيّ بكسر الفاء وفتْحها، نسبةً إلى قرية فِرَبْر من قرى بُخَارَى، سمع " الصحيح " من الْبُخَارِيّ تسعون ألف رَجُل، فما بقي أحدٌ يرويه غيري. توفي سنة ٣٢٠ هـ.
(عبيد الله بن موسى بن باذام): هو الإمام أبو عبيد الله بن موسى بن أبى المختار واسمه باذام الكوفي، كان عالمًا بالقرآن، رأسًا فيه كما قال العجلي. اختلف في وفاته فقيل سنة ٢١٣ هـ، وقيل غير ذلك.
(عبد الله بن يوسف): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف التنيسى المصري، قال عنه ابن معين: ما بقى على أديم الأرض أحد أوثق فى " الموطأ " من عبد الله بن يوسف التنيسى. توفي سنة ٢١٨ هـ.
(الليث): هو الإمام أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى المصري، قال عنه ابن بكير: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث. توفي سنة ١٧٥ هـ.
(سعيد المقبري): هو الإمام أبو سعد سعيد بن أبي سعيد واسمه كيسان المقبري المدني، والمقبرى نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا لها، وثقه وأثنى عليه جمع من الأئمة، وتوفي سنة ١٢٠ هـ، وقيل قبلها، وقيل بعدها.
(شريك بن عبد الله بن أبي نمر): هو الإمام أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبى نمر القرشى المدني، اختلف في وفاته فقيل سنة ١٤٠، وقيل ١٤٤ هـ.
стр. 44
(موسى بن إسماعيل): هو الإمام أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقرى التبوذكى البصرى، قال عنه ابن معين: ما جلست إلى شيخ إلا هابنى أو عرف لى ما خلا هذا الأثرم التبوذكى، توفي سنة ٢٢٣ هـ.
(علي بن عبد الحميد): هو الإمام على بن عبد الحميد بن مصعب بن يزيد الكوفي، قال عنه ابن وارة: كان من الفاضلين. اختلف في وفاته فقيل سنة ١٢٢ هـ، وقيل سنة ١٢١ هـ.
(سليمان): هو الإمام أبو سعد سليمان بن المغيرة القيسى البصري، كان من خيار الناس كما قال أبو داود الطيالسي، قال القعنبي: ما رأيت بصريًّا أفضل منه. توفي سنة ١٦٥ هـ.
(ثابت): هو الإمام أبو محمد ثابت بن أسلم البنانى البصري، قال عنه الإمام شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن فى كل يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال عنه أيضًا بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. توفي في ولاية خالد القسري.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز العرض على العالم، وأنه كاستماع العلم منه، ولا يلزم أن يكون في درجته، ولكنه درجة من درجات التحمل في العلم، فيجوز للطالب أن يقرأ على أستاذه، والأستاذ يستمع له، وكان هذا مشهورًا عن الإمام مالك.
الفائدة الثانية: جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، لقول الصحابة لضمام لما سأل عن النبي ﷺ (فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ) وهذه المسألة - مسألة الاتكاء بين الناس- ترجع إلى العرف، فقد يقبل العرف ذلك وقد ينكره، فهي ليست مسألة شرعية، وإنما هي مسألة عرفية.
стр. 45
الفائدة الثالثة: تواضع النبي ﷺ وهذا يظهر في قول أنس - ﵁ (وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)، أي جالس بينهم، وبين ظهرانيهم أي أنهم محيطون به، فلم يكن النبي ﷺ جالسًا على سرير فوقهم، ولم يكن جالسًا كذلك في طرف بعيدًا عنهم.
الفائدة الرابعة: حب الصحابة للنبي ﷺ ويدل على ذلك إحاطتهم به ﷺ في مجلسه.
الفائدة الخامسة: استدل البعض بهذا الحديث على جواز إناخة البعير في المسجد، وقالوا هذا يدل على طهارة بوله، وذلك يظهر في قول أنس - ﵁: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ)، لكن وردت للحديث رواية أخرى جاءت عند أحمد وأبي داود وغيرهما من حديث ابن عباس - ﵁ قَالَ: (بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وَسَاقَ الْحَدِيثَ، ولكنه لما كان على باب المسجد أو بفنائه قال الصحابي: في المسجد بحكم المجاورة، فهو مجاور للمسجد، وليس داخل المسجد.
ولذلك ليس في هذا استدلال على جواز إدخال البعير المسجد أو طهارة بوله، وإن ثبتت طهارته من أدلة أخرى.
الفائدة السادسة: إنَّ حسن المسألة نصف العلم، ولذلك كان مجيء الأعراب للنبي ﷺ وسؤالهم له كان أمرًا مهمًّا للصحابة - ﵁؛ لأنه لما نزل النهي في القرآن عن سؤال النبي ﷺ التزم الصحابة ﵃ بذلك، فقالوا: كان يعجبنا أن يجئ الرجل العاقل من أهل البادية يسأله ونحن نسمع، كما ورد عند النسائي وغيره عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (نُهِينَا فِي القُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ
стр. 46
يَجِيءَ الرَّجُلُ العَاقِلُ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ فَيَسْأَلَهُ … الحديثُ)؛ لأن الأعراب كانوا أجرأ على ذلك من الصحابة ﵃، أو لم يكن عندهم علم بالنهي عن ذلك.
• كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَانَ أَوْجَزَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ (١).
• قال ابن عباس ﵁: " فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ " (٢).
الفائدة السابعة: التلطف في السؤال، فلقد ظن ضمام - ﵁ أنه لن ينال ما عند النبي ﷺ إلا بالتشديد عليه، وكان هذا خطأ منه لأن النبي ﷺ كان سيعطيه جوابًا لكل ما سأل، ولكنه ظن أنه لأهمية الأمر الذي جاء من أجله كان ينبغى عليه التشديد، لكن الأمر على خلاف ذلك، فكلما تلطفت بالعالم أخذت منه ما عنده.
• ولذلك ذكرنا من قبل الفارق بين أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله وكانا من تلامذة ابن عباس، فكان ابن عباس يخزن عن عبيد الله أي يحجب عنه بعض العلم.
• كما قال الزهري: " كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: فَكَانَ يَخْزُنُ عَنْهُ، قَالَ: وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُلَاطِفُهُ فَكَانَ يَغُرُّهُ غَرًّا " (٣).
стр. 47
• حتى قال أبو سلمة: لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا كثيرًا (١)، لكنه كان يجادله ويماريه كثيرًا، بخلاف عبيد الله كان ابن عباس يغره غرًّا، وإن تسبب التلطف في ترك بعض العلم الذي يحتاجه المرء أحيانًا، فعن إِسْمَاعِيل بْن مُوسَى ابْنِ بِنْتِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " دَخَلْنَا إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَنَحْنُ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَحَدَّثَنَا بِسَبْعَةِ أَحَادِيثَ، فَاسْتَزَدْنَاهُ، فَقَالَ: " مَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ حَيَاءٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا غِلْمَانُ افْقأْهُمْ فَإِنَّهُ لَا بُقْيَا عَلَى قَوْمٍ لَا دِينَ لَهُمْ، وَلَا حَيَاءَ، وَلَا مُرُوءَةَ (٢).
الفائدة الثامنة: أنَّ لكل مقام مقالًا، فمع حلم النبي ﷺ وتواضعه، لكنه لم يقل للرجل لما ناداه: يا ابن عبد المطلب. لبيك، بل قال قد أجبتك؛ لأن الرجل لم يحسن الطلب فأجابه النبي ﷺ بصورة غير الصورة التي كان يرد بها النبي ﷺ على غيره؛ ولذلك يوصي أهلُ العلمِ الطالبَ: أن يكون عنده مقدمات لهذا العلم من التعظيم والاحترام والتبجيل والتقدير لأهل العلم، فإذا أراد أن يسأل أحدهم بدأ بالدعاء له، وتلطف في القول، ونحوها من الآداب التي ترقق قلب الشيخ والمعلم.
• وحُكِي أن فتوى وردت من السلطان إلى الطبري لم يكتب له الدعاء فيها، فكتب في أسفل الرسالة الجواب، ولم يزد على ذلك، فلما عادت الرقعة إلى السلطان علم أن ذلك كان للتقصير في الخطاب، فاعتذر إليه (٣).
• وأرسل الخليفة إلى ربيعة فقال له: يا ربيعة حدثنا حدثنا، فقال ربيعة: لا أحدثك شيئًا وتركه وانصرف، فلما خرج قال للناس: أترون هذا الذي يطلب مني
стр. 48
كما يطلب من المغنية، فيقول يا ربيعة حدثنا حدثنا (١).
الفائدة التاسعة: حسن البيان والجواب من النبي ﷺ وذلك أنه لما شدد عليه في المسألة فقال: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال النبي ﷺ اللهم نعم، ولم يقل نعم فقط، فكلمة اللهم، استشهاد من النبي ﷺ بالله على قوله، أي نعم والله يشهد على ذلك.
الفائدة العاشرة: في قول ضمام: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، وهذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الصدقة تكون لثمانية أصناف.
واستدل فريق من العلماء بهذا الحديث ونحوه على عدم جواز نقل الزكاة والصدقات إلى بلد آخر إلا لحاجة وذلك لقوله (آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا).
الفائدة الحادية عشرة: جواز الاستحلاف على الأمر المحقق لتأكيده، فلا يلزم أن يكون الاستحلاف بسبب تكذيب المستحلَف، أو الشك في صدقه، ولكن قد يكون الاستحلاف لأهمية الأمر وعظمته.
الفائدة الثانية عشرة: حِلْمُ النبي ﷺ وعدم غضبه لنفسه، ولذا يجب على الدعاة أن يتحلوا بذلك، وتحمل طباع الناس المختلفة، فقول ضمام أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وقوله: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وقوله: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ. وكونه يستحلفه بالله، وكل هذه الأمور شديدة على النفس لكن النبي ﷺ حلم به، وما غضب لنفسه.
الفائدة الثالثة عشرة: قبول خبر الواحد، فإنَّ ضمامًا ﷺ كان وحده، وقال للنبي ﷺ : وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
في الباب السابق وهو [باب الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ] ذكر البخاري ﵀ صورًا من طرق تحمل العلم، مثل قراءة الشيخ على الطالب، أو قراءة الطالب على الشيخ، وأما هنا في هذا الباب [بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ] فإنه يذكر وجها جديدًا من وجوه التحمل وهو المناولة.
• تعريف المناولة في اصطلاح المحدثين هي: أن يعطي الشيخ تلميذه كتابًا أو حديثًا مكتوبًا ليقوم بأدائه وروايته عنه، ويقول له حدِّث به عني.
• حكم المناولة عند المحدثين: قد حدث في المناولة خلاف بين العلماء، فمنهم من منعها؛ لأنه خشي أن يزيد الراوي في كتاب شيخه شيئًا، ومنهم من أجازها.
والجمهور على جواز المناولة، ولكنهم اختلفوا في رتبتها:
فقال فريق هي كالسماع في القوة ومن هؤلاء: [الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد، والشعبي، وعلقمة، وإبراهيم، ومالك، وابن وهب، وابن القاسم، وغيرهم].
ومنهم من قال: أنها أدنى من السماع والقراءة، وهو قول [الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، البويطي، والمزني، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن يحيى].
وقد اشترط بعضهم أن يكون الكتاب مختومًا كما ختم النبي ﷺ كتابه، وقال بعضهم أنه لا يلزم الختم، إذا كان الحامل لهذا الكتاب عدلًا.
стр. 51
• تراجم بعض الرواة:
(إبراهيم بن سعد): هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، توفي سنة ١٨٥ هـ، وقيل غير ذلك.
(صالح): هو الإمام صالح بن كيسان المدنى الدوسى، و كان صالح جامعًا من الحديث والفقه والمروءة كما قال الزبيري.
(عبيد الله بن عبد الله): هو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني، وهو أحد فقهاء المدينة، توفي سنة ٩٤ هـ، وقيل سنة ٩٨ هـ، وقيل غير ذلك.
(محمد بن مقاتل أبو الحسن): هو الإمام أبو الحسن محمد بن مقاتل المروزى الكسائي، توفي سنة ٢٢٦ هـ.
(عبد الله): هو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلى التميمى المروزي، وقال عنه الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن فى زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، توفي سنة ١٨١ هـ.
• بعض معاني الكلمات:
(بعث بكتابه رجلًا) وهذا الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي كما في بعض الروايات.
(عظيم البحرين) وهو المنذر بن سَاوي.
(كسرى) تصح فيها فتح الكاف وكسرها والكسر أفصح، وهو لقب كل من مَلَك الفرس.
• الفائدة والخلاصة من الباب:
أنَّ المناولة جائزة وهي إحدى صور التحمل المعمول بها إن كان المتحمل عدلًا.
стр. 52
٨ - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ،
وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
لما كانت الأبواب السابقة تتعلق بأبواب العلم، ذكر البخاري هنا أدبًا من آداب طالب العلم، وكذلك كان الباب السابق في المناولة وهي صورة من طرق التعلم،
стр. 53
وهنا يشير إلى أنَّ من حضر عند أهل العلم فلابد أن يتأدب بآداب طالب العلم والتي منها: إن وجد فرجة فليجلس، ومن لم يجد يجلس خلف المجلس حيث ينتهي به، ولا يعرض عن العلم كما فعل الرجل الثالث.
لم تذكر الروايات أسماء هؤلاء الثلاثة، وذلك لأن المقصود فعلهم، فإن كان الفعل حسنًا اقتدينا به، وإن كان العمل سيئًا اجتنبناه، فالعبرة ليست بالذوات ولا بالأشخاص، إنما العبرة بالأعمال.
• تراجم بعض الرواة:
(إسماعيل): هو الإمام إسماعيل بن أبي أويس الأصبحي وهو ابن أخت الإمام مالك بن أنس، توفي سنة ٢٢٦ هـ.
(إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة): هو الإمام أبو يحيى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة واسمه زيد بن سهل الأنصارى، كان مالك لا يقدم عليه فى الحديث أحدًا، توفي سنة ١٣٢ هـ، وقيل بعدها.
(أبو مُرة مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ): أبو مرة يزيد الحجازى المدنى، قال الواقدى: إنما هو مولى أم هاناء، ولكنه كان يلزم عقيلًا فنسب إلى ولائه.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أنَّ الجزاء من جنس العمل، ولذلك عامل الله هؤلاء الثلاثة من جنس عملهم.
الفائدة الثانية: فضل العلم ومكانته عند الله تعالى، فالذي أعرض أعرض عن العلم فأعرض الله عنه، فالعلم هو بريد الدين ودليله، ولمكانة العلم عند الله تعالى تعامل معهم بتعاملهم مع حلقة العلم.
الفائدة الثالثة: استحباب الأدب في مجالس العلم، كما فعل من جلس في الفرجة لسدها، وكالذي استحيا فجلس خلف الحلقة.
стр. 54
الفائدة الرابعة: فضل سد الفرجة في الحِلَقِ ومجالس العلم.
الفائدة الخامسة: الثناء على من زاحم في طلب العلم، فالذي جلس في الفرجة كأنه زاحم في ذلك، لكن الأعمال الفاضلة قد تتغير من شخص لآخر بحسب تصوره، فقد تختلف الأفعال لكنها تكون كلها حسنة، فقد جاء النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس، فلما تأخر أبو بكر أشار له النبي ﷺ بالبقاء، لكنه رجع، وفي صلاة أخرى جاء النبي ﷺ وعبد الرحمن بن عوف ﵁ يصلي بالناس، وأراد أن يرجع فأمره النبي ﷺ بالبقاء فبقي إمامًا (١)، فإنَّ الفعلين مختلفان، ومع ذلك كلا الفعلين كان حسنًا، فقد غلب على عبد الرحمن بن عوف ﵁ الامتثال لأمر النبي ﷺ ، وأما أبو بكر ﵁ غلب عليه الأدب، وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .
• وهذا أبو هريرة ﵁ قد أكثر من رواية الحديث على العكس من الزبير ﵁ فهو مقل في رواية الحديث، فلما سئل الزبير ﵁ عن ذلك ذكر حديث النبي ﷺ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فكأنه رأى أنَّ كثرة التحديث توقع في الخطأ، وكثرة الخطأ قد توقع في الكذب؛ فلذلك حمى نفسه وابتعد عن ذلك، أما أبو هريرة ﵁ فقد وجد نفسه متثبتًا، ورأى عدم جواز كتمان العلم ووجوب إبلاغه، فكان لكل واحد منهما حجة وسببٌ.
الفائدة السادسة: فضل الحياء، فإنَّ الرجل الثاني جاء في رواية أخرى أنه رجع إلى الحلقة بسبب أنه استحيا لما ترك الحلقة وانصرف، فلا حرج أن يدرك الإنسان ما أخفق فيه في أوله.
стр. 55
الفائدة السابعة: الإيواء إلى حلق العلم يجلب معية الله للعبد.
الفائدة الثامنة: جواز الإخبار عن أهل الطاعات لرفع الهمم، وكذلك يجوز أيضا الإخبار عن أهل المعاصي للتحذير من فعلهم، وأنَّ هذا ليس من الغيبة المحرمة ما دام أنه بشروط بابه.
الفائدة التاسعة: فضل ملازمة حِلَقِ العلم وذكر الله.
الفائدة العاشرة: الأصل أن تكون حلق العلم والذكر في المساجد.
الفائدة الحادية عشرة: الجلوس حيث ينتهي بالعبد المجلس، لكن هذا لا ينافي تقديم أهل الفضل، فكان السلف كثيرًا إذا دخل عليهم أحد من أهل العلم أو الفضل أو المكانة يقربونه ويدنونه منهم، وهذا من إنزال الناس منازلهم.
الفائدة الثانية عشرة: من جلس في حِلَقِ العلم فهو في كنف الله تعالى ورعايته وولايته، ولذلك يجب على العالم أن يؤوي من جلس إليه متعلمًا، فإذا كان الله يؤويه، فيجب على العالم من باب أولى.
الفائدة الثالثة عشرة: في الحديث دليل على أنَّ الموفق من وفقه الله، والناس بينهم وبين الله خبايا لا يعلمها إلا الله ﵎، فلم وفق هذا، ولم يوفق هذا؟! كله بعلم وحكمة.
• تراجم بعض الرواة:
(مسدد): هو الإمام أبو الحسن مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدى، ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، ومسدد لقب، قال ابن عدى: يقال: إنه أول من صنف المسند بالبصرة، توفي سنة ٢٢٨ هـ.
(بشر): هو الإمام أبو إسماعيل بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشى البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: إليه المنتهى فى التثبت بالبصرة. توفي سنة ١٨٦، أو ١٨٧ هـ.
(ابن عون): هو الإمام أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان المزنى البصري، قال عنه ابن المدينى: جمع لابن عون من الإسناد ما لم يجمع لأحد من أصحابه، توفي سنة ١٥٠ هـ، وقيل غير ذلك.
(ابن سيرين): هو الإمام أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، قال عنه ابن عون: كان يحدث بالحديث على حروفه، توفي سنة ١١٠ هـ.
(عبد الرحمن بن أبي بكرة): هو الإمام عبد الرحمن بن أبى بكرة، واسمه نفيع بن الحارث الثقفى البصري، توفي سنة ٩٦ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: من الفقه أنه يجب على العالم أن يبلغ العلم لمن لم يَبْلُغْه، سواء كان هذا التبليغ بنفسه أو بواسطة، فقد بلغ النبي ﷺ الحاضرين، ثم أمرهم أن يبلغوا من لم يحضر، وهذا يدل على استمرارية العلم وامتداده.
الفائدة الثانية: لابد من البلاغ والبيان في العلم، فقد أمرهم النبي ﷺ بالبلاغ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، والأمر في الآية بالبلاغ والبيان.
الفائدة الثالثة: قد يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم والعلم ما ليس
стр. 58
للمتقدم، لكن هذا قليل بدليل قوله «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، و (رُبَّ) تدل على التقليل، وكذلك قوله «فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ»، و (عسى) تدل على الطمع، وهو يدل على التقليل أيضًا.
الفائدة الرابعة: إنَّ طالب العلم قد يتفوق على أستاذه أحيانًا، وهذا ليس فيه عيب ولا مذمة للشيخ.
الفائدة الخامسة: أنَّ حامل الحديث والعلم ينبغي أن يؤخذ منه وإن كان يجهل معناه، ولكن هذا في باب الرواية فقط، فقد يروي الراوي الحافظ الرواية كما تحمَّلها، ولكنه لا يفهم فقه الحديث.
الفائدة السادسة: في الحديث دليل على أنَّ الحرام دركات، وأنَّ ما كان شديد الحرمة ينبغي تأكيد حرمته كالدماء والأموال والأعراض.
الفائدة السابعة: عدم الانشغال وقت التعليم والفتوى، وعدم التشويش على المفتي والعالم، وهذا يؤخذ من قوله «وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ -».
يقول الشافعي ربما كنت أكون في مجلسه - أي الإمام مالك - فأريد أن أَصْفَحَ الورقةَ فأصْفَحها صَفْحًا رقيقًا، هيبةً له لئلا يسمع وَقْعَها (١).
الفائدة الثامنة: من حسن التعليم إثارة انتباه المستمع واستحضار فهمه، فقد أثار النبي ﷺ أفهام الصحابة بالأسئلة عن اليوم والشهر.
الفائدة التاسعة: مراعاة أحوال الناس وما يكونون عليه، ومعرفة مذاهبهم، وهذا أمر هام للعالم والمفتي، وقد جعل الإمام أحمد ذلك من شروط المفتي وهو معرفة أعراف الناس ومذاهبهم (٢).
стр. 59
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (١).
فقد شبه النبي ﷺ حرمة المسلم بحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام رغم أنَّ حرمة المسلم أعظم من حرمة البلد الحرام، وهذا تشبيه للأعلى بالأقل، وذلك لأن العرب كانوا يحرمون البلد الحرام أشد من تعظيمهم للدماء والأموال، ولذلك خاطبهم النبي ﷺ بما يعلمون.
الفائدة العاشرة: جواز حذف المضاف إن علم، وذلك في قوله ﷺ : «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ» أي إنَّ سفك دمائكم، وأكل أموالكم، وسلب أعراضكم، والمقصود بالعِرْض هنا ذم العِرض بصفة عامة، وليس المراد به الفروج فقط.
الفائدة الحادية عشرة: وجوب تبليغ الغائب.
الفائدة الثانية عشرة: جواز التحمل قبل كمال الأهلية؛ لأن النبي ﷺ بين أنَّ هناك من يحمل العلم إلى من هو أعلم منه.
الفائدة الثالثة عشرة: الفهم لا يشترط في الأداء، ولكن يشترط ألا يتجاوز ذلك من حيث ذكر معناه، وما يشتمل عليه من أدلة أو أحكام؛ لأنه لا يُفْهَم إلا بذلك.
стр. 60
الفائدة الرابعة عشرة: استحباب أن تكون الخطبة على موضع مرتفع، وهذا له فوائد منها:
١ - أبلغ في إسماع الناس.
٢ - استحضار قلوب المستمعين برؤية الخطيب.
٣ - رفع لمكانة المبلغ والداعي إلى الله.
٤ - المواطأة والربط بين السمع والبصر، فيكون أدعى للفهم، وحضور القلب، وعدم انشغال الفكر.
الفائدة الخامسة عشرة: جواز القعود على ظهر الدواب.
стр. 61
١٠ - بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ «وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ».
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وَقَالَ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ.
وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ".
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الأحاديث السابقة تكلمت عن حال المبلِّغ، والمبلَّغ إليه، وذلك من أجل العمل، فالعلم لابد أن يكون قبل القول والعمل.
• بعض معاني الكلمات:
(الصمصامة): هو السيف الصارم الذي لاينثني، وقيل: هو السيف الذي له حد واحد.
стр. 62
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: تقدم العلم على العمل وذلك في الزمن والشرف، فمن ناحية الشرف فإنَّ العلم أشرف لأنه عمل القلب، وأما العمل فإنه عمل الجوارح، والقلب هو سيد الأعضاء وأشرفها، وفي زمنه فلابد للعلم أن يسبق العمل لأنه لا يكون العمل صحيحًا إلا بالعلم.
الفائدة الثانية: دليل على فضل العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء.
وورث العلماء الأنبياء لأنهم تشبهوا بهم؛ لأن النبي على الراجح هو من أرسل إلى قوم موافقين له لتصحيح ما أخطأوا فيه، وكذلك العلماء يقومون في هذا الباب مقام الأنبياء.
الفائدة الثالثة: طريق العلم يسهل طريق الجنة، في الدنيا وفي الآخرة، وذلك لأن القليل من العلم يجلب للعبد الكثير من الحسنات، ويسهل عليه طريق الجنة.
الفائدة الرابعة: كما أنَّ العلم يسهل على طالبه الجنة فإن الله يسهل عليه العلم، فقد ورد عن بعض السلف قولهم: تعلمنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له، فمن تسهيل أبواب الخير أنَّ الله تعالى يصحح النيات بالعلم أيضًا.
الفائدة الخامسة: العلم كالطريق في أنه متدرج شيئًا فشيئًا، ولذلك شبهه النبي بذلك، فكلما أخذ الإنسان خطوة قطع شيئًا من هذا الطريق.
الفائدة السادسة: العلم طريق إلى غيره، فالعلم موصل لغيره وهو رضا الله تعالى والجنة، وأما في الدنيا فهو موصل للراحة والطمأنينة، والعبادة على يقين، وما إلى ذلك.
الفائدة السابعة: العلماء أخشى الناس لله تعالى، فكلما ازداد العبد علمًا ازداد خشية؛ ولذا قالوا: العلم الخشية.
الفائدة الثامنة: ارتباط العلم بالعمل، وكل منهما يتبع الآخر فالعمل بغير علم
стр. 63
لا يصلح، وكذلك العلم بغير عمل لا نفع فيه؛ فالعلم بغير عمل علم غير مثمر ولا نفع فيه، والعمل بغير علم هو عمل غير صالح مشوب بالبدع والمنكرات.
• وهذا يدل على أنَّ الإنسان كلما كثر علمه ينبغي أن يكثر عمله.
• وكانت أم سفيان الثوري تقول: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تزدك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك (١).
• فالعلم أصل العمل، والعمل ثمرة العلم.
• قال إسماعيل بن يحيى رآني سفيان وأنا أمازح رجلًا من بني شيبة عند البيت فتبسمت، فالتفت إلي، وقال: تبتسم في هذا الموضع، إن كان الرجل ليسمع بالحديث الواحد فنرى عليه ثلاثة أيام سمته وهديه (٢).
стр. 64
١١ - بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ
بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
قال ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا».
وقال ﵀: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا».
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
كان الباب السابق في العلم، وهذا في التخول في العلم يعني من طرق التعليم أنَّ المعلم يتخول الناس بالموعظة كي لا ينفروا.
وكذلك في الباب السابق ختمه بقوله تعالى ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ".
وكذلك من صفات العالم الرباني الفقيه أنه يتخول الناس بالموعظة، وألا ينفِّر الناس من العلم.
стр. 65
• تراجم بعض الرواة:
(محمد بن يوسف): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبى الفريابي، قال عنه زنجويه: ما رأيت أورع من الفريابى. توفي سنة ٢١٢ هـ.
(الأعمش): هو الإمام أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، قال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، و ذكر خصلة أخرى، توفي سنة ١٤٧ هـ، وقيل: ١٤٨ هـ.
(أبو وائل): هو الإمام أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدى الكوفي، تعلم القرآن فى شهرين. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل غير ذلك.
(محمد بن بشار): هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدى البصري، ولقبه بندار، كان إمام زمانه في الحديث، توفي سنة ٢٥٢ هـ.
(يحيى بن سعيد): هو الإمام أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصارى المدني، قال عنه جرير بن عبد الحميد: لم أر من المحدثين إنسانًا كان أنبل عندى من يحيى بن سعيد الأنصارى. توفي سنة ١٤٤ هـ، وقيل: بعدها.
(شعبة): هو الإمام أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكى البصري، أمير المؤمنين في الحديث، وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، توفي سنة ١٦٠ هـ.
(أبو التياح): هو الإمام أبو التياح يزيد بن حميد الضبعى البصري، قال أبو إياس: ما بالبصرة أحد أحب إلىَّ أن ألقى الله عز و جل بمثل عمله من أبى التياح. توفي سنة ١٢٨ هـ، وقيل ١٣٠ هـ.
стр. 66
• بعض معاني الكلمات:
(بِالْمَوْعِظَةِ) هي النصح والتذكير بالعواقب، والموعظة من العلم، ولكنه ذكرها هنا في الباب؛ لأنها منصوص عليها في الحديث بينما لم ينص على كلمة العلم؛ لأن العلم أعم والموعظة أخص.
(كَيْ لَا يَنْفِرُوا) أي لئلا يتباعدوا.
(يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ) أي يصلحنا ويقوم علينا.
(كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أي الملالة وهي مثل السآمة بناء ومعنى.
سؤال: ما سبب ذكر ابن مسعود لهذا الحديث؟
الجواب: أنَّ أبا وَائِلٍ شقيق بن سلمة، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فذكره.
• وفي الباب فوائد منها:
• أولًا: الحديث الأول:
الفائدة الأولى: استحباب ترك المداومة في الجد والعمل الصالح إن كان يؤدي إلى الملالة.
الفائدة الثانية: التوسط والقصد، وهو أمر مقصود في الشرع، فالجد في العمل لا يذم إنما الذي يذم أن يؤدي هذا الجد إلى الملالة.
الفائدة الثالثة: مراعاة الجد والنشاط، فيتحين فرصه وأوقاته بشرط عدم الوصول إلى الملل، كما قال رسول الله (فليصل أحدكم نشاطه)، وكما أنكر النبي ﷺ على الثلاثة الذين جاءوا إلى داره ليسألوا عن عبادته وأرادوا الزيادة عليها.
الفائدة الرابعة: مراعاة القائد والعالم لأصحابه، فيتخولهم ويصلحهم ويقوم عليهم، وكان النبي ﷺ يتعهدهم بالموعظة والتعهد ليس بالتعليم
فقط، بل بالتعليم
стр. 67
في الوقت المناسب، والترك في الوقت المناسب.
الفائدة الخامسة: رحمة النبي ﷺ بأمته، رغم أنَّ الصحابة كانوا يحبون ملازمته وأخذ العلم منه دائمًا، لكنه كان يخاف من ملالتهم.
الفائدة السادسة: العالم والفقيه الرباني هو الذي لا ينفر منه الناس، وهذا أمر محظور أي التنفير حتى وإن كان التنفير بالعلم، فإن كان التنفير بالعلم امتنع عنه وقتًا كما كان هو فعل النبي ﷺ .
• ثانيًا: الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلا تُنَفِّرُوا».
• وذكر الحديث هنا بيان لصورة من صور الموعظة حتى لا ينفر الناس، والمعنى: أنَّ الناس قد ينفرون من العلم والموعظة بكثرة التعليم، أو ينفرون من الموعظة والعلم بسبب التعسير والتشديد، ونهى النبي ﷺ عن الأمرين وعن غيرهما مما يُنَفِّر.
فهذان الأمران يقاس عليهما كل ما ينفر الناس عن هذا الدين، وإن كان من الممكن الإنذار والتخويف للناس، ولكن الغالب في الدعوة التيسير والتبشير.
• وفي هذا الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: حسن بيانه ﷺ ، وأنه أوتي جوامع الكلم، ففي الحديث أتى بالمترادفات والمتناقضات فقال (يسروا وبشروا، ولا تعسروا ولا تنفروا) وهذا يسمى جناس تام في ترتيب الألفاظ وفي الإتيان بشبيهها، والبلاغيون يعتبرونه زيادة في حسن الكلام وجماله.
стр. 68
الفائدة الثانية: عبر النبي ﷺ بالمآل والمقصود لبيان خطره فقال: يسروا وضد التيسير التعسير، وقال بشروا وضد التبشير الإنذار، فقال لا تنفروا ولم يقل ولا تنذروا يعني ولا يغلب عليكم التخويف؛ لأن الزيادة في الإنذار والتخويف ينفر، فذكر النبي ﷺ المآل، فكأنه ذكر الشيء وعلته.
الفائدة الثالثة: التلطف بالمدعو سواء كان المدعو صغيرًا أو كبيرًا مسلمًا أو كافرًا، فهذه صورة عامة للدعوة، والتلطف ليس معناه ترك الزجر مطلقا، ولكن الرفق واللين، والله تعالى جعل لنشر الدين سُبُلًا وطُرُقًا، ومن أهمها الدعوة والجهاد، وهذان السبيلان مختلفان، فقال تعالى في الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال في الجهاد ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].
• فالأصل في الجهاد القوة والغلظة، والأصل في الدعوة الحكمة والموعظة الحسنة، فلا يجوز تبديل هذا مكان هذا.
الفائدة الرابعة: يسر الدين، فالنبي ﷺ أمر باليسر والتيسير.
مسألة هامة:
ليس معنى اليسر الأخذ بالأخف، فالأصل أنَّ كل الدين يسر، قال النبي ﷺ (إنَّ الدين يسر) (١)، ولكن المعنى إذا خُيِّر الإنسان بين أمرين والشرع يسع الأمرين يختار الأيسر منهما.
الفائدة الخامسة: اختيار الوقت المناسب للنذارة، وأنَّ بداية التعليم تكون بالتبشير، لأن البداية لو كانت بالنذارة أدت إلى النفور.
стр. 69
الفائدة السادسة: في الحديث دليل على التدرج في التعليم، فالبداية بالتبشير، ثم الانتقال إلى الإنذار.
الفائدة السابعة: في الحديث الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فالتيسير في الأحكام والتعليم من خير الدنيا، والتبشير بالجزاء والثواب والعواقب هذا من خير الآخرة.
стр. 70
١٢ - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟
قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا " (١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق كان عنوانه (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لا يَنْفِرُوا)، فالتخول بالموعظة يكون لعدم الملل، وفي هذا الباب شيء زائد وهو إقبال الناس على العلم وطلبهم له.
فطلبة العلم لابد أن يتخولهم المعلم بالموعظة خوفًا عليهم من النفور والملل، وهذا ليس خاصًّا بعوام الناس فقط، ولكنه أمر عام، فالله ﵎ خلق النفوس وهو سبحانه يعلم ما يصلحها، والشرع الحنيف يراعي المآلات، فقد يخيل للإنسان في أول الأمر أنه لن يمل ولن يفتر ثم يمل بعد ذلك، فمن رحمة الله أنه يحمي الإنسان من نفسه.
стр. 71
• تراجم بعض الرواة:
(عثمان بن أبي شيبة): هو الإمام أبو الحسن عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، سُئل ابن نمير عنه فقال: سبحان الله ومثله يسأل عنه، إنما يسأل هو عنا، توفي سنة ٢٣٩ هـ.
(جرير): هو الإمام أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، كان كثير العلم يُرحل إليه، وكان من العباد، توفي سنة ١٨٨ هـ.
(منصور): هو الإمام أبو عتاب منصور بن المعتمر بن عبد الله الكوفي، فكان لا يروى إلا عن ثقة غالبًا، وكان أثبت أهل الكوفة، توفي ﵀ سنة ١٣٢ هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: رحمة الله ولطفه بعباده، وأنَّ الشرع ينظر إلى المآلات ومراعاة النفوس، وأنَّ الله تعالى أعلم بالإنسان من نفسه.
الفائدة الثانية: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاقتداء بالنبي ﷺ والمحافظة على سنته، فلما طلبوا من ابن مسعود: أن يحدثهم كل يوم، لم يفعل ورأى أنَّ اتباع هدي النبي ﷺ ومنهجه هو خير الهدي.
الفائدة الثالثة: مراعاة الفقيه للمآلات وعدم النظر للحال فقط، وهذا يدل عليه فعل ابن مسعود، فمع همة من معه ونشاطهم وطلبهم المزيد، لكنه خشي عليهم الملل في المستقبل، وهذا يبين أهمية دور الفقيه والمعلم، فالفقيه ينبغي ألا ينظر إلى رغبات الناس، ولكنه ينظر إلى الحقائق والمآلات، فقد يطلب الإنسان أكثر من طاقته، ولكن الفقيه يكون أبصر بذلك فيجيبه على غير ما يريد، وقد كان النبي ﷺ يسأل عن بعض الأسئلة فيجيب عنها وزيادة كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ وفيه: أنَّ رجلًا جاء إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 72
ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١).
وكما ثبت عند البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».
فلما كبر كان يتمنى أن لو قبل رخصة النبي ﷺ ، فإنَّ النبي ﷺ كان يرشده إلى ما هو أفضل وأصلح له في كل حال.
الفائدة الرابعة: على العالم والفقيه أن يراعي أحوال العامة وأن لا يراعي أحوال بعض الأفراد، كما في قول الرجل (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟) فهذا كلام لرجل واحد، وليس طلبًا عامًّا من الجميع.
الفائدة الخامسة: قول الرجل (لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ) يدل على حب التابعين للعلم، فالعلم عندهم له متعة وحلاوة، وهكذا كل طالب علم يجد للعلم لذة وحلاوة.
الفائدة السادسة: جواز تأخير بعض العلم للمصلحة، ومنها تأليف الناس وعدم نفورهم من العلم، ومنها ما ورد أنَّ النبي ﷺ أمر أبا هريرة فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِط يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا
١٣ - بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
قال البخاري ﵀: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» (١).
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
المناسبة واضحة بين هذا الباب والأبواب السابقة، فالأبواب السابقة جاءت في شأن من يُذَكِّر الناس ويعظهم ويعلمهم أمور دينهم، فهو ينفع الناس ولا يضرهم وليس هذا إلا شأن الفقيه، ومن الفقه والفهم وإرادة الخير بالعالم ألَّا يعظ الناس في كل وقت، وهذا هو سبب إيراد هذا الباب بعد الأبواب السابقة.
• قوله ﷺ : (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قيل أنَّ المراد بالقسمة هنا: العلم، فالنبي ﷺ يبذل العلم والله يعطي الناس من الفهم والعلم بقدر، وقيل المراد قسمة المال بينهم، فالله هو الذي يقدر ويعطي، والنبي ﷺ هو الذي يقسمه بين الناس.
стр. 75
• تراجم بعض الرواة:
(سعيد بن عفير): هو الإمام أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري المصري، قال عنه الحاكم: إنَّ مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه، توفي سنة ٢٢٦ هـ.
(ابن وهب): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى المصري، قال عنه ابن حبان جمع ابن وهب وصنف، وأثنى عليه الأئمة، توفي سنة ١٩٧ هـ.
(يونس): هو الإمام يونس بن يزيد بن أبى النجاد الأيلي، توفي سنة ١٥٩ هـ، وقيل ١٦٠ هـ.
(ابن شهاب): هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري المدني، قال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: ما سبقنا ابن شهاب بشاء من العلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره، ويسأل عما يريد، و كنا تمنعنا الحداثة، توفي ١٢٥ هـ، وقيل قبلها.
(حميد بن عبد الرحمن): هو الإمام حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو إبراهيم، وقيل: أبو عبد الرحمن، توفي سنة ١٠٥ هـ.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فضل العلماء على سائر الناس، وأنهم هم الذين أراد الله بهم الخير.
الفائدة الثانية: فضل علم الفقه، وإن كان الفقه المذكور في الحديث يراد به عموم الفهم إلا أنَّ تسمية علم الفقه بالفقه يدل على عظم مكانته.