← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

«هل وضعت التواريخ إلا لتميز بين الصحيح والسقيم، والسالم والسليم؟ فلله در التاريخ». سبط ابن الجوزي

стр. 2

مقدمة حين عشت، فيما غبر من سنين، مع مؤلفات أبي شامة التاريخية، تحقيقا وتعليقا، ثم أفردت دراسة عن حياته وآثاره، لم يكن يخطر في بالي آنئذ أنني سأعيش مع معاصره سبط ابن الجوزي، إلى أن عرضت علي مخطوطات كتابه «مرآة الزمان»، لأرى فيها رأيي. وقد اكتشفت يومئذ، بلذة ممزوجة بألم، وأنا أستعرض نسخها وأقابلها، أن ما بين أيدينا من هذا السفر العظيم هو مختصرات له؛ أتمها مختصر قطب الدين اليونيني؛ بل إنه لم يقتصر على اختصاره، فأضاف إليه إضافات يسيرة في بعض المواضع، وقد خفي ذلك على من وقف على الكتاب قبلي من باحثين ومحققين. ومن ثم تطلعت إلى تحمل عبء تحقيقه، ولأمر ما حيل بيني وبين ما أملت، فاخترت تحقيق الأجزاء الثلاثة الأخيرة منه؛ لأنها في أحداثها وتراجمها تتوافق مع العصر نفسه الذي كنت وما زلت دائم الانشغال به، وأعني به عصر الزنكيين، ومن بعدهم الأيوبيين في مصر والشام. وكعادتي كنت أدون ما يعن لي من ملاحظات في أثناء التحقيق، للاستفادة منها في التقديم له، وعقد ترجمة لمصنفه؛ وما كان يخطر في بالي وقتئذ أنني سأصرف حتى عن تحقيق رغبتي هذه أيضا لأمر لا أعلمه، فطويت آسفا ما كتبت، وأودعته درج أوراقي. وتعاقبت السنون، ونشر الكتاب، وقرأت أخيرا مقدمة تحقيقه، وترجمة مؤلفه، ولم يك أتيح لي الاطلاع عليها من قبل؛ فإذا هي مقدمة لا تصف الكتاب حق وصفه، ولا تنصف مؤلفه بترجمة وافية له، بله ما وقع فيها من أخطاء وعثرات.

стр. 3

وانتابني يومذاك إحساس مؤلم واخز حقا، فالمقدمة هي أول ما يطالعه القارئ من الكتاب، وهي صاحبة الانطباع الأول عنه، إن حسنا وإن شيئا. وتلك المقدمة جاءت باضطرابها وأوهامها تسعى بين يدي القارئ، وتلقف تلك الجهود الكبيرة التي بذلت في تحقيقه. ووجدتني أفكر من جديد بالملاحظات التي أودعتها درج أوراقي وكدت أنساها؛ فمن حق القارئ علي أن أنشرها بين يديه، ولا سيما أنني أحد المشاركين بتحقيق الكتاب. ثم إن لسبط ابن الجوزي علي حقا لا بد أن أؤديه، ولئن حالت حوائل دون كتابتي عنه فيما سلف، إن أمورا عديدة تدفعني إليها الآن؛ فقد صحبته سنين مع كلماته، باح لي فيها ببعض خفايا حياته، كان قد طواها بين سطور كتابه، فرأيتني كالمرغم على البوح بها للقارئ، وهل التاريخ إلا بوح الإنسان للإنسان على اختلاف الأزمنة والأعصار؟ ومن ثم، فإن جل اعتمادي - فيما أسوق من أخباره على ما أورده منثورا في تضاعيف كتابه، كلما عنت له مناسبة تدعوه إلى ذكرها. وأخشى ما أخشاه أن يكون قطب الدين اليونيني قد زهد في بعضها، فأسقطها في اختصاره. وما أغراني بالكتابة عنه كذلك: أن من سبقني بالترجمة له وذلك في مقدمات تحقيقهم لبعض كتبه، ومنهم علماء أجلاء قد وقعوا في أوهام وأغاليط؛ فاختزلوا بعض وقائعها، ووضعوها في غير مواضعها، ولم يقفوا على بعضها الآخر، منساقين من ثم إلى تحليلات تفتقر إلى الدقة العلمية والاستنباط السليم. وربما وقعوا فيما وقعوا فيه لافتقارهم إلى كتابه «المرآة» تاما بين أيديهم، فغابت بذلك معالم أساسية من سيرته. ولم ألتزم بالتنبيه على أوهامهم، وهي غير قليلة، تاركا أمر التهدي إليها لمن أراد من الباحثين والقراء الراغبين. ثم إن سبط ابن الجوزي عاش هو والمؤرخ أبو شامة في عصر واحد، وفي مدينة واحدة؛ هي مدينتي الحبيبة دمشق.

стр. 4

ومع أن حب التاريخ والاشتغال به جمع بينهما، فقد فرقت بينهما المشارب، فلم يتعارفا. وبينما اكتفى أبو شامة في عزلته - وهو العالم بالقراءات والفقه - بالانكباب على التاريخ جمعا وتدوينا ومشاهدة، ألقى سبط ابن الجوزي نفسه في عبابه، مشاركا بأحداثه، مصاحبا لملوك عصره. فهما حقا شخصيتان متباينتان، تمثلان منهجين مختلفين في رؤية التاريخ وتدوينه: أبو شامة ذلك المؤرخ العالم المجتنب للسلطان، والفاضح لفساد عصره ومفسديه، فهو يدون التاريخ من موقف المصلح، ويسعى جاهدا أن يتثبت مما يكتب، مؤملا أن يساعد في التغيير نحو الأفضل. وسبط ابن الجوزي ذلك المؤرخ الواعظ، المخالط للسلاطين، والمغتبط بصحبتهم على إنكاره لبعض أفعالهم، فهو أخباري يدون التاريخ للتاريخ فحسب، وككثير من الوعاظ تعوزه الدقة أحيانا فيما يورده، مع ولعه بالمبالغة والغرائب. فمن دواعي الإنصاف للبحث العلمي أن نجلي صورة سبط ابن الجوزي، وننظر إلى عصره بعينيه، كما جلونا صورة أبي شامة من قبل، حتى تكتمل النظرتان، وهو أمر يستحق منا عناء البحث والاستقصاء، وأملي أن يستحق القراءة أيضا. وختاما: الله تعالى أسأل أن يعصم قلمي من الخطأ والخطل، وفهمي من الزيغ والزلل، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول ﷺ . دمشق في ٢٠ المحرم الحرام ١٤٣٨ هـ / ٢١ تشرين الأول ٢٠١٦ م إبراهيم الربيق

стр. 5

في طفولته وصباه - ١ - هو: يوسف بن حسام الدين قزأغلي بن عبد الله، شمس الدين، أبو المظفر، التركي، العوني، الهبيري، البغدادي ثم الدمشقي، والحنبلي ثم الحنفي، سبط الإمام العالم المحدث الواعظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي (١).

стр. 6

ولا نعرف إلا القليل عن والديه. فأبوه: حسام الدين قزأغلي من مماليك الوزير عون الدين يحيى بن محمد ابن هبيرة (١)، وكان عنده بمنزلة الولد، فأعتقه (٢). وبعد وفاته تدرجت الأحوال به حتى صار من أعوان صاحب المخزن ظهير الدين أبي بكر ابن العطار (٣). وأما والدته، فهي: رابعة بنت الشيخ عبد الرحمن ابن الجوزي (٤)، ولا نعرف شيئا عن أمها وأسرتها إلا خالها خاصبك، وكان من ملازمي مجلس الشيخ عبد القادر الجيلي، ويوحي اسمه أنه من أصول تركية (٥). وكانت رابعة على شيء من العلم كسائر أخواتها (٦)، فقد سمعت الحديث من أبيها ومن معظم مشايخه. وأول أزواجها أبو الفتح بن رشيد الطبري، زفت إليه في المحرم سنة ٥٧٢ هـ/ تموز ١١٧٦ م، ولم يطل عمره معها، فلما تأيمت بوفاته خطبها حسام الدين من أبيها، فزوجها له (٧) ربما وفاء لمودة كانت له للوزير (٨) وأولدها يوسف في رجب سنة ٥٨١ هـ/

стр. 7

تشرين الأول ١١٨٥ م (١). ولعله ابنهما الوحيد، فإنه لم يحدثنا من بعد عن إخوة له أو أخوات.

стр. 8

ولما ترعرع يوسف اجتذبه جده إليه، فأقرأه وتفقه عليه، وأسمعه الكثير من مروياته، ومن غيره من العلماء (١). وكان يوسف يقيم وقتذاك في الحربية (٢)؛ محلة الحنابلة غربي بغداد (٣)، في دار مجاورة لقبر زاهدها الورع علي بن عمر المعروف بابن القزويني (المتوفى سنة ٤٤٢ هـ/ ١٠٥١ م)، فكان يقف على قبره، ويرى بركة زيارته (٤). ويختلف إلى حلقات شيوخها (٥): فقرأ القرآن على شيخ القراء (٦) ريحان بن تيكان بن موسك - وكان قد ختم ألوفا من الطلبة -، وسمع منه الحديث (٧). وسمع كذلك من: عبد الله بن أبي بكر بن أحمد بن طليب - ويعرف بابن السندان، وكان شيخا صالحا ثقة (٨) -، والواعظ عمر بن علي الحربي (٩)، والزاهد العابد أبي العباس أحمد بن سلمان الحربي - وكان جاره، ويصلي خلفه في المسجد (١٠)، والشيخ عبد الرحمن بن أبي حامد ابن عصية الحربي (١١)، والشيخ يوسف بن يعقوب الحربي (١٢)،

стр. 9

وعبد الملك بن مظفر أبي غالب الحربي (١)، وعبد العزيز بن محمود البزاز - المعروف بابن الأخضر (٢)، وعبد الوهاب بن علي بن علي الصوفي - المعروف بابن سكينة (٣)، وخاله أبي القاسم علي بن أبي الفرج (٤)، وزوج خالته أبي الفتح عبد الوهاب بن بزغش المقرئ (٥)، وعبد العزيز بن دلف (٦)، وأبي الحسن علي بن يحيى بن بركة القطان - وكان متكبرا جدا، كما وصفه (٧)، والنجيب عبد المجيب بن أبي القاسم عبد الله بن

стр. 10

زهير (١)، وأبي طاهر إبراهيم بن أحمد بن محمد بن حمدية العكبري (٢)، والمسند المعمر أبي القاسم ذاكر بن كامل الخفاف (٣). وحصل إجازة من: محمد بن محمد بن حامد المعروف بالعماد الكاتب الأصفهاني (٤)، وعلي بن هبة الله بن مسعود البغدادي البزاز (٥)، وعبد الله بن منصور بن عمران الباقلاوي المقرئ (٦)، وخطيب دمشق عبد الملك بن زيد الدولعي (٧). ويتردد إلى مجالس جده أبي الفرج، وهناك كان يلتقي بعض زائريه، منهم: الحسين بن أحمد الخياري، وكان حفظة للحكايات والأشعار والملح، فكان يوسف يستمع إلى حكاياته التي يحكيها لجده، وبقي عالقا في ذاكرته بعضها، فأثبتها من بعد في «تاريخه» (٨)

стр. 11

وفي الصيف يستروح من شدة حر بغداد في مقابر الإمام أحمد ابن حنبل، وكان يأوي إليها في ذلك الوقت رجل قادم من بلخ اسمه محمد، يكن من الحر في القباب ويصوم الدهر، ويتقوت بالخبازى، ولا يكلم أحدا من خلق الله، فأحبه الصبي يوسف وأنس به، وكان يعتقده من الأبدال، وبقي هذا الشيخ مقيما في المقابر حتى سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م، ثم غاب عن عينيه بعد ذلك (١). ويبدو أن وعيه تفتح أول ما تفتح على أخبار شخصيتين عظيمتين لم يدركهما، أولاهما: الشيخ الإمام العالم عبد القادر الجيلي (المتوفى سنة ٥٦١ هـ/ ١١٦٦ م) (٢)، فقد أدرك جماعة من مشايخه يحكون جملة من كراماته الظاهرة، منهم خاصبك؛ خاله لأمه، ورجل صالح من أهل الحربية يقال له مظفر (٣). وثانيتهما: الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة (المتوفى سنة ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م)، فقد سمع من مشايخه عنه حكايات عجيبة، أثبت بعضها فيما بعد في «تاريخه» (٤). وكان يتشوف على حداثة سنه إلى رؤية كبار عصره، فقد رأى القاضي عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله؛ الملقب لذكائه وفطنته بالقاضي شريح. وبقيت صورته عالقة في ذاكرته، فهو من ألطف العالم وأذكاهم. وكان هذا القاضي قد أمضى سني حياته الأخيرة منسيا في سجنه حتى وفاته سنة ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٦ م، فكتب عنه فيما بعد يقول: «كان فاضلا، مترسلا، بليغا جوادا، سمحا، حسن الصورة، فصيح اللسان متواضعا، يصلح للوزارة .. ورسائله مدونة في مجلدين» (٥). ولم يكن يفوته ما يقع في بغداد من أحداث؛ فحين قتل طغريل شاه؛ آخر سلاطين السلاجقة، ودخلوا برأسه مرفوعا على خشبة إلى بغداد في

стр. 12

جمادى الأولى سنة ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م، كان الصبي يوسف يتطاول بين الجموع التي احتشدت لرؤيته، ويحد النظر إليه بعينين شع فيهما بريق الفضول، فيكتشف أن الموت لم يغير من محاسن وجهه، فيصفه لنا من بعد بقوله: «كان من أحسن الناس صورة، ووجهه كأنه القمر، وأثر النشابة في عينه، وعلى خده ضربة» (١). وبعيدا عن تلك الصورة المحزنة شهد في ذلك العام نفسه مجلس الواعظ الكبير شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي، وهو يعظ برباط درب المقبرة، ومنبره طين، وعلى رأسه مئزر صوف (٢). * * * ولم تمض الحياة بالصبي يوسف على هناءتها، فبعد أشهر قلائل من تلك السنة، وكان قد بلغ التاسعة من عمره، وقعت لجده الأثير لديه محنة قاسية انتزعته منه. فقد سيق الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي، أمام ناظريه - وهو في نحو الثمانين من عمره - إلى واسط، وأقام في دار بدرب الديوان، وفرضت عليه هناك إقامة جبرية، ووكل حارس على بابه (٣). وسبب محنته هذه عداوة قديمة كانت بين الوزير عبيد الله بن يونس، وأولاد الشيخ عبد القادر الجيلي (٤)، أجج نارها كبس الوزير ابن يونس بيت حفيده عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر، وكانت عنده كتب كثيرة من كتب الفلاسفة والمنطق والسحر، وهي محظورة في ذلك العصر، فحكم بإحراقها. وكان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ممن أفتى بذلك، فأحرقت سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م على مرأى من الناس ومسمع. فأسرها عبد السلام في نفسه. ثم إن ابن يونس نكاية بعبد السلام ولى ابن الجوزي مدرسة الشيخ عبد القادر (٥).

стр. 13

فلما ولي الوزارة محمد بن علي بن أحمد ابن القصاب في شعبان سنة ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م (١)، قبض على ابن يونس وكانت بينهما عداوة وراح يتتبع أصحابه، فقال له عبد السلام: أين أنت من ابن الجوزي؟ هو كان من أكابر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرق كتبي بمشورته. فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر لدين الله، وساعده على ذلك جماعة، ولبسوا عليه الأمر، فأمر بتسليمه إلى عبد السلام (٢). ولعل الخليفة كان مضطغنا كذلك على أبي الفرج لما أورده في تاريخه «درة الإكليل»، الذي ذيل فيه على تاريخه «المنتظم» (٣)، فرآها فرصة لاعتقاله. وتركت هذه الحادثة آثارا لا تمحى في ذاكرة الصبي، طفت فيما بعد على قلمه، فكتب يقول: «كان جدي يسكن بباب الأزج في دار بنفشا (٤)، وكان الزمان صيفا، وهو جالس في السرداب يكتب، وأنا صبي صغير، وإذا بعبد السلام قد هجم عليه في السرداب، وأسمعه غليظ الكلام، وختم على كتبه وداره، وشتت عياله، وجرى عليهم ما لم يجر على أقل الناس. فلما كان أول الليل حملوا جدي إلى سفينة، فأنزلوه فيها، ونزل معه عبد السلام لا غير، وعلى جدي غلالة بغير سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، وحدروه إلى واسط، واستوفى منه الكلام، وجدي لا يجيبه» (٥)

стр. 14

وفي تلك الدار في واسط أقام الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي وحيدا مع شيخوخته، ليس له من معين عليها، فكان يخدم نفسه، ويغسل ثوبه، ويطبخ ويستقي الماء من البئر (١). وتلقى ذلك كله بالصبر والحمد والشكر (٢). * * * في غيبة جده القسرية راح يوسف يكمل وحده ما بدأه، فتابع اختلافه إلى حلقات العلم، فقرأ النحو والأدب على الوجيه المبارك بن المبارك الواسطي (٣)، وعبد الله بن الحسين أبي البقاء العكبري (٤)، وسمع الحديث من مسند العصر الشيخ الجليل عبد المنعم بن عبد الوهاب ابن كليب الحراني - وكان قد انتهى إليه علو الإسناد (٥) -، والمحدث أبي القاسم يحيى بن أسعد ابن بوش (٦)، والمسند عمر بن محمد بن معمر المؤدب الدارقزي - المعروف بابن طبرزد (٧) -، وهبة الله بن الحسن بن المظفر الهمذاني (٨)، وحمزة بن علي بن حمزة - المعروف بابن القبيطي (٩) -، والمسند المعمر أبي طاهر المبارك بن المبارك ابن المعطوش

стр. 15

الحريمي (١)، وأبي القاسم عبد الله بن علي بن النفيس الأنباري (٢). وقرأ على علي بن أحمد بن سعيد بن الدباس أبي الحسن المقرئ (٣). وأجاز له شعره نقيب الطالبيين بالبصرة يحيى بن محمد أبو جعفر العلوي، وكان قد قدم بغداد، ومدح الخليفة الناصر لدين الله بقصائد، وكان رقيق الشعر، مليح النظم (٤). وحصل إجازة كذلك من قاضي تكريت يحيى بن القاسم بن المفرج التكريتي (٥). ولا ندري مع من رحل - وهو في نحو الحادية عشرة من عمره - إلى همذان، ليسمع من مسندها الجليل أبي الغنائم شيرويه بن الشيخ الأجل المحدث شهردار أبي منصور الحافظ (٦). وفي بغداد ينازعه الحنين إلى جده، فيختلف إلى مجالس وعظ أصدقاء جده: الشيخ عبد المنعم بن علي بن الصيقل الحراني بمسجد باب المشرعة (٧)، والشيخ محمد بن سعد الله بن نصر الدجاجي برباط الأخلاطية (٨)، والشيخ الزاهد محمود بن عثمان بن مكارم النعال، وكان

стр. 16

يزوره في رباطه بباب الأزج. وكان شيخا مهيبا لطيفا، كيسا باشا، مبتسما، يصوم الدهر، ويختم القرآن كل يوم وليلة، ولا يأكل إلا من غزل عمته. وفي رباطه يتعرف سبط ابن الجوزي إلى أهل العلم من المقادسة نزلاء صالحية دمشق، فقد كانوا يأوون إليه، وكان الشيخ محمود يؤثرهم على غيرهم (١). وطالما حدثه شيخه عبد الكريم عن عمه الشيخ الزاهد الحنبلي حسن بن مسلم بن أبي الحسن، فيسعى سبط ابن الجوزي إلى زيارته في زاويته بالفارسية؛ وهي قرية بنهر عيسى. وكان الشيخ حسن قد قضى من عمره أربعين سنة لا يكلم أحدا من الناس، فهو صائم الدهر، وقائم الليل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة. فيحكي له جماعة من مشايخ القرية أن السباع تنام طوال الليل حول زاويته، ولا تتعرض لأحد، وأن فقيرا نام في الزاوية في ليلة باردة، فاحتلم، فنزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السبع، فنام على جبته، فكاد الفقير يموت من البرد والخوف، فخرج الشيخ حسن، وجاء إلى السبع، وضربه بكمه، وقال: يا مبارك، قد قلنا لك: لا تتعرض لضيفنا، فقام السبع يهرول (٢). ولم يكن ليخفف من مس فقده لجده ما يقع أحيانا في بغداد من مشاهد ساخرة، ولعل أشهرها ما وقع سنة ٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م حين قدم إليها من القدس الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين، منتميا للخليفة الناصر لدين الله، ومفارقا لملوك بني أيوب، يومئذ خرج جميع أهل بغداد للقائه، وفيهم الفتى سبط ابن الجوزي. كان رأس أبي الهيجاء صغيرا وبطنه كبيرا جدا، فكان يندلق على رقبة البغلة التي يركبها. وحين مر بالحربية رآه رجل كواز، فعمل من ساعته كوزا من طين على هيئته، وسبقه فعلقه في السوق، فلما اجتاز به أبو الهيجاء ضحك، ثم عمل بعد ذلك أهل بغداد كيزانا على صورته، وسموها أبا الهيجاء السمين (٣).

стр. 17

وكادت السنة الخامسة على حبس جده تطوى، وهو في محبسه بواسطة، لم يدخل خلالها حماما قط، ولا قرأ سورة يوسف في ختمته للقرآن التي كان يختمها كل يوم، حزنا على ولده يوسف؛ سمي سبطه (١). حتى كان يوم وقف فيه للخليفة الناصر لدين الله - وهو في بستان يتنزه - هذا الابن البار محيي الدين يوسف، وبيده قصة يذكر فيها ما نال أباه وأهله من الضر، فرق له الخليفة، وأمر بالإفراج عن أبيه. فرجع الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي إلى بغداد في شعبان سنة ٥٩٥ هـ/ حزيران ١١٩٩ م، فخلع عليه، وأعيد إلى مجلس وعظه عند تربة أم الخليفة. وفي أول مجالسه للوعظ بعد انقطاعه الطويل عنها تمثل ببيت الشريف الرضي: إن كان لي ذنب ولم آته … فاستأنف العفو وهب ما مضى (٢) وعاود سبط ابن الجوزي بنشاط الجذلان حضور مجالس وعظ جده (٣)، وهو الحامل للوائه في عصره (٤)، ينهل منه طريقته وأسلوبه فيما كان يسمى السجع الوعظي (٥)، وكان لجده فيه ملكة قوية (٦)، مع ما أوتي

стр. 18

من طيب الصوت، وحسن الحديث، ومعرفة فنونه، ورشاقة عبارته، ولطف شمائله (١)، وتمثل سبطه ذلك تمام التمثيل. وخبر وقع كلامه في النفوس، فمما سمع من أقواله في مواعظه: «من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه * الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تذل الإنسان» (٢)، وسمعه مرة يقول على المنبر: «كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني» (٣). وسمعه مرة ينشد في مدح الإمام الشافعي: من أراد الهدى بقول ابن إدري س … هداه وأين كالشافعي وشفاء العي السؤال وأنى … بإمام سواه كشاف عي (٤) ولعل مديح جده هذا للإمام الشافعي أثار فضوله، فسأله ذات يوم: يا سيدي، لم وقع بعض المحدثين في أبي حنيفة، رحمة الله عليه؟ فأجابه جده: لأنه أخذ بالقياس. فبادره السبط بقوله: غيره من الأئمة قد أخذ بالقياس! فرد عليه الجد: ولكن هو أكثر قياسا منهم. فلم يقنع السبط بالجواب، ورد قائلا: هلا وقعوا في أولئك بقدر ما أخذوا من القياس؟ فسكت الشيخ أبو الفرج وكأنه انقطع عن الجواب (٥). ولا شك أنه كان مسرورا بما ظهر من بديهة سبطه في الحوار على حداثة سنه. * * * ومع حضور سبط ابن الجوزي مجالس جده، وما كان يسمعه من شيوخه من الحديث والحكايات، كانت ثقته بنفسه تترسخ، حتى إذا آنس فيها القدرة على أن يجلس كجده لوعظ الناس، وربما بتشجيع منه، عقد أول مجلس له سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م، وهو في نحو الخامسة عشرة، عند قبر الإمام أحمد ابن حنبل. ويبدو أن مجالسه التي تتالت بعد وجدت قبولا من

стр. 19

أهل بغداد، فوصفها على أسلوبه في السجع بقوله: «فكان يجتمع فيها خلق عظيم، ويهب على تلك المجالس من القبول نسيم، وتعرف فيها نضرة النعيم، ويصحبها كل بارد من الطيب وكل تكريم، وسلام قولا من رب رحيم» (١). وفي تلك السنة سمع من جده كتابه «الثبات عند الممات» (٢)، و «جزء ابن الغطريف»، وكان جده قد انفرد بروايته، وهو جزء مشهور بين المحدثين (٣). وربما في نحو تلك الأيام سمع منه «مشيخته» (٤). وفي مجلس من مجالس وعظه سمعه ينشد بيتين، تركا في قلبه أثرا لا يمحى، وكان جده قد ذكرهما من قبل في كتابه «التبصرة»، وهما: أهوى عليا وإيمان محبته … كم مشرك دمه من سيفه وكفا إن كنت ويحك لم تسمع فضائله … فاسمع مناقبه من «هل أتى» وكفى (٥) وفي تلك السنة كذلك ابتدأ سبط ابن الجوزي بسماع «مسند الإمام أحمد ابن حنبل» على شيخه عبد الله (٦) بن أحمد بن أبي المجد، بروايته له عن أبي القاسم بن الحصين (٧)، وبقراءة عز الدين محمد بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (٨)، وكان عز الدين أحسن الناس قراءة وأسرعها (٩). وكان يحضر معه مجالس السماع أخوه جمال الدين

стр. 20

عبد الله (١)، ولعل صلة سبط ابن الجوزي بهذين الأخوين هي التي قادته فيما بعد إلى صالحية دمشق حيث كان يقيم المقادسة (٢). ومع سماعه «المسند» لم يغفل سماع الشعر، فكان يلتقي الشاعر المهذب أبا الدر الرومي، الساكن في المدرسة النظامية، وكان من المتعاطفين مع محنة جده (٣)، فينشده من أشعاره (٤)، ويحدثه من أخباره (٥)، وكان لأبي الدر شهرة في ذلك العصر (٦). وكان شيخه عبد الوهاب بن علي بن علي الصوفي، المعروف بابن سكينة، صديقا لجده أبي الفرج، ملازما لمجالسه ويزوره، فسأله أبو الفرج ذات يوم بعد عودته من واسط أن يلبس ابنه محيي الدين يوسف خرقة التصوف، فألبسه إياها (٧)، وألبسها كذلك - ربما في اليوم نفسه لسبطه شمس الدين يوسف (٨). ولم تطل الحياة بالشيخ أبي الفرج ابن الجوزي بعد الإفراج عنه، فكان آخر مجالسه للوعظ يوم السبت ٧ رمضان سنة ٥٩٧ هـ/ ١١ حزيران ١٢٠١ م، وقد أنشد فيه أبياتا عذبة (٩)، لعله نظمها أيام حبسه في واسط (١٠)، قال فيها: الله أسأل أن يطول مدتي … وأنال بالإنعام ما في نيتي لي همة في العلم ما من مثلها … وهي التي جنت النحول هي التي خلقت من القلق العظيم إلى المنى … دعيت إلى نيل الكمال فلبت

стр. 21

كم كان لي من مجلس لو شبهت حالاته لتشبهت بالجنة فما إن نزل عن المنبر حتى أقعده مرض الشيخوخة، وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين في داره بقطفتا (١)؛ بالجانب الغربي من بغداد (٢)، وله نحو سبع وثمانين سنة (٣). ووقف سبطه في عزائه، يتكلم عن حياته ومناقبه، وعينه تفيض بالدمع على فراقه (٤). ولحبه ووفائه له أفرد من بعد ترجمة ضافية له في كتابه «مرآة الزمان» (٥). * * * ويبدو أن سبط ابن الجوزي قد أصاب منزلة في بغداد على صغر سنه، فحين توفيت زمرد خاتون - والدة الخليفة الناصر لدين الله في جمادى الأولى سنة ٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م، وكانت امرأة صالحة، كثيرة المعروف والصدقات - كان هو أحد المتكلمين في عزائها. وقد اتفق يوم وفاتها نزول الثلج، وزيادة دجلة زيادة عظيمة، فتكدر نهر عيسى، وتربتها قريبة منه، فأنشد أبياتا، منها: شابت ليوم وفاتها لمم الثرى … حزنا وجاد لها الندى ببهائه فلنهر عيسى بعد أنس وحشة … وبمائه كدر بعيد صفائه قامت قيامته فأضحى زائدا … ينمي وذلك مؤذن ببكائه

стр. 22

وخلع الخليفة بعد شهر من وفاتها على الأعيان، ومن لم يخلع عليه أعطاه مالا، ولا شك أن سبط ابن الجوزي قد أصاب يومذاك من خلع الخليفة أو ماله (١). بيد أن الحياة في بغداد لم تصف له بعد وفاة جده الأثير لديه، والحاني عليه. ولعل مما زاد من ضيقه ما كان يعصف بأسرة الشيخ أبي الفرج من مناكفات وعداوات بين خاليه: محيي الدين يوسف؛ صاحب الخلق الحميد، والبار بأبيه في حياته وبعد مماته (٢)، وخاله أبي القاسم علي؛ الشديد المناوأة لأبيه في حياته. وما كان أبو الفرج، وهو الواعظ الكبير، ليترك ابنه عليا على جهالاته، فكان لا يني يردد على مسامعه نصائحه، مرشدا له إلى نهج الصواب، وهل غير العلم والعمل به يفضي إليه؟ ولذلك ألف له كتابه «لفتة الكبد إلى نصيحة الولد»، راسما له طريق النجاة والرفعة في الدنيا والآخرة، ومؤملا ألا يخيب ظنه فيما رجاه منه، سائلا الله له أن يوفقه للعلم والعمل معا (٣). وأصم علي سمعه عن نصائح أبيه وإرشاداته، واستمر سادرا في غيه، يوالي من يعاديه (٤)، ثم صرح بعداوته له زمن حبسه بواسط، فأظهر مصنفاته، وباعها بثمن بخس بيع العبيد، ولم يكتف بذلك، بل صادق أعداءه (٥)، ولا سيما عبد السلام حفيد الشيخ عبد القادر، الذي كان سبب محنته (٦). وقد جمع بينهما عدم الورع (٧)؛ فهجره أبوه ساخطا عليه، ومات.

стр. 23

وهو غير راض عنه (١). فلم يشهد علي وفاته (٢)، وحين ذهبوا بجنازته إلى تحت تربة أم الخليفة مكان جلوسه، صلى عليه علي اتفاقا؛ لأن الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه (٣). وبعيد وفاة أبيه تمادى علي في استهتاره، وسولت له نفسه إفساد ابن أخته يوسف، فدعاه ذات يوم إلى زيارة صديقه عبد السلام، قائلا له: لي صديق يشتهي أن يراك، ولم يعرفه من هو، ولندع سبط ابن الجوزي يحدثنا عما رآه في زيارته تلك، قال: «فمشيت معه، فأدخلني إلى دار شممت من دهليزها رائحة الخمر، ودخلنا، فإذا الركن عبد السلام جالس، وعنده صبيان مردان، وهو في حالة قبيحة، فلم أقعد، فصاح خالي والركن، فلم ألتفت، فتبعني خالي، وقال: خجلتني من الرجل. فقلت له: لا جزاك الله خيرا. وأسمعته غليظ الكلام» (٤). هذه الحادثة وأمثالها ربما عززت لديه الرغبة في مغادرة بغداد، في رحلة لطلب العلم، وليمتحن قدرته في الوعظ فيما يمر به من بلاد، بعد أن نجح في الوعظ في بغداد. وما ندري هل كان والداه على قيد الحياة قبيل مغادرته بغداد؟ فسبط ابن الجوزي لم يعد يحدثنا عنهما أبدا، إلا تلك الإشارة اليتيمة إلى والده، حين روى عنه حادثة تتعلق بصاحب المخزن ونائب الوزارة ظهير الدين أبي بكر ابن العطار (٥)، وإلى والدته حين حدثته عما سمعته من جده أبي الفرج قبيل وفاته (٦). * * *

стр. 24

رحلته في طلب العلم من بغداد إلى دمشق - ١ - فما إن انقضت ثلاث سنوات على وفاة جده الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وقد بلغ التاسعة عشرة من عمره، حتى شرع في رحلته الأولى لطلب العلم، ولقاء الشيوخ. فخرج من بغداد في أول سنة ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٣ م (١)، تسبقه شهرة جده، متجها شمالا. فمر على أوانا؛ قرية بالدجيل، فزار رباط زاهدها الشيخ القدوة العارف محمد بن أبي المعالي بن قائد (٢)، وكان قد استشهد غيلة سنة ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م، فشاهد دمه بعد انقضاء تلك السنين، وهو ما يزال طريا، على جلد غزال كان يجلس عليه (٣). ثم اجتاز بدقوقا (٤)، وهي مدينة صغيرة بين بغداد وإربل (٥)، فالتقى خطيبها، وكان يقال له الحجة، فسمع منه الحديث، ثم عقد بها مجالس للوعظ. ولم يطل مقامه فيها، فتابع طريقه إلى إربل، واجتمع فيها بشيخ كيس ظريف يقال له محيي الدين الشاتاني، وكان حافظا للشعر، فأنشد له مقطعات مما يحفظ (٦). وسمع من أعيانها عن مآثر حاكمها مظفر الدين

стр. 25

كوكبري، وما ينفقه من أموال جزيلة على فك الأسارى والخانكات ودار المضيف، وغيرها من أبواب البر، وعلى إقامة المولد النبوي الشريف في كل عام، وكان له به احتفال كبير (١)، وكذلك عقد فيها مجالس للوعظ. ثم قدم الموصل، وأدرك بها جماعة من مشايخ الإسلام، وحملة من حديث المصطفى ﵇، منهم شيخها المحدث أبو طاهر أحمد بن عبد الله بن أحمد الطوسي، فسمع منه الأحاديث النقورية (٢)، وهي الأجزاء الحديثية التي تفرد بها مسند العراق أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد ابن النقور (المتوفى سنة ٤٧٠ هـ/ ١٠٧٨ م)، وأسانيدها من أعلى الأسانيد (٣). ومنهم أخوه خطيب الموصل أبو القاسم عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد الطوسي (٤)، ومما قرأ عليه كتاب «اعتلال القلوب» لأبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي (٥). وسمع كذلك من الشيخ أبي القاسم بن مسلم الصفار الموصلي (٦). وحدثه أبو بكر القديمي، وإسماعيل الشعار حكاية جرت لشيخهما الزاهد أبي أحمد الحداد مع صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي (المتوفى سنة ٥٧٦ هـ/ ١١٨٠ م) (٧). وعقد بها مجالس للوعظ، ويبدو أن شهرته سبقته إليها، فحصل له بها القبول التام، إذ كان الناس ينامون ليلة المجلس في الجامع من كثرة الزحام (٨).

стр. 26

ثم غادرها إلى حران، فسمع من شيوخها: يحيى بن أبي الفتح بن الطباخ الضرير (١)، وموفق الدين حمد بن أحمد الحراني، المعروف بابن صديق (٢)، وأبي محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي (٣)، وخطيبها البارع وواعظها فخر الدين محمد بن أبي القاسم الخضر ابن تيمية (٤)، وحضر خطبه في جامعها، وسمعه مرة ينشد يوم الجمعة بعد الصلاة على المنبر: أحبابنا قد نذرت مقلتي … ما تلتقي بالنوم أو نلتقي رفقا بقلب مغرم واعطفوا … على سقام الجسد المعرق كم تمطلوني بليالي اللقا … قد ذهب العمر ولم نلتق (٥) وكعادته في كل بلد ينزل فيه، عقد سبط ابن الجوزي بها مجالس للوعظ (٦). ويبدو أنه لم يجد ترحيبا من فخر الدين ابن تيمية، فكتب عنه في «مرآته»: «كان ضنينا بحران متى نبغ فيها أحد لا يزال وراءه حتى يخرجه منها، ويبعده عنها» (٧). ومن ثم شد الرحال إلى حلب (٨)، ضيفا على أتابكها شهاب الدين طغريل؛ عتيق صاحبها الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين. وكان شهاب الدين صالحا عفيفا، زاهدا عابدا. فأنزله في الخانقاه التي

стр. 27

بناها بظاهر حلب على باب الأربعين عند القناة، واحتفاء به كان يبيت دائما عنده (١). ومدة إقامته بحلب انتسجت صداقة بينه وبين أمير من كبار أمرائها، وهو سيف الدين علي بن سليمان بن جندر، وكان كثير الخير والصدقات الدارة، والبر الوافر، مع ميل إلى أهل العلم، وله الغزوات المشهورة، فصار الأمير يقوم على خدمته فيها (٢). وقد سمع سبط ابن الجوزي من مشايخها، منهم كبير الحنفية (٣) افتخار الدين عبد المطلب بن الفضل الهاشمي البلخي، وله شرح على «الجامع الكبير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني (٤)، وكان يدرس بالمدرسة النورية الحلاوية (٥)، فسمع منه «شمائل النبي ﷺ » (٦)، وسمع «أسباب النزول» من شيخها عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان ابن الأستاذ (٧) - ٢ - ثم يمم وجهه شطر دمشق، فنزل بصالحيتها في سفح جبل قاسيون عند المقادسة (٨)، وكان له بهم معرفة وأنس، فقد تعرف إلى بعضهم في رباط الشيخ محمود بن عثمان النعال في بغداد (٩). وله صحبة مع عز الدين محمد، وجمال الدين عبد الله ابني الحافظ عبد الغني المقدسي، أيام

стр. 28

سماعه «مسند الإمام أحمد ابن حنبل» (١). وقد راقته صحبة شيخ المقادسة وكبيرهم أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة، وأخيه الموفق عبد الله، ونسيبهما العماد إبراهيم (٢). وكان أبو عمر وقتذاك في الثانية والسبعين من عمره، صبيح الوجه، كث اللحية، نحيفا، أبيض أزرق العينين (٣). وكان قد حضر فيما مضى غزوات صلاح الدين يوسف بن أيوب ضد الصليبيين، هو وأخوه الموفق، وشهدا معركة حطين، وفتح بيت المقدس (٤)، ثم آثر أبو عمر الاشتغال بالعبادة عن الرواية (٥). في تلك الأيام كان منهمكا في إتمام بناء جامع الحنابلة بجبل قاسيون الذي شرع فيه قبل سنتين. وقد أعانه عليه من ماله أبو داود محاسن، وهو رجل فامي من قاسيون (٦)؛ يبيع الفواكه المجففة (٧)، فوضع أساسه، وأنفق عليه ما كان يملكه حتى بلغ قامة. ثم بلغ مظفر الدين بن زين الدين - صاحب إربل - تعذر إكماله، فبعث إلى أبي عمر مالا فتممه، ووقف عليه وقفا (٨). وأعجب سبط ابن الجوزي بحال أبي عمر ومقاله أيما إعجاب، فوصفه لنا فيما بعد أبدع وصف، متتبعا حركاته وسكناته على مدار أيامه، فقال: «كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مبتسما، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام. وكان يصوم الدهر إلا من

стр. 29

عذر، ويقوم الليل من صغره، وما كان يفطر إلا في يوم عيد، ويحافظ على الصلوات الخمس في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل الأخير إلى المسجد في الظلمة، فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعا من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس ويس والواقعة وتبارك و ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين. وإذا ارتفعت الشمس لفن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي الضحى ثماني ركعات، ويقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ألف مرة. ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الإثنين والخميس إلى مغارة الدم ماشيا بالقبقاب، فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر. وإذا نزل جمع الشيخ من الجبل، وربطه بحبل، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى. ويحمل في الليل إليهم الدراهم والدقيق ولا يعرفونه. ولا ينام إلا على طهارة، ومتى فتح له بشيء من الدنيا آثر به أقاربه وغيرهم. ويتصدق بثيابه، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جبة بغير ثوب. ويبقى مدة طويلة بغير سراويل، وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير يحتاج إلى كفن، قطع له منها قطعة. وكان ينام على الحصير، ويأكل خبز الشعير، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه. وما نهر أحدا، ولا أوجع قلب أحد، وكان يقول: أنا زاهد، ولكن في الحرام» (١). وما كان يرد أحدا في شفاعة إلى من كان، ولجلالة منزلته لم تكن ترد شفاعته. وقد حضره مرة سبط ابن الجوزي في بدايات تعرفه إليه، وهو يكتب ورقة إلى الملك المعظم عيسى بن العادل، فكتب فيها: إلى الولد الملك المعظم. فقال له: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله تعالى! فتبسم أبو عمر، ورمى له الورقة، وقال له: تأملها؛ وإذا به

стр. 30

لما كتب المعظم كسر الظاء، فصار المعظم، وقال: «لا بد أن يكون يوما عظم الله تعالى». فعقب سبط ابن الجوزي على ما رأى بقوله: «فتعجبت من ورعه، وتحفظه في منطقه عن مثل هذا» (١). * * * وأما أخوه الموفق عبد الله بن أحمد ابن قدامة، فكان في التاسعة والخمسين؛ أبيض، مشرق الوجه، كأن النور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللحية، نحيف الجسم (٢)، وهو صاحب «المغني»، ذلك الكتاب الجليل في فقه الحنابلة، الذي شرح فيه مختصر أبي القاسم الخرقي، وشحنه بالأدلة من الكتاب والسنة. وكان الموفق قد سمع في رحلته إلى بغداد مع الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي من جد السبط أبي الفرج ابن الجوزي (٣). وكان معجبا بوعظه، ويقر بإمامته فيه، إلا أنه لم يرتض تصانيفه في السنة، ولا طريقته فيها، وكان يقول: «كانت تنفلت منه في بعض الأوقات كلمات تنكر عليه في السنة، فيستفتى فيها، ويضيق صدره من أجلها» (٤). ولا شك أن هذه الصلة القديمة مع أبي الفرج قوت ما بين سبطه والموفق، وزادها متانة ما وجده السبط عند الموفق من علوم وفنون وورع، حتى قال فيه: «كان إماما في التفسير والفقه والحديث والفنون، ولم يكن في زمانه مثله - بعد أخيه أبي عمر والعماد - أزهد منه ولا أورع منه. وكان كثير الحياء، عزوفا عن الدنيا وأهلها، هينا لينا متواضعا، محبا للمساكين. حسن الأخلاق، جوادا سخيا. من رآه كأنما رأى بعض الصحابة، كأن النور يخرج من وجهه. كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سبعا من القرآن، ولا يصلي ركعتي السنة في الغالب إلا في بيته اتباعا للسنة» (٥)

стр. 31

وقد لازمه سبط ابن الجوزي، وقرأ عليه الفقه (١)، و «كتاب التوابين»، و «الاعتقاد»، وغيرهما من مصنفاته (٢). وثالثهم جوهرة العصر (٣)، العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور؛ أخو الحافظ عبد الغني المقدسي. وكان في السابعة والخمسين. وكما يصفه لنا سبط ابن الجوزي: «كان معتدل القامة، شعره إلى أذنيه، مليح الوجه، بساما، عابدا، مجتهدا، لا يدخر من الدنيا شيئا، حسن الصلاة، كثير السجود والدعاء، يقرئ القرآن والفقه دائما في الحلقة بجامع دمشق، ويجتمع إليه الطلبة كل ليلة بعد العشاء الآخرة، فيحملهم إلى بيته، ويحضر لهم من الطعام ما تيسر. وما تعرف إلى أحد من أبناء الدنيا قط لا إلى سلطان ولا غيره. ولا تحرك حركة، ولا مشى خطوة، ولا تكلم كلمة إلا الله تعالى. وكان يتعبد بالإخلاص. ولقد رأيته مرارا في الحلقة بجامع دمشق، والخطيب يوم الجمعة على المنبر، فيقوم عماد الدين، ويأخذ الإبريق، ويضع بلبلته في فيه على رؤوس الأشهاد، يوهم الناس أنه يشرب، وهو صائم» (٤). * * *

стр. 32

وفي دمشق يلتقي سبط ابن الجوزي الشيخ الزاهد عبد الله بن عثمان بن جعفر (١) اليونيني، أسد الشام (٢). كان شيخا طويلا مهيبا، أمارا بالمعروف، لا يهاب الملوك، حاضر القلب، دائم الذكر، بعيد الصيت (٣). وكانت إقامته ببعلبك، وله فيها زاوية (٤). وفي الشتاء يأتي إلى عيون الفاسريا؛ ظاهر دمشق بسفح الجبل المطل على دومة، لسخونة الماء بها. وله مسجد صغير على رأس العين يأوي إليه، وكان الدماشقة يخرجون إلى زيارته (٥). ولسبط ابن الجوزي تعلق بأرباب القلوب والأولياء، حتى المولهين منهم (٦)، ويعرف أن طريقتهم غير طريقة الفقهاء والعلماء، وليس على مثل أحوالهم جناح، إذ طالما نجي من بحار الهلاك الغرقى، وأغرق السياح، على حد تعبيره (٧). ولذلك لما سمع سبط ابن الجوزي عن كراماته (٨)، صحبه (٩)، ثم صار يزوره في زاويته ببعلبك (١٠). وترك لنا وصفا حيا له بقوله: «كان صاحب رياضات ومجاهدات، وكرامات وإشارات، لم يقم لأحد من الناس تعظيما الله تعالى، ويقول: لا ينبغي القيام لغير الله. وما كان يدخر شيئا، ولا يمس دينارا ولا درهما، وكان زاهدا ورعا عفيفا، وما لبس طول عمره سوى الثوب الخام، وقلنسوة من جلد الغنم تساوي نصف درهم (١١)». والشيخ عبد الله - على زهده وورعه - لم يكن حبيس زاويته، بل كان

стр. 33

يصدع بالحق (١)، ويشهد الغزوات لقتال الصليبيين، ويثخن فيهم (٢)، وأوتي شجاعة في قتالهم على قوة فيه، فكان لا يبالي بالرجال قلوا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلا، وما فاتته غزاة بالشام، وكان يتمنى الشهادة، ويلقي نفسه في المهالك (٣)، ولشجاعته لقب بأسد الشام (٤). وفي زورة من زياراته للشيخ عبد الله في زاويته ببعلبك تعرف سبط ابن الجوزي إلى أميرها الشاعر الملك الأمجد بهرام بن فرخشاه بن أيوب، فأنشده قصائد من شعره، وانعقدت بينهما صداقة ومحبة على مدى الأيام، حتى إن سبط ابن الجوزي كان إذا صعد جبل لبنان للزيارة يجتاز ببعلبك، فيخف إليه الملك الأمجد، ويخدمه، ويحسن إليه (٥) * * * ويختلف سبط ابن الجوزي في دمشق إلى حلقة شيخها العلامة المفتي، شيخ الحنفية، وشيخ العربية، وشيخ القراءات، ومسند الشام (٦)، تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وكان إذ ذاك شيخا جليلا في الثمانين من عمره، وإليه انتهى علم القراءات والروايات، وعلم النحو واللغة في عصره (٧). حتى وصف بأوحد العصر، وفريد الدهر رواية ودراية بأنواع علم الأدب، وجمع أصول الكتب (٨). ويلتقي مع جده أبي الفرج في بعض شيوخه (٩). وكان الكندي (١٠) يعقد مجلسه للقراءة عليه في داره بجرون درب العجم، وكم ازدحم في ذلك الدرب من شيوخ العلم وطلابه، وأولاد

стр. 34

الملوك وخدمته (١)، فقرأ عليه سبط ابن الجوزي من جملة ما قرأ كتاب «الصحاح» للجوهري، و «ديوان المتنبي»، و «ديوان الحماسة» لأبي تمام (٢)، و «الإيضاح» لأبي علي الفارسي، و «المعرب» لابن الجواليقي (٣)، و «الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان» لابن أبي الدنيا (٤)، وكان وهو الواعظ - يستحسن هذا الكتاب (٥). وقد وصف سبط ابن الجوزي شيخه الكندي بقوله: «كان طيب الخلق، ظريفا، لا يسأم الإنسان من مجالسته، وله النوادر العجيبة» (٦). وفي دار تاج الدين يتعرف سبط ابن الجوزي إلى رئيس دمشق عز الدين مظفر بن المجد ابن القلانسي؛ حفيد مؤرخها أبي يعلى حمزة بن أسد ابن القلانسي، صاحب كتاب «ذيل تاريخ دمشق»، وكان كيسا متواضعا (٧). وتعرف فيها كذلك إلى شبل الدولة كافور بن عبد الله؛ خادم ست الشام؛ أخت السلطان صلاح الدين (٨). وممن كان يختلف إلى تاج الدين الكندي للقراءة عليه الملك المحسن أحمد بن السلطان صلاح الدين بن أيوب، فحمل ابن عمه الملك المعظم عيسى بن العادل على ملازمته (٩)، فكان المعظم يمشي من القلعة راجلا إلى

стр. 35

دار تاج الدين، والكتاب تحت إبطه، وأكثر ما يقرأ عليه «كتاب سيبويه» نصا وشرحا، و «الإيضاح» (١). ولم يقدر لسبط ابن الجوزي في تلك الأيام أن يضمه مجلس مع المعظم في دار تاج الدين (٢). وكذلك لم يقدر له الاجتماع بالحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي؛ والد صديقه عز الدين محمد (٣) في دمشق، فقد كان مقيما وقتئذ في مصر، وتوفي فيها يوم الإثنين ٢٣ ربيع الأول سنة ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٣ م، ودفن بالقرافة عند الشيخ أبي عمرو بن مرزوق. وقد سمع بعض أخباره من شيخه تاج الدين الكندي، وذكر له أنه أعلم من الدارقطني والحافظ أبي موسى (٤). ومما يذكره سبط ابن الجوزي عنه أن الحافظ عبد الغني حضر عند جده أبي الفرج في بغداد، فتذاكرا، فذكر أبو الفرج رجلا اسمه ويزرة، فقال الحافظ مصححا: وريزة (٥). ويعني به وريزة بن محمد الغساني (٦)، فيسلم له أبو الفرج بالصواب، قائلا: «أنتم أعلم بأهل بلادكم» (٧). * * * ويسعى سبط ابن الجوزي للسماع من قاضي دمشق الزاهد العابد (٨)، مسند الشام (٩)، الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني، وهو من لدات العلامة أبي اليمن الكندي، ومسكنه بالحويرة.

стр. 36

قبلي جامع دمشق (١). وكان مواظبا على الصلوات في الجماعات على كبر سنه (٢)، ينزل من بيته في سلم طويل، فيصلي (٣) في الصف الأول بمقصورة الخضر بجامع دمشق، قبالة محرابها دائما، وهنالك كان يقرأ عليه الكتب المسموعة، ويجتمع إليه خلق عظيم، مع حسن سمته، وسكونه وهيبته (٤). وفي تلك المقصورة سمع منه سبط ابن الجوزي أجزاء حديثية (٥) من روايته عن شيخه جمال الإسلام علي بن المسلم الدمشقي، المعروف بابن الشهرزوري (٦). وحصل الأسانيد العالية من مسنديها: الشيخ المعمر أبي البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب (٧)، والشيخ أبي القاسم شمس الدين الحسين بن هبة الله بن محفوظ ابن صصرى (٨)، وكان له روايات كثيرة (٩). وسمع كذلك من شهاب الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي (١٠)، ومن ست الكتبة نعمة بنت علي بن يحيى ابن الطراح، وكانت صالحة زاهدة عابدة (١١)، ومن خلق كثير سواهم لم يسمهم لنا (١٢). وأجاز له زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر؛ أخو شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر (١٣). * * *

стр. 37

ومع صحبة سبط ابن الجوزي لزهاد دمشق وعلمائها، لم يتوان عن صحبة أهل الدنيا، فنراه يزور صفي الدين عبد الله بن علي ابن شكر؛ وزير الملك العادل أبي بكر بن أيوب، في قاعته بدرب الشعارين (١)، وكان مهيبا عالما فاضلا، له معرفة بقوانين الوزارة (٢) ويلتقي هناك شهاب الدين بن البانياسي، وكان على ديوان جامع دمشق. ويستغل سبط ابن الجوزي انشغال الوزير بالحديث مع زواره، فيتذاكر مع شهاب الدين أخبار السلطان نور الدين محمود بن زنكي (٣). وكان مغرى بسيرته، شغوفا بجمع محاسنها؛ لأنها كما يقول «تحث الطالب على نيل المطالب، وتعدل بهمة الراغب على تحصيل الرغائب» (٤). ولربما في تلك القاعة يتعرف سبط ابن الجوزي إلى أحد عدول دمشق وأعيانها، وهو نجم الدين الحسن بن سالم بن سلام، فتنتسج بينهما صحبة وصداقة (٥). وكان نجم الدين - كما وصفه - «ذا مروءة، جوادا، سمحا، كريم الأخلاق، حسن العشرة، يحب الصالحين، ويزورهم ويبرهم، وله في رمضان ضيافة لا يمنع منها أحدا» (٦). وكان أبوه قد عاصر السلطان نور الدين، فراح سبط ابن الجوزي من بعد يستزيده من أخباره مما سمعه من والده (٧) وممن تعرف إليهم كذلك شحنة دمشق إبراهيم بن موسى المبارز المعتمد، وكان لطيفا بالرعية، حسن السياسة، وله مواقف مشكورة في حفظ دمشق من الموبقات والجرائم، وتنعقد بينهما صداقة تزداد مع الأيام رسوخا (٨)

стр. 38

ويجتمع سبط ابن الجوزي بتاج الدين عبد الله بن شيخ الشيوخ عمر ابن حموية، وكان عائدا إلى دمشق من مراكش في المغرب بعد إقامته فيها نحو سبع سنين، في كنف سلطان الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن. وكان تاج الدين مفننا في العلوم؛ الهندسة والطب، عارفا بالتواريخ، وله أشعار جيدة. ومما أنشده لسبط ابن الجوزي، قوله: لم ألق مستكبرا إلا تحول لي … عند اللقاء له الكبر الذي فيه ولا حلا لي من الدنيا ولذتها … إلا مقابلتي للتيه بالتيه وسيثمر اجتماعهما مودة وصحبة تستمر العمر كله (١). -٣ - وكعادته في كل بلد ينزل فيه، يعقد سبط ابن الجوزي بدمشق مجالس للوعظ في جامعها، وجامع الحنابلة بالصالحية (٢)، واختار لها يوم السبت من كل أسبوع (٣)، وهو اليوم الذي كان جده يعقد فيه مجالس وعظه (٤). وقد جمع الله له حسن الصورة، وطيب الصوت، وظرافة الشمائل في الإيراد والجوابات، واللباس وسائر الحركات؛ فكان يزدحم في مجلسه ما لا يحصى من الخلق رجالا ونساء - والنساء بمعزل عن الرجال في الجامعين. وكان لا يفارق أحد مجلسه إذا انفض إلا وشوقه مستمر إلى عودته في الأسبوع الآخر (٥)، فغدت مجالسه مثل غدوات الجنة، على حد تعبيره (٦).

стр. 39

وكان يحضرها من كبار شيوخ المقادسة: الشيخ أبو عمر (١)، وأخوه الموفق عبد الله (٢)، والعماد إبراهيم (٣). وكان سبط ابن الجوزي يورد فيها من كلام جده أبي الفرج وخطبه ما يتضمن إمرار آيات صفات الباري ، وما جاء في الأحاديث الصحاح من ذلك على ما ورد من غير ميل إلى تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل، وهو ما يختاره علماء الحنابلة (٤). ولذلك كان الموفق عبد الله يفرح به، ويقول له: «قد أحيا الله بك السنة، وقمع البدعة» (٥). ويقول له العماد إبراهيم، وكان يحب مجالسه، ولا ينقطع عنها إلا من عذر: صلاح الدين يوسف فتح الساحل وأظهر الإسلام، وأنت يوسف أحييت السنة بالشام (٦). ويحضر مجالسه كذلك شيخه أبو اليمن الكندي، ويقول له متبسما: «أنا قد صرت من زبون المجلس» (٧). ومن أجوبته اللطيفة عن الأسئلة التي كان يسألها في مجالس وعظه، قوله مرة وقد سئل عن قوله: «أنا سيد ولد آدم» (٨). وقوله: «لا تفضلوني على يونس بن متى» (٩). فأجاب: «لأن يونس كان أضعف الأنبياء حالا؛ لأنه ذهب مغاضبا إلى قومه، فخاف من عتبه ولومه». ولما قال نبينا: «أنا سيد ولد آدم». قيل: بلغت أعلى المراتب، وإن كان العهد قد تقادم، فتواضع وإن كنت سيد العالم، واجبر قلب ذلك الضعيف المنكسر - الذي لولا لطف الله به لصيف في بطن الحوت وشتى - بقولك:

стр. 40

«لا تفضلوني على يونس بن متى» (١). * * * وفي أثناء مقامه بدمشق عنت له زيارة بيت المقدس (٢)، فدخل المسجد الأقصى، وقرأ على قبة الصخرة مقابل الداخل من بابها القبلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، بنى هذه القبة عبد الله: عبد الملك أمير المؤمنين سنة اثنتين وسبعين» (٣). ورأى في حائط سور بيت المقدس الشرقي قبرا، وعليه مكتوب اسم الصحابي شداد بن أوس الأنصاري ﵁ (٤)، وكان نزل بيت المقدس، وتوفي فيه (٥). ثم زار سبط ابن الجوزي قبر الخليل ﵇. وعقد في بيت المقدس مجالس للوعظ، ذكر فيها فضائله. ثم عاد منه إلى قاسيون (٦)، وقد استروح إلى المقام فيه (٧) في صحبة عباده وزهاده، ومنهم: الشيخ الصالح يعقوب الخياط؛ الساكن في مغارة الجوع، فكان سبط ابن الجوزي يزوره فيها، ويسمع منه العجائب عنها، ومما حكاه له أنه يرى فيها الرجال في الليل، وأن باب المغارة يفتح ويخرج منه أشخاص عجيبة، على حد تعبيره (٨). ويتملى من نعيم الصحبة مع شيخ المقادسة أبي عمر وأخيه الموفق، والعماد إبراهيم، وقد شاهد من أحوالهم في الزهد في الدنيا، والورع والفضل والتواضع ما يروى عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساه حالهم أهله ووطنه (٩).
следующие страницы →