← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قبلي جامع دمشق (١). وكان مواظبا على الصلوات في الجماعات على كبر سنه (٢)، ينزل من بيته في سلم طويل، فيصلي (٣) في الصف الأول بمقصورة الخضر بجامع دمشق، قبالة محرابها دائما، وهنالك كان يقرأ عليه الكتب المسموعة، ويجتمع إليه خلق عظيم، مع حسن سمته، وسكونه وهيبته (٤). وفي تلك المقصورة سمع منه سبط ابن الجوزي أجزاء حديثية (٥) من روايته عن شيخه جمال الإسلام علي بن المسلم الدمشقي، المعروف بابن الشهرزوري (٦). وحصل الأسانيد العالية من مسنديها: الشيخ المعمر أبي البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب (٧)، والشيخ أبي القاسم شمس الدين الحسين بن هبة الله بن محفوظ ابن صصرى (٨)، وكان له روايات كثيرة (٩). وسمع كذلك من شهاب الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي (١٠)، ومن ست الكتبة نعمة بنت علي بن يحيى ابن الطراح، وكانت صالحة زاهدة عابدة (١١)، ومن خلق كثير سواهم لم يسمهم لنا (١٢). وأجاز له زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر؛ أخو شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر (١٣). * * *

стр. 37

ومع صحبة سبط ابن الجوزي لزهاد دمشق وعلمائها، لم يتوان عن صحبة أهل الدنيا، فنراه يزور صفي الدين عبد الله بن علي ابن شكر؛ وزير الملك العادل أبي بكر بن أيوب، في قاعته بدرب الشعارين (١)، وكان مهيبا عالما فاضلا، له معرفة بقوانين الوزارة (٢) ويلتقي هناك شهاب الدين بن البانياسي، وكان على ديوان جامع دمشق. ويستغل سبط ابن الجوزي انشغال الوزير بالحديث مع زواره، فيتذاكر مع شهاب الدين أخبار السلطان نور الدين محمود بن زنكي (٣). وكان مغرى بسيرته، شغوفا بجمع محاسنها؛ لأنها كما يقول «تحث الطالب على نيل المطالب، وتعدل بهمة الراغب على تحصيل الرغائب» (٤). ولربما في تلك القاعة يتعرف سبط ابن الجوزي إلى أحد عدول دمشق وأعيانها، وهو نجم الدين الحسن بن سالم بن سلام، فتنتسج بينهما صحبة وصداقة (٥). وكان نجم الدين - كما وصفه - «ذا مروءة، جوادا، سمحا، كريم الأخلاق، حسن العشرة، يحب الصالحين، ويزورهم ويبرهم، وله في رمضان ضيافة لا يمنع منها أحدا» (٦). وكان أبوه قد عاصر السلطان نور الدين، فراح سبط ابن الجوزي من بعد يستزيده من أخباره مما سمعه من والده (٧) وممن تعرف إليهم كذلك شحنة دمشق إبراهيم بن موسى المبارز المعتمد، وكان لطيفا بالرعية، حسن السياسة، وله مواقف مشكورة في حفظ دمشق من الموبقات والجرائم، وتنعقد بينهما صداقة تزداد مع الأيام رسوخا (٨)

стр. 38

ويجتمع سبط ابن الجوزي بتاج الدين عبد الله بن شيخ الشيوخ عمر ابن حموية، وكان عائدا إلى دمشق من مراكش في المغرب بعد إقامته فيها نحو سبع سنين، في كنف سلطان الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن. وكان تاج الدين مفننا في العلوم؛ الهندسة والطب، عارفا بالتواريخ، وله أشعار جيدة. ومما أنشده لسبط ابن الجوزي، قوله: لم ألق مستكبرا إلا تحول لي … عند اللقاء له الكبر الذي فيه ولا حلا لي من الدنيا ولذتها … إلا مقابلتي للتيه بالتيه وسيثمر اجتماعهما مودة وصحبة تستمر العمر كله (١). -٣ - وكعادته في كل بلد ينزل فيه، يعقد سبط ابن الجوزي بدمشق مجالس للوعظ في جامعها، وجامع الحنابلة بالصالحية (٢)، واختار لها يوم السبت من كل أسبوع (٣)، وهو اليوم الذي كان جده يعقد فيه مجالس وعظه (٤). وقد جمع الله له حسن الصورة، وطيب الصوت، وظرافة الشمائل في الإيراد والجوابات، واللباس وسائر الحركات؛ فكان يزدحم في مجلسه ما لا يحصى من الخلق رجالا ونساء - والنساء بمعزل عن الرجال في الجامعين. وكان لا يفارق أحد مجلسه إذا انفض إلا وشوقه مستمر إلى عودته في الأسبوع الآخر (٥)، فغدت مجالسه مثل غدوات الجنة، على حد تعبيره (٦).

стр. 39

وكان يحضرها من كبار شيوخ المقادسة: الشيخ أبو عمر (١)، وأخوه الموفق عبد الله (٢)، والعماد إبراهيم (٣). وكان سبط ابن الجوزي يورد فيها من كلام جده أبي الفرج وخطبه ما يتضمن إمرار آيات صفات الباري ، وما جاء في الأحاديث الصحاح من ذلك على ما ورد من غير ميل إلى تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل، وهو ما يختاره علماء الحنابلة (٤). ولذلك كان الموفق عبد الله يفرح به، ويقول له: «قد أحيا الله بك السنة، وقمع البدعة» (٥). ويقول له العماد إبراهيم، وكان يحب مجالسه، ولا ينقطع عنها إلا من عذر: صلاح الدين يوسف فتح الساحل وأظهر الإسلام، وأنت يوسف أحييت السنة بالشام (٦). ويحضر مجالسه كذلك شيخه أبو اليمن الكندي، ويقول له متبسما: «أنا قد صرت من زبون المجلس» (٧). ومن أجوبته اللطيفة عن الأسئلة التي كان يسألها في مجالس وعظه، قوله مرة وقد سئل عن قوله: «أنا سيد ولد آدم» (٨). وقوله: «لا تفضلوني على يونس بن متى» (٩). فأجاب: «لأن يونس كان أضعف الأنبياء حالا؛ لأنه ذهب مغاضبا إلى قومه، فخاف من عتبه ولومه». ولما قال نبينا: «أنا سيد ولد آدم». قيل: بلغت أعلى المراتب، وإن كان العهد قد تقادم، فتواضع وإن كنت سيد العالم، واجبر قلب ذلك الضعيف المنكسر - الذي لولا لطف الله به لصيف في بطن الحوت وشتى - بقولك:

стр. 40

«لا تفضلوني على يونس بن متى» (١). * * * وفي أثناء مقامه بدمشق عنت له زيارة بيت المقدس (٢)، فدخل المسجد الأقصى، وقرأ على قبة الصخرة مقابل الداخل من بابها القبلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، بنى هذه القبة عبد الله: عبد الملك أمير المؤمنين سنة اثنتين وسبعين» (٣). ورأى في حائط سور بيت المقدس الشرقي قبرا، وعليه مكتوب اسم الصحابي شداد بن أوس الأنصاري ﵁ (٤)، وكان نزل بيت المقدس، وتوفي فيه (٥). ثم زار سبط ابن الجوزي قبر الخليل ﵇. وعقد في بيت المقدس مجالس للوعظ، ذكر فيها فضائله. ثم عاد منه إلى قاسيون (٦)، وقد استروح إلى المقام فيه (٧) في صحبة عباده وزهاده، ومنهم: الشيخ الصالح يعقوب الخياط؛ الساكن في مغارة الجوع، فكان سبط ابن الجوزي يزوره فيها، ويسمع منه العجائب عنها، ومما حكاه له أنه يرى فيها الرجال في الليل، وأن باب المغارة يفتح ويخرج منه أشخاص عجيبة، على حد تعبيره (٨). ويتملى من نعيم الصحبة مع شيخ المقادسة أبي عمر وأخيه الموفق، والعماد إبراهيم، وقد شاهد من أحوالهم في الزهد في الدنيا، والورع والفضل والتواضع ما يروى عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساه حالهم أهله ووطنه (٩).

стр. 41

وتطول إقامته بدمشق حتى أواخر سنة ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٧ م (١) حين يعزم أخيرا على العود إلى بغداد عن طريق حلب (٢). فيعقد بجامع الحنابلة في الصالحية آخر مجالسه للوعظ، مودعا فيه محبيه، وقد وصف لنا بقلمه مجلسه ذاك بقوله: «وجلست بقاسيون، وودعت الناس، فلم يتخلف بدمشق إلا اليسير، وامتلأ جامع الجبل بالناس، فصاحوا علينا من الشبابيك التي بالإيوان: لا، لا؛ يعني: قوموا، فاخرجوا. فخرجنا إلى المصلى. وكان شيخنا تاج الدين الكندي حاضرا، فلما خرج من الباب زحموه، فانكشف رأسه، ووقعت عمامته، فعز علي، وسألته، وأقسمت عليه أن يمضي إلى دمشق، فامتنع، وقال: لا والله حتى نتمم المجلس. وتاب في ذلك اليوم زيادة على خمس مئة شاب، وقطعوا شعورهم (٣). وجرى كلام في المغناطيس، وأنه يعشق الحديد، ثم قلت: والخبازى يعشق الشمس، ولهذا كلما مالت الشمس إلى جهة مال الخبازى إليها. فصاح سيف الدين محمد بن تميرك؛ أمير الحاج، وكان حاضرا: يا مولاي شمس الدين، كلنا اليوم خبازى» (٤). * * * وعقب انفضاض ذلك المجلس الحافل، يغادر سبط ابن الجوزي دمشق، ويصل إلى حلب أوائل شهر ذي الحجة سنة ٦٠٣ هـ/ تموز.

стр. 42

١٢٠٧ م (١)، وينزل بظاهرها في خانقاه صديقه الأتابك شهاب الدين طغريل (٢). وفي حلب يجتمع بالشاعر الغزل الرقيق تاج الدين مسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي، وينشده مقطعات من شعره، ويكتبها له بخطه، وما أنشده منها: مالي سوى حبكم مذهب … ولا إلى غيركم مذهب بددتم شملي فيا هل ترى … يجمعني يوما بكم مذهب (٣) ويضمن سبط ابن الجوزي من بعد بعض أشعاره في كتابه «مرآة الزمان» (٤)، ولولاه لضاعت عنا أخباره، إذ لم يلتفت إليه غيره من المؤرخين، ولعل السبب في ذلك أن من رآه من معاصريه كان ينسبه إلى البلاهة وعدم الذكاء والفقاهة، إلا أنه - كما وصفه - «كان باطنه كالزناد الوقاد، وظاهره كالجليد والجماد .. فإذا أنشد تساقط من ألفاظه مثل الجمان، وليس الخبر كالعيان» (٥). ويلم بمجلس شيخه افتخار الدين عبد المطلب بن الفضل، ويسمع منه للمرة الثانية «شمائل النبي ﷺ » (٦).

стр. 43

ويجتمع سبط ابن الجوزي في حلب بعلي ابن عريف النحاسين، المعروف بابن النحاس الدمشقي (١)، وكان قد حضر حصار الصليبيين لعيا سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م؛ أي: قبل نحو ثماني عشرة سنة، يوم ألقت أوربة أفلاذ كبدها لاسترداد بيت المقدس من المسلمين بعد موقعة حطين، فأتى من عساكرها عبر البحار إلى عكا ما لا قبل لصلاح الدين به، فأحاطوا بها (٢). وفي أثناء حصارهم لها صنع الصليبيون ثلاثة أبراج من خشب، وألبسوها جلود البقر المسقاة بالخل والخمر لئلا تعمل فيها النار. وطموا خندق عكا، وسحبوا الأبراج على العجل إلى السور، فأقبلت أمثال الجبال، فأشرفت على البلد، وفي كل برج خمس مئة مقاتل. فأيس المسلمون من عكا، وقد حيل بينهم وبين السلطان صلاح الدين. وركب السلطان والعساكر، واجتهدوا في الوصول إلى البلد، فلم يقدروا. ورمى الزراقون في عكا الأبراج بالنفط، فلم يحترق منها شيء. وكان ابن النحاس، هذا الشاب الدمشقي، في عكا مع المحاصرين، ولم يكن من الجند، وكان عارفا بالنفط والحريق، فهيأ ثلاث قدور، حتى إذا كان صبيحة يوم الجمعة ٢٠ ربيع الأول من سنة ٥٨٦ هـ/ ٢٧ نيسان ١١٩٠ م (٣)، قال للأمير بهاء الدين قراقوش (٤)؛ نائب السلطان صلاح الدين

стр. 44

في عكا (١): انصب لي منجنيقا. فانتهره، وقال له: قد عجز الصناع عن ذلك، فمن أنت؟ فقال: قد عملت قدورا الله تعالى، وما أريد منكم شيئا، وما يضركم أن أرمي بها في سبيل الله، فإن نفعت، وإلا فاحسبني واحدا منهم. فقال قراقوش: ما يضرنا ذلك. ثم نصب له المنجنيق، فرمى واحدة في برج، فاحترق بمن فيه، ثم فعل ذلك بالثاني والثالث، فكبر المسلمون، وسمع السلطان صلاح الدين، فكبر والعساكر، وفرح قراقوش والأمراء، وطموه بالخلع والأموال، فلم يأخذ منها شيئا، وقال: أنا فعلت هذا الله تعالى (٢). ويقص ابن النحاس ما جرى معه في ذلك اليوم العصيب على سبط ابن الجوزي، وكان يحضر مجالس وعظه. وفي مجلس من تلك المجالس طاب قلبه لعذوبة ما يسمع منه، فقال للناس: «اشهدوا أن نصف ثوابي في حريق الأبراج لفلان»؛ وأشار إلى سبط ابن الجوزي (٣). وكان سبط ابن الجوزي ينحو باللائمة على السلطان صلاح الدين في سقوط عكا؛ وذلك لسماحه للصليبيين بعد فتحه القدس بالمسير إلى صور، فإنه ضيع الحزم بذلك كما يقول «ولم ينظر في عواقب الأمور، فإن اجتماعهم بصور كان سببا لأخذهم البلاد، وقتلهم من قتلوا بعضا من أجناد الإسلام والأعيان، وقد كان الواجب عرضهم على الإسلام، فإن أبوا فالسيف، وهو أصدق إنباء من الكتب، وأنى وكيف» (٤) * * * ولم يطل مقام سبط ابن الجوزي بحلب، فيفارقها متجها إلى الموصل، وتضمه فيها مجالس مع عمر بن صافي، ويسمع منه بعض

стр. 45

الأشعار ومناسباتها (١). ويجتمع بأبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد ابن الأثير (٢)؛ أخي المؤرخ المشهور عز الدين علي ابن الأثير؛ صاحب كتاب «الكامل في التاريخ» (٣). وكان مجد الدين عاقلا مهيبا، ذا بر وإحسان، وهو لأمراء الموصل بمنزلة الوزير الناصح، إلا أنه انقطع إلى العلم بداره بدرب دراج، لمرض ألم به، وصنف من الكتب الحسان «جامع الأصول»، و «النهاية في غريب الحديث»، و «شرح مسند الشافعي»، وغيرها. فقرأ عليه سبط ابن الجوزي شيئا من تصانيفه، وأجازه بالباقي (٤). وفي الموصل يسمع من نزيلها المسند البغدادي أبي بكر مسمار بن عمر ابن العويس النيار (٥). ويلتقي علي بن الحسن الآبنوسي، فينشده أبياتا في نار السذق (٦)، وهي ليلة معروفة عند الأعاجم، وكان من عادة سلطانهم في بغداد أن يأمر فيها بإشعال النيران والشموع العظيمة في السفن والزواريق الكبار في دجلة، وعلى كل زورق قبة عظيمة، ويبيت أهل بغداد على ضفتي دجلة، وقد حملت الملاهي في السفن، ولا يبقى ببغداد من حاشية السلطان أحد إلا وهو يحمل الشمع والمشاعل. ويكثر الشعراء في وصف تلك الليلة (٧). وبعد مغادرته الموصل يجتاز سبط ابن الجوزي بحران، ويعاود السماع بها من شيخه يحيى بن أبي الفتح بن الطباخ الضرير. وكان شيخا صالحا، فقيرا، صبورا على قضاء الله تعالى، دينا (٨).

стр. 46

حنينه إلى دمشق واتخاذه لها دار إقامة -١ - ويصل سبط ابن الجوزي إلى بغداد في أوائل سنة ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ م (١)، بعد غياب عنها دام نحو ثلاث سنين، فيجد خاله محيي الدين يوسف قد ولي الحسبة بجانبيها الشرقي والغربي. ويشهد في صفر/ أيلول قدوم قافلة الحاج من مكة (٢)، وكان أميرها مجاهد الدين ياقوت (٣)، وقد حج معه برهان الدين محمد بن عمر بن مازة الملقب (٤) بصدر جهان (٥)؛ وهو من سادات بخارى، ورئيس الحنفية بها وخطيبها (٦)، ومعه ثلاث مئة من الفقهاء والمتفقهة. وكان عند قدومه بغداد قد تلقاه جميع من بها من الأعيان والعلماء ما عدا الخليفة والوزير، وأنزل في دار زبيدة على نهر عيسى، وحملت إليه الضيافات (٧). وسمع سبط ابن الجوزي من الحجاج العائدين ما لقوه من صدر

стр. 47

جهان، وأن غلمانه كانوا يسبقون الناس إلى المناهل، فيأخذون الماء، فيرشون به حول خيمته، ويسقون أحواض البقل على الجمال، فمات عطشا أكثر الناس. ولفداحة معاناتهم في صحبته سموا هذه السنة سنة صدر جهنم. فلما وصل إلى بغداد لم يخرج أحد للقائه، ولعنوه في وجهه، وسبوه في الأسواق، وكتبوا لعنته على المساجد والجوامع. وخرجت النساء صارخات منشرات الشعور، يلطمن على موتاهن، ويقلن: العنوا صدر جهنم. فغادر بغداد، والناس خلفه يسبونه، ولم يقدر أحد على منعهم (١). وربما في تلك الأيام كان سبط ابن الجوزي يزور الشيخ مصدق (٢) بن شبيب بن الحسين النحوي، المقيم في رباط شيخه (٣) الزاهد الواعظ صدقة بن وزير الواسطي، المتوفى سنة ٥٥٧ هـ/ ١١٦٢ م. وكان صدقه في وعظه وتقشفه الزائد قد أخذ قلوب العوام، حتى عد من الأولياء الأفراد (٤). وكان تلميذه مصدق على طريقه في الزهد والعبادة، منقطعا عن الناس (٥). فكان سبط ابن الجوزي يجلس إليه، ويسمع منه عجائب من زهد شيخه وورعه وأمانته وديانته (٦). وزار كذلك مشهد الإمام أبي حنيفة النعمان، واطلع فيه على أكثر مصنفات الجاحظ، ولا سيما كتابه «الحيوان»، فلم يعجبه، إذ رأى أنه كتاب كثير الحشو، قليل الفائدة (٧). وزار رباط المأمونية، وكان يسكن فيه داود بن أبي الغنائم الضرير، وهو على رأي الأوائل، ويتستر بمذهب الظاهرية، فيلتقيه سبط ابن الجوزي، ويسمع منه بعض أشعاره الرقيقة (٨). ويطالع في وقف هذا الرباط

стр. 48

نحوا من سبعين مجلدا من كتاب «الفنون» لأبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة ٥١٣ هـ/ ١١١٩ م، وهو في مئتي مجلد، وفيه حكايات ومناظرات وغرائب، وأشعار، ويستحسن بعضها، فيذكرها من بعد في «تاريخه» (١). ويبقى مقيما في بغداد حتى يأزف أوان الحج، فينضم إلى قافلة أمير الحاج العراقي مجاهد الدين ياقوت، وهي أول حجة حجها من بغداد (٢). وكانت سنة مشهورة، كثيرة الخيرات، عظيمة البركات (٣)، لولا ما رأى في طريقه من موتى الحجاج في الموسم الفائت ما أذهله، وخصوصا في النقرة والغسيلة، فقد مشى - كما ذكر - ثلاثة أيام بين الأموات، ورأى ما يزيد على خمسة آلاف ميت (٤). وفي مكة يلتقي في قافلة الحج الشامي صديقيه تاج الدين عبد الله بن شيخ الشيوخ عمر بن حمويه (٥)، وشبل الدولة كافور بن عبد الله الحسامي (٦)؛ خادم سن الشام أخت السلطان صلاح الدين (٧)، وكان له حرمة وافرة، ومنزلة عالية عند ملوك بني أيوب (٨). وكان الوقوف بعرفة يوم الأربعاء (٩)، وهناك وقعت لسبط ابن الجوزي

стр. 49

حادثة غريبة، قصها علينا في معرض حديثه عن شيخه عبد الله اليونيني، ونحن ننقلها عنه، والعهدة عليه، قال: «وكان له تلميذ اسمه توبة، وكان من الصالحين الأجواد .. فلما كان يوم عرفة صعدت جبل عرفات، وإذا بالشيخ عبد الله قاعد على الجبل مستقبل الكعبة، وعليه الثوب الخام، وعلى رأسه القلنسوة السوداء، فسلمت عليه، فرحب بي، وسألني عن طريقي، وقعدت عنده إلى قريب الغياب، ثم قلت له: ما تقوم نروح إلى المزدلفة؟ فقال: اسبقني أنت، فلي رفاق. فنزلت من الجبل، وأتيت المزدلفة، ووقفت بها، وجئت إلى منى، فدخلت مسجد الخيف، وإذا بالشيخ توبة خارج من المسجد، فسلم علي، فقلت له: أين نزل الشيخ؟ ظنا مني أنه قد حج معه، فقال: أيما شيخ؟ قلت: عبد الله. قال: خلفته بعلبك. ففطنت، فقلت: مبارك. ففهم، فلزم بيدي وبكى، وقال: بالله حدثني أيش معنى هذا؟ فقلت: رأيته البارحة على عرفات. وحدثته الحديث» (١). وفي مكة يجلس إلى حلقة إمام الحنابلة الشيخ الحافظ المتفنن المقرئ نصر بن أبي الفرج محمد بن علي، البغدادي، المعروف بابن الخضري، وكان مجاورا بها (٢)، فيسمع منه الحديث (٣)، وكان كما وصفه السبط متعبدا، لا يفتر من الطواف، صالحا ثقة (٤). * * * وبعد قضائه مناسك الحج، يعود سبط ابن الجوزي إلى بغداد (٥)، ويزور فيها فيمن يزور أحمد بن علي بن مسعود الوراق - مصنف كتاب

стр. 50

«فاكهة المجالس وفاكهة المجالس»، وهو في عدة مجلدات، ثم يختصر منه كتابا سماه «سلافة العنقود» - فيجلس إليه سبط ابن الجوزي، ويسمع منه بعض الأشعار (١). بيد أن الحياة لم ترق له في بغداد، ولربما آثر ألا يزاحم بها خاله محيي الدين يوسف، وقد بلغ شأوا عظيما في الوعظ كذلك (٢)، وكان حنينه إلى دمشق لا ينفك يشده إليها، بعد أن ذاق حلاوة نعيمها في صحبة المقادسة في قاسيونها، فمن سكنه لا يطيب له سكنى غيره (٣)، فيعزم على العود إليهم على نية الإقامة، عسى أن يكون رفيقهم في دار المقامة، على حد تعبيره (٤). وفي طريقه إلى دمشق يعرج على حران، ويلتقي فيها رجلا صالحا من أهلها قد نيف على التسعين بقبة الشيخ حياة (٥) بن قيس الحراني؛ شيخ حران وزاهدها المتوفى سنة ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م (٦)، فيحدثه عن قصة يزعم أنها جرت له مع السلطان نور الدين محمود بن زنكي (٧). وفي الموصل يعاود اجتماعه بشيخه أبي القاسم عبد المحسن بن عبد الله الخطيب الطوسي (٨)، ويجتمع بالثقة (٩) الإمام أبي عبد الله

стр. 51

الحسين بن عمر بن نصر (١) ابن باز؛ شيخ دار الحديث المظفرية، وكان قد حضر مع السلطان صلاح الدين بن أيوب حصار عكا (٢)، فيذاكره بغزوات صلاح الدين (٣). ثم يلم بحلب، ويعقد فيها مجالس للوعظ (٤). ويصل أخيرا إلى دمشق سنة ٦٠٥ هـ/ ١٢٠٨ م (٥)، وهو ينشد بلسان الظاهر والباطن، متمثلا بقول الشاعر: فألقت عصاها … واستقرت بها النوى (٦) ويسارع إلى زيارة الشيخ عبد الله اليونيني، وكان توبة قد حدثه حديثه في عرفات، فيعاتبه الشيخ عبد الله على ما فاه به، ويقول له: «لا تعد إلى مثلها». ويتفهم سبط ابن الجوزي عتاب شيخه له، ويعلله بقوله: «كأنه كره أن يتحدث له بكرامة في حال حياته» (٧). -٢ - وعود على بدئه، يجلس سبط ابن الجوزي للوعظ في جامع دمشق (٨)، وجامع الحنابلة بالصالحية (٩). ويحضر فيه خطب شيخه أبي عمر. ويتفق له ذات جمعة من أول سنة ٦٠٦ هـ/ ١٢٠٩ م أن جلس إلى جانبه في أثناء سماع الخطبة شيخه عبد الله اليونيني، فلما كان في آخر الخطبة، وأبو عمر يخطب، نهض الشيخ عبد الله اليونيني مسرعا، وصعد إلى مغارة توبة، وكان نازلا بها، فظن سبط ابن الجوزي أنه قد احتاج إلى الوضوء،

стр. 52

أو آلمه شيء، فيقول: «فلما صلينا الجمعة صعدت وراءه، وقلت: خير، ما الذي أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة. قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذي قال؟ قال: الملك العادل، وهو ظالم، فما يصدق. وكان أبو عمر يقول في آخر الخطبة: اللهم وأصلح عبدك الملك سيف الدين أبا بكر بن أيوب. فقلت: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح، فيا ليت شعري خلف من تصح! .. وبينا نحن في الحديث إذا بالشيخ أبي عمر، وقد صعد إلى مغارة توبة، فدخل ومعه مئزر، فسلم، وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصلاة، ثم قال: ابتداء قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «ولدت في زمن العادل كسرى» (١). فنظر إلي الشيخ عبد الله وتبسم، ومد يده فأكل، وقام أبو عمر، ونزل، فقال لي الشيخ عبد الله: يا سيد، ما ذا إلا رجل صالح» (٢). ولا ريب أن أبا عمر أجل من اليونيني، كما ذكر الإمام الذهبي (٣). وفي جلسة له في ذلك العام مع شيخه أبي عمر، حدثه أبو عمر عن شيخه أبي محمد بن بري، بإسناده إلى كعب الأحبار، قال: «إنا نجد في كتب الله المنزلة أن الله أوحى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك وخيرك لجبال بيت المقدس، فقال: قد فعلت. فأوحى الله إليه: لن تذهب الأيام والليالي حتى أرد ظلك وخيرك وبركتك، وسيبنى في ظلك بيت أعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاما».

стр. 53

ثم تبسم الشيخ أبو عمر، وقال: «أرجو أن يكون لجامع الجبل»؛ يعني به: جامع الحنابلة الذي بناه (١). ويسوق لنا سبط ابن الجوزي طرفا مما كان يدور بينهما من أحاديث، فلربما سأله ذات يوم عن سبب تسمية الجبل بالصالحية، فيجيبه أبو عمر بحياء وتواضع: «هاجرنا من بلادنا، فنزلنا مسجد أبي صالح بباب شرقي، فأقمنا به مدة، ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال الناس: الصالحية الصالحية. نسبونا إلى مسجد أبي صالح، لا أنا صالحون. ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني، وأماكن يسيرة» (٢). ومما حكاه له الشيخ أبو عمر عن السلطان نور الدين، قال: «كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدير، فجاء يوما لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعض الجماعة: يا نور الدين، لو كشفت السقف وجددته. فنظر إلى الخشبة وسكت. فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة، فزرقها موضع المكسورة ومضى، فعجب الجماعة. فلما جاء إلى الزيارة، قال له بعض الحاضرين: يا نور الدين، فاكرتنا في كشف السقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردت أن أزخرف له المسجد، وأنقض ما هو صحيح، وهذه الخشبة يحصل بها المقصود، فدعوني مع حسن ظني فيه، فلعل الله ينفعني به» (٣). ومما تعلمه سبط ابن الجوزي من أبي عمر دعاء السنة، إذ قال له ذات يوم: «ما زال مشايخنا يواظبون على هذا الدعاء في أول كل سنة وآخرها، وما فاتني طول عمري، وأما أول السنة فإنك تقول: اللهم أنت الأبدي القديم، وهذه سنة جديدة، أسألك فيها العصمة من الشيطان

стр. 54

وأوليائه، والعون على هذه النفس الأمارة بالسوء، والاشتغال بما يقربني إليك يا ذا الجلال والإكرام. فإن الشيطان يقول: قد آيسنا من نفسه فيما بقي، ويوكل الله به ملكين يحرسانه. وأما دعاء آخر السنة، فإنه يقول في آخر يوم من أيام السنة: اللهم ما عملت في هذه السنة مما نهيتني عنه، ولم ترضه ولم تنسه، وحلمت عني بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة من بعد جرأتي على معصيتك، فإني أستغفرك منه، فاغفر لي. وما عملت فيها مما ترضاه، ووعدتني عليه الثواب، فأسألك أن تتقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم. فإن الشيطان يقول: تعبنا معه طول السنة، فأفسد عملنا في ساعة» (١). وكانت محبة سبط ابن الجوزي لأبي عمر تتعمق مع الأيام وتترسخ، لما يرى من فضائله الغزيرة وكراماته الكثيرة. ويقص علينا بعضا مما شاهده منها، فيقول: «أصابني قولنج، وعانيت منه شدة، فدخل علي أبو عمر وبيده خروب شامي مدقوق، فقال: استف هذا. وكان عندي جماعة، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضره. فما التفت إلى قولهم، وأخذته من يده، فأكلته، فبرأت في الحال، ومن هذا شيء كثير» (٢) وينشده أبو عمر ذات يوم من نظمه، قوله: أوصيكم بالقول في القرآن … بقيل أهل الحق والإتقان ليس بمخلوق ولا بفان … لكن كلام الملك الديان آياته مشرقة المعاني … متلوة لله باللسان محفوظة في الصدر والجنان … مكتوبة في الصحف بالبنان والقول في الصفات يا إخواني … كالذات والعلم مع البيان إمرارها من غير ما كفران … من غير تشبيه ولا عدوان (٣)

стр. 55

ولذلك وصف سبط ابن الجوزي أبا عمر من بعد بقوله: «كان على مذهب السلف الصالح، حسن العقيدة، متمسكا بالكتاب والسنة والآثار المروية، ويمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين، وينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين» (١) * * *

стр. 56

مشاركته في جهاد الصليبيين - ١ - وتنقضي هدنة الملك العادل مع الصليبيين في المحرم سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١٠ م. وكان قد اقترح عليهم تجديدها قبل انتهائها، فلم يستجيبوا له، متذرعين بأن زوج ملكتهم جان دي بريين، الذي اختير ليحكم البلاد باسمها، يستعد للقدوم من فرنسة إلى عكا، ولا يمكنهم إلزامه بهدنة جديدة (١). وبانتظار ما ستسفر عنه الأيام، أرسل العادل - وكان مقيما في حران وقتئذ (٢) - ابنه المعظم عيسى إلى نابلس، ليكون قريبا منهم. ويراها سبط ابن الجوزي فرصة ليشارك بهذه الغزاة، فيجلس في جامع دمشق يوم السبت ٥ ربيع الأول سنة ٦٠٧ هـ/ ٢٧ آب ١٢١٠ م، حاثا الناس على الخروج معه إلى المعظم - ولم يكن التقاه من قبل - ويصف لنا من بعد هذا المجلس، وخروجه إلى نابلس بقوله: «وكان الناس من باب مشهد زين العابدين إلى باب الناطفانيين، وإلى باب الساعات. وكان القيام في الصحن أكثر، بحيث امتلأ الجامع، وحزروا بثلاثين ألفا. وكان يوما لم ير بدمشق مثله ولا بغيرها. وكان قد اجتمع عندي شعور كثيرة، وقد وقفت على حكاية أبي قدامة الشامي مع تلك المرأة التي قطعت شعرها، وبعثت به إليه، وقالت:

стр. 57

اجعله قيدا لفرسك في سبيل الله (١). فعملت من الشعور التي اجتمعت عندي شكلا لخيل المجاهدين وكرفسارات. ولما صعدت المنبر أمرت بإحضارها، فحملت على أعناق الرجال، وكانت ثلاث مئة شكال، فلما رآها الناس صاحوا صيحة واحدة عظيمة، وقطعوا مثلها، وقامت القيامة. وكان المبارز إبراهيم المعتمد؛ والي دمشق حاضرا، وجمع الأعيان، فلما نزلت من المنبر قام المبارز يطرق لي، ومشى معي إلى باب الناطفانيين، فأمسك بركاب فرسي، وأركبني، وخرجنا من باب الفرج إلى المصلى، وجميع من كان بالجامع بين يدي، وسرنا إلى الكسوة من الغد، ومعنا خلق مثل التراب .. والكل خرجوا احتسابا. وجئنا إلى عقبة فيق، والطير لا يطير من خوف الفرنج، فسرنا على الجادة إلى نابلس، ووصلت أخبارنا إلى عكا، وخرج المعظم، فالتقانا، وسر بنا. وجلست بجامع نابلس، وحضر، وأحضرنا الشعور، فأخذها، وجعلها على وجهه، وجعل يبكي، ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك اليوم» (٢). ويخرج المعظم عيسى مع المتطوعين من نابلس - ومعه سبط ابن الجوزي - للإغارة على ضواحي عكا، فيخربها، ويقطع أشجارها، ويقتل ويأسر من يقع عليه من الصليبيين. ويقبع الصليبيون خلف أسوارها، لا يجرؤون على الخروج منها، ويقيم أياما، ثم يعود إلى جبل الطور؛ جنوبي شرق عكا، والمطل على الناصرة، ويرى أن يبني عليه قلعة (٣)، للتضييق على عكا.

стр. 58

ويصل لسبط ابن الجوزي، وهو في نابلس، كتاب من شيخه أبي اليمن الكندي بخطه الجميل مثل الدر، على حد تعبيره، وقد ضمنه بعض أشعاره الرقيقة معبرا بها عن شدة شوقه إليه، وعمق محبته له، منها: جزى الله بالحسنى ليالي أحسنت … إلينا بإيناس الحبيب المسافر ليالي كانت بالسرور قصيرة … ولم تك لولا طيبها بالقصائر فيا لك وصلا كان وشك انقضائه … كزورة طيف أو كنغمة طائر ومنها: أيا ساكني قلبي على بعد دارهم … لقد عيل صبري منذ شطت نواكم سرى معكم نومي فأصبحت بعدكم … ألوم السرى منه وأبكي سراكم رضيتم بعادي عنكم فرضيته … لأني أهواكم وأهوى هواكم (١) -٢ - ويعود سبط ابن الجوزي إلى دمشق، مفارقا للملك المعظم عيسى، وقد تعمقت صلته به ولم ينقض على رجوعه إلا أيام قلائل حتى يفجع بوفاة شيخه أبي عمر. وكان آخر لقاء له به في مجلس وعظه بالصالحية. ويصف لنا سبط ابن الجوزي بألم هذا اللقاء الأخير، وكأنه هو من تسبب بوفاته، فيقول: «حضر مجلسي بقاسيون في الجامع، وأخوه شيخنا الموفق حاضر والعماد والجماعة، وكان قاعدا في الباب الكبير، وجرى الكلام في رؤية الله تعالى ومشاهدته واستغرقت في ذلك. وكان وقتا عجيبا، وأبو عمر جالس إلى جانب أخيه الموفق، فقام، وطلب باب الجامع، ولم أره، فالتفت، وإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع، فصحت على الرجل: اقعد. فظن أبو عمر أنني أخاطبه، فجلس على عتبة باب الجامع الجوانية إلى أن فرغ المجلس، ثم حمل إلى الدير، فكان آخر

стр. 59

العهد به» (١). وأقام أبو عمر أياما مريضا، حتى إذا كان عشية يوم الإثنين ٢٨ ربيع الأول سنة ٦٠٧ هـ/ ١٦ تموز ١٢١٠ م جمع أهله، واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله ومراقبته، وأمرهم بقراءة «يس»، وكان آخر كلامه ﴿إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٢]، ثم توفي رحمة الله (٢)، وله نحو تسع وسبعين سنة (٣). وغسل في وقت السحر، ومن وصل إلى الماء الذي غسل به نشف به النساء مقانعهن، والرجال عمائمهم. ولم يتخلف عن جنازته أحد من القضاة والأمراء والعلماء والأعيان، وعامة الخلق، وكان يوما مشهودا. ولما خرجوا بجنازته من الدير كان يوما شديد الحر، فأقبلت غمامة، فأظلت الناس إلى قبره، وكان يسمع منها دوي كدوي النحل (٤). ودفن على طريق مغارة الجوع، على يمين المار إليها، إلى جانب قبر أبيه الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة (٥) * * *

стр. 60

صحبته للملك المعظم عيسى بن العادل وتحوله في الفقه من المذهب الحنبلي إلى المذهب الحنفي -١ - ويشرع المعظم عيسى بن العادل في تنفيذ ما عزم عليه من بناء قلعة الطور، في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة ٦٠٧ هـ/ أيار ١٢١١ م (١). وأقام العمل فيها حتى أشرف على إكمال سورها في أواخر سنة ٦٠٨ هـ/ أيار ١٢١٢ م، والرسل في أثناء ذلك تتردد بين العادل وبين جان دي بريين من أجل عقد هدنة جديدة. ويرى الصليبيون أنهم لا يقوون الآن على مجابهة المسلمين، والقلعة آخذة بالتمام، فيؤثرون عقد هدنة (٢)، مدتها خمس سنين على أن تبدأ من المحرم سنة ٦٠٩ هـ/ تموز ١٢١٢ م. وقبل أن يجف حبرها يرسل جان دي بريين الرسائل إلى روما طالبا فيها من البابا أن يعد حملة صليبية جديدة، تكون متأهبة للقدوم إلى فلسطين عند انقضاء أجلها سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م (٣). أما العادل، ففور انتهائه من أمر الهدنة، فرق عساكره (٤)، وسار نحو الكرك، فأقام بها أياما، ثم تابع طريقه مطمئن البال نحو القاهرة (٥).

стр. 61

ولا ريب أن سبط ابن الجوزي في تلك الأيام لم ينقطع عن المعظم عيسى، فكان يزوره في نابلس، أو يلتقيه في دمشق حين يأتي لتفقد شؤونها، مخالفا بذلك سيرة مشايخه المقادسة من آل قدامة والعلماء ممن يرى النأي بنفسه عن السلطان، مسوعا صنيعه هذا بقوله: «رأيت قوام الخلق كلهم بعلمائهم وأمرائهم، ورأيت العلماء بالغالب منقسمين إلى خير يخاف على دينه، فيبعد عن الأمير، ومنافق يخالط السلطان مخالطة الشرير، مراده استلاب دنياه، فلا يأمره ولا ينهاه .. فإذا كان هذا يؤذي السلطان بالقرب منه، والعالم الخير ينأى عنه، فمن الذي ينبهه على الصواب، ويفقهه بآداب السنة والكتاب؟» (١). واطمأن المعظم لصفاء صداقته، فصار يبوح له في تلك اللقاءات ببعض ما جرى له في حياته (٢)، وبلغ من قوة تلك الصداقة مع الأيام أن المعظم عيسى لم يعد يصبر على فراقه، فاصطحبه معه حين عزم على السفر إلى مصر سنة ٦٠٩ هـ/ ١٢١٢ م (٣) للقاء والده العادل (٤). ويصلا إلى مصر في جمادى الأولى (٥)، ويستقبل سبط ابن الجوزي في القاهرة الملك الكامل محمد بن العادل، النائب عن أبيه في مصر، وينزله تكريما له في دار الوزارة (٦). ولعل سبط ابن الجوزي في هذه الزيارة قابل الملك العادل، وسأله عن مولده، فقال: فتوح الرها؛ يعني: سنة ٥٣٩ هـ/ ١١٤٤ م. ويعجب بصحبة العادل، فقد رآه خليقا بالملك، حسن التدبير، حليما صفوحا (٧).

стр. 62

وفي القاهرة يجلس سبط ابن الجوزي في حلقة القاضي الأسعد أبي البركات عبد القوي بن أبي المعالي عبد العزيز ابن الجباب السعدي، يسمع منه (١). ويعقد فيها مجالس للوعظ، ويحضرها أعيانها، ومنهم الأمير الشاعر مرهف بن الأمير أسامة ابن منقذ. ويأنس به الأمير، فيزوره، وينشده مقطعات من شعره، منها: وما زالت الأيام توعدني المنى … بلقياك حتى برحت بي وعودها فلما تلاقينا افترقنا فليتنا … بقينا على الحال التي لا نريدها (٢) ويقتني سبط ابن الجوزي ديوان الواعظ المصري محمد بن إبراهيم بن الكيزاني، المتوفى نحو سنة ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م (٣)، فيراه حسن العبارة، صحيح الإشارة، وفيه رقة وحلاوة، وعليه طلاوة. وينشده الأمير مرهف أبياتا مما يحفظ من شعره (٤). * * * وكان في القاهرة الأمير سامة الجيلي (٥)، وهو آخر من بقي من الصلاحية الذين مهدوا الملك للعادل، ومن أشدهم إخلاصا له في حروبه مع أولاد أخيه: الأفضل والظاهر (٦)، وكانت له قلعتا كوكب وعجلون، وكشأن كل من يكره من له منة عليه، قرر العادل أن الوقت قد حان للتخلص منه. وكان المعظم عيسى يطمع بامتلاك قلعتيه، وهما القلعتان

стр. 63

اللتان لا تخضعان له مباشرة في بلاده، فطلب منه تسليمهما إليه، فأبى سامة ذلك أشد الإباء (١). وخرج المعظم مع أبيه وأخويه الكامل والفائز إلى دمياط لتفقدها، وفي صحبتهم سبط ابن الجوزي. وكان سامة قد استشعر تغير العادل عليه، فاستوحش منه، ولا سيما أن العادل اتهمه بمكاتبة الظاهر غازي؛ صاحب حلب، وبينهما من العداوة المعلنة والخفية ما بينهما، فاغتنم سامة خروج العادل إلى دمياط، وقرر الهرب من القاهرة، فخرج منها كأنه خارج للصيد، وأسرع في مماليكه نحو قلعتيه كوكب وعجلون، وكان ذلك يوم الإثنين ٢٩ جمادى الآخرة سنة ٦٠٩ هـ/ ٢٦ تشرين الثاني ١٢١٢ م. وعلم والي بلبيس بالأمر، فأرسل حمام الزاجل إلى العادل يخبره بذلك، فقال العادل لأولاده، وقد خاف أن يفلت منه: من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه. فقال المعظم على الفور: أنا. ثم التفت إلى سبط ابن الجوزي قائلا له: أنا أريد أن أسوق، فسق أنت مع قماشي. ودفع إليه بغلة. وركب المعظم من دمياط يوم الثلاثاء غرة رجب/ ٢٧ تشرين الثاني، وساق بنفر يسير خلف الأمير سامة بسرعة فائقة حتى سبقه إلى القدس، وقبض عليه (٢)، ثم اعتقله بالكرك إلى أن مات (٣)، واستولى على قلاعه وذخائره وخيله (٤)، ومما استولى عليه كذلك داره في دمشق (٥). ولا يسوء سبط ابن الجوزي ما فعله المعظم بالأمير سامة، بل يسوغ

стр. 64

له ذلك بأن ما جرى له كان جزاء وفاقا لأفعاله الشنيعة؛ فقد جاوز هذا الأمير حده في بناء هذه الدار، ومد يده إلى أموال الناس وأراضيهم يغتصبها، حتى صح فيه قول القائل: الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب. فكانت هذه الدار سبب هلاكه (١)! ولم يكتف بهذا، بل إن هذا الأمير واغل في خيانته، فهي تعود إلى أيام ولايته لبيروت زمن السلطان صلاح الدين، فقد كان يأخذ مراكب الصليبيين، وفيها أموال عظيمة، ولا يطلع السلطان على شيء منها، ثم إنه سلم بيروت للصليبيين سنة ٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م، ومن ثم تمزقت أمواله، وتغيرت أحواله، وخربت دياره، ودرست آثاره (٢). -٢ - صلته القوية هذه مع الملك المعظم عيسى كانت وراء تحوله من المذهب الحنبلي إلى المذهب الحنفي في الفقه، مجاراة لهذا الصديق المولع بفقه ذلك المذهب (٣)، بل المتعصب له (٤). فالمعظم عيسى انفرد من بين سائر ملوك بني أيوب، وكلهم شافعية، بالانتماء إلى مذهب أبي حنيفة (٥)، وشيخه فيه شيخ الحنفية في الشام الإمام جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري، وكان يحترمه ويكرمه، ومما قرأ عليه كتاب «الجامع الكبير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني (٦). ويقال: إن أباه العادل لامه في ذلك، فأجاب أباه على سبيل المداعبة: «أما ترضون أن

стр. 65

يكون فيكم رجل واحد مسلم!» (١). ولحبه لأبي حنيفة أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهبه دون صاحبيه، فجردوا له المذهب في عشر مجلدات، وسماه «التذكرة»، فكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا، يطالعه دائما، وعلى ظهر كل مجلدة منه كتب بخطه: «أنهاه حفظا عيسى بن أبي بكر بن أيوب». فقال له سبط ابن الجوزي يوما: «ربما يؤخذ هذا عليك؛ لأن أكبر مدرس في الشام يحفظ القدوري مع تفرغه، وأنت مشغول بتدبير الممالك تكتب خطك على عشر مجلدات أن قد حفظتها! فأجابه المعظم: ليس الاعتبار بالألفاظ، وإنما الاعتبار بالمعاني، سلوني عن جميع مسائلها، فإن قصرت كان الصحيح معكم، وإلا فسلموا لي ما قلت» (٢). ومن تأليف المعظم كتاب «السهم المصيب في الرد على الخطيب»، رد فيه على ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن جماعة من المحدثين من مطاعن على أبي حنيفة (٣). وشرح «الجامع الكبير» في عدة مجلدات بإعانة غيره (٤). وكان يعطي لمن يحفظ نص «الجامع الكبير» مئة دينار (٥). وعلى الشيخ جمال الدين الحصيري؛ شيخ المعظم، قرأ سبط ابن الجوزي «الجامع الصغير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني، و «مختصر القدوري»، وتنويها بمنزلته كتب له الحصيري خطه عليهما بالاعتراف له بفنون العلوم ومعرفة الأحاديث والمذاهب (٦).

стр. 66

وقرأ على الفقيه الحنفي الورع الزاهد شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم مصنفه «مقدمة في الفرائض»، و «الجامع الصغير» (١). ولم يرق لأصحابه المقادسة انتقاله لمذهب أبي حنيفة، كما لم يرق لهم من قبل انتقال شيخه أبي اليمن الكندي (٢)، فانتقده بعض الحنابلة بحدة على تحوله هذا، وجبهه أحدهم ذات يوم، وهو على منبر وعظه بقوله: إذا كان الرجل كبيرا ما يرجع عنه إلا لعيب ظهر له فيه، وأي شيء ظهر لك في الإمام أحمد حتى رجعت عنه؟ فغضب سبط ابن الجوزي، وقال له: اسكت. فأجابه الرجل بهدوء: أما أنا فقد سكت، وأما أنت فتكلم. فرام سبط ابن الجوزي الكلام، فأرتج عليه، ونزل عن المنبر (٣). ولم يخف الذهبي - وميله للحنابلة معروف (٤) انزعاجه من هذا الانتقال، فاغتمزه بأنه كان لأجل الدنيا (٥). وكأن الدنيا لم تكن مقبلة عليه قبل ذلك!

стр. 67

وحاول قطب الدين اليونيني، وهو الحنبلي، أن يخفف من وقع هذا الانتقال على الحنابلة، فقال: «وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة، والله أعلم» (١). وقوله هذا لا يسعده دليل، ولا تؤيده الوقائع؛ فإن سبط ابن الجوزي لتأكيد انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة انتقالا لا رجعى عنه، شرع في تأليف كتاب مختصر للانتصار له، سماه «الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح» (٢)، وقدمه للمعظم عيسى (٣)، ثم توالت من بعد تأليفه في بسط أدلته وشرح مذهبه (٤)، ومنها كتاب أفرده في «مناقب أبي حنيفة» (٥). * * * وعلت منزلة سبط ابن الجوزي في الوعظ، وانتهت إليه رياسته (٦)، وصار أوحد زمانه فيه، فما إن يجلس على منبره حتى تتعلق به الأبصار (٧)، وترق لرؤيته القلوب، وتذرف لسماع كلامه العيون، حتى إنه كان أحيانا يتكلم في مجلس وعظه بكلمات يسيرة أو ينشد البيت الواحد من الشعر، فيحصل لأهل المجلس من الخشوع والاضطراب والبكاء ما لا مزيد عليه. وغدت مجالسه نزهة القلوب والأبصار يحضرها الصلحاء والعلماء والملوك والأمراء والوزراء وغيرهم (٨)، وفي مقدمتهم الملك المعظم عيسى (٩)، وكان يبكر في حضورها، ويقعد عند المنبر قرب باب المشهد بين

стр. 68

العامة (١). ويحضرها كذلك: شيخه جمال الدين الحصيري (٢)، والقاضي شمس الدين يحيى بن هبة الله ابن سني الدولة، وقد غدا من أصدقائه (٣). والشيخ الزاهد العابد طي المصري، وكان سبط ابن الجوزي يطرب له، ويقول: «كانت مجالسي تطيب بحضوره، وكانت عنده أيام سروره» (٤). وأمير الحاج علي ابن السلار، وكان غزير الدمعة، لا ينقطع عن البكاء طوال المجلس (٥)، وصديقه تاج الدين عبد الله بن شيخ الشيوخ (٦). ويحدثنا سبط ابن الجوزي عن مجلس من تلك المجالس التي عقدها سنة ٦١٠ هـ/ ١٢١٣ م في جامع دمشق، وهو في نحو التاسعة والعشرين من عمره، بشيء من الزهو، فيقول: «حضر مجلسي القضاة والأشراف والأعيان، والملك المعظم عيسى، وشيوخنا جمال الدين الحصيري، وتاج الدين الكندي، والقاضي شمس الدين بن سني الدولة. وكان مجلسا عظيما، احتوى على عشرة آلاف وزيادة على باب مشهد علي ﵇. وكان بمجلسي، قارئان، أحدهما يقال له النجيب البغدادي، إذا قرأ طربنا، والآخر يقال له الشرف ابن مي، إذا قرأ أزعجنا. فحكيت للجماعة حكاية الجاريتين المغنيتين - وكان سمعها من جده أبي الفرج ابن الجوزي، وهي أنه كان لبعضهم جاريتان مغنيتان، إحداهما تغني طيبا، والأخرى مزعجا، فكان إذا غنت الطيبة الصوت يمزق ثيابه، وإذا غنت القبيحة الصوت يقعد يخيط ما مزق - وكان تاج الدين الكندي قاعدا في القبة التي في وسط المجلس، فصاح: يا بني، كلنا اليوم نخيط» (٧).

стр. 69

ويصف أبو شامة مجالس وعظه بأنها من محاسن الدنيا ولذاتها (١)، وقد حضرها مرارا في صغره وكبره. وبتصوير ينبض بالحياة، يحكي لنا عن مجلس من تلك المجالس في جامع دمشق، فيقول: «كان يزدحم في مجلسه ما لا يحصى من الخلق رجالا ونساء - والنساء بمعزل عن الرجال - وكان لا يفارق أحد مجلسه إذا انفض إلا وشوقه مستمر إلى عودته في الأسبوع الآخر، فإنه كان يجلس كل سبت، وتبسط السجادات والحصر والبسط في كل المواضع القريبة من المنبر ما بينه وبين القبة في يوم الجمعة، ويبيت الناس كل سبت حلقا يقرؤون القرآن بالشموع، كل ذلك فرحا بالمجلس، ومسابقة إلى الأماكن. وعادة الدمشقيين التفرج في أيام السبت، ويبطلون عن أشغالهم بالمدينة، وينقطعون في بساتينهم، وكانوا لا يفوتون حضور المجلس. ثم ينصرفون منه إلى فرجهم، فلا ينقضي يومهم إلا بالتذاكر لما وقع فيه من المحاسن وإنشاد الأشعار، والتحدث بمن أسلم فيه أو تاب، وإيراد ما كان فيه من سؤال وجواب» (٢). -٣ - وتتعزز مع الأيام صلته بالملك المعظم عيسى، ولم تخل صلته به من التزلف إليه، فقد قال له يوما، وكان المعظم لا يقيم وزن الشعر: فيك ضرب من النبوة ﴿وما علمناه الشعر﴾ [يس: ٦٩] (٣). وبادله المعظم قربا بقرب؛ حتى كان يخصه بالقيام له دون غيره من العلماء إذا دخل عليه مجلسه (٤)، وبات لا يكاد يفارقه. ويعزم المعظم على الحج سنة ٦١١ هـ/ ١٢١٥ م مع جماعة من خواص أمرائه: عز الدين أيبك، وعماد الدين داود بن موسك، والظهير غازي بن

стр. 70

سنقر الحلبي (١)، وهم من أعز أصدقاء سبط ابن الجوزي كذلك (٢)، فيرافقهم إلى الكرك (٣)، ويقيم فيها منتظرا أوبة المعظم. وما إن يعلم بعودته حتى يخرج مسرعا إلى لقائه على غدير الطرفاء في البرية مع جماعة من الأعيان والأمراء والفقراء والفقهاء. ويبادله المعظم حبا بحب، وقد بلغ من شوقه إليه أنه حين رآه ترجل عن ناقته وعانقه، ولم يلتفت إلى أحد سواه. وشرع يحكي له صفة حجه وما فعل (٤)، ذاكرا له أنه أحرم قارنا، وأتى بجميع مناسك الحج على مذهب أبي حنيفة. ويروع سبط ابن الجوزي ما يراه في كتف المعظم، وقد أكلته الشمس وانقشط، فيسأله: ما هذا؟ فيقول له المعظم: ما غطيت رأسي ولا كتفي مدة ثلاثة عشر يوما (٥). ثم يسوقا معا إلى زيزاء؛ وهي من قرى البلقاء الكبيرة، وبها يقام سوق للحجاج (٦). وكان الملك العادل نازلا على خربة اللصوص، فيعتذر المعظم إلى صاحبه عن اضطراره لفراقه، قائلا له: أريد أبغته حتى لا يلتقيني أحد. ويفترق الصاحبان، فيرجع سبط ابن الجوزي إلى دمشق، ويسير المعظم إلى أبيه للاجتماع به (٧). ويصل المعظم مع أبيه العادل إلى دمشق في ٢٣ المحرم سنة ٦١٢ هـ/ ٢٤ أيار ١٢١٥ م (٨)، وفي مجلس وعظه بجامع دمشق ينشد سبط ابن الجوزي قصيدة له في مدح المعظم، يقول فيها:

стр. 71

كريم إذا ما جئت ترجو أياديا … له فاض من قبل السؤال غزيرها فما تدرك الأشعار بعض صفاته … ولو حاكها بشارها وجريرها ليهنك يا عيسى مساع تضاعفت … لديك بإجزاء الإله أجورها سبقت بها الزهاد إذ طويت بها … لك الأرض في شبر وهان عسيرها وقفت بها للحج وقفتك التي … وقفت ونار الحرب باد سعيرها وكنت إمام الموقفين عظيمة … مساعيك عند الله جم غفيرها فلا زلت تكسو الدين حسنا ورونقا … وتوضح مخفياته وتنيرها ودانت لك الدنيا ودمت ملكها … ولا رجعت إلا إليك أمورها ولما بلغ سبط ابن الجوزي قوله: «وكنت إمام الموقفين»، وعنى بهما موقف الجهاد، وموقف الحج، بكى المعظم، وقال: «من أنا حتى يكون لي مساع؟». وزاد بكاؤه. وخاف سبط ابن الجوزي عليه أن يفتضح بين العامة، فقال له: «لا ينسى الله لك مواقفك في رضائه، وسهرك الليالي في جهاد أعدائه» (١). * * *

стр. 72

صلاته مع ملوك بني أيوب - ١ - ولم تقتصر صلته على الملك المعظم عيسى، بل تعدت إلى أخيه الأشرف موسى، وكان حاكما على البلاد الشرقية: الرقة وحران وخلاط وميافارقين والرها (١)، فنراه عنده في خلاط سنة ٦١٢ هـ/ ١٢١٥ م، وربما وصل إليها في أول شوال من ذلك العام، وغدا مقربا منه، يجلس معه في منظرة قلعتها، ويحدثه الأشرف عن بعض ذكرياته وما جرى له (٢). ولم يطل مقامه عنده، إذ إنه لثقته فيه، يرسله في رسالة كتبها بخطه إلى الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين بن أيوب؛ صاحب حلب، في قضايا لا يطلع عليها كاتب (٣). ويصل سبط ابن الجوزي إلى حلب، ويلتقي الظاهر غازي لقاءه الأول، ويؤدي إليه الرسالة، ويتجاذبان أطراف الحديث، ويعرض لهما فيه ذكر الملك المعظم عيسى، فيبدي له الظاهر احترامه له، وخشيته منه، قائلا: «والله هو واسطة العقد، وعين القلادة، ولولا همته وأنه مشغول بجهاد الأعداء لما قر لي بحلب قرار (٤)». وقد ترك الظاهر غازي انطباعا حسنا في نفس سبط ابن الجوزي، فكتب عنه: «كان قعددا بالملك، مهيبا، له سياسة وفطنة، ودولته معمورة.

стр. 73

بالعلماء والفضلاء مزينة بالملوك والأمراء، وكان محسنا إلى الرعية والوافدين عليه. يزور الصالحين ويعتقدهم، ويغيث الملهوفين ويرفدهم، وكان يتوقد ذكاء وفطنة، سريع الإدراك» (١). وبحضور الظاهر غازي، يعقد سبط ابن الجوزي مجلسا للوعظ في دار العدل يوم الأحد ٢٤ شوال سنة ٦١٢ هـ/ ١٥ شباط ١٢١٦ م (٢). ويقص علينا عما جرى في هذا المجلس بقوله: كان بحلب فقير يحضر مجالسي قبل ذلك، وكان ذلك الفقير يقوم في المجلس ويصيح: واه، واه. فيزعج الحاضرين، وكان صالحا، والظاهر أنه تغير حاله فيما بعد ذلك. فلما جلست أي: في هذا المجلس بقي ذلك الفقير يحترق، ويقول: كيف أعمل. ويرددها، فقال الظاهر: قدموه إلى عندي. فقدموه، فقال له: هذا الذي يقوله الشيخ ما هو مليح؟ قال: بلى. قال: فإن أردت أن تصيح، صيح. فعجب الحاضرون. وحضر في ذلك المجلس رجل أعجمي، يقال له أبو بكر النصبة، وكان صالحا، وكان يحمل عصا آبنوس، فطابت قلوب الجماعة في ذلك اليوم، وبكوا، فقام النصبة، وجاء إلى الظاهر، وقال له: أنت فرعون، ما تتحرك؟ وثار في وجه النصبة مثل التفاحتين، وخرج (٣). ولما انقضى المجلس، نزلت من المنبر، فقام الظاهر والتقاني، وأجلسني إلى جانبه، ودفع إلي بطاقة جاءته من حارم تخبره أن ابن لاون أخذ أنطاكية من الفرنج في هذا اليوم (٤). ويحضر سبط ابن الجوزي إلى دار العدل يوم الخميس، لا ليعظ في مرته هذه، بل ليشهد مجلس حكم الظاهر، وفضله في القضايا التي تعرض عليه، وقد جيء إليه في ذلك اليوم بامرأة كذبت على شخص، واعترفت

стр. 74

بالكذب، فقال الظاهر لابن شداد القاضي (١): ما يجب عليها؟ قال القاضي: التأديب. فقال الظاهر: تضرب بالدرة شريعة، ويقطع لسانها سياسة. وهنا يتدخل سبط ابن الجوزي، وقد ساءه هذا التفريق بين الشريعة والسياسة، قائلا: الشريعة هي السياسة الكاملة، وما عداها يكون تعاطيا عليها. فيطرق الظاهر غازي، ولا يحير جوابا. وتؤدب المرأة، وتسلم من قطع اللسان (٢). * * * ويرجع سبط ابن الجوزي إلى خلاط، حيث يقيم الأشرف موسى، لينهي إليه جواب الظاهر عن رسالته (٣). وفي طريقه يمر بالرها، ويلتقي فيها شهاب الدين غازي بن العادل، ويبدو أن سبط ابن الجوزي أنس إليه، لما رأى من لطفه، وحفظه للأشعار، وعذوبة حديثه وحكاياته، وإحسانه إليه. ويعقد كعادته مجلسا للوعظ في جامعها، ويحضره شهاب الدين غازي، وكان يوما مشهودا على حد وصفه (٤). ولعله عرج منها على ماردين، وزار قلعتها، وتحقق أن فيها عين ماء واحدة، لا كما كان يشاع أن فيها من العيون العذبة عشر أعين (٥). - ٢ - ويصل إلى خلاط ربما في شهر ربيع الأول سنة ٦١٣ هـ/ ١٢١٦ م (٦)،

стр. 75

وقد امتلأ إعجابا بما وصل إليه من منزلة. ويبدو أن الأشرف موسى كان ينتظر قدومه بلهفة، إذ كان الخليفة الناصر لدين الله قد أظهر سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١٠ م - تقربا للعلماء والعامة - الإجازة التي أخذت له من الشيوخ، وذكرهم في كتابه «روح العارفين»، ودفع إلى أهل كل مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة إجازة عليها مكتوبا بخطه: أجزنا لهم ما سألوه على شرط الإجازة الصحيحة، وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى أبو العباس أحمد أمير المؤمنين (١). ووصلت للأشرف نسخة من هذا الكتاب، بعث بها إليه الخليفة، فرغب الأشرف في شرحه. ولم يستطع سبط ابن الجوزي، وهو يسوق هذا الخبر أن يطامن من زهوه، فهو يذكر أن الأشرف عرض الكتاب على العلماء الذين في خدمته، وأمرهم أن يشرحوه، فلم يقدروا على شرح حديث واحد، فأشار عليه حينئذ بشرحه، وتبيين ما فيه من الفوائد، فاستجاب له، وشرحه (٢). ولعل سبط ابن الجوزي انتهى في تلك الأيام من تأليف كتابه «الجليس الصالح والأنيس الناصح» (٣)، ليكون هديته للملك الأشرف
следующие страницы →