← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مصر جميعها بها. وكان الناصر يوسف قد وصل يوم السبت ٥ ذي القعدة/ ٢٩ كانون الثاني إلى قطيا، وفي يوم الإثنين ٧ ذي القعدة/ ٣١ كانون الثاني وصل بعساكره إلى كراع، وهي قريبة من العباسة (١)، فرحل المعز من الصالحية، ونزل بسموط قبالة الناصر يوسف (٢)، وتقارب ما بين العسكرين. وكان الناس يعتقدون أن النصر إنما هو للناصر يوسف على المماليك البحرية، لكثرة عساكره، ولميل بعض عسكر مصر إليه (٣). * * * وفي يوم الخميس ١٠ ذي القعدة سنة ٦٤٨ هـ/ ٣ شباط ١٢٥١ م تداني العسكران (٤)، فحملت ميمنة عسكر الشام هي والميسرة على من بإزائها من عسكر المصريين حملة شديدة، فانكسرت ميسرة المصريين، وولوا منهزمين (٥). وأبعد الشاميون خلف المنهزمين حتى وصلوا إلى العباسة (٦)، وهم يظنون أن الكسرة تمت على المصريين (٧)، ولم يدروا أن ميمنة أهل الشام قد انكسرت، وقتل عسكر مصر منها خلقا كثيرا، وأسروا أكثر مما قتلوا. وبقي الناصر يوسف في كراع ليس عنده خبر بما يجري، وإنما هو واقف (٨) تحت سناجقه في جمع قليل (٩)، مع خزائنه وأصحابه (١٠). وكان الملك المعز وفارس الدين أقطاي قد انحازا مع نحو سبعين فارسا إلى جانب، وقد عزموا على الهرب إلى الشوبك، فلما رأوا الناصر يوسف قد بعدت عنه عساكره (١١)، حملوا عليه، فولى منهزما يريد الشام في

стр. 247

خاصته وغلمانه، واستولى المماليك البحرية على سناجقه، وكسروا صناديقه ونهبوا أمواله (١)، وأسر بعض من كان معه، ونجا بعض. وممن أسر وقتئذ الصالح إسماعيل بن العادل (٢). ولم يقف الناصر يوسف حتى وصل إلى غزة، فأقام ينتظر أصحابه، فوصل إليه من سلم من عساكره (٣). ولما علم المماليك العزيزية بهرب الناصر يوسف انضم أكثرهم إلى الملك المعز، مع مقدمهم الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي (٤)، لميلهم إلى المماليك البحرية؛ لأنهم أتراك مثلهم، ولكراهيتهم لشمس الدين لؤلؤ (٥)، فكثر جمع المعز بهم. وبلغ الأمير شمس الدين لؤلؤ هرب الناصر يوسف، وهو في جمع من العسكر، ولم يدر بهزيمة ميمنة عسكر الشام، فقال: ما يضرنا هذا بعد أن انتصرنا، وهو يعود إلينا إذا ملكنا البلاد (٦). وساق المعز يريد فلول عساكر الشام، فوقع على الأمير شمس الدين لؤلؤ، فحمل عليه (٧)، فكسر شمس الدين لؤلؤ، وقبض عليه، وطرح بين يدي المعز أيبك (٨)، فقال الأمير حسام الدين للمعز: لا تقتله لنأخذ به الشام. فقال فارس الدين أقطاي: هذا الذي يأخذ مصر بمئتي مخنث (٩)! فأمر المعز بضرب عنقه. فلم يتكلم شمس الدين بكلمة، ولا ذل ولا خضع، وبقي مطروحا لا يرفع رأسه ولا يضطرب حتى أخذته السيوف وقطع (١٠)، وترك في العراء قبل أن يوارى (١١). وأتي بالصالح إسماعيل بن

стр. 248

العادل، فأوقفه المعز إلى جانبه، وقال للأمير حسام الدين: ما تسلم على المولى الملك الصالح؟ فدنا منه حسام الدين، وسلم عليه (١). ولما بلغ العسكر الشامي المقيم بالعباسة هرب الناصر يوسف، ومقتل شمس الدين لؤلؤ، وأسر من أسر من ملوك بني أيوب (٢) - وكانوا لا يشكون أنهم انتصروا، وأن الناصر يوسف قادم عليهم ليسيروا في خدمته إلى القاهرة (٣) - اختلفت آراؤهم فيما يعتمدونه (٤)، فهمت طائفة منهم أن يسيروا إلى القاهرة، ويستولوا عليها، ومنهم من رأى الرجوع إلى الشام، ثم اتفقوا على الرجوع (٥)، فرجعوا سائرين في الرمل أياما، وقد تمزقوا كل ممزق (٦). * * * واستيقظت القاهرة صباح يوم الجمعة ١١ ذي القعدة/ ٤ شباط على أخبار هزيمة الملك المعز والمماليك البحرية، ووصل إليها من انهزم منهم، ووجوههم كاسفة، فمنهم من اختفى في أزقتها، ومنهم من هرب إلى الصعيد (٧). فأيقن أهلها حينئذ أن الناصر يوسف قد ملك الديار المصرية، ولم يشكوا في هروب المعز ومن معه (٨). وكان المماليك قد أساؤوا إليهم، فنهبوا أثقالهم، وارتكبوا كل قبيح، على حد تعبير سبط ابن الجوزي (٩). وكان أمين الدولة أبو الحسن بن غزال السامري؛ وزير الصالح إسماعيل معتقلا في جب قلعة الجبل مع جماعة من أمراء دمشق منذ أيام الصالح أيوب (١٠)، فلما بلغهم انكسار المماليك خرجوا من الجب،

стр. 249

وأظهروا الفرح والاستبشار (١). وخطب للناصر يوسف بقلعة الجبل، وكذلك بجامع عمرو بن العاص في الفسطاط، أما في القاهرة فلم يقم بجامعها خطبة، وتوقفوا لتنكشف لهم حقيقة الأمر، وكان بالجامع الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وهو يومئذ مدرس بالمدرسة الصالحية، فوقف على قدميه وخطب بجماعة لا يزيدون على أربعين رجلا خطبتين خفيفتين، لم يتعرض فيهما لأحد من الملوك، وصلى بهم صلاة الجمعة وباقي الناس صلوا الظهر أربعا (٢). وما إن انقضت صلاة الجمعة حتى (٣) بدأت تتوارد الأخبار بانتصار المعز والمماليك البحرية، وانهزام الناصر يوسف، فضربت البشائر. وقبض على الوزير أمين الدولة، ومن كان معه، وأعيدوا إلى الجب (٤)، ونودي في آخر النهار في القاهرة والفسطاط بإظهار الزينة. وأما الملك المعز ومن معه من المماليك البحرية، ومن انضم إليه من العزيزية، فقد توجه إلى القاهرة عن غير طريق العباسة، خوفا من العسكر الشامي بها، ووصل إلى القاهرة بكرة السبت ١٢ ذي القعدة/ ٥ شباط (٥)، فدخلها والأسرى بين يديه، والسناجق مقلبة والطبول مشققة إلى أن وصل إلى (٦) بين القصرين، فلعبت المماليك على خيولهم بالرماح، وتطاردوا (٧)، والمعز في الموكب، وإلى جانبه الأمير حسام الدين بن أبي علي، وقدامه الصالح إسماعيل بن العادل، فعندما وصل إلى تربة الصالح أيوب أحدق المماليك البحرية بالصالح إسماعيل (٨)، وصاحوا: يا خوند، أين عينك ترى عدوك (٩)؟

стр. 250

ثم ساروا إلى قلعة الجبل، فألقوا الأسرى الشاميين في الجباب (١)، وجمعوا بين الصالح إسماعيل وبين أولاده أياما (٢)، ثم اعتقل في دار بها. ولم يغفر المماليك البحرية لمن مال إلى الناصر يوسف من أهل الفسطاط، فمالوا عليهم قتلا لرجالهم، ونهبا لأموالهم، وسبيا لحريمهم، وبالغوا في الفساد، حتى لو أن الفرنج ملكوا البلاد لما فعلوا فعلهم، على حد تعبير المقريزي (٣). ثم إن المعز أمر بشنق أمين الدولة؛ وزير الصالح أيوب، لخروجه من محبسه، وتظاهره بالسرور، فعلق على المشنقة بباب قلعة الجبل يوم الإثنين ١٤ ذي القعدة/ ٧ شباط (٤). وظهر له بعد وفاته من الأموال والتحف والجوهر ما لا يوجد مثله إلا عند الخلفاء، ووجد له عشرة آلاف مجلدة، كلها بخطوط منسوبة، وكتب نفيسة (٥). وفي ليلة الأحد ٢٧ ذي القعدة/ ٢٠ شباط أخرج الصالح إسماعيل بن العادل من داره بالقلعة ليلا على ضوء المشعل إلى خارج القلعة، فخنق، ودفن مكانه (٦)، وله نحو خمسين سنة (٧). ثم أخرج المعز في ٢٨ ذي القعدة/ ٢١ شباط الأسرى من عساكر الناصر يوسف إلى دمشق، وتحقيرا لهم لم يسمح لهم إلا بركوب الحمير هم وأتباعهم، وكانوا نحو ثلاثة آلاف (٨). * * *

стр. 251

وكان الناصر يوسف قد وصل من غزة إلى دمشق (١)، وتلاحق به أصحابه وعسكره، وقد أصابهم الضعف والوهن، فأخذ في إصلاح جنده وتقوية عسكره (٢). وبدأت المراسلات بين الناصر يوسف والمماليك البحرية، وامتدت نحو سنتين (٣)، حتى تقرر الصلح أخيرا بينهما في المحرم سنة ٦٥١ هـ/ آذار ١٢٥٣ م بسفارة نجم الدين البادرائي، وتم الاتفاق على أن يكون للمعز أيبك والمماليك البحرية ديار مصر وغزة وبيت المقدس ونابلس والساحل كله إلى الأردن، وباقي البلاد الشامية تكون للناصر يوسف. وأن يطلق المعز جميع من أسره من أصحابه (٤). وعاد المعز أيبك وعسكره إلى القاهرة يوم الثلاثاء ٧ صفر سنة ٦٥١ هـ/ ٨ نيسان ١٢٥٣ م (٥). * * *

стр. 252

سنوات سبط ابن الجوزي الأخيرة في ذرى الناصر يوسف بن العزيز ووفاته وهكذا عايش سبط ابن الجوزي بعض هذه الأحداث، وراقب بعضها الآخر عن كثب، وسجلها بقلمه في كتابه الماتع «مرآة الزمان» كما رآها وعايشها. منصفا في القول أحايين كثيرة، ومجانبا الصواب أحيانا. كاشفا بصدق عن مشاعره تجاه من صاحبهم من رجال عصره في حالتي المحبة والبغضاء. مظهرا الشماتة أحيانا فيمن ناله أذاهم حامدا الله أن أحياه حتى رأى فيهم ما يسره. فيوسف بن يعقوب، الذي وشى به إلى الوزير أمين الدولة السامري، فأخرجه من دمشق (١)، حبسه من بعد الملك الناصر يوسف بن العزيز، وعاش شهورا ومات. والوزير شنق، وعجل بروحه إلى عذاب السعير (٢)، وآل إلى الدرك الأسفل من النار، فلا رحم الله تلك العظام (٣). ويحيى بن مطروح الذي أوقع بصديقه الأمير عز الدين أيبك المعظمي (٤) رأى الذل والهوان، ولعب به القدر، ولم يمت حتى ذهب بصره (٥). والصالح أيوب بن الكامل الذي اعتقل صديقه حتى مات (٦)، رأى في نفسه العبر، وما نفعه الاحتراز والحذر، وأذاقه الموت كؤوس حتوفه (٧)،

стр. 253

فانتثر لحمه عن عظامه، وارتحل بآثامه (١). ويغلبه أحيانا الضيق من زمانه، فيبالغ في ذمه، فمن رآه لترحم على ابن المرزبان الذي فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، على حد تعبيره (٢). ويمضي سبط ابن الجوزي ما بقي له من سني عمره في دمشق، في كنف صاحبها الجديد الناصر يوسف بن العزيز، مكبا على التصنيف، وإسماع مروياته عن شيوخه، ومما سمع منه في منزله بالتربة البدرية بسفح قاسيون مشيخة جده أبي الفرج ابن الجوزي، بقراءة أبي بكر بن يوسف بن أبي الفرج الحراني، في مجالس آخرها في ١٢ رمضان سنة ٦٤٩ هـ/ ٢٩ تشرين الثاني ١٢٥١ م، وحضر مجالس السماع هذه ثلة من طلبة العلم (٣). وكان العلماء يسعون إلى زيارته، وممن زاره في بيته نجم الدين علي ابن المؤرخ الحسن بن محمد القيلويي البغدادي؛ الذي ذيل على تاريخ أبي القاسم السمناني. وكان يتجر بالكتب ونسخها، فحدثه عما نسخ أبوه منها (٤). ولم يخف سبط ابن الجوزي إعجابه بكتاب القيلويي، فيعده أحسن التاريخين (٥). وكان يختلف إليه في تلك الأيام المحدث الحافظ خالد بن يوسف

стр. 254

النابلسي الدمشقي، فأحضر إليه ذات يوم جزءا بخط جده أبي الفرج في «فضائل عاشوراء» (١)، يتحفه فيه. وكان خالد على إلمامه بالحديث واللغة قد حصل أصولا نفيسة (٢). وسئل سبط ابن الجوزي مرة يوم عاشوراء أن يذكر للناس شيئا في مقتل الحسين ﵁، فصعد المنبر، وجلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه، وبكى بكاء شديدا، ثم أنشأ يقول متمثلا وهو يبكي: ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصور في نشر الخلائق ينفخ لا بد أن ترد القيامة فاطم … وقميصها بدم الحسين ملطخ ثم نزل عن المنبر وهو يبكي، وصعد إلى الصالحية ودموعه تتحدر على خديه (٣). وكان ينعى في قتله على أهل العراق، قائلا: «لا ذنب لأهل الشام في قصة الحسين ﵇، فإنه ما شهد قتله منهم أحد، وإنما قتله أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق» (٤). وترك لنا معاصره أبو شامة وصفا لحاله في تلك السنوات، فيقول: «وكان مسكنه يومئذ بالتربة البدرية، ولزم في آخر عمره سنين كثيرة ركوب الحمار، طالعا عليه إلى منزله بالجبل، ونازلا عليه إلى مدرسته العزية بالشرف الشمالي (٥)، وإلى غير ذلك. مقتصدا في لباسه، مواظبا على

стр. 255

المطالعة والاشتغال، والجمع والتصنيف، منصفا لأهل العلم والفضل، مباينا لأولي الجبرية والجهل. وتأتي الملوك وأرباب الدول إليه زائرين وقاصدين» (١)، «مقتصرا في مجالس وعظه في جامع دمشق على الأشهر الثلاثة: رجب وشعبان ورمضان كل سبت» (٢). ويبدو أنه في آخر سنة من عمره انقطع بمنزله بالتربة البدرية، فلم يبارحه (٣)، لتشويش مزاج عرض له، على حد تعبيره (٤). حتى إن الناصر يوسف حين حضر في أوائل سنة ٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م مع الأمراء والقضاة والفقهاء لافتتاح المدرسة الناصرية الكبرى؛ التي أنشأها بباب الفراديس (٥)، لم يتخلف عن الحضور أحد غيره، فبعث إليه الناصر يسأله الحضور، فاعتذر بسبب ذلك (٦). ويبدو أن تشويش المزاج هذا كان بداية مرض استبد به، فظل يغالبه حتى جمادى الآخرة من تلك السنة، حين خط بقلمه في ذلك الشهر آخر خبر في تاريخه «مرآة الزمان» (٧)، ليتوقف بعده عن الكتابة حتى وفاته ليلة الثلاثاء ٢١ ذي الحجة سنة ٦٥٤ هـ/ ٩ كانون الثاني ١٢٥٧ م (٨)، في مسكنه بالتربة البدرية (٩)، عن نحو ثلاث وسبعين سنة (١٠).

стр. 256

وفي غد ذلك اليوم (١) تخرج دمشق لتشييعه، محمولا على الأصابع (٢)، مع سلطانها الناصر يوسف وأعيانها وأمرائها وفقهائها (٣)، فيصلى عليه في جامع الحنابلة (٤)، ويدفن بتربته بجبل قاسيون (٥). ويرثيه شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، الخزرجي الدمشقي (٦) بأبيات ارتجلها: ذهب المؤرخ وانقضت أيامه … فتكدرت من بعده الأيام قد كان شمس الدين نورا هاديا … فقضى فعم الكائنات ظلام كم قد أتى في وعظه بفضائل … في حسنها تتحير الأفهام حزن العراق لفقده وتأسفت … مصر وناح أسى عليه الشام فسقى ثرى واراه صوب غمامة … وتعاهدته تحية وسلام (٧) وكان معاصره المؤرخ أبو شامة من قلة قليلة تخلفت عن حضور جنازته، لمرض اعتراه (٨). ولم يكن على صلة به، على ما يجمع بينهما من

стр. 257

حب التاريخ وتدوينه، لتباين مشربيهما في الحياة، بين القرب من السلطان والنأي عنه (١). ولم يجمجم أبو شامة رأيه فيه، فقص علينا حلما رآه ليلة وفاته، يعبر به عما في نفسه، فقال: «ورأيت موته مناما تلك الليلة قبل أن أسمع به يقظة إلا أني رأيته في حالة منكرة، ورآه غيري أيضا كذلك، نسأل الله العافية» (٢). ولئن أنكر بعض من عاصره شيئا من أفعاله في حياته، إن الموت كان به رحيما، فقد جنبه رؤية مدينته بغداد بعد نحو سنة من وفاته (٣) وقد استباحها التاتار، وأفنوا أهلها بين قتيل وأسير (٤)، وكان من قتلاهم صديق عمره خاله محيي الدين يوسف؛ أستاذ الدار، والخليفة المستعصم بالله (٥). فأغفى إغفاءته الأخيرة وهو يعتقد، كسائر معاصريه، أن الخلافة في بني العباس باقية إلى يوم القيامة (٦).

стр. 258

مؤلفاته في حياته الحافلة وجد سبط ابن الجوزي أوقاتا اختلسها للتوفر على تآليفه، وقد وصفت بأنها حسنة مفيدة (١)، ولعل أهمها تاريخه الذي سماه «مرآة الزمان في تواريخ الأعيان»، وسأتلبث عنده قليلا، ثم أجمل الكلام في سائر مؤلفاته الأخرى. «مرآة الزمان» لله در التاريخ (٢)، بهذه العبارة المفعمة بنشوة الغبطة يعبر سبط ابن الجوزي عن ولعه بهذا الفن الجميل؛ فن التاريخ، وبشفافية شاعر حقا، لا تستغرب من واعظ موهوب، يختار لكتابه عنوانا رائعا؛ «مرآة الزمان»، تاركا لخيالك أن يسافر عبر الزمن لترى في مرآته ما كان يراه. وبعبارته هذه اختصر سبط ابن الجوزي أشواق الإنسان للتاريخ على اختلاف انتماءاته وعصوره. ثم علل ما أجمله بقوله: لأن الفطر السليمة، والفكر المستقيمة تستشرف إلى معرفة البدايات، وتشرئب إلى إدراك المنشآت. ومن تدبر مجاري الأقدار، ومبادي الليل والنهار، صار كأنه عاصر تلك العصور، وباشر تلك الأمور (٣)، ولذلك مال الناس «إلى سماع أنباء الأنبياء، والخلفاء والملوك والوزراء والأدباء والشعراء .. وإلى النظر في سير الفضلاء والزهاد والعباد والصلحاء»، بيد أن «الغالب على التواريخ جمع الغث والسمين، والواهي والمتين، والتكرار الخالي

стр. 259

عن الفوائد والفرائد» (١). لذا رأى أن يؤلف هذا التاريخ، مقدما له بفصول خمسة تكون لتقرير قواعده كالأصول، وهي: الفصل الأول: في معرفة التأريخ، وهل فرقت العرب بينه وبين التوريخ. الفصل الثاني: في عيون التواريخ والآثار وأسانيد الأخبار. الفصل الثالث: في انقضاء مدة العالم وما تقدم من السنين وتقادم. الفصل الرابع: فيما ينبغي للمؤلف استعماله من الكلام المتسق النظام. الفصل الخامس: في تراجم الأبواب (٢). ثم يشرع بعد ذلك بسرد الوقائع عبر العصور، مفتتحا لها بسيرة نبينا محمد ﷺ ، مسلسلا حوادثها على الترتيب الحولي في كل عام، ويترجم لمن توفي فيه من الأعيان والأعلام (٣). منزها كتابه - كما ذكر - عن «الخرافات التي ما تسمع إلا من العميان في الطرقات» (٤). متسائلا: «هل وضعت التواريخ إلا لتميز بين الصحيح والسقيم، والسالم والسليم؟» (٥). ويبدو أنه ساق كثيرا من أخباره بأسانيده عن شيوخه، كصنيعه في سائر مؤلفاته، وسماه «مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ليكون اسما يوافق مسماه، ولفظا يطابق معناه» (٦). وكان سبط ابن الجوزي أمينا لمنهجه الذي اختطه، فأكب على تأليف

стр. 260

كتابه من أول فصل فيه، وعنوانه «في معرفة التاريخ» (١)، وحتى آخر خبر خطه قبيل وفاته، حين ألم به مرض حال بين قلمه وأوراقه (٢). فبلغت مجلداته بخطه نحو أربعين مجلدا (٣). ويبدو أن طوله حال دون تعدد نسخه، فاقتصرت الاستفادة منه بين معاصريه على نسخته التي بخطه، الموقوفة بدمشق (٤)، حتى نهد لاختصاره إلى نحو نصفه ابن صديقه قطب الدين موسى ابن الفقيه الحنبلي محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني (٥) البعلبكي، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م (٦)، حاذفا منه في جملة ما حذف أسانيد سبط ابن الجوزي عن شيوخه، ثم ذيل عليه من سنة ٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م، إلى ما قبيل وفاته (٧). وصدر ذيله بمقدمة ذكر فيها باعثه على اختصاره، فقال: «فإنه لما كانت الأذهان مصروفة إلى معرفة أخبار من مضى، والاطلاع على أحوال

стр. 261

من قضى الله له بما قضى، ليستفاد بذلك من سيرة الطراز الأول، والوقوف عند نص أحاديثهم التي بها يعتبر وعليها يعول، صنف الناس في ذلك كتبا، وساروا بأفكارهم فجلبوا من أخبار الأمم حطبا وذهبا. ولما وقفت على بعض ما نصوه، وتأملت ما أنبؤوا به عن السالفين وقصوه، رأيت أجمعها مقصدا، وأعذبها موردا، وأحسنها بيانا، وأصحها رواية، يكاد خبرها يكون عيانا، الكتاب المعروف بمرآة الزمان، تأليف الشيخ الإمام شمس الدين أبي المظفر يوسف سبط الإمام جمال الدين عبد الرحمن ابن الجوزي، الذي ضمنه ما علا قدره على كل نبيه، ووفق به على من يناويه، فشرعت في اختصاره، وأخذت في اقتصاره» (١). ودلل اليونيني على هذا الاختصار بقوله أحيانا: قال المصنف ﵀ (٢). ومن معالمه كذلك إسقاطه بعض تراجمه (٣)، وتصريحه بتلخيصه بعض أخباره (٤)، واختصاره لتعليقاته (٥)، وأحيانا بتعقيبه عليها (٦)، وبحذفه لبعض الأشعار لشعراء مشهورين، لم ير فائدة في إيرادها لشهرتها (٧). ولم يقف اليونيني عند اختصاره، بل تعداه إلى إضافات يسيرة يزيدها عليه، يصرح في بعضها بنقلها من «وفيات الأعيان» لابن خلكان (٨)، وبعضها من كتاب «التاريخ الباهر» لابن الأثير (٩)، ومن «النوادر السلطانية» لابن

стр. 262

شداد (١)، ويغفل بعضها الآخر (٢)، بل نراه أحيانا يزيد ترجمة علم من المشاهير؛ لأن سبط ابن الجوزي لم يترجم له (٣)، ويعتب عليه لأنه قصر في بعضها الآخر، ويستدرك عليه ما فاته منها على زعمه (٤)، ولعل من أهم زياداته تلك الرسالة المطولة من الخليفة الناصر لدين الله إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وجواب صلاح الدين عنها، وذلك بعيد فتح بيت المقدس (٥). وساهم اختصار قطب الدين اليونيني له بضياع أصل الكتاب، وشيوع المختصر، وهو ما استفاد منه على الأرجح ابن كثير في «البداية والنهاية» (٦)، وابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» (٧)، وغيرهما من المؤرخين المتأخرين (٨). وهذا المختصر هو الذي بين أيدينا الآن على اختلاف نسخه، ولا سيما نسختي العلائي وأحمد الثالث، وهما من أتمها. ومن منن الله علي - وهي لا تحصى - أني أول من وقف على ذلك من المحققين والباحثين الذين سبقت لهم العناية بهذا الكتاب (٩). وعلى اختصار اليونيني له سيكون استعراضي لأهم موضوعاته وفصوله. * * *

стр. 263

لم يلتزم قطب الدين اليونيني في اختصاره بإيراد كل ما ورد في الفصول الخمسة التي قدم بها سبط ابن الجوزي لتاريخه، بل اختار منها اثنين، الفصل الأول في معرفة التاريخ، وهل فرقت العرب بينه وبين التوريخ (١). ثم قفز إلى الفصل الثالث في انقضاء مدة العالم وما تقدم من

стр. 264

السنين وتقادم، وهو فصل طويل، قسمه إلى فصول قصيرة لها عناوين مستقلة، افتتحها بفصل في انقضاء مدة العالم وابتدائه (١)، ثم ثنى بفصل في حدث العالم وإثبات الصانع بالدلائل القواطع (٢). ومما ذكره في هذه الفصول حد الزمان والأيام، وخلق الأرضين، ومساحتها، وذكر أقاليمها، وبلدانها، وجبالها وهضابها، ومعادنها، وبحارها، وجزائرها، وعيونها وأنهارها، وما في الدنيا من العجائب والغرائب. ثم ذكر سكانها، ومن ملكها وقطع سبلها وسلكها، وانتقل إلى ذكر النار، وخلق الجن والشياطين. ثم تحدث عن السموات وخلقها، وبروجها ومطالعها، وما بين كل سماء وسماء، وذكر الشمس والقمر، والنجوم السيارة والثابتة ومطالعها. ثم تحدث عن البيت المعمور، وسدرة المنتهى، والكرسي والعرش وحملته، والملائكة المقربين، ثم ختمها بفصل عن الجنة وما لله على عباده في خلقها من المنة (٣). ثم شرع بذكر فصول عن الأنبياء وقصصهم، وافتتحها بذكر قصة آدم، وانتهى بقصة عيسى ابن مريم (٤)، ثم عقد فصلا في عدد الأنبياء والمرسلين وذكر ما بينهم من السنين (٥)، وفصلا في ترتيب كبارهم (٦). ثم انتقل للحديث عن الأمم الماضية والقرون الخالية، فبدأ بذكر الهند وممالكها، ثم ملوك الصين، والفرس، ووقف مطولا عند العرب وأنسابهم، ثم ذكر من كان في الفترة بين عيسى ﴿﵇﴾ ونبينا ﴿ ﷺ ﴾ (٧). وبذلك مهد للشروع في السيرة النبوية. وعلى خلاف أكثر كتابها، فقد اجتهد في ترتيب حوادثها على السنين،

стр. 265

من مولده ﷺ إلى وفاته، وما تبعها من بيعة الصحابة لأبي بكر رضي ﷺ بالخلافة (١). ثم ختمها على عادة كتاب السيرة بفصول، ومما ذكر فيها أزواجه ﷺ ، وخدمه ومواليه، وآلات حربه، وعدد غزواته وسراياه، وكتاب الوحي، وصفاته، ومعجزاته، وفصاحته، وأنه آخر المرسلين، وفي أصحابه وفضلهم (٢). ثم ذكر الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم الخلفاء الأمويين والعباسيين، وما وقع في زمانهم من أحداث حتى زمنه وقبيل وفاته، مرتبا لها على الحوليات، مترجما في كل سنة لمن توفي فيها من الأعيان والمشاهير. ولم يخل كتابه من نقدات ذكية على بعض أخباره، بثها في تضاعيفه. * * * وفي خضم سرده لوقائع تلك السنين على طولها، التي كادت توفي على سبعة قرون، ليس بمستغرب أن يقع سبط ابن الجوزي في أوهام وأخطاء، شأنه في ذلك شأن معظم المصنفين في مطولات التاريخ، وهي أوهام يسيرة في جنب هذا الجهد الكبير الذي بذله. وقد ألمعت إلى بعضها في تضاعيف هذا الكتاب، وسأذكر بعضها الآخر على سبيل التمثيل لا الاستقصاء. وأول ما يلفت انتباهنا من أوهامه عدم دقته في إيراد بعض أخباره (٣)، أو إسنادها لغير أصحابها (٤)، وعدم تحققه ممن يرويها عنه (٥)، وأحيانا يهم في سياقها، ويضعها في غير مواضعها (٦)، ربما متابعة لغيره من المؤرخين (٧)،

стр. 266

وقد يخلط بين خبرين متباعدين في الزمن (١)، وينسب أبياتا لغير قائلها (٢)، وتعوزه الدقة أحيانا في تحديد سنة بعض الوقائع (٣)، وسنة ولادة من يترجم له أو وفاته (٤)، وقد يشتبه عليه اسم من يترجم له أو يتحدث عنه (٥). وهي - كما ترى - أوهام لا تخلو منها مطولات كتب التاريخ، ولا تخدش حقا من قيمة كتابه وأهميته على سعته وطوله. ولذلك نال ثناء عريضا من مؤرخينا قدماء ومحدثين، فممن أثنى عليه من القدماء قطب الدين اليونيني، فقال في حديثه عن كتب التاريخ: «رأيت أجمعها مقصدا، وأعذبها موردا، وأحسنها بيانا، وأصحها رواية، يكاد خبرها يكون عيانا، الكتاب المعروف بمرآة الزمان .. الذي ضمنه ما علا قدره على كل نبيه، وفاق به على من يناويه» (٦) ثم قال في ترجمته له: «كان عنده فضيلة تامة، ومشاركة في العلوم جمة، ولو لم يكن من ذلك إلا التاريخ الذي ألفه، وسماه بمرآة الزمان، وهو بخطه في سبعة وثلاثين مجلدا، جمع فيه أشياء مليحة جدا، وأودعه من الأحاديث الشريفة النبوية - صلوات الله وسلامه على قائلها - وجملة من أخبار الصالحين، وقطعة كبيرة من الأشعار المستحسنة، وسلك في جمعه مسلكا غريبا، وهو من أول الزمان إلى سنة أربع وخمسين وست مئة، هذه السنة التي توفي فيها إلى رحمة الله تعالى» (٧). ووصفه ابن خلكان بالتاريخ الكبير، وقد اطلع عليه بدمشق، ورآه بخطه في أربعين مجلدا (٨).

стр. 267

وقال ابن الجزري: «صنف التاريخ الكبير على السنين، وهو مرآة الزمان في أكثر من ثلاثين مجلدا» (١). وقال ابن كثير: «وله مرآة الزمان في عشرين مجلدا من أحسن التواريخ، انتظم فيها المنتظم لجده، وزاد عليه، وذيل إلى زمانه، وهو من أحسن التواريخ وأبهجها» (٢). وقال ابن تغري بردي: «تاريخه المسمى مرآة الزمان، وهو من أجل الكتب في معناها» (٣). ومن المحدثين أثنى عليه العلامة الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، فقال: «هو صاحب مرآة الزمان، ذلك التاريخ العظيم الذي ملأ فراغا عظيما في تاريخ الإسلام، واعتنى الحفاظ به» (٤). وذكره الباحث الأستاذ عباس العزاوي، فقال فيه وأطال: «اعتمد آثارا كثيرة، وعول على مراجع لا تحصى، ومن أهمها تاريخ جده أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، المعروف بالمنتظم. راعى الحوادث التاريخية والوفيات بصورة متوالية، فكان سجلا مقبولا، وأثرا خالدا، يعين الطالب، ويرجع إليه للتعرف بالحادث، أو برجال التاريخ المشاهير من علماء وغيرهم. إن المترجم جمع بين كتب الطبقات والحوادث، وسار على نهج جده في ترتيبه، فلخص جميع ما رأى من كتب تاريخية، وتراجم أشخاص، فاستوعب تواريخ العراق وغيره، وأجمل حوادث التاريخ مما وصل إليه، وجلا صفحة تكاد تغني عن غيرها، فكان مشروعا عظيما، لا يستطيع القيام به فرد بل جماعة .. ويصح أن يقال: إنه خلاصة الآثار في علمائنا ومثقفينا

стр. 268

لمختلف العصور إلى أواخر الدولة العباسية» (١). وقال الدكتور شاكر مصطفى العالم الأديب: «يمكن أن يعتبر أكبر التواريخ الإسلامية حجما، وقد يوازي أو يزيد على تاريخ الإسلام للذهبي» (٢). ومن المستشرقين عرف به فرانز روزنثال في دراسته الجامعة عن علم التاريخ عند العرب، فقال: «وهو تاريخ عام يتجلى في القسم الذي خصصه لتاريخ ما قبل الإسلام غزارة علم المؤلف، وشدة توثقه العلمي، التي تشبه غزارة علم المسعودي. أما القسم الإسلامي فقد قدم فيه معلومات تاريخية أوسع بكثير مما قدمه ابن الجوزي (٣)، ويعني به جده أبا الفرج في كتابه «المنتظم». * * * ولم يسلم سبط ابن الجوزي كغيره من العلماء، من النقد، وأحيانا من التجريح. وكان ابن رجب الحنبلي أول من انتقده، فقد اتهمه (٤) بقوله: «أبو المظفر ليس بحجة فيما ينقله (٥)، ومستنده في ذلك على قصة نقلها ابن رجب عن الحافظ يوسف بن خليل في معجمه»، وأوردها في سياق ترجمة قاضي المارستان أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، المتوفى سنة ٥٣٥ هـ/ ١١٤١ م، وذكر نحوا منها سبط ابن الجوزي، بيد أنه عزاها لابن عقيل! وملخص القصة كما أوردها ابن رجب، أن أبا بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، كان مجاورا بمكة، فأصابه في يوم من الأيام جوع شديد، ولم يجد شيئا يدفعه به، ثم إنه وجد كيسا فيه عقد من لؤلؤ لم ير

стр. 269

مثله، فرده إلى صاحبه، ولم يأخذ منه ما بذله له من دنانير جائزة على ذلك. ثم إنه خرج من مكة، وركب البحر، فانكسر المركب، وغرق من فيه، وسلم هو من بينهم على قطعة منه، قذفت به بعد أيام إلى جزيرة، فآوى إلى مسجد فيها، وقعد فيه يقرأ، فلما سمع أهل الجزيرة قراءته أعجبوا به، ورغبوا إليه أن يعلمهم القرآن، ويعلم صبيانهم وشبابهم الكتابة، فحصل له منهم مال كثير، ثم عرضوا عليه أن يزوجوه بصبية يتيمة، فلما زفت إليه، وجد في عنقها ذلك العقد بعينه الذي وجده بمكة، فأخذته الدهشة، وقص على أهل الجزيرة قصة ذلك العقد، فصاحوا بالتهليل والتكبير، وقالوا له: إن صاحب العقد هو والد هذه الصبية، وإنه كان يقول: ما وجدت في الدنيا مسلما إلا هذا الذي رد علي هذا العقد، وكان يدعو ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي. وها قد استجاب الله دعوته، وزوجك من ابنته. فأقام أبو بكر مدة في الجزيرة، رزق من زوجته بولدين، ثم إنها ماتت، ثم مات ولداها فورث العقد، فباعه بمئة ألف دينار، وكان يختم قصته لسامعيه بقوله: وهذا المال الذي ترون معي من بقايا ذلك المال (١). ثم عقب ابن رجب على هذه القصة بقوله: هكذا ساق هذه الحكاية يوسف بن خليل في «معجمه»، وساقها ابن النجار في «تاريخه»، وقال: هي حكاية عجيبة، وأظن القاضي حكاها عن غيره. وقد ذكرها أبو المظفر سبط ابن الجوزي في «تاريخه» في ترجمة أبي الوفاء بن عقيل، وذكر عن ابن عقيل أنه حكى عن نفسه أنه حج، فالتقط العقد، ورده بالموسم، ولم يأخذ ما بذل له من الدنانير، ثم قدم الشام، وزار بيت المقدس، ثم رجع إلى دمشق، واجتاز بحلب في رجوعه إلى بغداد، وأن تزوجه بالبنت كان بحلب، ولكن أبا المظفر ليس بحجة فيما

стр. 270

ينقله، ولم يذكر للحكاية إسنادا متصلا إلى ابن عقيل، ولا عزاها إلى كتاب معروف، ولا يعلم قدوم ابن عقيل إلى الشام فنسبتها إلى القاضي أبي بكر الأنصاري أنسب، والله أعلم» (١). بهذه الحجج يخطئ ابن رجب سبط ابن الجوزي بهذه القصة، وليته اكتفى بذلك، بل يطلق عليه حكما مبرما في كل ما ينقله عن غيره بأنه ليس فيه بحجة. نعم، أورد سبط ابن الجوزي هذه القصة في «مرآة الزمان» وعزاها إلى ابن عقيل المتوفى سنة ٥١٣ هـ/ ١١١٩ م (٢)، وعنه نقلها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٣)، ولم يعقب عليها. والحق أن سياق قصة ابن عقيل تختلف في تفاصيلها عن قصة أبي بكر، والعهدة فيها على ابن عقيل نفسه، وليس بمستبعد أن تكون وقعت له، كما وقعت تلك لأبي بكر، فهما قصتان اثنتان مختلفتان، تشابهتا من بعض الأوجه، ولا سيما أن ابن عقيل أقدم وفاة من أبي بكر، فلا يصح أن يقال عن سبط ابن الجوزي أنه: «ذكرها»؛ لأن ذلك يعني: أن قصتهما واحدة، واختلافهما بالتفاصيل يشي بخلاف ذلك. ثم إن سبط ابن الجوزي صرح في قصة ابن عقيل أنه نقلها من كتابه المشهور «الفنون»، وهو في مئتي مجلد، وقد طالع فيه ببغداد، ووصفه بقوله: «فيه حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب وأشعار» (٤). ونقل معها عنه حكايات غيرها، لا تقل غرابة عن قصته هذه (٥). فأين ذلك من قول ابن رجب: «لم يذكر للحكاية إسنادا متصلا إلى ابن عقيل، ولا عزاها إلى كتاب

стр. 271

معروف»، ليبني على ذلك حكمه الجازم: «ولكن أبا المظفر ليس بحجة فيما ينقله»؟ وعلى إجلالي لابن رجب، أرى أنه لم ينصف سبط ابن الجوزي في قوله، ولا أستبعد أن وراء ذلك عداوة خفية كان الحنابلة يحملونها له، لانتقاله في الفقه من مذهب أحمد ابن حنبل إلى مذهب أبي حنيفة النعمان (١). وقد ألقت هذه العداوة بظلالها على من جرح سبط ابن الجوزي، أو دافع عنه، فمع أن الذهبي وصفه بقوله: «كان علامة في التاريخ والسير» (٢)، فقد وجد نهزة ليقول فيه، متابعا على ما يبدو ابن رجب: «وألف مرآة الزمان، فنراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يخسف ويجازف» (٣). ومن الأمثلة التي أوردها الذهبي لمجازفاته قوله في ترجمة مظفر الدين كوكبري: «وكانت أمواله قد استنفدتها الصدقات، فكان يرسل الجواهر فيبيعها بدمشق ويشتري الأسارى، وحكي لي بإربل أنه ينفق على المولد في كل سنة ثلاث مئة ألف دينار، وعلى الخانكات مئتي ألف، وعلى دار المضيف مئة ألف، وعلى الأسارى مئتي ألف دينار، وفي الحرمين وعرفات والسبيل ثلاثين ألف دينار، غير صدقة السر» (٤). ولا شك أن هذه الأموال المنفقة كانت جسيمة في مقاييس ذلك العصر، وربما لا تحتملها بلد صغير كإربل، فنرى الذهبي ينقل عنه هذا الخبر، ويصدره بقوله: «وأما أبو المظفر الجوزي فقال في «مرآة الزمان»، والعهدة عليه، فإنه خساف مجازف، لا يتورع في مقاله» (٥).

стр. 272

ولا أنفي عن هذا الخبر ما فيه من مبالغة قد تروق لسبط ابن الجوزي، وهو الواعظ، ولكن ربما غاب عن الذهبي أنه ناقل للخبر عمن حكاه عنه، فالعهدة عليه، لا على أبي المظفر، والله أعلم. ثم إن مظفر الدين، لكثرة نفقاته في أبواب البر، قد تغري المتحدث عنه بالمبالغة في وصفها، حتى إن ابن خلكان، وهو من إربل، قال فيه: «لقد كان له من فعل الخيرات غرائب لم يسمع أن أحدا فعل في ذلك ما فعله، لم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة»، ثم يسترسل في ذكر صدقاته وأنواع بره، ويختم ذلك بقوله: «ومع الاعتراف بجميله، فلم أذكر عنه شيئا على سبيل المبالغة، بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان» (١). وثمة مثال آخر يسوقه الذهبي لمجازفاته كذلك، وهو قوله في حادثة غرق بغداد سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م: «وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة .. وانهدمت بغداد بأسرها والمحال، ووصل الماء إلى رأس السور، وبقي مقدار إصبعين ويطفح عليه، وأيقن الناس بالهلاك، ودام سبع ليال وثمانية أيام حسوما، ثم نقص الماء، وبقيت بغداد من الجانبين تلولا لا أثر لها» (٢). والمبالغة في إيراد هذا الخبر لا تخفى، فينقله عنه الذهبي، ويصدره كذلك بقوله: «قال سبط ابن الجوزي بقلة ورع: فانهدمت بغداد بأسرها … » (٣). ويعقب عليه في «تاريخ الإسلام» بقوله: «هذا من خسف أبي المظفر، فهو مجازف» (٤). ومن ثم يخلص الذهبي إلى رأي فيه جازم، فيقول: «قد بلوت على أبي المظفر المجازفة وقلة الورع فيما يؤرخه، والله الموعد» (٥). ولئن سلم

стр. 273

للذهبي في بعض مآخذه عليه، فلا يسلم له حكمه المبرم لما فيه من تعميم وإطلاق. ونرى لكلام الذهبي فيه صدى عند صلاح الدين الصفدي، فبعد أن حرف اسم كتابه من «مرآة الزمان» إلى «مرآة الناس»، قال: «هو صاحب مرآة الناس، وأنا ممن حسده على هذه التسمية، وهي لائقة بالتاريخ، كأن الناظر في التاريخ يعاين من ذكر فيه في مرآة، إلا أن في المرآة صدأ المجازفة منه - رحمه الله تعالى - في أماكن معروفة» (١). ولم يرتض ابن تغري بردي قول الذهبي والصفدي فيه، فانبرى للدفاع عنه بلهجة لا تخلو من حدة، قائلا: «قول الشيخ صلاح الدين أيضا ممن اعترف به عن نفسه من باب الحسد، وما نسبه إليه من المجازفة في تاريخه، فإنها في أماكن لا حاجة لتحريرها، وأما غير ذلك فإنه في غاية التحرير والنقل عن الثقات، ومن أرخ بعده فقد تطفل عليه، واغترف من بحره، واحتاج إليه، ولا سيما الذهبي والصفدي، فإن معولهما في تاريخهما على تاريخه» (٢). ويقتضيني الإنصاف أن أعيد ما سلف أن قلته بأن أوهام سبط ابن الجوزي في «مرآته»، وأحيانا مجازفاته، لا تخلو منها مطولات كتب التاريخ، ولا تخدش حقا من قيمة كتابه وأهميته على سعته وطوله. طبعات «مرآة الزمان»: لم يحظ كتاب «مرآة الزمان» بطبعة تامة له إلا مؤخرا، برغم أن الاهتمام به بدأ مبكرا. ١ - فأول من اعتنى به المستشرق الأمريكي جويت (Jewett)، فقد صور قطعة مختصرة منه، عن مخطوطة في جامعة ييل تحت رقم ١٣٦، من

стр. 274

مجموعة لاندبرج العربية، ونشرها في شيكاغو سنة ١٩٠٧ م، تتضمن السنوات ٤٩٥ - ٦٥٤ هـ، وهو ما عرف بين الباحثين بالجزء الثامن. ٢ - ثم نشر مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الدكن، السنوات نفسها ٤٩٥ - ٦٥٤ هـ في جزأين، وذلك سنة ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م. ٣ - وقام الدكتور علي سويم من تركيا، فاستخرج منه الحوادث المتعلقة بالسلاجقة في السنوات ٤٤٨ - ٤٨٠ هـ، فحققها، ونشرها في جامعة أنقرة سنة ١٩٦٧ م. ٤ - ونهد له الدكتور إحسان عباس، فحقق الجزء الأول منه، ونشرته دار الشروق في بيروت، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، ولعله أول من توسع بترجمة لسبط ابن الجوزي، اتكأ عليها بعض الباحثين. ٥ - ونشر الدكتور مسفر بن سالم بن عريج الغامدي السنوات ٤٨١ - ٥١٧ هـ، في جزأين، وصدر عن جامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م. ٦ - وكذلك نشرت الباحثة جنان جليل محمد الهموندي السنوات ٣٤٥ - ٤٤٧ هـ، في جزء، وصدر عن الدار الوطنية في بغداد، ١٩٩٠ م. ٧ - وتصدى أخيرا لتحقيقه كاملا مكتب مؤسسة الرسالة لتحقيق التراث في دمشق، فقام على خدمته وتحقيقه ثلة من الأساتذة المحققين، بذلوا وسعهم في تقويم زيغه، وإقامة مناده، على اضطراب في نسخه، وضعف نساخه، ولم يخل عملهم من هنات، عسى أن تستدرك في قادم الأيام. وكان لكاتب هذه السطور شرف تحقيق الأجزاء الثلاثة الأخيرة منه، وصدر في اثنين وعشرين جزءا عن دار الرسالة العالمية في بيروت، ١٤٣٤ هـ/ ٢٠١٣ م، وعلى هذه الطبعة كانت إحالاتي في هذا الكتاب. * * *

стр. 275

مؤلفاته الأخرى وأما سائر مؤلفاته الأخرى، فهي على ترتيب حروف المعجم: ١ - «الانتصار لإمام أئمة الأمصار»، مجلدان (١). ٢ - «الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح»، وهو مطبوع (٢). ٣ - «إيثار الإنصاف في آثار الخلاف»، وهو مطبوع (٣). ٤ - «تذكرة الخواص من الأمة في ذكر مناقب الأئمة»، وهو مطبوع (٤) = رياض الأفهام.

стр. 276

٥ - «التفسير»، هكذا سماه سبط ابن الجوزي في «مرآته» (١)، ومن ترجم له (٢)، وحده الذهبي انفرد بتسميته «معادن الإبريز»، وذكر أنه في تسعة وعشرين مجلدا (٣)، ونقله عنه الصفدي (٤)، وتابعهما حاجي خليفة وإسماعيل باشا البغدادي في التسمية، لكنهما وهما، فظناه كتابا في التاريخ (٥). وذكره ابن الشعار الموصلي في كتابه «قلائد الجمان» بعنوان: «معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز»، ونسبه إلى خاله محيي الدين يوسف بن عبد الرحمن ابن الجوزي (٦)، وتابعه على ذلك ابن رجب الحنبلي،

стр. 277

والداودي، وإسماعيل باشا البغدادي (١). ٦ «الجليس الصالح والأنيس الناصح» (٢)، وهو مطبوع (٣).

стр. 278

٧ - «جوهرة الزمان في تذكرة السلطان» (١). ٨ - «حق اليقين» (٢). ٩ - «الخلافيات» (٣). ١٠ - «رياض الأفهام في مناقب أهل البيت» (٤).

стр. 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 280

١١ - «شرح البداية» (١). ١٢ - شرح الجامع الصحيح لمسلم بن الحجاج (٢). ١٣ - «شرح الجامع الصغير» (٣). ١٤ - «شرح الجامع الكبير»، في مجلدين (٤).

стр. 281

١٥ - «شرح روح العارفين» (١). ١٦ - «كتاب في التاريخ» (٢). ١٧ - «كنز الملوك في كيفية السلوك»، وهو مختصر، وقد طبع (٣). ١٨ - «المجد المعظمي» (٤).

стр. 282

١٩ - «المختصر اللامع على شرح المختصر والجامع» (١). ٢٠ - «مقتضى السياسة في شرح نكت الحماسة» (٢). ٢١ - «مناقب أبي حنيفة» (٣). ٢٢ - «مناقب علي بن أبي طالب ﵁»، في أربعة أجزاء حديثية ضخمة (٤)

стр. 283

٢٣ - «منتهى السول في سيرة الرسول ﷺ » (١). ٢٤ - «نشوان المحاضرة» (٢). ٢٥ «النضيد في مسائل التوحيد» (٣). ٢٦ «نهاية الصنائع في شرح المختصر والجامع» (٤). ٢٧ - «وسائل الأسلاف إلى مسائل الخلاف»، وهو مطبوع (٥).

стр. 284

تلاميذه وذكر لسبط ابن الجوزي تلاميذ عدة، رتبتهم على سني وفياتهم، وهم: ١ - المسند الرحالة عماد الدين عبد الحافظ بن بدران بن شبل بن طرخان؛ شيخ نابلس، المتوفى سنة ٦٩٨ هـ/ ١٢٩٩ م (١). ٢ - المحدث المتقن نجم الدين موسى بن إبراهيم بن يحيى الشقراوي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٠٢ هـ/ ١٣٠٣ م (٢). ٣ - الحافظ الكبير شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، المتوفى سنة ٧٠٥ هـ/ ١٣٠٦ م (٣)، وهو أشهرهم (٤)، وقد ترجم لسبط ابن الجوزي في «معجم شيوخه» (٥). ٤ - المسند الثقة عماد الدين أبو المعالي محمد بن علي بن محمد بن

стр. 285

علي ابن البالسي الدمشقي، المتوفى سنة ٧١١ هـ/ ١٣١١ م (١). ٥ - الخليل الأمين عز الدين أبو بكر بن عباس بن عبدان بن عبد الظاهر بن الشايب الدمشقي، المتوفى سنة ٧٢٣ هـ/ ١٣٢٣ م (٢). ٦ - المفتي المعمر زين الدين عبد الرحمن بن نصر بن عبيد الدمشقي الصالحي الحنفي، المتوفى سنة ٧٢٤ هـ/ ١٣٢٤ م (٣). ٧ - العالم المسند شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء بن الزراد الصالحي، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م (٤). ٨ - المسند الزاهد محب الدين محمد ابن المحدث محب الدين عبد الله بن أحمد بن أبي بكر المقدسي الصالحي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م (٥). ٩ - الخطيب تقي الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ابن القدوة أبي عمر ابن قدامة المقدسي الصالحي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م (٦).
следующие страницы →