← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مصرعهم، ومن تبقى منهم يقع في الأسر (١). ويعود الأمير فخر الدين يوسف ليقيم في دمشق (٢)، ويسكن في دار سامة. وكان سبط ابن الجوزي قد عاد إليها من بغداد، فيزوره فخر الدين يوسف في مسكنه بالتربة البدرية، ويرغب إليه في العودة إلى مجالس وعظه في جامع دمشق، كما كان في أيامه السالفة، فلا يسعه إلا الاستجابة له (٣). ويعقد سبط ابن الجوزي أول مجالسه في جامع دمشق يوم السبت الأول من شهر رجب، وحتى آخر يوم سبت من رمضان، كما جرت عادته في ذلك (٤)، بعد انقطاع دام نحو إحدى عشرة سنة، منذ مغادرته دمشق عقب وفاة الأشرف موسى (٥). ويحركه الشوق إلى زيارة الشيخ الفقيه محمد بن أحمد اليونيني بعلبك (٦)، وهو شيخ الحنابلة بها (٧)، وتلميذ شيخه الأثير أسد الشام عبد الله اليونيني (٨)، ويتذاكر معه أخبار الملك الأشرف موسى، وما رؤي له من منامات صالحة تدل على حسن خاتمته (٩). وكان عقب رجوعه إلى دمشق من بغداد، قد سعى لدى نواب الصالح أيوب في إطلاق سراح أمة اللطيف ابنة منافسه في ميدان الوعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن النجم الحنبلي (١٠). وكانت أمة اللطيف قد قامت على خدمة

стр. 212

الصاحبة ربيعة خاتون؛ أخت السلطان صلاح الدين مدة، فحصل لها منها أموال عظيمة (١)، وهي التي أرشدتها إلى وقف مدرستها الصاحبة على الحنابلة (٢). وبعد وفاتها سنة ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م، لاقت أمة اللطيف الشدائد والأهوال (٣)، بسبب هذه المدرسة (٤)، فحبست بقلعة دمشق، وصودرت وأخذت أموالها. فدخل سبط ابن الجوزي في قضيتها، وبالغ في أمرها، وكللت مساعيه بالإفراج عنها بعد نحو سنة، وكانت أقامت في محبسها ثلاث سنين (٥). - ٢ - وتتجدد بدمشق صلة سبط ابن الجوزي بالأمير عز الدين أيبك المعظمي. وكانت علاقته به تعود إلى أيام الملك المعظم عيسى بن العادل، فهذا الأمير كان من مماليكه المقربين النجباء، اشتراه سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١١ م، وهو يبني قلعة الطور (٦)، وفوض إليه أستاذ داريته، وظهر منه من العقل والسداد ما أوجب تقديمه على الأولاد، وأعطاه قلعة صرخد، فأقام بها يضاهي الملوك (٧)، حتى انتزعها منه الصالح أيوب بن الكامل في هذا العام (٨). وكان عز الدين أيبك قد بنى من المدارس في دمشق مدرستين للحنفية: المدرسة العزية البرانية، وفيها قبة لتكون تربته (٩)، والمدرسة العزية

стр. 213

الجوانية (١)، وذكر له مدرسة ثالثة كانت في جامع دمشق؛ هي أشبه بحلقة تدريس (٢). ومن أولى من صديقه القديم سبط ابن الجوزي ليتولى النظر في شؤونه؟ ولذلك يفوض إليه في هذا العام - أي: سنة ٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م - النظر في أوقافه ومدارسه، ويقبل سبط ابن الجوزي هذا التفويض على كره منه وحياء من الأمير (٣). وكان أمير دمشق وقتئذ جمال الدين بن مطروح يكن العداوة لعز الدين، فتواطأ مع جماعة من الأمراء على الإيقاع به، فزوروا رسالة إليه، وادعوا أنها جاءته من حلب من عند الصالح إسماعيل؛ عدو الصالح أيوب اللدود. فاتهموه بمكاتبته، وكتبوا إلى الصالح أيوب يخبرونه بذلك (٤). وكان الصالح أيوب يطوي قلبه على بغضه لوقوفه في السنين السالفة مع أعدائه (٥)، فأمر على الفور باعتقاله، وأن يحمل إلى القاهرة تحت الحوطة، فاعتقل في ١٣ ذي القعدة سنة ٦٤٥ هـ/ ١١ آذار ١٢٤٨ م، وحمل إلى القاهرة، واعتقل فيها. وزاد الأمر سوءا أن إبراهيم بن الأمير عز الدين (٦)، لأمر ما مضى إلى

стр. 214

الصالح أيوب بمصر، ووشى بأبيه، قائلا: إن أموال أبيه قد بعث بها إلى الحلبيين، وأول ما نزل بها من صرخد أودعها عند سبط ابن الجوزي. ثم سعى بحاشية أبيه كذلك قائلا: عندهم أمواله فأمر الصالح أيوب باعتقال الحاشية، وحملهم إلى مصر، فحملوا، ولم يظهر عليهم مما قيل درهم. ويبدو أن الصالح أيوب لم يجرؤ على اعتقال سبط ابن الجوزي معهم. ولما بلغ عز الدين، وهو في اعتقاله، اجتماع ابنه إبراهيم بالصالح أيوب، وقع إلى الأرض، وقال: هذا آخر عهدي بالدنيا. ولم يتكلم بعدها (١) حتى توفي في أوائل جمادى الأولى سنة ٦٤٦ هـ/ ٨ آب ١٢٤٨ م (٢)، ودفن بباب النصر. ويأسى سبط ابن الجوزي لما حل بصاحبه الأمير عز الدين، وموته غريبا مظلوما، فينقلب على الصالح أيوب، وعلى أمير دمشق جمال الدين بن

стр. 215

مطروح. ويسعى جاهدا إلى نقل عز الدين من القاهرة إلى دمشق، ودفنه في قبته في المدرسة العزية البرانية. فيتم له ذلك بعد حين على يد أحد مماليك عز الدين، فيحمله في تابوت إلى دمشق. ويرثيه سبط ابن الجوزي بكلمات فيها حزن وعزاء، قائلا: «ختم للأمير عز الدين بالشهادة، كما عاش في دنياه تحت تلك السعادة … ودفناه في قبته بين العلماء والفقهاء والمحدثين والقراء، وأعطاه الله في آخرته ما كان يتمناه في دنياه، وأناله أرفع الدرجات، والأعمال بالنيات» (١).

стр. 216

حملة لويس التاسع على مصر ووفاة الصالح أيوب بن الكامل - ١ - وتتسارع الأحداث، فمن جديد يقع النزاع بين الحلبيين والصالح أيوب، ويسببه هذه المرة الأشرف بن المنصور؛ صاحب حمص، فقد سلم نواب الصالح أيوب قلعة شميميش (١)، تقربا إليه (٢)، فحصنها، وبعث إليها بالخزائن (٣). فانزعج لذلك الناصر يوسف بن عبد العزيز ومدبر دولته شمس الدين لؤلؤ، وخافا أن يكون ذلك سببا لمضايقة الصالح أيوب بلاد حلب، فصمما العزم على قصد حمص، وانتزاعها من الأشرف (٤). ويبلغ الصالح أيوب ما عزما عليه، فيستعد للسفر إلى الشام، ويأمر العساكر أن تتقدم إلى السانح، وكان قد ابتنى بها مدينة سماها الصالحية، وجعل فيها سوقا وجامعا لتكون مركزا للعساكر قبل خروجهم إلى صحراء سيناء. ولخوفه أن يموت بالشام، ويملك أخوه العادل البلاد بعده (٥)، يبعث إلى حبسه خادمه محسن (٦) ليأمره أن يتوجه إلى قلعة الشوبك، ليعتقل بها، فيمتنع العادل من ذلك (٧)، ويقول: إن أردتم أن تقتلوني بالشوبك، فها هنا

стр. 217

أولى، ولا أروح أبدا. ويخرج الخادم ويعرف الصالح بقوله، فيقول له: دبر أمره. فيأخذ ثلاثة مماليك، ويدخلون عليه ليلة الإثنين ١٢ شوال سنة ٦٤٥ هـ/ ٩ شباط ١٢٤٨ م، ويخنقونه ويعلقونه، ويظهرون أنه شنق نفسه. وتخرج جنازته كجنازة الغرباء، ولم يتجاسر أحد أن يترحم عليه، أو يبكي حول نعشه (١). وبعد أن يستريح الصالح أيوب من أخيه، يستنيب على مصر كعادته الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني، ويخرج من القاهرة، وينزل بقصره بأشموم طناح (٢). وهناك يعرض له ورم في باطن ركبته، يحصل له منه ناسور يعسر برؤه (٣)، يمتد من بعد إلى فخذه، فيعمل له محفة يركب فيها (٤). ثم يصيبه مرض السل (٥)، فيتيقن الأطباء أن لا شفاء له، ولم يعلم هو بحقيقة مرضه (٦).

стр. 218

وسبب إقامته بأشموم طناح ليكون قريبا من دمياط، استعدادا لقرب قدوم حملة صليبية جديدة، بلغته أنباؤها (١). وكانت عساكر حلب قد خرجت مع الأمير شمس الدين لؤلؤ نحو حمص، وما إن وصلوا إليها حتى نصبوا عليها المجانيق، وضايقوها مضايقة شديدة. وصبر الأشرف بن المنصور على الحصار، لما يعلمه من أن معظم عساكر الصالح أيوب في دمشق، وبقيتها في الصالحية بمصر، ولا بد أن تقدم عليه وتنجده. ولما استبطأ الأشرف إنجادهم له (٢)، وقد مر على حصار حمص نحو شهرين (٣)، وأن لا خلاص له إلا بتسليمها، راسل الأمير شمس الدين في ذلك، وأذعن للصلح، على أن يعوض عنها تل باشر، مضافا إلى ما بيده من الرحبة وتدمر. فأجيب إلى ما طلب، وتسلم الأشرف تل باشر، ودخلت قوات الناصر يوسف حمص، واستولوا عليها (٤). واشتد غضب الصالح أيوب لاستيلاء الحلبيين على حمص، فرحل على الفور، لعلو همته وبرغم مرضه، من أشموم طناح إلى القاهرة، واستدعى إليه الأمير حسام الدين بن أبي علي من الصالحية، واتفقا على المسير إلى الشام، لانتزاع حمص من أيديهم (٥)، ولمواجهة الحملة الصليبية التي وصلت إلى قبرص في ٢٧ جمادى الآخرة سنة ٦٤٦ هـ/ ١٧ أيلول ١٢٤٨ م (٦)، لقضاء الشتاء هناك (٧)، وغدا الآن يتوقع قدومها في الربيع إلى الشام (٨).

стр. 219

فاستناب بمصر الأمير جمال الدين بن يغمور، وتقدم إلى عسكره المقيم بالصالحية بالتوجه نحو دمشق، وسار بهم وهو في محفة لمرضه (١). ووصل إلى دمشق في أول شعبان سنة ٦٤٦ هـ/ ١٩ تشرين الثاني ١٢٤٨ م (٢)، فنزل بقلعتها، وجهز العساكر إلى حمص مع الأميرين فخر الدين يوسف وحسام الدين بن أبي علي (٣)، وبعث بالمجانيق إلى حمص، وسخر الفلاحين بحملها (٤) في هذا الشتاء القارس (٥)، فهجر الفلاحون قراهم هربا من هذه السخرة (٦). وأخيرا نزل عسكر الصالح أيوب على حمص، وضايقها، ونصب المجانيق عليها، وواتر رميها بالحجارة، وجد في حصارها ليسرع في أخذها، لقسوة الشتاء والبرد الشديد (٧). وخرج الناصر يوسف من حلب في ١٥ رمضان سنة ٦٤٦ هـ/ ١ كانون الثاني ١٢٤٩ م للقائهم، ونزل بأرض كفر طاب (٨). وألح فخر الدين يوسف في الحصار (٩) إلى أن ورد من بغداد الشيخ نجم الدين البادرائي رسولا من الخليفة المستعصم بالله للإصلاح بين الناصر يوسف والصالح أيوب، وتم الاتفاق على أن يرجع الصالح أيوب عن حمص، وتبقى بيد الناصر يوسف. فتقدم الصالح أيوب إلى عساكره بالرحيل عنها بعد أن شارفوا على أخذها. وسبب اضطرار الصالح أيوب للموافقة على هذا الصلح ما بلغه من

стр. 220

أن الحملة الصليبية القادمة ستتجه نحو مصر (١)، وهي ما عرف من بعد بالحملة الصليبية السابعة. فأسرع الصالح أيوب بالعودة إليها في ٤ المحرم سنة ٦٤٧ هـ/ ١٩ نيسان ١٢٤٩ م، مريضا مدنفا (٢)، محمولا في محفة (٣)، بعد انتظاره لهذه الحملة بدمشق نحو خمسة أشهر (٤). ويبدو أن قطيعة سبط ابن الجوزي له كانت قد استحكمت، فلم يحدثنا أنه التقاه خلالها أبدا. - ٢ - ووصل الصالح أيوب إلى أشموم طناح في يوم الإثنين ٣ صفر سنة ٦٤٧ هـ/ ١٨ أيار ١٢٤٩ م ليكون في مقابلة الصليبيين إذا وصلوا إلى دمياط (٥). وأرسل الأمير جمال الدين موسى بن يغمور لينوب عنه في دمشق، بعد عزله جمال الدين يحيى بن مطروح عن نيابتها، وقد تغير عليه (٦). وأخذ الصالح أيوب في جمع الذخائر والأقوات وآلات الحرب، وإرسالها إلى دمياط. وتقدم إلى الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ أن ينزل بالعساكر على جيزة دمياط، ليكون في مقابلة الصليبيين حين وصولهم (٧). وغادر الصليبيون قبرص، ووصلت مراكبهم إلى الساحل من جهة برج دمياط يوم الجمعة ٢٠ صفر سنة ٦٤٧ هـ/ ٤ حزيران ١٢٤٩ م (٨). وشرعوا في

стр. 221

فجر يوم السبت ٢١ صفر/ ٥ حزيران بالنزول إلى البر (١)، وكان الملك لويس التاسع من أوائل النازلين (٢)، وضربت له خيمة حمراء، فناوشهم بعض المسلمين بعض المناوشة (٣). فلما أمسى الليل رحل الأمير فخر الدين يوسف بالعساكر، وقطع بهم الجسر إلى الجانب الشرقي، تاركا البر الغربي للصليبيين، ثم تابع رحيله مع العساكر متوجها إلى أشموم طناح. وساد الاضطراب عندئذ بين العساكر، واشتد طمعهم بسبب مرض الصالح أيوب، فلم يعد يردعهم رادع، وخلا منهم البر الشرقي كذلك. فلما رأى أهل دمياط هروب العساكر، خافوا على أنفسهم أن يطول عليهم الحصار، فيهلكوا جوعا كما هلك أهلها في المرة السالفة (٤)، فخرجوا كأنما يسحبون على وجوههم طوال الليل، هاربين إلى أشموم طناح مع العسكر، وفيهم جماعة من الكنانية شجعان، وهم حفاة جياع فقراء بمن معهم من الأطفال والنساء (٥)، ولم يبق بالمدينة إلا مسيحيوها حيث لزموا دورهم (٦). ولما أصبح الصباح من يوم الأحد ٢٢ صفر/ ٦ حزيران (٧) زحف الصليبيون إلى دمياط، فرأوا أبوابها مفتحة ولا أحد يحميها، فخشوا أن تكون مكيدة، فتمهلوا حتى تبين لهم أن أهلها هربوا وتركوها، فدخلوها بغير كلفة ولا مؤنة حصار، واستولوا على ما فيها من الأسلحة والأقوات والأزواد والذخائر، والأموال والأمتعة صفوا عفوا. وبلغ أهل القاهرة والفسطاط ما جرى، فانزعج الناس انزعاجا عظيما (٨)،

стр. 222

ودب اليأس في قلوبهم، واعتقدوا أن الصليبيين بعد استيلائهم على دمياط سيستولون على مصر كلها، ولا سيما أن سلطانهم الصالح أيوب مريض، وقد ضعفت قواه عن الحركة، ولم يعد لديه القدرة على ضبط عساكره (١). أما الصالح أيوب فقد تغيظ مما جرى، واشتد حنقه على الكنانية لخروجهم من دمياط بغير إذن، فاستفتى الفقهاء، فأفتوا بقتلهم. فأمر بشنقهم، فشنقوا جميعا، وكانوا نحو خمسين أميرا (٢). وتألم مما فعله الأمير فخر الدين والعساكر (٣)، وقال لهم: أما قدرتم تقفوا ساعة بين يدي الإفرنج! وأسرها الصالح أيوب في نفسه (٤)؛ لأن الوقت لا يحتمل إلا الصبر والإغضاء عما فعلوا (٥). * * * ولم ير الصالح أيوب له من سبيل إلا الرحيل مع العساكر إلى المنصورة (٦)، وهي التي بناها والده الكامل (٧)، فحمل إليها (٨)، واستقر بها في قصر أبيه يوم الثلاثاء ٢٤ صفر/ ٨ حزيران (٩). وتدفق عليها الغزاة والعربان والرجال من عوام الناس من كل النواحي طلبا للجهاد (١٠). أما الصليبيون فقد أثار دهشتهم سهولة استيلائهم على دمياط، ولكن لم يعد بوسعهم متابعة انتصارهم، وهم على أبواب شهور الصيف، لقرب حلول زمن فيضان النيل. وما تزال التجربة المرة التي عانتها الحملة الصليبية الخامسة ماثلة أمام أعينهم (١١)، فآثر ملكهم لويس التاسع الإقامة في دمياط

стр. 223

طوال شهور الصيف (١). وحصن سورها، وملأها بالمقاتلة (٢)، وحول مسجدها إلى كنيسة. وتوزع الصليبيون في أحيائها ودورها (٣). * * * وتزايد المرض بالصالح أيوب واشتد (٤)، وضعفت قواه جدا، ولم يلبث أن مات ليلة الأحد ١٤ شعبان سنة ٦٤٧ هـ/ ٢٢ تشرين الثاني ١٢٤٩ م، عن نحو أربع وأربعين سنة (٥). ولم يكن عنده إلا جاريته شجر الدر، وهي المدبرة للأمور (٦). وهكذا اتفقت وفاة الصالح أيوب في أصعب الأوقات (٧)، فرأت شجر الدر أن تخفي موته (٨) لئلا يطلع عليه الصليبيون فيهجموا على المسلمين، فلربما لا يثبتون لهم، إذ لا قائد يجمعهم الآن. ولا يقوم بجمع شملهم مثل الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ (٩)، لحب الناس له (١٠). فأبقت كل شيء على حاله، وكانت تقول: السلطان مريض ما يصل إليه أحد (١١). واتفقت مع الطواشي جمال الدين محسن - وهو أقرب الخدام إلى الصالح أيوب - على استدعاء الأمير فخر الدين يوسف، وعرفاه موت السلطان الصالح أيوب. واتفق ثلاثتهم على كتمان هذا الأمر (١٢) عن كل كبير من الدولة وصغير (١٣) وعلى تحليف العساكر وولاة البلاد للصالح أيوب ومن بعده لولده المعظم تورانشاه، وللأمير فخر الدين بأتابكية

стр. 224

العسكر، والقيام بتدبير المملكة (١). ووضع الصالح أيوب في تابوت، ونقل سرا في المركب إلى قلعة الروضة بالجزيرة (٢). وبعثت شجر الدر الأمير فارس الدين أقطاي (٣)؛ وهو يومئذ رأس المماليك البحرية، لإحضار المعظم تورانشاه من حصن كيفا (٤).

стр. 225

قدوم المعظم تورانشاه بن الصالح أيوب إلى مصر وهزيمة الصليبيين - ١ - مع نهاية انحسار فيضان النيل، وذلك في ٢٣ رجب سنة ٦٤٧ هـ/ ٣١ تشرين الأول ١٢٤٩ م، أخذ الصليبيون في الاستعداد للخروج من دمياط للزحف نحو القاهرة. ولما أتموا استعداداتهم خرجوا منها في ١٢ شعبان/ ٢٠ تشرين الثاني - قبيل وفاة الصالح أيوب بيومين - متجهين جنوبا نحو المنصورة (١). وفي طريقهم إليها اعترضتهم فروع النيل، وأكبرها فرع يعرف بالبحر الصغير، يتفرع من مجرى النيل الرئيسي جنوبي المنصورة، ويسير مجتازا أشموم طناح إلى بحيرة المنزلة، عازلا بذلك ما يعرف بجزيرة دمياط. خلف هذا البحر الصغير حشد الأمير فخر الدين معظم قواته، وأرسل خيالته لإيقاع الاضطراب في صفوفهم عند اجتيازهم فروع النيل. بيد أن هذه المناوشات لم توقف زحفهم، وتابع الملك لويس التاسع تقدمه ببطء وحذر (٢) حتى وصل إلى فاسكور، وسفنه في النيل تحاذيه، ثم رحل منها يوم الخميس ٢٤ شعبان/ ٢ كانون الأول. وعلى مقربة من فاسكور دارت رحى معركة بين المسلمين والصليبيين في ٢٩ شعبان/ ٧ كانون الأول، ارتدت على إثرها الخيالة المصرية (٣).

стр. 226

وقتل من الصليبيين عدة (١). وشد من أزرهم ما تسرب إليهم من أنباء عن وفاة الصالح أيوب، فتشجعوا لدى سماعها، ورأوا أن حكومة مؤلفة من امرأة ورجل كهل لن تلبث أن تنهار (٢). فتابعوا طريقهم مجدين، ونزلوا بشارمساح. وفي يوم الاثنين ٧ رمضان/ ١٤ كانون الأول نزلوا البرمون، فاشتد الخطب، وعظم الكرب لقربهم من المنصورة. وفي ليلة الاثنين ١٣ رمضان/ ٢٠ كانون الأول (٣)، عسكر الصليبيون على ضفاف البحر الصغير تجاه المنصورة (٤)، ورست سفنهم إلى جانبهم، ووقفت سفن المسلمين بإزاء المنصورة. فخندق الصليبيون عليهم خندقا، وأداروا سورا وستروه بالستائر، ونصبوا المجانيق، ووقع القتال بين الصليبيين والمسلمين برا وفي النيل (٥). * * * أما في حصن كيفا فقد وصل إليه فارس الدين أقطاي (٦) وحث المعظم تورانشاه على سرعة الحركة، وطلب منه أن يوليه الإسكندرية، فوعده بها (٧). وخوفا من أن يحول بدر الدين لؤلؤ؛ صاحب الموصل والحلبيون بينه وبين مقصده، تنكر المعظم تورانشاه (٨)، وخرج من حصن كيفا يوم السبت ١١ رمضان سنة ٦٤٧ هـ/ ١٨ كانون الأول ١٢٤٩ م مع جماعة من أصحابه وخواصه، تاركا فيه ابنه الملك الموحد عبد الله، وله نحو عشر سنين. وسار مجدا (٩)، عابرا البلاد. ولم يفطن له أحد من ملوك الأطراف حتى

стр. 227

وصل إلى عانة (١)، وهي من بلاد الخليفة (٢) بعد أربعة أيام (٣)، فعدى الفرات (٤)، متوجها إلى دمشق على طريق بادية السماوة (٥)، حتى وصل إليها يوم الثلاثاء ٢٩ رمضان/ ٥ كانون الثاني، فأقام بقلعتها، وأحسن إلى أهلها (٦). ووردت إلى القاهرة بشائر وصوله إلى دمشق، واستقراره بقلعتها في ٤ شوال/ ١٠ كانون الثاني (٧). وأرسل الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ جماعة من المماليك إلى دمشق، تستعجله في القدوم إلى مصر، فأوهمه بعضهم أن فخر الدين قد حلف العساكر لنفسه، ومتى وصلت قتلك. فتوقف المعظم في دمشق، وأنفق الأموال ليستميل بها عسكر مصر، وحلف المماليك الذين بعثهم فخر الدين إليه على قتله (٨). وبقي المعظم مقيما في دمشق سبعة وعشرين يوما (٩)، ثم خرج منها إلى المنصورة يوم الإثنين ٢٦ شوال/ ١ شباط (١٠)، وقد عزم حين وصوله إليها على الفتك بالأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، لما بلغه عنه من طمعه في الملك، ومحبة الناس له (١١). - ٢ - وكان القتال في تلك الأيام متصلا بين المسلمين والصليبيين (١٢)، وكان أكثر ما ينكي بالصليبيين هؤلاء المطوعة الذين يتحيلون في التخطف منهم كل حيلة (١٣).

стр. 228

وظل الجيشان نحو ستة أسابيع على تلك الحالة (١)، يفصل بينهما البحر الصغير - وكان فيه مخايض رقاق (٢) - حتى كان يوم جاء فيه أحد الأقباط إلى معسكر الملك لويس التاسع، وعرض عليه أن يدله (٣) على مخاضة من تلك المخايض تعرف بمخاضة سلمون (٤)، يعبرون منها البحر الصغير، لقاء مال يعطيه له (٥). وفي فجر الثلاثاء ٥ ذي القعدة سنة ٦٤٧ هـ/ ٩ شباط ١٢٥٠ م، ركب الصليبيون، وقصدوا تلك المخاضة (٦)، وشرعوا في اجتيازها، وتولى روبرت الأخ الثاني للملك لويس التاسع قيادة مقدمة الجيش، بمن كان بها من الداوية، وتلقى منه أوامر صارمة بألا يهاجم المصريين إلا بعد أن يأذن له. وعبر الصليبيون المخاضة في عناء وبطء، ولم يكد روبرت يجتاز البحر الصغير مع رجاله حتى عزم على المبادرة بالهجوم، خشية أن يضيع عنصر المفاجأة، فأهمل أوامر الملك، وأصر على متابعة الزحف إلى معسكر المسلمين (٧). فلم يشعر المسلمون إلا والصليبيون (٨) قد حملوا عليهم وقت السحر على غرة (٩)، فاندفعوا بين أيديهم مهزومين (١٠). في ذلك الوقت كان الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ يغتسل في الحمام (١١)، فأتاه الصريخ بأن الصليبيين قد هجموا على المعسكر (١٢)، فخرج مدهوشا، لم يتسن له لبس لأمة الحرب، وركب فرسه على عجل (١٣) ليكشف الخبر، وليس معه سوى بعض مماليكه وأجناده، فالتقى مصادفة

стр. 229

كتيبة من الداوية، فحملوا عليه، فهرب من كان معه (١)، وتركوه وحيدا يدافع عن نفسه، فطعنه واحد من الداوية برمح في جنبه (٢)، فوقع عن الفرس، وتكاثروا عليه، فضربوه في وجهه بالسيف عرضا وطولا ضربتين، فقتلوه، وله من العمر ست وستون سنة (٣). وبمقتل الأمير فخر الدين (٤) تمت لروبرت السيطرة على المعسكر. وعندئذ توسل إليه مقدم الداوية أن ينتظر حتى يجتاز الملك وسائر الجيش المخاضة ليلحقوا به، بيد أن هذا النصر السريع فتح شهية روبرت للقتال، فعزم على أن يستولي على المنصورة (٥). ومع أن العساكر قد انهزموا بين يديه (٦) إلا أن مماليك الصالح أيوب البحرية - وفيهم ركن الدين بيبرس البندقداري (٧) - ظلوا متماسكين (٨). وبدهاء ورباطة جأش تركوا الصليبيين يتدفقون على المدينة، وقد كمنوا لهم في سككها وشوارعها، حتى إذا بلغوا أسوار قلعتها (٩)، وتفرقوا في

стр. 230

أزقتها (١)، وانهزم الناس منهم يمينا وشمالا (٢)، وأيقنوا بالظفر، انقض عليهم هؤلاء المماليك، وحملوا عليهم حملة واحدة عظيمة، زعزعوا بها صفوفهم، وأخذتهم سيوفهم، فأثخنوا فيهم قتلا وجرحا، وطرحوهم في أزقة المنصورة، وكادوا يستأصلونهم (٣)، حتى حال بينهم الليل (٤)، فلم يفلت منهم إلا عدد قليل. واعتصم روبرت وحرسه في بيت من بيوتها، غير أن المماليك اقتحموا البيت، وأجهزوا عليه مع حرسه (٥). وهذه هي أولى المعارك التي كان النصر فيها حليف هؤلاء المماليك وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم. ووردت بشراها على المعظم تورانشاه، وهو في طريقه إلى مصر (٦). - ٣ - وبينما كان الملك لويس التاسع على وشك الفراغ من اجتياز البحر الصغير، بلغته هزيمة الصليبيين بالمنصورة، فبادر على الفور بإقامة خط أمامي لمواجهة ما يتوقعه من هجوم من قبل المماليك. وأمر المهندسين بإنشاء جسر على مجراه، واتخذ الرماة مواضعهم على الطرف البعيد للنهر كي يحموا الجند عند عبورهم، وكان لويس حريصا على أن يلحقوا به (٧). ولم يلبث المماليك أن خرجوا من المنصورة، وهجموا على موقع الصليبيين الجديد، ليحولوا دون بنائهم الجسر، فلم ينجحوا في ذلك، واكتمل بناؤه مع غروب شمس يوم الأربعاء ٦ ذي القعدة/ ١٠ شباط. فاجتازه الرماة الصليبيون، ورجع المماليك إلى المنصورة. ونصب الملك لويس التاسع معسكره في ذلك الموقع، وعلم وقتئذ بمصرع أخيه روبرت،

стр. 231

فاغرورقت عيناه بالدموع (١). وألفى نفسه في موقف صعب خطير، يشبه ما حدث من قبل للحملة الصليبية الخامسة (٢)، فها هو جيشه يقف في مكان قريب من المكان الذي وقفت فيه، لا يريم، فالكارثة التي حلت به في المنصورة جعلته عاجزا عن شن هجوم عليها، ولا نجاة له مما هو فيه إلا أن يقع في مصر من الاضطرابات والفتن ما يحملهم على أن يعرضوا عليه شروطا للصلح يقبلها. وإلى أن يحين ذلك لجأ إلى تحصين معسكره، وتدعيم الجسر على البحر الصغير (٣). * * * وتتواتر الأخبار بقرب وصول المعظم تورانشاه إلى مصر، فيخرج القاضي بدر الدين السنجاري إلى لقائه بغزة، ثم يخرج الأمير حسام الدين بن أبي علي إلى قرب الصالحية، فيتلقاه بها يوم السبت ١٦ ذي القعدة/ ٢٠ شباط، وينزل بها في قصر والده، ويقدم إليه جمع كثير من الأمراء ومماليك والده للسلام عليه، ويقع وقتئذ التصريح بوفاة الصالح أيوب، بعد كتمان له دام نحو ثلاثة أشهر (٤)، ولم يكن أحد قبل هذا اليوم ينطق بموته (٥). ثم يرحل المعظم من الغد إلى المنصورة (٦)، ويصل إليها يوم الخميس ٢١ ذي القعدة/ ٢٥ شباط (٧)، ويتلقاه الأمراء والمماليك البحرية، ويستقر في قصر أبيه (٨). وأول ما بدأ به أن أخذ مماليك الأمير فخر الدين يوسف الصغار، واستولى على ثروته التي خلفها، ولم يعط ورثته شيئا، وأخذ يسبه (٩)، ويجعل حسناته سيئات، ويقول: أنفق الأموال وأطلق المحابيس، أيش ترك

стр. 232

لي أنا؟ فكان حفظه الملك وسياسة العسكر، ومقاتلة الفرنج من أكبر ذنوبه، على حد تعبير سبط ابن الجوزي (١). ثم ركب المعظم بالعساكر إلى قبالة الصليبيين، وناوشهم القتال، وشدد حصارهم في منزلتهم التي نزلوها. وقدم إليه جماعة من العلماء، منهم الشيخ العلامة عز الدين بن عبد السلام (٢). * * * وكانت الميرة تأتي للصليبيين من دمياط، فعمد المسلمون إلى مراكب حملوها على الجمال إلى بحر المحلة، وألقوها فيه، بعد أن شحنوها بالمقاتلة، مستفيدين مما فيه من ماء أيام زيادة النيل، وكمنوا للصليبيين. فلما حاذتهم مراكبهم المقلعة من دمياط، خرجوا عليها، ووقع القتال بين الفريقين. وأمدت المسلمين أساطيلهم منحدرة من جهة المنصورة، فطوقوا بذلك مراكب الصليبيين، وأخذوهم أخذا باليد، فقتلوا وأسروا منهم نحو ألف، وسلبوا نحو خمسين مركبا، واستولوا على ما فيها من ميرة، ثم حملوا الأسرى على الجمال، وقدموا بهم إلى المنصورة. وانقطعت بسبب ذلك الميرة عن معسكر الصليبيين، وضعفوا ضعفا شديدا، واشتد عندهم الغلاء من يومئذ، وعدمت الأقوات، وباتوا محصورين لا يستطيعون المقام ولا الذهاب. واستضرى عليهم المسلمون، وطمعوا فيهم (٣). وحاول الصليبيون مرة أخرى إيصال الميرة إلى معسكرهم المحاصر، فخرج عليهم المسلمون في مراكبهم يوم الإثنين ٩ ذي الحجة/ ١٥ آذار، وهو يوم عرفة، فالتقوا بمراكب الصليبيين، فاستولوا منهم على نحو اثنين وثلاثين مركبا، فازداد عند ذلك ضعف الصليبيين، وقوي عندهم الغلاء (٤). وأدرك الملك لويس التاسع حينئذ أن لا بد له من بذل ما في وسعه

стр. 233

لتخليص جيشه، وذلك بالتقهقر نحو دمياط، وأعد نفسه للدخول في مفاوضات مع المسلمين. فأرسل إلى تورانشاه يعرض عليه (١)، أن يسلم دمياط مقابل تسليم بيت المقدس له، وبعض بلاد الساحل (٢). بيد أن الوقت قد فات على شرط كهذا الشرط بعد أن عرف المسلمون ما عليه من ضعف (٣)، فلم تقع الإجابة إلى ذلك. فأسقط في يد الملك لويس، وعزم حينئذ على التقهقر إلى دمياط (٤)، ودعا قادته للاجتماع به لمناقشة هذا الأمر، فتوسلوا إليه أن يتسلل بحرسه إلى دمياط، فأبى في كبرياء أن يتخلى عن رجاله. فتقرر نقل المرضى على السفن بطريق النيل، وأن يتخذ الأصحاء من الجند الطريق الذي سبق أن سلكوه في قدومهم (٥). واستعدادا للرحيل أحرق الصليبيون يوم الجمعة ٢٦ ذي الحجة/ ١ نيسان أخشابهم كلها كيلا يستفاد منها، وأتلفوا مراكبهم (٦). وفي ليلة الأربعاء ٢ المحرم سنة ٦٤٨ هـ/ ٧ نيسان ١٢٥٠ م (٧) رحلوا بفارسهم وراجلهم متوجهين إلى دمياط ليمتنعوا بها، وانحدرت مراكبهم في النيل قبالتهم (٨). واتخذ الملك لويس التاسع مكانه في مؤخرة الجيش كيما يشجع العساكر الذين ضلوا الطريق. وتنبه المماليك البحرية في المنصورة لتحرك الصليبيين، فنهضوا لمطاردتهم، واكتشفوا أن الصليبيين جميعا قد اجتازوا البحر الصغير، وأن مهندسيهم نسوا أن يدمروا الجسر العائم، فاجتازوه (٩). ومع طلوع صباح يوم الأربعاء كان المسلمون قد أحاطوا بالصليبيين في فارسكور، وبذلوا

стр. 234

فيهم سيوفهم، واستولوا عليهم قتلا وأسرا (١)، ولم يسلم منهم إلا الشاذ (٢). وأبلت المماليك البحرية، ولا سيما ركن الدين بيبرس البندقداري في هذه الوقعة بلاء حسنا، وبان لهم أثر جميل. والتجأ الملك لويس التاسع وعدة من أكابر أصحابه إلى تل منية (٣) عبد الله من ناحية شرمساح (٤)، ووقفوا به مستسلمين، طالبين الأمان، فأتاهم الطواشي جمال الدين محسن الصالحي، فأمنهم (٥)، فنزلوا على أمانه. واقتيدوا إلى المنصورة، فقيد الملك لويس بقيد من حديد، واعتقل في دار فخر الدين إبراهيم بن لقمان؛ كاتب الإنشاء، ووكل بحفظه الطواشي صبيح المعظمي (٦)؛ أحد خدام المعظم تورانشاه (٧). وسيرت البشائر بهذا النصر العظيم إلى مصر والقاهرة وسائر البلاد (٨) وطلب المعظم من الملك لويس، وهو في حبسه، بألا يتنازل فحسب عن دمياط، بل عن كل ما للصليبيين في بلاد الشام. فأجابه لويس بأن هذه البلاد تخص الملك كنراد بن الإمبراطور فردريك الثاني، وما من أحد غيره يستطيع أن يتخلى عنها. فبادر إلى إغفال هذا الاقتراح، وألزمه أن يفتدي نفسه بمبلغ ضخم، فوافق الملك لويس (٩). ورحل المعظم والعساكر (١٠)، ومعه الملك لويس (١١) من المنصورة باتجاه دمياط، ونزل بفاسكور، وأقيم مخيمه فيها، ونصب له إلى جانبه برج من خشب، كان يصعد إليه في بعض الأوقات (١٢) للهوه (١٣).

стр. 235

والغريب حقا أن المعظم تورانشاه تراخى عن قصد دمياط، ولو أسرع الوصول إليها، والنزول عليها، وطلب تسليمها والملك لويس التاسع في قبضته لحصل له ذلك في أقرب الأوقات (١).

стр. 236

مقتل المعظم تورانشاه وبداية حكم المماليك البحرية مصر - ١ - بعد الانتصار على الصليبيين أخذ المعظم تورانشاه في إبعاد رجال الدولة (١)، وإحلال من أتى معه من حصن كيفا محلهم (٢). وكذلك اطرح مماليك أبيه البحرية، وخصوصا مقدمهم فارس الدين أقطاي (٣)، بل أشيع عنه أنه يريد إرساله إلى الموصل، وقتله هناك (٤). وكانت شجر الدر لما وصل تورانشاه إلى القدس قد مضت إلى القاهرة (٥)، فبعثت إليها يتهددها، ويطالبها بمال أبيه وما تحت يدها من الجواهر. فداخلها خوف منه، لما بدا منه من الهوج والخفة، وكاتبت المماليك البحرية بما فعلته في حقه؛ من تمهيد الدولة وضبط الأمور حتى حضر وتسلم المملكة، وما جازاها به من التهديد والمطالبة بما ليس عندها. فغضبوا لها، وحنقوا من أفعاله (٦). وكان المعظم قد وعد فارس الدين أقطاي بأن يقطعه الإسكندرية، فلم يف له بذلك ولا أرضاه (٧). فتنكر له أقطاي، وكتم الشر (٨)، وكان يرجو منه أن يكون أقرب الناس إليه لما قاساه من المشاق الشديدة في طريقه من

стр. 237

حصن كيفا حتى أوصله إلى المنصورة (١). فحرك كتاب شجر الدر منه ما كان ساكنا (٢). وكان قد نمي إلى المماليك البحرية أنه إذا سكر في الليل جمع ما بين يديه من الشمع، وضرب رؤوسها بالسيف حتى تتقطع، ويقول: هكذا أفعل بالبحرية. ويسمي كل واحد منهم باسمه. فزادهم نفورا منه، واتفقوا على قتله (٣). فلما كان بكرة يوم الإثنين ٢٨ المحرم سنة ٦٤٨ هـ/ ٣ أيار ١٢٥٠ م (٤) مد السماط العام كالعادة، وأكل الناس، ومعهم المعظم تورانشاه، ولما انتهوا وتفرق الأمراء إلى خيامهم، ونهض المعظم من مجلسه إلى خيمة له ليختلي بنفسه، دخل عليه ركن الدين بيبرس البندقداري، وجذب سيفه، وضربه به، فوقعت الضربة بين إصبعين من أصابع المعظم، فجرحته جرحا خفيفا. ورمى ركن الدين بيبرس السيف من يده رعبا وهرب، ورجع المعظم إلى مجلسه، واجتمع بين يديه أصحابه والبحرية، فقالوا: أي شيء جرى؟ فقال: جرحني بعض البحرية. فقال له بعضهم: ربما فعل هذا بعض الإسماعيلية. فقال: ما فعل بي هذا إلا البحرية (٥)، والله لا أبقيت منهم بقية (٦). فخافت البحرية منه حينئذ واستشعروا. ثم قام المعظم، وصعد برج الخشب، وأحضر الطبيب ليداوي يده (٧)، وهو يتوعدهم (٨). فاجتمعت البحرية، ومقدمهم فارس الدين أقطاي، وخافوا منه على أنفسهم (٩)، وأشار بعضهم بإتمام الأمر فيه، وقال: بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها. فركبوا

стр. 238

وتسلحوا، وأحاطوا بخيمته وبرجه الخشب (١). ففتح المعظم طاقات البرج، واستغاث بالناس، فلم يجبه أحد، ولم يأت أحد من الأمراء لنصرته؛ لأن الجميع كانت قلوبهم نافرة منه، وأيضا خافوا على أنفسهم؛ لأن المماليك البحرية كانوا مستعدين، ولهم قوة، وهم في غاية الشجاعة (٢). فاستغاث المعظم برسول الخليفة، وكان في المعسكر، فركب، وكلمهم فيه، فردوه، وخوفوه من القتل، وخرق حرمة الخلافة (٣)، فرجع إلى خيمته. ثم أحضروا نارا (٤)، وأمروا زراقا بإحراق البرج، فامتنع، فضربت عنقه، ثم أمروا زراقا آخر، فرمى البرج بنفط، فأحرقه، فخرج المعظم من بابه، وناشدهم الله في الكف عنه، والإقلاع عما نقموا عليه، وطلب تخلية سبيله (٥). فناداه فارس الدين: انزل، فما عليك بأس. وتوعدوه بالقتل إن لم ينزل، فنزل من البرج، فاعتنقه فارس الدين أقطاي، فاستجار به المعظم، وقال: الذي وعدتك به من إقطاعك الإسكندرية أنا مقيم عليه، وأفعل معك ما تريد. فلم يثق بقوله، وقصده حينئذ ركن الدين بيبرس مرة ثانية، وبيده السيف، فركض المعظم هاربا نحو النيل، وفيه مراكب ليعتصم بها (٦)، وهو يقول: ما أريد ملكا، دعوني أرجع إلى الحصن، يا مسلمين ما فيكم من يصطنعني ويجيرني؟ وجميع العسكر واقفون فلم يجبه أحد (٧). ودخل في النيل إلى أن وصل الماء إلى حلقه، فرجع، فضربه بيبرس بالسيف، فوقع في الماء، فضربه بالسيف ضربة على عاتقه، فنزل السيف من تحت إبط اليد الأخرى، فوقع ميتا. ورمي في جرف على حافة النيل، وردم عليه التراب، وبقي هناك حتى ليلة الأربعاء (٨)، وقد انتفخ، ولم يتجاسر أحد على دفنه

стр. 239

حتى شفع فيه رسول الخليفة (١). فنقل إلى الجانب الآخر من النيل مجرورا بطرف ثوبه في الماء بصنارة إلى أن عدي به، فحفر له في الرمل، ودفن، وغيب قبره (٢)، ولم يستكمل الثلاثين من عمره (٣). ولما فرغ من قتله نادى المماليك: لا بأس، الناس على ما هم عليه، إنما كانت حاجة فقضيناها (٤). وبقتل المعظم تورانشاه انقرضت دولة بني أيوب في مصر، وكانت مدتها إحدى وثمانين سنة (٥). - ٢ - واجتمع الأمراء والمماليك البحرية، وأعيان الدولة وأهل المشورة في فاسكور، واتفقوا على إقامة شجر الدر أم خليل؛ جارية الصالح أيوب في مملكة مصر (٦)، وعز الدين أيبك التركماني الصالحي (٧)؛ أحد المماليك البحرية على أتابكية العسكر (٨). ورحل الأمير عز الدين الرومي الصالحي إلى القاهرة، فصعد إلى القلعة، وأنهى إلى شجر الدر ما جرى الاتفاق عليه، فأعجبها، وصارت الأمور كلها بيدها (٩). وخطب لها بالسلطنة بسائر الديار المصرية (١٠)، ونقش اسمها على السكة، ومثاله: المستعصمية الصالحية، ملكة المسلمين، والدة الملك المنصور خليل أمير المؤمنين (١١). وهذا أمر لم نعرف أنه جرى مثله في الإسلام قبل ذلك، على حد تعبير ابن واصل (١٢). * * *

стр. 240

ولما استقرت القاعدة على ذلك شرعوا في الحديث مع الملك الأسير لويس التاسع في تسليم دمياط (١)، وأداء نصف ما عليه من المال، مقابل أن يخلى عنه (٢)، على أن يدفع نصفه الثاني عند وصوله إلى عكا (٣). وأرسل الملك لويس إلى من بدمياط من الصليبيين لتسليمها للمسلمين، فسلمت إليهم يوم الجمعة ٣ صفر سنة ٦٤٨ هـ/ ٨ أيار ١٢٥٠ م (٤)، بعد استيلائهم عليها نحو أحد عشر شهرا (٥)، فأفرج عنه ظهر ذلك اليوم (٦)، فانتقل مع نبلائه إليها، وأخذ يلتمس المال اللازم لتسديد القسط الأول من الفدية، ولما أنجز تسليمها أبحر هو وأصحابه في مساء ذلك اليوم إلى عكا (٧). فأقام فيها، ولم يغادرها إلى فرنسة. وما لبث أن جرى الاعتراف به حاكما فعليا على ما بقي من مملكة بيت المقدس (٨). ثم بعد أيام رحلت العساكر من المنصورة متوجهة إلى القاهرة، فدخلوها يوم الخميس ٩ صفر/ ١٤ أيار، وضربت بها البشائر أياما متوالية لنصرة المسلمين على الصليبيين، واسترجاع ثغر دمياط (٩). وعمت البشائر كذلك سائر البلاد الإسلامية (١٠). وفي يوم الإثنين ١٣ صفر/ ١٨ أيار خلعت شجر الدر على الأمراء وأرباب الدولة، وأنفقت فيهم الأموال وفي سائر العسكر (١١). ثم أفرج من بعد على من بقي من أصحاب الملك لويس، وسائر الأسرى في مصر، ممن أسر في معركة المنصورة وسواها من أيام العادل

стр. 241

أبي بكر، وابنه الكامل محمد، فساروا إلى البر الغربي، ثم أقلعوا إلى عكا (١). وودعهم جمال الدين يحيى بن مطروح بأبيات، يسخر فيها من ملكهم لويس التاسع، يقول فيها: قل للفرنسيس إذا جئته … مقال نصح من قؤول فصيح أجرك الله على ما جرى … من قتل عباد يسوع المسيح أتيت مصرا تبتغي ملكها … تحسب أن الزمر يا طبل ريح فساقك الحين إلى أدهم … ضاق به عن ناظريك الفسيح (٢) وكل أصحابك أودعتهم … بحسن تدبيرك بطن الضريح ألهمك الله إلى مثلها … لعل عيسى منكم يستريح وقل لهم إن أزمعوا عودة … لأخذ ثأر أو لفعل قبيح دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشي صبيح (٣)

стр. 242

تملك الناصر يوسف بن العزيز دمشق وهزيمته أمام المماليك البحرية - ١ - وغضب ملوك بني أيوب، ومن يواليهم من الأمراء الأكراد لمقتل تورانشاه على هذا الوجه الشنيع، وتولي شجر الدر السلطنة (١). وكتب الأمراء القيمرية بدمشق - وهم أكراد - إلى الناصر يوسف؛ صاحب حلب، يستدعونه للقدوم عليهم، ليسلموا له دمشق (٢). ولم يوافقهم على ذلك أمراؤها الأتراك، وقالوا: ما بيننا وبين الملك الناصر يوسف إلا السيف، وإن جاءنا قاتلناه (٣). وأصر الأمراء القيمرية على موقفهم (٤)، فخرج الناصر يوسف من حلب في عساكره مستهل شهر ربيع الآخر سنة ٦٤٨ هـ/ تموز ١٢٥٠ م (٥)، ومعه الصالح إسماعيل بن العادل (٦)، لأخذ البلاد، والانتقام ممن أفسد هذا الأمر، وقتل السلطان تورانشاه (٧). ونزلت عساكره على داريا يوم السبت ٧ ربيع الآخر/ ٩ تموز، ثم زحفوا يوم الأحد ٨ ربيع الآخر/ ١٠ تموز إلى باب الصغير، وكان عليه الأمير ناصر الدين القيمري، ففتح لهم الباب، فدخلوه.

стр. 243

ثم دخل الناصر يوسف (١) يوم الأربعاء قلعة دمشق (٢)، وقبض على جماعة من أمراء الصالح أيوب واعتقلهم، واستقرت قدمه في ملك دمشق (٣). وطيب قلوب الناس، ولم يغير على أحد شيئا (٤). * * * واضطرب الأمراء الصالحية والمماليك البحرية في القاهرة من الأنباء الواردة من الشأم (٥). وأجالوا الرأي فيما بينهم، وقالوا: لا يمكن حفظ البلاد والملك بامرأة، ولا بد أن يقوم بالملك رجل تجتمع الكلمة عليه (٦). وكان قد وصل إليهم من بغداد كتاب من الخليفة المستعصم بالله ينكر عليهم تولية امرأة، ويقول: إن كانت الرجال قد عدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسير إليكم رجلا (٧). فاتفق رأيهم على أن يفوض الملك إلى عز الدين أيبك التركماني (٨)، وكان مشهورا بينهم بدين وكرم وجودة رأي (٩). فتزوج عز الدين أيبك بشجر الدر في ٢٩ ربيع الآخر/ ٣١ تموز، وخلعت نفسها من مملكة مصر، فكانت مدة دولتها ثمانين يوما (١٠)، وفوض الملك إليه، ولقب الملك المعز (١١). وأنف بعض المماليك البحرية أن يكون عز الدين أيبك هو السلطان، منهم فارس الدين أقطاي - وهو مقدمهم وإليه مرجعهم - وركن الدين بيبرس البندقداري، فاجتمع الأمراء والبحرية، واتفقوا على أنه لا بد من إقامة شخص في الملك من بني أيوب، يجتمع الكل على طاعته (١٢)، ويطيعه

стр. 244

الملوك من أهله (١). واتفق رأي المماليك البحرية (٢) على إقامة الأشرف مظفر الدين موسى بن يوسف بن الملك المسعود يوسف بن الكامل بن العادل أبي بكر بن أيوب (٣)، وهو صبي له من العمر نحو عشر سنين (٤)، فأقاموه سلطانا في ٣ جمادى الأولى سنة ٦٤٨ هـ/ ٣ آب ١٢٥٠ م على أن يقوم الملك المعز بتدبير الدولة، وليس للأشرف سوى الاسم. وحضر الأمراء في خدمته يوم الخميس ٥ جمادى الأولى/ ٥ آب (٥)، بعد تمليك المعز بخمسة أيام (٦). * * * ولخوف المماليك البحرية من قصد الناصر يوسف مصر، رأوا أن يهدموا مدينة دمياط، خشية أن يستغل الصليبيون ما قد يحدث عندئذ من فوضى في البلاد، ويعاودوا هجومهم عليها. فبعثوا يوم الإثنين ١٧ شعبان سنة ٦٤٨ هـ/ ١٤ تشرين الثاني ١٢٥٠ م الصناع والفعلة والحجارين إليها (٧)، فأزيلت أسوارها، ومحيت آثارها، ولم يبق منها سوى الجامع، وسكن طائفة من ضعفاء الناس في أخصاص على شاطئ النيل من قبليها (٨)، بعيدة عن البحر (٩)، وسموها المنشية، وهي موضع دمياط الآن (١٠). - ٢ - ومذ ملك الناصر يوسف دمشق لم يكف مدبر دولته شمس الدين لؤلؤ عن تحريضه للتوجه بالعساكر إلى مصر، وتملكها، مسهلا عليه ذلك، قائلا

стр. 245

له: إنك إذا توجهت إلى مصر انفضت عساكرها إليك كلها، وملكت البلاد بغير قتال (١). ولم يكن الناصر يوسف يرى هذا الرأي، بل كان يميل إلى مسالمة المماليك البحرية (٢). وألح شمس الدين لؤلؤ بتهوين الأمر عليه، ظنا منه أن الأمر سهل، وأن عسكر مصر أكثرهم ينضم إليه، والباقون لا يثبتون في وجهه أصلا (٣)، بل بلغ به استهزاؤه بعساكر مصر أن قال للناصر يوسف ذات يوم آخذ لك البلاد بمئتين من المخانيث (٤)!، وما زال به حتى استجاب أخيرا له (٥). وخرج الناصر يوسف من دمشق يوم الأحد ١٥ رمضان سنة ٦٤٨ هـ/ ١١ كانون الأول ١٢٥٠ م (٦)، ومعه الصالح إسماعيل بن العادل (٧). وسار الناصر يوسف يطوي المراحل بالعساكر العظيمة، ومعه مماليكه الناصرية، ومماليك أبيه العزيزية - وهم من الترك - وفي قلوب بعضهم وحشة من مقدم العسكر شمس الدين لؤلؤ، لسوء معاملته لهم (٨). ووصلت أخبار تحركه إلى مصر، فانزعج الملك المعز ومن معه من المماليك البحرية، وأجمعوا على محاربته، ودفعه عن البلاد، وقبضوا على جماعة من الأمراء اتهموهم بالميل إليه. ووصل الناصر يوسف إلى غزة يوم الأربعاء ٢ شوال/ ٢٨ كانون الأول، واستقر بها، ريثما يتجهز لدخول صحراء سيناء. فتقدم الملك المعز إلى العساكر المصرية بالتهيؤ للحرب. فخرج الأمير فارس الدين أقطاي؛ مقدم المماليك البحرية في جمهور العساكر، ونزل بالسانح في الصالحية. ثم رحل المعز يوم الخميس ٣ ذي القعدة سنة ٦٤٨ هـ/ ٢٧ كانون الثاني ١٢٥١ م في بقية العساكر من القاهرة إلى الصالحية، فاجتمعت عساكر

стр. 246

مصر جميعها بها. وكان الناصر يوسف قد وصل يوم السبت ٥ ذي القعدة/ ٢٩ كانون الثاني إلى قطيا، وفي يوم الإثنين ٧ ذي القعدة/ ٣١ كانون الثاني وصل بعساكره إلى كراع، وهي قريبة من العباسة (١)، فرحل المعز من الصالحية، ونزل بسموط قبالة الناصر يوسف (٢)، وتقارب ما بين العسكرين. وكان الناس يعتقدون أن النصر إنما هو للناصر يوسف على المماليك البحرية، لكثرة عساكره، ولميل بعض عسكر مصر إليه (٣). * * * وفي يوم الخميس ١٠ ذي القعدة سنة ٦٤٨ هـ/ ٣ شباط ١٢٥١ م تداني العسكران (٤)، فحملت ميمنة عسكر الشام هي والميسرة على من بإزائها من عسكر المصريين حملة شديدة، فانكسرت ميسرة المصريين، وولوا منهزمين (٥). وأبعد الشاميون خلف المنهزمين حتى وصلوا إلى العباسة (٦)، وهم يظنون أن الكسرة تمت على المصريين (٧)، ولم يدروا أن ميمنة أهل الشام قد انكسرت، وقتل عسكر مصر منها خلقا كثيرا، وأسروا أكثر مما قتلوا. وبقي الناصر يوسف في كراع ليس عنده خبر بما يجري، وإنما هو واقف (٨) تحت سناجقه في جمع قليل (٩)، مع خزائنه وأصحابه (١٠). وكان الملك المعز وفارس الدين أقطاي قد انحازا مع نحو سبعين فارسا إلى جانب، وقد عزموا على الهرب إلى الشوبك، فلما رأوا الناصر يوسف قد بعدت عنه عساكره (١١)، حملوا عليه، فولى منهزما يريد الشام في

стр. 247

خاصته وغلمانه، واستولى المماليك البحرية على سناجقه، وكسروا صناديقه ونهبوا أمواله (١)، وأسر بعض من كان معه، ونجا بعض. وممن أسر وقتئذ الصالح إسماعيل بن العادل (٢). ولم يقف الناصر يوسف حتى وصل إلى غزة، فأقام ينتظر أصحابه، فوصل إليه من سلم من عساكره (٣). ولما علم المماليك العزيزية بهرب الناصر يوسف انضم أكثرهم إلى الملك المعز، مع مقدمهم الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي (٤)، لميلهم إلى المماليك البحرية؛ لأنهم أتراك مثلهم، ولكراهيتهم لشمس الدين لؤلؤ (٥)، فكثر جمع المعز بهم. وبلغ الأمير شمس الدين لؤلؤ هرب الناصر يوسف، وهو في جمع من العسكر، ولم يدر بهزيمة ميمنة عسكر الشام، فقال: ما يضرنا هذا بعد أن انتصرنا، وهو يعود إلينا إذا ملكنا البلاد (٦). وساق المعز يريد فلول عساكر الشام، فوقع على الأمير شمس الدين لؤلؤ، فحمل عليه (٧)، فكسر شمس الدين لؤلؤ، وقبض عليه، وطرح بين يدي المعز أيبك (٨)، فقال الأمير حسام الدين للمعز: لا تقتله لنأخذ به الشام. فقال فارس الدين أقطاي: هذا الذي يأخذ مصر بمئتي مخنث (٩)! فأمر المعز بضرب عنقه. فلم يتكلم شمس الدين بكلمة، ولا ذل ولا خضع، وبقي مطروحا لا يرفع رأسه ولا يضطرب حتى أخذته السيوف وقطع (١٠)، وترك في العراء قبل أن يوارى (١١). وأتي بالصالح إسماعيل بن

стр. 248

العادل، فأوقفه المعز إلى جانبه، وقال للأمير حسام الدين: ما تسلم على المولى الملك الصالح؟ فدنا منه حسام الدين، وسلم عليه (١). ولما بلغ العسكر الشامي المقيم بالعباسة هرب الناصر يوسف، ومقتل شمس الدين لؤلؤ، وأسر من أسر من ملوك بني أيوب (٢) - وكانوا لا يشكون أنهم انتصروا، وأن الناصر يوسف قادم عليهم ليسيروا في خدمته إلى القاهرة (٣) - اختلفت آراؤهم فيما يعتمدونه (٤)، فهمت طائفة منهم أن يسيروا إلى القاهرة، ويستولوا عليها، ومنهم من رأى الرجوع إلى الشام، ثم اتفقوا على الرجوع (٥)، فرجعوا سائرين في الرمل أياما، وقد تمزقوا كل ممزق (٦). * * * واستيقظت القاهرة صباح يوم الجمعة ١١ ذي القعدة/ ٤ شباط على أخبار هزيمة الملك المعز والمماليك البحرية، ووصل إليها من انهزم منهم، ووجوههم كاسفة، فمنهم من اختفى في أزقتها، ومنهم من هرب إلى الصعيد (٧). فأيقن أهلها حينئذ أن الناصر يوسف قد ملك الديار المصرية، ولم يشكوا في هروب المعز ومن معه (٨). وكان المماليك قد أساؤوا إليهم، فنهبوا أثقالهم، وارتكبوا كل قبيح، على حد تعبير سبط ابن الجوزي (٩). وكان أمين الدولة أبو الحسن بن غزال السامري؛ وزير الصالح إسماعيل معتقلا في جب قلعة الجبل مع جماعة من أمراء دمشق منذ أيام الصالح أيوب (١٠)، فلما بلغهم انكسار المماليك خرجوا من الجب،

стр. 249

وأظهروا الفرح والاستبشار (١). وخطب للناصر يوسف بقلعة الجبل، وكذلك بجامع عمرو بن العاص في الفسطاط، أما في القاهرة فلم يقم بجامعها خطبة، وتوقفوا لتنكشف لهم حقيقة الأمر، وكان بالجامع الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وهو يومئذ مدرس بالمدرسة الصالحية، فوقف على قدميه وخطب بجماعة لا يزيدون على أربعين رجلا خطبتين خفيفتين، لم يتعرض فيهما لأحد من الملوك، وصلى بهم صلاة الجمعة وباقي الناس صلوا الظهر أربعا (٢). وما إن انقضت صلاة الجمعة حتى (٣) بدأت تتوارد الأخبار بانتصار المعز والمماليك البحرية، وانهزام الناصر يوسف، فضربت البشائر. وقبض على الوزير أمين الدولة، ومن كان معه، وأعيدوا إلى الجب (٤)، ونودي في آخر النهار في القاهرة والفسطاط بإظهار الزينة. وأما الملك المعز ومن معه من المماليك البحرية، ومن انضم إليه من العزيزية، فقد توجه إلى القاهرة عن غير طريق العباسة، خوفا من العسكر الشامي بها، ووصل إلى القاهرة بكرة السبت ١٢ ذي القعدة/ ٥ شباط (٥)، فدخلها والأسرى بين يديه، والسناجق مقلبة والطبول مشققة إلى أن وصل إلى (٦) بين القصرين، فلعبت المماليك على خيولهم بالرماح، وتطاردوا (٧)، والمعز في الموكب، وإلى جانبه الأمير حسام الدين بن أبي علي، وقدامه الصالح إسماعيل بن العادل، فعندما وصل إلى تربة الصالح أيوب أحدق المماليك البحرية بالصالح إسماعيل (٨)، وصاحوا: يا خوند، أين عينك ترى عدوك (٩)؟

стр. 250

ثم ساروا إلى قلعة الجبل، فألقوا الأسرى الشاميين في الجباب (١)، وجمعوا بين الصالح إسماعيل وبين أولاده أياما (٢)، ثم اعتقل في دار بها. ولم يغفر المماليك البحرية لمن مال إلى الناصر يوسف من أهل الفسطاط، فمالوا عليهم قتلا لرجالهم، ونهبا لأموالهم، وسبيا لحريمهم، وبالغوا في الفساد، حتى لو أن الفرنج ملكوا البلاد لما فعلوا فعلهم، على حد تعبير المقريزي (٣). ثم إن المعز أمر بشنق أمين الدولة؛ وزير الصالح أيوب، لخروجه من محبسه، وتظاهره بالسرور، فعلق على المشنقة بباب قلعة الجبل يوم الإثنين ١٤ ذي القعدة/ ٧ شباط (٤). وظهر له بعد وفاته من الأموال والتحف والجوهر ما لا يوجد مثله إلا عند الخلفاء، ووجد له عشرة آلاف مجلدة، كلها بخطوط منسوبة، وكتب نفيسة (٥). وفي ليلة الأحد ٢٧ ذي القعدة/ ٢٠ شباط أخرج الصالح إسماعيل بن العادل من داره بالقلعة ليلا على ضوء المشعل إلى خارج القلعة، فخنق، ودفن مكانه (٦)، وله نحو خمسين سنة (٧). ثم أخرج المعز في ٢٨ ذي القعدة/ ٢١ شباط الأسرى من عساكر الناصر يوسف إلى دمشق، وتحقيرا لهم لم يسمح لهم إلا بركوب الحمير هم وأتباعهم، وكانوا نحو ثلاثة آلاف (٨). * * *
следующие страницы →