← Тараджим

Тараджим · id 30094

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ

إبراهيم الزيبق

Полный текст (286 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كريم إذا ما جئت ترجو أياديا … له فاض من قبل السؤال غزيرها فما تدرك الأشعار بعض صفاته … ولو حاكها بشارها وجريرها ليهنك يا عيسى مساع تضاعفت … لديك بإجزاء الإله أجورها سبقت بها الزهاد إذ طويت بها … لك الأرض في شبر وهان عسيرها وقفت بها للحج وقفتك التي … وقفت ونار الحرب باد سعيرها وكنت إمام الموقفين عظيمة … مساعيك عند الله جم غفيرها فلا زلت تكسو الدين حسنا ورونقا … وتوضح مخفياته وتنيرها ودانت لك الدنيا ودمت ملكها … ولا رجعت إلا إليك أمورها ولما بلغ سبط ابن الجوزي قوله: «وكنت إمام الموقفين»، وعنى بهما موقف الجهاد، وموقف الحج، بكى المعظم، وقال: «من أنا حتى يكون لي مساع؟». وزاد بكاؤه. وخاف سبط ابن الجوزي عليه أن يفتضح بين العامة، فقال له: «لا ينسى الله لك مواقفك في رضائه، وسهرك الليالي في جهاد أعدائه» (١). * * *

стр. 72

صلاته مع ملوك بني أيوب - ١ - ولم تقتصر صلته على الملك المعظم عيسى، بل تعدت إلى أخيه الأشرف موسى، وكان حاكما على البلاد الشرقية: الرقة وحران وخلاط وميافارقين والرها (١)، فنراه عنده في خلاط سنة ٦١٢ هـ/ ١٢١٥ م، وربما وصل إليها في أول شوال من ذلك العام، وغدا مقربا منه، يجلس معه في منظرة قلعتها، ويحدثه الأشرف عن بعض ذكرياته وما جرى له (٢). ولم يطل مقامه عنده، إذ إنه لثقته فيه، يرسله في رسالة كتبها بخطه إلى الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين بن أيوب؛ صاحب حلب، في قضايا لا يطلع عليها كاتب (٣). ويصل سبط ابن الجوزي إلى حلب، ويلتقي الظاهر غازي لقاءه الأول، ويؤدي إليه الرسالة، ويتجاذبان أطراف الحديث، ويعرض لهما فيه ذكر الملك المعظم عيسى، فيبدي له الظاهر احترامه له، وخشيته منه، قائلا: «والله هو واسطة العقد، وعين القلادة، ولولا همته وأنه مشغول بجهاد الأعداء لما قر لي بحلب قرار (٤)». وقد ترك الظاهر غازي انطباعا حسنا في نفس سبط ابن الجوزي، فكتب عنه: «كان قعددا بالملك، مهيبا، له سياسة وفطنة، ودولته معمورة.

стр. 73

بالعلماء والفضلاء مزينة بالملوك والأمراء، وكان محسنا إلى الرعية والوافدين عليه. يزور الصالحين ويعتقدهم، ويغيث الملهوفين ويرفدهم، وكان يتوقد ذكاء وفطنة، سريع الإدراك» (١). وبحضور الظاهر غازي، يعقد سبط ابن الجوزي مجلسا للوعظ في دار العدل يوم الأحد ٢٤ شوال سنة ٦١٢ هـ/ ١٥ شباط ١٢١٦ م (٢). ويقص علينا عما جرى في هذا المجلس بقوله: كان بحلب فقير يحضر مجالسي قبل ذلك، وكان ذلك الفقير يقوم في المجلس ويصيح: واه، واه. فيزعج الحاضرين، وكان صالحا، والظاهر أنه تغير حاله فيما بعد ذلك. فلما جلست أي: في هذا المجلس بقي ذلك الفقير يحترق، ويقول: كيف أعمل. ويرددها، فقال الظاهر: قدموه إلى عندي. فقدموه، فقال له: هذا الذي يقوله الشيخ ما هو مليح؟ قال: بلى. قال: فإن أردت أن تصيح، صيح. فعجب الحاضرون. وحضر في ذلك المجلس رجل أعجمي، يقال له أبو بكر النصبة، وكان صالحا، وكان يحمل عصا آبنوس، فطابت قلوب الجماعة في ذلك اليوم، وبكوا، فقام النصبة، وجاء إلى الظاهر، وقال له: أنت فرعون، ما تتحرك؟ وثار في وجه النصبة مثل التفاحتين، وخرج (٣). ولما انقضى المجلس، نزلت من المنبر، فقام الظاهر والتقاني، وأجلسني إلى جانبه، ودفع إلي بطاقة جاءته من حارم تخبره أن ابن لاون أخذ أنطاكية من الفرنج في هذا اليوم (٤). ويحضر سبط ابن الجوزي إلى دار العدل يوم الخميس، لا ليعظ في مرته هذه، بل ليشهد مجلس حكم الظاهر، وفضله في القضايا التي تعرض عليه، وقد جيء إليه في ذلك اليوم بامرأة كذبت على شخص، واعترفت

стр. 74

بالكذب، فقال الظاهر لابن شداد القاضي (١): ما يجب عليها؟ قال القاضي: التأديب. فقال الظاهر: تضرب بالدرة شريعة، ويقطع لسانها سياسة. وهنا يتدخل سبط ابن الجوزي، وقد ساءه هذا التفريق بين الشريعة والسياسة، قائلا: الشريعة هي السياسة الكاملة، وما عداها يكون تعاطيا عليها. فيطرق الظاهر غازي، ولا يحير جوابا. وتؤدب المرأة، وتسلم من قطع اللسان (٢). * * * ويرجع سبط ابن الجوزي إلى خلاط، حيث يقيم الأشرف موسى، لينهي إليه جواب الظاهر عن رسالته (٣). وفي طريقه يمر بالرها، ويلتقي فيها شهاب الدين غازي بن العادل، ويبدو أن سبط ابن الجوزي أنس إليه، لما رأى من لطفه، وحفظه للأشعار، وعذوبة حديثه وحكاياته، وإحسانه إليه. ويعقد كعادته مجلسا للوعظ في جامعها، ويحضره شهاب الدين غازي، وكان يوما مشهودا على حد وصفه (٤). ولعله عرج منها على ماردين، وزار قلعتها، وتحقق أن فيها عين ماء واحدة، لا كما كان يشاع أن فيها من العيون العذبة عشر أعين (٥). - ٢ - ويصل إلى خلاط ربما في شهر ربيع الأول سنة ٦١٣ هـ/ ١٢١٦ م (٦)،

стр. 75

وقد امتلأ إعجابا بما وصل إليه من منزلة. ويبدو أن الأشرف موسى كان ينتظر قدومه بلهفة، إذ كان الخليفة الناصر لدين الله قد أظهر سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١٠ م - تقربا للعلماء والعامة - الإجازة التي أخذت له من الشيوخ، وذكرهم في كتابه «روح العارفين»، ودفع إلى أهل كل مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة إجازة عليها مكتوبا بخطه: أجزنا لهم ما سألوه على شرط الإجازة الصحيحة، وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى أبو العباس أحمد أمير المؤمنين (١). ووصلت للأشرف نسخة من هذا الكتاب، بعث بها إليه الخليفة، فرغب الأشرف في شرحه. ولم يستطع سبط ابن الجوزي، وهو يسوق هذا الخبر أن يطامن من زهوه، فهو يذكر أن الأشرف عرض الكتاب على العلماء الذين في خدمته، وأمرهم أن يشرحوه، فلم يقدروا على شرح حديث واحد، فأشار عليه حينئذ بشرحه، وتبيين ما فيه من الفوائد، فاستجاب له، وشرحه (٢). ولعل سبط ابن الجوزي انتهى في تلك الأيام من تأليف كتابه «الجليس الصالح والأنيس الناصح» (٣)، ليكون هديته للملك الأشرف

стр. 76

موسى (١)، ساردا فيه ما ينبغي للأمير معرفته من سير الولاة وأخبار الصالحين، وما تقوم به الممالك من العدل وذم الظلم، وافتتحه في الباب الأول منه (٢) في ذكر مولد الأشرف ومنشئه (٣)، ولم يتوسع فيه ليذكر طرفا من سيرته وأخباره لعجزه - كما ذكر - عن حصر مناقبه، وقصوره عن إدراك مراتبه، ولأن العلماء من المؤرخين يتطيرون بذكر سيرة الملك في حياته (٤). ويعقد سبط ابن الجوزي بقلعة خلاط مجالس للوعظ، يحضرها الأشرف موسى، ويفيض دمعه تأثرا بما يسمع (٥). ولربما قال في تلك المجالس من المواعظ ما خط بعضها في كتابه «الجليس الصالح»، فمما كتبه فيه: «استحلى أرباب الولاية الولايات، فلما انقضى بالصرف زمن التصرف جلسوا في عزاء الغم، فلو رأيتهم عند الموت وقد ذهب خمار اللذة، وجاءت سياط الحدود، ثم ردوا إلى حبس القبور، فنكل بهم الموكل، ثم ردوا إلى صحراء القيامة، فهجرت عليهم شمس التوبيخ حتى سال وادي الأسى من عرق الأسف، ثم الطامة الكبرى ما يلقون من سجن، فلو رأيت نادمهم يقول: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله (٦). ومد يده إلى أمل لا يناله: لو أن لي كرة (٧)، يا ليتني قدمت لحياتي (٨)».

стр. 77

وقوله: «يا أسفا للظلمة الفجار، يخطئون على أنفسهم بالليل والنهار، والشهوات تفنى وتبقى الأوزار … كم ظالم تعدى وجار، فما راعى الأهل والجار، بينا هو يعقد عقد الإصرار، نزل به الموت فحل من حلته الإزار، ما صحبه سوى الكفن إلى بيت البلى والعفن» (١). ويقدم على سبط ابن الجوزي، وهو بخلاط، النظام بن أبي الحديد، ومعه نعل (٢) يقال: إنها نعل النبي ﷺ (٣)، فيعرف الأشرف بقدومه، فلما دخل عليه، ومعه النعل، قام الأشرف قائما، ونزل من الإيوان، وأخذ النعل، فقبلها، ووضعها على عينيه، وبكى، وخلع على النظام، وأعطاه نفقة، وأجرى عليه جراية، وقال: تكون في الصحبة نتبرك بها (٤). ويبلغ سبط ابن الجوزي، وهو هناك، نبأ وفاة الظاهر غازي بن صلاح الدين بحلب ليلة الثلاثاء ٢٠ جمادى الآخرة ٦١٣ هـ/ ٤ تشرين الأول ١٢١٦ م (٥)، وله نحو خمس وأربعين سنة (٦). ويتولى بعده ولده العزيز محمد، وأتابكه المدبر لدولته شهاب الدين طغريل الخادم (٧)؛ صديقه الزاهد (٨)، فيحفظ ملكه بحسن تدبيره (٩)، ويطهر حلب من الفجور والفسق، والخمور والمكوس، حتى إن الأشرف يقول

стр. 78

لسبط ابن الجوزي عنه فيما بعد: «إن كان الله في الأرض ولي، فهو هذا الخادم الذي فعل ما عجز عنه الفحول» (١). * * * وبأسى يحدثنا سبط ابن الجوزي عن لقائه بخلاط الضياء بن الزراد، وهو دمشقي، عالم بالقراءات السبع، وما جرته عليه صحبته للأشرف موسى من زلات، فيقول: «كان صيتا، طيب النغمة، وكان فقيرا، سافر من دمشق إلى ميافارقين، واتصل بشهاب الدين غازي بن الملك العادل، وأقام عنده. ثم اتصل بالملك الأشرف موسى .. وكان يتردد إلينا، ويقرأ طيبا صحيحا .. جاءني يوما وهو نادم حزين يبكي، فسألته عن حاله، فقال: البارحة حضرت عند الأشرف، وناولني قدحا من الخمر، فامتنعت من شربه، والأشرف ساكت ينظر إلي. وما زالوا بي حتى شربته، فلما حصل في جوفي عض الأشرف على يده بحيث كاد أن يقطع أصابعه، وقال لي: والك (٢) فعلتها! حطيت الخمر على مئة وأربع عشرة سورة! والله لو خيرت بين أن أحفظ القرآن كما تحفظه، وأدع ملكي لاخترت حفظ القرآن». ثم يعقب سبط ابن الجوزي على ما آل إليه حاله، بقوله: «ثم تركت حرمته بعد ذلك» (٣). والغريب حقا أنه لا يعقب على ما فعله الأشرف من مناولته الخمر، ولا على ما فعله جلساؤه من الإلحاح عليه حتى شربه! ونتساءل: هل ألم سبط ابن الجوزي في تلك السنة، وهو يتجول في بلاد الأشرف، بزيارة قيسارية من بلاد سلاجقة الروم؟ فقد أشار إلينا أنه وقف هناك قرب جبل عسيب على قبر الشاعر الجاهلي امرئ القيس، وهو

стр. 79

أقرب إلى الصحة، كما يقول؛ لأنه مات بالروم (١). تساؤل يتركنا حيارى في إجابته؛ لأنه اكتفى بتلك الإشارة، ولم يزد. * * * ويرى المعظم في وفاة الظاهر غازي فرصة للاستيلاء على حلب، وضمها إلى مملكته دمشق، ويبدو أن مراسلات تبادلها مع أخيه الأشرف في هذا الشأن (٢). وينزل الأشرف من خلاط إلى حران في شعبان سنة ٦١٣ هـ/ تشرين الثاني ١٢١٦ م، ويرافقه سبط ابن الجوزي فيسأله الأشرف أن يجلس للوعظ في جامعها، وتضرب للأشرف خيمة كبيرة في الجامع فيجلس فيها، ومعه شيخ حران وخطيبها فخر الدين ابن تيمية (٣)؛ شيخ سبط ابن الجوزي (٤). وينطلق سبط ابن الجوزي كعادته بكلماته المؤثرة التي تهز الحاضرين، وقبيل انقضاء المجلس يكتب له أهل حران رقاعا كثيرة فيها أسئلة ليجيب عنها، فيجمعها، وبذكاء مرهف، مراعيا حساسية الشيخ فخر الدين ابن تيمية، يعتذر عن الإجابة عنها، قائلا: «اتركوا هذه إلى يوم مجلس شيخكم يجيب عنها، فهو يطول روحه عليكم، أما هذا اليوم فالوقت ما يحتمل». ويعجب الأشرف بسرعة بديهته، وحسن تصرفه، وينفض المجلس (٥). ويلتقي سبط ابن الجوزي بحران المجد البهنسي، وكان وزيرا للأشرف، ثم عزله واستأصله، وأخذ جميع ماله، فيبته المجد بعض شجونه. وكان المجد حسن المحضر، عاقلا - كما وصفه ولم يكن فيه ما يعاب إلا استهتاره، والله يعفو عنه (٦).

стр. 80

ويجد سبط ابن الجوزي من الأشرف موسى إحسانا كثيرا، ويتفضل عليه فضلا غزيرا. ويفوض إليه - ربما رغبة بإبقائه معه - جميع الخوانك التي ببلاده شرقا وغربا، وبعدا وقربا، على حد تعبيره (١). بيد أن سبط ابن الجوزي لم يكن راغبا في الإقامة مع الأشرف، فيقول له ذات يوم: «لا بد لي في هذه السنة من شيئين: الحج على بغداد، والثاني الاعتكاف بالرقة». فينزل الأشرف على رغبته، ويقول له: «مبارك» (٢). ويخرج سبط ابن الجوزي مع أصحاب له من حران في آخر شعبان/ كانون الأول قاصدا الرقة، وبينما هو في الطريق، وقد قرب منها، يلوح له من بعيد نجابون بينهم رجل عليه بغلطاق أحمر، فيقع في قلبه أنه المعظم عيسى، فيلتفت إلى أصحابه قائلا: هذه شمائل الملك المعظم. فيقولون له متعجبين: المعظم في دمشق، أيش جاء به إلى ها هنا؟ فلما قرب النجابون منهم إذا به المعظم، وقد أعيت ناقته فينزل عنها، ويتحدث مع سبط ابن الجوزي، ويأكل قليلا من زاده، ويعطيه ناقته، ويأخذ فرسه، ويسأله عن الأشرف أين هو؟ فيجيبه السبط: في الزراعة، وهي في نواحي الرقة، فيسوق إليه المعظم، ويفاوضه في أمر حلب. وكان الأشرف قد حلف لشهاب الدين طغريل الخادم، وأنه أتابك العزيز محمد ولد الظاهر. فيشق على المعظم امتناع أخيه عن مساعدته، ويسكت على مضض. ويقدم الأخوان المعظم والأشرف إلى الرقة، ويدخلان على سبط ابن الجوزي في معتكفه. ثم يرجع المعظم إلى دمشق (٣). وفي مدة إقامته في خانكاه الرقة معتكفا يختلف إليه من أهلها جمال الدين بن جرير، وكان له بستان وملك يسير يعيش منه (٤).

стр. 81

ويتم الأشرف في أثناء ذلك تجهيز سبط ابن الجوزي إلى الحج، ويعمل له سبيلا مثل سبيله، فيغادر الرقة متوجها إلى بغداد (١)، عارفا بإحسان الأشرف إليه وجميله (٢)، تاركا في نفسه أطيب الأثر. وقد عبر عنه في الأوراق الأخيرة من كتابه «الجليس الصالح» بقوله: «لقد شاهدت من مكارم أخلاقه ما لو أعارتني خطب الزمان ألسنتها في وصف فضائله التي اتصلت اتصال السعود، وانتظمت انتظام العقود، لما كنت إلا عاجزا عن الغرض المقصود» (٣). وفي طريقه إلى بغداد يأتيه نعي شيخه تاج الدين أبي اليمن الكندي، وأنه توفي يوم الإثنين ٦ شوال سنة ٦١٣ هـ/ ١٦ كانون الثاني ١٢١٧ م، وصلي عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون، فدفن به، ولم يتخلف عن جنازته أحد، وكان قد بلغ من العمر نحو ثلاث وتسعين سنة (٤). -٣ - ويرجع سبط ابن الجوزي من الحج في المحرم سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م، سالكا طريق تبوك والعلا، متجها لزيارة القدس الشريف، ومدينة الخليل، حيث مقام أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ ، ليجمع كما جرت العادة في ذلك العصر - بين زيارته وزيارة المصطفى، عملا بالحديث الشائع: «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له الجنة» (٥)، وهو حديث باطل موضوع (٦)، ومع ذلك رأى العمل به، معللا ذلك بقوله: «وإن لم يتفق على نقل هذا الحديث الثقات، فالأعمال بالنيات» (٧). وكان منذ إقامته بدمشق دائم التردد إلى القدس كلما سنح له الوقت،

стр. 82

ويعقد فيه مجالس للوعظ، وممن كان يحضر مجالسه تلك الملك المعظم حين يلم به (١)، والأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهكاري؛ وهو من أكابر أمرائه (٢). وصديقه الشيخ الورع عبد الله الأرمني العابد، وكان جوادا سمحا لطيفا، وله مجاهدات ورياضات، وعبادات وسياحات. وكان سبط ابن الجوزي يزوره في زاويته، ومما جرى معه في إحدى زياراته له، ما حدثنا به قائلا: «اتفق أنني يوم عيد الفطر أكلت سمكا مالحا، وصعدت إلى زاويته، وقعدنا نتحدث، فجاءت الشمس علي، وعطشت عطشا شديدا، وإلى جانبه إبريق، فيه ماء بارد، فاستحييت أن أطلبه منه، فاحمر وجهه، ومد يده إلى الإبريق، فقال: اشرب، فكم تكاشر» (٣). ولعله في القدس تعرف إلى كاتب الإنشاء البليغ عبد الرحيم بن علي ابن شيث، وكان يتولى ديوانها (٤)، وصار بينهما مكاتبات (٥). ويبدو أن صحبته له تعمقت حين قدم إلى دمشق، وصار كاتب السر للملك المعظم (٦). وقد وصفه لنا بقوله: «كأن الله تعالى جمع له الفضل والمروءة، والكرم والفتوة، والإحسان إلى الخلق، ما قصده أحد في شفاعة فرده خائبا، وكان يمشي بنفسه مع الناس في قضاء حوائجهم» (٧). وفي دمشق يعود سبط ابن الجوزي إلى سيرته وشواغله، حتى إذا كان سحر يوم الأربعاء ١٦ ذي القعدة سنة ٤١٦ هـ/ ١٥ شباط ١٢١٨ م تصحو دمشق على نبأ وفاة عالمها وزاهدها العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي المقدسي. وكان قد قضى يوم الثلاثاء صائما، وصلى المغرب في جامع دمشق، وأفطر في داره على شيء يسير، وفي الليل جاءته سكرة الموت،

стр. 83

فجعل يقول: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام حتى توفي. فغسل وقت السحر، وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع، وصلى عليه العلامة الشيخ موفق الدين ابن قدامة بعد جهد جهيد (١). وهال سبط ابن الجوزي كثرة المشيعين، فراح يتأمل الناس من أعلى قاسيون، فإذا أولهم عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس، ولو رمى الإنسان عليهم إبرة لما ضاعت، ولولا المبارز المعتمد وأصحابه لقطعوا أكفانه، وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار، فكان يوما لم ير في الإسلام مثله، على حد تعبيره (٢). وفي الليل يأوي سبط ابن الجوزي إلى فراشه، وهو يتفكر في جنازته، فيذكر أبيانا أنشدها الإمام سفيان بن سعيد الثوري في منام رئي له بعد وفاته، ومنها هذا البيت النفيس: نظرت إلى ربي كفاحا وقال لي … هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد (٣) فيتمنى للعماد أن يرى ربه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، ويقص علينا سبط ابن الجوزي ما جرى له في تلك الليلة، فيقول: «ونمت، فرأيت العماد في النوم، وعليه حلة خضراء، وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى في درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدين، كيف بت، فإني والله مفكر فيك؟ فنظر إلي، وتبسم على عادته، وقال: رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي … وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي فقال جزيت الخير عني فإنني … رضيت فها عفوي لديك ورحمتي دأبت زمانا تأمل الفوز والرضا … فوقيت نيراني ولقيت جنتي فانتبهت مرعوبا، وكتبت الأبيات» (٤).

стр. 84

حملة الصليبيين على مصر ووفاة الملك العادل وانفراد المعظم بمملكة دمشق (١) -١ - ومع حلول عام ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م، وهو عام انقضاء الهدنة مع الصليبيين (٢)، بدأت سفنهم تصل إلى عكا فيما عرف بالحملة الصليبية الخامسة، وكان هدفها الرئيس هو غزو مصر (٣). كان العادل في القاهرة (٤)، ويبدو أنه فوجئ حقا بوصول بعض القوات الصليبية إلى عكا، وهو المطمئن إلى معاودة تجديد الهدنة، كما جرت العادة دائما في كل مرة، فجمع على عجل بعض قواته، وأغذ بها السير نحو الشام، فوصل إلى الرملة، ثم منها إلى لد (٥). وبلغ الصليبيين وصوله، فخرجوا من عكا، قاصدين لمحاربته (٦). فسار العادل نحوهم، مسابقا الصليبيين للوصول إلى أطراف البلاد مما يلي عكا، ليحميها منهم (٧)، فوصل إلى نابلس (٨)، بيد أن الصليبيين كانوا أسرع

стр. 85

منه فسبقوه، ونزلوا في عين جالوت (١)، فانتقل إلى بيسان، وأقام فيها، وتقدم نحوه الصليبيون (٢). فلما عاين العادل قربهم منه، وقد هاله جمعهم، وهو في قلة من عسكره، آثر الانسحاب من بيسان (٣)، فارتفع إلى عجلون (٤)، ووصل إلى الفوار، ثم عبر نهر الأردن (٥)، صاعدا عقبة فيق، استعدادا لمنع أي هجوم على دمشق (٦)، ومضى ابنه المعظم عيسى، فنزل بين نابلس والقدس، على عقبة اللبن، خوفا على القدس (٧). وكان أهل بيسان وما حولها من قرى قد اطمأنوا إلى نزول العادل بينهم، فلم يهربوا، فلما رحل العادل عنهم قصدهم الصليبيون، وبذلوا فيهم السيف، ونهبوا البلاد والرساتيق، وأخذوا جميع غلاتها وحواصلها، وغنموا من المسلمين ما لا يحصى كثرة، ونهبوا ما بين بيسان وبانياس، وبثوا السرايا في القرى، ووصلت غاراتهم إلى خسفين ونوى، وقرى من بلاد السواد (٨)، والناس بين أيديهم جافلين. وأرسل العادل إلى المبارز المعتمد؛ والي دمشق، بتحصينها، ونقل الغلات من داريا إلى القلعة، وتغريق أراضيها بالماء، فإن الفرنج مظهرون قصدها (٩). ويبدو أن العادل كان يهيئ نفسه لدخولها، فسار حتى نزل على رأس الماء، وبعث أثقاله ونساءه إلى بصرى (١٠)، وأرسل خزانته إلى دمشق (١١)، فلما شجعه المبارز المعتمد (١٢)، أمر العادل بردها إليه، وتقدم،

стр. 86

فنزل بمرج الصفر، وأرسل إلى ملوك الشرق يستحثهم ليقدموا عليه (١). ودب الخوف في دمشق، فغلت الأسعار، وعزم الناس على النزوح منها، وجفل أهل القرى من عقربا وحرستا وغيرهما، وكان للناس بجامع دمشق في أوقات الصلوات ضجيج وبكاء ودعاء (٢). وواصل الصليبيون غاراتهم، فنازلوا بانياس، وأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى مرج عكا، ومعهم من الغنائم والسبي ما لا يحصى، سوى ما قتلوا وأحرقوا وأهلكوا (٣). ولم تشتف نفوسهم من هذه الغارات؛ لأنها لم تحقق لهم نصرا عسكريا (٤)، بينما حصن الطور يهدد عكا، فرأوا أن يعدوا حملة لمهاجمته (٥). وحين أتموا استعداداتهم، اتجهوا بقواتهم إلى حصن الطور، فنزلوا تحته يوم الأربعاء ١٨ شعبان ٦١٤ هـ/ ٢٠ تشرين الثاني ١٢١٧ م، ولم يبادروا بالهجوم عليه إلا يوم الأحد ٢ رمضان/ ٣ كانون الأول، مستغلين الضباب الكثيف في ذلك اليوم، فما أحس أهل الطور بالصليبيين إلا وهم عند باب الحصن، وقد ألصقوا رماحهم بالسور، ففتح المسلمون الباب، وخرج إليهم الفارس والراجل، وفي مقدمتهم الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهكاري، فقاتلوهم حتى رموهم إلى أسفل الحصن (٦)، وباء الصليبيون بالفشل. فعاودوا بعد يومين مهاجمة الحصن، وصعدوا إليه بأسرهم، ومعهم سلم عظيم، فزحفوا من ناحية باب دمشق، وألصقوا السلم بالسور، فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا، ودخلت رماح الصليبيين من مرامي الحصن من كل

стр. 87

ناحية، فضرب بعض الزراقين السلم بالنفط، فأحرقه، وقتل عنده جماعة من أعيانهم، منهم أمير كبير، فلما رأوه مقتولا سقط في أيديهم، فصاحوا وبكوا، وكسروا عليه رماحهم، وتوقفوا عن القتال، فأسرع المسلمون إلى إغلاق باب الحصن (١). وممن استشهد في ذلك اليوم الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهكاري (٢)، والأمير سيف الدين بن المرزبان، وهما من أكابر الأمراء، ولبدر الدين منزلة رفيعة عند المعظم عيسى، فقد كان يستشيره، ويصدر عن رأيه، ويثق به لصلاحه ودينه (٣). بعد مقتل هذين الأميرين، جبن بعض المسلمين عن القتال، وباتوا عشية الأربعاء يداوون جراحاتهم، ويتشاور أعيانهم فيما يفعلون، ثم انتهوا إلى الإصرار على مواصلة القتال حتى الموت، ولن يستسلموا، خوفا أن يجري عليهم ما جرى على أهل عكا زمن صلاح الدين بعد استسلامهم للصليبيين (٤). واستشعر الصليبيون تصميم المسلمين على القتال، فآثروا الانسحاب، فأوقدوا النيران حول الحصن، تغطية لانسحابهم، وانكفؤوا إلى عكا سحر يوم الخميس ٦ رمضان/ ٧ كانون الأول (٥)، بعد حصار دام سبعة عشر يوما (٦)، مصطحبين معهم بعض الأسرى من الأطفال، فعمدهم بطريق بيت المقدس وأسقف عكا (٧). وبعيد انسحابهم أسرع المعظم عيسى إلى الحصن، فبكى على من قتل، وأطلق المال والخلع، وطيب قلوب الناس (٨).

стр. 88

ويبلغ سبط ابن الجوزي نبأ استشهاد صديقه الأمير بدر الدين الهكاري، فيتذكر تمنيه الشهادة، وقوله دائما: «ما أحسن وقع سيوف الكفار على أنفي ووجهي». فيردد بحزن: «كان سمحا لطيفا، دينا ورعا، بارا بأهله وبالفقراء والمساكين، كثير الصدقات، دائم الصلات .. فاستجاب الله له دعاءه، ورزقه الشهادة» (١). وفي دمشق يلتقي سبط ابن الجوزي الشاعر أمين الدين عبد المحسن بن حمود الحلبي؛ كاتب صديقه الأمير عز الدين أيبك المعظمي، فيسمعه أبياتا من نظمه يخاطب فيها الخليفة الناصر لدين الله، مستحثا له على نصرة المسلمين في الشام، وإن لم يفعل فإن الفرنج سيصلون قريبا إلى بغداد، يقول له فيها: قل للخليفة لا زالت عساكره … لها إلى النصر إصدار وإيراد إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا … لا تغفلن فحصن الطور بغداد (٢) * * * بعد هذا الهجوم على حصن الطور يقبع الصليبيون في مرج عكا، ويقيم العادل في مرج الصفر (٣)، ظانا أن الغارات الصليبية قد بلغت نهاياتها، ولربما كان ينتظر سفارة منهم لتجديد الهدنة، فالعلاقات التجارية التي توثقت معهم لن تدفعهم لنقض الصلح وتجديد الحرب (٤). وكم كانت مفاجأته كبيرة (٥)، والأنباء تتلاحق عن قوات صليبية جديدة، بدأت تتوافد من الغرب على عكا ابتداء من ٢٨ المحرم ٦١٥ هـ/ ٢٦ نسان ١٢١٨ م (٦)، وتتجمع قربها في قلعة الحجاج (٧)، ولم يكن يعرف

стр. 89

وجهتها (١) حتى نمت إليه الأخبار بإبحارها نحو دمياط في ٢٦ صفر/ ٢٤ أيار، ووصلت طلائعها قبالتها في ٢٩ صفر/ ٢٧ أيار (٢)، حينئذ تحقق العادل أخيرا أن الهدنة لن تتجدد، وأن الحرب قد وقعت، فسارع إلى إرسال عساكره إلى مصر (٣)، وقد اشتد خوفه عليها (٤). وأقام المعظم مرابطا في الساحل، خشية هجوم الصليبيين على الشام (٥). ولم يجرؤ الصليبيون على النزول إلى بر جيزة دمياط (٦) حتى يوم الثلاثاء ٢ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ٢٩ أيار ١٢١٨ م (٧)، وقد تم لهم ذلك دون عائق يذكر (٨). وموقع دمياط أكسبها حصانة طبيعية، فهي شبه جزيرة، يحدها البحر الأبيض المتوسط شمالا، ونهر النيل غربا، وبحيرة تنيس شرقا، ولا منفذ إليها إلا من الطريق الجنوبي (٩)، إضافة إلى تحصيناتها العسكرية: برجين وسور وخندق. والبرجان هما: برج السلسلة الذي يقع في وسط النيل، قريبا من الضفة الغربية (١٠)، وبرج آخر يقابله من أبراج دمياط (١١)، تمتد بينهما سلسلة من الحديد تزن ما يعادل الآن (١١٥٧١) كيلو غرام تقريبا (١٢)، وقد شحن البرجان بالمقاتلين، وهذه السلسلة تمنع عبور السفن القادمة من البحر الأبيض المتوسط إلى النيل (١٣)، فكان رجال البرجين يرخون السلسلة إذا

стр. 90

أرادوا للسفن أن تصعد في النيل، ويشدونها إذا أرادوا منعها من ذلك. ولأهمية برج السلسلة هذا في حماية مصر أطلق عليه: قفل الديار المصرية (١). واختار الصليبيون جيزة دمياط موقعا لنزولهم لحصانتها، فهي كذلك شبه جزيرة مثلثة، ضلعها الشمالي البحر الأبيض، وضلعها الشرقي نهر النيل، والضلع الثالث خليج قديم، يعرف باسم الخليج الأزرق (٢). وبعد أن اطمأن الصليبيون إلى رسوهم في هذا المكان المحصن، دون مقاومة تذكر، تجمعوا، وامتطى فرسانهم الجياد، وساروا مدججين بالسلاح، وإلى جانبهم سفنهم في النيل تسير بحذائهم، عازمين على العبور إلى الضفة الشرقية، حيث تقع مدينة دمياط، وساعدهم على ذلك اتساع مجرى النيل عند مدخل فرعها. وفي سيرهم فوجئوا ببرج السلسلة يقف عائقا بينهم وبين العبور، فتعذر عليهم حصارها برا وبحرا (٣)، فارتدوا إلى معسكرهم، وأحاطوه كعادتهم في حروبهم كلها، بخندق وسور، وشرعوا في إعداد الخطط وعمل الآلات للاستيلاء عليها (٤). - ٢ - وكان الكامل محمد؛ نائب العادل في مصر قد أخبر بنزولهم عن طريق حمام الزاجل، فأمر على الفور والي الغربية بجمع العربان. وخرج هو بمن معه من العساكر من القاهرة يوم الخميس ٥ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ١ حزيران ١٢١٨ م؛ أي: بعد ثلاثة أيام من نزولهم. وأبحر الأسطول الإسلامي، وأقام تحت دمياط، ووصل الكامل إلى العادلية؛ جنوبيها، وأقام معسكره فيها (٥)، ونشر جنوده منها إلى دمياط، كي يمنع الصليبيين من

стр. 91

العبور إلى الضفة الشرقية (١)، وليحول بينهم وبين برج السلسلة (٢). وصار يركب في كل يوم عدة مرات ما بين العادلية ودمياط لتدبير أمورها، وإعداد الخطط للدفاع عنها (٣). والعادل في مرج الصفر يواصل إرسال العساكر إلى ابنه الكامل أولا بأول، حتى لم يبق عنده من العسكر إلا القليل (٤). وأتم الصليبيون استعداداتهم لمهاجمة دمياط، بعد نزولهم على جيزتها بنحو أربع وعشرين يوما، فاستقلوا يوم الجمعة ٢٦ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ٢٢ حزيران ١٢١٨ م (٥)، ما يقرب من ثمانين سفينة، مزودة بستائر من الخشب لحمايتها من رماة المسلمين، وشنوا هجوما من ناحيتها الشرقية، بينما كانت قذائف منجنيقاتهم من الضفة الغربية تنهال عليها، محدثة الدمار، وموقعة جرحى في عدد كبير من سكانها، وتمكنت سفنهم من الاقتراب من أسوارها. وبرغم ما أثاره هذا الهجوم الكبير من رعب في القلوب، فقد استبسل المسلمون في الدفاع عن مدينتهم، وكان الكامل يختلف إليها، لترتيب أمورها، وتشجيع أهلها. وإزاء هذا الصمود عجز الصليبيون عن تسلق أسوارها، فعادوا أدراجهم إلى معسكرهم، بينما ظلت قذائفهم تتساقط عليها. وبما أن السلسلة هي العقبة الكأداء التي تحول دون تقدم سفنهم نحو دمياط، فقد عمد أحد فرسان الداوية إلى إحدى السفن، فزودها بأربعين فارسا منهم، مع رجال مسلحين آخرين، فبلغوا نحو ثلاث مئة، واتجه بها نحو السلسلة، وكانت خطته ترمي إلى الاصطدام بها وتحطيمها، حتى إذا قاربت الوصول إليها، انهالت عليهم قذائف الحجارة والنبال من حامية برج

стр. 92

السلسلة، فحاولوا التراجع عنها بسرعة، بيد أن شدة القذف وما أصابهم من رعب أذهلهم، فساقوا السفينة خطأ نحو الضفة الشرقية تجاه دمياط، وفي آخر لحظة تداركوا الأمر، واستطاعوا الابتعاد عن أسوارها. ولم يدعهم المسلمون ينجون، وقد رأوا ذعرهم واضطرابهم، فاستقلوا سفنهم على الفور، وانقضوا على سفينة الداوية، وأدرك الداوية أنهم غارقون لا محالة، فثقبوا سفينتهم وأغرقوها، وغرقوا معها (١). وعاود الصليبيون بعد نحو أسبوع هجومهم للاستيلاء على دمياط وبرج السلسلة، وقام بعض فرسان الاسبتارية بمحاولة التسلق على أسوارها، مستخدمين سلالم متحركة أقيمت على السفن، بيد أنها تكسرت تحت ثقل قواتهم المهاجمة، وغرق كثير منهم، وباءت محاولتهم هذه بالفشل. وكانت بعض قواتهم، في الوقت عينه، يشنون هجوما على برج السلسلة، وكذلك تراجعوا تحت وابل من القذائف التي صبها عليهم رجال البرج (٢). وبرغم خسائرهم، فقد أعدوا بعد أيام هجوما آخر على دمياط والبرج معا، مولين البرج في مرتهم هذه اهتماما أكبر. فزودوا أربع بطسات ببعض الأبراج الصغيرة، وفوق هذه الأبراج ثبتوا السلالم المتحركة، لمنح الأبراج مزيدا من الارتفاع يمكنهم من الوصول إلى حامية برج السلسلة، وأخفيت هذه السلالم، كيلا ترى، بقطع من القماش (٣). واتجهت يوم السبت ٤ ربيع الأول ٦١٥ هـ/ ٣٠ حزيران ١٢١٨ م (٤)، ثلاث من هذه البطسات نحو برج السلسلة، بينما اتجهت الرابعة لمهاجمة دمياط.

стр. 93

وبعد جهد كبير استطاع الصليبيون الرسو أمام برج السلسلة، وحاولوا إسناد أحد السلالم إلى جواره، وكذلك تمكنوا من الوصول إلى أسوار دمياط، بيد أن هاتين المحاولتين باءتا بالفشل مرة أخرى، لبسالة المدافعين، فقد انهالت القذائف على الصليبيين من البرج والمدينة معا، فاضطروا إلى التراجع، والغيظ يأكل أكبادهم، كما تكسرت السلالم على الأبراج تحت ثقل جنودهم المدججين بالدروع، فسقطوا في النهر، وغرق عدد كبير منهم. وابتهج المسلمون بهذا النصر، ودقت طبولهم فرحا في دمياط والقاهرة، كما زينت الشوارع (١)، لقد نجحوا في صد أول هجوم قوي على المدينة والبرج معا (٢). - ٣ - بعد الفشل الذريع في الاستيلاء على برج السلسلة، فكر الصليبيون في طريقة مبتكرة جديدة، وهي وضع بطستين جنبا إلى جنب، وربطهما معا بعروق من الخشب، فتصبحان قطعة واحدة، ثم إقامة أربع صوار خشبية، يشيد في أعلاها برج خشبي، تضاف إليه الستائر الخشبية لحمايته، ويوضع عليه سلم متحرك، ينخفض ويرتفع بعجلة من المعدن. ونفذت هذه الفكرة، وأصبحت البطستان كالقلعة العائمة، ثم غلفوهما بالنحاس الأحمر وجلود الحيوانات كيلا تؤثر فيها النار، ونصبوا منجنيقا مثبتا فوق البرج. بهذه القلعة العائمة استعد الصليبيون مرة أخرى لمهاجمة برج السلسلة (٣)، وأبحروا بها يوم الخميس ٢٨ جمادى الأولى ٦١٥ هـ/ ٢٣ آب ١٢١٨ م، وتمكنوا من الرسو إلى الجانب الشمالي الشرقي منه، ومن إسناد السلم المتحرك إلى جداره (٤).

стр. 94

واندلعت المعركة في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، بين الصليبيين المهاجمين والمدافعين عن البرج، وهم نحو ثلاث مئة مقاتل، وكان القتال وجها لوجه، واستطاع المسلمون إشعال النار في هذه القلعة العائمة، وفي السلم المتحرك، وتمكن الصليبيون بعد جهود متواصلة من إخمادها، ومعاودة الهجوم بضراوة أشد تحت غطاء كثيف من الدخان لحجب الرؤية (١). وتقدمهم في هذه المرة أحد الفرسان التيوتون الألمان، فصعد إلى أعلى السلم المتحرك، ممسكا بيده مقلاعا يلوح به من عصا مكسوة بالحديد، ومثبت في طرفها سلسلة من الحديد، تنتهي بكرة من الحديد ذات أسنان بارزة، فلم يجرؤ أحد من المدافعين على مهاجمته، وأفسح له جنديان صليبيان، يطعنان الرجال المواجهين لهما بالرماح، الطريق إلى برج السلسلة، فتمكن هذا الفارس من الوصول إلى الطابق الرئيس للبرج، وتتابع بعده الصليبيون، والتحم المدافعون بهم، واستمروا في القتال حتى لم يبق منهم سوى مئة رجل (٢)، فأسر بعضهم، وألقى بعضهم نفسه في نهر النيل، ونجح في الوصول سباحة إلى بر دمياط (٣)، ورفع علم الصليبيين على برج السلسلة في يوم الجمعة ٢٩ جمادى الأولى ٦١٥ هـ/ ٢٤ آب ١٢١٨ م (٤). وهكذا لم ينقض على بدء الهجوم أربع وعشرون ساعة حتى استطاع الصليبيون الاستيلاء على البرج، منهين بذلك حصارا له دام نحو ثلاثة أشهر. وتسكت المصادر الإسلامية عن الخوض في تفاصيل هذا الحدث الجلل (٥)، وتكتفي بالقول في عبارة مقتضبة: وفي آخر جمادى الأولى أخذ

стр. 95

الفرنج برج السلسلة (١). * * * ويسارع الكامل بإرسال شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عمر ابن حمويه إلى أبيه العادل في مرج الصفر، حاملا إليه نبأ سقوط برج السلسلة، فيتأوه العادل تأوها شديدا لدى سماعه هذا النبأ، ويدق بيده على صدره أسفا وحزنا، ويقع مريضا، ويرحل إلى عالقين (٢)، حيث يموت يوم الجمعة ٧ جمادى الآخرة ٦١٥ هـ/ ٣١ آب ١٢١٨ م (٣)، عن ست وسبعين سنة (٤)، وليس عنده أحد من أولاده، فيكتم موته كريم الدين الخلاطي؛ وهو أخص أصحابه، ويأمر الأطباء بملازمته ليظن الناس أنه ما زال على قيد الحياة، ويبعث إلى المعظم بنابلس يحثه على القدوم سريعا (٥). ويصل المعظم إلى عالقين يوم السبت، فيحتاط على الخزائن، ويصبر العادل (٦)، ويتفق مع كريم الدين على كتمان موته، ويظهران أن السلطان العادل عازم على الرحيل إلى دمشق (٧) للتداوي (٨). ويحمل العادل في محفة، قد رفع طرف سجافها، ويجلس خادم إلى جواره يروح عليه (٩)، والأطباء حولها (١٠)، ويدخلون به دمشق يوم الأحد، فيصطف الناس في الطريق يسلمون على الخادم، والخادم يومئ إلى ناحية العادل إشارة إلى رده السلام، حتى يصلوا به إلى القلعة (١١)، وهناك يغسل

стр. 96

ويكفن، ويدفن فيها سرا (١). ويبالغ المعظم في كتمان موت أبيه، حتى يخفيه عن أعز أصدقائه سبط ابن الجوزي، وكان جالسا إلى جانبه في القلعة عند باب الدار التي فيها الإيوان، والمعظم واجم لا يتكلم، فلما تم دفن العادل نهض المعظم، وشق ثيابه، ولطم رأسه ووجهه، حينئذ علم السبط بوفاته (٢). ويحضر المعظم وكريم الدين أكابر الدولة والأمراء، فيحلفون للعادل وللمعظم معا، حتى إذا أتم المعظم ما أراد أظهر موت أبيه (٣)، وكتب لإخوته بوفاته (٤). وتختبط دمشق لدى شيوع هذا النبأ، ويضطر المعظم إلى تسكين الناس، فينادي المنادون في الحارات: ترحموا على السلطان العادل، وادعوا لسلطانكم الملك المعظم، أبقاه الله. ويبكي الناس حزنا لوفاته (٥). ويقام له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالي للقلعة. ويرى سبط ابن الجوزي شدة حزن صديقه المعظم، فيقوم ويتكلم في أول أيام العزاء، محاولا أن يخفف مصابه الأليم بفقد والده. ويتكلم في ذلك اليوم كذلك (٦) الواعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم (٧) ابن الحنبلي - وكان يسامي سبط ابن الجوزي في الوعظ (٨) - فيعاتبه المعظم،

стр. 97

قائلا له: سبحان الله، أنت صاحب العزاء، أيش كان حاجة إلى كلامك مع ابن الحنبلي! فيجيبه السبط: لا بد من الكلام. فيقول المعظم: إذا كان ولا بد فليكن في اليوم الثالث، ولا يتكلم معك أحد. وهكذا كان. وفي ذلك اليوم يفوض إليه المعظم تربة بدر الدين حسن (١)، على نهر ثورا عند جسر كحيل في طريق جبل قاسيون (٢)، ويكتب له بها منشورا (٣)، فتصير مذ ذاك اليوم مسكنا له (٤). وكان أبو شامة من بعد، وهو في طريقه إلى الصالحية، يمر بالتربة البدرية، فيراه جالسا في شباكها، أو في الصفة الخارجة في النهر، ومعه كتاب يطالع فيه أو ينسخ منه (٥).

стр. 98

مآخذه على صديقه المعظم عيسى بن العادل - ١ - كان تطهير جميع الولايات من الخمور والخواطئ، والقمار والمخانيث، والمكوس والمظالم، من أهم إنجازات العادل التي نوه بها سبط ابن الجوزي، وأثنى عليها (١). ولم ينقض على وفاته سوى اثنتين وعشرين يوما؛ أي: في أول شهر رجب من سنة ٦١٥ هـ/ ٢٣ أيلول ١٢١٨ م، حتى أعاد المعظم المكوس والخمور، وما كان أبوه أبطله. وفوجئ سبط ابن الجوزي بصنيع صديقه، فأظهر انزعاجه منه، وقال له معاتبا: «قد خلفت سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين، فإنه كذا فعل لما مات نور الدين» (٢). فاعتذر له المعظم بقلة المال، ودفع الفرنج (٣). وهذه هي مرته الأولى التي يوجه فيها سبط ابن الجوزي نقدا لسياسته. ولم يكتف المعظم بإباحة شرب الخمور، بل أراد من القاضي الحنفي شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم الشيباني (٤) أن يفتي بإباحة الأنبذة مما يعمل من الرمان ونحوه. فامتنع عن ذلك شرف الدين قائلا: لا أفتح هذا الباب على أبي حنيفة، وأنا على مذهب محمد في تحريمها. فغضب عليه

стр. 99

المعظم، ونزع من يده المدرسة التي كان يسكنها (١). ويستحسن سبط ابن الجوزي موقف شيخه (٢) شرف الدين، بقوله: «ولم يتأثر شرف الدين، وأقام في بيته يتردد إليه للقراءة الصغير والكبير، ولا يغشى أحدا من خلق الله، مقتنعا باليسير» (٣). ولا شك أن سبط ابن الجوزي كان في حيرة من أمر المعظم، كيف يغضب على رجل مثل شرف الدين على علمه وورعه، ويقرب إليه رجلا على النقيض منه، ففي ديوان إنشائه كان يخدم الشاعر المعروف محمد بن نصر بن عنين، وكان سبط ابن الجوزي يكرهه، ولا يرتاح إليه، ويعده من أكبر سيئات المعظم؛ لأن مجالسه كانت معمورة بقبائحه وهناته، ووصفه من بعد بقوله: «كان خبيث اللسان، هجاء، فاسقا، متهتكا» (٤). * * * ولم يعذر سبط ابن الجوزي صديقه المعظم في هدمه سور القدس. وكان المعظم عقب سقوط برج السلسلة بيد الصليبيين يوم الجمعة ٢٩ جمادى الأولى ٦١٥ هـ/ ٢٤ آب ١٢١٨ م (٥)، قد خافهم أن يستغلوا انشغال المسلمين بأمر دمياط لمهاجمة بيت المقدس، فقرر هدم سوره وأبراجه لعجزه عن الدفاع عنه. وكان القدس يومئذ على أتم حال من العمارة وكثرة السكان. فشرع في هدم السور - على ما ذكر سبط ابن الجوزي في أول يوم من المحرم سنة ٦١٦ هـ/ ١٩ آذار ١٢١٩ م، ويصور لنا ما حل بالقدس يومئذ، فيقول: «ووقع في البلد ضجة عظيمة مثل يوم القيامة، وخرج النساء المخدرات والبنات، والشيوخ والعجائز، والشبان والصبيان إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم، ومزقوا ثيابهم بحيث امتلأت الصخرة ومحراب الأقصى من الشعور، وخرجوا هاربين، وتركوا أموالهم وأثقالهم، وما شكوا

стр. 100

أن الفرنج تصبحهم، وامتلأت بهم الطرقات، فبعضهم إلى مصر، وبعضهم إلى الكرك، وبعضهم إلى دمشق. وكانت البنات المخدرات يمزقن ثيابهن، ويربطها على أرجلهن من الحفا. ومات خلق كثير من الجوع والعطش» (١). ثم يعقب على ما جرى بقوله، مفصحا عن رأيه: «وكانت نوبة لم يكن في الإسلام مثلها .. وذم الناس المعظم، ولم يعذره أحد» (٢) * * * ولعل أشد ما أزعجه من المعظم ما فعله مع قاضي القضاة زكي الدين أبي العباس الطاهر بن محيي الدين ابن الزكي. فقد كان في قلبه منه حزازات يمنعه من إظهارها حياؤه من والده العادل، وخوفه من الشناعات. فكان يشكوه إلى سبط ابن الجوزي مرارا، ويقول له: إنه لا ينفذ الأحكام، ولا يقيم معالم الإسلام. فلما مات العادل وجد المعظم فرصة للنيل من هذا القاضي، فأمره (٣) يوم الأربعاء ٢٧ ربيع الأول سنة ٦١٦ هـ/ ١٢ حزيران ١٢١٩ م، وهو في مجلس الحكم في داره بباب البريد (٤)، أن يلبس القباء، وينزع عمامته ويضع الكلوتة على رأسه، وهو لباس والي الشرطة يومئذ، إشارة إلى أنه يفعل فعله، وهو زي شنيع في حق مثله. ففعل القاضي ما أمر به، ولزم بيته بعدها حزنا وكمدا، ثم ما لبث أن مرض مرضة رمى كبده منها قطعا، مات على إثرها (٥). ويصرح سبط ابن الجوزي بما في هذه الفعلة في حق قاض من قبح، فيقول: «والقتل أهون مما جرى عليه .. وكانت حركة شنيعة وواقعة قبيحة لم يجر في الإسلام أقبح منها، وكانت من غلطات المعظم».

стр. 101

بل إن سبط ابن الجوزي يجهر برأيه فيما فعل المعظم، ودون مواربة يعده قاتلا لهذا القاضي، قائلا له: ما فعلت إلا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضي. ويقف المعظم أمامه عاجزا عن الدفاع عن نفسه، فيقول كالمعتذر: هو الذي أحوجني، ولقد ندمت. فيرد عليه سبط ابن الجوزي بمرارة وألم على ادعائه الندم، قائلا: بعد أن سارت بفعلك الركبان، وتحدث الناس في البلدان! (١). - ٢ - ولم تحل مآخذه هذه على المعظم دون بذله الولاء له، فبعد سقوط دمياط بيد الصليبيين يوم الثلاثاء ٢٥ شعبان ٦١٦ هـ/ ٥ تشرين الثاني ١٢١٩ م (٢)، ورجوع المعظم من مصر، لاستجلاب العساكر من الشرق (٣)، كتب المعظم كتابا بخطه - وهو في طريقه إلى نابلس - إلى صديقه بدمشق سبط ابن الجوزي، يقول له فيه: «قد علم الأخ العزيز بأن قد جرى على دمياط ما جرى، وأريد أن تحرض الناس على الجهاد، وتعرفهم ما جرى على إخوانهم أهل دمياط من الكفرة أهل العناد. وإني كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفي قرية، منها ألف وست مئة أملاك لأهلها، وأربع مئة سلطانية، وكم مقدار ما تقوم هذه الأربع مئة من العساكر! وأريد أن يخرج الدماشقة ليذبوا عن أملاكهم؛ الأصاغر منهم والأكابر. ويكون لقاؤنا وهم بصحبتك إلى نابلس». ويخف سبط ابن الجوزي إلى جامع دمشق، ويقرأ على أهلها كتاب المعظم، ودعوته لهم للجهاد وتأخذهم الحمية، ويجيبون بالسمع والطاعة. بيد أن أكابر دمشق يعتورهم الفتور، ويقولون: نمتثل أمره بحسب

стр. 102

الاستطاعة. وكأنهم ائتمروا فيما بينهم على القعود. فما إن يحل موعد الخروج حتى يثبط بعضهم بعضا، مؤثرين الدعة والسلامة، قائلين: لكل مقام مقال، وللحرب رجال (١). ويستبطئ المعظم الناس، فيكتب لسبط ابن الجوزي كتابا آخر بخطه، يقول فيه: «قد عرفت عزيمة الأخ التي جردها في سبيل الله ابتغاء لرضاه، وشكرت ما يقصد من المساعي في ذات الله ويتوخاه، فليقدم حضوره إلى أخيه، ومحبه المشار إليه، ليقوم من خدمته بما يجب عليه» (٢). فيمتثل سبط ابن الجوزي أمره، ويخرج إلى الساحل. وكان المعظم نازلا على قيسارية يحاصرها (٣)، فيلتقيه هناك، ويقيم معه حتى يفتحها المعظم عنوة، ثم يسير معه إلى الثغر، فيفتحه ويهدمه، ويعود إلى دمشق بعد أن أخرب بلاد الفرنج (٤). وعقوبة على تقاعد أكابر أهل دمشق عن الجهاد، يأخذ المعظم الخمس والثمن منهم (٥). وتوافي أشهر الحج من ذلك العام، فيعزم سبط ابن الجوزي على أداء مناسكه، فيتجهز، وحين يأزف وقت الرحيل ينضم إلى قافلة الحج الشامي، وأميرها شقيفات؛ مملوك المعظم (٦).

стр. 103

سفارته بين الأخوين المعظم والأشرف وهزيمة الصليبيين في مصر - ١ - عقب رجوعه من الحج راح سبط ابن الجوزي يأوي في أويقات فراغه إلى مسكنه في التربة البدرية، منكبا على مطالعاته وتآليفه (١)، ومستقبلا زواره من العلماء والفقهاء والأمراء، وممن كان يزوره في تلك الأيام المحدث الفقيه تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن، المعروف بابن الصلاح (٢)، صاحب كتاب «علوم الحديث»، الذي ذاع صيته في الآفاق، واقترن باسمه (٣). كان ابن الصلاح يدرس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس، وقد غادره عند خراب سوره، وقدم دمشق مع القادمين إليها (٤). ويبدو أنه انتظر أشهرا، وهو يؤمل أن يوليه المعظم إحدى مدارسها، وكان المعظم يكرهه، فجاء إلى سبط ابن الجوزي يلتمس مساعدته، فاستجاب له. وما زال بالمعظم حتى استصلحه له، على حد تعبيره (٥)، وولاه التدريس.

стр. 104

بالمدرسة الرواحية (١). وكما توسط سبط ابن الجوزي لابن الصلاح، حاول أن يستصلح المعظم لمحمد بن أبي الفضل بن زيد الدولعي الشافعي؛ خطيب جامع دمشق بعد عمه عبد الملك بن زيد. وكان المعظم قد منعه من الفتوى، فسأله السبط: لم منعته؟. فأجابه المعظم: ما منعته، وإنما منعه شيوخ مذهبه وأكابرهم، كتبوا إلي يقولون: هذا رجل جاهل، غليظ الطبع، وفتاويه كلها خطأ، ولا يحل لك أن تمكنه من الفتوى في الفروج والأموال (٢). ويبدو أن شفاعة سبط ابن الجوزي عند المعظم لم تكن تتعدى تلك الوساطات للعلماء، أما ما يتعلق منها بالسياسة وشؤون الحكم فكان يتجنبها، فنراه لا يتدخل أبدا حين عزل المعظم صديقه الأمير المبارز المعتمد إبراهيم بن موسى عن شحنة دمشق، لبغضه له، بعد أن تولاها نحو خمسين سنة، وأنزله من قلعة دمشق إلى داره، وحجر عليه، وبالغ في ذلك. وكان للمبارز المعتمد منزلة كبرى عند سبط ابن الجوزي، ولم ينس أياديه عليه مذ تعرف إليه، ولطالما لهج لسانه بالثناء عليه، بقوله: «كان محسنا إلي، ومتفضلا علي، خدمني بنفسه وجاهه وماله، وجمع لي بين خيري الدنيا بتفضله وإفضاله». ولذلك واصل زيارته له في داره كل ليلة جمعة حتى وفاته، ولم ينقطع عنه أحيانا إلا بسبب منع زيارته، وغلق باب داره في بعض الأوقات (٣). * * * وممن كان يزور سبط ابن الجوزي الأمير مبارز الدين سنقر الحلبي الصلاحي؛ وكان من كبار أمراء السلطان صلاح الدين بن أيوب، وله معه مواقف مشهورة (٤).

стр. 105

كان مبارز الدين سنقر يقيم في دار شبل الدولة الحسامي، القريب من التربة البدرية، وقد قدم من ماردين سنة ٦١٨ هـ/ ١٢٢١ م بعد أن وعده المعظم عيسى خديعة له بتوليته نابلس (١). وكان الأشرف موسى قد نقم عليه لميله للأفضل علي بن صلاح الدين (٢). ووصل مبارز الدين إلى دمشق، ومعه جملة من المال والخيل المنسوبة العربية، والجمال والبغال، والسلاح والمماليك شيء كثير. وخرج المعظم للقائه، ونزل في دار شبل الدولة. ثم أعرض عنه المعظم، وراح يماطله بما وعده به حتى تفرق عنه أصحابه، وتبدد ماله. فصار يقضي أيامه مغموما مهموما. فكان الأمير في ساعات غمه يزور جاره سبط ابن الجوزي (٣)، يبثه همه، ويحدثه أحيانا عن بعض أخبار السلطان صلاح الدين (٤)، وأولاده (٥). ويشكو له إعراض المعظم عنه، وكيف خدعه، وسبط ابن الجوزي يسليه ويهون عليه. ودخل عليه مرة، وهو يقرأ في كتاب عن ملوك اليمن، فسأله المبارز: أيش تقرأ؟ فقال السبط: أخبار ملوك اليمن. فقال المبارز: اقرأ لي. فقرأ له: فلان الملك عاش ألف سنة، ومات بالغم، وفلان عاش مئة سنة ومات بالغم، فقال المبارز: وأنا أموت بالغم (٦). * * * وكان المعظم في تلك الأيام مغموما كذلك، ولكن لاستيلاء الصليبيين على دمياط، ويخشى من استيلائهم بعدها على مصر كلها، ولذا كان يفكر في دخول طرابلس، ومهاجمتهم في عقر دارهم، لتشتيت جهودهم عنها.

стр. 106

ولتنفيد خطته تلك ذهب إلى أخيه الأشرف موسى في حران، حائثا له على توحيد جهودهما، وما زال به حتى استجاب له، واجتمعت العساكر في حران، فسار بهم المعظم، وقطع الفرات، ونزل على حمص. وسار الأشرف على إثره، ونزل في سلمية. ويخرج سبط ابن الجوزي من دمشق على نية الغزاة، ويجتمع بالمعظم على حمص في ربيع الآخر سنة ٦١٨ هـ/ حزيران ١٢٢١ م. ويبثه المعظم همومه، قائلا له: قد سحبت الأشرف إلى ها هنا بأسناني، وهو كاره، وأخاف من الفرنج أن يستولوا على مصر، وهو صديقك، فأشتهي تقوم تروح إليه، فقد سألني عنك مرارا. ثم كتب المعظم إلى الأشرف كتابا بخطه نحو ثمانين سطرا. فأخذ سبط ابن الجوزي الكتاب، ومضى به إلى سلمية. ولندع سبط ابن الجوزي يصف لنا وقائع تلك السفارة، ولقاءه بالأشرف، وما كان منه، فيقول: وبلغ الأشرف وصولي، فخرج من الخيمة، والتقاني، وعاتبني على انقطاعي عنه، وجرى بيني وبينه فضول، وقلت له: المسلمون في ضائقة، وإذا أخذ الفرنج الديار المصرية ملكوا إلى حضرموت، وعفوا آثار مكة والمدينة والشام، وأنت تلعب! قم الساعة وارحل. فقال: ارموا الخيام والدهليز. وسبقته إلى حمص، والمعظم عينه إلى الطريق، فلما قيل له: وصل فلان. ركب والتقاني، وقال: ما نمت البارحة، ولا أكلت اليوم شيئا. فقلت: غدا يصبح أخوك على حمص. فلما كان من الغد أقبلت الأطلاب (١)، وجاء طلب الأشرف، والله ما رأيت أجمل منه ولا أحسن رجالا، ولا أكمل عدة. وسر المعظم سرورا عظيما، وجلسوا تلك الليلة يتشاورون، فاتفقوا على الدخول في السحر إلى طرابلس يشوشون على الفرنج، وكانوا على حال، فأنطق الله الأشرف على غير قصد، وقال للمعظم: يا خوند عوض ما ندخل الساحل، ونضعف خيلنا

стр. 107

وعساكرنا، ونضيع الزمان ما نروح إلى دمياط ونستريح؟ فقال له المعظم: قول رماة البندق؟ (١) قال: نعم. فقبل المعظم قدمه، ونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة كالأسد الضاري يصيح: الرحيل الرحيل إلى دمياط. وما كان يظن أن الأشرف يسمح بذلك. وساق المعظم إلى دمشق، وتبعته العساكر. ونام الأشرف في خيمته إلى قريب الظهر، وانتبه، فدخل الحمام، فلم ير حول خيمته أحدا، فقال: وأين العساكر؟ فأخبروه الخبر، فسكت، وساق إلى دمشق، فنزل القصير يوم الثلاثاء ٤ جمادى الأولى/ ٢٦ حزيران، فأقام إلى سلخه، وعرض العساكر تحت قلعة دمشق، وكان هو وأخوه المعظم في الطيارة بالقلعة، وساروا إلى مصر غرة جمادى الآخرة/ ٢٣ تموز (٢). ويبدو أن سبط ابن الجوزي - وقد خرج من دمشق على نية الغزاة - لم يفسخ ما عزم عليه، وسافر معهما إلى مصر، وإن لم يصرح بذلك (٣). -٢ - وكان الصليبيون قد حشدوا قواتهم لمهاجمة القاهرة، وتقدموا يوم السبت ٢٥ جمادى الأولى ٦١٨ هـ/ ١٧ تموز ١٢٢١ م، من دمياط جنوبا، ووصلوا إلى فارسكور في اليوم التالي (٤). ونادى الكامل بالنفير العام، وألا يبقى أحد إلا خرج لقتال الفرنج (٥). واتجه بقواته شمالا، فعبر نحو بحر أشموم، وتقدم إلى شارمساح، غير أنه

стр. 108

آثر الرجوع ثانية إلى معسكره الحصين في المنصورة. ومن ثم وجد الصليبيون الطريق أمامهم مفتوحا، ولم يعترض مسيرهم سوى مناوشات يسيرة، فوصلوا إلى شارمساح، واستولوا عليها يوم السبت ٢ جمادى الآخرة/ ٢٤ تموز، وكانت خرابا (١). ثم تابعوا مسيرهم، فخرجوا من شارمساح، ووصلوا في اليوم نفسه؛ أي: ٢ جمادى الآخرة/ ٢٤ تموز (٢)، إلى طرف جزيرة دمياط (٣)، فأقاموا معسكرهم هناك دون مقاومة تذكر (٤)، وأصبحوا بذلك في مواجهة القوات الإسلامية، لا يفصل بينهما إلا بحر أشموم (٥)، وهم موقنون أشد اليقين أن مصر كلها قد غدت في قبضتهم (٦). وانشغل الصليبيون بتحصين معسكرهم الجديد كعادتهم، فأحاطوه بالخنادق والأسوار، وقبعوا فيه ما يقرب من شهر، كانوا خلاله يرمون العساكر الإسلامية بالمنجنيق والجروخ معتقدين أنهم منتصرون لا محالة (٧). ولغرورهم هذا لم يصحبوا معهم من المؤن إلا ما يكفيهم لأيام فحسب، لاعتقادهم أنهم لن يلاقوا مقاومة في طريقهم إلى القاهرة، وسيتزودون بالمؤن من القرى التي يسيطرون عليها في طريقهم (٨). في تلك الأثناء وصل الأشرف موسى إلى مصر في ٢٣ جمادى الآخرة ٦١٨ هـ/ ١٤ آب ١٢٢١ م (٩). وخف الكامل لاستقبال أخيه الأشرف، مستبشرا به (١٠)، واستقر الرأي

стр. 109

بينهما على التقدم إلى خليج بحر المحلة (١)، في البر الغربي (٢)، لضرب مؤخرة السفن الصليبية، ولقطع خطوط المواصلات البحرية التي تعتمد عليها القوات الصليبية في دمياط (٣). وهكذا سارت السفن الإسلامية، ومعها حراقة كبيرة عليها الأمير بدر الدين حسون إلى رأس بحر المحلة (٤)، المواجه لشارمساح، وهناك اشتبكت مع السفن الصليبية، واستولت عليه (٥). وفي الوقت نفسه تقدمت شواني المسلمين في فرع دمياط، واشتبكت مع السفن الصليبية المتقدمة الراسية بحذاء المعسكر الصليبي؛ شمالي المنصورة، وتمكنت من أسر ثلاث قطع من السفن الصليبية، بمن فيها من الرجال والمؤن والسلاح والأموال (٦)، ففرح المسلمون بذلك، واستبشروا، وقويت نفوسهم (٧). ثم وجه إليهم الكامل ضربته القاضية (٨)، إذ أوعز إلى جماعة من عسكر المسلمين، فعبروا بحر المحلة إلى بر دمياط، حيث يعسكر الصليبيون، وفتحوا بثقا عظيما في النيل، الذي كان في فورة زيادته، فغمر الماء أكثر تلك الأرض، وصار حائلا بين الصليبيين وبين دمياط، ولم يتبق للصليبيين من طريق يسلكونها غير الشريط الضيق المحاذي للنيل، ويمتد من معسكرهم حتى دمياط، عندئذ أمر الكامل بنصب جسور عند أشموم طناح، فعبرت العساكر عليها، وملكوا هذا الشريط الضيق، قاطعين على الصليبيين طريق العودة إلى دمياط، وهكذا سدت جميع الطرق في وجوه الصليبيين، وغدوا محصورين من الجهات كافة (٩)، وبذلك سيطر المسلمون على أرض

стр. 110

المعركة سيطرة تامة (١). وبينا الصليبيون على تلك الحال، وصل إليهم مركب عظيم يسمى مرمة، وحوله عدة حراقات يحمونه، وهي مشحونة بالميرة والسلاح، وما يحتاجون إليه، فوقعت عليه شواني المسلمين، وقاتلوا عليه قتالا شديدا حتى ظفروا بالمركب وما معه من الحراقات، فاستولوا عليها، فلما رأى الصليبيون ذلك سقط في أيديهم (٢). وأدركوا حينئذ مع صباح يوم ٢٧ جمادى الآخرة ٦١٨ هـ/ ١٨ آب ١٢٢١ م (٣)، أن جيش المسلمين قد تفوق عليهم، واكتمل تطويقهم، ولم يعد لديهم ما يكفيهم من المؤن إلا لأيام، وأن طريق الرجوع إلى دمياط قد قطعت بعدما تمكنت البحرية الإسلامية من إغراق سفنهم التي حاولت العودة أو الاستيلاء عليها (٤). وتشاورت القيادة الصليبية فيما يجب عمله، وقد أحيط بهم (٥)، فلم يكن أمامهم إلا طريقان لا ثالث لهما: إما الاستسلام للمسلمين، ووقوعهم أسرى في أيديهم. وإما القيام بمحاولة يائسة للتراجع برا نحو دمياط، والتحصن بها (٦). واستقر رأيهم على التراجع، وهو عندهم أهون الشرين (٧). ففي الصباح الباكر من يوم الخميس ٦ رجب ٦١٨ هـ/ ٢٦ آب ١٢٢١ م، بدأ جيش الصليبيين في التراجع (٨)، ولم يكن انسحابه منظما، إذ رفض كثير من الجنود أن يريقوا نبيذهم على الأرض، وآثروا أن يشربوه، فثملوا، وكانوا فاقدين لوعيهم حين صدرت إليهم الأوامر بالمسير. ثم إن
следующие страницы →