Полный текст (1 153 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فأدَّى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربِّي وسلامه عليه.
وبعد:
فإنَّ العمل بكتاب الله، واتِّباعَ سنَّة رسول الله ﷺ ، ومعرفةَ واقتفاءَ آثار مَن مضى من السَّلف من صحابةٍ وتابعين، مِن أسباب عِزِ الأمَّة ووحدتها، وهو دليل وجودها وجِدِّها، وقد تعهَّد الله تعالى بحفظ هذا الدِّين؛ فاختار له رجالاً صالحين، عدولاً ضابطين، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، من لدن صحابة رسوله ﷺ إلى يوم المعاد، فلا تزال طائفة من هذه الأمَّة المباركة على الحقِّ قائمين، لا يضرُّهم مَن خالفهم ولا مَن ناوأهم إلى قيام الساعة، وجعل الله في كلِّ زمن مَن يُجدِّد لهذه الأمة أمر دينها، ويُحيى ما اندرس مِن علومها وأخلاقها وآدابها في كلِّ عصر ومصر؛ لذلك وغيره اتَّجهت هِمَمُ علمائها لحفظ هذا الدِّين بإيداعه في الصدور، وجمعه في الدواوين والسطور، فكثرت المؤلَّفات في كلِّ فنٍّ من الفنون، تمثَّلت في جمع سنة سيد الأولين والآخرين، وما كان عليه صحابتُه الميامين، من فقه في الدِّين، واعتقاد في ربِّ العالمين.
لكن شاء الله تعالى أن يدخلَ في هذا الميدان الواسع مَن ليس بأهل، من أصحاب الأهواء والضعفاء والكذَّابين، فحاكوا المحدِّثين في علمهم، ورووا ما ليس له خطام
стр. 2
ولا زِمام، ناسبين ذلك إلى نبيِّهم ﷺ ، كلٌّ بحسب ما تدفعه عقيدتُه لروايته، ومزاجُه لصياغته، فانبرى لهم أهلُ الإيمان والعلم والعرفان بالتمحيص والتدقيق، والتعديل والتجريح، فعُرف الكاذب من الصادق، والمخطئُ من الحاذق، وصُنِّفت مصنَّفات تبيِّن أحوالهم ودرجاتهم، من حيث الكذبُ والصدق، والثقةُ والضعف، فتميَّز منهم مَن كان أهلاً للأخذ عنه والترحال، فشُدَّت إليه الرواحلُ والجِمال، وازدحم عليه طلاَّب الحديث والرِّضوان، فسمعوا وكتبوا، وأذاعوا ونشروا، فحُفظت بذلك السنن والآثار فـ «رحم الله سلَفَنا من الأئمَّة المرضيِّين، والأعلام السابقين، والقدوة الصالحين، من أهل الحديث وفقهائهم، قرناً بعد قرن، فلولا اهتبالُهم بنقله، وتوفُّرهم على سماعه وحمله، واحتسابهم في إذاعته ونشره، وبحثهم عن مشهوره وغريبه، وتنخيلُهم لصحيحه من سقيمه، لضاعت السُّنن والآثار، واختلط الأمر والنهي، وبطل الاستنباط والاعتبار» (١).
وكان من هؤلاء الأعلام المفاريد الذين جابوا الدنيا بحثاً عن السنن والآثار، والأعلام والأحبار، مُلحِقُ الصِّغار بالكبار، الإمامُ العلَم، والشيخ الأجَلُّ، مسند الدنيا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سِلَفة السِّلفي الأصبهاني نزيل الإسكندريَّة، المولود سنة (٤٧٤ هـ)، والمتوفَّى سنة (٥٧٦ هـ) عن عُمْرٍ جاوز المائة.
اعتنى به والده في صِغره، فأسمعه الحديث على شيوخ بلده، ففاق أقرانه بكثرة مسموعاته، وجودة قريحته وحفظه، فتصدَّر التدريس في بلده ولَمَّا يَبلِغ العشرين من عمره، ثم تاقت نفسُه للقاء الكبار، فارتحل عن بلده أصبهان متوجِّهاً إلى مدينة العلم والسلام، بغداد التي تركت في نفوس أهل الإسلام ما لا يعلمه إلاَّ الخالق العلاَّم، من أسًى على ضَياعها، وحزن على وقوعها بأيدي أعدائها، نسأل الله تعالى لها الخلَاص، ولأهلها العودة لما كان عليه سلفهم من العلم والإيمان والإخلاص.
_________
(١) من كلام القاضي عياض في مقدمة كتابه الإلماع (ص ٧).
стр. 3
دخلها ﵀ في أواخر القرن الخامس، كلُّه شوقٌ للقاء مَن بها من أهل العلم، فالتقى مَن كتب اللهُ له لُقياه من الأعلام، فسمع منهم، وحفظ عنهم، فأثبت كلَّ مَن علَّق عنه شيئاً من الحديث وإن لم يكن عارفاً بقوانين الرواية والتحديث، وسَمَّى كلَّ مَن استفاد منه فائدة فقهيَّة أو أدبيَّة أو زهدية، أو استنشده فأنشده شيئاً من شعره وبنات فكره، أو مما أنشده مَن شاهده من أديب بارع أو راوية جامع، فروى كتباً وأجزاء، ومرفوعات وموقوفات، وأخبار وحكايات وإنشادات، وفوائد ومنتقيات، من عقائد وآداب وحِكَم وزهديات، واستجاز مَن استحق أن يُستجاز فأجازوه، وسألهم فأفادوه، فجمع كلَّ ذلك، وأدرجه كتابه الفذَّ الموسوم بـ:
المشيخة البغدادية
ذكر فيه أسماء شيوخه وأسماء آبائهم ونسبتهم وأنسابهم، وذكر نماذج مما استفاده من علومهم ومرويَّاتهم، بسنده المتصل إليهم بالسماع والقراءة والإخبار، فجمع علماً جمًّا في مشيخته هذه، وزادها حُسناً إلى حسن ذكرُه للمحالِّ والمواضع والأماكن التي سمع فيها من شيوخه، فوصف بغداد وصفَ مَن وَقَفَ على شوارعها وأسواقها، ومدارسها ومساجدها، ودورها ودروبها وأنهارها، في غربيِّها وشرقيِّها، فصار كتابُه موسوعةً علمية في علوم شتى:
فهو موسوعةٌ في معرفة حديث المصطفى ﷺ ، وأقوال صحابته الكرام، ومَن بعدهم من الأئمَّة الأعلام إلى عصر مؤلِّفه رحمة الله عليهم أجمعين.
وموسوعةٌ في معرفة الرجال، خاصَّة شيوخ المصنِّف، وهم من الطبقة التي جاءت بعد الخطيب البغدادي أو كانوا في عصره، لكن لم يُقدَّر لهم أن يُذكَروا في تاريخ بغداد للخطيب، فذكرهم السِّلفي في هذا التاريخ، فأحيا ذكرَهم، وحفظ أنسابهم، وبيَّن علومهم ومعارفهم، وهذا وفاءٌ منه لهؤلاء الأعلام الذين استفاد منهم وأفادوه.
стр. 4
وهو موسوعةٌ جغرافية في معرفة معالم مدينة السلام في نهاية القرن الخامس، بمعرفة أسماء محالِّها ودروبها وشوارعها وأسواقها وأنهارها ومواضعها في بغداد، أفي شرقيِّها أم غربيِّها والتي يقسمها نهر دجلة العظيم.
وموسوعةٌ في معرفة الحركة العلمية في ذلك القرن الذي توالت فيه النَّكبات، وتعدَّدت فيه الفتن، وكثر أهل الأهواء والإحن، من رافضة وباطنية، وحروب صليبيَّة، مع ذلك كلِّه لم ينثن أهل العلم في رواية السنَّة وتعليم الدِّين؛ إذ لا نجاة لهذه الأمَّة ولا عِزَّ لها إلاَّ بالرجوع إلى الدِّين الصحيح، من كتاب الله الحكيم، وسنَّة رسوله الأمين ﷺ .
فكان كتاب المشيخة البغدادية أحد نواة تلك الحقبة الزمنية، جمعها السِّلفي مدَّة إقامته بها، وحدَّث بها بعد أن غادرها إلى موطنه الأخير الإسكندرية.
وفوائدُ الكتاب وعوائده كثيرة لا تُحصى، يكفيه من ذلك كلِّه أن حفظ لنا نصوصاً نبويَّة، وطرقاً إسناديَّة قلَّ أن توجد إلاَّ عنده، ناهيك عن الآثار والأشعار والحكايات والأمثال، بل حفظ أمثلة ونماذج من كتب فُقدت، وأجزاء حديثية اندثرت، لم يبق إلاَّ أسماؤها وأسماء مؤلِّفيها في كتب البرامج والمعاجم، فجاءت المشيخة البغدادية تُحيي ذكرها، وتبين ما خفي من أسرارها.
وقد طال إعجابي بهذا الكتاب بعد أن وقفت عليه وتأمَّلته، ثم نسخته وقابَلته، فتبيَّن لي كثرةُ فوائده وعوائده؛ إذ حوى بين طيَّاته علوماً جمَّة من علوم السنَّة وغيرها، وقد بلغ عددُ أوراقه أكثر من أربعمائة ورقة ذات وجهين، وعدد نصوصه يقرب من ثلاثة آلاف بيقين، من بين حديث وأثر، وشعر وإنشاد وخبر، كيف لا ومؤلِّفها عُرف بإتقانه وجودة اختياره وانتقائه، وعُرف بحفظه وإفادته، حتى لُقِّب بألقاب تُنبئ عن علمه وفضله، فهو مسند الدنيا، وبقية المسندين، وحافظ الإسلام، وأعلى أهل الأرض إسناداً، إلى غير ذلك مما قيل فيه وفي علمه.
стр. 5
فعزمتُ على تقديمها لنيل درجة العالمية العالية الدكتوراه، فلقت قبولاً في مجالس الكلية والدراسات بحمد الله وعونه، وبما أنَّ الوقت المحدَّد لتقديمها لا يكفي لتسجيل جميعها، قمتُ بتسجيل الأجزاء العشرة الأولى منها، وتقع في مائة وخمس وخمسين لوحة، وهي تمثِّل أكثر من ثلثها؛ إذ زاد عددُ نصوصها على الألف ومائة، بلغت فيه الأحاديث المرفوعة (٦٥٤) حديثاً، والآثار الموقوفة والمقطوعة والأشعار والحكايات وما يلحق ذلك (٤٥٢) أثراً، ومجموع ذلك كلِّه (١١٠٦) نصوص، فاستعنت الله على دراستها وتحقيقها، وكانت الخطة المتبعة في ذلك كما يلي:
ينقسم العمل في هذه الأطروحة إلى قسمين أساسيين:
القسم الأول: الدراسة.
القسم الثاني: التحقيق.
أولاً: قسمُ الدراسة
ويشتمل على مقدّمة وفصلين.
فالمقدّمة: اشتملت على كلمةٍ موجزةٍ عن حِفظ السنَّة النَّبوية، وطرق جمعها والتأليف فيها، وسبب اختيار الموضوع، والعملُ في الرسالة، وبيانُ منهج التحقيق.
الفصل الأول: ترجمة المصنِّف ترجمة مختصرة، وفيه أحد عشر مبحثاً.
مدخل إلى ترجمته.
المبحث الأول: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته.
المبحث الثاني: مولده.
المبحث الثالث: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال.
المبحث الرابع: أسرته.
стр. 6
المبحث الخامس: رحلاته.
المبحث السادس: شيوخه.
المبحث السابع: تلاميذه.
المبحث الثامن: عقيدته.
المبحث التاسع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث العاشر: مصنّفاته.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه سبعةُ مباحث.
المبحث الأول: علم المشيخات باختصار، المؤلفات فيه، وفوائدُه، ومنزلةُ الكتاب بينها.
المبحث الثاني: إثبات اسم الكتاب، ونسبته إلى مؤلِّفه.
المبحث الثالث: منهجه في القسم المحقق.
المبحث الرابع: ذكر شيوخه على أحرف المعجم.
المبحث الخامس: موارده في القسم المحقق.
المبحث السادس: الأماكن الجغرافية لمدينة بغداد، التي سمع فيها السِّلفي من خلال القسم المحقق من الكتاب.
المبحث السابع: وصف النسخ الخطيَّة المعتمدة في التحقيق.
ويلي ذلك تصوير نماذج من النسختين الخطيتين.
ثانياً: قسم التحقيق
١ ـ منهجي في تحقيق النصِّ وضَبطه:
стр. 7
ـ كتابة النصِّ على الرسم الإملائيِّ الحديث.
ـ مقابلة النسخة الأصل ونسخة فيض الله المرموز لها بـ (ف) مقابلة دقيقة؛ ووُفِّقت لمقابلة نسخة الأصل ثلاث مرَّات، إحداهنَّ مع المشرف على الرسالة جزاه الله خيراً.
ولا أدَّعي الكمال في ضبط النصِّ؛ فمعارضةُ الكتابِ أهمُّ عَمَلٍ يقومُ به المحقِّق، وقد قال الإمامُ معمَر بن راشد ﵀: «لَو عُورِضَ الكتابُ مائةَ مرَّة ما كاد يَسْلَمُ من أن يكون فيه سَقط ـ أو قال خطأ ـ» (١).
ـ ترقيم الأحاديث والآثار ترقيماً تسلسياً من أول الكتاب إلى نهايته.
وقد امتازت النسخة بعدة ميزات من مقابلة ومعارضة؛ نتج عن ذلك وجود إلحاقات وضرب وكشط، كما أنَّها لم تخلُ من سَقط وتصحيف وتحريف، فكان تعاملي مع كلِّ ذلك كما يلي:
ـ اللَحَق: لم أنبِّه على اللَحَق الذي عليه علامة (صح) المثبت في هوامش النسخة، وأَدخلتُه في المتن؛ لأنَّ حكمَه حكمُ الصُّلْبِ، والناسخ أثبته بعد المقابلة والعرض تنبيها أنَّه من الكتاب؛ لذا لم أضعه بين معقوفين، ولم أنبِّه على ذلك في حواشي الكتاب؛ إذ لا ضرورة لذلك، ما دام أنَّه من الكتاب، والملحق له هو ناسخ الكتاب والمعارِض له.
ويلحق بذلك أيضاً تلك الكلمات التي يُلحقها بين الأسطر؛ إذ مثلها يُمكن إدراجها في المتن دون أن يُخرَّج لها لَحَقاً في الهامش.
ـ السَّقْط:
نبّهتُ على ما وقع من سَقطٍ في النسخة، فإذا كان الساقطُ كلمةً أو حرفاً وضعته بين معقوفين ونبَّهتُ في الحاشية أنَّه سقط من الأصل أو النسخة الأخرى، والتصويبُ من كذا، أو وبه يستقيم الكلام، أو نحو ذلك، وقد يشير الناسخ إلى بعض ما سقط من
_________
(١) جامع بيان العلم (١/ ٩٣).
стр. 8
النسخة بوضع ضَبَّة في مكان السقط، أو إشارة إلى ذلك في الهامش بقوله: (سقط).
ـ التصحيفُ والتحريف.
إذا وقع التصحيف والتحريف في نسخةِ الأصل نبَّهتُ عليه، فإن كان ما في الأصلِ تصحيفاً صريحاً لا يحتمله وجهٌ من أوجه اللُّغة، أو ألفاظ الأحاديث، أو تراجم الرِّجال غيَّرتُ ما في الأصل، وأشرتُ في الهامش إلى التصحيف، خاصة إن كان التصويب من النسخة الأخرى، وأمَّا إن اتفقت النسختان على الذي أراه تصحيفاً وتحريفاً فإنَّني أُبقيه في الأصل، وأنبِّه عليه في الحاشية، وأذكر ما قد يكون صواباً؛ وذلك لاحتمال أن يكون الخطأ واقعاً في الأصول التي نقل منها السِّلفي، وقد وقفت على مثال لذلك (١)، إلاَّ إن تأكَّدتُّ من وقوع التصحيف في المشيخة فإنَّني أغيِّرُه وأجعله بين معقوفين، وأنبِّه على ذلك.
ـ الزيادات.
وقع في الأصل المعتمد بعضُ الكلمات الزائدةِ لا يقتضيها السياق، وكان الناسخُ أثناءَ المقابلة يَضْرِبُ على تلك الزيادات، فهذه لا أنبِّه عليها، وليس لها حكم الأصل.
إلاَّ أنَّ الناسخ غَفَل عن بعضِها فلم يضرب عليها، فتركها زائدة، فضربتُ عليها ولم أثبِتْها في النَّصِّ، ونبّهت على ذلك في الحاشية.
٢ ـ منهجي في خدمة النص:
الآيات القرآنية:
ـ كتبت الآيات القرآنية بالرسم العثماني.
ـ عزوتُ الآيات إلى سورها من القرآن، مع بيان رقم الآية.
_________
(١) انظر النص: (٢٣٤)، فقد اتفقت المشيخة مع المورد الذي نقل منه السِّلفي (أمالي النجاد ـ مخطوط) على إسناد واحد، وقع فيه خطأ في إبدال (عن) بـ (واو).
стр. 9
الأحاديث النبوية:
١ ـ العزو:
بما أنَّ المصنِّف عاش في عصر رواية الكتب والأجزاء الحديثية، كانت أحاديث الكتاب وآثاره كلُّها تلتقي في إسنادها عند أحد المصنِّفين في الحديث، فعليه يكون العزو على النحو التالي:
عزوُ الحديث إلى أحد المصنفات التي أخرجته من طريق السِّلفي أو شيخه، وهكذا.
إن لم أقف على مَن أخرجه عن السِّلفي فمَن دونه بدأت بالعزو إلى المصنَّف الذي خرَّج عنه السِّلفي الحديث أو الأثر من أجزاء حديثية وغيرها، فأقول (وهو في جزء فلان) مثلاً، ويُعتبر هذا من خدمة النصِّ، بل قد أشير إلى الفروقات الواقعة في النص الذي خرَّجه السِّلفي مع تلك الأجزاء والكتب.
ثم يكون العزو ممن دون أصحاب تلك الكتب، وهكذا، إلى أن أصل إلى مَن عليه مدار الحديث وغيره.
٢ ـ التخريج والحكم على الأحاديث:
إن كان الحديث في أحد الصحيحين اكتفيتُ بهما دون غيرهما، بعد عزوه للمصدر الذي خرَّج منه المصنِّف حديثَه إن وُجد.
وإن كان الحديث خارج الصحيحين خرَّجته من مصادر أخرى، وذكرتُ درجتَه، وأقوال أهل العلم فيه، وقد راعيت في أكثر ذلك عدم التطويل المُمل، أوالاختصار المخل.
الآثار.
تخريج الآثار من مصادرها، وبيان الصحيح من غيره.
стр. 10
الأعلام.
ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في الأسانيد ترجمة مختصرة، وعرَّفتُ بالأعلام الواردين في المتن مع ضبط المشتبه منهم، وأستثني من ذكر التراجم:
١ ـ شيوخ المصنِّف، وقد عقدتُّ لهم مبحثاً خاصًّا، ذكرت فيه أسماءهم وأخبارهم على حروف المعجم ليسهل معرفتهم وتعدادهم، وهو المبحث الرابع من الفصل الثاني: (دراسة الكتاب).
٢ ـ رجالَ الكتب الستة، إلاَّ مَن كان مَدارُ العلَّة عليه ولو كان ثقةً، فأذكر خلاصة ما قيل فيه، وغالباً ما أذكر حكمَ الحافظ ابن حجر، إلاَّ إن رأيت الصواب في خلافه، فأحاول استخلاص حكم يُناسبه مما قاله فيه أهل العلم.
ومَن لم أقف على ترجمته نبَّهت على عدم وقوفي عليه في الحاشية، وقد بذلت قُصارى جهدي في الوصول إلى تراجمهم لكن لم أوَفَّق لذلك، وحسبي أنِّني بحثت وفتَّشت، والوقوف على ترجمة رجل يحتاج إلى وقت ومعرفة، خاصَّة إن كان الرجل صُحِّف اسمه في الخبر أو غُيِّر، أو نُسب إلى غير أبيه، أو ذُكر بغير ما اشتُهر به، ورحم اللهُ الإمامَ أبا موسى المديني، فقد كتب جزءاً في بيان مَن هو الحسن الوارد ذكره مهملاً في حديثٍ في صحيح مسلم، سمَّاه: (الشرح المُكمَل في نسب الحسن المهمل)، فكتب عدة ورقات في ذلك، ثم قال في آخره: «فانظر ـ رحمك الله ـ في نسب رجل واحد في إسناد إلى كم كتاب يحتاج طالب الحديث أن يطالعه، وكم تعب يمارسه، ومن ينظر في ذلك من غير أهله يَعدُّه من الهدر والهذيان، وينسبنا إلى تضييع الورق والحبر والزمان، فيقول: وما نعمل إن كان بصريًّا أو كوفيًّا؟! … » (١).
الكلمات الغريبة والبلدان:
ـ شرحت الألفاظَ الغريبة، وضبطتُ منها ما يَحتاج إلى ضَبطٍ، بالعزو إلى كتب
_________
(١) الشرح المكمل في نسب الحسن المهمل (ص ٤٨).
стр. 11
الغريبِ، واللغة، وشروح الحديث.
ـ بيَّنتُ المواضعَ والبلدانَ التي ذكرها المصنِّف في كتابه، مراعياً في ذلك ما ذَكَرَه القدماءُ والمعاصرون.
واستثنيتُ من ذلك مواضع مدينة السلام التي سمع فيها السِّلفي، فقد عقدتُّ لها مبحثاً خاصًّا في فصل دراسة الكتاب.
الفهارس.
قمتُ بوضع فهرساً للكتاب على النحو التالي:
ـ فهرس الآيات القرآنية.
ـ فهرسِ الأحاديث النبوية.
ـ فهرسِ الآثار.
ـ فهرس الأشعار والأرجاز.
ـ فهرس الأمثال.
ـ فهرسِ الكلمات الغريبة.
ـ فهرسِ المواضع والبلدان.
ـ فهرسِ الأعلام.
ـ فهرس الفوائد العلمية.
ـ ثَبَتِ المراجع العلمية.
ـ فهرس الموضوعات.
هذا آخر ما تيسَّر بيانه والتنبيه عليه، وقد عايشت مشيخة السِّلفي سنين عديدة، خرَّجت أحاديثها، وترجمت لرجالها، وبحثت عن نصوصها، وآمل أنَّني وُفِّقت لخدمتها خدمة ترضي ربِّي ، ثم يَرضَى عنها طُلاَّب العلم على مختلف تخصُّصاتهم.
وحسبي أنَّني بذلت ما في وُسعي، فما كان فيه من خطأ وزلل، فأسأل الله العظيم أن يتجاوزَ عنِّي، وما كان فيه من صواب فللَّه الحمد والمنَّة على ذلك.
стр. 12
شكر وتقدير
وفي الختامِ فإني أتوجَّه بالشكر لهذه الجامعة الإسلامية على ما أولتني به من رعاية منذ التحاقي بها سنة (١٤٠٩ هـ) إلى يومنا هذا، وقد قضيت فيها ما يقرب من نصف عمري، فأسأل الله تعالى أن يغفر ويرحم ويجزي القائمين عليها أحسن الجزاء، فلا نملك لهم إلاَّ الدعاء، فصنائع معروفهم كثيرة، ومكافأتهم مستحيلة، فالله تعالى يجزيهم عنَّا وعن المسلمين خيراً، ويُثيبهم أعظم الثواب.
ثم الشكر موصول لفضيلة الشيخِ الدكتور عبد الصمد بنِ بكر عابد، الأستاذ المشارك بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية، والمشرفُ على هذه الرسالة الذي لَم يَدَّخِر وُسْعاً ولَم يَأْلُ جُهداً في سبيل إنجاز هذا العمل، وذلك بِما قدَّمه من ملحوظات وآراء سديدة، فأشكره على ما أفادني به، ووجّهني وقوّم به رسالتي، وأسأل الله أن يبارك في علمه وعمله وأهله؛ إنَّه سميع مجيب.
كما أشكر فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الرحيم بن محمد بن أحمد القشقري، الأستاذ بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية، والشيخ الدكتور عبد الله بن حسن دمفو الأستاذ المشارك في قسم الدراسات الإسلامية في كلية التربية والعلوم والإنسانية وعميدها، بجامعة طيبة بالمدينة النبوية، أشكرهما على موافقتهما أولاً مناقشة هذه الرسالة، ثم على قرائتهما لها رغم كثرة مشاغلهما العلمية والإدارية، أسأل الله ﵎ أن يبارك لهما في وقتهما وعلمهما، وأن ينفعني بتوجيهاتهما وما سيُبديانه من آراء وتسديدات لهذه الرسالة، وهي محل قبول إن شاء الله، فجزاهما عني وعن المسلمين خير الجزاء.
стр. 13
الفصل الأول
ترجمة المصنِّف ترجمة مختصرة
وفيه أحد عشر مبحثاً:
مدخل إلى ترجمته.
المبحث الأول: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته.
المبحث الثاني: مولده.
المبحث الثالث: أسرته.
المبحث الرابع: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال.
المبحث الخامس: رحلاته.
المبحث السادس: شيوخه.
المبحث السابع: تلاميذه.
المبحث الثامن: عقيدته.
المبحث التاسع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث العاشر: مصنّفاته.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
стр. 14
مدخل إلى ترجمته
إنَّ أحسن مصدر لترجمة إمام من الأئمة هو ما يكتبه العالم عن نفسه، ثم يلي ذلك ما يكتبه عنه تلامذته، وبعده ما يكتبه المعاصرون له، ثم من بعدهم وهكذا.
والإمام السِّلفي لم يُترجم لنفسه ترجمة مستقلة ـ فيما أعلم ـ لكنه ذكر في بعض كتبه بعض الحوادث التي تناولت جوانب من حياته الشخصية، تُعدُّ تلك الحوادث والحكايات من أهمِّ المصادر التي يستقي منها من أراد كتابة ترجمة لهذا الإمام العلَم، وذلك في كتابه معجم السفر، والوجيز في ذكر المُجاز والمجيز، وشرط القراءة على الشيوخ، والمشيخة البغدادية، وغيرها من الكتب والأجزاء.
وبعدها في الرُّتبة تأتي كتب تلامذته، وقد ترجم له أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المُرسي التُّجيبي محدِّث تِلمسان (٦١٠ هـ)، كما نقل ذلك ابن الأبَّار فقال: «وذكره شيخنا أبو عبد الله التجيبي في معجم مشيخته مصدِّراً به ومبتدئاً لسنِّه وفضله وعِظم قدره وعلوِّ سنده» (١).
ثم يلي ذلك كتب المعاصرين له، وقد ترجم له بعض معاصريه، منهم السمعاني (٥٦٢ هـ) في كتابه الأنساب، في مادة: (السِّلفي)، ذكر فيه اسمه ونسبه ونسبته، وصحبته لأبيه أبي بكر السمعاني في رحلته من بغداد إلى الحجاز، وعمَّن سمع بأصبهان وغيرها من المدن، ثم إقامته بالإسكندرية إلى حين كتابة السمعاني لذلك، وذكر شيئاً من شعره المليح (٢).
وترجم له أيضاً في كتابه المذيَّل على تاريخ بغداد، كما في المختار منه لياقوت الحموي، واكتفى في المختصر بذكر اسمه ونسبه ونسبته، وذكر بعض الآثار من طريقه،
_________
(١) معجم أصحاب الصدفي (ص ٥٠).
(٢) انظر: الأنساب (٣/ ٢٧٤).
стр. 15
وبعض أشعاره فقط (١).
وأورد الذهبي نصًّا من المذيَّل خلا منه المختصر (٢).
ويظهر أنَّ السمعاني لم يلق أبا طاهر السِّلفي، وإلاَّ لأخذ عنه ولم يحوجه عدم لقائه أن يذكر أشعاره بواسطة شيوخه.
وبعد السمعاني ترجم له ابن عساكر (٥٧١ هـ) في تاريخ دمشق، وذكر وفادته على دمشق سنة تسع وخمسمائة، وذكر شيوخه الدمشقيين، وحضر ابن عساكر مجالس عدة سمع فيها بقراءة السِّلفي، ولم يظفر هو بالسماع منه، وله عنه إجازة، وحدَّثه أخوه
هبة الله بن الحسن عن السِّلفي، وذكر حديثاً من طريقه، وبعض أشعاره.
وذكر أيضاً توجهه إلى مصر والإسكندرية، وتزوجه بها بامرأة ذات يسار، وحصوله على ثروة بعد فقر وحاجة، وتدريسه بالمدرسة العادلية (٣).
وذكره أيضاً في معجم شيوخه، وليس في مادة الترجمة شيئاً زائداً عمَّا في التاريخ (٤).
ومِن بعد ابن عساكر ترجم له العديد ممَّن جاء بعد هذه الطبقة، كابن نقطة (٦٢٩ هـ) في التقييد وتكملة الإكمال، وابن الأثير (٦٣٠ هـ) في اللباب والكامل، وابن الأبار (٦٥٨ هـ) في معجم أصحاب أبي علي الصدفي، وغيرهم.
ثم مِن بعدهم الذهبي (٧٤٨ هـ) في العديد من كتبه، كالسير وتاريخ الإسلام والميزان، وغيرها، وذكره في الميزان للدفاع عنه، لا لتضعيفه، حيث قال ﵀: «أحمد ابن محمد بن أحمد الحافظ الثقة أبو طاهر السِّلفي، ما علمت أنَّ أحداً تعرَّض له حتى ظفرت بشاردة باردة … فالسِّلفي شيخ الإسلام وحجَّة الرواة» (٥).
_________
(١) انظر: المختار من ذيل التاريخ (ل: ٩٩/ ب).
(٢) سيأتي ذكره في مبحث ثناء العلماء عليه.
(٣) انظر: تاريخ دمشق (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٤) انظر: معجم الشيوخ (١/ ٩٢).
(٥) وتبعه على ذلك الحافظ في اللسان. انظر: الميزان (١/ ١٥٥)، اللسان (١/ ٢٩٩).
стр. 16
ثمَّ تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية (٧٧١ هـ)، والحافظ ابن كثير (٧٧٤ هـ) في البداية والنهاية، وغيرهم.
ثم توالت التراجم إلى عصرنا، فتناوله بعض الباحثين في أطروحاتهم العلمية، من مستشرقين ومسلمين، منهم:
الدكتور شير محمد زمان في تحقيقه لمعجم السفر للسِّلفي، ترجم له في مقدمة الكتاب ترجمة مطولة، إلاَّ أنَّها باللغة الإنكليزية.
وكتب عنه محمد محمود زيتون كتابه: الحافظ السِّلفي أشهر علماء الزمان، وهو مطبوع في مجلد لطيف.
كما تناوله الدكتور حسن عبد الحميد صالح في أطروحته الدكتوراه بالدراسة، وكانت ترجمة الحافظ السِّلفي القسم الأول من أطروحته، وقد طُبع الكتاب، وهي أنفس وأحسن ترجمة للسِّلفي، اجتهد في جمع مادة الترجمة من مختلف الكتب، وكتبها بأسلوب أدبيٍّ، لا يملُّ قارؤها، ولو قرأها مراراً، سمَّاه: الحافظ أبو طاهر السِّلفي، وقد استفدت من هذا الكتاب فوائد جمَّة، لكن لمَّا كانت طباعة الكتاب سنة (١٩٧٧ م) أي بنحو ثمان وعشرين سنة، وتوفي مؤلفه قبل طباعته بعام استدرك عليه مَن جاء بعده، خاصة في ذكر مؤلفات السِّلفي المطبوع منها والمخطوط.
ومن أحسن مَن ذكر مؤلفاته ما قام به محققا الطيوريات للسِّلفي (١)، من دراسة وافية لجميع مؤلفات السِّلفي، وقد فاتتهم أشياء نبَّهت عليها في موضعها.
كما تُرجم للسِّلفي في مقدِّمات كتبه المطبوعة، وغالب تلك التراجم مختصرة، تناسب حجم الرسائل والأجزاء المطبوعة.
ولما كان السِّلفي قد تناوله المعاصرون بالترجمة، وكُتبت عنه دارسة موضوعية
_________
(١) وهما: دسمان يحيى معالي، وعباس صخر الحسن، ونالا به درجة الماجستير بالجامعة الإسلامية، وطُبع الكتاب بمكتبة أضواء السلف بالرياض عام (١٤٢٥ هـ) في أربعة مجلدات.
стр. 17
شاملة رأيت أن تكون ترجمتي له مختصرة، تتركَّز على أهمِّ الأمور التي في حياته الشخصية والعلمية، وعلى ما فات بعض المعاصرين ذكره، أو بيان خطأ وقعوا فيه؛ لتتم الفائدة من كلِّ التراجم، والله ولي التوفيق والسداد.
* * *
стр. 18
المبحث الأول: اسمه ونسبه ونسبته وكنيته
هو أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سِلفة، السِّلَفي الجُرْواءَاني الأصبهاني، صدر الدين، وعماد الدين أبو طاهر.
وعرف بأبي طاهر السِّلفي.
والسِّلفي: بكسر السين، وفتح اللام، نسبة إلى جدِّه الأعلى سِلَفَة، وهي كلمة فارسية معرَّبة من (سه لبه)، ومعناه ذو ثلاث شفاه، وذلك أنَّ إحدى شفتيه كانت مشقوقة، فصارت مثل الشفتين (١).
والجُرْواءَاني: اختلف في ضبطها، فضبطها السمعاني بفتح الجيم وسكون الراء والألفين الممدودتين بعد الواو، وفي آخرها النون، وضبطها الذهبي بضم الجيم، وقال بعضهم: جَروان (٢).
وهي محلَّة كبيرة بأصبهان. وهي التي يُقال لها اليوم كرواءان.
وأصبهان من أقدم المدن وأشهرها، وتقع اليوم إلى الجنوب من بلاد إيران، تخرَّج منها جماعة من العلماء في كلِّ فن.
المبحث الثاني: مولده
ولد الحافظ السِّلفي في مدينة أصبهان، في محلة باب القصر، كما أشار إلى ذلك بنفسه (٣)، إلاَّ أنَّه اختُلف في سنة ولادته على أقوال عدة، فمن قائل: سنة ٤٧٠، وقيل:
_________
(١) انظر: الأنساب (٣/ ٢٧٤)، توضيح المشتبه (٥/ ١٣١)، السير (٢١/ ٦)، مقدمة كتاب الوجيز (ص ١١)، الحافظ أبو طاهر السِّلفي (ص ١٦).
(٢) انظر: الأنساب (٢/ ٤٩)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٨)، اللباب (١/ ٢٧٤).
وذكر د. حسن عبد الحميد أنَّ السمعاني ضبطها بضم الجيم، وما في الأنساب يختلف عمَّا نقله ﵀.
(٣) انظر: الوجيز في ذكر المُجاز والمجيز (ص ٤٤).
стр. 19
٧٢، وقيل ٧٤، وقيل: ٧٥، وقيل: ٧٨، ومرجع الاختلاف أنَّ السِّلفي نفسه ذكر عدة تواريخ لولادته بالتخمين لا باليقين، وأرجح الأقوال في ذلك والله أعلم قول من قال: إنَّه وُلد سنة أربع أو خمس وسبعين وأربع مائة، وهذا ما رجَّحه الحافظ الذهبي وتبعه الدكتور حسن عبد الحميد (١).
المبحث الثالث: أسرته
لم تسعفنا المصادر بذكر الكثير عن أسرة السِّلفي، وإنَّما هي مقتطفات من كلام السِّلفي نفسه أورده في كتبه عن سيرة جده وأبيه، وشيء من أخبارهما، فجدُّه كان مريداً لأبي هاشم السيد الزاهد، وكذا أبوه كان من رجال الصوفية، فالأسرة التي تربى فيها السِّلفي أسرة تنتسب في طريقتها للتصوف، وهذا أثَّر في شخصيته؛ لذا نجد السِّلفي في كتبه يسجل الكثير من أخبار المتصوفة، بل يروي لهم حكايات في بعضها غلو كما سيأتي بيان ذلك في مبحث عقيدته.
وإلى جانب تصوف والده إلاَّ أنَّه كان ذا عناية بالحديث وروايته، وقد انتخب له السِّلفي فوائد قرأها عليه في بغداد لما زاره أبوه، وقد حدَّثه أيضاً بأصبهان (٢)، وسيأتي ذكر قصة خروجه إلى الحج والتقائه بابنه في بغداد، وكان في تلك الرحلة مصاحباً لعلماء بلده وما وراء النهر، ومنهم الإمام أبو بكر السمعاني، والد أبي سعد صاحب الأنساب وغيره.
ومن أسرته التي ذكرها السِّلفي أيضاً زوجته ست الأهل، ووصفها بأنَّها امرأة صالحة ديِّنة (٣)، وقد تزوجها بالإسكندرية، وقال ابن عساكر: «وتزوج بها امرأة ذات
_________
(١) انظر: وفيات الأعيان (١/ ١٠٥)، السير (٢١/ ٧)، طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٣٢)، الحافظ أبو طاهر السِّلفي (ص ١٨ ـ ٢٤).
(٢) انظر: الوجيز (ص ٥٨)، والنص (٦٩٤) من هذه المشيخة.
(٣) معجم السفر (ص ٥٤).
стр. 20
يسار، فسلَّمت إليه مالَها فحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف» (١).
وأنجبت له ست الأهل ابنته الوحيدة، وسمَّاها خديجة، وكانت محدِّثةً عاليةَ الإسناد كأبيها، ذكرها المنذري وله عنها إجازة (٢)، وهي والدة المحدِّث جمال الدين عبد الرحمن ابن مكي الإسكندراني المشهور بسِبْط السِّلفي، الذي انتهى إليه علو الإسناد في الديار المصرية.
المبحث الرابع: نشأته وعنايته بالعلم ولقاء الرجال
كانت أصبهان مدينة عظيمة مشهورة، من أعلام المدن وأعيانها، تزخر بالعلم والعلماء، وكان لأهلها عناية بسماع الحديث وغيره من الفنون، والحافظ أبو طاهر السِّلفي نشأ في تلك البيئة العلمية، من حبٍّ للعلماء، والسعي في الأخذ عنهم، خاصة الغرباء، وقد صوَّر لنا الحافظ صورة من تلك المشاهد فيقول في ترجمة أحد شيوخه بالإجازة: «الإمام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، شيخ الحنابلة بها ورئيسهم، قدم أصبهان رسولاً من قبل الخليفة إلى السلطان، وأنا إذ ذاك صغير، وشاهدته يوم دخوله إلى البلد ووصوله، وكان يوماً مشهوداً كالعيد، بل أبلغ في المزيد … وحضرت في الجامع الجُورْجِيري ـ الذي بالقرب من باب القصر محلّتنا ـ مجلسه بنفسي، لا بمحضر من الكبار، بل متفرِّجاً كعادة الصغار» (٣).
وبعد أن ترعرع اعتنى به أبوه أشدَّ عناية، فحدَّثه هو بنفسه، وأقرأه القرآن على شيوخ أصبهان، وسمع على محدِّثيها، فتصدَّى للسماع وكتب الحديث على رغبة تامَّة، وعزيمة مستدامة، فالتقى بمن كان بها من المحدثين، وأول من سمع منه محمد بن محمد بن عبد الرحمن المديني، وله سماع سنة (٤٠٩ هـ)، ومن الرئيس أبي عبد الله
_________
(١) تاريخ دمشق (٥/ ٢٠٩).
(٢) التكملة في وفيات النقلة (٣/ ١٨٧).
(٣) الوجيز (ص ٤٤، ٤٥).
стр. 21
القاسم بن الفضل الثقفي، وله سماع سنة (٤٠٣ هـ)، ومن أروى بنت محمد، وهي ابنة عم جدَّته فاطمة الشعبية، وغيرهم من شيوخ أصبهان، وقد ألف معجماً في شيوخه الأصبهانيين، يقول تلميذه الحافظ ابن المفضل: «عدة شيوخ الحافظ السِّلفي بأصبهان تزيد على ست مائة نفس» (١).
وبعد سنوات قليلات من التلقي آنس من نفسه قدرة على الإلقاء والإفادة، فتصدى للتدريس ببلده أصبهان ولم يبلغ العشرين، يقول هو عن نفسه: «كُتِبَ عنِّي بأصبهان أوَّل سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، وأنا ابن سبع عشرة سنة أو أكثر، أو أقلَّ بقليل، وما في وجهي شعرة، كالبخاري ﵀ يعني لَمَّا كتبوا عنه» (٢).
ثم ارتحل بعد ذلك كعادة المحدّثين وطلاَّب الحديث للقاء الشيوخ والإكثار من الروايات.
المبحث الخامس: رحلاته
الرحلة في طلب الحديث سنة الأوائل، ودأب المحدِّثين، وقليل منهم لم يرحل في طلب الحديث، وأبو طاهر السِّلفي عُرف بكثرة تجواله وترحاله، قال ابن نقطة: «كان جوَّالاً في الآفاق، تغرَّب وكتب الكثير» (٣).
وأول رحلة كانت له إلى بغداد ولم يبلغ العشرين من عمره، بدأ ها في شهر رمضان من سنة (٤٩٣ هـ)، ووصل إليها في أواخر شهر شوال من السنة نفسها، كما أفاده هو في أول حديث من هذه المشيخة (٤)، فقرأ على شيوخ بغداد، وكان أول شيخ التقاه هو أبو الخطَّاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البَطِر القارئ، ورحلته هذه فيما يبدو كانت
_________
(١) السير (٢١/ ٢١).
(٢) السير (٢١/ ٧)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٨).
(٣) التقييد (ص ١٧٧).
(٤) وانظر أيضاً: الوجيز (ص ٤٥، ٤٩).
стр. 22
عسرة صعبة، ذاق فيها ألوان التعب والمشقة، وما وصل بغداد إلاَّ وفي جسمه دماميل من طول السفر، وقد حدثت له مع شيخه ابن البَطِر قصة رواها السِّلفي وبكى من جَرَّاء ما وقع له فيها، يقول ﵀: «دخلت بغداد في الرابع والعشرين من شوال، فبادرتُ إلى ابن البَطِر، فدخلتُ عليه، وكان عسِراً، فقلت: قد وصلتُ من أصبهان لأجلك، فقال: اقرأ ـ ونطق بالراء غيناً ـ فقرأتُ متَّكئاً من دماميل بي، فقال: أبصِر ذا الكلب! فاعتذرتُ بالدماميل، وبكيت من كلامه، وقرأت سبعة وعشرين حديثاً، وقمتُ، ثمَّ ترددتُ إليه، فقرأت عليه خمسة وعشرين جزءاً، ولم يكن بذاك» (١).
ومع قسوة كلام ابن البطر لم يهز ذلك شيئاً في نفسية المحدِّث الرَّحَّال، الذي هَمُّه التقاء الشيوخ والسماع منهم، فرجع إلى شيخه وسمع منه أحاديث وسجل بعضها في أول هذه المشيخة.
وبقي في بغداد مشتغلاً بمدارسة العلماء من كلِّ فنٍّ، فقد كانت مدينةَ العلم آنذاك، تزخر بالعلوم، وكان للمدرسة النِّظَامية أثر واضح في كثرة العلماء والعلوم التي يدرسونها، فقد سمع فيها السِّلفي، ودرس الفقه والحديث على شيوخها، ولم يكتف بما في تلك المدرسة، بل سمع من كلِّ عالم وفقيه وأديب في المدينة غربيِّها وشرقيِّها، يذهب إلى دورهم ومساجدهم، يتلقى عنهم أنواعاً من العلوم والمعارف، فكان كما قال عنه ابن ناصر: «كان ههنا ـ يعني السِّلفي ـ ببغداد كأنَّه شُعلة نار في تحصيل الحديث» (٢).
وذكر في هذه المشيخة الأماكن التي سمع واستفاد فيها من شيوخه، فلم يترك محلَّة ولا مدرسة ولا درباً ولا بيتاً ولا سوقاً سمع فيها إلاَّ وذكرها، حتى إنَّه من شدَّة عنايته بالسماع والتلقي فقد كان يسمع وهو في وسط نهر دجلة، كما قال: «أخبرنا الشيخ أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج، بقراءتي عليه وأنا في السفينة وسط
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٦)، تاريخ الإسلام (١٢/ ٥٧١).
(٢) التقييد (ص ١٧٩)، السير (٢١/ ٢٣).
стр. 23
دجلة ببغداد» (١)، وسمع في كلِّ وقت من شيوخه، حتى في السَّحر، قال ﵀:
«سمعتُ القاضي أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المروزي الصَّمَدِي يُنشد لنفسه لفظاً، ليلة الأحد الرابع من شهر رجب وقت السَّحر سنة أربع وتسعين» (٢)، وبقي على هذه الحال مدة أربع سنوات من دخوله بغداد، وفي سنة (٤٩٧ هـ) زاره والده محمد بن أحمد الأصبهاني، والتقاه ببغداد، ورحل معه في تلك السنة إلى الحجاز لأداء مناسك الحج، وصحبهما في تلك السفرة الحافظ أبو بكر بن أبي المظفر السمعاني، والد أبي سعد صاحب كتاب الأنساب، ولم يُرِد السِّلفي مغادرة بغداد في هذه الفترة؛ لانشغاله بالعلم، فيقول في ذلك: «فألحَّ عليَّ ـ يعني والده ـ حتى أصحبه، وبالغ في ذلك، وامتنعت لما كنت بصدده من التفقه والاشتغال بالحديث وقراءة الأدب، فأبى إلاَّ الخروج معه، وأعانه على ذلك الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن أبي المظفر السمعاني، إمام أصحاب الشافعي بمرو ونواحي خراسان، وكان قد قدم حاجًّا وبعضُ حفَّاظ أصبهان وغيرها، فلم أستصوب مخالفتهم ولا اسْتحْسَنتُها؛ إذ كانوا يَدْعُون إلى الخير، فخرجت حاجًّا معه ﵀ فعند وصولنا إلى الكوفة سمعنا … ثم إنِّي بعد قفولي من الحجاز ووصولي إلى الكوفة شتوت بها واستوفيت عن محدِّثيها، واستعرت الأصول وطالعتُها» (٣).
ففي هذا النص بيان أنَّه دخل الكوفة مرَّتين، مرة عند ذهابه إلى الحجاز عرَّج بها، والمرة الثانية بعد قفوله (٤).
_________
(١) انظر النص (١٦٢٧) من الجزء الرابع والعشرين، وسيأتي ذكر الأماكن التي نصَّ السِّلفي على سماعه فيها، في مبحث مستقل.
(٢) انظر النص (٩٧٧).
(٣) شرط القراءة على الشيوخ (ل: ٦/ أ).
(٤) نفى د. حسن عبد الحميد دخوله إلى الكوفة هذه السنة، ورجَّح أنَّه دخلها بعد رجوعه من الحج، ودلل على ذلك بأنَّ السِّلفي ذكر مراراً أنَّه كان في الكوفة سنة (٤٩٨ هـ)، ولم يذكر مرة واحدة أنَّه كان فيها سنة (٤٩٧ هـ).
قلت: وفيما ذكره نظر؛ للنص الذي تقدَّم، وقال أيضاً في ترجمة خمارتكين بن عبد الله الجستاني:
«قرأت عليه عن أبي محمد الجوهري بالمدينة، وقبل ذلك بالكوفة سنة سبع وتسعين وأربع مائة». معجم السفر (ص ٦٩).
وهذا نصٌّ جليٌّ واضح في دخوله الكوفة قبل الحجاز.
стр. 24
وفي الحجاز التقى بطائفة من أهل العلم، وسمع منهم، وأخذ عنهم مروياتهم، هو وأبو بكر السمعاني، إلاَّ أنَّه في فترة الحج وخاصَّة في يوم عرفة لم يكن يُشغِلُ نفسَه بسماع الحديث، وكان شُغلُه الشاغل عبادةَ ربِّه والتقرُّبَ إليه في مثل هذا اليوم، وكان من نتاج ذلك أن فاته السماع على شيخ ممَّن قدم لأداء الحج، فصبر على ذلك، وآنسه أن كان في عبادة ربِّه، وروى في ذلك قصة وقعت له مع أبي بكر السمعاني، فقال في ترجمة شيخه بالإجازة أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر الهروي: «وقد اجتمعنا في عرفات سنة سبع وتسعين لمَّا حَجَجتُ مع الشيخ والدي ﵀، قال لي الإمام أبو بكر محمد بن أبي المظفر السَّمعاني المروزي: اذهب بنا إليه لنقرأ شيئاً عليه، فقلت له: هذا الموضعُ موضع العبادة، وإذا دخلنا إلى مكة نسمع عليه ونجعله من شيوخ الحَرَم المقدَّس، فاستصوبه -رحمه الله تعالى- … فلمَّا حجَّ ورجع من عرفات إلى مكَّة رحل إلى سَرَاة مع النفر الأول من أهل اليمن، وكان ابن السمعاني لما سمع برَحيله لَامَنِي على فِعلي، فهوَّلتُ عليه وقلت: لا تأسف! ولم يكن معه مِمَّا يرويه سوى كتاب البخاري، وأنت وهو في دَرجة واحدة، فأحَدُ شيوخ أبيه أبي ذر في الكتاب أبو الهيثم، وقد سمعتَه أنت على أبي الخير بن عِمران بمَرْو، عن أبي الهيثم، فطابت نفسُه حينئذ» (١).
ثم غادر مكة سنة (٤٩٨ هـ) متوجِّهاً إلى بغداد مرة ثانية، فعرّج في طريقه على الكوفة في السنة نفسها، وسمع من أهلها، ثم دخل بغداد، وسمع فيها إلى سنة (٤٩٩ هـ)، وقد أثبت هذا السماع في مشيخته (٢).
_________
(١) الوجيز (ص ٨٥)، وذكرها عن السِّلفي أيضاً علي بن المفضل في كتاب الأربعين (ص ٤٨٤).
(٢) انظر: النصان (١٦٨، ١٦٩).
стр. 25
ثم غادرها سنة (٥٠٠ هـ)، ودخل في هذه السنة البصرة في شهر جمادى الأولى (١)، وسأل عن علمائها، وروى عن ثقاتها، وذكر الدكتور حسن عبد الحميد أنَّه عاد إلى بغداد، مرة أخرى، وفي السنة نفسها غادرها متوجِّهاً إلى مدن وقرى الخلافة الشرقية، وقد ذكر السِّلفي عدة مدن دخلها وروى عن أشياخها في كتابه في الأربعين، كأذربيجان وأرمينية وهمذان وأبهر وباب الأبواب والدينور وغيرها، وفي رحلته هذه كان يسمع وينتخب وينسخ، وكان ينسخ المجلد الضخم في الليلة الواحدة، وكان يملي ويصنف، فمما صنفه في تلك الرحلة، الأربعون البلدانية، وتراجم شيوخه الأبهريين، وغيرها، وتَجمَّع لديه عدد كبير من الأجزاء والكتب، وكان من الصعب عليه حملها معه، فتركها واستودعها في أماكن متعدِّدة، كثغر سَلَماس، وثغر آمد، وسيأتي ذكر ذلك في مبحث مصنفاته وكتبه.
وبعدها توجه إلى الشام، فدخل دمشق سنة (٥٠٩ هـ)، وذكره ابن عساكر في تاريخه، فقال: «قدم علينا دمشق طالب حديث سنة تسع وخمس مائة، وأقام بها مدة، وكتب بها عن جماعة من شيوخنا … وحدَّث بدمشق فسمع منه بعضُ أصحابنا ولم أظفر بالسماع منه، وقد سمعت بقراءته من شيوخ عدة» (٢).
ولم يلبث كثيراً في دمشق، حيث خرج منها سنة (٥١١ هـ)، فدخل صور، وبعدها ركب البحر في نفس السنة إلى الإسكندرية، وفي نيته التوجه إلى المغرب والأندلس للسماع من أصحاب أبي عمر ابن عبد البر، ثم العود إلى أصبهان، فلما دخل إلى الإسكندرية دخلها عالماً في كل فنٍّ من فنون الشريعة، فاحتفى به كبراؤها، وأكرمه أهلها، فعقد لهم مجالس للسماع والأخذ عنه، فرُحل إليه من المشرق والمغرب، وتردَّد عليه المغاربة والأندلسيون، خاصة من كان متوجِّهاً منهم إلى الحج، مع أنَّه كان تحت
_________
(١) انظر: الوجيز (ص ٨٣).
(٢) تاريخ دمشق (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩).
стр. 26
نفوذ الدولة الفاطمية، ولَمَّا زالت تلك الدولة الشيعية ارتحل إليه خلق كثير، بل ارتحل إليه السلطان صلاح الدين الأيوبي وإخوته وأمراؤه، فسمعوا منه أماليه الحديثية، وقبل ذلك في الإسكندرية بنى له العادل ابن سلاَّر والي المدينة للفاطميين مدرسة العادلية (السِّلفية) (١)، فدرَّس فيها أنواع العلوم، واستقطبت هذه المدرسة الكثير من التلاميذ من داخل البلد وخارجها، وكان السِّلفي مكبًّا على الكتابة والاشتغال والرواية، لا راحة له غالباً إلاَّ في ذلك، حتى قال هو عن نفسه: «لي ستون سنة بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلاَّ من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها» (٢)، وهذا ينبئ على شدة حرصه على التحصيل والإفادة والتصنيف، ولم يغره جمال البلدة ونسيمها، فلم يكن يغادر مدرسته إلاَّ في القليل النادر، ورحل مدة تواجده في الإسكندرية إلى القاهرة، فأقام فيها ثلاث سنوات، وسمع من محدِّثيها، وأفاد من كان فيها من التلاميذ.
ثم رجع إلى الإسكندرية وبقي فيها إلى آخر حياته، وتأهَّل بها، فطاب له المقام، ووضع عصا الترحال بعدما شقَّ الأرض شقًّا، وأمضى أكثر من ثلاثين سنة في التجوال ﵀.
ولم يَعُد إلى مسقط رأسه أصبهان، وكان يتمنَّى ذلك، بل يتحسَّر على فراق الأهل والأحبة، وذكر الرعيني قصة فيها بيان شوق السِّلفي إلى أهله وبلده، فقال في ترجمة أبي محمد بن المُلَيَّح: «أنشدني الحاج أبو الحجاج بن الشيخ يُخاطب الحافظ أبا طاهر السِّلفي رحمهما الله تعالى:
أيا من حلَّ منِّي نورَ عيني … ويا مَن حاز كلَّ عُلاً وزين
_________
(١) وصفها السِّلفي بقوله: «لم يُنشأ للفقهاء ولم يُبن قطُّ مثلها شرقاً وغرباً، بُعداً وقُرباً، والله تعالى يكافئ منشئها الحُسنى، ويبوِّؤه جنات عدن في العُقبى»، ومَدَح مدرسةَ العادلية ومنشئَها والقائمَ عليها (السِّلفي): الشاعرُ عبد الوهاب بن إسماعيل الوراق.
انظر: مقدمة إملاء الاستذكار (ص ٢٦)، معجم السفر (ص ٢٠٧).
(٢) السير (٢١/ ٢٢).
стр. 27
أنا مذْ صرتُ عبدَك زدتُ فخراً … وزال بملككم نقصي وشيني
أتيتكم لأقرأ أو لأروي … فعدتُ لمنزلي صفرَ اليدين
قريح القلب لم أظفر بشيء … كأنِّي لم أكن أهلاً لِذَيْنِ
يروح الناس عنكم بكلِّ خير … وأرجع لابساً خُفَّي حُنين
وما ذنبي سوى أنِّي غريبٌ … وقومي حيل بينهمُ وبيني
قال أبو محمد المذكور: قال لي أبو الحجاج: لَمَّا وقف الشيخ أبو طاهر على هذه الأبيات، وبلغ إلى قولي:
وما ذنبي سوى أنِّي غريب .... البيت.
تواجد وبكى، وصاح بأعلى صوته:
وقومي حيل بينهم وبيني
حنيناً إلى وطنه أذربيجان، وشوقاً إلى من خلَّف بها من القرابة والإخوان، وغشي عليه، فجعل طلبتُه يلومونني، ويقولون: ما هذا الذي جنيتَ علينا اليوم؟! وأُدخل الشيخ ﵁ دارَه، فلَم يخرج إلاَّ بعد أربعة أيام».
المبحث السادس: شيوخه
مَن كان أمثال السِّلفي ﵀ في سَعَة الرحلة، وكثرة التَّجوال يصعب بل يستحيل تعداد شيوخه، فقد كان فيهم كثرة كاثرة لا يحصيهم إلاَّ العليم الخبير، ففي بلده سمع من أكثر من ستة مائة شيخ، وألَّف معجماً لهم، وفي بغداد سمع أكثر من مائتين وأربعين شيخاً مِمَّن نصَّ عنهم في المشيخة البغدادية، وألَّف كتابه معجم السفر في بقية شيوخه الآخرين، وفي شيوخه المعروف الثقة، والمجهول المستور، والضعيف، والمحدث والفقيه، والأديب والشاعر، وغيرهم، ولم يترك فنًّا من الفنون وإلاَّ وسمع من أهله، فكان كلَّما دخل مدينة أو قرية سأل عن شيوخها، فقد يدرك من يدرك منهم، وقد يفوته بعض الشيوخ ويكون بين دخوله ووفاتهم شهر أو أكثر، وقد يكون عارض آخر يمنعه
стр. 28
من السماع، ويتحسَّر لذلك، وكثيراً ما كان يسلي نفسه بقوله: «والسماعُ رِزقٌ»، قال في ترجمة محمد بن أبي الرعد العكبري: «توفي ببغداد وأنا بها في صفر سنة أربع وتسعين، ولم يتفق لي سماع شيء عليه، مع أنِّي قصدته غير مرة، فلم أصل إليه لعارض مرض برح به وبلغ منه، وحضرت جنازته» (١)، وقال في ترجمة أبي طاهر ابن محمويه العبدي:
«وقد سألت أنا عنه لَمَّا دخلت البصرة أبا محمد جابر بن محمد بن جابر التميمي الحافظ في جمادى الأولى سنة خمس مائة، فقال: مات قبل وصولك بشهر» (٢)، وهؤلاء الشيوخ الذين أدركهم ولم يسمع منهم استدعى لنفسه منهم إجازات فأجازوه، وتولى أيضاً بعض محبِّيه أخذ الإجازة منهم له، فصنَّف فيهم كتاباً سمّاه: «الوجيز في ذكر المُجاز والمجيز».
وأمَّا شيوخه الذين أدركهم وسمع منهم فهم كثرة كاثرة، والكتاب الذي بين أيدينا نموذج لهؤلاء الشيوخ الذين سمع منهم، وسيأتي في دراسة الكتاب مبحث في ذكرهم وذكر عددهم وتراجمهم.
المبحث السابع: تلاميذه
وأمَّا تلاميذ السِّلفي، فهم أكثر من شيوخه، رجل بدأ في التدريس والإفادة منذ صغره، وأملى في رحلاته، وأخذ عنه الصغار والكبار، وألحق المتأخر بالمتقدم، والخلف بالسلف، حريٌّ بمن مثله أن يكون في تلاميذه كثرة، والآخذون عنه وفرة، بحيث لا يمكن حصرهم وتعدادهم، فقد تولى التدريس في أصبهان وعمره لم يتجاز العشرين، ورحل بعد ذلك إلى الشرق والغرب، وأملى مجالس كثيرة في ترحاله وتجواله، ثم لما استقر به المقام في الإسكندرية، وخاصة بعد وفاة شيخه ابن الحطاب وتوليه التدريس في العادلية (السِّلفية) عادت الإسكندرية دارَ حديث، وحضره الكبار والصغار،
_________
(١) الوجيز (ص ٦٥)، وانظر أيضًا (ص ٦٨).
(٢) الوجيز (ص ٨٢)، وانظر أيضًا (ص ٤٩) وفيها.
стр. 29
والولاة والوزراء والأمراء، والغرباء والأدباء والشعراء، وكافة طبقات المجتمع، ورُحل إليه من الشرق والغرب، ونشطت الحركية العلمية أيما نشاط، ودرَّس فيها أكثر من ستين عاماً، ولا يكاد القارئ يتصفح الأجزاء الحديثية وغيرها إلاَّ وللسِّلفي فيها يد، من تخريج أو رواية أو سماع وغيره.
وحدَّث عنه مشاهير أعلام، أمثال عبد الغني المقدسي، وكتب عنه الكثير، قال الذهبي: «لعله كتب عنه ألفَ جزء» (١)، والحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي الحنبلي، وله جزء فيه فوائد حسان عن السِّلفي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد ابن وضاح المرسي، والقاضي سَنَد بن عنان المالكي، والإمام أبو الحسن علي بن المفضل الإسكندراني المالكي، صاحب كتاب الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين، وقد أكثر عنه في هذا الكتاب، وروى عنه خلق كثير، وآخرهم موتاً أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام السفاقسي، وبينهما في الوفاة سبع وأربعون سنة، قال الذهبي: «وذا لم يتفق مثله لأحد في كتاب السابق واللاحق» (٢).
المبحث الثامن: عقيدته
الإمام السِّلفي محدِّث فقيه، روى الكثير من كتب الحديث وأجزائه، ومرَّت عليه كلمات للعلماء فيها بيان مذهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، وجال البلاد ورأى ما كان يتخبط فيه العالم الإسلامي آنذاك من انتشار الفرق والبدع والحوادث، ولم يثنه ذلك عن بيان ما كان عليه من الاعتقاد الصحيح المنافي لما كان ينتشر هنا وهناك من اعتقادات باطلة وخرافات جائرة، و «مِن مقتضى كون الرجل محدِّثاً أن يكون سلفيَّ العقيدة، وقَّافاً عند حدود الكتاب والسنَّة، يرى ما سواهما من وسواس الشيطان، وأن يكون مستقلاًّ في الاستدلال لما يُؤخذ ويُترك من مسائل الدين، وقد تعالت همم
_________
(١) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٣).
(٢) انظر: السير (١٧ ـ ٢١)، وقد ذكر خلقاً ممَّن روى عنه بالسماع والإجازة.
стр. 30
المحدِّثين عن تقليد الأئمة المجتهدين، فكيف بالمبتدعة الدجَّالين، وعُرفوا بالوقوف عند الآثار والعمل بها، ولا يعْدونها إلى قول غير المعصوم إلاَّ في الاجتهاديات المحضة التي لا نصَّ فيها» (١)، وكان ﵀ متبعاً لهؤلاء الأعلام، وقد أنشأ قصيدة فيها الذَّبُّ عن المعتقد الصحيح في الأسماء والصفات، وبيان ما كان عليه العلماء الأعلام في ذلك، وفيها الحث على اتباع السنة واقتفاء آثار ومنهج مَن مضى من ذوي العلم والمعرفة والتُّقَى، ابتدأها بقوله:
ضلَّ المعطل والمجسِّم مثله … عن منهج الحق المبين ضلالَا
وأنهاها بقوله:
والأصلُ ما كان الرسول وصحبُه … قِدماً عليه وما سواه فلَا لَا
وهي صغيرة الحجم في تسع وعشرين بيتاً.
وممَّا يدل على صحة اعتقاده واقتفائه ما كان عليه سلف الأمة أنَّه روى في المشيخة البغدادية نصوصاً كثيرة عن السلف الصالح، وفيها بيان المعتقد الصحيح في الأسماء والصفات، وإثبات القدر، وكلام الله، وعدم التعرض للصحابة، وحبهم والترضي عنهم، بل روى اعتقادات أئمة السلف كالإمام أحمد والشافعي، فروى عن شيخه أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قراءة عليه، قال: وقال لي: والله لو رحلتَ إلى هذه لَمَا ضاعت رحلتُك، قال: أنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: سمعتُ أبا بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمئة، نا الحسن بن إسماعيل الرَّبَعي، قال: قال لي أحمد بن حنبل إمام أهل السُّنَّة والصابرُ لله تحت المِحنة:
«أَجْمَعَ سَبْعُونَ رَجُلاً مِنَ التَّابعِينَ وَأَئِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءُ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ السُّنَّة الَّتِي تُوُفِّيَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ أَوَّلُهَا: الرِّضَا بقَضَاءِ الله وَالتَّسْلِيمُ لأَمْرِهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى حُكْمِهِ، وَالأَخْذُ بِمَا أَمَرَ اللهُ بهِ، وَالنَّهْيُ عَمَّا نهَى اللهُ عَنْهُ، وَإِخْلَاصُ
_________
(١) من كلام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ﵀ كما في آثاره (٣/ ٥٤٤).
стр. 31
العَمَلِ للهِ، وَالإِيمَانُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَتَرْكُ المِرَاءِ وَالجِدَالِ وَالخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ، وَالمَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَالجِهَادُ مَعَ كُلِّ خَلِيفَةٍ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، وَالإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ بالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بالمَعْصِيَةِ، وَالقَرْآنُ كَلَامُ الله مُنَزَّلٌ عَلَى قَلْبِ نبيِّه ﷺ ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْ حَيْثُ مَا تُلي، وَالصَّبْرُ تَحْتَ لِوَاءِ السُّلْطَانِ على مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَدْلٍ أَوْ جَوْرٍ، وَلَا يُخْرَجُ عَلَى الأُمَرَاءِ بالسَّيْفِ وَإِنْ جَارُوا، وَلَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَإِنْ عَمِلُوا بالكَبَائِرِ، وَالكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيُّ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ الله ﷺ وَأَوْلَادُهُ وَأَصْهَارُهُ رِضْوَانُ الله عليهم أَجْمَعِينَ، فَهَذِهِ السُّنَّةُ الْزَمُوهَا تَسْلَمُوا، أَخْذُهَا هُدًى، وَتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ» (١).
وقال أيضاً: أخبرنا الشيخ أبو الحسين بن الطيوري، قراءة عليه مرتين وأنا أسمع، الأولى بقراءة أبي نصر محمود بن الفضل الأصبهاني في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وأربع مائة، والثانية بقراءة أبي نصر المؤتمن بن أحمد الساجي، في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وأربع مائة، أنا أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العُشاري الحربي، أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مَردك البردعي، قراءة عليه، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، نا يونس بن عبد الأعلى المصري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول، وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به، فقال:
«لله ﵎ أسماء وصفات، جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيُّه ﷺ أمَّتَه، لا يسع أحد من خلق الله قامت لديه الحجة أنَّ القرآن نزل به وصحَّ عنده بقول النَّبيِّ فيما روى عنه العدل خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو بالله كافر، فأمَّا قبل ثبوت الحجة من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأنَّ علمَ ذلك لا يُدرك بالعقل، ولا بالرؤية والفكر، ونحو ذلك إخبار الله إيانا أنَّه سميع، وأنَّ له يَدَيْن بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ
_________
(١) انظر: النص (٤٩٨) من هذه المشيخة.
стр. 32
مَبْسُوطَتَانِ﴾، وأنَّ له يميناً، بقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وأنَّ له وجهاً بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وأنَّ له قَدَماً بقول النَّبيِّ ﷺ : (حتى يضع الربُّ فيها قَدَمَه)، يعني في جهنَّم، وأنَّه يضحك من عبده المؤمن، لقوله ﷺ للذي يقتل في سبيل الله: (أنَّه لقي الله وهو يضحك إليه)، وأنَّه يهبط كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، بخبر رسول الله ﷺ بذلك، وأنَّه ليس بأعور، لقول النَّبيِّ ﷺ إذ ذَكَر الدَّجَّال، فقال: (إنَّه أعور وإنَّ ربَّكم ليس بأعور)، وأنَّ المؤمنين يرون ربَّهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وأنَّ له أصبعاً بقوله ﷺ : (ما من قلب إلاَّ وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن .
وإنَّ هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ لا يُدرك حقيقة ذلك بالفكر والرؤية، ولا يُكفَّر بالجهل بها أحد إلاَّ بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ ، ولكن نثبت هذه الصفات وننفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (١).
وهذان الاعتقادان المنقولان عن إماميين عظيمين كافيان في إثبات صحة اعتقاد الإمام السِّلفي ﵀، بل جاء منه التصريح بشيء من اعتقاده، فقال:
أخبرنا أبو غالب محمد بن عبد الواحد بن الحسن القزاز، بقراءتِي عليه بالحريم الطَّاهري ببغداد فِي الجانب الغربي فِي المحرَّم سنة أربع وتسعين، أخبرنا أبو محمد الحسن ابن علي الجوهري، نا أبو الحسن علي بن محمد بن الفتح الأُشْنَانِي، نا أحمد بن عبد الرحمن البُزُورِي، قال: سألت الحسن بن علي الحلواني فقلت: إنَّ الناسَ قد اختلفوا عندنا في القرآن، فما تقول؟ فقال: «القُرْآنُ كَلَامُ الله غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا نَعْرِفُ غَيْرَ هَذَا».
_________
(١) انظر الورقة (٢٩٥/ ب، ٢٩٦/ أ) من هذه المشيخة.
стр. 33
وسمعت ابن أبي العَصَب يعني الأُشْنَانِي يقول: سمعتُ أحمد بن أبي عَوف يقول: سمعتُ هارون الفَرْوي يقول: «لَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ وَأَهْلِ السُّنَّة إِلاَّ وَهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ قَالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَيُكَفِّرُونَهُ، وَأَنَا أَقُولُ بِذَلِكَ، هَذِهِ السُّنَّةُ».
قال أحمد: وأنا أقول بمثل ذلك، قال ابن أبي العَصَب: وأنا أقول بمثل ذلك، قال الجوهري: وأنا أقول بمثل ذلك، قال لنا أبو غالب: وأنا أقول بمثل ذلك، قال السِّلَفي فيما أنبأني: ونحن نقول بذلك، قال إبراهيم (١): وأنا أقول بذلك (٢).
وروى أيضاً آثاراً كثيرة في مدح أهل الحديث وأنَّهم أتباع النبي ﷺ ورفقاؤه، والواردون حوضه يوم القيامة، وهم الحافظون للشريعة المحمدية.
وكان السِّلفي ﵀ أثناء إقامته في الإسكندرية تحت ظل دولة شيعية فاطمية من سنة (٥١١ هـ) إلى زوال ملكهم سنة (٥٦٧ هـ) على يد الأمير صلاح الدين الأيوبي، ومع ذلك كان ينشر عقيدة السلف، خاصة في الصحابة ﵄، ويحدِّث بفضائلهم ومآثرهم، ويذكر الرافضة ومثالبهم، وفي المشيخة نصوص عدة في ذلك.
ومع هذا ما كان يثير فتناً مع دولة الفاطميين، ولا يصطدم برجالها السياسيين، بل كان يتخلص إذا اختبروه بالمعاريض وحسن الجواب، تخلصاً من بطشهم وإيذائهم له، ذكر في كتابه معجم السفر أنَّ همام بن سوار اللخمي أحد ولاة الفاطميين قال له مختبراً رأيه في الدولة الفاطمية: «ما الخلفاء عندي سوى العلماء»، قال السِّلفي: «وذلك بمحضر من جماعة من الأمراء، فتداركت الأمر وقلت: ما أبعدَ الأمير ـ وفقه الله ـ فقد روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: اللهم ارحم خلفائي، قالوا: يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟ قال: قوم يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي ويعلِّمونها الناس. لكن النبي ﵇ لمَّا توفي ورَّث العلم والسيف، فالعلم للعلماء يقولون ما أمر به الشارع والسيف
_________
(١) هو إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس الماراني، رواي المشيخة عن السِّلفي.
(٢) انظر النصان: (٧٥، ٧٦).
стр. 34
للأمراء وجيوش الإسلام يأتمرون ذلك، لكن بين من يقول: افعل، وبين من يفعل بونٌ بعيد وفرق ظاهر، ونحن الآن وأنتم وإن اختلفنا في الزي، فوارثان لإرث النبوة وكجسم واحد، فاستحسنوا هذا، وأثنوا بخير، وأرضيتهم بهذا الفصل خوفاً من التشعيث» (١).
هكذا كان ﵀ ينشر عقيدة السلف بين طلاَّبه، وإن أحسَّ بخطر من الدولة الشيعية فرَّ من ذلك بجواب لبق، خوفاً من شرِّهم، وفرح كثيراً لمَّا زالت دولتهم، وأصبح في غنى عن مثل تلك الأجوبة، فنشر عقيدته وعقيدة من سبقه من علماء الملة؛ إذ يقول فيهم:
وهم الأئمة إن أردتَ أئمَّة … وهم الرجال لئن أردت رجالَا (٢)
وإلى جانب اعتقاده في كثير من مسائل العقيدة اعتقاد السلف الصالح رضوان الله عليهم، إلاَّ أنَّ ثمَّة أمور ينبغي التنبيه عليها أوردها السِّلفي في كتابه هذا، تخالف ما كان عليه السلف الأولون، وهي في الجملة أمور تتعلق ببعض المحدثات وقع فيها بعض الأئمة ـ غفر الله لنا ولهم ـ ورواها عنهم السِّلفي ولم ينكرها، بل ظاهره تقويتها والفخر بها، وهي من آثار التصوف الذي كان يمارسه في رحلاته في رُبُط الصوفية، وتقدَّم أنَّ أباه وجدَّه كانا صوفيين، وبعض شيوخه معروف بالتصوف، وقد حكى عنهم ومن طريقهم بعض الآثار المخالفة لما كان عليه سلف الأمة من حسن الاعتقاد، فمن تلك الآثار التي رواها في كتابه، قال:
١ ـ سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن علي بن الحُسين بن زكريا الصوفي، بقراءتي عليه يقول: سمعتُ والدي أبا الحسن علي بن الحسين المقرئ يقول: «كُنْتُ رَاجِعاً مِنْ زِيَارَةِ قَبْرِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ﵁، فَلَقِيَنِي أَبُو الحَسَن المَوْصِلِيُّ، وَكَانَ مِنْ صُلَحَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ
_________
(١) معجم السفر (ص ٤١١)، والتشعيث هو التفرُّق والتفريق.
(٢) قصيدة من إنشاء السِّلفي (ص ٢٢).
стр. 35
لِي: مِنْ أَيْنَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَابِ حَرْبٍ، فَقَالَ لِي: لَا تَقُلْ هَكَذَا، قُلْ: مِنَ البَقِيعِ الصَّغِيرِ، سَمِعْتُ أُسْتَاذِي أَبَا الحُسَين بْنَ سَمْعُونَ الوَاعِظَ يَقُولُ: كُنْتُ شَابًّا، فَمَضِيتُ وَحْدِي إِلَى قَبْرِ أَحْمَدَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، حَتَّى أُحْيِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَبَدَأْتُ بسُورَةِ البَقَرَةِ وَأَنَا وَحْدِي، إلَى أَنْ بَلَغْتُ مِنَ المِئَةِ مِنْ سُورَةِ هُودٍ، ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ فَنَسِيتُ مَا بَعْدَهَا، فَكَرَّرْتُ هَذِهِ الآيةَ مرَّةً أو مَرَّتَين حَتَّى أَذْكُرَ مَا بَعْدَهَا، فَسَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ ـ وَلَمْ أَرَ شَخْصاً ـ: يَا أَبَا الحُسَيْنَ! إِلَى كَمْ تُكَرِّرُ هَذِهِ الآيَةَ؟ وَاللهِ مَا فِينَا شَقِيٌّ! وَاللهِ مَا فِينَا شَقِيٌّ! وَاللهِ مَا فِينَا شَقِيٌّ!» (١).
فمثل هذه الحكاية عن ابن سمعون من إحياء ليلة النصف من شعبان في قبر الإمام أحمد بالصلاة وقراءة القرآن لم يرد به حديث عن النَّبيِّ ﷺ ولا أثر عن أصحابه الأطهار، فلا يُشرع مثل هذا العمل، بل هو بدعة منكرة، والمصنف ﵀ حكاها عن شيخه الطريثيثي الصوفي، عن أبيه ـ ولا يُعرف من هو ـ ولم يعلق عليها بشيء، وفيها من الأمور المنكرة ما فيها، نسأل الله أن يغفر للأولين والآخرين من المسلمين.
٢ ـ وروى بسنده إلى أبي محمد الخلال قال: كتب إليَّ علي بن الحسن بن محمد بن الصَّيقل الواعظ، قال: سمعتُ عمر بن أحمد القطان، قال: سمعتُ إبراهيم بن شيبان، يقول: سمعتُ أبا عبد الله المغربي يقول: «رَأَيْتُ فِي البَادِيَةِ امْرَأةً بلَا يَدَيْنِ وَلَا رِجْلَيْنِ، عَمْيَاءَ العَيْنَيْنِ، صَمَّاءَ الأُذُنيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَمَةَ الله! إلَى أَينَ؟ فقالت: إلَى بَيْتِ رَبِّي وَقَبْرِ نبيِّي، فَقُلْتُ: عَلَى هَذهِ الحَالِ؟ فقالت: يَا ضَعِيفَ اليَقِينِ، غَمِّضْ عَيْنَيْكَ، قال: فَغَمَضْتُهُمَا، ثمَّ قالَت لِي: افْتَحْ عَيْنَيْكَ، فَفَتَحْتُهُمَا، فَإِذا أَنا بهَا بحِذاءِ الكَعْبَةِ، فَبَقِيتُ مُتَعَجِّباً، فقالتْ: أَيْشٍ تَعْجَبْ؟! مِنْ قَوِيٍّ حَمَلَ ضَعِيفاً؟ !» (٢).
وهذه الحكاية باطلة ـ ولم يتكلم عليها المصنف بشيء ـ ففي الإسناد إليها من يُجهل
_________
(١) انظر النص (٣١٤).
(٢) انظر: النص (١٠١٣).
стр. 36
حاله من الصوفية، وإن ثبتت فلا كرامة فيها للمرأة، ولا لأبي عبد الله المغربي، بل هذا من تلاعب الشيطان بهؤلاء الجهلة، مِمّن يزعم أنَّه دخل مكة ليطوف بغير إحرام، وقد حملته الجن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذهابه محمولاً مع الجنِّ أو غيرهم في الهواء ليطوف ليس من الأعمال الصالحة المشروعة، لا واجباً ولا مستحبًّا، ولو كان ذلك مشروعاً لكان الأنبياء أقدرَ على ذلك، وكانوا يذهبون في الهواء يَحجُّون، وهذا لم يُعرف عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة، والأنبياء أفضل الخلق، والصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء، ولو كان عملاً صالحاً لكان هؤلاء أحقُّ به من غيرهم، ونبيُّنا إنَّما أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليُريه الله من آياته بالمعراج … » (١).
ثم إنَّ في الحكاية نكارة واضحة، فكيف يخاطب أبو عبد الله المغربي هذه المرأة العمياء الصمَّاء، وكيف سمعته وفهمت كلامه وردَّت عليه؟!
وفيها أيضاً سفر المرأة من غير محرم، وجاء عند أبي نعيم أنَّها كانت في برية تبوك، وهذا منهيٌّ عنه في الشرع.
٣ ـ وذكر أيضاً أبياتاً شعرية للحسين بن منصور الحلاج، القائل بالحلول والانحلال، فقال:
رَأَيْتُ حبِّي بعَيْنِ قَلْبِي … فَقُلْتُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنْتَ
إلى آخر الأبيات (٢)، وفيها إشارة إلى القول بالحلول ووحدة الوجود، فكان على السِّلفي أن يُنزِّه كتابه من هذه الأقوال الشنيعة، ولعله ذكرها لبيان ضلاله، والله أعلم.
ومثل هذه الحكايات قليل جدًّا في كتاب المصنف، وجلُّ ما ذكره من الاعتقادات موافقة لما كان عليه السلف الأول، نسأل الله تعالى أن يغفر لنا وله الزلل، ويختم لنا بحسن العمل.
_________
(١) جامع المسائل ـ المجموعة الأول (ص ٢١٣).
(٢) انظر النص: (٥٠٧).
стр. 37
المبحث التاسع: مكانته العلمية وثناء بعض العلماء عليه
تبوَّأ الحافظ السِّلفي ﵀ مكانة علمية مرموقة، شهد له بها الكثير من أهل العلم وأثنوا عليه وعلى علمه، فكان أحفظ الحفاظ، ولم يكن في عصره آخر عمره مثله، كما قال ابن خلكان (١).
وهذه نقول عن بعض الأئمة في الثناء عليه.
قال أبو سعد السمعاني (٥٦٢ هـ): «كان فاضلاً مكثراً رحَّالاً، عُني بجمع الحديث وسماعه، وصار من الحفاظ المشهورين» (٢).
وقال أيضاً: «هو ثقة ورع، متقنٌ متثبِّت، حافظ فهم، له حظٌّ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه» (٣).
وقال ابن نقطة (٦٢٩ هـ): «سمع منه الحفاظ، ورُحل إليه من المشرق والمغرب، وكان حافظاً ثقة مأموناً رضي الله تعالى عنه» (٤).
وقال ابن الأبار الأندلسي (٦٥٨ هـ): «بقية المسندين المعمَّرين، وخاتمة المحدثين المكثرين … وذكره شيخنا أبو عبد الله التجيبي في معجم مشيخته مصدِّراً به ومبتدئاً لسنِّه وفضله وعِظم قدره وعلوِّ سنده … وقال شيخنا أبو الربيع بن سالم … تفرَّد في الدنيا بالإمامة في علم الحديث، وعلو الدرجة في الإسناد، وأخذ عنه أهل الأرض جيلاً بعد جيل، وسمع الناس على أصحابه وهو لم يبعد عهده بشبابه» (٥).
وقال ابن الجزري (٨٣٣ هـ): «حافظ الإسلام، وأعلى أهل الأرض إسناداً في
_________
(١) وفيات الأعيان (١/ ١٠٥).
(٢) الأنساب (٣/ ٢٧٤).
(٣) الذيل على تاريخ بغداد، نقلاً من تاريخ الإسلام (١٢/ ٥٧٤).
(٤) تكملة الإكمال (٣/ ٣٤٠).
(٥) معجم أصحاب الصدفي (ص ٤٨، ٥٠، ٥١).
стр. 38
الحديث والقراءات، مع الدين والثقة والعلم» (١).
وقال الذهبي (٧٤٨ هـ): «الإمام العلامة المحدِّث الحافظ المفتي شيخ الإسلام شرف المعمَّرين … وأملى مجالس بسلماس وهو شاب، وانتخب على غير واحد من المشايخ، وكتب العالي والنازل، ونسخ من الأجزاء ما لا يُحصى كثرة … وخطُّه متقَنٌ سريع، لكنه معلَّق مغْلَق … وكان مُكبًّا على الكتابة والاشتغال والرواية، لا راحة له غالباً إلاَّ في ذلك» (٢).
وقال أيضاً: «وكان إماماً مقرئاً مجوِّداً، ومحدِّثاً حافظاً جِهبذاً، وفقيهاً متقناً، ونحويًّا ماهراً، ولغويًّا محقِّقاً، ثقة فيما ينقله حجة، انتهى إليه علوُّ الإسناد في البلاد» (٣).
وكلام العلماء في الثناء عليه كثير جدًّا، وفيما ذكرت يكفى للدلالة على غيره.
المبحث العاشر: كتبه ومصنّفاته
السِّلفي واسع الرحلة، كثير الشيوخ، كثير المرويات، جمَّاع للكتب والأجزاء، ونسخ الكثير منها، واتخذ لجمعها طريقين:
١ ـ طريق النسخ، فنسخ الكثير بيده، بل إنَّه ينسخ الجزء الضخم في ليلة كما ذكر الذهبي، وكان يطمئن إلى ما نسخه بنفسه، ويحدّث به، وكان يقول: «متى لم يكن الأصل بخطِّي لم أفرح به» (٤).
وقال ابن نقطة: حدَّثني عبد العظيم بن عبد القوي المنذري بمصر قال: «لما أرادوا أن يقرؤوا سنن أبي عبد الرحمن النسائي على السِّلفي، أتوه بنسخة سعد الخير وهي مُصَحَّحة، قد سمعها من أبي محمد الدُّوني، فقال: ما تريدون تقرؤون؟ فقالوا: سنن
_________
(١) غاية النهاية (١/ ١٠٢).
(٢) السير (٢١/ ٥، ١٦، ٢١).
(٣) تاريخ الإسلام (١٢/ ٥٧٢).
(٤) السير (٢١/ ٢٢).
стр. 39
النسائي، فقال: فيها اسمي أحمد بن محمد؟ قالوا: لا، قال: فاجْتذَبَها من يَدَي القارئ بغيظ ورمى بها، وقال: لا أحدِّثُ إلاَّ من أصلي، فقالوا له: هذا بخطِّ سعد الخير، وهو ثقة حافظ، قد كتبها عن شيخك، فقال: إن كان فيها اسمي، وإلاَّ فلا أحدِّث بها، ولم يحدِّث بها حتى مات» (١).
وتقدَّم وصف الذهبي لخطِّه بأنَّه متقنٌ سريع، لكنَّه معلَّق مغلق.
وقد وقفت على عدة أجزاء فيها تصحيح السِّلفي للسماع بخطِّه، وهذه نماذج منها.
|
_________
(١) التقييد (ص ١٧٧).
стр. 40
٢ ـ طريق الشراء، فاشترى الكثير من الكتب مدَّة تجواله ومقامه، قال المنذري:
«كان السِّلفي مُغْرًى بجمع الكتب، وما حصل له من المال يخرجه في ثمنها» (١)، وقال السِّلفي في ترجمة أحمد بن علي المُوَفَّقي: «ابن الموفقي هذا كُتبيٌّ مشهور بمصر، اشتريت منه بها كثيراً من الكتب» (٢).
وكانت كتبه التي ينسخها أو التي يشتريها تكثر عليه في رحلاته، ويثقله ويصعب عليه حملها معه، فكان يودعها مَن يثق به من أصحابه في مدن شتى، وينفذ بعضها إلى أصبهان طمعاً في الرجوع إليها، فأودع كتباً ببغداد، وأخرى بثغر آمد، وبسلَماس، وأذربيجان، وغيرها.
ولَمَّا استقرَّ به المقام في الإسكندرية حُملت له بعضها من أصبهان (٣)، وقد ذكر أحدَ هؤلاء الذين كانت لهم يَدٌ في حمل كتبه إليه، وشَكَرَ له سَعيَه، وترحَّم عليه، فقال في ترجمة أبي العباس أحمد بن مروان الشاطبي التاجر: «أبو العباس هذا أندلسي صالح، وله عليَّ يد لاجتهاده وفي إيصاله ما حمل إليَّ من أصبهان من سماعاتي وأجزائي التي كتبتها بكلِّ قطر وأنفذت بها إلى أصبهان طمعاً في الرجوع إليها، ولم يتفق، فأحببت إحياء ذكره والترحم عليه ﵀) (٤).
وأما مكتبته التي أنشأها في الإسكندرية، فكانت عامرة بالكتب والأجزاء، قال المنذري: «كان عنده خزائن كتب لا يتفرَّغ للنظر فيها، فعفنت وتلصقت لنداوة البلد، فكانوا يخلصونها بالفأس، فتلف أكثرها» (٥).
هذا في الكتب والأجزاء التي سمعها ونسخها وتملَّكها، وأمَّا مصنفاته فكثيرة،
_________
(١) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٠٣).
(٢) معجم السفر (ص ١٩).
(٣) انظر: الأربعين البلدانية (ص ٢٨)، الوجيز (ص ٥٧، ٦٦).
(٤) معجم السفر (ص ٢٣).
(٥) تذكرة الحفاظ (٣/ ١٣٠٣).
следующие страницы →