Полный текст (1 153 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حاله من الصوفية، وإن ثبتت فلا كرامة فيها للمرأة، ولا لأبي عبد الله المغربي، بل هذا من تلاعب الشيطان بهؤلاء الجهلة، مِمّن يزعم أنَّه دخل مكة ليطوف بغير إحرام، وقد حملته الجن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذهابه محمولاً مع الجنِّ أو غيرهم في الهواء ليطوف ليس من الأعمال الصالحة المشروعة، لا واجباً ولا مستحبًّا، ولو كان ذلك مشروعاً لكان الأنبياء أقدرَ على ذلك، وكانوا يذهبون في الهواء يَحجُّون، وهذا لم يُعرف عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة، والأنبياء أفضل الخلق، والصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء، ولو كان عملاً صالحاً لكان هؤلاء أحقُّ به من غيرهم، ونبيُّنا إنَّما أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليُريه الله من آياته بالمعراج … » (١).
ثم إنَّ في الحكاية نكارة واضحة، فكيف يخاطب أبو عبد الله المغربي هذه المرأة العمياء الصمَّاء، وكيف سمعته وفهمت كلامه وردَّت عليه؟!
وفيها أيضاً سفر المرأة من غير محرم، وجاء عند أبي نعيم أنَّها كانت في برية تبوك، وهذا منهيٌّ عنه في الشرع.
٣ ـ وذكر أيضاً أبياتاً شعرية للحسين بن منصور الحلاج، القائل بالحلول والانحلال، فقال:
رَأَيْتُ حبِّي بعَيْنِ قَلْبِي … فَقُلْتُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنْتَ
إلى آخر الأبيات (٢)، وفيها إشارة إلى القول بالحلول ووحدة الوجود، فكان على السِّلفي أن يُنزِّه كتابه من هذه الأقوال الشنيعة، ولعله ذكرها لبيان ضلاله، والله أعلم.
ومثل هذه الحكايات قليل جدًّا في كتاب المصنف، وجلُّ ما ذكره من الاعتقادات موافقة لما كان عليه السلف الأول، نسأل الله تعالى أن يغفر لنا وله الزلل، ويختم لنا بحسن العمل.
_________
(١) جامع المسائل ـ المجموعة الأول (ص ٢١٣).
(٢) انظر النص: (٥٠٧).
стр. 37
المبحث التاسع: مكانته العلمية وثناء بعض العلماء عليه
تبوَّأ الحافظ السِّلفي ﵀ مكانة علمية مرموقة، شهد له بها الكثير من أهل العلم وأثنوا عليه وعلى علمه، فكان أحفظ الحفاظ، ولم يكن في عصره آخر عمره مثله، كما قال ابن خلكان (١).
وهذه نقول عن بعض الأئمة في الثناء عليه.
قال أبو سعد السمعاني (٥٦٢ هـ): «كان فاضلاً مكثراً رحَّالاً، عُني بجمع الحديث وسماعه، وصار من الحفاظ المشهورين» (٢).
وقال أيضاً: «هو ثقة ورع، متقنٌ متثبِّت، حافظ فهم، له حظٌّ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه» (٣).
وقال ابن نقطة (٦٢٩ هـ): «سمع منه الحفاظ، ورُحل إليه من المشرق والمغرب، وكان حافظاً ثقة مأموناً رضي الله تعالى عنه» (٤).
وقال ابن الأبار الأندلسي (٦٥٨ هـ): «بقية المسندين المعمَّرين، وخاتمة المحدثين المكثرين … وذكره شيخنا أبو عبد الله التجيبي في معجم مشيخته مصدِّراً به ومبتدئاً لسنِّه وفضله وعِظم قدره وعلوِّ سنده … وقال شيخنا أبو الربيع بن سالم … تفرَّد في الدنيا بالإمامة في علم الحديث، وعلو الدرجة في الإسناد، وأخذ عنه أهل الأرض جيلاً بعد جيل، وسمع الناس على أصحابه وهو لم يبعد عهده بشبابه» (٥).
وقال ابن الجزري (٨٣٣ هـ): «حافظ الإسلام، وأعلى أهل الأرض إسناداً في
_________
(١) وفيات الأعيان (١/ ١٠٥).
(٢) الأنساب (٣/ ٢٧٤).
(٣) الذيل على تاريخ بغداد، نقلاً من تاريخ الإسلام (١٢/ ٥٧٤).
(٤) تكملة الإكمال (٣/ ٣٤٠).
(٥) معجم أصحاب الصدفي (ص ٤٨، ٥٠، ٥١).
стр. 38
الحديث والقراءات، مع الدين والثقة والعلم» (١).
وقال الذهبي (٧٤٨ هـ): «الإمام العلامة المحدِّث الحافظ المفتي شيخ الإسلام شرف المعمَّرين … وأملى مجالس بسلماس وهو شاب، وانتخب على غير واحد من المشايخ، وكتب العالي والنازل، ونسخ من الأجزاء ما لا يُحصى كثرة … وخطُّه متقَنٌ سريع، لكنه معلَّق مغْلَق … وكان مُكبًّا على الكتابة والاشتغال والرواية، لا راحة له غالباً إلاَّ في ذلك» (٢).
وقال أيضاً: «وكان إماماً مقرئاً مجوِّداً، ومحدِّثاً حافظاً جِهبذاً، وفقيهاً متقناً، ونحويًّا ماهراً، ولغويًّا محقِّقاً، ثقة فيما ينقله حجة، انتهى إليه علوُّ الإسناد في البلاد» (٣).
وكلام العلماء في الثناء عليه كثير جدًّا، وفيما ذكرت يكفى للدلالة على غيره.
المبحث العاشر: كتبه ومصنّفاته
السِّلفي واسع الرحلة، كثير الشيوخ، كثير المرويات، جمَّاع للكتب والأجزاء، ونسخ الكثير منها، واتخذ لجمعها طريقين:
١ ـ طريق النسخ، فنسخ الكثير بيده، بل إنَّه ينسخ الجزء الضخم في ليلة كما ذكر الذهبي، وكان يطمئن إلى ما نسخه بنفسه، ويحدّث به، وكان يقول: «متى لم يكن الأصل بخطِّي لم أفرح به» (٤).
وقال ابن نقطة: حدَّثني عبد العظيم بن عبد القوي المنذري بمصر قال: «لما أرادوا أن يقرؤوا سنن أبي عبد الرحمن النسائي على السِّلفي، أتوه بنسخة سعد الخير وهي مُصَحَّحة، قد سمعها من أبي محمد الدُّوني، فقال: ما تريدون تقرؤون؟ فقالوا: سنن
_________
(١) غاية النهاية (١/ ١٠٢).
(٢) السير (٢١/ ٥، ١٦، ٢١).
(٣) تاريخ الإسلام (١٢/ ٥٧٢).
(٤) السير (٢١/ ٢٢).
стр. 39
النسائي، فقال: فيها اسمي أحمد بن محمد؟ قالوا: لا، قال: فاجْتذَبَها من يَدَي القارئ بغيظ ورمى بها، وقال: لا أحدِّثُ إلاَّ من أصلي، فقالوا له: هذا بخطِّ سعد الخير، وهو ثقة حافظ، قد كتبها عن شيخك، فقال: إن كان فيها اسمي، وإلاَّ فلا أحدِّث بها، ولم يحدِّث بها حتى مات» (١).
وتقدَّم وصف الذهبي لخطِّه بأنَّه متقنٌ سريع، لكنَّه معلَّق مغلق.
وقد وقفت على عدة أجزاء فيها تصحيح السِّلفي للسماع بخطِّه، وهذه نماذج منها.
|
_________
(١) التقييد (ص ١٧٧).
стр. 40
٢ ـ طريق الشراء، فاشترى الكثير من الكتب مدَّة تجواله ومقامه، قال المنذري:
«كان السِّلفي مُغْرًى بجمع الكتب، وما حصل له من المال يخرجه في ثمنها» (١)، وقال السِّلفي في ترجمة أحمد بن علي المُوَفَّقي: «ابن الموفقي هذا كُتبيٌّ مشهور بمصر، اشتريت منه بها كثيراً من الكتب» (٢).
وكانت كتبه التي ينسخها أو التي يشتريها تكثر عليه في رحلاته، ويثقله ويصعب عليه حملها معه، فكان يودعها مَن يثق به من أصحابه في مدن شتى، وينفذ بعضها إلى أصبهان طمعاً في الرجوع إليها، فأودع كتباً ببغداد، وأخرى بثغر آمد، وبسلَماس، وأذربيجان، وغيرها.
ولَمَّا استقرَّ به المقام في الإسكندرية حُملت له بعضها من أصبهان (٣)، وقد ذكر أحدَ هؤلاء الذين كانت لهم يَدٌ في حمل كتبه إليه، وشَكَرَ له سَعيَه، وترحَّم عليه، فقال في ترجمة أبي العباس أحمد بن مروان الشاطبي التاجر: «أبو العباس هذا أندلسي صالح، وله عليَّ يد لاجتهاده وفي إيصاله ما حمل إليَّ من أصبهان من سماعاتي وأجزائي التي كتبتها بكلِّ قطر وأنفذت بها إلى أصبهان طمعاً في الرجوع إليها، ولم يتفق، فأحببت إحياء ذكره والترحم عليه ﵀) (٤).
وأما مكتبته التي أنشأها في الإسكندرية، فكانت عامرة بالكتب والأجزاء، قال المنذري: «كان عنده خزائن كتب لا يتفرَّغ للنظر فيها، فعفنت وتلصقت لنداوة البلد، فكانوا يخلصونها بالفأس، فتلف أكثرها» (٥).
هذا في الكتب والأجزاء التي سمعها ونسخها وتملَّكها، وأمَّا مصنفاته فكثيرة،
_________
(١) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٠٣).
(٢) معجم السفر (ص ١٩).
(٣) انظر: الأربعين البلدانية (ص ٢٨)، الوجيز (ص ٥٧، ٦٦).
(٤) معجم السفر (ص ٢٣).
(٥) تذكرة الحفاظ (٣/ ١٣٠٣).
стр. 41
فهي من بين مصنَّف مستقل، وبين تخريج على مسموعات إمام من الأئمة، وبين أسئلة موجهة لعالم من علماء عصره في الرجال، وغير ذلك من المصنفات.
وقد طُبع بعض مصنفاته، إلاَّ أنَّ المطبوع منها لا يمثل قدر الثلث مِمَّا ذُكر منها، ولا أذكر في هذا المبحث كلَّ مصنفات السِّلفي، وإنَّما أشير إلى بعضها، فقد ذكرها كثير ممَّن ترجم له، وأنبِّه على ما وقعوا فيه من أخطاء، وأذكر أيضاً بعض المصنفات التي لم يذكرها أحد ممن ترجم له، وأَوْفى الدراسات لمصنفاته في نظري ما قام به محققا الطيوريات (طبعة أضواء السلف)، فقد ذكرا جملة وافرة من ذلك.
فمن المطبوع:
كتاب معجم السفر، في مجلد.
والطيوريات، في أربعة مجلدات (طبعة أضواء السلف).
وسؤالاته لخميس الحوزي عن جماعة من أهل واسط.
والوجيز في ذكر المُجاز والمُجيز.
والمنتقى من السفينة البغدادية.
وغيرها.
ومن كتبه التي لا تزال مخطوطة:
شرط القراءة على الشيوخ.
أحاديث وحكايات انتخاب السِّلفي على أبي عبد الله الطبري بمكة.
حديثه عن الأبهريين.
السداسيات المخرجة من سماعات ابن الحطاب الرازي.
وغيرها.
وقد ذكر محققا الطيوريات ـ كما قدَّمت ـ مجموعة من كتبه المطبوعة والمخطوطة والمفقودة، ونبَّها على أخطاء وقع فيها من تقدَّمهم بالترجمة.
стр. 42
وقد وقعا أيضاً في أخطاء، منها:
١ ـ ذكرا برقم: (٢٤) جزءاً للسِّلفي بعنوان: «جزء فيه ثلاثة أحاديث مسلسلة»، وقالا: «وهذه الأحاديث من رواية المرتضى بن أبي الجود حاتم الشافعي (٦٣٤ هـ)، عن أصحابه، عن السِّلفي» (١).
قلت: الجزء ليس للسِّلفي، وليس له في هذا الجزء إلاَّ الحديث الأول، وقولهما:
«من رواية المرتضى عن أصحابه عن السِّلفي» خطأ، فالمرتضى بن أبي الجود تلميذ للسِّلفي، وهو يروي الأحاديث الثلاثة عن شيوخه، الحديث الأول عن السِّلفي، والثاني والثالث رواية الشيخ الفقيه القاضي أبي الفضل أحمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن منصور بن الفضل الحصري، عن شيوخه، والمرتضى يروي الأحاديث الثلاثة عنهما، فالجزء للمرتضى لا للسِّلفي.
والعنوان فيه كالتالي: «جزء فيه ثلاثة أحاديث مسلسلة، الحديث الأول من رواية الشيخ الحافظ بقية السلف أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السِّلفي الأصبهاني، والثاني والثالث رواية الشيخ الفقيه القاضي أبي الفضل أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن الفضل الحصري، عن شيوخه، رواية الشيخ الإمام الحافظ رضي الدين مرتضى بن الشيخ أبي الجود حاتم بن سلمة الشافعي، عنهما، سماع عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي عنه».
٢ ـ ذكرا برقم: (٢٦) كتاباً للسِّلفي بعنوان: «أحاديث منتخبة من أجزاء الشيخ أبي منصور الخوجاني المذكر»، ووصفا النسخة بأنَّها عبارة عن أحاديث وآثار وحكايات مفيدة (٢).
قلت: الجزء كما ذكرا، إلاَّ أنَّهما لو تأمَّلا عنوان المؤلف كاملا، وتصفَّحا الجزء
_________
(١) الطيوريات (١/ ١١٦).
(٢) الطيوريات (١/ ١١٧).
стр. 43
لوجداه أكثر مما ذكرا، فهو بعنوان: «الجزء فيه أحاديث منتخبة من أجزاء الشيخ أبي منصور أحمد بن نصر الخوجاني المذكر، لأحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني، نفعه الله الكريم به، رواية أبي الفضل جعفر بن أبي الحسن الهمداني عنه، وفيه من حديث النهاوندي أبي الفرج وأبي طاهر، ومن حديث الأشتاذجردي».
قلت: وفي الورقة (١٣٥/ أ) من هذا المجموع ما نصه: «إلى هنا عن أبي منصور الخوجاني»، ثم يبدأ حديث أبي طاهر النهاوندي وهو شيخ للسِّلفي، وهذا الجزء غير الذي ذكراه المحققان برقم: (٢٩) وهو مجلس أملاه القاضي أبو طاهر النهاوندي في جامع البصرة بانتقاء السِّلفي، وذلك في سنة خمس مائة، لأنَّ الذي هنا كان سنة ثلاث وخمس مائة كما في أول حديث منه.
ثم في الورقة (١٣٧/ أ) ينتهي حديث أبي طاهر النهاوندي، ويشرع السِّلفي في حديث أبي الفرج أحمد بن محمد بن إبراهيم النهاوندي، وهو في ورقة واحدة، وبعده حديث أبي العباس الأشتاذجردي، وهو آخر الجزء، وبعده فوائد ذكرها السِّلفي عن شيخه أبي منصور الخوجاني.
فالمجموع فيه عدة انتخابات للسِّلفي، لا حديث الخوجاني فقط.
٣ ـ ذكرا برقم: (٢٨) كتاب «أحاديث وحكايات انتخبها السِّلفي عن أبي جعفر السراج»، وذكرا لها نسختين، ووصفا الثانية بقولهما: « … تتكون من ٢٩ ورقة (٨٨ ـ ١١٧») (١).
قلت: هذه النسخة هي الجزء الأول من الكتاب، وليس عدد أوراقه كما قالا؛ لأنَّ في آخر الجزء (ص ١١٧) بيان أنَّه كتاب آخر غير كتاب السِّلفي، وفيه: «آخر الجزء وهو جزء من حديث أبي الحسين أحمد بن محمد بن أبي عمر بن الفالي وغيره، انتقاء
أبي الفضل محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الجارودي ﵀ … ».
_________
(١) الطيوريات (١/ ١١٧، ١١٨).
стр. 44
وأمَّا كتاب السِّلفي فقد طرأ عليه نقص، وليس فيه آخره، والذي يوهم أنَّ الكتاب واحد توحد خط الناسخ، فهما مكتوبان بخط واحد، ولعله كتاب السِّلفي ينتهي عند (ص ١٠٦) من المخطوط والله أعلم، فيكون الجزء الأول من الكتاب فيه نقص.
٤ ـ ذكرا برقم: (٣١) كتاباً بعنوان: (انتقاء السِّلفي من فوائد معمر بن أحمد بن زياد)، وذكرا وجوده بظاهرية دمشق، وعنها صورة في الجامعة الإسلامية.
قلت: يظهر أنَّهما نقلَا المعلومات حول الكتاب من مقدمة سعود الجربوعي في تحقيقه ودارسته لكتاب المهروانيات، والمجموع المشار إليه حوى أجزاء كثيرة برواية السِّلفي لم يذكرها الباحثان، وقد جاء في أول المجموع: (الجزء فيه فوائد أبي عبد الله محمد بن جعفر بن حيان أبي الشيخ، رواية أبي عبد الله أحمد بن محمد بن الحسين الملنجي عنه، وعنه أبو سعيد أحمد بن محمد بن الحسين الحبال. رواية الشيخ الإمام الحافظ شيخ الإسلام فخر الأئمة جمال الحفاظ بقية السلف أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السِّلفي الأصبهاني عنه ﵁. وفيه فوائد كثيرة غير ذلك … ».
قلت: وبعد فوائد أبي الشيخ فوائد أبي منصور معمر بن أحمد بن زياد، وبعده أحاديث أبي العباس محمد بن إسحاق السراج، وهنا يطرأ نقص في المجموع الذي أشارا إلى رقمه بالجامعة الإسلامية، وبالرجوع إلى صورة فيلمية من المجموع يتبيَّن أنَّه كامل لا نقص فيه، يتضمَّن أحاديث شيوخ عدة من رواية السِّلفي، وهو بخط واحد، وفيه من الأجزاء ما يلي:
ـ إملاء أبي مطيع محمد بن عبد الواحد المصري.
ـ حديث لقيط بن عامر.
ـ مجلس من مجالس القاضي أبي بكر اليزدي، وهي جميعاً من رواية السلفي.
ـ الحث على تعلم النحو، لأبي طاهر بن أبي أحمد النحوي.
ـ فوائد أبي الشيخ ابن حيان.
стр. 45
ـ أحاديث مستخرجة من فوائد أبي منصور معمر بن أحمد بن زياد.
ـ من أحاديث أبي العباس محمد بن إسحاق السراج.
ـ من أحاديث يحيى بن منده.
ـ من إملاء الشيخ أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الذكواني.
ـ من فوائد أبي الحسين محمد بن المظفر البزاز.
ـ من أحاديث الشيخ أبي العباس ابن بشرويه.
ـ من أحاديث أبي القاسم إبراهيم بن محمد المناديلي.
ـ من فوائد الإمام أبي بكر الشاشي (١).
ـ أدب الفقير لأحمد بن عطاء.
ـ شيوخ لاحق بن محمد.
ـ أحاديث منتخبة من كتاب الأربعين لأبي بكر بن أبي علي.
وهذه الكتب كلُّها من رواية الإمام السِّلفي، بل الكثير منها يظهر أنَّها من جمعه وتصنيفه، إلاَّ كتاب تعلم النحو، وأدب الفقير، وفي بعض الأجزاء تصحيح السِّلفي للسماع بخطِّه، فكان الأولى ذكرُ ما كان من تأليفه وجمعه من هذه المجموعة، ولا يُفصل عنها شيء دون غيره.
٥ ـ ذكرا برقم: (٤٨) كتاباً للسِّلفي بعنوان: (فوائد أبي محمد الخلال)، وأشارا إلى نسخة منه في الظاهرية، ثم قالا: «وهذه الفوائد في الجزء الثاني عشر من المشيخة البغدادية» (٢).
قلت: فوائد الخلال هنا عنوان ابتدأ به المؤلف الجزء الثاني عشر من المشيخة
_________
(١) تنبيه: طُبع كتاب فوائد أبي بكر الشاشي مستقلاًّ عن هذا المجموع بمطبعة الرشد بالرياض.
(٢) الطيوريات (١/ ١٢٤).
стр. 46
البغدادية، وليس كتاباً مستقلاًّ حتى يُذكر ضمن مصنفاته ويُعطى له رقم خاص.
٦ ـ ذكرا برقم: (٥٠) كتاباً للسِّلفي باسم: (أجزاء أذربيجان)، وعزيا ذلك للمصنف في كتابه شرط القراءة على الشيوخ.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ أجزاء أذربيجان ليس كتاباً للسِّلفي، وإنَّما ذكر نصوصاً في كتابه شرط القراءة من حفظه، وعزا وجودها عنده في أجزاء تركها بمدينة أذربيجان في رحلته، وقد تقدَّم أنَّه كان يودع كتبه وأجزاءه في عدة مدن من مدن ما وراء النهر طمعاً في العود إلى أصبهان وحمله معه مرة أخرى.
وذكر بعد أجزاء أذربيجان مسموعات شروان، وهي كما قدَّمت، ولم يذكر الباحثان هذه المسموعات ضمن مصنفاته!!
٧ ـ ذكرا كتاباً برقم: (٧٣) قالا: «جزء فيه انتخابه على أبي علي البراداني في ثلاثة أجزاء، من مرويات الحافظ ابن حجر … ورواه أيضاً الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال: جمع ـ يعني البرداني ـ مجلَّداً في المنامات النبوية، سمعنا منتقاه على الأمين الصفار، عن الساوي، عن السِّلفي، عنه».
قلت: وهذا خلط بين كتابين، فالأجزاء الثلاثة غير المنامات، بدليل:
١ ـ أنَّ المنامات ذكرها الحافظ في موضع آخر من المعجم المفهرس والمجمع المؤسس، وذكر أيضاً هذه الأجزاء الثلاثة في المعجم.
٢ ـ اختلاف الإسناد إلى الكتابين، فالمنامات يرويه الحافظ والذهبي من طريق يوسف بن محمود الساوي، عن السِّلفي (١).
والأجزاء الثلاثة يرويها ابن حجر عن ابن سكر، عن عبد القادر بن عبد العزيز، عن محمد بن عبد الهادي، عن السِّلفي (٢).
_________
(١) انظر: المجمع المؤسس (٢/ ١٥٤)، المعجم المفهرس (ص ١٢٠).
(٢) انظر: المعجم المفهرس (ص ٢٤٣، ٢٤٤).
стр. 47
وهذا الخلط بين الكتابين وقع فيه محقق المعجم المفهرس (١)، وتبعه عليه الباحثان.
٧ ـ ذكرا برقم: (٧٧) كتاباً بعنوان «الأجزاء العراقية»، وسبقهما في نسبته للسِّلفي د. شير محمد زمان في فهرس أسماء الكتب (٢).
وقد ورد ذكره في معجمه، فقال في ترجمة أبي المظفر شبيب بن الحسين: «ثم علقت عنه بعد قفولنا من الحجاز بالجامعين حكايات عندي في الأجزاء العراقية» (٣).
قلت: وهذا يحتمل أن يكون كتاباً مستقلاًّ، وفيه احتمال أيضاً أن يكون مراده بالأجزاء التي تركها بالعراق، والله أعلم.
٧ ـ فاتهما ذكر كتاب للسِّلفي أشار إليه في هذه المشيخة، وهو نسخة كتب فيها إجازات شيوخه له، وذكر فيها أسماءهم وأنسابهم، وعليها خطوطهم.
قال في ذكر شيخه أبي الحسن محمد بن الحسن بن علي بن أيوب الأصبهاني نزيل بغداد «سألناه عن مولده ـ يعني ابنَ أيوب ـ فقال: سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة، وأجاز لنا جميع ما عنده، وخطُّه عندي في نسخة الإجازات» (٤).
وقال أيضاً: «أخبرنا الشريف الأجَلُّ أبو يعلى حمزة بن محمد بن علي الزينبي، بقراءتي عليه وسألته عن مولده فقال: سنة سبع وأربع مئة، وكتبت نسبه من لفظه في نسخة الإجازة» (٥).
هذا ما تيسَّر التنبيه عليه، ومن أراد الاستزادة في معرفة كتب السِّلفي فليراجع مقدمة كتاب الطيوريات للمحققين جزاهما الله خيراً على ما بذلا من جهد لجمع مؤلفات هذا الإمام.
_________
(١) انظر: (ص ٦٠١) من الكتاب حيث أحال في ذكر ثلاثة أجزاء على منامات البرداني.
(٢) معجم السفر (ص ٦٧٤).
(٣) معجم السفر (ص ١٠١).
(٤) انظر: النص (٢٣٢).
(٥) انظر: النص (٦١١)، وانظر أيضاً معجم السفر (ص ٣٣١).
стр. 48
المبحث الحادي عشر: وفاته
عاش الحافظ السِّلفي حياته كلَّها للعلم، فبدأ في التلقي في بلده أصبهان ثم غادرها من غير رجعة إلى أنحاء الدنيا، طالباً مستفيداً، وعالماً مفيداً، إلى أن استقر به المقام في الإسكندرية، فعاش فيها أزيد من ستين سنة ينشر رواياته التي جمعها، وعلمه الذي أفنى عمره فيه، ثم جاءه نداء ربِّه فاستجاب له، وذلك في صباح يوم الجمعة ـ وقيل في ليلته ـ الخامس من ربيع الثاني سنة (٥٧٦ هـ)، ولم ينقطع عن التدريس طوال حياته كلِّها، بل وفي ليلة موته ﵀ لم يزل يُقرأ عليه الحديث يوم الخميس، وهو يردُّ على القارئ اللَّحن الخفي، وقد بلغ عمره أزيد من مائة سنة، قال علم الدين السخاوي:
«سمعت يوماً أبا طاهر السِّلفي يُنشد لنفسه ما قاله قديماً:
أنا من أهل الحديـ … ـثِ وهم خيرُ فئه
جُزت تسعين وأر … جو أن أجوزنَّ المائه.
قال: فقيل له: قد حقَّق الله رجاءَك، فعلمتُ أنَّه قد جاز المائة، وذلك في اثنتين وسبعين وخمس مائة» (١).
وصلَّى عليه صاحبه أبو طاهر بن عوف المالكي فقيه الإسكندرية بعد ظهر الجمعة بجامع عبد الله بن عمرو بن العاص، ودُفن في مقبرة وعلة، ﵀ رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته، وحشره مع النبيين والصديق والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
* * *
_________
(١) السير (٢١/ ٧)، وانظر: جزء فيه أهل المائة للذهبي (ص ٧٨).
стр. 49
الفصل الثاني
دراسة الكتاب
وفيه سبعة مباحث.
المبحث الأول: علم المشيخات باختصار، المؤلفات فيه، وفوائده، ومنزلة الكتاب بينها.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف المشيخة.
المطلب الثاني: بعض المؤلفات فيه.
المطلب الثالث: فوائده.
المبحث الثاني: إثبات اسم الكتاب، ونسبته إلى مؤلِّفه.
المبحث الثالث: منهجه في القسم المحقق.
المبحث الرابع: شيوخه الوارد ذكرهم في المشيخة على أحرف المعجم.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: شيوخه المذكورون في المشيخة البغدادية (القسم المحقق) مع ذكر شيء من أحوالهم وكلام العلماء فيهم، والنصوص التي رواها عنهم السِّلفي.
المطلب الثاني: سرد لأسماء شيوخه المذكورين في بقية الأجزاء.
المبحث الخامس: موارده في القسم المحقق.
المبحث السادس: الأماكن الجغرافية لمدينة بغداد، التي سمع فيها السِّلفي من خلال القسم المحقق من الكتاب.
المبحث السابع: وصف النسخ الخطيَّة المعتمدة في التحقيق.
стр. 50
المبحث الأول: علم المشيخات باختصار، المؤلفات فيه، وفوائده، ومنزلة الكتاب بينها
إنَّ علم المشيخات علمٌ ذو أهمية في معرفة حديث سيد المرسلين؛ إذ هم الوصلة بين المحدِّث وبين خاتم النبيين، وهو جزء من فنِّ الجرح والتعديل، يُدرك من خلاله شيوخ مصنِّف من المصنِّفين، ومحدِّث من المحدِّثين، من حيث ولادته وعدالته، وأخباره ومآثره، ووفاته وما يتعلق به من سيرته، فيه حفظ لذكر رجال هذه الأمة التي هي أحسن الأمم، والذاكر لهم من أقرب الناس إليهم، وفيه شرفٌ لهم حيث يَخلُدُ ذكرُهم جيلاً بعد جيل، لهذا وغيره كان أبو علي الحسن بن أحمد المعروف بابن البنا
(ت ٤٧١ هـ) يتحسَّر من عدم ذكر الخطيب له في تاريخه، ولو مع الكذابين (١)؛ وإفراد المحدِّث لتراجم شيوخه في مصنَّف مستقل فيه ردٌّ لجميل العلم الذي ورثه منهم، وفيه بيان لمنزلته وعلو همَّته في طلب العلم ولقاء الشيوخ.
وقد درج العلماء قديماً وحديثاً في تصنيف مصنَّفات تبيِّن أسماءَ مَن أخذوا عنه من الرجال، وتبين أحوالهم ومآثرهم ومناقبهم، وتذكر مروياتهم، فألِّفت في ذلك مؤلفات تفوق الحصر، وقد قامت دراسات حديثة لبيان هذا النوع من العلوم، إلاَّ أنَّها لم تستوف جميع كتب المشيخات دراسة؛ وذلك لكثرتها وتعذر جمعها، بل منها ما هو مفقود لا يوجد، وأحسن دراسة وقفت عليها وأوفاها للموضوع من حيث التأصيل والتمثيل لعلم المشيخات ومعاجم الشيوخ، الدراسة التي قام بها الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر، والتي بعنوان: علم الأثبات ومعاجم الشيوخ والمشيخات، وفن كتابة التراجم (٢)، وعليه تكون دراستي لهذا العلم وما ألِّف فيه ومناهج التأليف فيه
_________
(١) السير (١٨/ ٣٨١).
(٢) وطبعت بمركز بحوث الدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، عام (١٤٢١ هـ)، في (٢٩٤) صفحة.
стр. 51
مختصرة، بحسب ما تقتضيه الحاجة.
فأقول وبالله التوفيق.
المطلب الأول: تعريف المشيخة
المشيخة لغة: اسم جمع للشيخ، والشيخ الذي استبانت فيه السنُّ، وظهر عليه الشيب، وقيل: هو شيخ من خمسين إلى آخره، وقيل: هو من إحدى وخمسين إلى آخر عمره، وقيل: هو من الخمسين إلى الثمانين، والجمع: أشيَاخ وشيخان وشُيوخ وشِيخَة وشِيَخَة ومَشْيَخَة ومِشْيَخَة ومَشِيخَة ومَشْيُوخَاء ومَشَايِخ، وتصغيرها شُيَيخ، وشِيَيْخ (١)، ويُطلق على المعلِّم والأستاذ؛ لعظمته وكبره في النفوس.
واصطلاحاً:: المؤلفات التي يذكر فيها المصنِّف أسماء شيوخه أو بعضهم مع سرد نماذج من مروياته عنهم والكتب التي سمعها منهم.
وقيل: تُطلق على الكراريس التي يجمع الإنسان فيها شيوخه (٢).
وقال محمد بن جعفر الكتاني: «كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم» (٣).
وكتب المشيخات لها علاقة وطيدة بكتب الأثبات والفهارس والبرامج، والمعاجم.
فقد يُطلق على المشيخة معجم الشيوخ؛ إذا رُتِّب على حروف المعجم.
وأهل الأندلس يُطلقون عليها البرنامج، ثم صاروا يقولون في القرون الأخيرة الفهرسة، وأهل الشرق الثبَت (٤).
_________
(١) انظر: القاموس المحيط (١/ ٢٧٢)، المصباح المنير (ص ٣٢٩).
(٢) انظر: فهرس الفهارس (١/ ٦٨).
(٣) الرسالة المستطرفة (ص ١٠٥).
(٤) انظر: فهرس الفهارس (١/ ٦٧).
стр. 52
المطلب الثاني: بعض المؤلفات فيه
التأليف في المشيخات ومعاجم الشيوخ بدأ من وقت مبكر، فألفت فيه المؤلفات الكثيرة، ولم تنقطع إلى وقتنا الحاضر؛ لذا فمن الصعب، بل المحال استيفاؤها واستقصاؤها، يقول الإمام الصفدي وقد عدَّ بعض كتب الحديث، ومنها مشيخات الحفاظ: « … فإنَّها شيء لا يحصُره حدٌّ، ولا يقصره عد، ولا يستقصيه ضبط، ولا يستدنيه ربط؛ لأنَّها كاثرت الأمواج أفواجاً، وكابرت الأدراج اندراجاً» (١)، وقال السخاوي: «ولا أستبعد زيادتهم على الألف، ولم أر في استيفائهم فائدة، سيما وجلُّهم لم يترجم الشيوخ … » (٢).
قلت: ومِمَّن بذل جهداً في ذكر تلك المصنفات واستيعاب الكثير منها د. يوسف المرعشلي في كتاب: معجم المعاجم والمشيخات والفهارس والبرامج والأثبات (٣).
ومن الكتب المصنفة في معاجم الشيوخ أو المشيخات:
١ ـ مشيخة ابن طهمان (١٦٣ هـ).
٢ ـ مشيخة يعقوب بن سفيان الفسوي (٢٧٧ هـ).
٣ ـ معجم شيوخ أبي يعلى الموصلي (٣٠٧ هـ).
٤ ـ المعجم لابن الأعرابي (٣٤٠ هـ).
٥ ـ المعجم الأوسط والصغير للطبراني (٣٦٠ هـ).
٦ ـ المعجم في أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (٣٧١ هـ).
٧ ـ المعجم لأبي بكر ابن المقرئ (٣٨١ هـ).
٨ ـ معجم الشيوخ، لأبي الحسين محمد بن أحمد بن جميع الصيداوي (٤٠٢ هـ).
٩ ـ أحاديث الشيوخ الثقات، أو المشيخة الكبرى، لأبي بكر محمد بن
_________
(١) الوافي بالوفيات (١/ ٦١).
(٢) الإعلان بالتوبيخ (ص ٢٣٧).
(٣) طُبع سنة (١٤٢٣ هـ) بمكتبة الرشد، الرياض.
стр. 53
عبد الباقي الأنصاري (٥٣٥ هـ).
١٠ ـ المنتخب من معجم شيوخ أبي سعد السمعاني (٥٦٢ هـ).
١١ ـ كتب السِّلفي، ومنها المشيخة الأصبهانية، ومعجم السفر، والوجيز في ذكر المجاز والمجيز.
وغير ذلك من المصنفات، وهي كثيرة جدًّا، والمذكورة آنفاً كلُّها مطبوعة إلاَّ كتاب الفسوي، والمشيخة الأصبهانية.
المطلب الثالث: فوائد كتب المشيخات.
تتنوَّع فوائد كتب المشيخات ومعاجم الشيوخ حسب تنوع أساليب التأليف وأسبابه، فمن المصنفين من يجمع أسماء شيوخه ويذكر مروياته عنهم أو نماذج منها من غير بيان لكثير من عناصر الترجمة الكثيرة، ومنهم من يتوسَّع في ذكر تلك العناصر، فيذكر كلَّ ما يتعلَّق بشيخه من بيان اسمه ونسبه وكنيته وسنة ولادته ووفاته وشيوخه والكتب التي سمعها منه ومرتبته من حيث الجرح والتعديل، وغير ذلك.
فالفوائد التي تستخرج من كتب المشيخات تتوقَّف على منهج المصنف في جمع شيوخه، ويمكن تلخيص تلك الفوائد فيما يلي:
١ ـ بقاء سلسلة الإسناد، فالمصنف الذي يذكر مشايخه في كتاب معيَّن ويورد الأحاديث والآثار عن ذلك الشيخ بإسناده إلى النَّبِيِّ ﷺ أو إلى أصحابه أو من دونهم يكون قد حفظ لنا سلسلة الإسناد، وهي من ميزات هذه الأمة.
٢ ـ أنَّ كتب المشيخات والمعاجم تُعتبر من مصادر كتب الرجال بأنواعها، من أنساب ومؤتلف ومختلف وكنى وألقاب وجرح وتعديل وغير ذلك من الفنون المتشعبة عن علم الرجال، وذلك أنَّ المصنِّف أعلم بشيوخه من غيره، وأدرى بأحوالهم وأسمائهم وكلِّ ما يتعلَّق بالشيخ من صفات خَلقية وخُلقية وغيرها، وأصحاب المشيخات كثيراً ما يعتنون ببيان كلِّ ما يتعلق بشيوخهم من حيث الأسماء والكنى والأنساب والألقاب، والولادة والوفاة، والجرح والتعديل، وغير ذلك، خاصة الكتب
стр. 54
التي وُضعت لمعرفة سير الشيوخ وأحوالهم.
وقد بيَّنت ما في كتاب السِّلفي من هذه الفوائد في مبحث منهجه في تصنيف الكتاب.
٣ ـ إنَّ كتب المشيخات تُعدُّ أيضاً وثائق هامة لمعرفة كثيراً من الأمور المتعلقة بغير الحديث وعلومه، فهي وثائق علمية لمجالات كثيرة من العلوم الإسلامية والإنسانية، فكثير من المصنفين في المعاجم يشيرون إلى الأحداث التي وقعت في زمن شيوخهم، خاصَّة إن كان الشيخ توفي في تلك الأحداث، وهذه وثائق تاريخية هامة، قد لا يجدها القارئ في مظانِّها (١).
وفي مشيخة السِّلفي معلومات كثيرة حول بغداد، من حيث المعالم الجغرافية فيها، فقد ذكر السِّلفي الأماكن والدور والمساجد والطرق والشوارع وغير ذلك من المعالم التي سمع فيها من شيوخه بالتفصيل، يبيِّن موقعها في مدينة دار السلام، وقد انفرد بذكر بعض تلك المناطق والمعالم عن سائر من ألف في معاجم البلدان فيما وقفت عليه.
وقد ذكرت تلك المواقع والمعالم في مبحث المعالم الجغرافية لمدينة بغداد المذكورة في المشيخة البغدادية.
فهذه وثائق تاريخية وجغرافية تمتاز بها كتب المشيخات عن سائر كتب الحديث.
٤ ـ تُعدُّ كتب المشيخات وثائق علمية دقيقة للسنة النبوية، فهي مصدر من مصادر السنة، ومصدر وثيق لمعرفة طرق الحديث، وتُعتبر أيضاً مصدراً لتوثيق مرويات السنة من كتبها الأصيلة، ففي الغالب يروي صاحب المشيخة تلك النصوص من كتب السنة المشهورة وغيرها.
وفي المشيخة البغدادية الكثير من تلك النصوص، حيث يصل المصنف إلى تلك
_________
(١) ذكر بعض النماذج في ذلك د. موفق بن عبد الله في كتابه: «علم الأثبات .. » (ص ٢٣٠).
стр. 55
الكتب من طريق شيوخه، وقد بيَّنت في مبحث موارده في القسم المحقق الكثير من تلك المصادر.
٥ ـ تُعتبر كتب المشيخات وثيقة هامة لتصحيح ما قد يطرأ على النسخ الخطية لكتب العلماء والمحدِّثين من أمالي وأحاديث وأجزاء وغيرها من أخطاء إسنادية ومتنية، وذلك أنَّ غالب كتب المشيخات عمدة نصوصها كتب الأوائل من مسانيد وجوامع وسنن وأجزاء حديثية وغيرها، فهي عبارة عن نسخ أخرى لهذه الكتب (١).
٦ ـ وهي أيضاً وثيقة هامة لتصحيح ما في عالم المطبوعات اليوم من كتب تختلف درجات التصحيف فيها بين كتاب وآخر بناء على قوة المحقق والناشر في قراءة النصوص الخطية، وقد ذكرت في هوامش الكتاب بعضاً مما وقع فيه المحققون والناشرون للكتب من أخطاء وتصحيفات، والأمثلة في ذلك كثيرة (٢).
٧ ـ تُعدُّ كتب المشيخات من كتب الحديث التي اعتنت بالمرويات، فهي من مصادر تخريج الحديث وتتبع الطرق لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه.
٨ ـ اشتملت كتب المشيخات على ذكر الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة والمقطوعة، والأشعار والإنشادات، وغير ذلك من أنواع المرويات، وهي إثراء للعلوم الإسلامية بشتى أنواعها؛ وفي المشيخة البغدادية العديد من تلك الفنون المتنوعة والنصوص البديعة.
٩ ـ لم يقتصر بعض المصنِّفين في المشيخات على ذكر المحدِّثين من الشيوخ فقط، بل ذكروا شيوخهم في العلوم الأخرى من فقه ونحو وغير ذلك، فكتب المشيخات من مراجع كتب التراجم بشتى أنواعها، فيُعرف من خلالها النحوي والزاهد والمحدِّث
_________
(١) انظر مثلاً النص: (٥٩، ٢١٤، ٢٢٨)، وغيرها من الأمثلة من هذه المشيخة.
(٢) انظر التعليق على النص (٢٤، ٢٥، ٢٨، ٣٧٤، ٥٢٩، ٧٨٤، ٨١٨)، وغيرها من الأمثلة.
стр. 56
والأديب والفقيه وغير ذلك، والسِّلفي في هذه المشيخة ذكر عدداً من شيوخه من مختلف الفنون والعلوم (١).
١٠ ـ تُعدُّ كتب المشيخات من أهم المصادر التي تعتني ببيان أسماء الكتب والأجزاء المسموعة، ونسبتها لمؤلفيها، فهي أسانيد لتلك الكتب والأجزاء، وهي دلائل على صحة نسبتها؛ وذلك أنَّ صاحب المشيخة يذكر إسناده إلى أصحاب الكتب والأجزاء الحديثية، بل إنَّ بعض الأجزاء والكتب هي من رواية صاحب المشيخة بإسناده المذكور، فتتفق المشيخة والجزء الحديثي في ذلك الإسناد الواحد، فبالتالي تكون دليلاً واضحاً على صحة نسبة الكتاب لمؤلفه، والسِّلفي ﵀ مِمَّن كان له اليد الطولى في رواية الأجزاء الحديثية، وكثير منها من روايته أو تخريجه، وبعضها موافق لما ذكره في مشيخته (٢).
والفوائد والعوائد في كتب المشيخات كثيرة جدًّا، وما ذكرته لا يُعدُّ أن يكون إلاَّ لمسات من تلك الفوائد للاستدلال بها على غيرها.
* * *
_________
(١) انظر: المبحث الرابع من هذا الفصل.
(٢) وقد ذكرت بعض النماذج في المبحث الخامس من هذا الفصل، موارده في القسم المحقق.
стр. 57
المبحث الثاني: إثبات اسم الكتاب، ونسبته إلى مؤلِّفه
١ ـ اسم الكتاب:
ورد اسم الكتاب في بداية الورقة الثانية منه، وهو قبل بداية الجزء الأول باسم المشيخة البغدادية، وورد كذلك في كلِّ جزء من أجزاء الكتاب.
وورد في الورقة الأولى بخط مغاير لنسخة الكتاب: المشيخة البغدادية في تاريخ المحدِّثين رحمة الله عليهم أجمعين.
وهذه التسمية صحيحة لحدٍّ ما، لكن الكتاب غير مختص بتاريخ المحدثين، والصواب ما جاء على ظهر الورقة الثانية، وفي بداية كل جزء من الكتاب.
وكذا ذكره بعض العلماء كما سيأتي.
٢ ـ نسبته للمؤلف:
أمَّا نسبة الكتاب للمؤلف فكالشمس في رابعة النهار، ولا يحتاج لذكر دلائل كثيرة عليه، فمنها:
١ ـ وجود اسم السِّلفي في بداية كل جزء من أجزائها.
٢ ـ السماعات الموجودة في آخر كلِّ جزء منها.
٣ ـ الشيوخ المذكورون من شيوخ السِّلفي، بل إنَّ بعضهم ذُكر أنَّه شيخ للسِّلفي، ولم يذكروا غير ذلك، كعبد الودود بن أحمد الهاشمي ومسدد بن محمد الجنزي (١).
٤ ـ روايته في المشيخة عن أبيه، وتصريحه باسمه (٢).
٥ ـ عزو بعض العلماء بعض النصوص لهذه المشيخة، ولا توجد عند غيره، كالنص (٧١٦) قال أحمد بن عبد الله الطبري: «خرَّجه السِّلفي في المشيخة البغدادية» (٣).
_________
(١) انظر: الشيخ (٦٧، ١٢٥) في المبحث الرابع من هذا الفصل.
(٢) انظر النص: (٦٩٤).
(٣) الرياض النضرة (١/ ٢٨٨). وانظر أيضاً: النص (٦٦٨).
стр. 58
٦ ـ رواية بعض العلماء لنصوص من هذا الكتاب من طريق السِّلفي (١).
٧ ـ نسبة العلماء للسِّلفي كتاباً باسم المشيخة البغدادية أو نحو ذلك، منهم:
ـ تلميذه علي بن المفضل المالكي (٦١١ هـ)، قال: «ومشيخته البغدادية خمسة وثلاثون جزءاً» (٢).
ـ ابن النجار البغدادي (٦٤٣ هـ)، ذكرها في ترجمة عبد الودود بن أحمد الهاشمي البغدادي، فقال: «روى عنه أبو طاهر السِّلفي في معجم شيوخه».
ـ أحمد بن عبد الله الطبري (٦٩٤ هـ)، وتقدَّم عزوه لهذه المشيخة قبل قليل، وهي من الأصول التي اعتمدها في كتابه الرياض النضرة (٣).
ـ الإمام الذهبي (٧٤٨ هـ)، حيث قال: «وعمل معجماً لشيوخ بغداد» (٤).
وهذه أدلَّة كافية لإثبات نسبة الكتاب لمصنفه.
* * *
_________
(١) انظر مثلاً النصوص: (٢٢٧، ٢٢٩، ٣٠٧، ٣٧٢)، وغيرها.
(٢) السير (٢١/ ٢١).
قلت: وعدد الأجزاء في المشيخة التي بين أيدينا موافق لما ذكره ابن المفضل.
(٣) انظر: (١/ ١٤٥).
(٤) تاريخ الإسلام (١٢/ ٥٧١)، وكذا قال السبكي في طبقات الشافعية (٦/ ٣٤).
стр. 59
المبحث الثالث: منهج المصنف في القسم المحقق من الكتاب
يختلف المؤلِّفون في طرق التأليف والتصنيف، وتتعدَّد مشاربهم ومناهجهم، ولكلٍّ طريقة يتميَّز بها عن غيره، وهذا في كلِّ فنون العلم، ومن ذلك كتب المشيخات ومعاجم الشيوخ، وبعض المصنفين في ذلك يُبيِّن منهجه الذي يسير عليه في التأليف، كالإمام الإسماعيلي في كتابه المعجم، بيَّن طريقته في جمع شيوخه، وترتيبهم على حروف المعجم؛ ليسهل على الطالب تناوله، وذكر لكلِّ واحد منهم حديثاً واحداً أو حكاية، ويُبيِّن حال مَن ذُمَّ طريقه في الحديث وغير ذلك من الفوائد (١)، وآخرون لا يبيِّنون شيئاً من ذلك، بل يكتفون بالحمد والبسملة، ثم يذكرون أسماء شيوخهم على ترتيب معيَّن أرادوه، كالطبراني في معجمه الأوسط، وابن المقرئ في معجم شيوخه، وابن الأعرابي وغيرهم.
وقد يُبيِّن منهجه لكن بشيء من الاقتضاب والاختصار، كما قال الطبراني في
مقدمة كتابه المعجم الصغير: «هذا أول كتاب فوائد مشايخي الذين كتبت عنهم بالأمصار، خرَّجت عن كلِّ واحد منهم حديثاً واحداً، وجعلت أسماءهم على حروف المعجم» (٢).
والسِّلفي ﵀ كان من الصنف الثاني، فلم يُبيِّن مغزاه من هذا التأليف، ولا طريقته التي سار عليها في جمع مادة كتابه، ولا الترتيب الذي سار عليه، ومن خلال عملي في الكتاب تبيَّن أنَّ المشيخة البغدادية هي أقرب إلى كتب الأمالي والفوائد منها إلى كتب المشيخات، وسأعرض خلال هذا المبحث أهمَّ سمات الكتاب، وطريقة ترتيبه، ومادَّته العلمية التي بثَّها السِّلفي في أثناء الكتاب، فأقول مستعينا بالله:
_________
(١) انظر: المعجم (١/ ٣٠٩).
(٢) انظر: المعجم الصغير (١/ ٢١).
стр. 60
أوَّلاً: ترتيب الكتاب:
لم يُرتِّب السِّلفي ﵀ كتابَه ترتيباً معيَّنا كما يفعل أصحاب المعاجم والمشيخات، فالكثير منهم يُرتِّب كتابه على حروف المعجم، ومنهم من يبتدئ باسم محمد أو أحمد تيمُّناً باسمه ﷺ ، كمعجمي الطبراني الأوسط والصغير، ومعجم الإسماعيلي، ومعجم السفر للسِّلفي وغيرها، ومنهم من رتَّب تأليفه على وفيات شيوخه، كأبي القاسم البغوي في كتابه: «تاريخ وفاة الشيوخ الذين أدركهم البغوي»، وابن البخاري في مشيخته، إلاَّ أنَّه قدَّم ذكر والده تبجيلاً له واعترافاً بفضله (١)، ومنهم من رتَّبهم على البلدان، كيعقوب الفسوي في مشيخته، قال السخاوي: «رتَّبهم على البلدان التي دخلها» (٢)، وغير ذلك من ألوان الترتيب.
والسِّلفي ﵀ لم يراع منهجاً معيَّنا في الترتيب، فلم يذكر شيوخه البغداديين على حروف المعجم، ولا على سنة الوفاة، ولا على أسماء الكتب التي سمعها منهم، لكنَّه ذكرهم كيفما اتفق، بل يعيد ذكر شيخ من شيوخه في مواطن كثيرة كما سيأتي، إلاَّ الشيخ الأول، قدَّم ذكره باعتبار أنَّه أولُ مَن سمع عليه عند دخوله بغداد، وهو نصر بن أحمد ابن عبد الله بن البَطِر أبو الخطَّاب البزار (٣)، وأمَّا بقيَّة الشيوخ فلم يراع ذكرهم على ترتيب معيَّن.
ثانياً: تقسيم الكتاب:
كتاب السِّلفي مجزَّء إلى خمسة وثلاثين جزءاً، وهذا التقسيم ذكره تلميذه ابن المفضل، قال: «ومشيخته البغدادية خمسة وثلاثون جزءاً» (٤).
_________
(١) انظر: مقدمة مشيخة ابن البخاري (١/ ٧٨).
(٢) الإعلان بالتوبيخ (ص ٢٣٩).
(٣) انظر: مبحث مشيخته على حروف المعجم.
(٤) انظر: السير (٢١/ ٢١)، وهذا التقسيم موافق للنسخة الخطية الكاملة الموجودة بين أيدينا.
تنبيه:
ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٦٩٦) أنَّ جملتها تزيد على مائة جزء!
وهذا خطأ، والذي ظهر لي أنَّ حاجي خليفة أخذ ذلك من كلام أحمد بن عبد الله الطبري في مقدمة كتابه الرياض النضرة (١/ ١٤٥) حيث قال معدِّداً موارده في الكتاب: «والسِّلفيات للحافظ أبي طاهر أحمد بن سِلَفة السِّلفي من انتخابه من أصول بشر المشرف الأنماطي، ومن أصول ابن الطيوري، ومشيخة البغدادية، وغيرها، وجملتها تزيد على مائة جزء».
وواضح من كلامه أنَّ الذي يزيد على مائة جزء هي السِّلفيات والطيوريات والمشيخة وغيرها من أصول السِّلفي، وقد ذكر هذا الكلام حاجي خليفة بنصه في (١/ ٥٨٧).
стр. 61
وفي كلِّ جزء أزيد من مائة نص، وبعضها أكثر من ذلك كالجزء التاسع.
يبتدئ كلُّ جزء منها بالبسملة ثم يذكر تحديث شيخه له، وينهي الأجزاء ـ غالباً ـ بفوائد علمية من آثار أو أشعار وإنشادات أو حِكم أو حكايات، كما درج عليه المصنفون في الفوائد والأمالي، وكما قال الحافظ العراقي:
واستحسن الإنشاد في الأواخر بعد الحكايات مع النوادر
ثالثاً: مادة الكتاب:
ابتدأ السِّلفي كتابه بذكر أول شيخ سمع منه ببغداد، بادر إليه لعلوِّ سنده، فذكر نماذج من المرويات عن ذلك الشيخ، وأسند عنه خمسة نصوص، من بين حديث وأثر، وهذا منهجه العام في جميع الكتاب، يذكر إخبار الشيخ له، ثم يورد عنه نماذج من مروياته، من أحاديث مسندة، أو آثار عن الصحابة وغيرهم، أو أشعار وحكايات وفوائد علمية من بيان لوفيات أو غير ذلك، وهذا جلُّ مادة الكتاب، فهو موسوعة علمية تضمَّنت نصوصاً نبوية وآثاراً سلفية وفوائد علمية وتربوية.
يبتدئ المؤلف ذلك بذكر عنوان يدلُّ على صاحب تلك النصوص التي سيوردها عن شيخه، فيُعبِّر عنها ـ في الغالب ـ بقوله: «من حديث فلان»، كقوله: «من حديث أبي بكر الشافعي»، أو «من حديث أبي محمد الخلال»، أو بقوله: «من فوائد فلان»، وهكذا.
وسيأتي في مبحث موارده ذكر العبارات التي استعملها المصنف في الكتاب، ويشير بذلك إلى أنَّ هذه النصوص من رواية ذلك المصنِّف، فيصل بالتالي عن طريق شيخه إلى
стр. 62
مصنَّف من المصنفات، وهذا في الغالب، وقد تكون تلك النصوص مجرَّد فوائد استفادها من شيخه، أو مَن دونه وإن لم تكن في مصنف من المصنفات الحديثية وغيرها.
وهذا العنوان استعمله السِّلفي كفاصل بين شيوخه، ولم يذكره في بداية الأجزاء، إلاَّ في النادر، كما في الجزء السادس، والجزء الرابع والخامس والسابع، كما في نسخة فيض الله، وقد خلت منها نسخة الأصل.
ثم بعدها يورد نماذج من المرويات عن ذلك الشيخ، ويكتفي بذكر شيخه في أول الإسناد وكذا مَن بعده إلى أن يصل إلى صاحب الحديث الذي عنون له، أو صاحب الفائدة أو الشعر، وقد يكون من شيوخه أو مَن دونهم، فلا يُعيد ذكرهم فيما تبقى من النصوص، بل يبتدئ إمَّا بصاحب الحديث أو شيخه، وهذا من حسن التأليف والتصنيف، حتى لا يُكرِّر ما ليس فيه حاجة.
وقد يكرِّرُ الحديث أو النص الواحد في أماكن مختلفة، كأن يكون سمع تلك النصوص عن شيخين أو أكثر (١).
رابعاً: ترتيب مادة الكتاب:
لم يرتِّب السِّلفي مادة الكتاب من الأحاديث والآثار والأشعار وغيرها ترتيباً معيَّنا، بل يذكر نماذج من مرويات الشيخ، ولا يراعي فيها وحدة الموضوع فيما يذكره، وغالباً ما يبتدئ بالأحاديث المرفوعة، ويذكر الآثار الموقوفة والمقطوعة، والأشعار والحكايات، وقد يتخلَّل المرفوعَ الآثارُ وغيرُها، فلذا لا يمكن الجزم أنَّ السِّلفي رتَّب مادة الكتاب ترتيباً معيَّنا، بل يذكر ذلك كيفما اتفق فيما يظهر، والله أعلم.
خامساً: عدد ما يذكر من المرويات لكلِّ شيخ من شيوخه:
اختلفت المرويات من حيث العدد بين شيخ وآخر، فأكثر من ذكر النماذج لبعض
_________
(١) انظر مثلاً النص: (١٧٠).
стр. 63
الشيوخ، وقلَّ ذلك في بعضهم، ومنهم من لم يذكر له إلاَّ نصًّا واحداً والنصين والثلاثة، وبعض شيوخه أعاد ذكرهم مرات عديدة في مواضع مختلفة من كتابه، فبالتالي أكثرَ من المرويات عنهم، كابن الطيوري، وأبي محمد السراج، وغيرهما، فلم يكن له منهج محدَّد في ذكر المرويات عن كلِّ شيخ من شيوخه (١)، وقد كان في بغداد يسمع عن الشيخ الواحد عدة مرات، كما قال: «أخبرنا الشيخ أبو البركات محمد بن عبد الله بن يحيى بن الوكيل، بقراءتي عليه في المحرَّم من سنة أربع وتسعين وأربع مئة، وبعد ذلك بقراءة غيري» (٢).
وقال: «أخبرنا أبو نصر المعمَّر بن محمد بن الحسين بن محمد بن جامع البيِّع، بقراءتي عليه في شعبان سنة أربع وتسعين وأربع مئة غير مرَّة» (٣).
وكذا قد يذكر شيخين فأكثر في موضع واحد، كأن يكون سمع منهم نفس الجزء، أو أحاديث معينة من الجزء.
كقوله: «أنا أبو المعالي أحمد وأبو البركات هبة الله ابنا محمد بن علي بن أحمد البخاري، بقراءتي عليهما، وقرأتُ على أبي البركات هبة الله على الانفراد» (٤).
وقال: «قرأت على أبي مسلم عبد الرحمن بن عمر بن ثابت السمناني الأسدي، وعلى أبي سَعْد محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر الأسدي» (٥).
وقال: «من حديث أبي مسلم الكجي مسموع من ابن الوكيل وابن النقور، مجتمعين ومفترقين» (٦).
وقوله: «أخبرنا الرئيس أبو المكارم محمد بن الحسين بن عبد العزيز بن وَهْبان، بقراءتي عليه، وأبو ياسر بن كادش، ومحفوظ الكَلْوَذَانِي، وأبو محمد بن يوسف،
وأبو نصر بن رضوان».
_________
(١) انظر: مبحث مشيخته على حروف المعجم، وذكرت هنالك ما لكلِّ شيخ من النصوص بأرقامها.
(٢) انظر: النص (١٥٠).
(٣) انظر: النص (٤١١).
(٤) انظر: النص (٩٣).
(٥) انظر: النص (١٣٥).
(٦) انظر: النص (٢٤٤، ٢٤٥).
стр. 64
ثم قال بعد أن أورد حديثين من جزء القطيعي: «سمعتُ من أبي محمد بن يوسف بقراءتي عليه جميع فوائد ابن مالك انتقاء عمر البصري، وهي خمسة أجزاء، الفوائد كلُّها سمعتُها على ابن يوسف وحده، وهذه الأحاديث من المذكورين» (١).
سادساً: عددُ نصوص الكتاب من أحاديث وآثار (القسم المحقق):
اشتملت المشيخة البغدادية على ما يقرب من ثلاثة آلاف نص، ومن خلال القسم المحقق وصلت عدَّتها إلى (١١٠٦) من النصوص؛ من حديث وأثر وحكاية وشعر وغيرها، فكان نصيب الأحاديث المرفوعة الحظ الأوفر منها؛ حيث بلغ عددها (٦٥٤) حديثاً مرفوعاً (١٣، ٥٩ %) من عدد النصوص، وبلغ عدد الآثار (٤٥٢) أثراً (٨٦، ٤٠ %)، وتقسيمها على النحو التالي:
أ ـ عدد الأحاديث، وتقسيمُها من حيث الصحة والضعف.
اختلفت درجات الأحاديث الواردة في المشيخة صحة وضعفاً، فالكثير منها صحيح ثابت، ثم يلي ذلك من حيث العددُ الأحاديث الموضوعة والواهية، ثم الضعيفة ضعفاً يسيراً، ثم الحسنة، ثم الأحاديث المعلة، وتقسيمها كالتالي.
الصحيح:
ويدخل فيه الصحيح لذاته ولغيره، وأدخلت في تعدادها الأحاديث الصحيحة المتن، لكن رواها السِّلفي بسند ضعيف أو شديد الضعف، فيكون الضعف إمَّا في شيخه أو من دونه، والحديث صحيح ثابت من طرق أخرى، ويدخل في التعداد أيضاً الأحاديث المكررة؛ وذلك أنَّ السِّلفي رواها بأسانيد مختلفة في شيخه مثلاً، وهي قليلة بالنسبة لعدد أحاديث الكتاب (٢).
_________
(١) انظر: النص (٣٧٩).
(٢) انظر مثلاً: النص (١٧، ١٤٢، ١٧٠، ٢٢٤، ٢٢٢، ٣٥٥، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٧٥، ٣٧٩، ٣٨٠، ٤٣٢، ٤٤٢، ٤٧٥، ٥١٨، ٥١٩، ٥٥٠، ٥٥٦، ٥٧٢، ٧٢٨، ٨٣٨، ٨٦٥، ٩٩٤، ٩٩٥، ١٠٣٢، ١٠٣٤، ١٠٧٦).
стр. 65
وعليه فإنَّ عدد الأحاديث الصحيحة في الكتاب بلغ (٢٩٠) حديثاً، تمثِّل بالنسبة المئوية (٣٤، ٤٤ %) من عدد الأحاديث.
الحسن:
ويدخل فيه الحسن لذاته ولغيره، وبلغ عدد ذلك (٩٣) حديثاً، (٢٢، ١٤ %) من عدد الأحاديث.
المعل:
وهي الأحاديث المختلف في وصلها وإرسالها، ووقفها ورفعها، وغير ذلك من العلل، واختلف نظر العلماء في الراجح منها، وبلغ عدد الأحاديث المعلة (٣٩) حديثاً (٩٦، ٥ %) من عدد الأحاديث.
الضعيف:
في الكتاب عدد من الأحاديث الضعيفة ضعفاً يسيراً، وفي بعضها جملٌ منها صحيحة، إلاَّ أنَّ أصل الحديث ضعيف، فأذكره ضمن الضعيف مراعاة للأصل، وعددها (١٠٧) أحاديث، (٣٦، ١٦ %) من عدد الأحاديث.
الأحاديث الموضوعة والواهية والباطلة وما يلحق ذلك من المنكرات:
وهذه الأحاديث كثيرة في الكتاب نوعاً ما، فهي تلي الصحيح من حيث العدد، ولم يبيِّن السِّلفي وضعها ولا بطلانها، إلاَّ في حديث واحد منها (١)، واكتفى بسردها بالإسناد دون بيان علَّتها، وكان الأولى بيان تلك الأحاديث الواهية والباطلة؛ لذا انتقده بعض العلماء في فعله ذلك، ذكر ابن دحية الكلبي حديث شاصونة اليمامي (٢)، ورواه من طريق السِّلفي إجازة، ثم قال: «وكان الشيخ أبو طاهر السِّلفي يروي حديث شاصونة ويَفخرُ به لعلُوِّه فيه، وكان يجب عليه شرعاً أن يُبيِّن ما يرويه من
_________
(١) انظر النص: (٧٧٦).
(٢) انظر النص: (٥٥).
стр. 66
الأحاديث الموضوعات خوفاً من الوعيد الوارد … ».
ثم ذكر تلك الأحاديث وقال: «ومعنى الحديث أن يُحدِّث بكلِّ ما سمع من الأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ فيأثم إذا حدَّث بها مع علمه بحالها ولم
يبيِّنها» (١).
قلت: ولعلَّ السِّلفي في روايته لتلك الأحاديث الموضوعة انتهج منهج مَن تقدَّمه من أهل العلم؛ كما قال الحافظ ابن حجر: «أكثرُ المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرّا إذا ساقوا الحديثَ بإسناده اعتقدوا أنَّهم برئوا من عهدته» (٢)، وإن كان الأولى البيان حتى تنتفي الشبهة ويزول اللبس، ويُعرف الموضوع من الصحيح الثابت.
وعدد الأحاديث الموضوعة والواهية والمنكرة في الكتاب وصلت إلى (١٢٥) حديثاً (١١، ١٩%) من عدد الأحاديث، أي ما يقرب من الربع.
ب ـ عدد الآثار:
وأمَّا الآثار فتشمل على الموقوفات والمقطوعات، وكذا الحكايات والأشعار وذكر الوفيات وما يلحق ذلك، وعددها (٤٥٢) أثراً (٨٦، ٤٠ %) من نصوص الكتاب.
هذا مجمل ما في الكتاب (في القسم المحقق) من عدد الأحاديث والآثار، مع بيان عدد الصحيح من الضعيف.
_________
(١) انظر: الآيات البينات (ص ٣٢٧ ـ ٣٣٠).
(٢) لسان الميزان (٣/ ٧٥).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ عادةَ المحدِّثين أنَّهم يروون جميعَ ما في الباب لأجل المعرفة بذلك، وإن كان لا يحتج من ذلك إلاَّ ببعضه، وذكر أيضاً أنَّ المحدِّث يروي ما سمعه كما سمعه والدَّرك على غيره لا عليه، وأهلُ العلم ينظرون في ذلك، وفي رجاله وإسناده. انظر: منهاج السنَّة (٧/ ٥٢، ٥٣).
стр. 67
سابعاً: العناصر الأساسية التي يذكرها السِّلفي لصياغة ترجمة شيوخه:
إنَّ أهمَّ ما يعتني به أصحاب المشيخات في صياغة تراجم شيوخهم بيان اسم الشيخ واسم أبيه وأجداده، وبيان نسبتهم ونسبهم وكناهم، وبلدانهم، وولادتهم ووفياتهم، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بذات المترجَم، ومنهم من يزيد على ذلك فيذكر درجته من حيث التوثيق والتجريح، وأهمَّ شيوخه، إلى غير ذلك.
والإمام السِّلفي ذكر عناصر أساسية في معرفة شيوخه البغداديين، تُعتبر من أهمِّ المراجع التي تعرِّفنا بأهل بغداد الذين جاؤوا بعد وفاة الخطيب، فكتابه يُعدُّ من كتب تراجم البلدان التي ذيَّلت على كتاب الخطيب البغدادي تاريخ بغداد؛ لأنَّه اختصَّ بالبغداديين.
ويمكن تلخيص عناصر الترجمة في النقاط التالية:
١ ـ ذكر الكنية:
وقدَّمت ذكر الكنية على الاسم؛ لأنَّ السِّلفي قدَّمها في ذكر شيوخه على ذكر أسمائهم، وهو منهج سار عليه بعض المصنفين في معاجم الشيوخ في سرد تراجم شيوخهم، ولو كان الكتاب مرتَّباً على حروف المعجم، كالتحبير والمنتخب من معجم شيوخ السمعاني، وكذا معجم شيوخ الإسماعيلي، ولو خالف المصنف ذلك في بعض التراجم فإنَّه يكون لسبب ما، كأن يكون المترجَم له لا كنية له، أو اشتهر بالاسم أكثر من الكنية، أو تعدَّدت كناه.
ومن أمثلة استهلال المصنف بالكنية ـ وهو غالب على كتابه ـ قوله: «أخبرنا
أبو بكر أحمد بن علي الحلواني» (١).
وقوله: «أخبرنا أبو الكرم هبة الله بن محمد بن أحمد الرقاقي» (٢).
_________
(١) انظر: النص (٩).
(٢) انظر: النص (١٢).
стр. 68
ومن أمثلة عدم ابتدائه بالكنية لمعنى من المعاني:
قوله: «أخبرنا فضائل بن جوهر بن علي بن ملاحظ الشيَّال الدَّلال … وسألته عن كنيته فقال: هو اسمي وكنيتي» (١).
وقوله: «أخبرنا القاسم بن طاهر المعقلي، وسألتُه عن كُنيته فقال: القاسم هو اسمي وكنيتي» (٢).
وقوله: «أخبرنا منصور بن المؤمل بن عبد الله بن أبي السباع الغزال الضرير … وسألته كنيته، فقال: أنا منصور هو اسمي وكُنيتي» (٣).
وفي هذا كلِّه إشارة إلى نوع من علوم المصطلح، وهو من وافقت كنيته اسمَه.
٢ ـ ذكر اسم الشيخ واسم أبيه وأجدداه.
كقوله: «أنا أبو الخطَّاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البَطِر القارئ» (٤).
وقوله: «أخبرنا الشيخ أبو الخير المبارك بن الحسين بن أحمد بن صالح الغسَّال المقرئ سبط الخواص الزاهد» (٥).
وقد يزيد فيذكر أجداده إلى أعلى نسب، خاصة إن كان من الأشراف.
كقوله: «أخبرنا الشريف أبو العِز محمد بن المختار بن محمد بن عبد الواحد بن
عبد الله بن المؤيَّد بن المتوكِّل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵄) (٦).
وقوله: «أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن محمد بن جعفر
_________
(١) انظر النص (٣٠١).
(٢) انظر النص (٣٤٨).
(٣) انظر النص (٣٦٥).
(٤) انظر النص (١).
(٥) انظر النص (٢١).
(٦) انظر النص (٤٠٩).
стр. 69
ابن غالب بن أحمد بن قريش بن جرير بن عبد الله البجلي المعروف بابن نظيف المقرئ» (١).
٣ ـ ذكر النسبة:
تختلف نسبة الشيوخ من شيخ لآخر، فقد ذكر بعضهم منسوباً إلى قبيلته، وآخرين إلى بلدانهم، وبعضهم إلى حرفهم، أو مذهبهم الفقهي أو العقدي، وقد يجمع بين بعض النسب؛ لزيادة بيان وتوضيح.
كقوله: «أخبرني أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد بن علي بن عبد الله بن يُمن الأوسي الأنصاري القصَّار» (٢).
وقوله: «أخبرنا أبو نصر المعمَّر بن محمد بن الحسين بن محمد بن جامع البيِّع الشافعي» (٣).
وقوله: «سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن علي بن الحُسين بن زكريا الصوفي» (٤).
وقوله: «أخبرنا أبو عبد الله تَمَرْتَاش بن بَخْتَكين بن عبد الله المُظافري التركي المجلّد» (٥).
٤ ـ ذكر الألقاب:
حرص السِّلفي على بيان بعض ألقاب شيوخه التي بها يُعرفون، وهو علم له أهمية في معرفة الرواة، وأمن اللبس من ظنِّ الواحد اثنين، وهذه الألقاب تختلف من شخص لآخر، فتكون تارة كألفاظ الأسماء، وتارة تنسب إلى الصنائع والحرف، وهكذا، وقد يذكر اللقب أو النسبة التي يُعرف بها شيخه، فيقول: «المعروف أو يُعرف بكذا».
كقول السِّلفي: «أخبرنا أبو طالب أحمد بن الحسين بن محمد بن إبراهيم الخبَّاز،
_________
(١) انظر النص (٣٥٤).
(٢) انظر النص (٣٤١).
(٣) انظر النص (٣٨٣).
(٤) انظر النص (٣١٤).
(٥) انظر النص (٢٦٥).
стр. 70
يُعرف بابن البَصري» (١).
وقوله: «أخبرنا أبو البركات أحمد بن محمد بن عمر المُركزي المُعلِّم، بقراءتي عليه وهو يُعرف ببَرَكة السَّقلاطوني» (٢).
وقوله: «أخبرنا الشريف أبو منصور أحمد بن أبي الفوارس عبد الله بن محمد بن علي بن الفضل بن محمد بن إسماعيل بن عيسى بن موسى الهاشمي العبَّاسي الموسوي، المعروف بابن الدَّبَخ الكوفي» (٣).
وقوله: «أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن علي يُعرف ببَغراج» (٤).
وقوله: «أخبرنا أحمد بن عبد الواحد بن محمد الدَّبَّاس أبو سَعد السقلاطوني يُعرف بابن الحريري» (٥).
٥ ـ ذكر المكانة الاجتماعية أو العلمية للشيخ:
إنَّ ذكر المكانة الاجتماعية أو العلمية للشيخ تزيد في معرفة المترجَم له، خاصة إن لم يكن هنالك أقوال في جرحه أو تعديله، فمكانته الاجتماعية أو العلمية تعطينا تصوُّراً
ـ ولو ضئيلاً ـ عن مرتبة هذا الشيخ، فلذا اعتنى السِّلفي في بيان مكانة شيوخه، فذكر من كان منهم من الأشراف والرؤساء والأجلاء، بل كان يبتدئ تراجمهم بقوله:
«أخبرنا الشريف فلان»، «أو الرئيس فلان»، وكذا بيان مكانتهم العلمية، فذكر من كان إماماً في مذهبه، وذكر القراء، والنحاة، والخطباء، وغيرهم.
وأمثلة ذلك قوله: «أخبرنا الشريف أبو علي محمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عُبيد الله بن المهدي» (٦).
_________
(١) انظر النص (١٦٠).
(٢) انظر النص (٣٥٢).
(٣) انظر النص (٤٧٣).
(٤) انظر النص (٣٩٤).
(٥) انظر النص (٦١٣).
(٦) انظر النص (٦).
стр. 71
وقوله: «أخبرنا الشريف أبو الغنائم محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن المهتدي بالله خطيب جامع المنصور» (١).
وقوله: «حدَّثنا الشريف أبو الكرم علي بن عبد الوهاب بن موسى الهاشمي، خطيب جامع الرُّصافة» (٢).
وقوله: «أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله البزاز الحنبلي الفقيه المعدِّل … وهو إمام من فقهاء الحنابلة يُعرف بابن صهر هبة» (٣).
وقوله: «أخبرنا الشيخ الإمام أبو منصور محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزاق المقرئ المعروف بالخياط» (٤).
وقوله: «أخبرنا الرئيس أبو القاسم علي بن أحمد بن بيان الرزاز» (٥).
وقوله: «أخبرنا الأجل السيِّد مُعين الملك أبو منصور عبَّاد بن الحسين بن غانم الأصبهاني» (٦).
٦ ـ ذكر تاريخ ولادة الشيخ ووفاته:
من العناصر الأساسية التي يعتني بها المؤلف في معجم شيوخه بيان سنة ولادة شيخه وسنة وفاته، وذلك أنَّ الكثير من المحدِّثين لهم عناية بعلم وفيات الشيوخ وولادتهم، به يمكن معرفة السماع واللقاء، والجامع لمعجم شيوخه كثيراً ما يسألهم عن سنة ولادتهم، فهو بهم أعلم وألصق، وإن حضر وفاتهم ذكرها في كتابه، وقد ذكر
_________
(١) انظر النص (٧٧).
(٢) انظر النص (٣١١).
(٣) انظر النص (٣١١).
(٤) انظر النص (١٦٣).
(٥) انظر النص (١٥٥).
(٦) انظر: النص (٦١٥).
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، ويمكن الرجوع إلى مبحث شيوخه، فيُنظر في مكانة شيوخه الاجتماعية والعلمية.
стр. 72
السِّلفي جملة من النصوص فيها بيان مولد شيوخه، إلاَّ أنَّ ذلك لم يكن متَّبعاً في كلِّ ترجمة من تراجم الكتاب، بل كان لبعضهم وهو قليل بالنسبة لعدد شيوخه.
كقوله: «أخبرني أبو الحسن علي بن رافع بن المحسن الرفاء … وذكر أَنَّ مولدَه سنة اثنتين وعشرين وأربعمئة» (١).
وقوله: «أخبرني أبو غالب محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الآبنوسي الصيرفي … ومولده قال: سنة ثمان عشرة وأربع مئة فيما سألته» (٢).
وقوله: «أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي طالب محمد بن علي بن عُبيد الله الهمذاني المؤدِّب … وذكر أنَّ مولدَه سنة خمس وثلاثين» (٣).
وأمَّا الوفاة، فلم يذكرها في ترجمة كلِّ شيخ، بل ذكرها في مواضع يسيرة بالنسبة لعدد شيوخه، ولعل السبب في ذلك أنَّه خرج من بغداد قبل وفاة الكثير منهم، فلذا لم يذكر وفاتهم، ووقفت على مواضع يسيرة ذكر فيها وفاة شيوخه؛ بعضها في أول الإسناد، وبعضها في آخر ترجمة الشيخ، بعد سرد نماذج من مروياته.
كقوله: «أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن أبي عمر أحمد بن عمر بن الخل البزاز … وتوفي ﵀ بالجانب الغربي في أواخر جمادى الآخرة سنة ستٍّ وتسعين» (٤).
وقال أيضاً: «أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن محمد بن جعفر بن غالب بن أحمد بن قريش بن جرير بن عبد الله البجلي المعروف بابن نظيف المقرئ … وتوفي سنة أربع وتسعين في شعبان» (٥).
وأمَّا التي في آخر الترجمة بعد ذكر النماذج، كقوله: «وسمعت الشيخ أبا منصور
_________
(١) انظر: النص (٣١٢).
(٢) انظر: النص (٤٢٠).
(٣) انظر: النص (٤٢٣)، وانظر أيضاً النصوص: (٣٩٧، ٤٣١، ٦١١، ٦٨٩، ٧٢٥، ١١٠٦).
(٤) انظر: النص (٢٣٣).
(٥) انظر: النص (٣٥٤)، وانظر أيضاً: (٢٤٢، ٢٩٨، ٣٥٤، ٥٨٧).
стр. 73
يقول: وُلدتُ في سنة إحدى وأربعمئة. وتوفي في مُحرَّم سنة تسع وتسعين» (١).
وأشار في موضع واحد عن حالة شيخه الصحية، فقال: «أخبرنا الشيخ الإمام
أبو طاهر مُسدَّد بن محمد بن عَلَكان الجَنْزي، بقراءتي عليه ـ وكان مَريضاً ـ في جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين» (٢).
٧ ـ ذكر عنصر الجرح والتعديل في ترجمة الشيخ:
وهو من أهمِّ العناصر التي تُستفاد من كتب المعاجم والمشيخات؛ وذلك أنَّ الجامع لسيرة شيوخه ومروياتهم أعلم بهم من غيره؛ لملازمته لهم، وسماعه من أفواههم، وحضور مجالسهم، وقد استفاد المؤلِّفون في الجرح والتعديل من كتب المشيخات والمعاجم، بل إنَّ بعض كتب المشيخات اقتصرت على الشيوخ الثقات فقط، ككتاب أحاديث الشيوخ الثقات أو المشيخة الكبرى، لأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، ومن المصنفين من التزم بيان مرتبة الشيخ من حيث العدالة وعدمها، كالسمعاني في كتابه المنتخب من معجم شيوخه، ويقول الإسماعيلي في مقدمة معجمه: «وأبيِّن حال مَن ذممتُ طريقه في الحديث، بظهور كذبه فيه، أو اتهامه به، أو خروجه عن جملة أهل الحديث، للجهل به والذهاب عنه … » (٣).
والسِّلفي ﵀ لم يتَّبع منهج بيان مراتب شيوخه في هذا المصنف، وهي فائدة عزيزة لمن جاء بعده فاته التنبيه عليها، خاصَّة أنَّ المصنفات التي ذيَّلت على تاريخ بغداد في معرفة الرواة البغاددة قليلة والموجود منها ناقص، فلو أنَّ السِّلفي ذكر مراتب شيوخه من حيث العدالة وعدمها لترك لنا علماً جمًّا في الجرح والتعديل، خاصة أنَّ بعض شيوخه لم أقف لهم على ترجمة إلاَّ عنده، ولم يذكرهم أحد ممن صنَّف في علم الرجال عامة أو الجرح والتعديل خاصة، ثمَّ إنَّ في شيوخه الثقة والضعيف والمتهم.
_________
(١) انظر: النص (١٦٨).
(٢) انظر: النص (٣٤٤).
(٣) المعجم (١/ ٣٠٩).
стр. 74
ومع ذلك فقد ذكر بعض شيوخه بصفات قد تنبئ عن المكانة العلمية التي يتبوَّؤها هذا الشيخ، ووثَّق بعضَهم بصريح اللفظ وهم أقل من القليل بالنسبة لعدد شيوخه المذكورين، ومن أمثلة ذلك:
قوله: «أخبرنا أبو الغنائم أحمد بن محمد بن أحمد المؤدِّب البغدادي بها، كان يسكن المأمونية، ويطلب معنا الحديثَ، ثقة» (١).
وقوله: «أخبرنا الأجلُّ أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن يوسف وكان ثقة ثقة ثقة» (٢).
ولم أقف على توثيق آخر لشيخ من شيوخه (في القسم المحقق) إلاَّ لهذين الشيخين، إلاَّ أنَّه كما قدَّمت ذكر بعض شيوخه بصفات جليلة لا تُطلق إلاَّ لصاحب عدالة، وهي تساعد على معرفة مرتبة ذلك الراوي، ومن أمثلة ذلك قوله:
«أخبرني الشيخ الإمام المقرئ أبو طاهر أحمد بن علي بن عُبيد الله بن سِوَار
الدقَّاق» (٣).
وقوله: «أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله البزاز الحنبلي الفقيه المعدِّل … وهو إمام من فقهاء الحنابلة يُعرف بابن صهر هبة» (٤).
وقوله: «أخبرنا الشيخ الأجل أبو محمد الحسن بن عبد الملك بن محمد بن
يوسف» (٥).
وغير ذلك من النصوص.
_________
(١) انظر: النص (١٠٦).
(٢) انظر: النص (١٠٣٢).
(٣) انظر: النص (٥٠٠).
(٤) انظر: النص (٤٠١).
(٥) انظر: النص (٢٨٩).
стр. 75
ثامناً:: منهجه في التحمل وما يلحق ذلك:
اقتصر الحافظ السِّلفي في مشيخته البغدادية أن يذكر الشيوخ الذين أخذ عنهم مشافهة، ولم يذكر الذين أخذ عنهم بالإجازة دون السماع (١)، وهؤلاء قد صنَّف لهم مشيخة سمَّاها «الوجيز في ذكر المُجاز والمجيز»، ذكر منهم شيوخه ببغداد بالإجازة، وأمَّا المشيخة البغدادية فهم شيوخه بالسماع فقط، لذا يذكر صيغ التحمل المفيدة للسماع، كقوله: (أخبرنا)، أو (سمعت)، أو (أنشدنا)، وهكذا.
وكان كثيراً ما يقرأ على الشيخ الأصول التي سمعها منه، ومن أمثلة ذلك:
قوله: «أنا أبو الخطَّاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البَطِر القارئ ببغداد، بقراءتي عليه فِي صفر سنة أربع وتسعين، وسَمعت منه قبل ذلك بقراءتي عليه يوم وصلتُ بغداد فِي شوال سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة» (٢).
وقوله: «أنا أبو المعالي أحمد وأبو البركات هبة الله ابنا محمد بن علي بن أحمد البخاري، بقراءتي عليهما، وقرأتُ على أبي البركات هبة الله على الانفراد فِي صفر سنة أربع وتسعين وأربعمئة» (٣).
وقوله: «قرأتُ على الشيخ أبي الغنائم محمد بن عبد الواحد بن علي الأزرق الشَّهْرَسْتَانِي».
وقوله: «أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الموازيني، قرأت عليه من أصل سماعه» (٤).
وقوله: «أخبرني الشيخ الإمام المقرئ أبو طاهر أحمد بن علي بن عُبيد الله بن سِوَار
_________
(١) ويُستثنى من ذلك شيخ واحد، لم يسمع منه مشافهة بل أخذ عنه إجازة، وكان قد روى عنه بواسطة أبيه في أصبهان، وهو علي بن الحسين بن علي بن أيوب أبو الحسن البزاز المراتبي، وقد روى عنه النصوص (٦٩٤ ـ ٦٩٩)، رواها عنه بالإجازة.
(٢) انظر: النص (١).
(٣) انظر: النص (٩٣).
(٤) انظر: النص (٣٩٩).
следующие страницы →