← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1401–1425 · переход к 1406.

стр. 1401

بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا، وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللّاهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ، وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يَحْلِفَ، وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ) [رواه مالك]. رابعاً: صِفَةُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ: أ - من حَلَفَ على فِعْل نَفْسِه، أو فِعْلِ غيره، أو حَلَف على دَعْوَى عليه في الإثْبَاتِ، حَلَفَ على البتِّ. أي: القَطْعُ والجَزْم؛ لما رُوِيَ عن ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عِنْدَ رَجُلٍ حَقًّا، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ البَيِّنَةَ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي بَيِّنَةٌ. فَقَالَ لِلآخَرِ: احْلِفْ، فَحَلَفَ فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَلْ هُوَ عِنْدَكَ، ادْفَعْ إِلَيْهِ حَقَّهُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : شَهَادَتُكَ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَفَّارَةٌ لِيَمِينِكِ) [رواه الحاكم]. - مثال الحَلِفِ على فِعْلِ نَفْسِه: أنْ يدَّعِيَ إنسانٌ على شخصٍ أنَّه غَصَبَهُ أَرْضَهُ، فيُنكِرُ المُدَّعَى عليه ذلك، فيطلُبُ المدَّعِي يَمينَ المُدَّعَى عليه، حَلَفَ المُدَّعَى عليه على البتِّ قائلاً: «والله ما غَصَبْتُه تلك الأرض». - ومثال الحَلِفِ على فِعْلِ غَيْرِه: أن يدَّعِيَ عليه شخصٌ أنَّه اشترى منه سيَّارةً، فيُنكِرُ المُدَّعَى عليه، ويقيم المُدَّعِي شاهِداً بدعواه، وأراد الحَلِفَ معه، حَلَفَ المُدَّعِي على البتِّ قائلًا: «والله اشترى منِّي هذه السيارة».

стр. 1402

- ومثال الحَلِفِ على دَعْوَى عليه في الإثْباتِ: أن يدَّعِيَ شخصُ على آخرَ دَيْناً بسبب قَرْضٍ، وأقام به شاهداً، وأراد الحَلِفَ معه، حَلَفَ على البتِّ قائلًا: «والله لي عليه دَيْنٌ بسبب قَرْضٍ». ب- من حَلَفَ على نَفْي فِعْل غيره، أو حَلَف على نَفْي دَعْوَى على غَيْرِه، حَلَفَ على نَفْي العِلْم؛ لما رَوَى الأشْعَثُ بن قَيْسٍ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ فِي يَدِهِ. قَالَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ، وَاللهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ. فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ -يَعْنِي لِلْيَمِينِ-) [رواه أحمد وأبو داود]. فأقرَّه النبيُّ ﷺ على ذلك ولم ينكر عليه. ولأنَّه لا يمكنه الإحاطة بفعل غيره، بخلاف فعل نفسه، فتكليفه اليمين على البت حملٌ له على اليمين على ما لا يعلمه. - مثال الحَلِفِ على نَفْي فِعْلِ غَيْرِه: أن يدَّعِيَ إنسانٌ على آخرَ أنَّ أباه غَصَبَه داراً، فأنْكَر، ولا بيِّنة، فيَحْلِفُ على نفي العلم قائلًا: «والله لا أعلمُ أنَّ أبي غَصَبَهُ داراً». - ومثال الحَلِفِ على نَفْي دَعْوَى على غَيْرِه: أن يدَّعِيَ إنسانٌ دَيْناً على مُوَرِّثِ إنسانٍ آخرَ، فأنْكَرَ، ولا بَيِّنةَ، فإنَّه يَحْلِفُ على نفي العلم قائلًا: «والله لا أَعْلَمُ أنَّ له على مُوَرِّثي دَيْناً».

стр. 1403

ج- مَنْ أقامَ شاهِداً بما ادَّعاهُ ممَّا يُقْبَل فيه شاهِدٌ ويَمينٌ، حَلَفَ مع الشاهِدِ على البَتِّ، ويَجِبُ تَقْديمُ الشاهِدِ على اليَمِين. د - مَنْ تَوَجَّه عليه حَلِفٌ لجماعَةٍ، ادَّعوا عليه دَيْناً، أو نحو ذلك، فإنَّه يَحْلِفُ لكُلِّ واحدٍ يَميناً؛ لأنَّ لكُلِّ واحدٍ منهم حقًّا غير حقِّ الآخر. فإذا رَضُوا كُلُّهم بيَمينٍ واحدةٍ فيُكْتَفَى بها؛ لأنَّ الحقَّ لهم، وقد رَضُوا بإسقاطه، فَسَقَطَ. خامساً: تَغْليظُ اليَمينِ: أ - اليَمينُ المشروعةُ: هي اليَمينُ بالله وحدهُ؛ لقول الله ﵎: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقوله جلَّ شأنه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]. وعن سالمٍ مولى ابن عمرَ ﵄: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِ مِئَةٍ دِرْهم، قَالَ: فَوَجَدَ بِهِ المُشْتَرِي عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إلَى عُثْمَانَ، فَسَأَلَهُ عُثْمَانُ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ: تَحْلِفُ بِاَللّاهِ: لَقَدْ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ مِنْ عَيْبٍ تَعْلَمُهُ؟ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ: تَحْلِفُ بِاَللّاهِ: لَقَدْ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ مِنْ عَيْبٍ تَعْلَمُهُ) [رواه ابن أبي شيبة]. ب- للحاكِمِ تَغْليظُ اليَمينِ فيما له خَطَرٌ وأهمِّيَّةٌ كُبْرى؛ كجنايةٍ لا تُوجِبُ قَوَداً، وعِتْقٍ، ومالٍ كثيرٍ قَدْر نِصابِ الزكاةِ؛ لأنَّ التغليظ للتأكيد، وما لا خطر فيه لا يحتاج إلى تأكيد.

стр. 1404

وتغليظُ اليمين قد يكون باللَّفظ، أو الزَّمان، أو المكان. فتغليظُها باللَّفظ: كأن يحْلِفُ قائلاً نحو: «والله الذي لا إله إلَّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الذي يعلمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدورُ». - وإن كان الحالِفُ يهودِيًّا: غُلِّظَ عليه بلفظ: «والله الذي أنزلَ التوراة على موسى، وفَلَقَ له البحرَ، وأنْجاهُ من فرعونَ ومَلَئه»؛ لحديث البَراء بن عازِبٍ ﵁ قال: (مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ) [رواه مسلم]. - وإن كان الحالِفُ نَصْرانيًّا: غُلِّظ عليه بلفظ: «والله الذي أنزلَ الإنْجيلَ على عيسى، وجَعَلَهُ يُحيي المَوْتَى، ويُبْرئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ»؛ لأنَّه لفظٌ تتأكَّد به يَمينُهُ. - وإن كان الحالِفُ مَجوسِيًّا أو وَثَنِيًّا: غُلِّظ عليه بلفظ: «والله الذي خَلَقَني، وصَوَّرَني، ورَزَقَني»؛ لأنَّه يُعظِّم خالِقَهُ، ورازِقَهُ، فأشبه كلمة التوحيد عند المسلم. - وإن كان الحالِفُ صابِئاً، أو يَعْبُدُ غير الله تعالى: حَلَفَ بالله تعالى؛ لحديث

стр. 1405

عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) [رواه البخاري ومسلم]. وأمَّا تغليظ اليَمينِ بالزَّمان: مثل أن يَحْلِفَ بعد العَصْر؛ لقول الله تبارك تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، قال ابن عبَّاس ﵄: «يعني بعد العصر»، وهو قول سعيد بن جُبَيْر، وإبراهيم النَّخَعي، وقَتادة، وعِكْرِمَة وابن سِيرين. أو يَحْلِفَ بين الأذان والإقامة؛ لأنَّه وقتٌ تُرجَى فيه إجابةُ الدُّعاء، فتُرجَى فيه معاجلة الكاذب بالعقوبة؛ فعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي]. وأمَّا تغليظ اليَمينِ بالمَكانِ: مثل أن يحْلِفَ بمكَّةَ بين الرُّكن والمَقامِ؛ لما له من زيادةٍ على غيره في الفَضيلَةِ؛ فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ الرُّكْنَ، وَالمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ، طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ) [رواه أحمد، والترمذي]. أو يحْلِفَ عند المِنْبَرِ في المساجد؛ لحديث جابر بن عبد الله الأنصاريِّ ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) [رواه مالك]. فقِيسَ عليه باقي منابر المساجد.

стр. 1406

ج- إذا أَبَى الحالِفُ تغليظَ اليَمينِ، فقال: ما أَحْلِفُ إلَّا بالله، لم يكنْ ناكِلًا عن اليَمينِ؛ لأنَّه قد بَذَلَ الواجبَ عليه، فوَجَبَ الاكتفاء به، ويَحرُمُ التعرُّضُ له. د - إن رأى الحاكِمُ تَرْكَ التَّغْليظِ في اليَمينِ، فتَرَكَهُ، كان مُصِيباً؛ لموافقته مُطْلَقَ النَّصِّ.

стр. 1407

كتاب الإقرار أوَّلًا: تعريفُ الإِقْرار: الإقرار لغةً: الاعترافُ بالحَقِّ. مأخوذٌ من المَقَرِّ، وهو المكان؛ كأنَّ المُقِرَّ جَعَلَ الحقَّ في مَوضِعِه. واصطلاحاً: إظهارُ مُكلَّفٍ مُختارٍ ما عليه من الحَقِّ، أو ما على موكِّله، أو مُوَلِّيه، ممَّا يُمكن إنشاؤه لهما، أو ما على مورِّثه بما يُمكن صِدْقُه. ثانياً: حُكمُ الإِقْرار: الإقْرارُ ثابت بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع. - فأمَّا الكتاب: فقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]. - ومن السُّنَّة: حديث بُرَيْدَة ﵁ في رَجْم ماعِزٍ والغامِدِيَّة بإقرارهما. [رواه مسلم]. - وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «فإنَّ الأئمَّة أجمعت على صحَّة الإقرار». ثالثاً: شُروطُ صِحَّة الإِقْرارِ: يشترط لصحَّة الإقرار ما يلي:

стр. 1408

أ - التَّكليف؛ فلا يصحُّ الإقرار من صغيرٍ، ولا مجنونٍ؛ لحديث عليٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه]. ولأنَّه قولٌ ممَّن لا يصحُّ تَصُرُّفه، فلم يصحَّ؛ كفعله. إلَّا إذا كان الصغير مأذوناً له في البيع والشِّراء؛ فيصحُّ إقراره في حدود ما أُذِنَ له فيه، كالحُرِّ البالغ؛ لأنَّه لا حَجْر عليه فيما أُذِنَ له فيه. ولأنَّه يصحُّ تَصرُّفه فيه؛ فصَحَّ إقراره به. ب- الاختيار؛ فلا يصحُّ الإقرار من مُكْرَهٍ عليه؛ لمفهوم قول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن ماجه]. إلَّا إذا أقرَّ بغير ما أُكْرِهَ عليه؛ فيصحُّ؛ كما لو أُكْرِهَ على أن يُقِرَّ لزيدٍ فأقرَّ لعَمْرٍو، أو أُكْرِه على الإقرار بطلاق امرأةٍ، فأقرَّ بطلاق غيرها، أو أُكره على الإقرار بدنانير، فأقرَّ بدراهم؛ لأنَّه أقرَّ بغير ما أُكره عليه؛ فصحَّ؛ كما لو أقرَّ به ابتداءً. ج- أن يكون الإقرار باللَّفظ أو الكتابة؛ فلا يصحُّ بالإشارة؛ للقُدْرَة على الإقرار باللِّسان. إلَّا من الأخرس بإشارةٍ معلومةٍ؛ لقيامها مقام نُطْقِه. رابعاً: إِقْرارُ المَريضِ: - يصحُّ إقرار المريض -ولو كان في مَرَض الموت المَخُوفِ- بمالٍ لغير وارثٍ إجماعاً؛ لأنَّه غير متَّهمٍ في حقَّه. ويكونُ المقَرُّ به للأجنبي من رأسِ مال المقِرِّ؛ كما لو أقرَّ له به في حال صحَّته.

стр. 1409

- ويصحُّ إقراره أيضاً بأَخْذِ دَيْنٍ من غير وارثٍ؛ لأنَّه غير مُتَّهمٍ في حقَّه أيضاً، ولأنَّ حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه، وتَحرِّي الصِّدق؛ فكان أَوْلَى بالقبول، بخلاف ما لو أقرَّ بمالٍ لوارثٍ؛ فإنَّه لا يُقبَل منه إلَّا ببيِّنة، أو إجازةِ باقي الورثة؛ لأنَّه مُتَّهمٌ فيه. ولأنَّه إيصالٌ لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته، فلم يصحَّ بغير رِضَى بقيَّة الورثة؛ كهِبَتِه. لكن يلزمه الإقرار إن كان حقًّا، وإن لم يُقبَل. - ويعتبر كون المقَرِّ له وارثاً أو غير وارثٍ حال الإقرار لا حال الموت؛ لأنَّه قولٌ تُعتبر فيه التُّهمة، فاعتُبِرَت حالة وجوده؛ كالشَّهادة. فلو أقرَّ بمالٍ لوارثٍ حال إقراره، فصار عند الموت غير وارثٍ؛ كما لو أقرَّ لأخيه بشيءٍ، ثمَّ وُلِدَ له ابنٌ، لم يلزم إقراره لأخيه. وإن أقرَّ بمالٍ لغير وارثٍ حال الإقرار، فصار عند الموت وارثاً؛ كما لو أقرَّ لأخيه مع وجود ابنه، ثمَّ مات الابن قبل أبيه المقِرِّ؛ لزمه الإقرار؛ لوقوع الإقرار من أهله خالياً من التُّهمة، ولم يُوجد ما يُسقطه. - إذا كَذَّب المُقَرُّ له المقِرَّ بَطَلَ الإقرار؛ لأنَّه أَقَرَّ لمن لم يُصَدِّقه. وكان للمُقِرِّ أن يتصرَّف فيما أَقَرَّ به بما شاء؛ لأنَّه مالٌ بيده لا يَدَّعيه غيره؛ أشبه اللُّقطة. خامساً: الإِقْرارُ لغَيْر آدميٍّ وَلِمَنْ لَا يَمْلِك: - يصحُّ الإقرارُ للمسجد، أو المقبرة، أو الطريق، ونحو ذلك، سواء عَيَّن سبباً لذلك؛ بأن قال -مثلاً-: «عليَّ كذا لهذا المسجد من غلَّة وَقْفِه، أو وَصِيَّةً»،

стр. 1410

ونحو ذلك، أو لم يعيِّن سبباً؛ لأنَّ ذلك إقرارٌ ممَّن يصِحُّ إقرارُه؛ فلَزِمَه؛ كما لو عيَّن السبب، ويُصرَفُ المقرُّ به في مصلحة المسجد أو المقبرة. ولا يصحُّ الإقرار بشيءٍ لدارٍ ونحوها إلَّا مع بيان السبب؛ من غَصْبٍ، أو إجارةٍ، ونحوهما؛ لأنَّ الدار لا تجري عليها صدقةٌ في الغالب، بخلاف المسجد ونحوه. وكذا لا يصحُّ الإقرار بشيءٍ لبهيمةٍ؛ لأنَّها لا تملك، وليس لها أهليَّة المِلْك. إلَّا إن قال: «عليَّ كذا بسبب هذه البهيمة»، فيصحُّ. سادساً: الإِقْرَارُ لِلْحَمْل: ويصحُّ الإقرار بمالٍ لحَمْل آدميَّةٍ، وإن لم يَعْزُهُ إلى سببٍ؛ لأنَّ الحَمْل يجوز أن يَملِك بوجهٍ صحيحِ؛ فصحَّ له الإِقرار المُطْلَق، كالطِّفل. فإنْ وُلِدَ مَيْتاً، أو لم يكن ببطنها حَمْلٌ؛ بطل الإقرار؛ لأنَّه إقرارٌ لمن لا يصحُّ أن يملك. وإن وَلَدَت حيًّا ومَيْتاً فجميع المُقَرِّ به للحيِّ؛ لفوات شَرْطِه في الميِّت. وإن وَلَدَت حَيَّيْن؛ فالمُقَرُّ به لهما بالسَّويَّة ولو كانا ذَكَراً وأُنثى؛ كما لو أَقَرَّ لرَجُلٍ وامرأةٍ بمالٍ؛ لعدم المَزِيَّة. إلَّا إذا عَزَا الإقرار إلى سببٍ يُوجِبُ التفاضل بينهما؛ كالإرث مثلاً؛ فيُعمَل به؛ لاستناد الإقرار إلى سببٍ صحيحٍ. سابعاً: الإِقْرَارُ بِالزَّوْجِيَّة: وإن أَقَرَّ رَجُلٌ بزوجيَّة امرأةٍ فسكتت، أو أَقَرَّت امرأةٌ بزوجيَّة رَجُلٍ

стр. 1411

فسكت؛ صحَّ الإقرار، ووَرِث كلٌّ منهما الآخر بالزوجيَّة؛ لقيامها بينهما بالإقرار. - وكذا لو أَقَرَّ أحدُهما بزوجيَّة الآخر فجَحَدَه، ثمَّ صَدَّقه؛ صحَّ الإقرار أيضاً، ووَرِثَه؛ لحصول الإقرار والتَّصديق. ولا أثر لجَحْدِه قبل إقراره؛ كالمدَّعَى عليه يَجْحَدُ، ثمَّ يُقرُّ بالحقِّ. بخلاف ما لو بقي الجاحد على جحوده حتَّى مات المقِرُّ؛ فلا يَرِثُه حينئذٍ؛ لأنَّه متَّهمٌ في تصديقه بعد موته.

стр. 1412

باب ما يَحْصُل به الإقرار من الألفاظ وما يُغَيِّره - من ادُّعي عليه بألفٍ مثلًا، فقال في جوابه: «نعم»، أو «أَجَل»، أو «صَدَقْتَ»، أو «أنا مقرٌّ»، أو «أنا مقرٌّ به»، أو «إنِّي مُقِرٌّ بدعواك» فقد أَقَرَّ؛ لأنَّ هذه الألفاظ تَدَلُّ على تصديق المدَّعِي. وكذا لو ادُّعِيَ عليه بألْفٍ مثلًا؛ فقال: «خُذْها»، أو «اقْبِضْها»، أو «احْرِزْهَا»، أو: «كأنِّي جاحِدٌ لك؟» أو «كأنِّي جَحَدْتُك حقَّك؟» فقد أقرَّ؛ لانصراف ذلك إلى الدَّعْوَى؛ لوقوعه عَقِبها، ولأنَّ الضمير يرجع إلى ما تقدَّم. بخلاف ما لو قال في جوابه: «أنا أُقِرُّ»؛ لأنَّه وعدٌ وليس إقراراً. أو قال: «لا أُنكِرُ»؛ لأنَّه لا يلزم من عدم الإنكار الإقرار، لأنَّ بينهما قِسْماً آخر، وهو السُّكوت. ولأنَّه يحتمل: لا أُنكر بطلان دعواك. وكذا لو قال: «يجوز أن تكون مُحِقًّا»؛ لجواز ألَّا يكون محقًّا. أو قال: «خُذْ»؛ لاحتمال أن يكون مراده: خُذ الجواب منِّي. أو قال: «اتَّزِنْ»، أو «احْرِزْ»، أو «افتح كُمَّك»؛ لاحتمال أن يكون ذلك لشيءٍ غير المدَّعَى به. - ولو قال المدَّعِي: «أليْسَ لي عليك كذا؟» فقال المدَّعَى عليه: «بلي»، كان إقراراً بلا خلاف؛ لأنَّ «بلى» جوابٌ للسؤال بحرف النفي؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. بخلاف ما لو قال: «نعم»؛ فليس إقراراً؛ لأنَّ معناها هنا: ليس لك عليَّ كذا. إلَّا إذا كان عاميًّا؛ فيكون إقراراً؛ لأنَّ ذلك لا يعرفه إلا الحُذَّاق من أهل العربيَّة.

стр. 1413

- وإن قال إنسان لآخر: «اقضِ دَيْني عليك ألفاً»، أو قال له: «هل لي، أو: لي عليك ألف؟»، فقال: «نعم»، فقد أقرَّ له؛ لأنَّ «نعم» صريحة في تصديقه. أو قال: «أمهلني يوماً»، أو «حتَّى أفتح الصندوق» فقد أقرَّ؛ لأنَّ طلب الإمهال يقتضي أنَّ الحقَّ عليه. - وكذا لو قال: «له عليَّ ألفٌ إن شاء الله»، فقد أقرَّ له؛ لأنَّه وصل إقراره بما يرفعه كلُّه ويصرفه إلى غير الإقرار، فلزمه ما أقرَّ به، وبطل ما وصله به. - أو قال: «له عليَّ ألفٌ لا تلزمني إلَّا أن يشاء الله»، أو «إلَّا أن يشاء زيدٌ» فقد أقرَّ له به؛ لأنَّه علَّق رفع الإقرار على أمر لا يُعلم، فلا يرتفع. * تَعليقُ الإِقْرارِ على شَرْطٍ: - إذا عَلَّق الإقرار على شرطٍ فإنَّه لا يصحٌّ؛ سواء قَدَّم الشَّرط أو أخَّره؛ فالتَّقديم كما لو قال: «إن جاء رأسُ الشَّهر فله عليَّ كذا»، أو «إن قَدِمَ زيدٌ فلعَمْرٍو عليَّ كذا». والتَّأخير كما لو قال: «له عليَّ كذا إن قدم الحاجُّ»، أو «إن جاء المطر»؛ لأنَّه لم يُثبت على نفسه شيئاً في الحال، وإنَّما علَّق ثبوته على شَرْطٍ، والإقرار إخبارٌ سابقٌ، فلا يتعلَّق بشَرْطٍ مستقبلٍ؛ إذ يكون حينئذٍ وَعْداً لا إقراراً. - أمَّا إن علَّق إقراره على مشيئة الله ، فيصحُّ إقراره؛ لأنَّها تُذْكَرُ في الكلام تَبرُّكاً وتفويضاً إلى الله تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقد عَلِمَ الله أنَّهم سيدخلونه بلا شكٍّ.

стр. 1414

إلَّا إذا قال: «له عليَّ كذا إذا جاء وقت كذا»؛ كرأس الشَّهر؛ فإنَّه إقرارٌ، ويلزمه في الحال؛ لأنَّه بدأ بالإقرار ثمَّ عَقَّبه بما لا يقتضي رَفْعَه؛ لأنَّ قوله: «إذا جاء رأس الشَّهر» يَحتمِل أنَّه أراد مَحلَّها، أو وجوب تسليمها في ذلك الوقت؛ فلم يبطل الإقرار. وإن فسَّر قوله: «إذا جاء وقت كذا» بأجلٍ، أو وَصيَّةٍ؛ بأنْ يوصِيَ له إذا جاء الوقت المذكور؛ قُبِل ذلك منه بيمينه؛ لأنَّ ذلك لا يُعلَم إلَّا من جهته، ويحتمله لفظه. -ومن ادُّعِيَ عليه بألف دينارٍ مثلًا، فقال: «إن شَهِدَ به زَيدٌ، فهو صادق»، لم يكن مقرًّا؛ لأنَّ ذلك وَعْدٌ بتصديقه له في شهادته لا تصديق. * وَصْلُ الإِقْرارِ بما يُغيِّره: - إذا قال في إقراره: «له عليَّ من ثَمَنِ خَمْرٍ ألفٌ)؛ لم يلزمه شيءٌ؛ لأنَّه أَقَرَّ بثَمَنِ خَمْر، وقدَّره بالألف، وثَمَنُ الخَمْر لا يجب. بخلاف ما لو قال: «له عليَّ ألفٌ من ثَمَنِ خمرٍ»، أو «من ثَمَنِ خنزيرٍ»، أو «له عليَّ ألفٌ من ثَمَنِ مبيعٍ لم أقبِضهُ»، أو «من ثَمَنِ مبيعٍ تلف قبل قبضه»، أو «من مضارَبَةٍ تَلِفَت وشَرَطَ عليَّ ضمانها»، أو «له عليَّ ألفٌ لا تلزمني»، ونحو ذلك، لَزِمَه الألف في جميع تلك الصور، ولم يُقبَل قوله في إسقاطه؛ لأنَّ ما ذَكَرَه بعد قوله: «له عليَّ ألفٌ» رَفْعٌ لجميع ما أقرَّ به؛ فلا يُقبَل، كما لو استثنى الكلَّ؛ فقال: «له عليَّ ألفٌ إلَّا ألفاً» لم يصح؛ لأنَّه رجوعٌ عن الإقرار. ولأنَّه

стр. 1415

أَقَرَّ بالألف وادَّعَى ما لم يَثبُت معه؛ فلم يُقبَل منه. * الاسْتِثْناءُ في الإِقْرارِ: يصحُّ في الإقرار استثناءُ النصفِ فأقلَّ؛ لأنَّه لغة العرب؛ قال الله : ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]. فلم يَرِدِ الاستثناء في لسانهم إلَّا في الأقلِّ؛ قال أبو إسحاق الزَّجَّاج: «لم يأت الاستثناء إلَّا في القليل من الكثير، ولو قال قائلٌ: مائةٌ إلَّا تسعةً وتسعين لم يكن مُتكلِّماً بالعربيَّة، وكان عِيًّا من الكلام ولُكْنةً» [المغني (٥/ ٣٠٢)]. فلا يصحُّ استثناء الأكثر، أو الكُلِّ، ويَبطُل به الاستثناء. - فلو قال المقِرُّ: «له عليَّ عشرةٌ إلَّا عشرةً»، أو قال: «له عليَّ عشرةٌ إلَّا ستَّةً»، لزمه عشرةٌ، وبطل الاستثناء؛ لأنَّه استثنى الأكثر. - ولو قال: «ليس لك عليَّ عشرةٌ إلَّا خمسةٌ»، صحَّ الاستثناء، ولزمه خمسةٌ؛ لأنَّه استثنى النصف، والاستثناء من النفي إثبات. لكن يشترط لصحَّة الاستثناء ما يلي: أ - ألَّا يسكت المستثنِي بين ذِكْره المستثنَى والمستثنَى منه زمناً يُمكنه الكلامُ فيه، وألَّا يفصل بينهما بكلامٍ أجنبيٍّ؛ لأنَّه إذا سكت بينهما، أو فصل بكلامٍ أجنبيٍّ؛ فقد استقرَّ حُكم ما أقرَّ به؛ فلا يرفعه استثناءٌ ولا غيره، بخلاف ما إذا اتَّصل؛ فإنَّه يكون كلاماً واحداً. ب- أن يكون المستثنَى من جنس المستثنَى منه ونوعه؛ لأنَّ الاستثناء

стр. 1416

إخراج بعض ما يتناوله اللَّفظ بموضوعه، وغير الجِنْس لا يتناوله اللَّفظ؛ لأنَّه ليس موضوعاً له. فلو قال: «لفلان عليَّ مائة دِرْهمٍ إلَّا عشرة»، أو: «له عليَّ هؤلاء العبيد العشرة إلَّا واحداً»؛ فاستثناؤه صحيح؛ لأنَّ المستثنى ممَّا يتناوله لفظ المستثنى منه بموضوعه، ويلزمه في الأُولَى تسعون دِرْهماً، وفي الثانية تسعة عبيد. بخلاف ما لو قال: «له عليَّ مائة درهمٍ إلَّا ديناراً»، أو «إلَّا ثوباً»؛ فاستثناؤه باطل، ولزمه المائة درهم؛ لأنَّه استثناء من غير الجنس، وغير الجنس ليس بداخل في الكلام. وكذا لو قال: «له عليَّ عشرة آصعٍ تَمْراً بَرْنِيًّا إلَّا ثلاثة آصعٍ تمراً معقليًّا» لزمه عشرة آصع تمراً برنيًّا؛ لأنَّه استثناء من غير النوع. - إذا قال: «له هذه الدار إلَّا هذا البيت» قُبِلَ منه، ولو كان البيت أكثر الدار، لأنَّ الإشارة جعلت الإقرار فيما عدا المستثنَى. فالمُقَرُّ به معيَّن، فوجب أن يصحَّ. بخلاف ما لو قال: «له هذه الدار إلَّا ثلثيها»، أو «إلَّا ثلاثة أرباعها»؛ فلا يصحُّ؛ لأنَّ المستثنى شائع، وهو أكثر من النصف. - إذا قال: «له الدَّار، ثُلُثَاها»، أو «له الدَّار عارية»، أو «له الدَّار هبةً»، عُمِل بالثَّاني؛ وهو قوله: «ثلثاها»، أو «عاريةً»، أو «هبةً»؛ لإقراره بذلك حقًّا لصاحبه بدلًا من الدَّار؛ وحينئذٍ لا يكون إقراراً بالدَّار؛ لأنَّه رَفَعَ بآخر كلامه ما دَخَلَ في أوَّله. ولا بُدَّ في الهِبَة من تحقُّق شروطها؛ من العلم بالموهوب،

стр. 1417

والقُدْرة على تسليمه، ونحو ذلك، فإن وُجِدَت صحَّت، وإلَّا فلا. * الإِقْرارُ بالشَّيءِ بعد البَيْع أو الهِبَة أو الغَصْب: - من باع شيئاً، أو وَهَبَه، ثمَّ أقرَّ به لغيره، لم يُقبَل قوله على المشتري، ولا على الموهوب له؛ لأنَّه إقرارٌ على غيره. ويَغرَمُ بَدَلَه للمُقَرِّ له؛ لأنَّه فَوَّته عليه بتصرُّفه فيه بالبيع أو الهِبَة. - وإن قال: «غَصبتُ هذا العبد من زيدٍ، لا بل من عمروٍ» فهو لزيدٍ؛ لإقراره له به، ولا يُقبَل رجوعه عنه؛ لأنَّه حقُّ آدميٍّ. ويغرم قيمته لعَمْرٍو؛ لأنَّه حال بينه وبين مِلْكه؛ لإقراره به لغيره؛ فلَزِمَه ضمانه؛ كما لو أتلفه. وكذا لو قال: «مِلْكُه لعمرو، وغصبتُه من زيدٍ»، فهو لزيدٍ؛ لإقراره باليد له، ويَغرَم قيمته لعَمْرٍو؛ لإقراره له بالمِلك، ولأنَّه حال بينه وبين مِلكه بالإقرار باليد لزيدٍ. بخلاف ما لو قال: «غصبتُه من زيدٍ، ومِلْكه لعَمْرٍو»؛ فهو لزيدٍ؛ لإقراره باليد له، ولا يَغْرَمُ شيئاً لعَمْرٍو؛ لأنَّه إنَّما شَهِدَ له به؛ أشبه ما لو شَهِدَ له بمالٍ بيد غيره. * الإِقْرارُ على المَيِّتِ: - من مات، وخلَّف ابنين ومائتين، فادَّعى شخصٌ مائة دينارٍ دَيْناً على الميِّت، فصدَّقه أحدُ الابنين، وأنكر الآخر، لزم الابنَ المُقِرَّ نصفها -أي نصف

стр. 1418

المائة-؛ لإقراره بها على أبيه. ولا يلزمه أكثر من نصف دَيْن أبيه؛ لأنَّه يَرِث نصف التَّركة. ولأنَّه يُقِرُّ على نفسه وعلى أخيه؛ فقُبِلَ على نفسه دون أخيه. إلَّا إذا كان الابن المُقِرُّ بها عَدْلاً، وشَهِدَ بها لمدَّعِيها، وحَلَفَ المدَّعي مع شهادته؛ فحينئذٍ يأخذ المائة؛ كما لو شَهِدَ بها غير الابن، وحَلَفَ المدَّعِي، وتكون المائة الباقية بين الابنين؛ لأنَّها ميراثٌ لا تَعلُّق بها لأحدٍ سواهما. فإن كان الابن المُقِرُّ ضامناً لأبيه ويلزمه جميع الدَّيْن؛ لم تُقبل شهادته على أخيه، لأنَّه يدفع بها عن نفسه ضرراً.

стр. 1419

باب الإقرار بالمُجْمَل المُجْمَل: هو ما احتمل أَمْرَيْن فأكثر على السواء. - فمن قال مثلًا: «لزيد عليَّ شيءٌ»، أو «له عليَّ كذا»، أو «له عليَّ شيءٌ وشيءٌ»، أو «له عليَّ كذا وكذا»، ونحو ذلك، كان إقراراً بمُجْمَلٍ؛ وهو صحيح بغير خلاف، لكن يقول له القاضي: «فَسِّر ذلك»، ويلزمه تفسيره؛ لأنَّ الحُكمَ بالمجهول لا يصحُّ. فإن أبى تفسيره حُبِسَ حتَّى يُفسِّره؛ لأنَّه امتنع من حقٍّ عليه فحُبِسَ به؛ كما لو عيَّنه وامتنع من أدائه. - ويُقبَل تفسيره بأقلِّ مالٍ؛ لأنَّ الشيء يَصْدُق عليه أقلُّ مالٍ. وكذا تفسيره بحَدِّ قَذْفٍ عليه للمُقَرَّ له؛ لأنَّه حقٌّ عليه؛ فيُحَدُّ لقَذْفِه بطَلَبِه. وكذا تفسيره بحقِّ شُفْعَةٍ؛ لأنَّه حقٌّ واجبٌ يؤول إلى المال. - ولا يُقبَل تفسيره بمَيْتةٍ نَجِسَةٍ، ولا بخَمْرٍ، ولا بخِنزيرٍ؛ لأنَّها ليست حقًّا عليه. بخلاف ما لو كان تفسيره بمَيْتةٍ طاهرةٍ يُنتفع بها؛ كالسَّمك والجراد؛ فإنَّه يُقبَل؛ لأنَّ ذلك ممَّا يُتَموَّل. - وكذا لا يُقبَل تفسيره بِرَدِّ سَلامٍ، أو تشميت عاطِسٍ، أو عيادة مَريضٍ، ونحوه؛ لأنَّ إقراره اعترافٌ بحقٍّ عليه في ذمَّته، وهذه المذكورات لا تَثْبُت في الذِّمَّة. - وكذا لا يُقبَل تفسيره بما لا يُتَموَّل عادةً؛ كما لو فسَّره بحَبَّة بُرٍّ، أو حبَّة

стр. 1420

شعيرٍ، أو قِشْر جَوْزةٍ، ونحو ذلك؛ لمخالفته لمقتضى الظَّاهر، ولأنَّ إقراره اعترافٌ بحقٍّ عليه يثبت مثله في الذِّمَّة، بخلاف نحو هذه الأشياء؛ فإنَّها لا تثْبُت في الذِّمَّة؛ إذ لا تُتَموَّل في العادة. -فإن ماتَ المقِرُّ بالمُجْمَلِ قَبْل تفسيره؛ لم يؤاخذ وارثُه بشيءٍ، ولو خَلَّف المُقِرُّ تَركةً؛ لاحتمال أن يكون هذا المجمل حَدَّ قَذْفٍ. - وإن قال المُقِرُّ: «له عليَّ مالٌ عظيمٌ»، أو «مالٌ خطيرٌ»، أو «مالٌ كثيرٌ»، أو «مالٌ جليلٌ»، أو «مالٌ نفيسٌ»، أو «مالٌ عزيزٌ»، ونحوه؛ قُبِلَ تفسيره لذلك بأقلِّ مُتموَّلٍ؛ لأنَّ العظيم، والخطير، والكثير، والجليل، والنفيس، والعزيز، لا حدَّ له شرعاً، ولا لغةً، ولا عُرْفاً، ويختلف الناسُ فيه؛ فقد يكون عظيماً عند البعض حقيراً عند غيرهم. ولأنَّه ما من مالٍ إلَّا وهو عظيمٌ كثيرٌ بالنسبة إلى ما دونه. - وإن قال: «له عليَّ دراهمُ»، أو «دراهمُ كثيرةٌ»، أو «عظيمةٌ»، أو «وافرةٌ» قُبِل تفسيره لها بثلاثة دراهم فأكثر؛ لأنَّ الكثيرة، والعظيمة، والوافرة، لا حدَّ لها في الشَّرع، ولا في اللُّغة، ولا في العُرْف، وتختلف أحوال الناس فيها، والثلاثة أكثرُ ممَّا دونها، وأقلُّ ممَّا فوقها. ولأنَّ الثلاثة أقلُّ الجمع، وهي اليقين. - وإن قال: «له عليَّ ألفٌ ودرهمٌ»، أو «له عليَّ ألفٌ ودينارٌ»، أو «له عليَّ ألفٌ وثوبٌ»، أو «له عليَّ ألفٌ وفَرَسٌ»، أو «له عليَّ ألفٌ إلَّا ديناراً»، كان

стр. 1421

المبهم في جميع هذه الصور من جِنْس المُفسَّر الذي ذُكِرَ معه؛ لأنَّ العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الأخرى؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ومعلوم أنَّ المراد: تسع سنين، فاكتُفي بذِكْره في الأوَّل. ولأنَّه ذُكِر مُبْهَماً مع مفسَّرٍ، ولم يقم الدَّليل على أنَّه ليس من جِنْسِه؛ فوجب حمله عليه. * مسائل متفرِّقة: - إذا قال: «له عليَّ ما بين درهمٍ وعشرةٍ»، أو «ما بين الدِّرهم والعَشَرَة»؛ لزمه له ثمانية دراهم؛ لأنَّ الذي بين الواحد والعشرة ثمانية، فهي مقتضى لفظه. - وإذا قال: «له عليَّ من درهمٍ إلى عشرةٍ»، أو «له عليَّ ما بين درهمٍ إلى عشرةٍ»؛ لزمه تسعة دراهم؛ لأنَّه جعل العشرة غاية، وانتهاء الغاية لا يدخل فيها؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فالليل لا يجب صيامه؛ إذ ليس داخلًا في النهار الواجب صيامه، بخلاف ابتداء الغاية؛ فإنَّه داخلٌ فيها. - وإذا قال: «له عليَّ درهمٌ ودرهمٌ ودرهمٌ»، لزمه ثلاثة دراهم؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة. وكذا لو قال: «له عليَّ درهمٌ درهمٌ درهمٌ»؛ لزمه ثلاثة دراهم؛ لأنَّه مقتضى

стр. 1422

إقراره. فإن أراد بذلك التأكيد قُبِلَ منه، ولم يلزمه إلَّا درهمٌ؛ لأنَّ تكراره دون حرف العطف يقبل التأكيد. - وإذا قال: «له عليَّ درهمٌ بل دينارٌ»، لزماه؛ لأنَّ الأوَّل لا يُمكن أن يكون الثَّاني ولا بعضه، فكان مُقِرًّا بهما. والإضراب لا يصحُّ؛ لأنَّه رجوعٌ عن إقرارٍ بحقِّ آدميِّ. بخلاف ما لو قال: «له عليَّ درهم بل درهمان»؛ فإنَّه يلزمه درهمان فقط؛ لأنَّه إنَّما نفى الاقتصار على واحد، وأثبت الزيادة عليه، وهما من جنس واحد. ولو قال: «له عليَّ درهمان بل درهم»، أو «له عليَّ عشرة بل تسعة»؛ لزمه الأكثر؛ وهو درهمان في الأولى، وعشرة في الثانية؛ لدخول الأقلِّ في الأكثر، وإضرابه عن الزيادة لا يُسقطه؛ لأنَّه رجوع عن الإقرار؛ فلا يفيده. - وإذا قال: «لفلان عندي تمرٌ في جِرَابٍ»، أو «سِكِّينٌ في قِرَابٍ»، أو «ثوبٌ في مِنْدِيلٍ»، أو «له عندي دَابَّةٌ عَلَيْهَا سَرْجٌ»؛ كان إقراراً بالأوَّل دون الثَّاني؛ لأنَّ إقراره لم يتناول الثاني؛ إذ يَحتمل أنَّه أراد: في جراب لي، أو في قِراب لي، أو في مِنديل لي، أو عليها سَرْج لي، ومع الاحتمال لا يكون مُقِرًّا بهما؛ لأنَّ الإقرار لا يثْبُت إلاَّ مع التَّحقيق. ولأنَّهما شيئان متغايران؛ لا يتناول الأوَّل منهما الثَّاني. - وإذا قال: «له عندي خاتمٌ فيه فصٌّ»، أو «سَيْفٌ بقِرابٍ»؛ فإنَّه يكون إقراراً بهما؛ لأنَّ الفصَّ جزءٌ من أجزاء الخاتم؛ أشبه ما لو قال: «له عندي

стр. 1423

ثوبٌ فيه عَلَمٌ». والباء في قوله: «بقِرابٍ»: باء المصاحبة؛ فكأنَّه قال: «سيفٌ مع قِرابٍ»، بخلاف قوله في الصورة السابقة: «له عندي تمرٌ في جِراب»، ونحو ذلك؛ فإنَّ الجراب غير الذي هو فيه. - وإن أقرَّ لغيره بشجرةٍ؛ لم يكن ذلك إقراراً بأرضها؛ لأنَّ الأصل لا يتبع الفَرْع، بخلاف إقراره بالأرض؛ فإنَّه يشمل غَرْسها وبناءها؛ إذ الفَرْع تابع للأصل. وعليه؛ فلا يملك المُقَرُّ له غَرْسَ شجرةٍ أخرى مكانها لو ذهبت؛ لأنَّه غير مالكٍ للأرض. ولا أُجرة عليه لربِّ الأرض مدَّة بقاء الشجرة، وليس لربِّ الأرض قلعها؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّها وُضعت بحقٍّ. وثمرتها للمُقَرِّ له؛ لأنَّها نماؤها؛ ككسب العبد. وبيعها كذلك؛ له. - وإن قال: «لفلانٍ عليَّ درهمٌ أو دينارٌ»؛ لزمه أحدهما؛ لأنَّ (أو) لأحد الشَّيئين أو الأشياء. ويُرجع إليه في تعيينه؛ كسائر المُجملات. * خاتمة: - إذا اتَّفقا شخصان على صدور عقدٍ من بيعٍ أو إجارةٍ، أو غير ذلك، وادَّعى أحدُهما فسادهُ؛ لأنَّه كان مثلًا وقت العقد صَبِيًّا، أو غير مأذونٍ له، وادَّعى الآخر صحَّته، ولا بيِّنة، فالقول قول مدَّعِي الصحَّة، بيمينه؛ لأنَّ الظَّاهر وقوع العقود على وجه الصحَّةٍ دون الفساد. - وإن ادَّعى اثنان شيئاً بيد غيرهما، شركةً بينهما بالسويَّة، فأقرَّ المدَّعَى عليه

стр. 1424

-وهو من بيده الشيء- لأحدهما بنصفه، فالنصف المُقَرُّ به بينهما بالسَّويَّة؛ لاعترافهما أنَّ هذا الشيء لهما على الشيوع؛ فإذا غَصِب غاصبٌ نصفه كان منهما، والباقي بينهما. - ومن قال بمرض موته الْمَخُوفِ: «هذا الألف لُقَطةٌ فتصدَّقوا به». ولا مال له غيره، لزم الورثةَ الَّصَدقةُ بجميعه ولو كذَّبوه في أنَّه لُقَطة؛ لأنَّ أَمْره بالصَّدقة به يدلُّ على تعدِّيه فيه بما يوجب الصَّدقة بجميعه؛ فيكون ذلك إقراراً منه لغير وارثٍ؛ فيجب امتثاله. وكما لو أقرَّ به في حال الصحَّة. - ويُحْكَم بإسلام من أقرَّ بشهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله ﷺ ، ولو كان المُقِرُّ مميِّزاً؛ لأنَّ عليًّا ﵁ أسلم وهو ابن ثمان سنين [رواه البيهقي]. وعَرَض النبيُّ ﷺ الإسلامَ على ابن صيَّادٍ صغيراً. [رواه البخاري، ومسلم]. وكذا يُحكَم بإسلام من أقرَّ بالشهادتين قبيل موته؛ لأنَّ النبي ﷺ عرض الإسلام على أبي طالب وهو في النَّزْع. [رواه البخاري، ومسلم]. اللهمَّ اجعلنا ممَّن أقرَّ بها مُخلِصين في حياتهم، وعند مماتهم، وبعد وفاتهم. اللهمَّ اجعل عملنا هذا صالحاً، ولوجهك خالصاً، واجعله سبباً لرضوانك، والفوز بجنَّاتك؛ جنَّات النَّعيم. اللهمَّ انفعنا به وعموم المسلمين، واجعله ذُخْراً لنا بين يدي لقائك. اللهمَّ تقبَّله منَّا بقبول حَسَنٍ، واكتب له القبول في الأرض بين عبادك، وفي السماء بين مَلَئِك الأعلى. اللهمَّ جازنا بالإحسان فيه إحساناً، وبالتقصير والخلل فيه عفواً وغفراناً؛

стр. 1425

فإنَّك سبحانك بكلِّ جميلٍ كفيل، وأنت نِعْم المولى ونِعْم النصير. وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارك على سيِّد أنبيائك وإمام أصفيائك؛ محمَّدٍ، وعلى سائر إخوانه من النَّبيِّين والمرسلين، وعلى آل كلٍّ وصحبه أجمعين، وعلى أهل طاعتك من أهل السماوات وأهل الأرضين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.