← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30096

التسهيل في فقه الإمام أحمد - وزارة الأوقاف الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

- وإن تَنازَع صانِعان في آلَةِ دُكَّانِهما، ولا بيِّنة لأحدهما؛ فآلَةُ كلِّ صَنْعةٍ لصانِعِها؛ كنجَّارٍ وحَدَّادٍ يكونان بدُكَّانٍ، ويتنازعان في آلَتَهِما، فآلَةُ النِّجَارَةِ للنَّجَّار، وآلَةُ الحِدادَةِ للحَدَّاد؛ عملًا بالظَّاهر، فيأخُذُ كلٌّ منهما آلَتَه بيَمينِه. الرابع: أن تكون العَيْن المُتَنازَعُ فيها بيَدِ ثالثٍ، أي: غير المتَنازِعَيْن فيها، ولا بيِّنة لواحد منهما؛ فإن ادَّعاها الثَّالث لنفسه وأنكرهما؛ حَلَفَ لكُلِّ واحدٍ من المتنازعَيْن يميناً؛ لأنَّهما اثنان، كلاهما يدَّعيها؛ وهو مُنكِرٌ، والعَيْن بيَدِه؛ فوجب أن يَحلِفَ لكلِّ واحدٍ منهما يَميناً. وتكون العَيْنُ له؛ لتَرَجُّح جانبه بوَضْع اليَدِ. - فإن نَكَلَ عن اليمينَيْن؛ أَخَذا منه العَيْن المُتَنازَعَ فيها مع بَدَلِها؛ وهو قيمتها إن كانت مُتقوِّمة، ومثلها إن كانت مِثْليَّة؛ لأنَّ العين فاتت على أحدهما بتفريطه في الحَلِف له؛ فوَجَبَ عليه بَدَلها؛ كما لو أتلفها. واقترعا على العَيْن وبَدَلها؛ لأنَّ المحكوم له بالعَيْن غير مُعَيَّن؛ فوجبتِ القُرْعَة؛ لتعيينه. - وإن أقرَّ بالعَيْن المُتَنازَع فيها لهما؛ بأن قال: «هي للاثنين»، أخذاها منه واقتسماها نِصْفَين، وحَلَفَ لكلِّ واحدٍ منهما يَميناً بالنسبة إلى النِّصف الذي أَقَرَّ به لصاحبه؛ لأنَّ كلًّا منهما يدَّعِي الزِّيادة على ما أَقَرَّ له به من النِّصْف، فهو في النِّصْف الآخر مُقِرٌّ لغيره، فيجب عليه اليمين لصاحبه. ويَحلِفُ كلُّ واحدٍ من المُتَنازِعَيْن لصاحبه على النِّصف المحكوم له به؛ كما لو كانت العَيْن بأيديهما ابتداءً. وإن لم يدَّع العين لنفسه، ولم يُقِرَّ بها لغيره، وليس لأحدهما بيِّنةٌ، أُقرِع

стр. 1367

بينهما، كما لو لم تكن بيد أحدٍ؛ لعدم المرجِّح، فمن خرجت القرعة له حلف لصاحبه وأخذها؛ لترجُّحه بالقُرعة. - وإن قال: «هي لأحدهما، لكنِّي أجهله»، فصَدَّقاه على جَهْله به؛ لم يَحلِف؛ لتصديقهما له في دَعْواه. فإن لم يُصَدِّقاه؛ حَلَفَ لهما يَميناً واحدةً أنَّه لا يعلمه؛ لأنَّ صاحب الحقِّ منهما واحدٌ غير مُعيَّنٍ. وأُقْرِع بينهما؛ فمن خرجت القُرْعة له حَلَف وأَخَذ العَيْن؛ لحديث أبي هريرة ﵁: (أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ) [رواه أبو داود، وابن ماجه]. ولأنَّ المُقَرَّ له بها يصير صاحب اليَدِ وهو غير معيَّنٍ، فعُيِّن بالقُرْعة.

стр. 1368

كتاب الشَّهادات أوَّلًا: تعريفُ الشَّهادات: الشَّهاداتُ لغةً: جَمْعُ شَهادَةٍ؛ مُشتَقَّةٌ من المُشاهَدَة؛ لإخبار الشَّاهِدَ عمَّا يُشاهِدُه؛ فيقال: شَهِدَ الشيءَ إذا رآه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: عَلِمَهُ برؤيةِ هِلالِهِ، أو إِخْبارِ من رآه، ونحوه. واصطلاحاً: الإخبارُ بما عَلِمَهُ الشَّاهِدُ، بلَفْظٍ خاصٍّ. ثانياً: حُكمُ الشَّهادَةِ: الشهادةُ مشروعةٌ بدلالة الكتاب، والسنَّة، والإجماع: - فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]. - ومن السُّنَّة: ما روى الأَشْعَث بن قَيْسٍ ﵁ قال: (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) [رواه البخاري، ومسلم].

стр. 1369

- وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة: «أهل العِلْم أجمعوا على هذا»؛ أي مشروعية الشهادة. - والشَّهادةُ حُجَّةٌ شرعيَّةٌ تُظْهِرُ الحقَّ المُدَّعَى به وتُبيِّنُه، ولهذا سُمِّيت الشهادةُ بيِّنةً، إلَّا أنَّها لا توجِبُ الحقَّ المدَّعى به، وإنَّما يُلزم الحاكمُ به بشرطه. ثالثاً: حُكمُ تَحمُّل الشَّهادَة وأَداؤُها: - تَحَمُّل الشَّهادَة: هو الالتزام بها، وهو في حقوق الآدميين فَرْضُ كِفايةٍ، سواء كانت هذه الحقوق من الأموال؛ كالبيع، والقَرْض، والغَصْب، أو غير الأموال؛ كحَدِّ القَذْف. فإذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن لم يوجد إلَّا من يكفي تعيَّن عليه، ولو كان عَبْداً، وليس لسيِّده منعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ أي: إذا دعوا إلى التحمُّل. فإذا طُلِب من إنسانٍ أن يشهد -مثلًا- على إقرارٍ بحقٍّ لآخر، أو أن يشهد على دَيْنٍ له على آخر؛ فتَحَمُّله للشهادة فَرضُ كفايةٍ إذا وُجِدَ غيره ممن يتحمَّلُها، وإلَّا كانت فَرضَ عينٍ عليه. - وأمَّا أَداءُ الشَّهادة: فهو إثباتُها عند القاضي. وهو فَرْضُ عَيْنٍ إذا كانت في حقِّ آدميٍّ؛ فمن تَحمَّل الشَّهادة وَجَبَ عليه أن يؤدِّيها، وحَرُمَ عليه أن يكْتُمَها؛ لقوله : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾

стр. 1370

[البقرة: ٢٨٣]. فإن كتمها أَثِمَ، ولا ضَمان عليه إذا تعذَّر الحقُّ بدونها. - ووجوب تَحمُّل الشَّهادة وأداؤها إنَّما يكون في حقِّ من قَدِرَ عليهما بلا ضَررٍ يلحقه في بَدَنِه، أو مَالِه، أو أَهْلِه، وإلَّا لم يلزمه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. - إذا وجب تَحمُّل الشَّهادة وجب كِتابتُها على من وَجَبَت عليه، لئلِّا يَنْساها؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ. * الإِشْهادُ في عَقْد النِّكاح وغيره: يجبُ الإشهاد في عَقْد النِّكاح خاصَّةً؛ لأنَّ الإشهاد شَرْطٌ فيه، ولا ينعقد النِّكاح بدونه. أمَّا الإشهاد فيما سوى عَقْد النِّكاح؛ كالبَيْع، أو الإجارة، أو الصُّلْح، أو الرَّهْن، ونحوها، فمُستحبٌّ؛ لأنَّه لا يُشترط فيها الإشهاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والأمر محمولٌ على الاستحباب؛ لأنَّه قال بعده: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وهذا إنَّما يكون مع عدم الشهادة؛ فدلَّ هذا على عدم وجوبها. * الشَّهادَةُ في حُقوقِ الله تعالى: يُباحُ إقامةُ الشَّهادة وتَرْكُها إذا كانت في حقٍّ من حقوق الله، كحدِّ الزنا، وشُرْب الخمر؛ لأنَّ حقوق الله مبنيَّةٌ على المُسامحة، ولا ضرر في تَرْكها على

стр. 1371

أحدٍ، والستر مأمورٌ به. رابعاً: أَخْذُ الأُجْرَة على الشَّهادَة: يَحرُمُ أَخْذُ أُجْرةٍ على الشَّهادة، أو أَخْذُ جُعْلٍ عليها ولو لم تتعيَّن عليه؛ لأنَّها فَرْضُ كِفايةٍ، ومن قام به فقد قام بفَرْضٍ، ولا يجوز أَخْذُ الأُجْرةِ ولا الجُعْل على الفَرْض؛ كصلاة الجنازة. لكن إن كان من دُعِيَ إلى لشَّهادة عاجزاً عن المشي إلى مَحلِّها، أو يتأذَّى بالمشي، بسبب مَرَضٍ، أو كِبَرِ سِنٍّ، ونحوهما، فله أَخْذُ أُجْرةِ مَرْكوبٍ إلى مَحلِّ الشهادة من ربِّ الشهادة. خامساً: مَرْجِعُ الشَّهادَةِ ومُسْتَنَدُها: يَحرُمُ أن يَشْهَدَ أحدٌ إلَّا بما يعلمه؛ لقول الله : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. والعِلْم بالمشهود به يكون -غالباً- إمِّا برؤيةٍ، أو سَماعٍ، وقد يكون ببقيَّة الحواسِّ الأخرى؛ كالذَّوْق، واللَّمْس. - والشَّهادة بالرُّؤية تَخْتصُّ بالفِعْل؛ كالقَتْل، والسَّرِقَة، والغَصْب، وشُرْب الخَمْر، والرَّضاع، والوِلادَة، وعُيوب المَبيع الظاهِرَة. - والشهادة بالسَّماع على نوعين: أحدهما: سَماعٌ من مَشهودٍ عليه؛ كسماع طلاقٍ، أو عَقْد نِكاحٍ، أو عَقْدِ بيعٍ،

стр. 1372

أو إقرارٍ بمالٍ، أو نَسَبٍ، فيلزمه الشهادة بما سَمِعَ من قائلٍ عَرَفَهُ يقيناً. الثاني: السَّماعُ بالاسْتِفاضَةِ: وذلك بأن يَشْتَهِرَ المَشْهودُ به بين الناس، فيتَسامَعُون به بإخبار بعضهم بعضاً. ولا تُسمَعُ الشهادة بالاستفاضة إلَّا فيما يَتَعَذَّر عِلْمُه غالباً بدونها؛ كما في النَّسَب، والوِلادَة، والمَوْتِ؛ لأنَّ مثل هذه الأمور قد لا تمكن المشاهدة فيها، ولا سبيل إلى معرفتها قَطْعاً بغير ذلك؛ فالولادة قد لا يُباشِرُها إلَّا امرأة واحدة، والميِّت قد لا يُباشِرُه إلَّا الواحد والاثنان ممَّن يَحضُرُه ويتولَّى غَسْلَه وتَكْفينَه. - ومن رأى شيئاً بيَدِ إنسانٍ يتصرَّف فيه مدَّةً طويلةً -عُرْفاً- تَصَرُّف المُلَّاك في أملاكهم، من نَقْضٍ، أو بِناءٍ، أو إجارةٍ، أو إعارةٍ، فيجوز له أن يشهد له بالمِلْك؛ لأنَّ التصرُّف فيه على هذا الوجه من غير مُنازعٍ يدلُّ على صحَّة المِلْك. والوَرَع أن يشهدَ باليَدِ والتصرُّف؛ لأنَّه أحوط.

стр. 1373

فصل شروط من تقبل شهادته لا تقبل شهادةٌ من أحدٍ إلَّا إذا توفَّرت فيه ستَّة شروطٍ، تَعْتَبرُ خُلُوَّه ممَّا يُوجِب التُّهْمة فيه، ووجود ما يُوجِب تيقُّظه، وتَحَرُّزه؛ حتَّى يحصل غَلَبة الظَّنِّ بصِدْقه، وهذه الشروط هي: الشرط الأوَّل: البُلُوغ. فلا تُقبل شهادة الصغير مطلقاً، ذَكَراً كان أو أُنْثَى، ولو كان متَّصفاً بما يتَّصف به المُكَلَّف من العَدالَة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والصبيُّ ليس رجلًا. ولأنَّ الصغير لا يُقْبَل قوله في حقِّ نَفْسِه؛ لنَقْصِ أَهْلِيَّته، ففي حَقِّ غيره أَوْلَى. الشرط الثاني: العَقْل. والعاقل: هو من عَرَفَ الواجب عَقْلًا، الضروريَّ وغيرَه، وعَرَفَ المُمْكِن والمُمْتَنِع؛ كوجود الله تعالى، وكون الجسم الواحد ليس في مكانين، واستحالة اجتماع الضِّدَّيْن، وكون الواحدِ أقلَّ من الاثنين، وعَرَفَ ما ينفعُه وما يضرُّه غالباً. فلا تقبل شهادةُ مجنونٍ، ولا مَعْتوهٍ؛ لأنَّه لا يمكنه تحمُّل الشهادة ولا أداؤها؛ لأنَّها تحتاج إلى الضَّبْط، وهو لا يعقله.

стр. 1374

وأمَّا من يُجنُّ أحياناً ويفيق، فتُقبَل شهادتُه إذا تحمَّلها وأدَّاها في حال إفاقته؛ لأنَّها شهادةٌ مِنْ عاقلٍ، أشبه مَنْ لم يجنَّ. الشرط الثالث: النُّطْق. وهو كون الشاهِد متكلِّماً؛ فلا تُقبَلُ شهادةُ الأَخْرَس بالإشارة ولو فُهِمَت؛ لأنَّ الشهادَةَ يُعتَبر فيها اليقين، وهو لا يحصل بالإشارة، ولكن إن أدَّى الأَخْرَسُ الشهادَةَ بخَطِّه قُبِلَت؛ لدلالة الخطِّ على الألفاظ. الشرط الرابع: الحِفْظ. فلا تُقبَلُ شهادةُ مغَفَّلٍ، ولا معروفٍ بكثرة الغَلَط والسَّهْو؛ لأنَّه لا يحصل الثقة بقوله، ولا يغلب على الظنِّ صدقه؛ لاحتمال أن يكون من غَلَطِه. أمَّا من يَقِلُّ منه الغَلَط والسَّهْو، فتُقبَلُ شهادته؛ لأنَّ هذا لا يَسْلَم منه أَحدٌ. الشرط الخامس: الإِسْلام. فلا تُقبَلُ شهادةُ كافرٍ ولو على مِثْلِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فالكافر ليس من رِجالنا، وهو غير مأمونٍ، فلم تُقبَل شهادَتُه. ولكن تُقبَلُ شهادَةُ رَجُلَيْن من أهل الكتاب عند عَدَم مُسلِمٍ، إذا كانت في الوصيَّة في السَّفَر ممَّن حَضَرَه الموت من مُسلِمٍ أو كافرٍ، فتُقبَلُ شهادَتُهما في هذه المسألة فقط. ومع الرَّيْب في أنَّهما كتما شيئاً حَلَّفهما الحاكم وجوباً بعد العَصْر:

стр. 1375

«ما خانا، ولا حَرَّفا، وإنَّها لوصيَّة الرَّجُل»؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وعن الشعبيِّ: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَاءَ هَذِهِ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ فَأَتَيَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، فَأَخْبَرَاهُ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ بِاللّاهِ: مَا خَانَا، وَلَا كَذَبَا، وَلَا بَدَّلَا، وَلَا كَتَمَا، وَلَا غَيَّرَا، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ. فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا) [رواه أبو داود]. فإن اطُّلِع على أنَّهما كَذَبا في شهادتهما، قام رَجُلان آخران من وَرَثَةِ المُوصِي، فحَلَفا بالله لَيَمينُنا أَحَقُّ من شَهادَتِهما، ولقد خانا وكَتَما، فيقضي الحاكم لهما؛ وذلك لقول الله : ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧]. الشرط السادس: العَدَالَةُ ظَاهِراً وباطِناً. والعَدالة هي: استواء أحوال الشخص في دِينِه، واعتدال أقواله وأفعاله.

стр. 1376

ويُعتبر لها شيئان: أ - الصَّلاح في الدِّين، وهو نوعان: ١) أداءُ الفَرائض برَواتِبها؛ فيؤدِّي الصلوات الخَمْس والجُمُعة، وما وَجَبَ من زكاةٍ، وصَوْمٍ، وحَجٍّ، وغيرها من الفرائض، ويؤدِّي سُنَن الصَّلاة الرَّاتِبة، والوِتْر، ولا تُقبَلُ شهادة من داوم على تَرْك هذه الرَّواتِب؛ لأنَّ تهاونه بها يَدُلُّ على عدم محافظته على أسباب دِينِهِ، وربما جرَّه التهاون بها إلى التهاون في الفرائض. ٢) اجتنابُ المُحَرَّمات؛ فلا يأتي كبائر الذُّنوب، ولا يُداوم على صَغائرها؛ لأنَّ الله تعالى نَهَى عن قبول شهادة القاذف؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]. والقَذْف كبيرةٌ، فيقاس عليه كلُّ مرتكب كبيرةٍ. ب- استعمال المروءة الإنسانيَّة: وذلك بفعل ما يُجمِّله ويُزيِّنه عادةً؛ كالسَّخاء، وحُسْن الخُلُق، وبَذْل الجاه، وحُسْن المُجاورة، ونحو ذلك. ويكون أيضاً بتَرْك ما يُدَنِّسه ويَشينُه من الأمور الدَّنيئة المُزْرية به في العادة؛ فلا تُقبلُ شهادةُ مُتمَسْخِرٍ، ولا رقَّاص، ولا مصافَعٍ (من يصفع غيره، ويصفعه غيره لا يرى بذلك بأساً)، ولا مُشَعْبِذٍ (خفَّةٌ في اليدين كالسِّحر)، ولا مُغَنٍّ، ولا طُفَيْليٍّ (الذي يتبع الضِّيفان)، ولا متزيٍّ بزيٍّ يُسْخَرُ منه، ولا شاعِرٍ يُفْرِطُ في مَدْحٍ بإعطاءٍ، وذمٍّ بمنعٍ، أو يُشبِّب بمَدْح خَمْر، أو مُرْدٍ، أو امرأة معيَّنةٍ مُحرَّمةٍ.

стр. 1377

ولا تُقبلُ شهادةُ لاعِبٍ بشِطْرَنْجٍ غير مُقلِّدٍ من يرى إباحته، أو لاعِبٍ بنَرْدٍ، أو لاعِبٍ بكلِّ ما فيه دناءةٌ. ولا تُقبلُ شهادةُ من يكشفُ من بَدَنه ما العادة تغطيتُه، أو يُحدِّث بمباضعة زوجته، أو يخاطبها بخطابٍ فاحشٍ بين الناس، أو يَدْخُل الحمَّام بغير مِئْزَرٍ، أو يحكي المُضْحِكات ممَّا فيه سُخْف ودناءةٌ؛ لأنَّ من رَضِيَه لنفسه واستخفَّه فليس له مروءةٌ، ولا تحصل الثقة بقوله؛ لما روى أبو مسعودٍ البَدْريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) [رواه البخاري]. - ومتى وُجِدَ شرط قبول الشهادة فيمن لم يكن متَّصفاً به قبل وجود المشروط، قُبِلَت شهادته بمجرَّد ذلك؛ كأن يَبْلُغ الصبيُّ، ويَعقِلَ المجنون، ويُسْلِمَ الكافرُ، ويَتوبَ الفاسِقُ؛ لأنَّ ردَّ شهادته إنَّما كان لوجود مانع، وقد زال ذلك المانع. * ما لا يُشْتَرَطُ في قَبُولِ الشَّهَادَةِ: - ولا يُشترط في الشهادة الحُرِّيَّة؛ فتُقبَلُ شهادةُ العَبْد والأَمَة في كُلِّ ما يُقبل فيه الحُرُّ والحُرَّة؛ لعموم النصوص الواردة في الشهادة، والعبيد داخلون فيها؛ وفي الحديث عن عُقْبة بن الحارث: (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ

стр. 1378

قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا. فَنَهَاهُ عَنْهَا) [رواه البخاري]. - ولا يُشترط كون الصناعة غير دنيئةٍ عُرْفاً، فتُقْبلُ شهادة الحجَّام، والحدَّاد، والزَّبَّال، والقَمَّام، والكَنَّاس، والصَّبَّاغ، والدَّبَّاغ، والجزَّار، والحائك، والحارس، ونحوهم، إذا حَسُنَت طريقتهم؛ لحاجة الناس إلى هذه الصنائع؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ لا يليها بنفسه، فلو رُدَّت بها الشهادة أفضى إلى ترك الناس لها، فيشقُّ ذلك عليهم. - ولا يُشترط كون الشاهد بصيراً؛ فتُقبلُ شهادة الأعمى في المسموعات بما سَمِعَه، إذا تيقَّن صوت المشهود عليه، أو سَمِعَ بالاستفاضة؛ لأنَّه عَدْلٌ مقبول الرِّواية، فقُبِلَت شهادتُه كالبصير. وتَصِحُّ شهادته كذلك بما رآه قبل عَمَاه، إذا عَرَفَ الفاعلَ باسمه ونَسَبِه؛ لأنَّه فَقَدَ حاسَّةً لا تُخِلُّ بالتكليف، فلا يمنع قبول الشهادة.

стр. 1379

فصل موانع قبول الشهادة قد يَحولُ بين الشَّهادَةِ ومَقْصودِها -وهو قبولها والحُكم بها- مَوانعُ تَمنَعُ من قَبُولها، وهذه الموانع سَبْعةٌ: المانع الأوَّل: أن يكون الشَّاهِدُ أو بعضُه مِلْكاً لمن شَهِدَ لَهُ، أو زوجاً له، أو كان من فروعه، أو أصوله. - فلا تُقْبَلُ شهادةُ الرَّقيق لسيِّده؛ لأنَّ نفقته على سيِّده، أو من يشتركون فيه جميعاً؛ فهو كالأب مع ابنه. - ولا تُقْبَلُ شهادةُ أحدِ الزَّوجين للآخَر، ولو بعد الطَّلاق البائن بينهما، أو الخُلْع؛ لقوَّة الصِّلة بينهما ممَّا يقوِّي التهمة، ولتمكُّنه من بينونتها للشَّهادةِ ثمَّ يُعيدُها. - ولا تُقْبَلُ شهادةُ أحدِ الوالدين لأولادهما وإن سفلوا من أولاد البنين وأولاد البنات. - ولا تُقْبَلُ شهادةُ وَلَدٍ لوالديه، سواء كانوا آباءً وأمَّهات، أو أجداداً وجدَّات من جهة الأب أو الأمِّ. وذلك لأنَّ كلًّا من الوالدين والأولاد متَّهمٌ في حقِّ الآخر؛ لأنَّه يميل إليه بطبعه، سواء اتَّفق دِينهما، أو اختلف.

стр. 1380

- وتُقْبَلُ شهادة إنسانٍ لباقي أقاربه؛ كشهادته لأخيه بالإجماع، وشهادته لعمِّه، وخاله. ولأنَّه إذا قُبلت شهادة الأخ لأخيه مع قُرْبِه، فذلك تنبيه إلى قبول شهادة من هو أبعد منه بطريق الأَوْلَى. - كلُّ من لا تُقْبَل شهادته لمن سبق، فإنَّه تُقبَلُ شهادته عليه؛ لانتفاء التهمة حينئذٍ. المانع الثاني: كون الشاهد يَجُرُّ بالشَّهادَةِ نَفْعاً لنَفْسِه. - فلا تُقْبَلُ شهادةُ السيِّد لرقيقه، أو مُكاتَبِه؛ لأنَّ المكاتَب رقيقٌ؛ فعن عَمْرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: (المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ) [رواه أبو داود]. - ولا تُقْبَلُ شهادةُ شخصٍ لمورِّثه بجُرْحٍ قبل اندماله؛ لأنَّه ربما يَسْري الجُرْحُ إلى النَّفْس، فتجبُ الدِّيَةُ للشاهد بشهادته، فصار كأنَّه شَهِدَ لنَفْسِه. - ولا تُقْبَلُ شهادةُ شخصٍ لمُوصِيه، ولا لمُوَكِّلِه فيما وُكِّلَ فيه؛ لأنَّه يثبت له حقُّ التصرُّف فيه، فكان متَّهماً. - ولا تُقْبَلُ شهادةُ شخصٍ لشريكه فيما هو شريكٌ فيه، ولا لمستأجره فيما استأجره فيه؛ لوجود منفعةٍ له منه يجرُّها لنفسه؛ فكان متَّهماً. المانع الثالث: كون الشَّاهِدِ يَدْفَعُ بالشَّهادَةِ ضَرَراً عن نَفْسِه. - فلا تُقْبَلُ شهادةُ العاقِلَة بجَرْح شهودِ قتل الخطأ أو شِبْه العَمْد؛ لأنَّهم متَّهمون في دَفْع الدِّيَة عن أنفسهم.

стр. 1381

- ولا تُقْبَلُ شهادةُ الغُرَماء بجَرْح شهودِ دينٍ على مُفْلِسٍ أو ميِّتٍ تضيق تركته عن ديونهم؛ لما فيه من توفير المال عليهم. - ولا تُقْبَلُ شهادةُ الضَّامِن لمن ضَمِنَه بقضاء الحقِّ أو الإبراء منه. - وكُلُّ من لا تُقْبَلُ شهادته له، لا تُقْبَلُ شهادته بجَرْح شاهدٍ عليه؛ كسيِّدٍ يشهدُ بجرحِ شاهدٍ على قِنِّه أو مكاتَبِه؛ لأنَّه متَّهمٌ بدفع الضرر عن نفسه. المانع الرابع: العَداوَةُ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالمَشْهودِ عليه لغَيْرِ الله. - فلا تُقْبَلُ شهادةُ شخصٍ على عدوِّه، إلَّا في عقد النكاح؛ لأنَّ العدوَّ متَّهمٌ في حقِّ عدوِّه؛ لأنَّه قد يتَّخذُ من ذلك ذريعةً إلى بلوغ غرضه من عدوِّه بالشهادة الباطلة. - وضابط العداوة المانعة من قبول الشهادة هنا: أنَّ من سَرَّه مَسَاءةُ شَخْصٍ، أو غَمَّهُ فَرَحُه، أو طَلَبَ له الشَّرَّ؛ فهو عدوُّه. - والعداوة المعتبرة في منع الشهادة: هي العداوة الدنيويَّة، أمَّا العداوة في الدِّين فليست مانعةً من قبول الشهادة؛ فتُقبَل شهادةُ مسلمٍ على كافرٍ، وشهادةُ سُنِّيٍّ على مبتدعٍ؛ لأنَّ الدِّين يمنعه من ارتكاب محظورٍ في دِينه. المانع الخامس: العَصَبِيَّةُ. - فلا تُقْبَلُ شهادةُ من عُرِفَ بتعصُّبه لجماعةٍ على جماعةٍ، أو قبيلةٍ على قبيلةٍ، أو عُرِفَ بإفراطٍ في الحَمِيَّةٍ، وإن لم تبلغ درجة العداوة؛ لأنَّه متَّهمٌ في ذلك.

стр. 1382

المانع السادس: أن تُرَدَّ شَهادةُ الشاهدِ لفِسْقِه، ثمَّ يتوبَ ويُعيدها. - فلا تُقبَلُ شهادةُ من هذا حالهُ للتُّهْمة في أنَّه إنَّما تاب لتُقْبَل شهادتُه، ولإزالة العار الذي لَحِقَهُ بِرَدِّها. - ومن رُدَّت شهادته لمانعٍ من الموانع السابقة؛ كمن رُدَّت شهادته لمورِّثه بجُرْحٍ قبل بُرْئِهَ، أو رُدَّت لكونه يدفع ضرراً عن نفسه، أو يَجُرُّ نفعاً لنفسه، أو لعداوةٍ، أو مِلْكٍ، ثمَّ زال المانع وأعادَ الشهادةَ، فلا تُقْبَلُ شهادته في الجميع؛ لأنَّ رَدَّها كان باجتهاد الحاكم، فلا يُنْقَضُ باجتهادِ الثاني؛ ولأنَّها رُدَّت للتُّهْمَة، أشبهت المَرْدودَة للفِسْق. - أمَّا إن كان المانع من قبول الشهادة كونه كافراً، أو غير مكلَّفٍ، أو أخرسَ، ثمَّ زال ذلك المانع، وأعادوها؛ فإنَّها تُقْبلُ؛ لأنَّ ردَّها لهذه الموانع لا منقصة فيه ولا عيب، فلا يقع تُهمةً، بخلاف ردِّها للفِسْق. المانع السابع: أن يحرِصَ الشاهِدُ على أداء الشهادةِ قبل استشهاد من يعلم بها، سواء تقدَّم بها قبل الدَّعوى أو بعدها. فلا تُقبَلُ شهادةُ من هذه حاله، إلَّا في عتقٍ، أو طلاقٍ، أو ظِهارٍ؛ لأنَّه لا يُشترط تقدُّم الدعوى فيها على الشهادةِ.

стр. 1383

باب أقسام المشهود به من جهة عدد الشهود دلَّت النصوص الشرعيَّة في الجملة على اعتبار العدد في الشهود؛ فقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. ويختلف عددُ الشهود باختلاف المشهود به، وهو سبعةُ أقسام: الأوَّل: الزِّنا وما يُوجِبُ حدَّه؛ كاللِّواط: فلا يثبت إلَّا بشهادة أربعة رِجالٍ عُدولٍ ظاهراً وباطناً بالإجماع، يَشْهَدون به، وأنَّهم رأوا ذَكَرَه في فَرْجِها، أو يشهدون أنَّ المشهود عليه بذلك أقرَّ به أربع مرَّات؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. الثاني: إذا ادَّعى من عُرِفَ بِغِنًى أنَّه فَقيرٌ؛ ليأخذَ من الزَّكاة. فلا يثبت إلَّا بشهادة ثلاثة رجالٍ يشهدون له؛ لحديث قَبِيصَة بن مُخَارق الهِلاليِّ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (يَا قَبِيصَةُ إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ … )، وذكر منهم: (وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا

стр. 1384

مِنْ عَيْشٍ … ) الحديث [رواه مسلم]. الثالث: القَوَدُ، والإِعْسَارُ، وما يوجب الحدَّ والتعزير: فما يوجب الحدَّ: كالقَذْف، وشُرْب المُسْكِرِ، والسَّرَقَةِ. وما يوجب التَّعْزيرَ: كوطء الأَمَةِ المشتركة، ووطء البهيمة. فلا يثبت شيءٌ من ذلك إلَّا بشهادة رَجُلَيْن؛ لأنَّه يُحتاط فيه، ويسقطُ بالشُّبْهة، ولا تُقْبلُ فيه شهادة النساء. الرابع: ما ليس بعُقوبةٍ، ولا مالٍ، ويطَّلِع عليه الرجال غالباً؛ كالنِّكاح، والرَّجْعة، والخُلْع، والطَّلاق، والنَّسَب، والولاء، والتوكيل والوصيَّة في غير المال. فلا يثبت إلَّا بشهادة رَجُلَيْن؛ لقوله في الرَّجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقِيسَ عليه سائر ما ذُكِرَ؛ ولأنَّه ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطَّلعُ عليه الرجال، فلم يكن للنِّساء في شهادته مدخل، أشبه العقوبات. الخامس: المالُ وما يُقْصَدُ به المالُ؛ كالبيع، والإجارة، والقَرْض، والرَّهْن، والوَديعة، والعِتْق، والغَصْب، والوَقْف، وجناية الخطأ، ونحوها. فيثبت بشهادة رَجُلَين، أو رَجُلٍ وامرأتين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ

стр. 1385

الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وسياق الآية يدلُّ على اختصاص ذلك بالأموال. - ويثبت كذلك بشهادة رَجُلٍ ويمينٍ؛ لما روى عَمْرو بن دينار عن ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ) قَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا ذَاكَ فِي الْأَمْوَالِ. [رواه أحمد]. - ولا يُقْبَلُ في المال ونحوه شهادةُ امرأتين ويمين، ولا شهادة أربع نِسْوةٍ؛ لأنَّ النساء لا تقبل شهادتهنَّ في ذلك منفردات. - لو كان لجماعة حقٌّ ماليٌّ بشاهدٍ واحدٍ، فأقاموه، فمن حَلَفَ منهم أخذ نصيبه؛ لكمال النِّصاب من جهته، ولا يشاركه من لم يحلف فيما أخذ؛ لأنَّه لا حقَّ له فيه قبل حَلِفِه. السادس: داءُ دابةٍ، وداءُ مُوضِحَةٍ، ونحوهما؛ كداءٍ بالعَيْن. فيُقْبَلُ فيه قولُ طبيبٍ واحدٍ، وبيطارٍ واحدٍ، وكحَّالٍ واحدٍ؛ إذا تعذَّر غيره في معرفة الدَّاء؛ لأنَّه يُخبِرُ عن اجتهاده، كالقاضي يُخبِرُ عن حُكْمِه. فإن لم يتعذَّر، وكان في البلد من أهل المعرفة بالدَّاء أكثر من واحدٍ يعلم ذلك؛ فإنَّه يُعتبر أن يشهدَ به اثنان، كسائر ما يطَّلِعُ عليه الرِّجال وليس بمالٍ. فإن اختلفا؛ فقال أحدهما بوجود الدَّاء، وقال الآخر بعدمه، قُدِّم قول المُثْبِتِ على النافي؛ لأنَّه يشهدُ بزيادةٍ لم يُدركها النافي. السابع: ما لا يطَّلع عليه الرِّجال غالباً؛ كعيوب النِّساء تحت الثياب، والاستهلال-صراخ المولود عند الولادة-، والرَّضاع، والبَكارة، والثُّيوبَة،

стр. 1386

والحَيْض، وعُيوب الفَرْج، وجِراحَةٍ وغيرها في حَمَّامٍ وعُرْسٍ ونحوهما ممَّا لا يحضُرُه الرِّجال. فيثبت بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ عَدْلٍ؛ لحديث عُقْبة بن الحارث: (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا. فَنَهَاهُ عَنْهَا) [رواه البخاري]. فأخذ بقول امرأةٍ واحدةٍ في الرَّضاع، وهو ممَّا لا يطَّلع عليه الرِّجال غالباً. ولأنَّه معنًى يثبت بقول النساء المنفردات، فلا يُشترط فيه العدد؛ كالرِّواية، والأخبار الدينيَّة. - والأحوط أن يشهد به اثنتان؛ لأنَّه أبلغُ. - وإن شهد به رجلٌ، فهو أَوْلَى بالقبول من المرأة؛ لأنَّه أكمل منها. * مسائلُ فيما يَثْبُتُ وما لا يَثْبُتُ بشهادة رَجُلٍ وامْرَأتَيْن، أو رَجُلٍ ويَمين: أ - لو شَهِدَ رَجُلٌ وامرأتان بقَتْلِ العَمْد، لم يثبت شيءٌ؛ لا قِصاصٌ، ولا دِيَةٌ؛ لأنَّ قَتْلَ العَمْدِ يُوجِبُ القِصاصَ، والمالُ بَدَلٌ منه، فإذا لم يثبت الأَصْل لم يجب البَدَل. وإن قُلنا إنَّ مُوجِب القتل العَمْد أحدُ شيئين القصاص أو الدِّية، لم يتعيَّن أحدهما إلَّا باختيارِ من له حقُّ القصاص، فلو أوْجَبْنا الدِّيَةَ بشهادة رجل وامرأتين، فقد أوْجَبْنا مُعيَّناً بدون اختيار. ب- لو شَهِدَ رَجُلٌ وامرأتان بسَرِقَةٍ، ثبت المالُ المسروق؛ لكمال البيِّنةِ، ولم

стр. 1387

يثبت القَطْع؛ لأنَّه حدٌّ لا يثبت إلَّا بشهادة رَجُلَيْن، والسَّرقة تُوجِبُ المالَ والقَطْع، فإذا قَصُرَتِ البيِّنة عن أحدهما، ثَبَتَ الآخر. ج- لو حَلَفَ رَجُلٌ بالطَّلاق أنَّه ما سَرَق، أو حَلَف أنَّه ما غَصَبَ، أو أنَّه ما بَاعَ، أو ما اشْتَرى، أو ما وَهَبَ، أو ما قَتَلَ، ونحو ذلك. فثبتَ فِعْلُه لما حَلَفَ على عَدَمِه بشهادة رَجُلٍ وامرأتين، أو شهادة رَجُلٍ ويَمينٍ، ثبتَ المال في الصور السابقة؛ لكمال بيِّنته، ولم تطْلُق زوجته؛ لأنَّ البيِّنة المثبتة للطَّلاق لم تكمل. د - لو ادَّعى زوجٌ خُلْعاً، فشهد فيه رجلٌ وامرأتان، أو رجلٌ ويمين الزَّوج، قُبِل؛ لأنَّه يدَّعي المال، فيثبتُ العِوَضُ بذلك، وتَبِينُ المرأةُ بمجرَّد دعواه؛ مؤاخذةً له بإقراره. أمَّا لو ادَّعت الزوجة الخُلْع، لم يُقْبل فيه إلَّا شهادة رَجُلَيْن؛ لأنَّ مقصودها الفسخ، وهو لا يثبت بغير رَجُلَيْن. هـ- لو شَهِدَ رجلٌ وامرأتان لامرأةٍ على رَجُلٍ أنَّه تزوَّجها بمَهْرٍ عيَّنَتْه، ثبتَ المَهْرُ، ولم يثبت النكاح؛ لأنَّ النِّكاح حقٌّ للرَّجُل، فلا تدَّعيه، ولا يثبتُ إلَّا برجلين.

стр. 1388

باب الشَّهادة على الشَّهادة أوَّلًا: صورةُ تحمُّل الشَّهادة على الشَّهادة: صورة تحمُّلها: أن يقول شخصٌ لآخر: «اشْهَدْ يا فلان على شهادتي أنَّي أَشْهَدُ أنَّ فلانَ بن فلانٍ أَشْهَدَني على نفسه بكذا». أو «اشْهَدْ أنِّي شَهِدْتُ عليه بكذا»، أو «اشْهَدْ أنَّه أقرَّ عندي بكذا»، ونحو ذلك. ويُسمَّى الشاهدُ الأَصْليُّ: شاهد الأَصْل. ويسمَّى النائب عنه: شاهد الفَرْع. - ويصحُّ أن يَشْهَد على شهادة الرَّجُلين في المال وما يقصد به المال: رَجُلٌ وامرأتان، وعلى شهادة رَجُلٍ وامرأتين: مثلهم، وعلى شهادة امرأةٍ: امرأةٌ فيما تُقْبَلُ فيه شهادة المرأة؛ وهو ما لا يطَّلع عليه إلَّا النساء غالباً؛ كعيوب النساء تحت الثياب، ونحوها ممَّا سبق ذِكْرُه. ثانياً: حُكمُ الشَّهادة على الشَّهادة: الشَّهادة على الشَّهادة في الأموال جائزةٌ بإجماع العلماء؛ قال أبو عبيد: «أجمَعَتِ العُلماءُ من أهل الحِجاز والعراق، على إمضاء الشَّهادة على الشَّهادة في الأموال». ومن جهة المعنى: فإنَّ الحاجة تدعو إليها؛ لأنَّ الشَّهادة وثيقة مستدامةٌ

стр. 1389

لحفظ الأموال والاحتياط في تحصيلها، وربَّما مات المُقِرُّ بها، فيتعذَّر الرجوع إلى إقراره، واستيفاء الحقِّ ممَّن هو عليه، وربَّما مات شاهد الأَصْل، أو غاب، أو مَرِضَ، أو نَسِيَ؛ فتضيع الحقوق، وفي ذلك ضررٌ على الناس، ومشقَّةٌ؛ فاسْتُدْرِك ذلك بتجويز الشَّهادة على الشَّهادة، لتدوم الوثيقة. ثالثاً: شروطُ قَبولِ الشَّهادَةِ على الشَّهادَةِ: يُشترط لقبول الشَّهادة على الشَّهادة ثمانية شروط، وهي: الشرط الأوَّل: أن تكون في حقوق الآدميِّين: فلا تُقْبَلُ الشَّهادةُ على الشَّهادةِ إلَّا في حقٍّ يُقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي؛ وهو حقوق الآدميِّين؛ من مالٍ، وقصاصٍ، وحدِّ قذفٍ. وتُردُّ الشهادة على الشهادة فيما يَردُّ كتاب القاضي إلى القاضي من حدود الله تعالى؛ كحدِّ الزِّنا، وشُرْب المُسكِر؛ لأنَّها مبنيَّة على السِّتر والدَّرْء بالشُّبهات، والإسقاط بالرجوع عن الإقرار، والشَّهادة على الشَّهادة لا تخلو من شبهةٍ؛ لأنَّه يتطرَّق إليها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفَرْع، فوجب أن لا تُقْبَل فيما يُدرأُ بالشُّبُهات. الشرط الثاني: استرعاءُ شاهدِ الأَصْل شاهدَ الفَرْع؛ وهو أن يطلب شاهدُ الأَصْل من شاهدِ الفَرْع أن يحفظ شهادته، ويؤدِّيها؛ بأن يقول: «اشهد على شهادتي بكذا»، أو «اشهد أنِّي شهدتُ عليه بكذا»، أو «اشهد أنَّه أقرَّ

стр. 1390

عندي بكذا»، ونحو ذلك؛ لأنَّ الشَّهادة على الشَّهادة فيها معنى النِّيابة، ولا ينوب عنه إلَّا بإذنه. فلا يجوز لشاهد الفَرْع أن يشهد إلَّا أن يسترعيه شاهدُ الأَصْل (من قولهم: أَرْعِني سَمْعَك)، أو يسترعي غير شاهد الفَرْع، وشاهد الفَرْع يسمع. فلو سمع إنسانٌ إنساناً يقول: «أَشْهَدُ أنَّ هذا البيت وَقْفٌ»، فليس لمن سمع أن يشهد على شهادته، حتَّى يَسترعيه شاهد الأصل، ويطلب منه أن يحفظ شهادته ويؤدِّيها. - وتجوز الشاهدة على الشَّهادة إذا سمع شاهد الفَرْع شاهدَ الأَصْل يشهدُ بها عند القاضي؛ لأنَّه بشهادته عند الحاكم يزول الاحتمال، أشبه ما لو استرعاه. - وتجوز كذلك الشَّهادة على الشَّهادة لو سَمِعَ شاهدُ الفَرْع شاهدَ الأَصْل يشهدُ وقد عَزَا شهادَتَه إلى سبب؛ من بيعٍ، أو قرضٍ، أو إجارةٍ، فيجوز له أن يشهد وإن لم يسترعه شاهد الأَصْل؛ لأنَّه لمَّا عزاها إلى سبب ثبتت بهذا السبب، والأَصْل بقاء السبب وعدم زواله. مثاله: أن يسمع شاهدُ الفَرْع شاهدَ الأَصْل يشهدُ بأنَّ لفُلانٍ على فُلانِ ألف دينارٍ ثمن سيارةٍ، أو قَرْضاً، أو أجرة بيتٍ. الشرط الثالث: تَعَذُّرُ شهادةِ شُهودِ الأَصْلِ، بسبب مَوْتٍ، أو مَرَضٍ، أو خَوْفٍ من سلطانٍ أو غيره، أو حَبْسٍ، أو غَيْبَة مسافَة قَصْرٍ؛ لأنَّ شهادة الأَصْل أقوى، لكونها تُثْبِتُ نَفْس الحقِّ، وشهادةُ الفَرْع إنَّما تُثْبِتُ الشَّهادة

стр. 1391

عليه، فإذا أمكن الحاكم سماع شهادة شاهدي الأَصْل، استغنى عن البحث عن عدالة شاهِدَي الفَرْع عليهما، ولأنَّ سماع الحاكم من شهود الأَصْل معلوم، وصِدْق شاهِدَي الفَرْع عليهما مظنون، ولا يُعْدَل عن اليقين مع إمكانه. الشرط الرابع: دوامُ تَعَذُّر شهادة شهود الأَصْل إلى صُدور الحُكْم. فإن أمكنت شهادة الأَصْل قبل الحكم، وُقِفَ الحكم على سماعها منهم؛ لأنَّ العُذْر قد زال، وصار الحاكم قادراً على سماع الأَصْل قبل العمل بالبدل؛ كالمتيمِّم يقدر على الماء. أمَّا بعد صدور الحُكْم، فلا يؤثِّر انتفاء عُذْر غيبة شهود الأَصْل في الحُكْم. الشرط الخامس: ثبوتُ عدالة شهود الأَصْل والفَرْع؛ لأنَّهما شهادتان، فلا يُحكم بهما بدون عَدالَةِ الشُّهود؛ لأنَّ الحُكْم مبنيٌّ على الشهادتين جميعاً. ويصحُّ من شاهد الفَرْع أن يُعدِّل شاهدَ الأصل بغير خلاف؛ لأنَّ شهادتهما بالحقِّ مقبولة، فكذلك تقبل في العدالة. ولا يُقْبلُ تعديلُ شاهدٍ لرفيقه بعد شهادته، سواء كان الشاهدُ أصلًا أو فَرْعاً؛ لأنُّه يؤدِّي إلى انحصار الشهادة في أحدهما. أمَّا لو كان زكَّاه قبل الشهادة، ثمَّ شَهِدَ، قُبِلَت شهادتهما؛ لانتفاء التُّهمة. الشرط السادس: دوامُ عَدالة شاهِد الأَصْل وشاهد الفَرْع إلى صدور الحُكْم. فإن حَدَثَ من أحدهما ما يمنع قبول شهادتهما قَبْل صُدور الحُكْم؛ من

стр. 1392

فسقٍ، أو جنونٍ، أو رِدَّةٍ، وُقِفَ الحُكْم، لأنَّه مبنيٌّ على شهادتهما، فإذا فُقِدَ شرط الشَّهادة التي هي شرطٌ للحُكْم، لم يَجُزِ الحُكْم بها. الشرط السابع: تعيين شاهِدَي فَرْعٍ لأصْلِه. فلا يكفي أن يقولا: «أَشْهَدَنا حُرَّان عَدْلان ذَكَرَان، بل لا بدَّ أن يُعَيِّناهما؛ لاحتمال أنَّ عَدالَتَهما عندهما دون غيرهما، فيتمكَّن المشهود عليه من الجَرْحْ. الشرط الثامن: أن يؤدِّي شاهدُ الفَرْع الشَّهادة بصفةِ تَحمُّله لها. فيقول: «أشهدُ أنَّ فلان بن فلان وقد عَرَفْتُه بعَيْنِه واسْمِه ونَسَبِه وعَدالَتِه أَشْهَدَنِي أنَّه يشهد أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ كذا». فإن لم يؤدِّها كما تحمَّلها لم يُحكَم بها.

стр. 1393

فصل صفة أَداء الشَّهادة والرجوع فيها أوَّلًا: صِفةُ أداءِ الشَّهادَة: لا تُقْبَلُ الشهادة من ناطقٍ إلَّا بقوله: «أَشْهَدُ» أو «شَهِدْتُ»؛ لأنَّه مصدرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شهادةً، فلا بدَّ من الإتيان بفِعْلها المشتقِّة منه، ولأنَّ فيها معنًى لا يحصل في غيرها من الألفاظ. - فلا يكفي أن يقول: «أنا شاهِدٌ» بكذا؛ لأنَّه إخبار عمَّا اتَّصف به. - ولا يكفي أن يقول: «أنا أعلمُ»، أو «أعرفُ»، أو «أتيقَّنُ»؛ لأنَّه لم يأت بالفعل المشتقِّ من لفظ الشهادة. - ولا يكفي أن يقول: «أشْهَدُ بما وَضَعْتُ به خَطِّي»، أو قال من تقدَّمهُ غيرُه بشهادةٍ: «أشهدُ بمثل ما شَهِدَ به»؛ لأنَّ فيهما إجمالًا، وإبهاماً. - لكن لو قال من تقدَّمَهُ غيرُه بالشهادة: «وبذلك أشهدُ»، أو قال: «وكذلك أشهدُ»، صحَّ فيهما؛ لاتِّضاح معناه. ثانياً: الرُّجوعُ في الشَّهادَةِ: لا يخلو الرجوع في الشهادة من الأحوال التالية: أ - الرجوع في الشهادة على مالٍ وعتق: إذا رجع شهود المال أو العِتْق بعد حُكْم الحاكم بشهادتهم، لم يُنقَض

стр. 1394

الحُكم؛ لأنَّه تمَّ، ووجب المشهود به للمحكوم له. ولا يَنقضُ رجوعُهم الحُكْمَ؛ لأنَّهم إن قالوا: عَمَدْنا؛ فقد شَهِدوا على أنفسهم بالفِسْق، فهما متَّهمان بإرادة نَقْض الحُكْم. وإن قالوا: أَخْطأْنا، لم يلزم نقض الحُكْم؛ لجواز خَطَئِهم في قولهم الثاني، بأن اشتبه عليهم الحال. - ولكن يضمنُ الشهودُ بدلَ ما شَهِدوا به من المال، وقيمةَ ما شهدوا بعِتْقِه؛ لأنَّهم أخرجوه من يد مالكه بغير حقٍّ، وحالوا بينه وبينه، فكانوا كمن باشر التلف بيده. فإن صدَّقهم المشهود له على بُطلان الشهادة، فلا ضمان عليهم، ويردُّ المشهودُ له ما قبضه من مال المحكوم عليه، أو بدله إن تلف؛ لأنَّه اعترف بأخذه بغير حقٍّ. ب- الرجوع في الشهادة على طلاقٍ: ١) إذا رجع شهود الطلاق بعد الحكم، وكان الزوج قد دخل بها، فلا غُرْم على الشهود؛ لأنَّهم لم يُقرِّروا عليه شيئاً بشهادتهم؛ لأنَّ ما تقرَّر عليه إنَّما كان بسبب الدخول، ولم يُخرجوا عن مِلْكِه شيئاً متقوَّماً. ٢) وإن كان رجوعهم عن شهادتهم بالطلاق قبل دخول الزوج بها، فإنَّهم يَغْرَمون نصف مُسَمَّى المَهْر. أو يَغْرَمون بدل مَهْرها، وهو المتعة إن لم يكن قد سمَّى لها مهراً؛ لأنَّ الشهود ألزموه للزوج بشهادتهم بطلاقها، كما يغرم ذلك من فُسِخَ نكاحه بنحو رضاع قبل الدخول.

стр. 1395

ج- الرجوع في الشهادة على الحدِّ أو القَوَدِ: ١) إذا رجع شهودُ قَوَدٍ، أو شهودُ حدٍّ بعد حُكم الحاكم بشهادتهم، وقَبْل استيفاء القَوَد أو الحدِّ، لم يُستوفَ قَوَدٌ ولا حدٌّ؛ لأنَّه عقوبةٌ لا سبيل إلى جَبْرها إذا استوفيت، بخلاف المال. ولأنَّ رجوعهم يُعدُّ شُبهةٌ يُدرأ بها الحدُّ والقَوَد. ٢) تجبُ الدِّيةُ للمشهود له بدل القَوَد؛ لأنَّ الواجب بالعَمْد أحد شيئين، فإذا امتنع أحدهما تعيَّن الآخر، ويرجع الغارم على الشهود. ٣) إذا استوفي الحدُّ أو القَوَدُ بعد الحكم بشهادتهم، ثمَّ قالوا أخطأنا، غَرمَ الشهود دِيَة ما تَلِفَ مخفَّفة؛ من نَفْسٍ، أو ما دونها، أو أَرْش الضَّرْب، ولا تحمل العاقلة منه شيئاً. - وإن قالوا: عَمَدْنا الشهادة عليه ولم نعلم أنَّه يُقتل بها، وكانوا ممَّن يجوز أن يجهل ذلك، وجبت الدِّية مغلَّظة في أموالهم؛ لإقرارهم بأن التلف حصل بسببهم، والعاقلة لا تحمل إقراراً. - وإن قالوا: عمدنا الشهادة عليه بالزور ليُقتل، أو يُقطع؛ فعليهم القصاص. - في جميع الأحوال التي يتقرَّر فيها تضمين الشهود برجوعهم بعد الحكم، يتقَسَّط الغُرْمُ على عددهم؛ لأنَّ التفويت حصل من جميعهم، كما لو أتلف جماعةٌ مالًا. مثاله: لو رجع رجلٌ وعشر نسوةٍ شهدوا في مالٍ، أو إرضاعٍ بين زوجين

стр. 1396

فُرِّق بينهما قبل الدخول، غَرِمَ الرَّجُلُ السُّدُسَ، وغَرِمَ النِّسْوَةُ الباقي، كلُّ واحدةٍ منهنَّ نصف سُدُسٍ. * أحكامُ شَهادَةِ الزُّورِ: شهادةُ الزُّورِ من أكبر الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، ولحديث أبي بَكْرَةَ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ -ثَلَاثًا-. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللّاهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللّاهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ -وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ-: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ. قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) [رواه البخاري، ومسلم]. - إذا عَلِمَ الحاكم بشاهدِ زُورٍ بإقراره على نفسه بذلك، أو بتَبَيُّن كَذِبِه يقيناً؛ فعلى الحاكم ما يلي: أ - أن يُعَزِّره ولو تاب، فكان كمن تاب من حَدٍّ بعد رفعه للحاكم. وليس لتعزيره تقديرٌ، بل يكون بما يراه الحاكم من ضَرْبٍ، أو حَبْسٍ، أو كشف رأس، ونحوها. ولا يجوز التعزير بما يخالف نصًّا؛ كحَلْق لحيةٍ، أو قطع طَرْفٍ، أو أَخْذِ مالٍ. ب- أن يأمر فيُطاف به في المواضع التي يشتهر فيها؛ كالسوق، أو منازل قومه؛ ويُنادى عليه فيقال: «إنَّا وجدناه شاهد زورٍ فاجتنبوه»، ونحو ذلك من العبارات.

стр. 1397

- ولا يُعزَّر شاهدٌ بتعارض البيِّنة؛ لأنَّه لا يُعلم به كذب إحدى البيِّنتين بعينها، ولا بغَلَطِه في شهادته؛ لأنَّ الغلط قد يَعْرِضُ للصادق العَدْل ولا يَتَعَمَّدُه. - ولا يُعزَّر شاهدٌ برجوعه عن شهادته؛ لاحتمال أنَّه رجع لِمَا تَبَيَّنَ له من خطئه. - ولا يُعزَّرُ أيضاً لظهور فسقه؛ لأنَّ الفِسْق لا يمنع صِدْقه.

стр. 1398

باب اليمين في الدعاوى أوَّلًا: تعريفُ اليَمين: اليَمينُ لغةً: القَسَمُ والحَلِف، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا ضَرَب كلُّ واحدٍ منهم يَمينَهُ على يَمينِ صاحِبِه. واصطلاحاً: تَوْكيدُ الحُكْمِ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ، على وجهٍ مخصوصٍ. ثانياً: مشروعيَّة اليَمينِ في الدَّعاوَى: تُشرَعُ اليَمينُ في الدَّعاوى بين المُتخاصِمين في الجُمْلةِ، فهي من وسائل الإثبات القَضائِيِّ التي تَقْطَعُ الخُصومَةَ حالًا، إلَّا إنَّها لا تُسْقِطُ حَقًّا؛ فتُسْمَعُ البَيِّنةُ ولو بعد اليَمينِ. والأصلُ في مشروعيَّتها القُرآنُ، والسُّنَّةُ، والإجْماعُ: - فمن القرآن: قول الله ﵎: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦]. - ومن السُّنَّة: ما روى ابنُ عبَّاس ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ) [رواه البيهقي]. - وأمَّا الإجماع: فقد قال ابن المنذر ﵀: «وأَجْمَعوا على أنَّ البيِّنَةَ

стр. 1399

على المُدَّعِي، واليَمينَ على المُدَّعَى عليه». ثالثاً: الحقوقُ التي تَجْرِي فيها اليَمينُ: تنقسمُ الحقوقُ إلى قسمين: القسمُ الأوَّل: حقوقُ الله ، وهي على ضَرْبَيْن: أحدُهما: الحُدودُ: كالسَّرِقَة، والزِّنا، والحِرَابة، فهذه لا يُستحْلَفُ فيها المُنْكِرُ الذي ادُّعي عليه فيها؛ لأنَّه لو أقرَّ ثمَّ رجع عن إقراره قُبِلَ منه، وخُلِّي سبيله من غير يَمينٍ، فلَأَنْ لا يُستحْلَف مع عدم الإقرار من باب أَوْلَى. ولأنَّه يُستحَبُّ سِتْرُه، والتعريضُ للمُقِرِّ ليرجِعَ عن إقراره، وللشُّهود بترك الشَّهادةِ بالحَدِّ والسَّتْر عليه؛ لحديث: نُعَيْم بن هَزَّال -في قصَّة رَجْم ماعِزٍ-، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ) [رواه أحمد، وأبو داود]. - ولا يُستحْلَفُ مُنْكِرٌ ادُّعِيَ عليه ما يُوجِبُ التَّعزيرَ؛ لأنَّه حقٌّ لله تعالى، فأشبه الحَدَّ. الثاني: العِباداتُ: كالصَّلاة، والصِّيام، والزَّكاة؛ فلا يُستحْلَفُ مُنْكِرٌ ادُّعِي عليه بترك صلاةٍ، أو صيامٍ، أو دَفْعِ زَكاةِ مالِهِ؛ لأنَّ العبادات حقوقٌ خالصةٌ لله تعالى. - ولا يُستحْلَفُ من ادُّعِيَ أنَّ عليه كَفَّارةٌ، أو نَذْرٌ، فأنكر ذلك؛ لأنَّها من حقوقِ الله تعالى، وليس للمدَّعِي حَقٌّ فيها.

стр. 1400

- ولا يُستحْلَفُ شاهِدٌ أنْكَرَ تَحَمُّلَ شهادَةٍ، ولا حاكِمٌ أنْكَرَ حُكْمَه، ولا وَصِيٌّ على نَفْي دَيْنٍ على مُوصٍ؛ لأنَّ ذلك كُلَّه لا يُقْضَى فيه بنُكُولٍ، فلا فائدة بإيجاب اليمين فيه. القسمُ الثاني: حُقوقُ الآدَمِيِّينَ من المَال، أو التي يقصد منها المال؛ كالبُيوع، والدُّيون، والجِنايات، والإتْلافات. فهذه يُستَحْلَفُ فيها المُنْكِرُ إذا ادُّعِيَ عليه فيها، وعَجَزَ المُدَّعِي عن تقديم البَيِّنة؛ لحديث ابن عبَّاس ﵄-السابق: (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ). ويُستثنَى من ذلك: النِّكاحُ، والرَّجْعَةُ، والطَّلاقُ، والإِيلاءُ، وأَصْلُ الرِّقٍّ، والوَلاءُ، والاسْتيلادُ، والنَّسَبُ، والقَذْفُ، والقَوَدُ؛ فهذه لا يُستحْلَفُ فيها مُنْكِرٌ ادُّعِيَ عليه فيها؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيها بالنُّكُول. فلو ادَّعَتِ امرأةٌ على رجلٍ النِّكاح من أَجْلِ المَهْر، أو النَّفَقَةِ، فلا يُستحْلَفُ الرَّجلُ؛ لأنَّ النِّكاح لا بُدَّ فيه من شَهادَةٍ ووَلِيٍّ، فلا يُقْضَى فيه بالنُّكُول. وكذا لو ادَّعَى الزَّوْجُ أنَّه طَلَّق زَوْجَتَهُ لنَفْي النَّفَقَةِ، أو ادَّعتِ الزَّوجة أنَّه طَلَّقها، وليس للمُدَّعِي بَيِّنةٌ، فلا يُستحْلَفُ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النِّكاح. - إذا نَكَلَ المُنكِرُ عن اليَمين، قُضِيَ عليه بالحقِّ الذي ادُّعِيَ عليه به؛ لما روى سالم بن عبد الله (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَبَاعَهُ

стр. 1401

بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: بَاعَنِي عَبْدًا، وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللّاهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ، وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يَحْلِفَ، وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ) [رواه مالك]. رابعاً: صِفَةُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ: أ - من حَلَفَ على فِعْل نَفْسِه، أو فِعْلِ غيره، أو حَلَف على دَعْوَى عليه في الإثْبَاتِ، حَلَفَ على البتِّ. أي: القَطْعُ والجَزْم؛ لما رُوِيَ عن ابن عبَّاس ﵄: (أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عِنْدَ رَجُلٍ حَقًّا، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ البَيِّنَةَ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي بَيِّنَةٌ. فَقَالَ لِلآخَرِ: احْلِفْ، فَحَلَفَ فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَلْ هُوَ عِنْدَكَ، ادْفَعْ إِلَيْهِ حَقَّهُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : شَهَادَتُكَ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَفَّارَةٌ لِيَمِينِكِ) [رواه الحاكم]. - مثال الحَلِفِ على فِعْلِ نَفْسِه: أنْ يدَّعِيَ إنسانٌ على شخصٍ أنَّه غَصَبَهُ أَرْضَهُ، فيُنكِرُ المُدَّعَى عليه ذلك، فيطلُبُ المدَّعِي يَمينَ المُدَّعَى عليه، حَلَفَ المُدَّعَى عليه على البتِّ قائلاً: «والله ما غَصَبْتُه تلك الأرض». - ومثال الحَلِفِ على فِعْلِ غَيْرِه: أن يدَّعِيَ عليه شخصٌ أنَّه اشترى منه سيَّارةً، فيُنكِرُ المُدَّعَى عليه، ويقيم المُدَّعِي شاهِداً بدعواه، وأراد الحَلِفَ معه، حَلَفَ المُدَّعِي على البتِّ قائلًا: «والله اشترى منِّي هذه السيارة».

стр. 1402

- ومثال الحَلِفِ على دَعْوَى عليه في الإثْباتِ: أن يدَّعِيَ شخصُ على آخرَ دَيْناً بسبب قَرْضٍ، وأقام به شاهداً، وأراد الحَلِفَ معه، حَلَفَ على البتِّ قائلًا: «والله لي عليه دَيْنٌ بسبب قَرْضٍ». ب- من حَلَفَ على نَفْي فِعْل غيره، أو حَلَف على نَفْي دَعْوَى على غَيْرِه، حَلَفَ على نَفْي العِلْم؛ لما رَوَى الأشْعَثُ بن قَيْسٍ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ فِي يَدِهِ. قَالَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ، وَاللهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ. فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ -يَعْنِي لِلْيَمِينِ-) [رواه أحمد وأبو داود]. فأقرَّه النبيُّ ﷺ على ذلك ولم ينكر عليه. ولأنَّه لا يمكنه الإحاطة بفعل غيره، بخلاف فعل نفسه، فتكليفه اليمين على البت حملٌ له على اليمين على ما لا يعلمه. - مثال الحَلِفِ على نَفْي فِعْلِ غَيْرِه: أن يدَّعِيَ إنسانٌ على آخرَ أنَّ أباه غَصَبَه داراً، فأنْكَر، ولا بيِّنة، فيَحْلِفُ على نفي العلم قائلًا: «والله لا أعلمُ أنَّ أبي غَصَبَهُ داراً». - ومثال الحَلِفِ على نَفْي دَعْوَى على غَيْرِه: أن يدَّعِيَ إنسانٌ دَيْناً على مُوَرِّثِ إنسانٍ آخرَ، فأنْكَرَ، ولا بَيِّنةَ، فإنَّه يَحْلِفُ على نفي العلم قائلًا: «والله لا أَعْلَمُ أنَّ له على مُوَرِّثي دَيْناً».

стр. 1403

ج- مَنْ أقامَ شاهِداً بما ادَّعاهُ ممَّا يُقْبَل فيه شاهِدٌ ويَمينٌ، حَلَفَ مع الشاهِدِ على البَتِّ، ويَجِبُ تَقْديمُ الشاهِدِ على اليَمِين. د - مَنْ تَوَجَّه عليه حَلِفٌ لجماعَةٍ، ادَّعوا عليه دَيْناً، أو نحو ذلك، فإنَّه يَحْلِفُ لكُلِّ واحدٍ يَميناً؛ لأنَّ لكُلِّ واحدٍ منهم حقًّا غير حقِّ الآخر. فإذا رَضُوا كُلُّهم بيَمينٍ واحدةٍ فيُكْتَفَى بها؛ لأنَّ الحقَّ لهم، وقد رَضُوا بإسقاطه، فَسَقَطَ. خامساً: تَغْليظُ اليَمينِ: أ - اليَمينُ المشروعةُ: هي اليَمينُ بالله وحدهُ؛ لقول الله ﵎: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقوله جلَّ شأنه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]. وعن سالمٍ مولى ابن عمرَ ﵄: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِ مِئَةٍ دِرْهم، قَالَ: فَوَجَدَ بِهِ المُشْتَرِي عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إلَى عُثْمَانَ، فَسَأَلَهُ عُثْمَانُ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ: تَحْلِفُ بِاَللّاهِ: لَقَدْ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ مِنْ عَيْبٍ تَعْلَمُهُ؟ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ: تَحْلِفُ بِاَللّاهِ: لَقَدْ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ مِنْ عَيْبٍ تَعْلَمُهُ) [رواه ابن أبي شيبة]. ب- للحاكِمِ تَغْليظُ اليَمينِ فيما له خَطَرٌ وأهمِّيَّةٌ كُبْرى؛ كجنايةٍ لا تُوجِبُ قَوَداً، وعِتْقٍ، ومالٍ كثيرٍ قَدْر نِصابِ الزكاةِ؛ لأنَّ التغليظ للتأكيد، وما لا خطر فيه لا يحتاج إلى تأكيد.

стр. 1404

وتغليظُ اليمين قد يكون باللَّفظ، أو الزَّمان، أو المكان. فتغليظُها باللَّفظ: كأن يحْلِفُ قائلاً نحو: «والله الذي لا إله إلَّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الذي يعلمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدورُ». - وإن كان الحالِفُ يهودِيًّا: غُلِّظَ عليه بلفظ: «والله الذي أنزلَ التوراة على موسى، وفَلَقَ له البحرَ، وأنْجاهُ من فرعونَ ومَلَئه»؛ لحديث البَراء بن عازِبٍ ﵁ قال: (مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ) [رواه مسلم]. - وإن كان الحالِفُ نَصْرانيًّا: غُلِّظ عليه بلفظ: «والله الذي أنزلَ الإنْجيلَ على عيسى، وجَعَلَهُ يُحيي المَوْتَى، ويُبْرئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ»؛ لأنَّه لفظٌ تتأكَّد به يَمينُهُ. - وإن كان الحالِفُ مَجوسِيًّا أو وَثَنِيًّا: غُلِّظ عليه بلفظ: «والله الذي خَلَقَني، وصَوَّرَني، ورَزَقَني»؛ لأنَّه يُعظِّم خالِقَهُ، ورازِقَهُ، فأشبه كلمة التوحيد عند المسلم. - وإن كان الحالِفُ صابِئاً، أو يَعْبُدُ غير الله تعالى: حَلَفَ بالله تعالى؛ لحديث

стр. 1405

عبد الله بن عمر ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) [رواه البخاري ومسلم]. وأمَّا تغليظ اليَمينِ بالزَّمان: مثل أن يَحْلِفَ بعد العَصْر؛ لقول الله تبارك تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، قال ابن عبَّاس ﵄: «يعني بعد العصر»، وهو قول سعيد بن جُبَيْر، وإبراهيم النَّخَعي، وقَتادة، وعِكْرِمَة وابن سِيرين. أو يَحْلِفَ بين الأذان والإقامة؛ لأنَّه وقتٌ تُرجَى فيه إجابةُ الدُّعاء، فتُرجَى فيه معاجلة الكاذب بالعقوبة؛ فعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) [رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي]. وأمَّا تغليظ اليَمينِ بالمَكانِ: مثل أن يحْلِفَ بمكَّةَ بين الرُّكن والمَقامِ؛ لما له من زيادةٍ على غيره في الفَضيلَةِ؛ فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ الرُّكْنَ، وَالمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ، طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ) [رواه أحمد، والترمذي]. أو يحْلِفَ عند المِنْبَرِ في المساجد؛ لحديث جابر بن عبد الله الأنصاريِّ ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) [رواه مالك]. فقِيسَ عليه باقي منابر المساجد.
следующие страницы →