روى عبد الله بن عُكيم قال: (قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ الله ﷺ في أَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلامٌ شَابٌ: أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
- والشَّعْرُ، والصُّوفُ، والرِّيشُ طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياةٍ، ولو غير مأكولةٍ كالهرِّ والفأرِ؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النّحل: ٨٠]، والريشُ مَقيسٌ على المنصوص عليه.
خامساً: تغطيةُ الآنيةِ:
يُسَنُّ تغطيةُ الآنيةِ، وإيكاءُ-ربطُ- الأَسْقِيةِ؛ لحديث جابر أن النبيّ ﷺ قال: (إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ … وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا) [رواه البخاري ومسلم]. خمِّروا: أي غَطُّوا.
* * *
стр. 37
باب الاستنجاء وآداب التخلي
أوَّلًا: تعريف الاستنجاء:
الاستنجاء: إزالة ما خرج من السبيلين بماء طَهُور أو حَجَر طاهر مباح منقٍ.
والإنقاء بالماء معناه: أن يعود المكان طاهراً خَشِناً كما كان.
أما الإنقاء بالحجر فمعناه: أن يزيل الحجر النجاسة وبَلَّتها بحيث يخرج آخر حجر نقيًّا ولا يبقى بعده إلَّا أثرٌ لا يزيله إلَّا الماء.
ثانياً: حكم الاستنجاء:
الاستنجاء واجب لكل ما خرج من السبيلين؛ لقول النبي ﷺ في حديث عائشة ﵂: (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ) [رواه أبو داود]. ولقوله ﷺ في المذي: (يَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ) [رواه البخاري ومسلم].
إلَّا إذا كان الخارج طاهراً؛ كالمنيِّ، والرِّيح، والولد بدون دم، أو كان الخارج نجساً لم يلوِّث المحلَّ؛ فلا يجب الاستنجاء؛ لأنَّ الاستنجاء إنَّما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا.
ثالثاً: آداب الاستنجاء:
١) يجزئ في الاستنجاء الماء وحده، أو الحجر وحده، وكذا ما كان في معنى الحجر من كل جامد طاهر مزيل للنجاسة؛ كالخشب والخِرَق (القماش) وما في
стр. 38
معناهما؛ لحديث أنس ﵁: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ الخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ) [رواه البخاري ومسلم].
ولحديث عائشة ﵂ أنّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ) [رواه أبو داود].
٢) والماء أفضل؛ لأنه أبلغ في التنظيف ويُطهِّر المحل؛ فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة ١٠٨]، قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالمَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ) [رواه أبوداود].
٣) لا يجوز ولا يجزئ الاستنجاء بأقل من ثلاث مَسَحَات؛ وذلك باستعمال ثلاثة أحجار، أو حجر واحد له ثلاث شُعَب؛ فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا) [رواه أحمد]. وعن سلمان ﵁ قال: (نَهَانَا -يعني النبيّ ﷺ … أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) [رواه مسلم].
٤) يكره الاستنجاء باليمين؛ لحديث سلمان السابق، وفيه: (نَهَانَا -يعني النبي ﷺ … أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ).
٥) يكره استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء؛ تعظيماً لها.
٦) يحرم الاستنجاء بالروث، والعظم، والطعام؛ سواءً أكان طعاماً للآدمي أم للبهائم؛ لحديث ابن مسعود ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ) [رواه مسلم والترمذي -واللفظ له- والنسائي في الكبرى]. وتعليل النهي بكونه زاداً للجنِّ تنبيه على أنَّ طعام الإنسان وطعام دوابّهم
стр. 39
أولى بالنهي؛ لأنَّه أعظم حُرمةً.
فإن فعل واستنجى بهذه الأشياء لم يجزئه بعد ذلك إلَّا الماء، وكذا إذا تعدَّى الخارج من السبيلين الموضع المعتاد، لم يجزئه إلَّا الماء.
* * *
стр. 40
فصل في آداب التخلي
أوَّلًا: ما يُسنُّ لدخول الخلاء:
يُسنُّ لداخل الخلاء ما يلي:
١) البعد والاستتار عن الناس لاسيما عند الغائط؛ لحديث جابر ﵁ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ البَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدُ) [رواه أبو داود].
والبَراز: مكان قضاء الحاجة.
٢) التَّسمية والاستعاذة عند الدخول إلى الكنيف -موضع قضاء الحاجة-، وعند تشمير الثياب حال قضاء الحاجة في الفضاء؛ لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ) [رواه الترمذي وابن ماجه].
ولحديث أنس ﵁ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ) [رواه البخاري ومسلم]. والخُبُث: بضم الباء جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، والمراد: ذكران الشياطين وإناثهم.
٣) تقديم رجله اليسرى في الدخول، واليمنى في الخروج؛ لأن اليمين تُقدَّم إلى الأماكن الطيبة، واليسار لضدِّها، ثم يقول: غفرانك؛ لحديث عائشة ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ) [رواه الترمذي وأبو داود].
стр. 41
٤) أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، إلَّا لحاجة؛ لحديث ابن عمر ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ) [رواه أبو داود].
ثانياً: ما يكره حال التخلِّي:
يكره حال التخلي ما يلي:
١) استقبال الشمس والقمر؛ تكريماً لهما.
٢) البول في مهب الريح؛ لئلا يرتد عليه فيتنجس بدنه أو ثيابه.
٣) الكلام مطلقاً، إلا لما لابد منه كإرشاد أعمى يخشى عليه من التردِّي؛ لحديث ابن عمر ﵄ (أَنَّ رَجُلاً مَرَّ وَرَسُولُ الله ﷺ يَبُولُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْه) [رواه مسلم].
٤) البول في الجحور والثقوب؛ لحديث قتادة عن عبد الله بن سَرْجَس ﵁ قال: (نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الجُحْرِ. قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ البَوْلِ فِي الجُحْرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الجِنِّ) [رواه أحمد وأبو داود].
٥) البول في نار أو في رمادٍ؛ لأنه يورث السَّقم.
٦) البول في المُسْتَحَم، أو في الماء الراكد؛ لحديث عبد الله بن مغفل ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
وعن جابر ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ) [رواه مسلم].
٧) دخول الخلاء بشيء فيه ذِكْرُ لله تعالى، إلّا لحاجة؛ إكراماً وإجلالاً لاسمه جلَّ
стр. 42
وعَلا، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج ٣٢].
- ولا يكره له البول قائماً إن أَمِنَ التلوَّث بنجاسة، وأَمِنَ أن لا يراه أحد؛ لحديث حذيفة ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِماً) [رواه البخاري ومسلم]. والسُّباطة بالضم: المكان الذي يلقى فيه التراب والقمامة.
ثالثاً: ما يحرم حال التخلي:
يحرم حال التخلي ما يلي:
١) استقبال القبلة واستدبارها، في الصحراء بلا حائل؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا) [رواه مسلم].
- أما إذا كان يستتر بسُترة، أو ذيل ثيابه، أو كان في البنيان؛ فيباح له ذلك؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: (ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ) [رواه البخاري ومسلم].
وعن مروان الأصفر قال: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَلَيْسَ قَدْ نُهِىَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى؛ إِنَّمَا نُهِىَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ) [رواه أبو داود].
٢) البول أو التغوُّط في طريق الناس، أو في مكان يستظلون به، أو في مورد ماءٍ، أو تحت شجرة مثمرة؛ لقول النبي ﷺ : (اتَّقُوا المَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: البَرَازَ فِي المَوَارِدِ،
стр. 43
وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ) [رواه أبو داود وابن ماجه]، ولئلا يتنجس ما سقط من الشجرة المثمرة. والملاعن: أي ما يجلب لعنة الناس.
٣) البول أو التغوُّط بين قبور المسلمين؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ( … وَمَا أُبَالِي أَوَسْطَ القُبُوِرِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسْطَ السُّوقِ) [رواه ابن ماجه]؛ فسوَّى النبيُّ ﷺ في الحكم بين قضاء الحاجة وسط السوق، وقضاء الحاجة وسط القبور.
٤) المكث أكثر من قدر الحاجة؛ لأنَّه كشف للعورة بلا حاجة.
والرواية الأخرى في المذهب: أنَّه مكروه.
* * *
стр. 44
باب السِّواك
أوَّلًا: تعريف السِّواك:
السِّواك: بكسر السين؛ اسم للعود الذي يستوَّك به؛ لتطهير الفم وتنظيفه.
ثانياً: آداب استعمال السِّواك:
١) يُسنُّ استعمال السواك مطلقاً في كلِّ وقت، لغير صائم بعد الزَّوال؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال: (السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) [رواه أحمد والنسائي].
٢) تحصل سُنَّة التَّسوك بعود الأراك وبغيره مما يحقق نظافة الفم من غير أذى، والأراك أفضل لوروده في السُّنَّة.
٣) يتأكّد استعمال السواك في مواضع هي:
أ) عند الوضوء: لقول النبيِّ ﷺ : (لَولَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّواكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) [رواه مالك وأحمد وابن خزيمة].
ب) عند الصلاة: لقول النبيِّ ﷺ : (لَولَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ) [رواه مسلم].
ج) عند الانتباه من النوم: لحديث حذيفة قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ الَّليْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 45
د) عند تغيّر رائحة الفم: لعموم حديث عائشة السابق (السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ).
هـ) عند قراءة القرآن: لحديث عليٍّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ العَبْدَ إِذَا تَسَوَّكَ وَقَامَ يُصَلِّي قَامَ المَلَكُ خَلْفَهُ فَسَمِعَ لِقِرَاءَتَهِ، فَيَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيءٌ إِلَّا صَارَ في جَوْفِ المَلَكِ، فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرْآنِ) [رواه البزار].
و) عند دخول المنزل: لما روى شريح بن هانئ قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: بِأَيِّ شَيءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ) [رواه مسلم].
٤) يجوز أن يتسوَّك بالعود الواحد اثنان فأكثر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ رَسُولُ الله ﷺ بَصَرَهُ -يعني أطال النَّظر إليه-، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَاناً قَطُّ أَحَسَنَ مِنْهُ) [رواه البخاري].
٥) سُنَّة استعمال السوِّاك لا تقتصر على تنظيف الأسنان فقط، بل تشمل كلَّ ما في الفم ممَّا يحتاج إلى التنظيف كاللِّسان؛ لما روى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ: أُعْ أُعْ، وَالسِّوَاكُ في فِيهِ كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ) [رواه البخاري ومسلم]. ومعنى يتهوع: أي يتقيأ.
стр. 46
فصل في سنن الفطرة
أوَّلًا: تعريف سُنَن الفِطْرة:
سُنَنُ الفِطْرَة: هي الأعمال التي من فعلها والتزم بها فقد اتصف بالفطرة التي خلق الله تعالى الناس عليها، وهي من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠].
وقد وردت السنة النبوية ببيان هذه السنن، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنْ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ) [رواه البخاري ومسلم].
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ المَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ- أي العُقَد التي في ظهور الأصابع، ومجتمع الوسخ-، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ -أي الاستنجاء بالماء-). قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ. [رواه مسلم].
ثانياً: بيان سُنَن الفِطْرة وأحكامها:
سُنَن الفِطْرة هي:
١) الاستحداد: وهو إزالة الشعر النابت حول قُبُل الرجل والمرأة بالحَلْق،
стр. 47
أو النتف، أو استعمال مزيل.
٢) نتف الإبط: وهو إزالة الشعر النابت في باطن المنكب بالنتف، أو الحلق، أو استعمال مزيل.
٣) تقليم الأظفار: وذلك بقطع ما زاد عن اللحم في أطراف أصابع اليدين
أو الرجلين.
٤) قصُّ الشَّارب: وهو الشعر النابت فوق الشفة العليا. والسنّة في قصّ الشارب حفُّه؛ أي المبالغة في قصِّه.
- وإزالة هذه الأربعة يكون في مدة لا تتجاوز أربعين يوماً، لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: (وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْليمِ الأَظْفَارِ وَنَتْفِ الإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [رواه مسلم].
٥) الخِتان: وهو في الرَّجُل: قطع الجِلدة التي فوق رأس الذَّكر، وفي الأنثى: قطع لحمة صغيرة زائدة فوق موضع الفَرْج كعُرْف الدِّيك، ولا تستأصل، بل يقطع منها بعضها.
- والخِتان واجب في حقِّ الذَّكر عند البلوغ؛ لأمره ﷺ من أَسْلَم أن يختتن [رواه الطبراني في الكبير]. فإن خاف على نفسه التلف والهلاك؛ سقط عنه الوجوب.
أمَّا الأنثى فالصحيح أنَّ الخِتان في حقِّها مَكْرُمَة (١)؛ لحديث أمِّ عطيَّة ﵂: (أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ : لا تُنْهِكِي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلى البَعْلِ) [رواه أبوداود]. ومعنى تنهكي: أي تبالغي في القطع.
стр. 48
- أما وقته: فإنّه يُستحبُّ في الصغر إلى سنِّ التمييز، ويتعيَّن وجوبه في حقِّ الرجال بعد البلوغ؛ لحديث سعيد بن جبير قال: (سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مِثْلَ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، وَكَانُوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ) [رواه البخاري].
٦) إعفاء اللِّحية: وهو الشعر النابت على الخدَّين والذقن، بخلاف ما نبت على العنق؛ فإنَّه ليس من اللحية.
- وإعفاء اللحية واجب ويحرم حَلْقها؛ للأحاديث الآمرة بإعفائها؛ كحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: (خَالِفُوا المُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى) [رواه مسلم]، وفي رواية أخرى: (أَرْخُوا اللِّحَى) [رواه مسلم]، وفي رواية: (أَوْفُوا اللِّحَى) [رواه مسلم]، وفي رواية: (وَفِّرُوا اللِّحَى) [رواه البخاري].
- ولا يُكره أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية؛ لما روى مروان بن سالم المقفع قال: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيْقَطَعُ مَا زَادَ عَلَى الكَّفِ) [رواه أبو داود والنسائي في الكبرى].
وعن أبي زرعة قال: (كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا فَضُلَ مِنْها) [رواه ابن أبي شيبة في المصنف].
* ومن الآداب والسنن المُستحبَّة ما يلي:
١) التطيُّب: لحديث أنس ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُم النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاةِ) [رواه أحمد والنسائي].
стр. 49
٢) الاكتِحال: وهو وضع الكُحل من إِثْمِد وغيره في العَين، أو دَلْك الأجفان به، سواء أكان للتزين أم للتداوي.
- والسنة في الاكتحال أن يكون وتراً؛ لحديث ابن عباس قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَكَانَ يَكْتَحِلُ في كُلِّ عَينٍ ثَلاثَةَ أَمْيالٍ) [رواه أحمد -واللفظ له- والترمذي وابن ماجه].
وعن أنس ﵁ في صفة اكتحال رسول الله ﷺ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْتَحِلُ في عَيْنِهِ اليُمْنَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَاليُسْرَى مَرَّتَينِ) [رواه ابن سعد في الطبقات، والطبراني في الكبير].
٣) النظر في المرآة؛ ليزيل ما عسى أن يكون بوجهه من أذى، ويفطن إلى نعمة الله عليه في خلقه.
* * *
стр. 50
باب الوضوء
أوَّلًا: تعريف الوضوء:
الوضوء في الشرع: هو استعمال ماءٍ طَهُور في الأعضاء الأربعة، -وهي الوَجْه واليَدان، والرأس، والرِّجْلانِ- على صفة مخصوصة في الشَّرْع؛ بأنْ يَأْتي بها مُرتَّبةً مُتَواليةً مع باقي الفُروض.
ثانياً: حكم الوضوء:
الوضوء واجب على المُحْدِث إذا أراد الصلاة وما في حكمها؛ كالطواف ومسِّ المصحف؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة ٦]، ولقول النبيِّ ﷺ : (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: فضل الوضوء:
جاء في فضل الوضوء كثير من الأحاديث التي تُنبِّه على فضله، وعِظَم أَجْرِه، ومكانته عند الله ؛ منها: ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ -أَوِ الُمؤْمِنُ- فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ
стр. 51
خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ-، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ-، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ- حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) [رواه مسلم].
رابعاً: شروط صحَّة الوضوء:
وهي ثمانية لا بدَّ من توافرها، وإلّا لم يصحّ الوضوء:
١) انقطاع ما يوجبه قبل ابتدائه؛ فلا يبتدئ الوضوء وهو لا يزال يَتبوَّل، أو يَتغوَّط، أو يخرج منه مذي، ونحو ذلك ممَّا يوجب الوضوء، بل لا بدَّ من انقطاع كلِّ ذلك قبل الوضوء، وإلّا لم يصحّ.
٢، ٣، ٤) الإسلام، والعقل، والتمييز؛ فلا يصح من الكافر، ولا المجنون، ولا يكون معتبراً من الصغير الذي دون سن التَّمييز.
٥) النِّيَّة؛ لقول النبي ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) [رواه البخاري ومسلم]. والمراد بالنيَّة هنا: قصد رفع الحدث، أو قصد ما تجب له الطهارة؛ كالصلاة، والطواف، ومَسِّ المصحف، أو قصد ما تُسن له الطهارة؛ كقراءة القرآن، وذكر الله ، والأذان، والنوم، ورفع الشكِّ في الوضوء، ورفع الغضب، والجلوس بالمسجد، وتدريس العلم، فمتى نوى شيئاً من ذلك ارتفع حدثه.
стр. 52
- ولا يضرُّ سبق لسانه بغير ما نوى؛ لأنّ محلّ النيّة القلب.
- ولا يضرُّ أيضاً شَكُّه في النية بعد الوضوء، أمّا إن شك في النيّة أثناء الوضوء فعليه أن ينوي ويتوضّأ من جديد؛ ليأتي بالعبادة بيقين، ما لم يكثر الشكّ فيصير كالوسواس، فحينئذٍ لا يلتفت إليه.
٦) الماء الطهور المباح؛ فالماء النجس لا يصحّ الوضوء به، وكذا الماء المغصوب، أو الذي تحصَّل عليه بغير طريق شرعي لا يصحّ الوضوء به أيضاً؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) [رواه مسلم].
٧) أن يسبقه استنجاء أو استجمار؛ وذلك في حقّ من لزمه الاستنجاء
أو الاستجمار لخروج شيء منه؛ لقول النبيِّ ﷺ في حديث المقداد بن الأسود: (يَغْسِلْ ذَكَرَهُ، ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ) [رواه النسائي].
أمّا إذا لم يخرج منه شيء، أو كان الخارج طاهراً كالمنيّ أو الريح؛ فلا يلزمه الاستنجاء قبل الوضوء؛ لأن الاستنجاء إنّما شُرِعَ لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا.
٨) إزالة ما يمنع وصول الماء إلى الجلد؛ فلا بدّ للمتوضّئ أن يزيل ما على أعضاء الوضوء من طين، أو عجين، أو شمع، أو وسخ متراكم، أو أصباغ سميكة؛ ليجري الماء على جلد العضو مباشرة من غير حائل.
خامساً: فروض الوضوء:
وهي ستّة لا بدّ من الإتيان بها، وإلا لم يصحَّ الوضوء:
стр. 53
١) غسل الوجه بكامله؛ من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، ومن منبت الشعر إلى أسفل الذقن؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأن الفم والأنف من الوجه.
٢) غسل اليدين مع المرفقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة ٦].
٣) مسح الرأس كلّه مع الأذنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة ٦]، وقوله ﷺ : (الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ) [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه]. فلا يُجزئ مسح بعض الرأس دون بعض.
٤) غسل الرجلين مع الكعبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة ٦].
٥) الترتيب؛ لأنَّ الله تعالى ذكر الوضوء مرتّباً، وقد توضّأ رسول الله ﷺ مرتّباً على حسب ما ذكر الله سبحانه: الوجه، فاليدان، فالرأس، فالرجلان؛ كما ورد ذلك في صفة وضوئه ﷺ في حديث عبد الله بن زيد قال: قيل له: (تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ الله ﷺ . فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكْفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ الله ﷺ [رواه مسلم].
٦) المُوالاة؛ بأن يكون غسل العضو عقب الذي قبله مباشرة بدون تأخير؛
стр. 54
بحيث لا يؤخِّر غسله حتّى يجفّ ما قبله بزمن معتدل، أو قدره من غيره.
وقد كان النبيّ ﷺ يتوضّأ متوالياً؛ كما جاء في صفة وضوئه، ولحديث خالد بن معدان ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ) [رواه أحمد]، فلو
لم تكن الموالاة فريضةً لأمره بغسل ما فاته، ولم يأمره بإعادة الوضوء كلّه.
واللُّمْعَة: الموضع الذي لم يصبه الماء في الوضوء أو الغسل.
سادساً: واجبات الوضوء:
الوضوء له واجب واحد وهو التسمية؛ بأن يقول: «بسم الله»؛ لحديث
أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ) [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه].
فلو ترك التَّسمية عمداً فوضوؤه غير صحيح، أمّا إن تركها سهواً فلا شيء عليه ووضوؤه صحيح؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [رواه ابن حبان]، فإن تذكَّرها في أثناء الوضوء أتى بها، وأكمل وضوءه ولا شيء عليه.
سابعاً: سُنن الوضوء:
للوضوء سبع عشرة سُنَّة يستحبُّ للمتوضئ أن يفعلها؛ فإن فعلها أُجر عليها، وإن لم يفعلها فلا شيء عليه، ووضوؤه صحيح، وهي:
стр. 55
١) استقبال القبلة؛ وذلك لعموم الأدلّة الدالّة على استحباب التوجّه إلى جهة القبلة في الطاعات؛ كالدعاء، وكالإهلال بالعمرة أو الحجّ.
٢) السِّواك؛ لقوله ﷺ : (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) [رواه مالك وأحمد وابن خزيمة].
٣) غسل الكفّين ثلاثاً في أوّل الوضوء؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ (أَنَّهُ دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا … ) [رواه البخاري ومسلم].
٤) البدء بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه؛ لحديث عثمان المتقدم؛ وفيه: (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا).
٥) المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم؛ لحديث لَقيط بن صَبُرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أَسْبِغِ الوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِماً) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
٦) المبالغة في غسل سائر الأعضاء مطلقاً؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: (أَسْبِغِ الوُضُوءَ).
والإسباغ هو الإنقاء؛ لما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄: (أَنَّهُ كَانَ يَرَى الوُضُوءَ السَّابِغَ، الإِنْقَاءَ) [رواه البخاري معلقاً، وعبد الرزاق موصولاً].
٧) الزيادة في ماء الوجه؛ لما ثبت عن عليٍّ ﵁ أنّه قال لابن عبّاس ﵄: (أَلَا أَتَوَضَّأُ لَكَ وُضُوءَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قال: بَلَى؛ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. قَالَ: فَوُضِعَ لَهُ إِنَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدَيْهِ
стр. 56
فَصَكَّ بِهِمَا وَجْهَهُ وَأَلْقَمَ إِبْهَامَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ عَادَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهَا تَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ … ) [رواه أحمد وأبو داود].
٨) تخليل اللِّحية الكثيفة؛ لحديث أنس ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدَخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي [رواه أبو داود].
٩) تخليل أصابع اليدين والرجلين؛ لحديث لقيط بن صبرة المتقدِّم وفيه: (وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ)
١٠) أخذ ماء جديد للأذنين؛ لما ثبت عن حبَان بن وَاسع الأنصاري أن أباه حدَّثهُ أنَّه سمع عبد الله بن زيد ﵁ يذكر: (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ المَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ) [رواه البيهقي].
وعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: (أَنَّهُ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ يَأْخُذُ المَاءَ بِإِصْبَعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ) [رواه مالك في الموطأ].
١١) تقديم اليمنى على اليسرى؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) [رواه البخاري ومسلم].
١٢) الزيادة في الغسل على محلّ الفرض؛ لما ثبت عن أبي هريرة ﵁ أنّه (تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ
стр. 57
الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ في السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَنْتُمُ الْغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ) [رواه مسلم].
١٣) غسل الأعضاء مرَّتين أو ثلاثاً؛ فالواجب مرّة واحدة، ويستحبُّ مرّتين أو ثلاثاً؛ لفعله ﷺ ، فقد ثبت عنه كما في حديث ابن عبّاس ﵄ قال: (تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً) [رواه البخاري]، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) [رواه البخاري]، وحديث عثمان ﵁ الذي مَرَّ، وفيه وصف وضوئه ﷺ وأنّه غسل أعضاء الوضوء ثلاثاً إلَّا الرأس مسحها مرَّة واحدة. [رواه البخاري].
١٤) استصحاب ذِكر النيّة إلى آخر الوضوء؛ لتكون أفعاله مقرونة بالنيّة.
١٥) الإتيان بالنيّة عند غسل الكفّين؛ لأنّه أوّل مسنونات الطهارة.
١٦) الذكر الوارد بعد الوضوء؛ وهو ما جاء في حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أَوْ فَيُسْبِغُ- الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ) [رواه مسلم].
١٧) يُباح للمتوضئ أن يستعين بأحدٍ في وضوئه؛ لحديث المغيرة بن شعبة قال: (ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ المَاءَ -لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: فِي
стр. 58
غَزْوَةِ تَبُوكَ-؛ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَذَهَبَ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ عَلَيْهِ كُمُّ الجُبَّةِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ جُبَّتِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) [رواه البخاري].
ثامناً: صفة الوضوء:
صفة الوضوء تكون على النحو التالي:
أن ينوي، ثم يُسمّي، ويغسل كَفَّيه، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر، ثمّ يغسل وجهه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن، ويجب عليه أن يغسل ما تحت لحيته إذا كانت خفيفة بحيث تصف البشرة، وكذا ما تحت الشارب والعَنْفَقَة والحاجبين ونحو ذلك، أمّا إذا كانت لا تصف البشرة فيجزئه غسل ظاهرها، ثمّ يغسل يديه اليُمنَى ثمَّ اليُسرَى مع مرفقيه، ولا يضرُّ وسخٌ يسيرٌ تحت ظُفْر ونحوه؛ لأنّه يسير عادة، فلو كان واجباً لبَيَّنه ﷺ ، ثمّ يمسح جميع ظاهر رأسه من حدِّ الوجه إلى ما يسمى بالقفا، والبياض فوق الأذنين منه، ويُدخل سبّابتيه في صِمَاخ أُذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثمّ يغسل رجليه اليُمنَى ثمَّ اليُسرَى مع كعبيه؛ وهما العظمان الناتئان في أسفل القدم.
تاسعاً: نواقض الوضوء:
نواقض الوضوء: هي الأشياء التي تُبطِلُ الوضوء وتُفسِدُه؛ وهي ثمانية على النحو التالي:
١) الخارجُ من السَّبيلَيْن؛ أي من مخرج البول والغائط، سواء كان الخارج منهما
стр. 59
بولاً، أو غائطاً، أو منيًّا، أو مذياً، أو دمَ استحاضة، أو ريحاً، قليلاً كان أو كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة ٦]. وقوله ﷺ : (لا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) [رواه البخاري ومسلم]. وقوله ﷺ : (وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ) [رواه أحمد]، وقوله ﷺ فيمن شكَّ هل خرج منه ريح أو لا؟ -: (فَلا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً) [رواه البخاري ومسلم].
٢) خروجُ النجاسة من بقيّة البَدَن؛ فإن كان بولاً أو غائطاً نقض مطلقاً؛ لدخوله في النصوص السابقة، وإن كان غيرهما كالدم والقيء؛ فإن فحش وكَثُرَ انتقض الوضوء أيضاً؛ لأن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ لمّا جاءت إلى النبيِّ ﷺ وقالت له: (إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ … )، ثم قال لها: (تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ) [رواه الترمذي].
وعن مَعْدَان بن أبي طلحة عن أبي الدَّرداء ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاءَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ) [رواه الترمذي]، أمّا إذا كان يسيراً فلا يُتوضّأ منه.
٣) زوالُ العقل أو تغطيتُه بإغماء أو نوم؛ لقوله ﷺ : (العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) [رواه أبوداود وابن ماجه]. والوِكاءُ: هو الخيط الذي يربط به فم القربة، والسَّه: هو الدُّبُر. والمعنى: أنّ العينين في يقظتُهما بمنزلة الحَبْل الذي يُربَط به؛ فزوال اليقظة كزوال هذا الرباط.
- وأما الجنون والإغماء والسُّكْر ونحوها فينقض الوضوء إجماعاً.
стр. 60
- والنوم الناقض: هو المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك على أي هيئة كان النوم. أما النوم اليسير من جالسٍ أو قائمٍ فإنّه لا ينقض الوضوء؛ لحديث قتادة قال: سمعت أنساً ﵁ يقول: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ) [رواه مسلم].
أمَّا النوم اليسير مع احتباء، أو اتّكاء، أو استناد، أو اضطجاع؛ فإنَّه ينقض الوضوء مطلقاً.
٤) مَسُّ فَرْج الآدمي باليد لا بالظُّفْر، أو مسُّ حَلَقة الدُّبر (سواء فَرْجه أو فَرْج غيره) بلا حائل؛ لحديث أبي أيوب وأم حبيبة ﵄ أنّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ) [رواه ابن ماجه].
- ولا فرق بين مسِّه لفرجه، أو مسِّه لفرج غيره؛ لأنَّ مسَّ ذكر غيره معصية وأدْعى إلى الشهوة وخروج الخارج، ثمّ إنّ حاجة الإنسان تدعو إلى مسِّ ذكر نفسه؛ فإذا انتقض بمسِّ نفسه فبِمَسِّ ذَكَر غيره أَوْلَى، وقد جاء في بعض الروايات عن بُسْرَة بنت صَفْوان أنَّه ﷺ قال: (وَيَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) [رواه أحمد والنسائي].
- ولا فرق في كلِّ ذلك بين ذكر الصغير والكبير؛ لعموم الرواية السابقة.
- أما مسُّ الخِصْيتين فلا ينتقض به الوضوء؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ خصَّ الفَرْج بنقضه للوضوء؛ فدلَّ ذلك على عدم انتقاض الوضوء بمسِّ غيره.
٥) لمس الذَّكرِ بَشرَةَ الأنثى، أو الأنثى بَشرَةَ الذَّكر لشهوة من غير حائل، ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً أو مَحْرَماً؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة ٦].
стр. 61
- فإن لمسها من وراء حائل، أو كان اللَّمس لشَعْرها، أو لِسِنِّها، أو لِظُفْرها، أو كانت دون سنِّ السابعة، لم ينتقض وضوؤه.
- ولا ينتقض وضوء الممسوس فرجُه، ولا الملموس بدنُه، ولو وَجَد شهوةً؛ لعدم تناول النصِّ له. وسئل الإمام أحمد عن المرأة إذا مَسَّت زوجَها؟ فقال: «ما سمعتُ فيه شيئاً، ولكن هي شقيقة الرجال؛ أحبُّ إليَّ أن تتوضَّأ».
٦) تغسيل الميِّتِ أو بعضِه؛ لقول ابن عمر ﵁: (إِذَا غَسَّلْتَ المَيِّتَ فَأَصَابَكَ مِنْهُ أَذىً فَاغْتَسِلْ، وَإِلَّا إِنَّمَا يَكْفِيكَ الوُضُوءُ) [رواه عبد الرزاق والبيهقي بإسناد ضعيف].
ولما روي عن عطاء قال: (سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَلَى مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً غُسْلٌ؟ قَالَ: لَا، قَدْ إِذاً نَجَّسُوا صَاحِبَهُمْ، وَلَكِنْ وُضُوءٌ) [رواه عبد الرزاق والبيهقي].
والغاسل: هو الذي يُقلِّب الميت ويباشره، لا من يصب الماء ونحوه.
٧) أكل لحم الإبل ولو نَيِّئاً؛ لحديث جابر بن سَمُرَة ﵁: (أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ. قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ) [رواه مسلم].
والنقض خاصٌّ باللَّحم فقط، وما عداه من كَبِد وقَلْب وكَرْش وكُلْية ولِسان وسَنام ومَرَق، لا ينتقض به الوضوء؛ لأنّها ليست بلحم.
٨) الرِّدَّة عن الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة ٥].
стр. 62
٩) كلُّ ما يوجب الغُسل فإنَّه يوجب الوضوء، إلَّا الموت.
عاشراً: ما يَحرُمُ على المُحْدِث حَدَثاً أصغر:
يحرم على المُحدِث حَدَثاً أصغر -وهو من وجب عليه الوضوء فقط- ثلاثة أمور هي:
١) الصلاة؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ … ) [رواه مسلم].
٢) الطواف؛ فرضاً كان أو نفلاً؛ لقوله ﷺ : (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ الله أَحَلَّ فِيهِ المَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ) [رواه ابن حبان والحاكم].
٣) مس المصحف ببشرته بلا حائل؛ فإن كان بحائل لم يحرم لأن المسَّ يكون حينئذٍ للحائل، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٩]، ولقول النبيِّ ﷺ : (لَا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) [رواه مالك والدارقطني والحاكم].
الحادي عشر: ما يَحرُمُ على المُحْدِثِ حَدَثاً أكبر:
يحرم على المُحدِث حَدَثاً أكبر-وهو من وجب عليه الغسل- بالإضافة إلى ما سبق أمران:
١) قِراءة القرآن؛ لحديث عليٍّ ﵁: ( … وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ -أَوْ قَالَ: يَحْجُزُهُ- عَنِ القُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الجَنَابَةَ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
٢) المُكْثُ في المسجد بلا وضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾
стр. 63
[النساء ٤٣]، والسَّبيل: هو الطريق، ولقوله ﷺ : (لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ) [رواه أبو داود وابن ماجه].
- فإن توضأ الجُنب جاز له المكث فيه؛ لما روي عن عطاء بن يسار قال: (رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ يَجْلِسُونَ فِي المَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إِذَا تَوَضَّؤُوا وَضُوءَ الصَّلَاةِ) [رواه أحمد وسعيد بن منصور].
* * *
стр. 64
باب المسح على الخُفَّين
أوَّلًا: تعريفُ المَسْحِ على الخُفَّين:
يقصد بالمسح على الخفين: إمرار اليد المبلولة بالماء على ما يستعمل للرِّجْل من خُفٍّ ونحوه، بنيَّة التطهر تعبُّداً لله تعالى.
ثانياً: حُكْم المَسْحِ على ساتِرِ القَدَم وشُرُوطُه:
يجوز المسح على كل ما يستر القدمين سواء أكان من جلد أم صوف أم قطن أم كِتَّان، إذا توفرت فيها الشروط المعتبرة في المسح، وهي:
١) أن يلبسهما بعد كمال الطهارة بالماء؛ فيتوضّأ وضوءاً كاملاً، ثمّ يلبس الخفَّين
أو الجَوْرَبين ونحوهما، فإن انتقض وضوؤه بعد ذلك جاز له المسح؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُما طَاهِرَتَينِ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) سترهما لمحلِّ الفَرْض، بحيث لا يظهر شيء من القَدَم ممَّا يجب غسله عند الوضوء؛ لأنَّ حكم ما استتر المسح، وحكم ما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع فغلب الغسل.
٣) إمكان المشي بهما مشياً معتاداً؛ لأنَّ الحاجة إلى لبس الخفِّ إنّما يقصد بها إمكانية
стр. 65
المشي به.
٤) ثبوتهما بنفسهما؛ لأنَّ لفظ الخفِّ إنَّما ينطبق على الخفِّ المعتاد الذي يثبت بنفسه، وهو الذي وردت الرخصة فيه، أمَّا ما لا يثبت بنفسه فليس في معنى الخفِّ؛ فلا يلحق به.
٥) أن يكون الخفُّ مباحاً، فلا يصحُّ المسح على خفٍّ مغصوب أو مسروق
أو مصنوع من حرير -في حقِّ الرجال-؛ لأنَّ المسح رخصة، والرُّخَصُ
لا تُستباح بالمحرَّمات.
٦) أن يكون الخفُّ طاهراً في عينه؛ فلا يكون مصنوعاً من جلد خنزير أو كلب
أو ميتة؛ لأنَّ النجس في عينه منهيٌّ عنه لذاته. والرُّخَصُ لا تُستباح بالمحرَّمات.
٧) أن لا يصف البشرة تحته؛ وهو ما يظهر لون الجلد تحته؛ لأنَّه غير ساتر لمحلِّ الفرض، ولا تدعو الحاجة إليه.
ثالثاً: مُدَّةُ المَسْحِ:
وقَّت النبيُّ ﷺ للمقيم أن يمسح يوماً وليلةً، وأمَّا المسافر فإنَّه يمسح ثلاثة أيام بلياليهنَّ؛ وذلك لما روى عليٌّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهِنَّ لِلمُسَافِرِ، وَيَوماً وَلَيلَةً لِلمُقِيمِ) [رواه مسلم].
وعن عوف بن مالك ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَ بِالمَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَياليهِنَّ لِلمُسَافِرِ، وَلِلمُقِيمِ يَومٌ وليلةٌ) [رواه أحمد].
стр. 66
أمَّا المسافر سفر معصية فإنَّه يمسح يوماً وليلةً كالمقيم؛ لأنَّ سفر المعصية
لا تُستباح به الرُّخَص؛ فجعل هذا السفر كعدمه، واليوم والليلة غير مختصَّة بالسفر، ولا هي من رُخَصِه.
رابعاً: ابتِداءُ المَسْحِ:
يبدأ وقت المسح من بَعد الحَدَث الذي يَطرأُ بعد اللّبس لا من وقت المسح؛ لحديث صفوان بن عسَّال ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَراً أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلا من جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ من غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ) [رواه أحمد والترمذي]؛ فمفهومه أنها تنزع لثلاث يمضين من حصول الحدَث الذي هو الغائط أو البول أو النوم.
- إذا مسح المسافر ثمَّ بلغ موضع إقامته، أو مسح المقيم ثمَّ سافر، فكلاهما يحسب مدَّة المسح كالمقيم؛ لأنَّها عبادة تختلف بالحضر والسفر، وقد وُجِد أحدُ طَرَفَيْها في الحَضَر؛ فغلب فيها حكم الحَضَر.
- وإذا شكَّ الماسح في ابتداء المسح؛ هل مَسَحَ وهو مقيم أو وهو مسافر؟ فإنَّه يمسح مَسْحَ مقيم يوماً وليلة؛ لأنَّه لا يجوز المَسْح مع الشكِّ في إباحته.
خامساً: مَوْضِعُ المَسْحِ:
يكون المسح على ظاهر القَدم، أي أعلى الخُفِّ دون أسفله أو عَقِبِه، فيضع يده
стр. 67
على موضع الأصابع ثمَّ يجرُّها إلى ساقه خَطًّا بأصابعه ماسحاً أكثر القدم؛ لما ثبت عن عليٍّ ﵁ قال: (لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ) [رواه أبوداود].
سادساً: نَواقِضُ المَسْحِ:
ينتقض المسح بعِدَّة أمور:
١) حصول ما يوجب الغسل؛ كالجنابة والحيض؛ لحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَراً أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلا من جَنَابَةٍ … ) الحديث.
٢) نزع الخُفِّ أو انكشاف محلِّ الفرض من القدم بعد المسح من حَدَث؛ وذلك لأنَّ المسحَ أُقيمَ مقامَ الغسل؛ فإذا زال محلُّ المسح -وهو الخُفُّ- بطلت الطهارة.
٣) انقضاء مُدَّة المسح؛ لأنَّ مفهوم أحاديث توقيت المسح تفيد بأنَّها طهارة مؤقَّتة تبطل بانتهاء وقتها.
* * *
стр. 68
فصل في المسح على الجَبيرة
أوَّلًا: تعريفُ الجَبِيرَة:
الجَبيرة: أخشاب ونحوها توضع على الكَسْر ليَنْجَبر. وفي حُكْمها اللفائف والعَصائب التي توضع على الجروح والحروق.
ثانياً: حُكْم المَسْحِ على الجَبيرَة:
يصحُّ المسح على الجَبيرَة؛ لما جاء في حديث جابر ﵁ في قصة الرَّجل صاحب الشَّجَّة الذي أَصبح جُنباً فاغتسل فمات، فقال النبيُّ ﷺ : (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ-أَوْ يَعْصِبَ- عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) [رواه أبو داود وابن ماجه].
ثالثاً: شُروطُ المَسْحِ على الجَبيرَة:
١) يشترط في المسح على الجَبيرَة أن يضعها على طهارة؛ قياساً على الخُفِّ.
والرواية الثانية في المذهب أنَّه لا يشترط أن يضعها على طهارة؛ لأنَّ طلب الطهارة حال الإصابة ووضع الجَبيرَة ممَّا يشقُّ على الناس جدًّا، ولا يمكن توقعه، ويؤيِّد ذلك ما جاء في حديث جابر ﵁ في الذي أصابته الشجَّة، فإنَّه
стр. 69
قال: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيهَا)، ولم يذكر الطهارة.
٢) أن لا تتجاوز موضع الحاجة؛ فإن تجاوزت موضع الحاجة وتضرَّر من نزعها تيمَّم له أيضاً.
رابعاً: صِفَةُ المَسْحِ على الجَبيرَة:
يغسل المجبور الجزءَ الظاهر من العضو الصحيح، ويمسح على الجَبيرَة بالماء بما يستوعبها كلَّها؛ فإن تَعذَّرَ نَزْعُ الجَبيرَة وكانت قد تجاوزت موضع الحاجة؛ وجب عليه التيمُّم للزائد، مع غسل الصحيح، والمسح على الجبيرة؛ لما جاء في حديث صاحب الشجَّة حيث قال ﷺ : (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ).
* * *
стр. 70
باب ما يُوجب الغُسل
أوَّلًا: تعريفُ الغُسْل:
الغُسْل: بضم الغين، وهو سَيَلان الماء الطهور على جميع البَدَن على صفة مخصوصة.
ثانياً: حُكْم الغُسْل:
الغُسْل مشروع، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء ٤٣].
ومن السنَّة ما رواه أبو هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا؛ فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: مُوجِباتُ الغُسْل:
يجب الغُسْل بواحد من ستَّة أمور:
١) خروج المنيِّ من مخرجه:
والمنيُّ: هو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة، وهو عند الرَّجُل
стр. 71
أبيض ثخين، وعند المرأة أصفر رقيق، كما في حديث أم سُلَيْم ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءُ المَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ) [رواه البخاري ومسلم].
وأمَّا مخرج المنيِّ فهو ذَكَرُ الرَّجُل وقُبُل المرأة.
ويُشتَرَط في الماء الخارج المُوجِب للغُسْل أن يكون بلَذَّة ودَفْق، فلو خرج المنيُّ بغير لذَّةٍ ولا دَفْقٍ، كمرض أو بَرْد؛ فلا غُسْل عليه؛ لحديث عليِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ) [رواه أبو داود والنسائي].
فإن كان الخارج من مخرج المنيَّ أحمرَ كالدَّمِ بدَفْقٍ، فإنَّه يوجب الغُسْل؛ وذلك لأنَّه قد يخرج هكذا لقصور الشهوة عنه.
والنائم لا يشترط في حقه وجود الدفق واللذة، فيغتسل بمجرد رؤية الماء؛ لحديث أم سليم عندما سألت: (هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ ﷺ : نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ) [رواه البخاري ومسلم]، فعلَّق الحكم على رؤية الماء من غير اشتراط دفق أو لذة.
٢) تغييب حَشَفَة أصليَّة في فَرْج أصليٍّ:
والحَشَفَة هي رأس الذَّكَر، فيجب الغُسْل إذا أدخل البالغ رأس ذَكَرِه الأصليِّ في فَرْج أصليٍّ، ولو لم يُنزل؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ) [رواه مسلم]. وفي رواية: (وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) [رواه مسلم]، وهو كناية عن مجامعة الرجل
стр. 72
للمرأة وإن لم يَحْدُث إنزالٌ.
ولا فرق في وجوب الغسل إذا كان إدخال الحَشَفَةِ الأصليَّة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، لآدميٍّ أو بهيمةٍ، حيٍّ أو ميِّتٍ؛ لأنَّه إيلاجٌ في فَرْج أصليٍّ، فأشبه الآدميَّة.
أمَّا إذا غيب الحَشَفَة في الفَرْج بحائل غير رقيق فلا يوجب الغسل إلَّا إذا حصل إنزال للمنيِّ؛ أمَّا إذا كان بحائل رقيق بحيث تكمل اللذَّة فإنَّه يوجب الغُسْل؛ سواء أنزل أم لم ينزل.
ويجب الغُسْل بتغييب الحَشَفَة في الفَرْج على من بلغ عشر سنين من الذكور، وتسع سنين من الإناث، ولو لم يكونا بالغين.
ومعنى وجوب الغُسْل في حقِّ الصغير: أنَّه شَرْط لصحَّة الصلاة، أو الطَّواف، أو لإباحة مسِّ المصحف، أو قراءة القرآن، لا أنَّه يأثم بتركه.
٣) إسلام الكافر؛ لحديث قيس بن عاصم ﵁ قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدُ الإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) [رواه أبو داود والنسائي والترمذي]. والمرتد له حكم الكافر الأصليِّ.
٤) خروج الحيض: وهو الدَّم الخارج من قَعْرِ رَحِم المرأة بعد البلوغ.
ويجب الغسل بخروج دم الحيض، ولا يصحُّ إلَّا بعد الطهر وانقطاع الدم؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيْش ﵂ سألتِ النبيَّ ﷺ قالت: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي)
стр. 73
[رواه البخاري]. وأمر النبيُّ ﷺ أمَّ حَبيبَة، وسَهْلَة بنت سُهِيْل، وحَمْنَة بنت جَحْش ﵅ بالاغتسال بعد الحيض.
٥) خروج دم النفاس؛ وهو الدم الخارج بسبب الولادة، وحكمُه حكمُ دَمِ الحيض بالإجماع؛ فيجب فيه الغسل، ولا يصحُّ إلَّا بعد الطُّهر منه.
٦) الموت؛ لحديث أمِّ عطيَّة الأنصاريَّة ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين تُوفِّيَت ابنتُه فقال: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ … ) [رواه البخاري ومسلم].
أمَّا شهيد المعركة فلا يُغَسَّل؛ لحديث أنس ﵁: (أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ … ) [رواه أبو داود والترمذي].
* * *
стр. 74
فصل في شروط الغُسْل وفرائضُه واجباتُه وسُنَنُه
أوَّلًا: شُروطُ صِحَّة الغُسْل:
لا يصحُّ الغُسْل إلَّا بسبعة شروط:
١) انقطاع السَّبب الموجِب للغُسْل؛ فالحائض والنُّفَساء لا يصحُّ منهما غُسْل إلَّا بعد انقطاع الدَّمِ عنهما، لحديث عائشة ﵂: (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) [رواه البخاري].
٢) النِّيَّة؛ وهو أن ينوي رفع الحدث سواء أكان جنابة أم حيضاً أم نفاساً، لحديث عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنِّمَا الأَعَمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) [رواه البخاري ومسلم].
٣) الإسلام؛ وهذا شرط لصحة كل عبادة؛ إذ الكافر لا يصح له عمل مع بقائه على الكفر أو الشرك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
٤) العَقْل؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى
стр. 75
يَعْقِلَ) [رواه أبو داود وابن ماجه]، ولأنَّ الغُسْل عبادة تحتاج إلى نيَّة، وفاقد العقل لا قَصْد له ولا نيَّة.
٥) التَّمييز؛ لأنَّ التمييز أقلُّ سِنٍّ يُعتبر فيه قَصْد الصغير شَرْعاً.
والمميِّز: هو من بلغ سَبْع سِنينَ، وقيل: هو من يفهم الخِطابَ، ويَرُدُّ الجوابَ، ولا ينضبط بسِنٍّ، بل يختلف باختلاف الأفهام.
٦) الماء الطَّهور المباح؛ لأنَّ الطهارة عبادة لا تُستَباحُ بما هو محظور؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) [رواه مسلم].
والماء الطَّهور هو: الماء الباقي على أصل خِلْقَتِه ولم يُغيِّره شيءٌ؛ لا في لَوْنِه،
ولا طَعْمِه، ولا رَائِحَتِه. فلا يصحُّ الاغتسال بالماء النجس، أو الماء الذي اختلط بشيء من الطاهرات ممَّا غيَّر اسْمَه إلى ذلك الطاهر.
والماء المباح هو: الذي لا يكون مغصوباً أو مسروقاً؛ لأنَّ الغُسْل عبادة؛ فلا تُستباح بما هو محرَّم.
٧) إزالة ما يمنع وصول الماء؛ كالطِّين، والعَجين، والأصباغ؛ لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦]، ومفهوم الطهارة في الغُسْل تعميم البَدَن بالماء، وهذه الموانع تمنع وصول الماء إلى جميع البَدَن؛ فمن اغتسل مع وجود المانع لم يكن متطهِّراً.