أبيض ثخين، وعند المرأة أصفر رقيق، كما في حديث أم سُلَيْم ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءُ المَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ) [رواه البخاري ومسلم].
وأمَّا مخرج المنيِّ فهو ذَكَرُ الرَّجُل وقُبُل المرأة.
ويُشتَرَط في الماء الخارج المُوجِب للغُسْل أن يكون بلَذَّة ودَفْق، فلو خرج المنيُّ بغير لذَّةٍ ولا دَفْقٍ، كمرض أو بَرْد؛ فلا غُسْل عليه؛ لحديث عليِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ) [رواه أبو داود والنسائي].
فإن كان الخارج من مخرج المنيَّ أحمرَ كالدَّمِ بدَفْقٍ، فإنَّه يوجب الغُسْل؛ وذلك لأنَّه قد يخرج هكذا لقصور الشهوة عنه.
والنائم لا يشترط في حقه وجود الدفق واللذة، فيغتسل بمجرد رؤية الماء؛ لحديث أم سليم عندما سألت: (هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ ﷺ : نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ) [رواه البخاري ومسلم]، فعلَّق الحكم على رؤية الماء من غير اشتراط دفق أو لذة.
٢) تغييب حَشَفَة أصليَّة في فَرْج أصليٍّ:
والحَشَفَة هي رأس الذَّكَر، فيجب الغُسْل إذا أدخل البالغ رأس ذَكَرِه الأصليِّ في فَرْج أصليٍّ، ولو لم يُنزل؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ) [رواه مسلم]. وفي رواية: (وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) [رواه مسلم]، وهو كناية عن مجامعة الرجل
стр. 72
للمرأة وإن لم يَحْدُث إنزالٌ.
ولا فرق في وجوب الغسل إذا كان إدخال الحَشَفَةِ الأصليَّة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، لآدميٍّ أو بهيمةٍ، حيٍّ أو ميِّتٍ؛ لأنَّه إيلاجٌ في فَرْج أصليٍّ، فأشبه الآدميَّة.
أمَّا إذا غيب الحَشَفَة في الفَرْج بحائل غير رقيق فلا يوجب الغسل إلَّا إذا حصل إنزال للمنيِّ؛ أمَّا إذا كان بحائل رقيق بحيث تكمل اللذَّة فإنَّه يوجب الغُسْل؛ سواء أنزل أم لم ينزل.
ويجب الغُسْل بتغييب الحَشَفَة في الفَرْج على من بلغ عشر سنين من الذكور، وتسع سنين من الإناث، ولو لم يكونا بالغين.
ومعنى وجوب الغُسْل في حقِّ الصغير: أنَّه شَرْط لصحَّة الصلاة، أو الطَّواف، أو لإباحة مسِّ المصحف، أو قراءة القرآن، لا أنَّه يأثم بتركه.
٣) إسلام الكافر؛ لحديث قيس بن عاصم ﵁ قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدُ الإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) [رواه أبو داود والنسائي والترمذي]. والمرتد له حكم الكافر الأصليِّ.
٤) خروج الحيض: وهو الدَّم الخارج من قَعْرِ رَحِم المرأة بعد البلوغ.
ويجب الغسل بخروج دم الحيض، ولا يصحُّ إلَّا بعد الطهر وانقطاع الدم؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ فاطمة بنت أبي حُبَيْش ﵂ سألتِ النبيَّ ﷺ قالت: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي)
стр. 73
[رواه البخاري]. وأمر النبيُّ ﷺ أمَّ حَبيبَة، وسَهْلَة بنت سُهِيْل، وحَمْنَة بنت جَحْش ﵅ بالاغتسال بعد الحيض.
٥) خروج دم النفاس؛ وهو الدم الخارج بسبب الولادة، وحكمُه حكمُ دَمِ الحيض بالإجماع؛ فيجب فيه الغسل، ولا يصحُّ إلَّا بعد الطُّهر منه.
٦) الموت؛ لحديث أمِّ عطيَّة الأنصاريَّة ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين تُوفِّيَت ابنتُه فقال: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ … ) [رواه البخاري ومسلم].
أمَّا شهيد المعركة فلا يُغَسَّل؛ لحديث أنس ﵁: (أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ … ) [رواه أبو داود والترمذي].
* * *
стр. 74
فصل في شروط الغُسْل وفرائضُه واجباتُه وسُنَنُه
أوَّلًا: شُروطُ صِحَّة الغُسْل:
لا يصحُّ الغُسْل إلَّا بسبعة شروط:
١) انقطاع السَّبب الموجِب للغُسْل؛ فالحائض والنُّفَساء لا يصحُّ منهما غُسْل إلَّا بعد انقطاع الدَّمِ عنهما، لحديث عائشة ﵂: (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) [رواه البخاري].
٢) النِّيَّة؛ وهو أن ينوي رفع الحدث سواء أكان جنابة أم حيضاً أم نفاساً، لحديث عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنِّمَا الأَعَمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) [رواه البخاري ومسلم].
٣) الإسلام؛ وهذا شرط لصحة كل عبادة؛ إذ الكافر لا يصح له عمل مع بقائه على الكفر أو الشرك؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
٤) العَقْل؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى
стр. 75
يَعْقِلَ) [رواه أبو داود وابن ماجه]، ولأنَّ الغُسْل عبادة تحتاج إلى نيَّة، وفاقد العقل لا قَصْد له ولا نيَّة.
٥) التَّمييز؛ لأنَّ التمييز أقلُّ سِنٍّ يُعتبر فيه قَصْد الصغير شَرْعاً.
والمميِّز: هو من بلغ سَبْع سِنينَ، وقيل: هو من يفهم الخِطابَ، ويَرُدُّ الجوابَ، ولا ينضبط بسِنٍّ، بل يختلف باختلاف الأفهام.
٦) الماء الطَّهور المباح؛ لأنَّ الطهارة عبادة لا تُستَباحُ بما هو محظور؛ لحديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) [رواه مسلم].
والماء الطَّهور هو: الماء الباقي على أصل خِلْقَتِه ولم يُغيِّره شيءٌ؛ لا في لَوْنِه،
ولا طَعْمِه، ولا رَائِحَتِه. فلا يصحُّ الاغتسال بالماء النجس، أو الماء الذي اختلط بشيء من الطاهرات ممَّا غيَّر اسْمَه إلى ذلك الطاهر.
والماء المباح هو: الذي لا يكون مغصوباً أو مسروقاً؛ لأنَّ الغُسْل عبادة؛ فلا تُستباح بما هو محرَّم.
٧) إزالة ما يمنع وصول الماء؛ كالطِّين، والعَجين، والأصباغ؛ لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦]، ومفهوم الطهارة في الغُسْل تعميم البَدَن بالماء، وهذه الموانع تمنع وصول الماء إلى جميع البَدَن؛ فمن اغتسل مع وجود المانع لم يكن متطهِّراً.
стр. 76
ثانياً: فَرائِضُ الغُسْل:
أمَّا فرضُ الغُسْل فهو: تَعْمِيمُ المُغتَسِل جميعَ بَدَنِه بالماء.
ويدخل في ذلك: الفم، والأنف، والسُّرَّة، وما تحت الذقن، والإبطين، وما بين الأليتين، وباطن الرُّكْبة، وأسفل الرِّجلين، وما يظهر من فَرْج المرأة عند القعود، وما تحت الخاتم، ونحو ذلك.
كما يجب غَسْلُ ظاهِر الشَّعْر وباطنه؛ لحديث عائشة ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: واجِباتُ الغُسْل:
للغُسْل واجب واحد؛ وهو: التَّسمية، وهي قول: «بسم الله»؛ قياساً على الوضوء، وقد ورد الأمر بالتَّسمية في حديث أبي سعيد الخدري ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ عَلَيهِ) [رواه أبوداود والترمذي].
فإن نَسِيَ التَّسمية سقط وجوبها؛ لأنَّ حديثَ التَّسمية يتناول الوضوء لا غيره.
ويجب على المرأة نقضُ شَعْرها في غسل الحيض والنفاس؛ لحديث عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ قال لها -وكانت حائضاً-: (انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي) [رواه ابن ماجه].
стр. 77
ولا يجب عليها نقض شعرها في غسل الجنابة؛ لحديث أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي امْرَأةٌ أشدُّ ضَفْر رَأْسِي، فَأَنْقُضُهُ لغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ قَالَ: (لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ المَاءَ فَتَطْهُرِينَ) [رواه مسلم].
ويكفي في إسباغ الغُسْل وتعميم البَدَن بالماء حصول غَلَبة الظنِّ؛ لحديث عائشة ﵂ في صفة غُسْل النبيِّ ﷺ قالت: (حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ) [رواه البخاري].
رابعاً: سُنَنُ الاغْتِسال:
يُسنُّ عند الاغتسال سبعة أمور؛ وهي:
١) إزالة ما لوَّثه بيده من أذى؛ لحديث ميمونة ﵂ في صفة غسل النبيِّ ﷺ قالت: (ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ) [رواه البخاري].
٢) الوضوء قبل الاغتسال؛ لحديث عائشة ﵂ في صفة غُسْل النبيِّ ﷺ قالت: (ثُمَّ يَتَوَضَأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) [رواه البخاري ومسلم].
٣) صبُّ الماء على الرَّأس ثلاثاً؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ) [رواه البخاري ومسلم].
٤) البدء بغسل الجهة اليُمْنَى من جسده قبل الجهة اليُسْرَى؛ لحديث عائشة ﵂: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي تَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 78
٥) الموالاة؛ وهو غسل العضو قبل جفاف ما قبله.
٦) الدَّلْك بإمرار اليد على الجسد؛ لأنَّه أنقى، ويتيقَّن به وصول الماء إلى جميع جسده.
٧) إعادة غسل الرجلين بمكان آخر؛ لحديث ميمونة ﵁ قالت: (ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَل قَدَمَيْهِ) [رواه البخاري].
* تَشْريكُ النيَّة في الطَّهارَة:
وهو أن ينوي غُسْلَيْن بنِيَّة واحدة، أو أن ينوي بغُسْلِه رَفْع الحَدَث الأكبر والأصغر بنِيَّة واحدة. ولها صور:
١) إذا نوى غُسْلاً مسنوناً أو غُسْلاً واجباً؛ أجزأ ما نواه عن الآخر.
٢) أن ينوي بغُسْله رَفْع الحَدَثيْن الأكبر والأصغر معاً؛ أجزأ عنهما.
٣) أن ينوي رَفْع الحَدَث مُطْلقاً من غير تعيين؛ أجزأ عنهما.
٤) أن ينوي بغُسْله أمراً لا يُباح إلَّا بوضوء وغسل؛ كالصَّلاة، والطَّواف، ومسِّ المصحف؛ أجزأه عنهما.
٥) أن ينوي بغُسْله أمراً لا يُباح إلا بالغُسْل؛ كالجلوس في المسجد، وقراءة القرآن؛ أجزأه عن الحَدَث الأكبر فقط.
٦) أن ينوي بغُسْله غُسْلَيْن واجبين؛ أجزأه عنهما.
* مقدارُ الماء الذي يُستعمَل في الوُضوء والغُسْل:
يُسنُّ الوضوء بما يعادل مقدار المُدِّ، والاغتسال بما يعادل مقدار الصَّاع؛ لحديث
стр. 79
أنس ﵁ قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ) [رواه البخاري ومسلم].
والمدُّ رُبْع صاع، وهو مِلْءُ الكَفَّين المتوسِّطتين، وهو يعادل بالمقاييس المعاصرة (٠.٦٨٧) لتراً، أمَّا الصَّاع فهو أربعة أمداد، ويعادل بالمقاييس المعاصرة (٢.٧٤٨) لتراً.
ويُكرَه للمُسْلم إذا أراد الوضوء أو الاغتسال أن يُسْرِف في استعمال الماء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء ٢٦، ٢٧]، وعن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على سَعْدٍ وهو يتوضَّأ فقال: (مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي المَاءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) [رواه ابن ماجه].
ويُجزئ في الوضوء أقلُّ من المُدِّ، وفي الاغتسال أقلُّ من الصَّاع، بشرط أن يحصل بهما الإسباغ في الغُسْل؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ) [رواه مسلم].
وعن أمِّ عِمارَة بنت كعب ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَي المُدِّ) [رواه أبوداود والنسائي].
ومعنى الإسباغ في الوضوء والغسل: تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه ولا يكون مسحاً.
* الاغْتِسالُ في الحَمَّام:
الحمَّام: هو المكان المُعدُّ للاستحمام والاغتسال.
стр. 80
يُباحُ للمُغْتسِل أن يَغتَسِل في الحمَّامات العامَّة التي أُعِدَّت للاستحمام، وما في حُكْمِها كحمَّامات السِّباحة، إذا أَمِنَ الوقوع في المحرَّم؛ ككشف العَوْرَة، أو النظر إلى عَوْرات الآخرين؛ لما ثبت عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه (دَخَلَ حَمَّام الجُحْفَة) [رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي في المعرفة].
فإنْ خاف الوقوع في المحرَّم كُره له دخوله، وإنْ عَلِمَ وأَيقَنَ الوقوع في المحرَّم حَرُم عليه دخول الحمَّام؛ لما ثبت في حديث جابر ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الحَمَّامَ بِغَيْر إِزَارٍ) [رواه الترمذي والنسائي].
وعن أبي الدَّرداء ﵁ أنه كان يدخل الحمام فيقول: (نِعْمَ الْبَيْتُ الحَمَّامُ؛ يُذْهِبُ الوَسَخَ، وَيُذَكِّرُ النَّارَ، وَيَقُولُ: بِئْسَ البَيْتُ الحَمَّامُ؛ لَأَنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أَهْلِهِ الحَيَاءَ) [رواه البيهقي في الكبرى].
стр. 81
فصل في الأغسال المستحبة
يستحب الاغتسال للأمور الآتية:
١) الاغتسال لصلاة الجمعة في يوم الجمعة، لكلِّ من حَضَرَها من الذكور، ولو كان عبداً، أو مسافراً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غُسْلُ يَوْمِ الجُمْعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) الاغتسال من غَسْل المَيِّت؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
٣) الاغتسال يوم العيد قبل الصلاة؛ لما ورد عن زاذان قال: (سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ عَنِ الغُسْلِ؟ قَالَ: اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ. فَقَالَ: لَا، الغُسْلُ الَّذِي هُوَ الغُسْلُ. قَالَ: يَوْمُ الجُمُعَةَ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الفِطْرِ) [رواه البيهقي في الكبرى].
٤، ٥) الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؛ قياساً على الجمعة والعيد؛ لأنَّه يجتمع لها الناس.
٦، ٧) الاغتسال من الإغماء والجنون؛ لما جاء في حديث عائشة ﵂ في قصَّة مرض النبي ﷺ قالت: (ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ. قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ
стр. 82
فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ. قُلْتُ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ. فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ) [رواه البخاري ومسلم].
ويقاس الجنون على الإغماء لأنَّه آكد من الإغماء.
٨) اغتسال المستحاضة لكلِّ صلاة، ولا يجب عليها ذلك؛ لما جاء في حديث عائشة (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) [رواه البخاري ومسلم].
٩) الاغتسال للإحرام بالحجِّ أو العُمْرة؛ لما جاء في حديث زيد بن ثابت ﵁ أنَّه (رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ) [رواه الترمذي].
١٠، ١١) الاغتسال لدخول مكَّة وحَرَمِها؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنَّه (كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ بَاتَ بِذِي طُوَى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَاراً، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ) [رواه مسلم].
١٢) الاغتسال للوقوف بعَرَفة، لما روى نافع عن ابن عمر أنَّه (كَانَ يَغْتَسِلُ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ) [رواه مالك].
١٣ - ١٦) الاغتسال لطواف الإفاضة، والوداع، والمبيت بمزْدَلِفَة، ورَمْي الجمرات؛ لأنَّ هذه أنساكٌ يجتمع لها الناس، ويزدحمون فيَعْرَقون ويؤذي بعضُهم
стр. 83
بعضاً، فيُستَحَبُّ الاغتسال قياساً على الإحرام ودخول مكَّة.
فإنْ تعذَّر الاغتسال في هذه المواضع المستحبَّة؛ فيُشْرَع التيمُّم للحاجة، وكذلك يُشْرَع التيمُّم لما يُسنُّ له الوضوء إذا تعذَّر استعمال الماء أو فُقِدَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَيَمَّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ [رواه البخاري].
أو لخوفِ الضَّررِ من استعماله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، ولحديث عمرو ابن العاص ﵁ قال: (احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَمْرُو! صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]؛ فَضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً) [رواه أحمد، وأبو داود].
٨) أنْ يكونَ بترابٍ طَهورٍ مباحٍ غيرِ محترقٍ له غبارٌ يعلقُ باليدِ؛ لقوله تعالى:
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. قال ابن عباس ﵄: (الصَّعِيدُ: تُرَابُ الحَرْثِ) [رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة].
وقال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾؛ وما لا غبارَ له لا يُمسحُ بشيءٍ منه.
وإن ضرب يدَهُ على بساطٍ، أو شعرٍ، ونحوه؛ فعَلَقَ به غبارٌ جاز؛ لأنّه ﷺ (أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ؛ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ) [رواه البخاري ومسلم].
* وجوبُ طلبِ الماءِ وبَذْلِه:
- يجبُ على من عَدِم الماءَ إذا دخلَ وقتُ الصَّلاةِ: البحثُ عن الماءِ وطلبُه.
- ويجبُ بذلُ الماءِ لعطشانٍ من آدميٍّ أو بهيمةٍ محترمَيْن؛ لأنّ الله تعالى غفر لبَغِيٍّ بسَقْي كَلْبٍ؛ فالآدميُّ أَوْلَى.
стр. 86
قال ابنُ المنذر: «أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ المسافرَ إذا كان معه ماءٌ، وخشي العطشَ أنّه يُبقي ماءَه للشربِ ويتيمّم».
- ومن وَجَد ماءً لا يكفي لطهارتِه: استعمله فيما يكفي وجوباً، ثمَّ تيمَّم؛ لقوله ﷺ : (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [رواه البخاري ومسلم].
وإنْ وصلَ المسافرُ إلى الماءِ وقد ضاقَ الوقتُ، أو علمَ أنّ النوبةَ لا تصلُ إليهِ إلّا بعد خروجِ الوقت: عَدَلَ إلى التيمّم؛ محافظةً على الوقتِ.
- وأمّا غيرُ المسافرِ: فلا يَعدِلُ إلى التيمّم ولو فاته الوقتُ.
- ويحرم عليه إراقةُ الماءِ الذي معه في وقت الصلاة الحاضرة، أو أن يمرَّ به ويمكنُه الوضوءُ منه ولم يتوضّأ؛ إذا كان يعلم أنّه لا يجدُ غيرَه في الوقتِ؛ لما في ذلك من التّفريط.
فإن تيمّم بعد ذلك وصلَّى: لم يُعِدِ الصَّلاة.
- وإنْ وجدَ مُحدِثٌ -ببدنِه وثوبِه نجاسةٌ- ماءً لا يكفِي لإزالة النجاسة ورفع الحَدَث: وجب عليه غسلُ ثوبِه أوّلاً، ثمّ إنْ فضل شيءٌ غسلَ بدنَه، ثمّ إنْ فضل شيءٌ تطهّر، وإلّا تيمّم، وصلّى.
ثالثاً: ما يُتيمَّم له من الأحداثِ وغيرِها:
١) يَصِحُّ التَّيمّمُ لكلِّ حدثٍ؛ لعموم آية التيمّم، وقوله ﷺ في حديث عمران ابن حصين ﵁: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) [رواه البخاري ومسلم].
٢) وللنّجاسةِ على البدنِ بعد تخفيفِها ما أمكن؛ لأنّها طهارةٌ على البدن مشترطةٌ
стр. 87
للصّلاة؛ فناب فيها التيمّمُ كطهارةِ الحدثِ.
فإن تيمّم لها قبلَ تخفيفِها: لم يصحَّ؛ كالتيمّم قبلَ الاستجمارِ.
رابعاً: صلاةُ فاقدِ الطَّهورَيْن (الماء والتّراب):
إن لم يجد فاقدُ الماءِ التّرابَ الطّهورَ المباحَ غيرَ المحترقِ: صلّى الفريضة فقط دون النّوافل على حسبِ حالِه، ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ في الصّلاةِ؛ من قراءةٍ وغيرها، ولا إعادة عليه؛ لأنّه أتى بما أُمر به، ولحديث عائشة ﵂: (أَنَّها اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 88
فصل واجباتُ التيمّمِ، وفروضُه، ومبطلاتُه، وصفتُه
أولاً: واجباتُ التيمّمِ:
واجبُ التيمّمِ: التسميةُ، وتسقط سهواً؛ قياساً على الوضوء.
ثانياً: فروضُ التيمم:
فروضُ التيمّمِ خمسةٌ:
١) مسحُ الوجهِ.
٢) مسحُ اليدينِ إلى الكوعين (الرُّسْغين)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، واليد عند الإطلاق في الشرع تتناول اليد إلى الكوع؛ بدليل قطع يد السارق، ولما ثبت في حديث عمّار ﵁ أنّ النّبي ﷺ قال له: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيهِ وَوَجْهَهُ) [رواه البخاري ومسلم والسياق له].
٣) التّرتيبُ في الطّهارةِ الصُّغرى (الوضوء)، لا في الطهارة الكُبرى (الغُسْل): فيلزمُ مَنْ ببعض أعضاءِ وُض
стр. 89
وئِه جُرْحٌ إذا توضّأ: أن يتيمّم له عند غُسْله لو كان صحيحاً.
قال في الإنصاف: «قال الشيخ تقيُّ الدين: ينبغي أن لا يرتّب، وقال أيضاً:
لا يلزمه مراعاةُ التّرتيبِ، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره».
٤) الموالاةُ في غير الطّهارةِ الكُبرى؛ لأنَّ التيمُّم مبناه على الطهارة بالماء، والموالاة فرض في الوضوء دون ما سواه. فلو كان الجُرح في الرِّجْل؛ فتيمّم له عند غسلها، ثمّ خرج الوقت: بطل تيمّمه، وبطلت طهارته بالماء أيضاً؛ لفوات الموالاة؛ فيعيد غسل الصّحيح، ثمّ يتيمّم له عقبه.
٥) تعيينُ النِّيّةِ لما تيمّم لهُ من حدثٍ أو نجاسةٍ؛ فلا تكفي نيّةُ أحدِهما عن الآخرِ، وإن نواهما جميعاً: صحّ تيمّمه، وأجزأه؛ لحديث: (إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ) [رواه البخاري ومسلم].
ثالثاً: مبطلاتُ التيمم:
مبطلاتُ التَّيمُّمِ خمسةٌ:
١) كلُّ ما يُبطلُ الوضوءَ؛ لأنّه بدلٌ عنه.
٢) وجودُ الماءِ إنْ كان تيمُّمه لعدمِه؛ لقوله ﷺ : (فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ).
٣) خروجُ وقتِ الصّلاةِ؛ لما رُوي عن عليّ وابن عمر ﵄ في ذلك.
٤) زوالُ المبيحِ لهُ.
٥) خلعُ ما مسحَ عليه.
* وجود الماء في أثناء الصلاة:
- إن وجدَ الماءَ وهو في الصلاةِ: بَطَلَتْ؛ لعموم قوله ﷺ : (فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ
стр. 90
فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ).
- وإن انقضتْ صلاتُه لم تجبِ الإعادةُ؛ لأنّه أدى فريضةً بطهارةٍ صحيحةٍ، ولحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: (خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ في الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ، وَقَالَ لِلَّذي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ) [رواه أبو داود والنّسائي، والسياق لأبي داود].
رابعاً: صفةُ التيمُّم:
صفةُ التَّيمُّمِ: أن ينويَ، ثم يُسمِّي، ويضربَ الترابَ بيديهِ مُفَرَّجَتَيْ الأصابعِ ضربةً واحدةً؛ لحديث عمار ﵁ السّابق.
والأحوطُ ضربتانِ، بعدَ نزعِ خاتمٍ ونحوهِ؛ ليصلَ التُّرابُ إلى ما تحتَهُ.
قال المرداوي: «الصحيح من المذهب أن المسنون والواجب ضربةٌ واحدةٌ؛ نصّ عليه، وعليه جمهور الأصحاب، وقطع به كثيرٌ منهم».
فيمسحُ وجهَهُ بباطنِ أصابعِهِ وكفَّيْهِ براحتَيْهِ؛ إن اكتفى بضربةٍ واحدةٍ، وإن كان بضربتينِ مسحَ بأُولاهُما وجهَهُ، وبالثانيةِ يديْهِ.
ويُسَنُّ لمنْ يرجُو وجودَ الماءِ تأخيرُ التَّيمُّمِ إلى آخرِ الوقتِ المُختارِ؛ لقول عليٍّ ﵁ في الجُنُبِ: (يَتَلوَّمُ -ينتظرُ- مَا بَيْنَهُ وَبَينْ آخِرِ الوَقْتِ) [رواه ابن أبي شيبة والدارقطني بإسناد ضعيف].
стр. 91
ولهُ أن يصلِّيَ بتيمُّمٍ واحدٍ ما شاءَ من الفَرْضِ والنَّفْلِ، لكنْ لو تيمّمَ للنَّفلِ
لمْ يستبحِ الفَرْضَ؛ لقوله ﷺ : (وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) [رواه البخاري ومسلم].
стр. 92
* * *
باب إزالة النَّجاسة
أولاً: تعريف النَّجاسة:
النَّجاسَة: هي القَذَارة التي يجب على المسلم أن يَتَنَزَّه عنها ويغسل ما أصابه منها. قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر ٤]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢].
ثانياً: أنواع النَّجاسات:
دلّت الأدلّة الشرعيّة على نجاسة ما يلي:
١) الخَمْر وما في معناها من كلّ مشروب سائل مُسْكِر؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة ٩٠].
وكذا الحشيشة المُسْكِرة؛ لأنّها في معنى الخَمْر، أمَّا المُسْكِرات غير السائلة كالحبوب المُخَدِّرة ونحوها فهي طاهرة.
٢) الطيور والبهائم وسائر الحيوانات التي لا يُؤكل لحمُها ممَّا فوق الهِرَّة خِلْقةً؛ مثل: العِقاب، والصَّقْر، والبُومَة، والنَّسْر، والفيل، والبَغْل، والحِمَار، والأَسَد، والنَّمِر، والذِّئْب، والفَهْد، والكَلْب، والخِنْزير، والدُّبِّ، والقِرْد … ونحوها؛ لحديث ابن عمر: (سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ المَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فقال: إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ)، وفي رواية: (لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه].
стр. 93
فهذا يدلُّ على نجاسة هذه السِّباعوتلك الدوابّ، وإلّا لم يتنجَّس الماء إذا لم يبلغ قُلَّتين. ولقوله ﷺ في الحُمُر يوم خَيْبَر: (إِنَّها رِجْسٌ) [رواه مسلم]، ولأنَّ السِّباع والجوارح يغلب عليها أكلُ المَيْتات والنَّجاسات.
- أما ما كان دون الهِرَّة في الخِلْقَة؛ كالحيَّة، والفَأْر، والنِّمْس، والقُنْفُذ … ونحوها فطاهر؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال في الهرة: (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ) [رواه أبو داود والنسائي والترمذي]؛ فدَلَّ بلفظه على طهارة الهرة، وتعليله بأنها من الطوافين علينا يدل على طهارة غيرها مما يطوف علينا من الدواب.
٣) الميتة: وهي ما مات حتف أنفه، أو قُتِلَ من غير ذكاة شرعيَّة، ودليل نجاستها قول الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥].
ويُستثنَى من الميتة ما يلي:
أ- ميتة الآدميّ: فإنّها طاهرة؛ لقوله ﷺ : (إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) [رواه البخاري ومسلم].
ب- ميتة السمك والجراد: فإنّها طاهرة؛ لقوله ﷺ في البحر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي]. فلو كانت نجسة لم يحلَّ أكلُها.
ج- ميتة ما لا دَمَ له سائل: وهو نوعان:
- النوع الأوّل: ما يتولّد من الطاهرات؛ كالنَّملِ، والنَّحلِ، والبَقِّ، والخُنفُساء، والقَمْل، والبَراغيث، ونحو ذلك؛ فهو طاهر حيًّا وميتاً؛ لقوله ﷺ : (إِذَا وَقَعَ
стр. 94
الذُّبَابُ فِي شَرَابَ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَالأُخْرَى شِفَاءً) [رواه البخاري]؛ فلو كان وقوع الذُّباب أو موته في الماء يُنجّسه لأمر النبيُّ ﷺ بإراقته.
- النوع الثاني: ما يتولَّد من النجاسات؛ كدود الكنيف -دورة المياه- وصُراصِرِه؛ فهو نجس حيًّا وميتاً؛ لأنّه متولِّد من النجاسة؛ فكان نجساً.
٤) بَوْلُ الآدمي وغائطُه وقَيؤُه: أمَّا نجاسة البَوْل؛ فلحديث أنس ﵁ قال: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْه) [رواه البخاري ومسلم].
وأمَّا نجاسة الغائط؛ فلحديث أنس ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ فَآتِيهِ بِالمَاءِ فَيَتَغَسَّلُ بِهِ) [رواه مسلم].
وأمَّا نجاسة القَيْءِ؛ فلأنَّ القَيْءَ عبارة عن طعام اسْتَحالَ في الجَوْف إلى الفساد؛ فأشبه الغائط.
٥) المَذْي والوَدْي: أمَّا المَذْي فهو: ماءٌ أبيض رقيقٌ لَزِجٌ يخرج عند التفكير في الجِمَاع، أو عند الملاعبة، ولا يكون دافقاً، ولا يَعْقبُه فُتور، وقد لا يشعر الإنسان بخروجه، ويكون من الرَّجُل والمرأة، إلَّا أنَّه من المرأة أكثر. ودليل نجاسته حديث عليٍّ ﵁ قال: (كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ) [رواه مسلم].
وأمَّا الوَدْي فهو: ماءٌ أبيض ثخينٌ يخرج بعد البَوْل، يقول ابن عبَّاس رضي الله
стр. 95
عنهما: (المَنِيُّ وَالوَدْيُ وَالَمذْيُ؛ أَمَّا المَنِيُّ فَهُوَ الَّذِي مِنْهُ الغُسْلُ، وَأَمَّا الوَدْيُ وَالمَذْيُ فَقَالَ: اغْسِلْ ذَكَرَكَ أَوْ مَذَاكِيرَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) [رواه ابن أبي شيبة والبيهقي موقوفاً].
وأمَّا المَنِيُّ فطاهرٌ؛ لقول عائشة ﵂: (كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ فَيُصَلِّي فِيهِ) [رواه أبو داود]. لكن يُستحبُّ غَسْل رَطْبِه وفَرْكُ يابِسِه؛ لقول عائشة ﵂ أيضاً: (كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا كَانَ يَابِسًا، وَأَغْسِلُهُ إِذَا كَانَ رَطْبًا) [رواه الدارقطني].
٦) الخارج من الحيوان الذي حَرَّم الشرع أَكْلَه: من بَوْل، أو رَوْث، أو قَيْءٍ، أو مَذْي، أو مَنِيٍّ، أو لَبَن؛ فهو نجس؛ لحديث ابن مسعود ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَى الخَلَاءَ. فَقَالَ: ائْتِنِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هِيَ رِجْسٌ) [رواه ابن ماجه].
أمَّا الخارج من الحيوان الذي يَحِلُّ أَكْلُه، ولم يكن أكثر عَلَفِهِ النجاسة، فهو طاهر؛ لقوله ﷺ : (صَلُّوا في مَرَابِضِ الغَنَمِ … ) [رواه الترمذي وابن ماجه]. وقال النبيُّ ﷺ للعُرَنِيِّين: (إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا .. ) [رواه البخاري ومسلم].
٧) الدَّمُ والقَيْحُ والصَّدِيد: نجس؛ لحديث أسماء ﵂ (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ؟ فَقَالَ ﷺ : حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالمَاءِ، ثُمَّ رُشِّيهِ وَصَلِّي فِيهِ) [رواه الترمذي]. فأمر النبيُّ ﷺ بغَسْل الثوب من الدَّم. والقَيحُ
стр. 96
والصَّديدُ مثل الدَّم، إلَّا أنَّ الإمام أحمد قال: «هو أسهل».
لكن يُعفَى عن يسير الدَّم إذا كان من آدميٍّ، أو حيوان طاهرٍ في الحياة، وكذا دم الحيض والنفاس يُعفَى عن اليسير منه؛ لقول عائشة ﵂: (قَدْ كَانَ يَكُونُ لإِحْدَانَا الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ، وَفِيهِ تُصِيبُهَا الجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا) [رواه أبو داود]. وهذا يدلُّ على العفو عن اليسير؛ لأن الرِّيق لا يُطهِّره.
وكذا ما بقي في اللحم من الدم فمَعفوٌّ عنه؛ لأنَّه إنَّما حُرِّم الدَّمُ المسفوح، وهذا ليس مَسْفوحاً، وأيضاً لأنَّه يَشُقُّ التَّحرُّز منه.
* طِينُ الشَّوارع والطُّرُقات:
وأمَّا الطِّين الذي يكون في الشوارع والطُّرقات فهو طاهر حتَّى ولو ظُنَّت نجاسته؛ لأنَّ الأصل فيه الطهارة، ولأنَّ الصحابة والتابعين ﵃ كانوا يخوضون المطر في الطُّرقات ولا يغسلون أرجلهم؛ ثبت ذلك عن عمر ﵁ [رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان]، وثبت ذلك أيضاً عن عليٍّ ﵁ [رواه البيهقي في الكبرى]. وقال ابن مسعود ﵁: (كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ) [رواه أبوداود وابن ماجه].
* العَرَقُ وَالرِّيقُ:
العَرَقُ والرِّيقُ إذا خَرَجا من طاهر فهما طاهران، وإنْ خَرَجا من نجس فهما نجسان؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ( … فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ
стр. 97
فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا. فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ). [رواه مسلم]. فلو كانت النخامة نجسة لما أمر النبيُّ ﷺ بمسحها في ثوبه ولا تحت قدمه وهو في الصلاة.
- ولا يُكرَه سُؤْرُ حيوان طاهر. والسُّؤْر: هو فَضْلُة طعامه وشرابه.
- وإذا أكلَ هِرٌّ ونحوه من الحيوانات الطاهرة؛ كالنِّمْس، والفَأْر، والقُنْفُذ، نجاسةً، ثمَّ شَرِب من مائع لم يضرّ؛ لعُموم البَلْوَى بذلك، ولمشقَّة التَّحرُّز.
ثالثاً: كيفية إزالة النَّجاسة:
أمَّا كيفية إزالة النَّجاسة فذلك يكون على النحو التالي:
١) تطهير النَّجاسة على غير الأرض:
يُغسَل الشيء المتنجِّس سبع مرات: فإذا كانت النَّجاسة بسبب الكَلْب أو الخِنزير؛ فيغسل سبع مرَّات إحداهنَّ بتراب طهور، أو بصابون ونحوه من المنظفات؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) [رواه النسائي]. والخنزير مثل الكلب قياساً عليه.
- أمَّا إذا كانت النجاسة بغير الكلب أو الخنزير؛ فكذلك تُغسَل سبع مرّات لكن بدون التراب؛ قياساً على تطهير النجاسة من ولوغ الكلب.
و في المذهب رواية أخرى: أنَّ المتنجِّس بغير الكلب أو الخنزير يكفي لتطهيره مكاثرة الماء على موضع النَّجاسة حتَّى تزول، دون اشتراط عدد معيَّن من الغسلات؛
стр. 98
لأنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلٍ الأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالِ في المَسْجِدِ [رواه البخاري ومسلم]، ولم يأمر بعدد معيَّن.
٢) تطهير النَّجاسة على الأرض:
تجزئ المكاثرة بالماء في تطهير الأرض، والصخور، والأحواض التي تنجَّست بمائع، ولو من كلب أو خنزير، حتَّى يذهب لون النَّجاسة وريحها؛ لقوله ﷺ في بول الأعرابي: (أَرِيقُوا عَلَيْهِ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ) [رواه البخاري ومسلم].
ولا تَطْهُرُ الأرض بالشمس، ولا بالرِّيح، ولا بالجفاف، ولا تطهر النَّجاسة بالنار؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ.
٣) إزالة عَيْنِ النَّجاسة وأثَرِها:
ولا بدَّ من إزالة عَيْن النَّجاسة بحيث لا يبقى لها طَعْم، فإنْ بَقِيَ بعد ذلك أثر من لونٍ أو ريحٍ فإنَّه لا يَضرُّ إن عجز عن إزالته؛ لحديث أبي هريرة: (أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ: إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ، فَقَالَتْ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجِ الدَّمُ؟ قَالَ: يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ) [رواه أحمد وأبو داود].
٤) تطهير ما أصابه بول الأطفال:
يجزئ النَّضحُ -أي: رشُّ الموضع بالماء، وغمره به، وإن لم يَقْطر منه شيء- في التطهير من بول الغلام (الطفل) الذي لم يأكل الطعام لشهوة، أمَا بول الجارية
стр. 99
(الطفلة) فيغسل سواء أكلت الطعام لشهوة أم لا؛ لحديث عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ) [رواه أبو داود والنسائي].
٥) استحالة النَّجس إلى طاهر:
وهو حكم خاصٌّ بالخمر؛ فإذا انقلبت الخَمْرُ خَلًّا بنفسها دون معالجة؛ فإنّها تَطهُر؛ كالماء الذي تنجَّس فتغيَّر لونُه، أو طعمُه، أو ريحُه، ثمَّ زال هذا التغيُّر؛ فإن الماء يرجع طاهراً كما كان.
٦) خفاء موضع النَّجاسة:
إذا خَفِيَ موضع النَّجاسة فإنَّه يغسل الشيء المتنجِّس حتَّى يتيقَّن أنَّه غَسَلَها؛ ليخرج من العُهدَة بيقين.
стр. 100
* * *
باب الحيض والنّفاس
أولاً: الحيض:
١) تعريفُه:
الحيض: دمٌ يُرخيهِ الرَّحِمُ؛ فيخرجُ من قعره، إذا بَلغت المرأة، ثم يَعتادُها في أوقات معلومة.
٢) وقتُه:
- يبدأ الحيض إذا أتمَّت المرأة تسع سنين هجريّة، ولا حيض قبل ذلك؛ لقول عائشة ﵂: (إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ) [رواه الترمذي والبيهقي معلّقاً].
- وينقطع الحيض ببلوغ المرأة سنّ الخمسين، ولا حيض بعد ذلك؛ لقول عائشة ﵂: (إِذَا بَلَغَتِ المَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الحَيْضِ) [ذكره أحمد في رواية حنبل كما في شرح الزركشي].
وإذا كانت المرأة حاملاً فإنّها لا تحيض؛ لقوله ﷺ : (لَا تُوْطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيرُ حَامِلٍ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ) [رواه أحمد وأبو داود]؛ يعني تستعلم براءتها من الحمل بالحيضة؛ فدلّ على أنّها لا تجتمع معه.
فإذا رأت الدم قبل تمام تسع سنين، أو بعد بلوغها خمسين سنة، أو أثناء حَمْلها؛ فهو دم فساد، لا دم حيض.
стр. 101
٣) مُدّتُه:
أقلُّ الحيض يومٌ وليلةٌ، وأكثره خمسة عشر يوماً؛ لأنّ الشرع علّق على الحيض أحكاماً ولم يبيّن قَدْره؛ فعُلِم أنّه ردّه إلى العادة؛ وقد قال عطاء: «رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ يَوْماً، وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ» [ذكره ابن قدامة في الكافي، وابن الجوزي في التحقيق]. ولم يوجد حيض معتاد أقلّ من يوم وليلة، ولا أكثر من خمسة عشر يوماً.
وغالب الحيض ستة أيّام أو سبعة؛ لقوله ﷺ لحِمْنة بنت جحش ﵂: (تَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ إِلَى سَبْعَةٍ فِي عِلْمِ الله ثُمَّ اغْتَسِلِي … ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
٤) مدّةُ الطُّهرِ بين الحيضتين:
أقلُّ الطُّهر الفاصل بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً؛ لما روى عامر الشعبيّ قال: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ تُخَاصِمُ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ هَا هُنَا؟ قَالَ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ: إِنْ جَاءَتْ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ تَزْعُمُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ تَطْهُرُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي، جَازَ لَهَا وَإِلَّا فَلَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: قَالُونُ، وَقَالُونُ بِلِسَانِ الرُّومِ: أَحْسَنْتَ) [رواه البخاريُّ -معلّقاً-، والدّارميُّ واللفظ له].
وغالب الطّهر بقيّة الشهر بعد الحيض؛ لأنّ الغالب أنّ المرأة تحيض في كلّ شهر حيضة.
ولا حدّ لأكثر الطُّهر بين الحيضتين؛ لأنّه لم يرد تحديده في الشرع، ومن النساء من لا تحيض.
стр. 102
٥) ما يحرم بالحيض:
يحرم بسبب الحيض أشياء:
أ - الجِماعُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة ٢٢٢].
ب- الطَّلاقُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١].
ج- الصَّلاةُ؛ لقوله ﷺ : (إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ) [رواه البخاري ومسلم].
د - الصَّومُ؛ لقوله ﷺ : (أَلَيْسَ إِحْدَاكُنَّ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟ قُلْنَ: بَلَى) [رواه البخاري ومسلم].
هـ- الطَّوافُ؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂ لمّا حاضت: (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) [رواه البخاري ومسلم].
و - مسُّ المصحفِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٩].
ي- قراءة القرآن؛ لما رُوي من حديث ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: (لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ) [رواه الترمذي بإسناد ضعيف].
ك- اللُّبْث في المسجد؛ لقوله ﷺ : (لَا أُحِلُّ الَمسْجِدَ لِجُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ) [رواه أبو داود وابن ماجه].
ويجوز للحائض المرور في المسجد إذا أمنت تلويثه؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: (نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ؛ فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ؛ فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتَكَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) [رواه مسلم].
стр. 103
٦) ما يوجبه الحيض:
إذا حاضت المرأة كان ذلك علامةً على بلوغها، ويوجب الحيض أموراً؛ منها:
أ- الغسل عند انقطاع دم الحيض؛ لقوله ﷺ : (دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) [رواه البخاري ومسلم].
ب- الكفارة على من جامع في الحيض؛ ولو كان مكرهاً أو ناسياً أو جاهلاً للحيض والتحريم. والكفارة دينار أو نصفه على التخيير؛ لما روى
ابن عبَّاس ﵄ عن النبي ﷺ أنّه قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: (يَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ) [رواه أبو داود والنّسائي وابن ماجه]، وعلى المرأة الكفّارة أيضاً إذا هي طاوعت الرّجل على الجِمَاع.
والدينار يساوي: (٤.٢٥) غراماً من الذّهب، ونصفه يساوي: (٢.١٣) غراماً، وقيمتُه تختلف باختلاف العملة التي يشترى بها.
٧) ما يُباح بعد انقطاع الدّم وقبل الغُسل أو التّيمّم:
لا يباح بعد انقطاع دم الحيض وقبل غسل المرأة أو تيمّمها منه إلّا ثلاثة أشياء:
أ - الصّومُ؛ لأنّه يباح للجُنُب قبل اغتساله؛ فكذلك الحائض.
ب- الطّلاقُ؛ لأنّه إنَّما حُرِّم طلاق الحائض لتطويل العِدّة، وقد زال ذلك.
ج- اللُّبْث بوضوء -أو بالتيمّم عند عدم الماء- في المسجد؛ قياساً على الجُنُب.
стр. 104
٨) علامة طُهْر الحائض:
إذا انقطع الدَّم عن الحائض؛ بحيث إذا احْتَشَت بقُطْنَة في زمن الحيض لا تتغيّر؛ فقد طهرت.
وإذا رأت الصُّفْرةُ والكُدْرةُ في زمن الحيض فهو حيضٌ؛ لما روى عَلْقَمَة عن أُمِّهِ: (أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُرْسِلْنَ بِالدِّرَجَةِ -وهو وعاء- فِيهَا الكُرْسُفُ -يعني القُطن- فِيهِ الصُّفْرَةُ إِلَى عَائِشَةَ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ) [رواه مالك وعلقه البخاري]. والقَصَّة: ماء أبيض يأتي بعد الحيضة.
وأمّا الصُّفْرةُ والكُدْرةُ في زمن الطُّهْر فهي طُهْرٌ، ولا تعتدُّ بها المرأة: لقول
أمِّ عَطيَّة ﵂: (كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئاً) [رواه أبوداود والبخاري ولم يذكر «بعد الطهر»].
٩) ما تقضيه الحائض والنّفساء بعد طُهْرِهما:
الحائض والنفساء بعد طُهْرِهما تقضيان الصوم، ولا تقضيان الصلاة؛ لحديث مُعاذَة أنَّها سألت عائشة ﵂: (مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) [رواه البخاري ومسلم].
ثانياً: الاستحاضة:
١) تعريفُها:
الاستحاضة: هي سَيَلانُ الدَّم في غير أوقاته المعتادة من مَرَضٍ وفَسَادٍ، من
стр. 105
عِرْقٌ فَمُه في أدنى الرَّحِم يسمى ذلك العِرْق: العَاذِل.
ومن جاوز دمُها خمسة عشر يوماً: فهي مستحاضة؛ لأنّه لا يصلح أن يكون دمُها حيضاً.
٢) أحوالُ المستحاضة:
المستحاضة لها حالات:
الأولى: أن تكون لها عادةٌ منتظمةٌ قبل الاستحاضة؛ فإنّها تعمل عليها، سواءٌ كان عندها تمييزٌ لدم الحيض أو لا؛ فما زاد على أيّام عادتها من الدّم فهو استحاضةٌ؛ لعموم قوله ﷺ لأمّ حبيبة ﵂: (امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) [رواه مسلم].
الثانية: أن لا تكون لها عادةٌ أو كانت لها عادةٌ ولكن نسيتها؛ فإن كان دمُها متميّزاً بعضه أسود ثخين منتن وبعضه رقيق أحمر، وكان الأسود لا يزيد على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقلِّه؛ فهي مميّزةٌ تدع الصّلاة زمن حيضها الأسود، ثم تغتسل وتصلّي؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيش ﵂ قالت: (يَا رَسُولَ الله إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ؛ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا! إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ؛ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ؛ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) [رواه البخاري ومسلم]، وفي لفظ: (إِذَا كَانَ دَمُ الحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي؛ فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ) [رواه النّسائي].
الثالثة: أن لا يكون لها عادةٌ ولا تمييزٌ؛ فهي متحيّرةٌ؛ فتجلس من كلِّ شهر ستًّا
стр. 106
أو سبعاً تتحرّاها ثمّ تغتسل وتصوم وتصلِّي-بعد غسل المحلّ وتعصيبه-؛ لقوله ﷺ لحَمْنة بنت جَحْش ﵂ -وكانت تُسْتحاض حَيْضَةً شديدةً-: (إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ؛ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ إِلَى سَبَعَةٍ فِي عِلْمِ الله، ثُمَّ اغْتَسِلِي … ) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
٣) أحكام المستحاضة:
للمستحاضة أحكام تخصّها؛ منها:
أ - أنّه يجب عليها أن تتوضّأ في وقت كلّ صلاة إن خرج شيء بعد الوضوء؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبيش، وفيه: (وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ) [رواه أبو داود والترمذي]. وتنوي بوضوئها الاستباحة؛ لأنّ حدثها دائم، وكذا يفعل كلُّ من حدثه دائم؛ كسلس البول والريح.
ب- لا يُباح وَطْءُ المستحاضة مع عدم خَوْف العَنَتِ، فإنْ وَطِئَها من غير عَنَتٍ فلا كفّارة.
ثالثاً: النِّفاس:
١) تعريفُه:
النَّفاس: هو الدَّم الخارج من قُبُل المرأة بسبب الولادة.
٢) مدّتُه:
لا حدّ لأقلِّ النِّفاس؛ لأنَّه لم يرد تحديده؛ فرجع فيه إلى الوجود الفعليّ، وقد
стр. 107
وُجِدَ قليلاً وكثيراً.
وأمَّا أكثرُه فأربعون يوماً، وما زاد على ذلك فهو استحاضة؛ لحديث أمِّ سلمة ﵂ قالت: (كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْماً) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه].
ويثبت حكمه بوضع ما يَتَبيَّن فيه خَلْق إنسانٍ ولو خفيًّا، وأقلُّ ما يَتَبيَّن فيه واحدٌ وثمانون يوماً، وغالبه ثلاثة أشهر.
فإن تخلّل الأربعين نقاءٌ من الدّم فهو طُهْر، لكن يُكره أن يجامعَها زوجُها فيه؛ لأنّه لا يُؤمنُ عودُ الدّم؛ فيكون مجامعاً في النّفاس.
ومن وضعت وَلَدَيْن فأكثر؛ فأوّل مُدّة النّفاس من الأوّل، كما لو وضعت واحداً؛ فلو كان بينهما أربعون يوماً فلا نفاس للثاني؛ لأنّه تبعٌ للأول.
٣) ما يحرمُ بالنِّفَاس:
يحرم بسبب النِّفاس جميعُ ما يحرم بسبب الحيض؛ ولذا فإنّ في جِمَاع النُّفَساء ما في جِماع الحائض من الكفَّارة.
стр. 108
كتاب الصلاة
أولاً: تعريف الصَّلاة:
الصلاة لغة: هي الدُّعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة ١٠٣]، ولقول النبيِّ ﷺ : (إذا دُعِيَ أحدُكُم فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صَائِماً فَلْيُصلِّ، وإنْ كانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعِمْ)، قال هشام بن حسَّان (الراوي): والصَّلَاةُ الدُّعَاءُ [رواه مسلم وأبو داود، واللفظ له].
وأمَّا تعريفها شرعاً: فهي التَّعَبُّد لله تعالى بأقوال وأفعال مُفْتَتَحَةٍ بالتَّكبيرِ مُخْتَتَمَةٍ بالتَّسْليمِ بشروط مخصوصة.
ثانياً: حُكم الصَّلاة:
الصَّلاة رُكن من أركان الإسلام وفرض من فرائضه، وهي واجبة بدلالة القرآن والسنة وإجماع الأمة.
فمن القرآن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣].
ومن السُّنة ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [رواه البخاري ومسلم].
وقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة؛ وهي الفجر،
стр. 109
والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
ثالثاً: حُكم تارك الصَّلاة:
من ترك الصَّلاة جاحداً ومُنكراً لوُجُوبها إنْ كان ممَّن لا يَجْهَل وُجوبَها، فقد كَفَر وارْتَدَّ عن الإسلام؛ لأنَّه مُكذِّب لله ورسوله، مخالف لما أجمعت عليه الأُمَّة، وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ حُكمَ تارك الصَّلاة فقال: (العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) [رواه أحمد والترمذي والنسائي].
وتجري عليه أحكام المُرْتدِّين، فلا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدْفَن في مقابر المسلمين، ولا يُورَث.
وأمَّا من تَرَكَها تهاوناً وتكاسلاً مع الإقرار بوجوبها، فهو مرتكبٌ لكبيرة من الكبائر، مُعرِّضٌ نفسه لعذاب الله وعقابه؛ كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم ٥٩].
قال ابن قدامة: «وإن تركها تهاوناً أو كسلاً، دُعي إلى فعلها، وقيل له: إنْ صلَّيت، وإلَّا قتلناك. فإن صلَّى، وإلَّا وجب قتله. ولا يُقتَل حتَّى يُحبَس ثلاثاً، ويُضيَّق عليه فيها، ويُدعى في وقت كلِّ صلاة إلى فعلها، ويُخوَّف بالقتل، فإن صلَّى، وإلا قُتل بالسيف». ثمَّ قال: «والرواية الثانية: يُقتَل حدًّا (١)، مع الحكم بإسلامه، … وهذا قول أكثر الفقهاء … وهو أصوب القولين، والله أعلم».
стр. 110
رابعاً: من تجب عليه الصَّلاة، ومن لا تجب عليه:
تجبُ الصلاة على كلِّ مسلمٍ بالِغٍ عاقِلٍ سالِمٍ من الموانع.
- فلا تجبُ الصلاة على الكافر بالإجماع؛ بمعنى أنَّه لا يُؤمَر بأدائها؛ لأنَّه
لم يأت بأصل الإيمان، والكفر محبط لجميع الأعمال؛ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣].
- ولا تجبُ على غير البالغ، ولا المجنون؛ لقول النبيِّ ﷺ : (رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [رواه أبوداود وابن ماجه].
- فإن كان الصغير غير مُمَيِّز -وهو من كان دون سبع سنين-؛ فلا تصحُّ منه الصلاة، وأمَّا المميِّز - وهو من بلغ سبع سنين- فتصحُّ منه الصلاة ويثاب عليها، وعلى وَليِّه أن يأمره بها إذا بلغ سبع سنين، ويضربه على تركها إذا بلغ عشر سنين؛ لما في حديث النبي ﷺ قال: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْها وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ) [رواه أحمد وأبو داود].
- ولا تجبُ على الحائض ولا النفساء ولا تصحُّ منهما؛ لحديث مُعاذَة العَدَويَّة قالت: (سَأَلْتُ عَائِشِةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) [رواه البخاري ومسلم].