← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وَجْبَتَه (١) حين يسجدُ تحت العرش". ثم قال: تفرَّد به الحَبَلي (٢) وهو مجهول (٣). فصل: فيما وقع من الآيات ليلة مولده ﵊ قد ذكرنا في باب هواتف الجانّ ما تقدَّم (٤) من خُرورِ كثيرٍ من الأصنام ليلتئذٍ لوجوهها وسقوطها عن أماكنها، وما رآه النجاشيُّ ملكُ الحبشة، وظهور النور معه حتى أضاءت له قصورُ الشام حين ولد، وما كان من سقوطِهِ جاثيًا رافعًا رأسه إلى السماء، وانفلاقُ تلك البُرْمَة عن وجهه الكريم، وما شوهد من النور في المنزل الذي ولد فيه، ودنوّ النجوم منهم وغير ذلك. حكى السهيلي (٥) عن تفسير بَقِيِّ بن مَخْلَد الحافظ، أنَّ إبليسَ رَنَّ أربعَ رنَّات (٦): حين لُعِن؛ وحين أُهبط؛ وحين وُلد رسولُ الله ﷺ ؛ وحين أُنزلت الفاتحة. قال محمد بن إسحاق (٧): وكان هشام بن عروة يحدِّث عن أبيه، عن عائشة قالت: كان يهوديٌّ قد سكن مكة يتَّجِر بها، فلما كانت الليلةُ التي وُلد فيها رسولُ الله ﷺ قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل وُلد فيكم الليلةَ مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلمه. فقال: الله أكبر، أما إذا (٨) أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقولُ لكم: وُلد هذه الليلة نبيُّ هذه الأمَّةِ الأخيرة، بين كتفيه علامةٌ فيها شعراتٌ متواتراتٌ كأنهنَّ عُرْفُ فرس، لا يرضعُ ليلتين، وذلك أنَّ عِفْريتًا من الجنِّ أدخل أُصبعه في فمه، فمنعه الرضاع. فتصدَّع القومُ من مجلسهم وهم يتعجَّبون من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كلُّ إنسانٍ منهم أهله، فقالوا: قد والله وُلد لعبد الله بن عبد المطلب غلامٌ سمَّوهُ محمدًا، فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديثَ اليهودي؟ وهل بلغكم مَوْلِدُ هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاؤوا اليهوديَّ فأخبروه الخبر؛

стр. 1017

قال: فاذهبوا معي حتى أنظر إليه. فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة، فقالوا (١): أخرجي إلينا ابْنَكِ، فأخرجَتْه، وكشفوا له عنِ ظهره، فرأى تلك الشامة، فوقع اليهوديُّ مَغْشيًا عليه؛ فلما أفاق قالوا له: مالك ويلك؟ قال: قد ذَهبَتْ والله النبوَّةُ من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش؟ والله ليَسْطُوَنَّ بكم سَطْوَةً يخرج خبرُها من المشرق والمغرب (٢). وقال محمد بن إسحاق (٣): حدّثني صالح بن إبراهيم عن يحيى بن [عبد الله بن] عبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة قال: حدّثني منْ شئتَ من رجالِ قومي ممَّنْ لا أتَّهِم عن حسَّان بن ثابت قال: إنِّي لغلامٌ يَفَعَةٌ ابن سبعِ سنين أو ثمانِ سنين، أعقِلُ ما رأيتُ وسمعت، إذا بيهوديٍّ في يثرب يَصْرُخ ذاتَ غداة: يا معشر يهودَ؛ فاجتمعوا إليه -وأنا أسمع- فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قد طلع نجمُ أحمد الذي يولد به في هذه الليلة. وروى الحافظُ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة" (٤) من حديث أبي بكر بن عبد الله العامري، عن سليمان بن سُحيم ورُبَيْح (٥) بن عبد الرحمن كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد [الخُدْري] عن أبيه قال: سمعت أبي مالك بن سنان يقول: جئتُ بني عبد الأشهل يومًا لأتحدَّث فيهم، ونحن يومئذٍ في هُدْنةٍ من الحرب، فسمعت يوشع اليهوديَّ يقول: أظلَّ خروجُ نبيٍّ يقالُ له: أحمد، يخرجُ من الحرم. فقال له خليفةُ بن ثعلبةَ الأشهلي كالمستهزئ به: ما صفته؟ فقال: رجلٌ ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يلبس الشَّمْلَة، ويركب الحمار، سيفُه على عاتقه، وهذا البلد مُهاجَرُه. قال: فرجعت إلى قومي بني خُدْرَة، وأنا يومئذ أتعجَّبُ مما يقول يوشع، فأسمع رجلًا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده؟! كلُّ يهودِ يثربَ يقولون هذا. قال أبي مالكُ بن سنان: فخرجتُ حتى جئتُ بني قُرَيظة، فأجد جمعًا، فتذاكروا النبيَّ ﷺ فقال الزبير بن باطا: [قد] طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبيٍّ أو ظهوره، ولم يبق [أحد] إلا أحمد وهذا مُهاجَرُه. قال أبو سعيد: فلما قدم النبيُّ ﷺ [المدينة] أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "لو أسلم الزبير وذووه (٦) من رؤساء اليهود، إنما هم له تبع".

стр. 1018

وقال أبو نعيم (١): حدّثنا عمر بن محمد، حدّثنا إبراهيم بن السِّنْدي، حدّثنا النَّضْرُ بن سلمة، حدثنا إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت، عن أُمِّ سعد بنت سعد بن الربيع سمعت زيد بن ثابت يقول: كان أحبار يهود بني قُرَيظة والنَّضِير يذكرون صفةَ النبيِّ ﷺ ، فلما طلع الكوكبُ الأحمر أخبروا أنه نبيّ، وأنَّهُ لا نبيَّ بعدَه، واسمه أحمد، ومُهاجره إلى يثرب، فلما قدم رسولُ الله ﷺ المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا. وقد أورد هذه القصة الحافظ أبو نعيم في كتابه (٢) من طرق أُخرى ولله الحمد. وقال أبو نعيم (٣): حدّثنا أبو محمد بن حبان، حدّثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدّثنا وهْبُ بن مُنَبِّه، حدّثنا خالد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد قال: قال زيد بن عمرو بن نُفيل: قال المُوبَذَان -حَبْرٌ من أحبار الشام-: قد خرج في بلدك نبيّ -أو هو خارج- قد خرج نجمُه، فارجِعْ فصدِّقْهُ واتَّبِعْه. ذكر ارتجاج الإيوان (٤) وسقوطِ الشُرُفات وخمودِ النيران ورؤيا المُوبَذَان وغير ذلك من الدَّلالات قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه "هواتف الجِنَّان" (٥): حدّثنا عليُّ بن حرب، حدّثنا أبو أيوب يعلى بن عمران -من آل جرير بن عبد الله البجَلي- حدّثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه -وأتت عليه خمسون ومئة سنة- قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس (٦) إيوانُ كسرى وسقطَتْ منه أربعَ عشرةَ شُرْفَة، وخمدَت نار فارس، ولم تخمُدْ قبل ذلك بألفِ عام، وغاضَتْ بُحيرة ساوَة (٧)، ورأى المُوبَذَان (٨) إبلًا صِعَابًا تقودُ خيلًا عِرابًا قد قطعتْ دِجْلة

стр. 1019

وانتشرت في بلادها. فلما أصبح كِسْرى أفزعَهُ ذلك، فتصبَّر عليه تشجُّعًا، ثم رأى أنه لا يدَّخِرُ ذلك عن مرازبته؛ فجمعهم ولَبِس تاجَهُ وجلس على سريره، ثم بعث إليهم؛ فلمَّا اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيما (١) بعثتُ إليكم؟ قالوا: لا، إلا أن يُخبِرَنا الملك. فبينما هم كذلك إذْ ورد عليهم كتابٌ بخُمودِ النيران، فازداد غمًّا إلى غمِّه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله، فقال المُوبَذَان: وأنا -أصلح الله الملك- قد رأيتُ في هذه الليلة رؤيا. ثم قصَّ عليه رؤياه في الإبل، فقال: أيُّ شيءٍ يكونُ هذا يا مُوبَذان؟ قال: حَدثٌ يكون في ناحية العرب -وكان أعلمَهم في أنفسهم- فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر؛ أمَّا بعد، فوجِّه إليَّ برجلٍ عالمٍ بما أريدُ أنْ أسألَه عنه. فوجَّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حَيَّان بن بُقَيْلة (٢) الغسَّاني؛ فلما ورد عليه قال له: ألك علمٌ بما أريد أن أسألك عنه؟ فقال: لتخبرني، أو ليسألني الملكُ عمَّا أحب، فإنْ كان عندي منه علم، وإلا أخبرتُه بمن يعلمه. فأخبره بالذي وجَّه به إليه فيه؛ قال: علم ذلك عند خالٍ لي يسكنُ مشارفَ الشام يقال له: سَطِيح، قال: فأتِهِ فاسألْهُ عما سألتُكَ عنه، ثم أنبِئْني بتفسيره. فخرج عبدُ المسيح، حتى انتهى إلى سَطِيح، وقد أشفى على الضَّريح، فسلَّم عليه وكلَّمه، فلم يردَّ إليه سَطِيحٌ جوابًا، فأنشأ يقول: [من الرجز] أصَمُّ أم يسمعُ غِطْريفُ اليمن (٣) أمْ فازَ فازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَنَنْ (٤) يا فاصِلَ الخُطَّةِ أعيَتْ مَنْ ومَنْ (٥) أتاكَ شيخُ الحيِّ من آلِ سَننْ وأُمُّهُ من آلِ ذِئبِ بْنِ حَجَنْ أزرَقُ مَهْمُ النابِ صرَّارُ الأذُن (٦)

стр. 1020

أبيضُ فَضْفَاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ رسولُ قَيْلِ العُجْمِ يَسْرِي للوَسَنْ (١) تَجُوبُ بي الأرضَ عَلَنْدَاةٌ شَجَنْ (٢) لا يَرهَبُ الرَّعْدَ ولا ريْبَ الزَّمَنْ ترفَعُ بي وَجْنًا وتَهْوي بي وَجَنْ (٣) حتى أتى عاري الجآجِي والقَطَنْ (٤) تَلُفُّهُ في الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ (٥) كأنما حُثْحثَ من حِضْنَيْ ثَكَنْ (٦) قال: فلما سمع سَطيح شعره رفع رأسه يقول: عبدُ المسيح، على جملٍ مُشيح، أتى (٧) سطيح، وقد أوفى على الضَّريح، بعثك ملكُ بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخُمود النيران، ورؤيا المُوبَذَان، رأى إبلًا صعابًا، تقودُ خيلًا عِرابًا، قد قطعَتْ دجلةَ، وانتشرت في بلادها، يا عبدَ المسيح، إذا كثرتِ التِّلاوة، وظهر صاحب الهِرَاوة، وفاض وادي السماوة، وغاضَتْ بُحيرة ساوَهْ، وخمدَتْ نار فارس، فليس الشام لسَطيح شامًا، يملكُ منهم ملوكٌ ومَلِكات، على عدد الشُّرُفات، وكلُّ ما هو آتٍ آت. ثم قضى سَطِيحٌ مكانَه، فنهض عبدُ المسيح إلى راحلته وهو يقول: [من البسيط]

стр. 1021

شَمِّرْ فإنَّك ماضي العَزْمِ شِمِّيرُ … لا يُفْزِعَنَّكَ تفريقٌ وتَغْييرٌ (١) إنْ يُمْسِ مُلْكُ بني ساسانَ أفْرَطَهُمْ … فإنَّ ذا الدَّهْرَ أطْوَارٌ دَهَاريرُ (٢) فرُبَّما رَبَّما أضْحَوْا بمنزلةٍ … يخافُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المَهَاصِيرُ (٣) منهمْ أخو الصَّرْخٍ بَهْرَامٌ وإخْوتُهُ … والهُرْمُزانُ وسابُورٌ وسابورُ (٤) والناسُ أولادُ عَلَّاتٍ فمَنْ عَلِموا … أنْ قد أقَلَّ فمَحْقُورٌ ومَهْجُورُ (٥) وَرُبَّ يَوْمٍ لهم ضَحْيَان ذي أرَنٍ … سُدَّتْ بلهْوهِمُ فيه المزاميرُ (٦) وهم بنو الأمِّ إمَّا إن رأوا نَشَبًا … فذاك بالغَيْبِ مَحفوظٌ ومَنْصُورُ (٧) والخيرُ والشرُّ مَقْرُونانِ في قَرَنٍ … فالخيرُ متَّبَعٌ والشرُّ مَحْذُورُ (٨) قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بما قال له سَطِيح، فقال كسرى: إلى أنْ يملكَ منا أربعةَ عشرَ ملكًا كانت أمورٌ وأمور، فملك منهم عشرة في أربعِ سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁. ورواه البيهقي (٩) من حديث عبد الرحمن بن محمد بن إدريس عن علي بن حرب الموصلي بنحوه.

стр. 1022

قلت: كان آخرَ ملوكهم الذي سُلب الملك منه يَزْدَجِرْدُ بنُ شَهْريار بن أَبْرَوَيْز بن هُرْمُز بن أنُوشِرْوَان، وهو الذي انشقَّ الإيوان في زمانه، وكان لأسلافه في الملك ثلاثة آلاف سنة ومئة وأربعة وستون سنة. وكان أول ملوكهم جيومَرْت (١) بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح. حاشية: أمَّا سَطِيح هذا، فقال الحافظُ ابن عساكر في "تاريخه" (٢): هو الرَّبِيع بن رَبِيعة بن مسعود بن مازن بن ذِئْب بن عَدِيِّ بن مازن بن الأزْد، ويقال: الربيع بن مسعود، وأمه رويمة (٣) بنت سعد بن الحارث الحَجُوريّ. وذكر غير ذلك في نسبه. قال: وكان يسكن الجابية، ثم روي عن أبي حاتم السِّجْستاني قال: سمعتُ المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا: وكان من بعد لقمان بن عاد، ولد في زمن سَيْل العَرِم، وعاش إلى ملك ذي نُوَاس، وذلك نحو من ثلاثين قرنًا، وكان مسكَنُهُ البحرين. وزعمَتْ عبد القيس أنه منهم، وتزعم الأزْد أنه منهم، وأكثر المحدِّثين يقولون: هو من الأزْد، ولا ندري ممَّنْ هو، غير أنَّ ولدَهُ يقولون: (٤) إنه من الأزْد. وروي عن ابن عباس أنه قال: لم يكن شيءٌ من بني آدم يشبه سَطيحًا، إنما كان لحمًا على وَضَم (٥)، ليس فيه عظمٌ ولا عَصَب إلا في رأسه وعينَيْه وكفَّيه، وكان يُطوى كما يُطوى الثوب من رِجلَيْه إلى عنقه. ولم يكن فيه شيءٌ يتحرَّك إلا لسانه. وقال غَيْرُه: إنه إذا غضِب انتفخ وجلس. ثم ذكر ابنُ عباس أنه قدم مكَّةَ فتلقَّاه جماعةٌ من رؤسائها منهم عبدُ شمس وعبد مناف أبناءُ قُصَي، فامتحنوه في أشياء، فأجابهم فيها بالصدق، فسألوه عمَّا يكون في آخر الزمان، فقال: خذوا مني ومن إلهام الله إيَّايِ: أنتم الآن يا معشر العرب، في زمان الهرم سواء بصائرُكم وبصائرُ العجم، ولا علم عندكم ولا فهَم، ويَنْشُو (٦) من عَقِبكم دَهْم (٧)، يطلبون أنواعُ (٨) العلْم، يكسرون الصنَم، يبلغون

стр. 1023

الرَّدْم (١)، يقتلون العُجْم، يطلبون الغُنْم. ثم قال: والباقي الأبَد، والبالغ الأمَد، ليخرجنَّ من ذا البلد، نبيٌّ مهتدٍ، يهدي إلى الرَّشَد، [يرفُضُ يغوثَ والفَنَد] (٢)، يبرأ من عبادة الضَّدَد، يعبدُ ربًّا انفرد، ثم يتوفَّاه الله محمودًا، ومن الأرض مفقوِدًا، وفي السماء مشهودًا؛ ثم يلي أمرَهُ الصدِّيق، إذا قضى صدَق، وفي ردِّ الحقوق لا خَرِقٌ ولا نزِق، ثم يلي أمرَهُ الحَنِيف، مجرِّبٌ غِطْريف، قد أضاف المضيف، وأحكم التحنيف (٣). ثم ذكر عثمان ومَقْتَله، وما يكونُ بعد ذلك من أيام بني أمية ثم بني العباس، وما بعد ذلك من الفتن والملاحم، ساقه ابن عساكر بسنده عن ابن عباس بطوله. وقد قدَّمنا قوله لربيعة بن نصر ملك اليمن (٤)، حين أخبره برؤياه قبل أن يُخبره بها، ثم ما يكون في بلاد اليمن من الفتن وتغيُّر الدول، حتى يعود إلى سيف بن ذي يَزَن، فقال له: أفيدوم ذلك من سلطانه، أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومَنْ يقطعه؟ قال: نبيٌّ زكي، يأتيه الوَحْي، من قِبَلِ العليّ، قال: وممَّنْ هذا النبيّ؟ قال: من ولد غالب بن فِهر بن مالك بن النَّضْر، يكون المُلْكُ في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يُجمع فيه الأوَّلون والآخِرون، يسعدُ فيه المحسنون، ويَشْقى فيه المسيؤون. قال: أحقٌّ ما تخبرني؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق (٥) إذا اتسق، إنَّ ما أنبأتُكَ لَحَقّ. ووافقه على ذلك شِقّ، سواء بسواء، بعبارةٍ أُخرى كما تقدَّم. ومن شعر سَطِيح قوله: [من الطويل] عليكم بتقوى الله في السرِّ والجَهْرِ … ولا تُلبِسُوا صِدْقَ الأمانةِ بالغَدْرِ وكونوا لجار الجُنْبِ حِصْنًا وجُنَّةً … إذا ما عَرتْهُ النائباتُ من الدَّهْرِ (٦) وروى ذلك الحافظ ابن عساكر، ثم أورد ذلك المُعَافى بنُ زكريّا الجَريري فقال (٧): وأخبارُ سَطِيحٍ كثيرة، وقد جمعها غيرُ واحدٍ من أهل العلم. والمشهور أنَّهُ كان كاهنًا، وقد أخبر عن النبيِّ ﷺ وعن نَعْته ومَبْعثه. ورُوي لنا (٨) بإسنادٍ الله به أعلم أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن سَطِيح فقال: "نبيٌ ضيَّعَهُ قومُه". قلتُ: أما هذا الحديث فلا أصلَ له في شيءٍ من كتب الإسلام المعهودة، ولم أرَهُ بإسنادٍ أصلًا،

стр. 1024

ويُروى مثلُه في خبر خالد بن سنان العبسي (١) ولا يصحُّ أيضًا، وظاهر هذه العبارات تدلُّ على علمٍ جيِّدٍ لِسَطيح، وفيها روائحُ التصديق، لكنَّهُ لم يُدرِكِ الإسلام كما قال الجَريري. فإنه قد ذكرنا في هذا الأثر أنَّه قال لابن أخته: يا عبد المسيح، إذا كَثُرَت التلاوة، وظهر صاحب الهِرَواة، وفاض وادي السماوة، وغاضَتْ بُحيرة ساوَهْ، وخمدَتْ نارُ فارس، فليس الشامُ لسطيحٍ شامًا، يملك منهم ملوكٌ ومَلِكات، على عدد الشُّرُفات، وكلُّ ما هو آت آت. ثم قضى سطيح. وكان ذلك بعد مَوْلد رسول الله ﷺ بشهرٍ أو شَيْعِة (٢) -أي أقلَّ منه- وكانت وفاتُه بأطراف الشام مما يلي أرضَ العراق - فالله أعلم بأمْرِهِ وما صار إليه. وذكر ابنُ طَرَار الجَريري (٣) أنه عاش سبعمائة سنة؛ وقال غيره: خمسمائة سنة، وقيل: ثلاثمائة سنة، فالله أعلم. وقد روى ابنُ عساكر (٤) أنَّ مَلِكًا سأل سَطِيحًا عن نسب غلامٍ اختُلف فيه، فأخبره على الجَلِيَّة في كلامٍ طويل، مليحٍ فصيح، فقال له الملك: يا سَطِيح، ألا تُخبرني عن عِلمك هذا؟ فقال: إنَّ علمي هذا ليس مني، ولا بجَزْمٍ ولا بظني، ولكن أخذْتُه عن أخٍ لي جِنِّي، قد سمع الوَحْيَ بطورِ سَيْناء (٥). فقال له: أرأيتَ أخاك هذا الجِنِّي، أهو معك لا يفارقك؟ فقال: إنه ليزولُ حيث أزول، ولا أنطِقُ إلا بما يقول. وتقدَّم أنه وُلد هو وشِقُّ بن صَعْب بن يَشْكُر بن رُهْم بن قَسْر بن عَبْقَر (٦) الكاهن الآخر، وُلدا في يومٍ واحد، فحُملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحِمْيَريَّة، فتفَلَتْ في أفواههما، فورثا منها الكهانة، وماتت من يومها. وكان نصفَ إنسان، ويقال: إن خالد بن عبد الله القَسْريّ من سُلالته؛ وقد مات شِقٌّ قبل سَطِيح بدهر. وأما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيَّان بن بُقَيْلة (٧) الغسَّانيّ النصراني، فكان من المعمَّرِين،

стр. 1025

وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (١) وقال: هو الذي صالح خالدَ بن الوليد على [الحِيْرَة] (٢) وذكر له معه قصةً طويلة، وأنَّه أكل من يده سمَّ ساعةٍ فلم يُصِبْهُ سوء، لأنه لما أخذه في يدِهِ، قال: بسم الله، وبالله، ربِّ الأرض والسماء، الذي لا يضرُّ مع اسمِهِ داء (٣). ثم أكله، فتجلَّتْهُ غشية، فضرب بذَقَنِهِ (٤) على صدره، ثم عَرِق وأفاق ﵁. وذكر لعبد المسيح أشعارًا غير ما تقدم. إلى هنا الحاشية وقال أبو نعيم (٥): حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عقبةُ بن مكرم، حدّثنا المسيَّب بن شَرِيك، حدّثنا محمد بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان بِمَرِّ الظَّهران (٦) راهب من الرُّهْبان يدعى عيصا من أهل الشام، وكان متخفِّرًا بالعاص بن وائل، وكان الله قد آتاه علمًا كثيرًا، وجعل فيه منافعَ كثيرةً لأهل مكة من طِيبٍ ورِفْقٍ وعِلْم، وكان يلزم صومعةً له، ويدخلُ مكة في كلِّ سنة، فَيَلْقَى الناس ويقول: إنه يوشك أنْ يولد فيكم مولودٌ يا أهل مكة، يَدينُ له العرب، ويملك العجم، هذا زمانه، ومن أدركه واتَّبعه أصاب حاجته، ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته، وبالله ما تركتُ أرضَ الخُبْز (٧) والخمير والأمن، ولا حلَلْتُ بأرض الجوع والبؤس والخوف إلَّا في طلبه. وكان لا يولد بمكة مولود إلا يُسأل عنه، فيقول: ما جاء بَعْدُ. فيقال له: فصِفْه. فيقول: لا. ويكتم ذلك للذي قد علم أنه لاقٍ من قومه مخافةً على نفسه أن يكون ذلك داعيةً إلى أدنى ما يكونُ إليه من الأذى يومًا. ولما كان صبيحة اليوم الذي وُلد فيه رسولُ الله ﷺ خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا، فوقف في أصل صومعته، ثم نادى: يا عيصا. فناداه: من هذا؟ فقال: أنا عبد الله، فأشرف عليه فقال: كن أباه، فقد ولد ذلك المولودُ الذي كنتُ أحدِّثكم عنه يوم الاثنين، ويُبعث يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين. قال: فإنه قد ولد لي مع الصبحِ مولود. قال: فما سمَّيتَه؟ قال: محمدًا. قال: والله لقد كنتُ أشتهي أن يكون هذا المولودُ فيكم أهلَ البيت، لثلاث خصالٍ بها نعرفه، منها: أنَّ نجمه طلع البارحة، وأنه ولد اليوم، وأنَّ اسمه محمد، انطلقْ إليه فإنَّ الذي كنتُ أحدِّثكم عنه ابْنُك. قال:

стр. 1026

فما يُدريك أنه ابني؟ ولعله أنْ يولد في هذا اليوم مولودٌ غيره؟ قال: قد وافق ابنك الاسم، ولم يكنْ الله يشبِّه علمَهُ على العلماء، فإنه حجَّة. وآيةُ ذلك أنه الآن وَجِع، فيشتكي (١) أيامًا ثلاثة. فيظهر به الجوع ثلاثًا ثم يُعافى؛ فاحفظ لسانك، فإنه لم يُحسَدْ أحدٌ حَسَدَهُ قطّ، ولم يُبْغَ على أحدٍ كما يُبْغَى عليه، إنْ تعشْ حتى يبدوَ مقالُه، ثم يدعو، لَظَهر (٢) لك من قومك ما لا تحتمله، إلا على صبرٍ على ذُلّ؛ فاحفظْ لسانك ودَارِ عنه. قال: فما عمره؟ قال: إنْ طال عمره أو قَصُر لم يبلغِ السبعين، يموت في وِترٍ دونها من السنين، في إحدى وستين أو ثلاثٍ وستين، في أعمار جُلِّ أمَّته. قال: وحُمل برسولِ الله ﷺ في عاشوراء المُحَرَّم. وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلةً خلتْ من رمضان سنة اثنتين وعشرين (٣) من غزوةِ أصحاب الفيل. هكذا رواه أبو نعيم، وفيه غرابة. ذكر مراضعه وحواضنه ﵊ كانت أم أيمن واسمها بَرَكَة تحضُنه، وكانت ممن ورِثها ﵊ من أبيه، فلما كبر أعتقها وزوَّجها مولاه زيد بن حارثة، فولدت له أسامةَ بن زيد ﵃. وأرضعته مع أمه ﵊ مولاةُ عمِّه أبي لهب ثُوَيبة قبل حَلِيمة السعدية. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما (٤) من حديث الزُّهري عن عروة بن الزُّبير، عن زينب بنت أم سَلمة عن أُمَّ حَبِيبة بنت أبي سفيان. قالت: يا رسولَ الله، انْكِحْ أختي بنتَ أبي سفيان -ولمسلم عزَّة بنت أبي سفيان- فقال رسول الله ﷺ : "أوَ تُحبِّينَ ذلك"؟ قلت: نعم، لستُ لك بِمُخْلِيَة (٥)، وأحَبُّ مَنْ شاركني في خيرٍ أُختي، فقال النبيُّ ﷺ : "فإنَّ ذلك لا يَحِلُّ لي" قلت: فإنَّا نُحَدَّثُ أنك تريدُ أنْ تَنْكِحَ بنتَ أبي (٦) سلمة -وفي رواية دُرَّة بنت أبي سَلَمة- قال: "بنت أمِّ سَلَمة"؟ قلت: نعم،

стр. 1027

قال: "إنها لو لم تكنْ رَبيبتي في حَجْري ما حلَّتْ لي. إنها لابْنَةُ أخي من الرَّضاعة، أرضعتني وأبا سَلَمة ثُويبةُ، فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَوَاتِكُنّ". زاد البخاري: قال عُرْوة: وثُويبةُ مولاةٌ لأبي لهب [أعتقها فأرضعَتْ رسولَ الله ﷺ ، فلمَّا مات أبو لهب] (١) أُرِيهُ بعضُ أهله بِشَرِّ حِيْبَةٍ (٢). فقال له: ماذا لقيتَ؟ فقال: أبو لهب: لم ألقَ بعدكم خيرًا، غيرَ أني سُقِيتُ في هذه بعَتَاقتي ثُويبة (٣). [وأشار إلى النُقْرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع] (٤). وذكر السهيلي وغيره (٥): أن الرائي له هو أخوه العباس، وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر. وفيه: إن أبا لهب قال للعباس: إنه ليخفَّف عليّ في مثل يوم الاثنين. قالوا: لأنه لما بشَّرته ثُويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله أعتقها من ساعته، فجوزي بذلك لذلك. ذكر رَضَاعه ﵊ من حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وما ظهر عليه من البركة وآيات النبوة قال محمد بن إسحاق (٦): فاسْتُرضع له ﵊ من حَلِيمة بنتِ أبي ذُؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شِجْنَة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن [فُصَيَّة بن نَصْر بن] سعد بن بكر بن هَوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة (٧) بن قيس عيلان بن مضر. قال: واسْمُ أبي رسولِ الله ﷺ الذي أرضعه -يعني زوج حليمة- الحارث بن عبد العُزَّى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة (٨) بن سعد بن بكر بن هوازن. وإخوتُه ﵊ -يعني: من الرَّضاعة- عبد الله بن الحارث، وأَنيْسة بنت الحارث، وحُذَافة (٩) بنت الحارث، وهي الشَّيْماء،

стр. 1028

وذكروا أنها كانت تحضِن رسولَ الله ﷺ مع أمه (١) إذ كان عندهم. قال ابن إسحاق (٢): حدّثني جَهْم بن أبي جهم (٣)، مولى لامرأة من بني تميم، كانت عند الحارث بن حاطب، وكان يقال له: مولى الحارث بن حاطب، قال: حدّثني من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: حُدِّثتُ عن حليمة بنت الحارث أنها قالت: قدمتُ مكة في نسوة -[وذكر الواقدى (٤) بإسناده أنهنَّ كنَّ عشر نسوةٍ من بني سعد بن بكر، يلتمسْنَ بها الرُّضعاء] (٥) - من بني سعد نلتمسُ بها الرُّضعاءَ في سنةٍ شَهْباء (٦)، فقدمتُ على أتانٍ لي قَمْراء كانت أذمَّت بالركب (٧)، ومعي صبيٌّ لنا، وشارف لنا والله ما تَبِضُّ بقطرة (٨)، وما ننام ليلنا (٩) ذلك أجمع مع صبينا ذاك، ما نجد في ثديي ما يُغنيه، ولا في شارفنا ما يغذِّيه، ولكنَّا كنَّا نرجو الغيث والفرج؛ فخرجتُ على أتاني تلك، فلقد أذَمَّتْ بالركب حتى شَقَّ ذلك عليهم ضعفًا وعَجَفًا. فقدِمنا مكة، فوالله ما علمتُ منا امرأةً إلا وقد عُرض عليها رسولُ الله ﷺ ، فتأباه، إذا قيل إنَّه يتيم تركناه، قلنا: ماذا عسى أنْ تصنعَ إلينا أُمُّه؟ إنما نرجو المعروفَ من أبي الولد، فأما أمُّه فماذا عسى أن تصنع إلينا؟ فوالله ما بقي من صواحبي امرأةٌ إلا أخذت رَضِيعًا غيري. فلما لم نجد غيرَه، وأجمعنا الانطلاق، قلت لزوجي الحارث بن عبد العُزَّى: والله إني لأكره أنْ أرجعَ من بين صواحبي ليس معي رضيع. لأنطلقنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنَّه. فقال: لا عليك أنْ

стр. 1029

تفعلي، فعسى أنْ يجعلَ الله لنا فيه بركة. فذهبتُ فأخذتُه، فوالله ما أخذته إلا أني لم أجدْ غيرَه؛ فما هو إلَّا أن أخذتُه فجئت به رَحْلي، فأقبل عليه ثديايَ بما شاء من لبن، فشرب حتى رَوِي، وشرب أخوه حتى رَوِي. وقام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل، فحلب ما شَرِب وشربتُ حتى رَوينا؛ فبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي حين أصبحنا: يا حليمة [والله] (١) إني لأراك قد أخذتِ نَسَمَةً مباركة، ألم ترَيْ ما بتنا به الليلةَ من الخير والبركة حين أخذناه؟! فلم يزلِ الله يَزِيدُنا خيرًا. ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا، فوالله لقطعتْ أتاني بالرَّكْب حتى ما يتعلَّق بها حمار، حتى إنَّ صواحبي ليقلن: ويلك يا بنتَ أبي ذؤيب! هذه أتانك التي خرجتِ عليها معنا؟ فأقول: نعم، والله إنها لهي، فقلن: والله إنَّ لها لشأنًا!. حتى قدمنا أرضَ بني سعد، وما أعلمُ أرضًا من أرض الله أجْدَبَ منها، فإنْ كانتْ غنمي لتَسْرَحُ ثم تَرُوح شِبَاعًا لُبَّنًا، فنحلُب ما شئنا وما حوالينا -أو حولنا- أحا تَبِضُّ له شاةٌ بقطرةِ لبن، وإنَّ أغنامَهُم لتروحُ جياعًا، حتى إنهم ليقولون لرعاتهم -أو لرعيانهم-: ويحكم، انظروا حيث تَسْرَحُ غنمُ بنتِ أبي ذؤيب فاسْرَحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيثُ تسرح، فتروحُ أغنامُهم جياعًا ما فيها قطرةُ لبن، وتروح أغنامي شِبَاعًا لُبَّنًا، نحلُب ما شئنا؛ فلم يزلِ الله يُرينا البركة ونتعرَّفها حتى بلغ سنتيه، فكان يَشِبُّ شبابًا لا تَشِبُّه الغِلْمان، فوالله ما بلغ السنتين حتى كان غلامًا جَفْرًا (٢)، فقدِمنا به على أمِّه ونحن أضَنُّ شيءٍ به مما رأينا فيه من البركة؛ فلما رأته أمه قالت لها: يا ظِئْر دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى، فإنَّا نخشى عليه وَبَاءَ مكة. فوالله ما زلنا بها حتى قالت: فنعم. فسرَّحَتْه معنا، فأقمنا به شهرَيْن أو ثلاثة، فبينا هو خلفَ بيوتِنا مع أخٍ له من الرَّضاعة في بَهْمٍ لنا جاءنا أخوه ذلك يشتّد (٣)، فقال: ذاك أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثيابٌ بيض، فأضجعاه، فشقَّا بطنه. فخرجتُ أنا وأبوه نشتدُّ نحوه، فنجده قائمًا مُمْتَقَعًا (٤) لونه. فاعتنقه أبوه وقال: يا بني ما شأنك؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، أضجعاني وشقَّا بطني، ثم استخرجا منه شيئًا، فطرحاه ثم ردَّاه كما كان. فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خَشِيتُ أن يكون ابني قد أصيب، فانطلقي بنا نردَّهُ إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوَّف. قالت حليمة: فاحتملناه فلم تُرَعْ أمُّه إلا به، فقدمنا [به] (٥) عليها فقالت: ما ردَّكما [به يا ظئر] (٥) فقد كنتما عليه حريصَيْن؟ فقالا: لا والله، إلَّا أنَّ الله قد أدَّى عنا وقضينا الذي علينا وقلنا: نخشى الإتلاف والأحداث، نردُّه إلى أهله. فقالت: ما ذاك بكما؟ فاصْدُقاني شأنكما. فلم تَدْعنا حتى

стр. 1030

أخبرناها خَبَره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، والله إنَّه لكائنٌ لابني هذا شأن، ألا أخبرُكما خبره، قلنا: بلى. قالت: حملتُ به فما حملتُ حملًا قطُّ أخفَّ منه، فأُريتُ في النوم حين حملتُ به، كأنه خرج مني نورٌ أضاءتْ له قصورُ الشام، ثم وقع حين ولدْتُه وقوعًا ما يقعُه المولود، معتمدًا على يديه، رافعًا رأسَه إلى السماء، فدعاه عنكما. وهذا الحديث قد روي من طريقٍ آخر، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي (١). وقال الواقدي (٢): حدثني معاذ بن محمد عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عباس قال: خرجتْ حليمةُ تطلب النبيَّ ﷺ وقد وجدَتِ البَهْم (٣) تَقيل، فوجدَتْهُ مع أخته، فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أُمَّهْ، ما وجد أخي حَرًّا، رأيتُ غمامةً تُظِلُّ عليه، إذا وقف وقفتْ، وإذا سار سارت [معه] حتى انتهى إلى هذا الموضع. وقال ابن إسحاق (٤): حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك. قال: "نَعَمْ، أنا دعوةُ أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ﵉، ورأَتْ أُمِّي حين حملَتْ بي كأنَّه (٥) خرج منها نورٌ أضاءتْ له قصورُ الشام، واستُرِضعتُ في بني سعد بن بكر، فبينا أنا في بَهْمٍ لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض، معهما طَسْت من ذهب مملوءةٌ (٦) ثلجًا، فأضجعاني فشقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقَّاه، فأخرجا منه عَلَقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا ألقياه ردَّاه كما كان؛ ثم قال أحدُهما لصاحبه: زِنْهُ بعشرةٍ من أمته، فوزنني بعشرةٍ فوزنتهم، ثم قال: زِنْه بمئةٍ من أمته، فوزنني بمئة فوزنتهم، ثم قال: زِنْه بألفٍ من أُمته، فوزنني بألف فوزنتُهم؛ فقال: دَعْه عنك، فلو وزنتَهُ بأُمَّته لوزنهم. وهذا إسنادٌ جيِّد قوي. وقد روى أبو نعيم الحافظ في "الدلائل" (٧) من طريق عمر بن الصُّبح -وهو أبو نعيم- عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن شدَّاد بن أوس هذه القصة مطوَّلة جدًا، ولكنَّ عمر بن صُبح هذا متروكٌ كذاب

стр. 1031

متَّهم بالوضع. فلهذا لم نذكر لفظ الحديث، إذْ لا يفرحُ به. ثم قال (١): وحدّثنا أبو عمرو بن حمدان (٢)، حدثنا الحسن بن سفيان (٣)، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا بَقِيَّةُ بن الوليد، عن بَحِير بن سَعْد (٤)، عن خالد ابن مَعْدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، عن عُتْبة بن عَبْد أنه حدَّثه أنَّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانتْ حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقتُ أنا وابنٌ لها في بَهْمٍ لنا، ولم نأخذْ معنا زادًا، فقلت: يا أخي، اذهبْ فأْتنا بزادٍ من عند أُمِّنا. فانطلق أخي ومكثتُ عند البَهْم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نَسْران، فقال أحدُهما لصاحبه: [أ] هو هو؟ قال: نعم. فأقبلا (٥) يبتدراني، فأخذاني فبطَحَاني للقفا، فشقَّا بطني ثم استخرجا قلبي فشقَّاه، فأخرجا منه عَلَقتَيْن سوداوَيْن، فقال أحدُهما لصاحبه: ائتني بماءِ ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماءَ بَرَد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسَّكِينة، فذرَّها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْه، فخاطه (٦) وختم على قلبي بخاتم النبوَّة؛ فقال أحدُهما لصاحبه: اجعلْه في كِفَّة، واجعل ألفًا من أُمَّته في كِفَّة؛ فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أُشفق أنْ يخرَّ عليَّ بعضُهم؛ فقال: لو أنَّ أمته وُزنتْ به لمالَ بهم. ثم انطلقا فتركاني وفرقتُ فرَقًا شديدًا، ثم انطلقتُ إلى أمي فأخبرتُها بالذي لَقيت، فأشفقتْ أن يكون قد أُلبِسَ (٧) بي، فقالت: أعيذُكَ بالله. فرحَّلَتْ بعيرًا لها وحملَتْني على الرَّحْل، وركبتْ خلْفي، حتى بلَغْنا إلى أُمِّي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي وحدَّثَتْها بالذي لَقِيت، فلم يَرُعْها، وقالت: إني رأيتُ خرج مني نور أضاءَتْ منه قصورُ الشام". ورواه أحمد من حديث بقيَّة بن الوليد به (٨).

стр. 1032

وهكذا رواه عبد الله بن المبارك وغيره عن بقية بن الوليد به. وقد رواه ابنُ عساكر (١) من طريق أبي داود الطيالسي، حدَّثنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي، أخبرني عمرُ بن عروة بن الزُّبير (٢) قال: سمعتُ عروة بن الزُّبير يحدِّث عن أبي ذرٍّ الغفاري قال: قلت: يا رسول الله! كيف علمتَ أنَّكَ نبيٌّ حين علمت ذلك، واستيقنتَ أنك نبي؟ قال: "يا أبا ذرّ، أتاني ملكان وأنا ببعض بَطْحاء مكة، فوقع أحدُهما على الأرض، وكان الآخرُ بين السماء والأرض، فقال أحدُهما لصاحبه: أهو هو؟ قال هو هو. قال: زِنْهُ برجلٍ، فوزنني برجلٍ فرجحْتُه" وذكر تمامه، وذكر شقَّ صدره وخياطته، وجعل الخاتم بين كتفَيْه. قال: "فما هو إلا أنْ ولَّيَا عني، فكأنما أُعاينُ الأمْرَ مُعَاينةً". ثم أورد ابنُ عساكر (٣) عن أُبَيِّ بن كعب بنحو ذلك، ومن حديث شدَّاد بن أوس بأبسطَ من ذلك (٤). وثبت في صحيحِ مسلم (٥) من طريق حَمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ أتاهُ جبريلُ ﵇ وهو يلعب مع الغلمان (٦)، فأخذَهُ فصَرَعَه، فشقَّ عن قلبه (٧)، فاستخرج القلب، واستخرج منه عَلَقَةً سوداء فقال: هذا حظُّ الشيطانِ منك، ثم غسَلَه في طَسْتٍ من ذهب بماءِ زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعادَهُ في مكانه؛ وجاء الغلمان يسعَوْن إلى أُمِّه -يعني ظِئْرَه- فقالوا: إنَّ محمدًا قد قُتل فاستَقْبَلُوهُ وهو مُمْتَقَعُ (٨) اللَّون. قال أنس: وقد كنتُ أرى أثرَ ذلك المِخْيَط في صَدْره. وقد رواه ابن عساكر (٩) من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن عبد رَبِّه بن سعيد، عن (١٠) ثابت البُناني، عن أنس، أنَّ الصلاة فُرضت بمكة (١١)، وأنَّ ملَكَين أتيا رسولَ الله ﷺ فذهبا به إلى زمزم،

стр. 1033

فشقَّا بطنه، فأخرجا حِشْوَتَه (١) في طَسْتٍ من ذهب، فغسلاه بماءِ زمزم، ثم كَبَسا (٢) جَوْفَه حكمةً وعلمًا؟ ومن طريق ابن وَهْب أيضًا (٣)، عن يعقوب بن عبد الرحمن الزُّهْري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم (٤) بن عُتْبة بن أبي وقاص، عن أنس قال: أُتي رسولُ الله ﷺ ثلاث ليال قال: خذوا خَيْرَهم وسيِّدَهم. فأخذوا رسولَ الله ﷺ فعُمِد به إلى زمزم، فشُقَّ جوفُه، ثم أُتي بتَوْرٍ (٥) من ذهب، فغُسل جوفُه، ثم مُلئ حكمةً وإيمانًا. وثبت (٦) من رواية سُليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. وفي "الصحيحين" من طريق شريك بن أبي نَمِر، عن أنس (٧)، وعن الزُّهري، عن أنس، عن أبي ذَرّ (٨). وقتادة عن أنس. عن (٩) مالك بن صعصعة عن النبيِّ ﷺ في حديث الإسراء (١٠)، كما سيأتي (١١) قصة شرح الصدر ليلتئذ وأنَّه غُسل بماء زمزم؛ ولا منافاةَ لاحْتمال وقوع ذلك مرتين، مرَّةً وهو صغير، ومرَّةً ليلةَ الإسراء، ليتأهَّبَ للوفود إلى الملأ الأعلى، ولمناجاةِ الرَّبِّ ، والمثول بين يديه ﵎. وقال ابن إسحاق (١٢): وكان رسولُ الله ﷺ يقولُ لأصحابه: "أنا أعْرَبُكم، أنا قُرَشيٌّ واستُرْضِعتُ في بني سعد بن بكر". وذكر ابن إسحاق (١٣): أنَّ حليمة لما استرجعته (١٤) إلى أُمِّه بعد فِطامه، مرَّتْ به على ركبٍ من

стр. 1034

النَّصَارى، فقاموا إليه ﵊ وقلَّبوه وقالوا: إنا سنذهبُ بهذا الغلام إلى مَلِكنا، فإنه كائنٌ له شأن. فلم تكَدْ تنفلتُ منهم إلا بعد جَهْد. وذكر أنها لما ردَّته حين تخوَّفت عليه أنْ يكونَ أصابه عارض، فلمَّا قَرُبَتْ من مكَّة افتقدَتْه فلمْ تجدْه فجاءتْ جدَّه عبدَ المطلب، فخرج هو وجماعة في طلبه، فوجده ورَقَةُ بن نَوْفلٍ ورجلٌ آخر من قريش، فأتيا به جدَّه، فأخذه على عاتقه، وذهب فطاف به يعوِّذُهُ ويدعو له، ثم ردَّه إلى أُمِّه آمنة. وذكر الأموي (١) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقَّاصي -وهو ضعيف- عن الزُّهْري، عن سعيد بن المُسَيِّب قصةَ مولدِه ﵊، ورضاعِه من حَلِيمة، على غير سياق محمد بن إسحاق. وذكر أنَّ عبدَ المطلب أمر ابنَهُ عبدَ الله أن يأخذَهُ فيطوف به في أحياء العرب ليجد (٢) له مرضعة، فطاف حتى استأجر حليمة على رَضاعه. وذكر أنه أقام عندها ستَّ سنين تُزيرُه جدَّه في كلِّ عام، فلما كان من شقِّ صدره عندهم ما كان، ردَّتْه إليهم، فأقام عند أمه، حتى [إذا] (٣) كان عمره ثماني سنين، ماتت، فكفَلَه جدُّهُ عبدُ المطلب، فمات وله ﵊ عَشْرُ سنين، فكفَلَه عمَّاه شقيقا أبيه: الزُّبير وأبو طالب، فلما كان له بضعَ عَشرَةَ سنة خرج مع عمِّه الزُّبير إلى اليمن. فذكر أنهم رأوا منه آياتٍ في تلك السَّفْرة؛ منها أنَّ فَحْلًا من الإبل كان قد قطعَ بعضَ الطريق في وادٍ مَمَرُّهم عليه، فلما رأى رسولَ الله ﷺ برك حتى حكَّ بكَلْكَلِه (٤) الأرضَ، فركبه ﵊. ومنها أنه خاض بهم سيلًا عَرِمًا (٥) فأيبسَهُ الله تعالى حتى جاوزوه. ثم مات عمُّه الزُّبير وله أربعَ عشرة سنة، فانفرد به أبو طالب. والمقصود أنَّ بركتَهُ ﵊ حلَّت على حليمةَ السعْدِيَّة وأهْلِها وهو صغير، ثم عادتْ على هوازِنَ بكمالهم فواضِلُه (٦) حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر. فمَتُّوا (٧) إليه برَضاعِه، فأعتقهم وتحنَّن عليهم وأحسن إليهم، كما سيأتي مفصَّلًا في موضعه إنْ شاء الله تعالى. قال محمد بن إسحاق (٨) في وقعة هوازن: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده [عبد الله بن عمرو] قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحُنَين، فلما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وَفْدُ هوازن بالجِعْرَانة (٩) وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أهلٌ وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يَخْفَ

стр. 1035

عليك، فامْنُنْ علينا مَنَّ الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صُرَد فقال: يا رسول الله. إنَّ ما في الحظائر (١) من السبايا خالاتُك وحواضنك اللاتي كن يكفُلْنك، فلو أنَّا مَلَحْنا (٢) ابنَ أبي شَمِر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجَوْنا عائدتَهما وعطفَهما، وأنت خيرُ المكفولين. ثم أنشد: [من البسيط] أُمْنُنْ علينا رسولَ الله في كَرَمٍ … فإنَّك المرءُ نَرْجُوهُ ونَدَّخِرُ أُمْنُنْ على بَيْضَةٍ قد عاقَها (٣) قَدَرٌ … ممزَّقٌ شَمْلُها في دهرها غِيَرُ أبقتْ لنا الدهرَ هتَّافًا على حَزَنٍ … على قلوبهمُ الغَمَّاءُ والغُمَرُ (٤) إنْ لَمْ تُداركها نَعْماءَ تَنْشُرُها … يا أرجحَ الناسِ حِلْمًا حين يُخْتَبَرُ (٥) أُمنُنْ على نسوةٍ قد كنتَ ترضعُها … إذْ فُوك يَمْلَؤهُ من مَحْضِها دِرَرُ (٦) أُمننْ على نسوةٍ قد كنتَ ترضَعُها … وإذْ يَزينُك ما تأتي وما تَذَرُ لا تجعلنَّا كمن شالتْ نَعامَتُه … واستَبْقِ منّا فإنَّا معشرٌ زُهُرُ (٧) إنا لنشكرُ للنُّعمى وإنْ كُفرتْ … وعندنا بعدَ هذا اليومِ مُدَّخَرُ وقد رُويتْ هذه القصة من طريق عبد الله (٨) بن رُمَاحِس الكلبي الرملي، عن زياد بن طارق الجُشَميّ،

стр. 1036

عن أبي صُرَد زهير بن جَرْوَل (١) -وكان رئيسَ قومه- قال: لما أسَرَنا رسولُ الله ﷺ يوم حُنين، فبينا هو يَميزُ بين الرجال والنساء وثبتُ حتى قعدتُ بين يديه، وأسمعتُه شعرًا، أذكره حين شبَّ ونشأ في هوازن حيث أرْضعوه: [من البسيط] أُمْنُنْ علينا رسولَ الله في دَعَةٍ … فإنَّك المرءُ نرجوهُ ونَنْتَظِرُ أُمننْ على بَيْضةٍ قد عاقها قَدَرٌ … ممزَّقٌ شَمْلُها في دهرها غِيرُ أبقت لنا الحربُ هتَّافًا على حَزَنٍ … على قلوبهمُ الغَمَّاءُ والغُمَرُ إنْ لم تُداركْها نعماءَ تنشرُها … يا أرجحَ الناس حِلْمًا حين يُختبر أُمننْ على نسوةٍ قد كنتَ ترضَعُها … إذْ فُوك يملؤُه (٢) من مَحْضِها الدِّرَرُ إذْ أنْتَ طفلٌ صغيرٌ كنتَ تَرضعها … وإذْ يَزينُكَ ما تأتي وما تذَرُ لا تجعلنَّا كمن شالَتْ نعامَتُهُ … واسْتَبْقِ منا فإنَّا معشرٌ زُهُرُ إنَّا لنشكُرُ للنُّعمى وإنْ كُفِرَتْ … وعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخَرُ فأَلبسِ العَفْوَ مَن قد كنتَ تَرضعُه … مِن أُمَّهاتِكَ إنَّ العفوَ مُشْتَهرُ إنّا نؤمِّلُ عفوًا منك تُلْبِسُهُ … هذي البرِيَّةَ إذْ تعفو وتنتصرُ فاعفو (٣) عفا الله عمَّا أنت رَاهبُه (٤) … يومَ القيامة إذْ يُهْدى لك الظَّفَرُ قال: فقال رسول الله ﷺ : "أمَّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم" فقالت [قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله. وقالت] (٥) الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله ﷺ .

стр. 1037

وسيأتي أنه ﵊ أطلق لهم الذرية، وكانت ستة آلاف ما بين صبيٍّ وامرأة، وأعطاهم أنعامًا وأناسيَّ كثيرًا. حتى قال أبو الحسين بن فارس: فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ خمسمائة ألف ألف درهم. فهذا كلُّه من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة؟. فصل قال ابن إسحاق بعد ذِكر رجوعه ﵊ إلى أمه آمنة بعد رَضاعة حليمة له (١): فكان رسول الله ﷺ مع أُمه آمنةَ بنتِ وَهْب، وجدِّه عبد المطلب في كَلاءَةِ الله وحِفْظه، يُنبته الله نباتًا حسنًا لِمَا يريدُ به من كرامته، فلما بلغ ستَّ سنين توفيت أُمُّه آمنة بنت وَهْب. قال ابن إسحاق (٢): حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أن أُمَّ رسولِ الله ﷺ آمنة توفيت وهو ابنُ ستِّ سنين بالأبْواء، بين مكة والمدينة، كانت قد قدِمَتْ به على أخواله من بني عَدِيِّ بن النجَّار، تُزيره إيَّاهم، فماتتْ وهي راجعة به إلى مكة. وذكر الواقديُّ بأسانيده (٣)، أنَّ النبيَّ ﷺ خرجتْ به أمُّه إلى المدينة ومعها أمُّ أيمن وله ستُّ سنين، فزارتْ أخوالَه. قالت أمُّ أيمن: فجاءني ذات يومٍ رجلان من يهودِ المدينة فقالا [لي] (٤): أخرجي إلينا أحمد ننظر إليه. فنظرا إليه وقلَّباه، فقال أحدُهما لصاحبه: هذا نبيُّ هذه الأمة، وهذه دارُ هِجْرته، وسيكونُ بها من القتل والسَّبْي أمْرٌ عظيم. فلما سمعتْ أُمُّه خافتْ وانصرفت به، فماتتْ بالأبواء وهي راجعة. وقد قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا حسين بن محمد، حدّثنا أيُّوب بن جابر، عن سِماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن (٦) بريدة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بوَدَّان (٧) قال: "مكانكم حتى آتيكم" فانطلق ثم جاءنا وهو ثقيل (٨)، فقال: "إني أتيتُ قبر أُم محمد، فسألتُ ربي الشفاعة -يعني لها- فمنعنيها، وإني كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور فَزُوروها، وكنت نهيتُكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة

стр. 1038

أيام، فكُلوا وأمْسِكُوا ما بدا لكم، ونهيتُكم عن الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا ما بدا لكم" (١). وقد رواه البيهقي (٢) من طريق سفيان الثوري، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد (٣)، عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه قال: انتهى النبيُّ ﷺ إلى رَسْم قبر فجلس، وجلس الناسُ حوله، فجعل يحرِّك رأسَه كالمخاطب، ثم بكى، فاستقبله عمر، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: "هذا قبر آمنة بنت وَهْب، استأذنتُ ربي في أنْ أزورَ قبرها فأذِن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليّ، وأدركتني رِقَّتها فبكيت". قال: فما رأيتُ (٤) ساعةً أكثر باكيًا من تلك الساعة. تابعه محارب بن دِثَار عن ابن بُريدة عن أبيه. ثم روى البيهقي عن الحاكم، عن الأصمّ، عن بَحْر بن نصر (٥)، عن عبد الله بن وَهْب، حدَّثنا ابن (٦) جُرَيج، عن أيوب بن هانئ، عن مَسْروق بن الأجْدَع، عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر، وخرَجْنا معه، فأمَرَنا (٥) فجلسنا، ثم تخطَّى القبورَ حتى انتهى إلى قبرٍ منها، فناجاه طويلًا، ثم ارتفع نَحيبُ رسولِ الله ﷺ باكيًا، فبكينا لبكاءِ رسول الله ﷺ ؛ ثم إنَّ رسول الله ﷺ أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا. فجاء فجلس إلينا فقال: "أفزَعَكم بكائي"؟ قلنا: نعمِ. قال: "إنَّ القبر الذي رأيتموني أناجي فيه قبرُ آمنة بنت وَهب، وإني استأذنتُ ربي في زيارتها فأذِنَ لي فيه، واستأذنتُ ربي في الاستغفار لها فلم يأذن ليِ فيه. ونزل علي: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤]. فأخذني ما يأخذُ الولد للوالدة من الرِّقَّة، فذلك الذي أبكاني. غريبٌ ولم يخرجوه (٧). وروى مسلم (٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن عُبيد، عن يزيد بن كَيْسان، عن أبي حَازِم،

стр. 1039

عن أبي هريرة قال: زارَ النبيُّ ﷺ قبرَ أُمِّه فبكى وأَبْكى مَنْ حَوْلَه، ثم قال: "استأذنتُ ربِّي في زيارة قبر أُمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها (١) فلم يأذن لي، فَزُورُوا القبور تُذَكِّركم الموت" (٢). وروى مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفَّان، عن حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت عن أنس أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: "في النار". فلما قفَّى (٤) دعاهُ فقال: "إنَّ أبي وأباك في النَّار". وقد روى البيهقي (٥) من حديث أبي نُعيم الفَضْل بن دُكَين، عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنَّ أبي كان يصلُ الرَّحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: "في النار" قال: فكأنَّ الأعرابيَّ وجد من ذلك فقال: يا رسول الله أين [أبي؟ قال: "في النار" قال: أين] (٦) أبوك؟ قال: "حيثما مررتَ بقبرِ كافرٍ فبشره بالنار". قال: فأسلم الأعرابيُّ بعد ذلك فقال: لقد كلَّفني رسولُ الله ﷺ تعبًا، ما مررت بقبر كافرٍ إلا بشَّرْتُه بالنار. غريب، ولم يخرِّجوه من هذا الوجه (٧). وقال الإمام أحمد (٨): حدّثنا أبو عبد الرحمن، حدّثنا سعيد -هو ابن أبي أيوب- حدّثنا ربيعة بن سيف الَمَعَافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله ﷺ إذْ بَصر بامرأةٍ لا نظنُّ أنه عرفها، فلما توسَّط (٩) الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: "ما أخرجكِ من بيتك يا فاطمة"؟ فقالت: أتيتُ أهلَ هذا البيت فترحَّمْتُ (١٠) إليهم مَيِّتَهم وعزَّيتُهم. قال: "لعلك بلغتِ معهم الكُدَى"؟ قالت: معاذَ الله أنْ أكون بلغْتُها معهم وقد سمعتُك تذكر في ذلك ما تذكر. قال: "لو بَلَغْتِها (١١) معهم ما رأيتِ الجنة حتى يراها جَدُّ أبيك".

стр. 1040

ثم رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (١) من حديث ربيعة بن سيف بن ماتع المعافري الصنمي الإسكندري، وقد قال البُخاري (٢): عنده مناكير. وقال النسائي (٣): ليس به بأس، وقال مرة (٤): صدوق، وفي نسخة (٥) ضعيف. وذكره ابنُ حِبَّان في الثقات، وقال (٦): كان يُخطئ كثيرًا. وقال الدارقطني (٧): صالح. وقال ابنُ يونس في تاريخ مصر (٨): في حديثه مناكير، توفي قريبًا من سنة عشرين ومئة. والمراد بالكُدَى: القبور، وقيل: النَّوْح (٩). والمقصود أنَّ عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية، خِلافًا لفِرْقةِ الشيعة فيه وفي ابنه أبي طالب، على ما سيأتي في وفاة أبي طالب، وقد قال البيهقي -بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه "دلائل النبوة" (١٠): وكيف لا يكون أبواه وجدُّه ﵊ بهذه الصفة في الآخرة، وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا دينَ عيسى ابن مريم ﵇، وكفرهم (١١) لا يقدح في نسبه ﵊، لأنَّ أنكحة الكفار صحيحة. ألا تراهم يُسْلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديدُ العقد ولا مفارقتهن، إذا كان مثله يجوز في الإسلام، وبالله التوفيق. انتهى كلامه. قلتُ: وإخباره ﷺ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديثَ الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصُّمَّ يُمتحنون في العَرَصات يوم القيامة، كما بسطناه سندًا ومتنًا عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١٢) [الإسراء: ١٥] فيكون منهم من يجيب

стр. 1041

ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة، ولله الحمد والمنة. وأما الحديث الذي ذكره السُّهَيْلي، وذكر أنَّ في إسناده مجهولين إلى ابن أبي الزِّنَاد، عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سأل ربَّه أن يُحيي أبويه؛ فأحياهما وآمنا به، فإنه حديثٌ منكرٌ جدًا. وإن كان ممكنًا بالنظر إلى قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضُه. والله أعلم. فصل قال ابن إسحاق (١): وكان رسول الله ﷺ مع جدِّه عبد المطلب بن هاشم -يعني بعد موت أُمِّه آمنة بنت وهب- فكان يوضع لعبد المطلب فراشٌ في ظلِّ الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له. قال: فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جَفْر (٢) حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخِّرُوه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إنَّ له لشأنًا. ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسرُّه ما يراه يصنع. وقال الواقدي (٣): حدّثني محمد بن عبد الله عن الزهري، وحدّثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن حمزة بن (٤) عبد الله، وحدّثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن المنذر بن جَهْم، وحدّثنا معمر عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد، وحدّثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحويرث، وحدّثنا ابن أبي سَبْرَة، عن سليمان بن سُحَيم، عن نافع بن جُبير -دخل حديثُ بعض منهم في بعض- قالوا: كان رسول الله ﷺ يكون مع أُمِّه آمنةَ بنتِ وَهْب، فلما تُوفيت قبضَهُ إليه جَدُّه عبد المطلب، وضمَّهُ ورقَّ عليه (٥) رِقَّةً لم يرقَّها على ولده، وكان يقرِّبُه منه ويُدْنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني إنه يُؤْنس (٦) ملكًا. وقال قومٌ من بني مُدْلِج لعبد المطلب: احتفظ به، فإنَّا لم نر قدمًا أشبه بالقدم التي في الحَجَر (٧)

стр. 1042

منه. فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء! فكان أبو طالب يحتفظ به. وقال عبد المطلب لأُمِّ أيمن -وكانت تحضُنه-: يا بَرَكَة، لا تغفلي عن ابني، فإنِّي وجدتُه مع غلمان قريب (١) من السدرة، وإنَّ أهل الكتاب يزعمون أنَّ ابني نبيُّ هذه الأمة. وكان عبد المطلب لا يأكل طعامًا إلا يقول: عليَّ بابني، فيُؤتى به إليه. فلمَّا حضرت عبدَ المطلب الوفاةُ أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ وحياطته، ثم مات عبد المطلب ودُفن بالحَجُون (٢). وقال ابن إسحاق (٣): فلما بلغ رسول الله ﷺ ثماني سنين هلك جدُّه عبد المطلب بن هاشم. ثم ذكر جمعَه بناتِهِ وأمْرَهُ إياهنَّ أن يرثينه؛ وهن: أروى، وأمية، وبَرَّة، وصفية، وعاتكة، وأمُّ حكيم البيضاء، وذكر أشعارهنَّ وما قُلْنَهُ في رثاء أبيهن، وهو يسمعُ قبل موته، وهذا أبلغ النَّوح. وبسط القول في ذلك. وقد قال ابن هشام (٤): ولم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر. قال ابن إسحاق (٥): فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولي زمزم والسقاية بعده ابنُه العباس، وهو من أحدث إخوته سنًا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وأقرَّها في يده رسولُ الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ بعد جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب لوصية عبد المطلب له به، ولأنه كان شقيق أبيه عبد الله، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ (٦) بن عِمْران بن مخزوم. قال: فكان أبو طالب هو الذي يلي أمْرَ رسول الله ﷺ وكان إليه ومعه. وقال الواقدي (٧): أخبرنا مَعْمَر عن ابن [أبي] (٨) نَجيح عن مجاهد، وحدّثنا معاذ بن محمد الأنصاري، عن عطاء، عن ابن عباس، وحدّثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة -دخل حديث بعضهم في [حديث] (٩) بعض- قالوا: لما توفي عبد المطلب قَبَض

стр. 1043

أبو طالب رسولَ الله ﷺ ، فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبُّه حبًّا شديدًا لا يحبّه ولدَه، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وصَبَّ به أبو طالب صبابةً لم يُصَبَّ (١) مثلها بشيءٍ قط. وكان يخصُّه بالطعام، وكان إذا أكل عيالُ أبي طالب جميعًا أو فُرَادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسولُ الله ﷺ شبعوا، فكان إذا أراد أن يُغَدِّيَهم قال: كما أنتم حتى يأتيَ ولدي. فيأتي رسول الله ﷺ فيأكل معهم فكانوا (٢) يُفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول أبو طالب: إنَّك لمبارَك، وكان الصبيان يُصبحون رُمْصًا شُعثًا، ويُصبح رسول الله ﷺ دَهِينًا كَحيلًا. وقال الحسن بن عرفة: حدّثنا عليُّ بن ثابت، عن طلحة بن عمرو، وسمعتُ عطاء بن أبي رباح، سمعتُ ابن عباس يقول: كان بنو أبي طالب يُصبحون غُمْصًا رُمْصًا، ويُصبح رسولُ الله ﷺ صَقِيلًا دَهِينًا (٣) وكان أبو طالب يُقرِّبُ إلى الصبيانِ صَحْفَتَهمَ (٤) أوَّلَ البُكْرَة، فيجلسون وينتهبون، ويكف رسولُ الله ﷺ يدَهُ فلا ينتهبُ معهم (٥). فلما رأى ذلك عمُّه عزَلَ له طعامَهُ على حِدَة. وقال ابن إسحاق (٦): حدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، أنَّ أباهُ حدَّثه أنَّ رجلًا من لِهْبٍ كان عائفًا (٧)، فكان إذا قدِم مكة أتاهُ رجالٌ من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف (٨) لهم فيهم؛ قال: فأتى أبو طالب برسول الله ﷺ وهو غلام مع من (٩) يأتيه؛ قال: فنظر إلى رسولِ الله ﷺ ثم شغله عنه شيء، فلما فرغَ قال: الغلام عليَّ به. فلما رأِى أبو طالب حِرْصَهُ عليه غيَّبَهُ عنه، فجعل يقول: ويلكم، رُدُّوا عليَّ الغلامَ الذي رأيتُه آنفًا، فوالله ليكوننَّ له شأن. قال: وانطلق به أبو طالب.

стр. 1044

فصل: في خروجِهِ ﵊ مع عمِّه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بَحِيرَى الراهِب (١) قال ابن إسحاق (٢): ثم إنَّ أبا طالب خرج في ركبٍ تاجرًا إلى الشام، فلمَّا تهيَّأ للرحيل وأجمع السير صَبَّ به (٣) رسولُ الله ﷺ -فيما يزعمون-[فأخذ بزمام ناقته وقال: "يا عمّ، إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أُمّ"؟] فَرَقَّ له أبو طالب وقال: والله لأخرجنَّ به معي ولا أفارقُهُ ولا يفارقُني أبدًا. أو كما قال فخرج به [معه]، فلما نزل الرَّكْبُ بُصْرَى (٤) من أرض الشام، وبها راهبٌ يقال له: بَحِيرى في صومعةٍ له. وكان إليه عِلْمُ أهْل النَّصْرانية، ولم يزلْ في تلك الصومعةِ منذُ قُطٍّ (٥) راهب فيها (٦)، إليه (٧) يصيرُ علمهم عن كتاب [فيها] (٨) فيما يزعمون، يتوارثونَهُ كابرًا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام بِبَحِيرَى، وكانوا كثيرًا ما يمرُّون [به قبل ذلك] فلا يكلِّمُهم ولا يعرض لهم (٩) حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبًا من صومعته، صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك فيما يزعمون عن شيءٍ رآه وهو في صومعته. يزعمونَ أنَّهُ رأى رسولَ الله ﷺ في الرَّكب حين أقبلَ وغمامةٌ تُظِلُّه من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلُوا في ظلِّ شجرةٍ قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلَّتِ الشجرة، وتهصَّرَتْ أغصانُ الشجرةِ على رسولِ الله ﷺ حتى استظلَّ تحتها (١٠). فلما رأى ذلك بَحِيرَى نزل من صومعته، وقد أمرَ بطعامٍ فصُنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني

стр. 1045

صنعتُ لكم طعامًا يا معشر قريش، فأنا أحبُّ أنْ تحضُروا كلُّكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحُرّكم. فقال له رجل منهم: والله يا بَحِيرى إنَّ لك لشأنًا اليوم، ما كنتَ تصِنعُ هذا بنا وقد كُنَّا نمرُّ بك كثيرًا، فما شأنُكَ اليوم؟ قال له بَحِيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنَّكم ضيْف، وقد أحببتُ أنْ أُكرمكم وأصنَعَ لكم طعامًا فتأكلوا منه كلُّكم. فاجتمعوا إليه وتخلَّف رسولُ الله ﷺ من بينِ القوم لحداثةِ سِنِّه في رِحالِ القوم تحت الشجرة، فلما رآهم بَحِيري لم يرَ الصفةَ التي يعرفُ ويجدُ (١) عنده، فقال: يا معشر قريش، لا يتخلَّفَنَّ أحدٌ منكم عن طعامي. قالوا له: يا بحيرى، ما تخلَّفَ عنك أحدٌ ينبغي له أنْ يأتيكَ إلا غلامٌ وهو أحدَثُنا سِنًّا، فتخلَّف في رحالنا. قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضُرْ هذا الطعامَ معكم. قال: فقال رجلٌ من قريش مع القوم: واللاتِ والعُزَّى، إنْ كان للؤْمًا بنا أن يتخلَّف محمدُ بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعامٍ من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه [، ثم أقبلَ به] وأجلسه مع القوم، فلما رآه (٢) بَحِيرى جعل يلحظُه لحظًا شديدًا، وينظرُ إلى أشياء من جسده، قد كان يجدُها عندَهُ من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى وقال له: يا غلام، أسألك بحقِّ اللات والعُزَّى إلا أخبرتني عمَّا أسالُكَ عنه. وإنما قال له بَحِيرى ذلك، لأنه سمع قومَهُ يحلِفُون بهما، فزعموا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال له: "لا تسألني باللاتِ والعُزَّى شيئًا، فواللهِ ما أبغضتُ شيئًا قطُّ بُغْضَهما". فقال له بَحِيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألُك عنه؟ فقال له: "سلْني عمَّا بدا لك". فجعل يسألُه عن أشياءَ من حاله من نومِهِ وهَيْئَتهِ وأُموره. فجعل رسولُ الله ﷺ يُخْبِرُه، فوافق (٣) ذلك ما عند بَحِيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهرهِ فرأى خاتم النبوة بين كتفيه [على] موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمِّهِ أبي طالب فقال: ما هذا الغلامُ منك؟ قال: ابني، قال بَحِيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكونَ أبوه حيًّا؟ قال: فإنَّهُ ابنُ أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمُّه حُبْلَى به. قال: صدقت، ارجِعْ بابن أخيك إلى بلَدِه، واحْذَرْ عليه يهود. فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيَبْغُنَّه (٤) شرًّا، فإنَّهُ كائنٌ لابنِ أخيك هذا شأنٌ عظيم، فأسرعْ به إلى بلاده. فخرج به عمُّه أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. قال ابن إسحاق (٥): فزعموا فيما روى الناس أنَّ زُرَيْرًا، وثمامًا (٦)، ودَريسًا -وهم نفرٌ من أهْلِ الكتاب- قد كانوا رأَوا رسولَ الله ﷺ مثلما رأى بَحِيرى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب، فأرادوهُ فردَّهم عنه بَحيرى، فذكَّرَهُم اللهَ وما يجدون في الكتابِ من ذِكره وصفته، وأنهم إنْ أجمعوا لما

стр. 1046

أرادوا به لم يخلُصوا إليه، حتى عرفوا ما قالَ لهم وصدَّقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه. وقد ذكر يونس بن بُكير عن ابن إسحاق أنَّ أبا طالب قال في ذلك ثلاثَ قصائد (١). هكذا ذكر ابنُ إسحاق هذا السياق من غير إسنادٍ منه، وقد ورد نحوُهُ من طريقٍ مسندٍ مرفوع. فقال الحافظ أبو بكر الخرائطي (٢): حدّثنا عباس بن محمد الدُّوري، حدّثنا قُرَاد أبو نوح، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق (٣) عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام [فخرج] معه رسولُ الله ﷺ في أشياخٍ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب -يعني بَحِيرى- هبَطُوا فحلُّوا رحالَهُم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرجُ ولا يلتفتُ إليهم. قال: فنزل وهم يحلُّون رحالهم، فجعل يتخلَّلُهم حتى جاء فأخذ بيد النبيِّ ﷺ فقال: هذا سيِّدُ العالمين -وفي روايةِ البيهقي (٤) زيادة: هذا رسولُ ربِّ العالمين، ابتعثه الله رحمة للعالمين- فقال له أشياخٌ من قريش: وما علمك (٥)؟ فقال: إنَّكم حين أشرفتُمْ من العَقَبة لم يَبْقَ شجرةٌ ولا حجَرٌ إلَّا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدون إلَّا لنبيّ، وإني أعرفه بخاتم النبوَّة أسفل من غُضْرُوف كَتفِهِ. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به -وكان هو في رِعْيَةِ الإبلِ- فقال: أرسِلُوا إليه، فأقبل وغَمامةٌ تُظِلُّه. فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه، عليه غمامة. فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيْءِ الشجرة، فلما جلس مال فَيْءُ الشجرةِ عليه. قال: انظروا إلى فيِء الشجرةِ مالَ عليه. قال: فبينما هو قائمٌ عليهم وهو يَنْشُدُهم ألَّا يذهبوا به إلى الرُّوم، فإنَّ الرُّومَ إنْ رأَوهُ عرفوهُ بالصِّفَةِ فقتلوه؛ فالتفت فإذا هو بسبعةِ نفرٍ من الرُّوم قد أقبلوا. قال: فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا، إنَّ هذا النبيَّ خارجٌ في هذا الشهر، فلم يبقَ طريقٌ إلا بُعث إليه ناس، وإنَّا أُخبرنا خَبَرهُ إلى طريقكَ هذه. [قال فقال: هل خلَّفتم أحدًا هو خيرٌ منكم؟ قالوا: لا، إنما أُخبرنا خَبَرَهُ] (٦) إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمْرًا أرادَ الله أنْ يقضِيَه، هل يستطيعُ أحدٌ من الناس ردَّه؟ فقالوا: لا. قال: فبايَعُوه وأقاموا معه عنده. قال: فقال الراهب: أَنْشُدُكم الله أيُّكم وليُّه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزَلْ يُناشده حتى رَدَّه، وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزوَّدَهُ الراهب من الكعك والزيت. هكذا رواه الترمذي (٧) عن أبي العباس الفَضْلِ بن سَهْل الأعرج عن قُرَاد أبي نوح به.

стр. 1047

والحاكم (١) والبيهقي (٢) وابن عساكر (٣)، من طريق أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، عن عباس بن محمد الدُّوري به. وهكذا رواهُ غيرُ واحدٍ من الحفاظ، من حديث أبي نَوْح عبدِ الرحمن بن غَزْوان الخُزاعي مولاهم -ويقال له (٤) الضَّبِّيّ- ويُعرف بقُرَاد، سكن بغداد وهو من الثقات الذين أخرجَ لهم البخاري؛ ووثَّقَهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ والحُفَّاظ، ولم أرَ أحدًا جَرَّحَه، ومع هذا في حديثهِ هذا غرابة؛ قال الترمذي: حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال عبَّاس الدُّوري: ليس في الدنيا أحد يحدث به غَيْرُ قُراد أبي نوح، وقد سمعه منه أحمد بن حنبل ﵀، ويحيى بن مَعين لغرابته وانفراده. حكاهُ البيهقيُّ (٥) وابن عساكر. قلت: فيه من الغرابة أنه من مرسلاتِ الصحابة، فإنَّ أبا موسى الأشعري إنما قدِم في سنةِ خَيْبَر سنة سبع من الهجرة، ولا يُلتفتُ إلى قول ابن إسحاق في جَعْلِهِ له من المُهاجِرةِ إلى أرض الحبشةِ من مكة، وعلى كُلِّ تقدير فهو مُرْسَل؛ فإنَّ هذه القصة كانت ولرسولِ الله ﷺ من العمر فيما ذكره بعضُهم ثنتا عشرةَ سنة، ولعل أبا موسى تلقَّاه من النبيِّ ﷺ فيكون أبلغ، أو من بعضِ كبارِ الصحابة ﵃، أو كان هذا مشهورًا مذكورًا أخذه من طريق الاستفاضة. الثاني: أنَّ الغمامةَ لم تُذكر في حديثٍ أصَحَّ من هذا. الثالث: أنَّ قولَهُ: وبعث معه أبو بكر بلالًا، إنْ كان عمره ﵊ إذْ ذاك ثنتي عشرةَ سنة فقد كان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة، وعمُر بلالٍ أقلُّ من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذاك؟ ثم أين كان بلال؟ كلاهما غريب، اللهمَّ إلا أنْ يُقال: إنَّ هذا كان ورسولُ الله ﷺ كبيرًا؛ إمَّا بأنْ يكونَ سفرُه بعد هذا؛ أو إنَّ القول (٦) بأنَّ عُمُرَهُ كان إذ ذاك ثنتيْ عشرةَ سنةً غيرُ محفوظ، فإنَّهُ إنما ذكرَهُ مقيدًا بهذا الواقدي (٧). وحكى السُّهيلي عن بعضهم أنه كان عمره ﵊ إذ ذاك تسع سنين والله أعلم (٨).

стр. 1048

قال الواقدي (١): حدّثني محمد بن صالح، وعبد الله بن جعفر، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصَين، قالوا: لما بلغ رسولُ الله ﷺ اثنتيْ عشرةَ سنةً خرج به عمُّه أبو طالب إلى الشام في العير التي خرج فيها للتجارة، ونزلوا بالراهب بَحِيرى، فقال لأبي طالب في السرِّ (٢) ما قال، وأمره أن يحتفظ به، فردَّه معه أبو طالب إلى مكة. [وشبَّ رسولُ الله ﷺ مع أبي طالب، يَكْلَؤُه الله ويحفظه ويحوطُه من أمور الجاهلية ومعايبها، لما يريدُ من كرامته، حتى بلغ أنْ كان رجلًا أفضلَ قومه مروءةً، وأحسنهم خلقًا، وأكرمَهم مخالطةً، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا وأمانة، وأصدقهم حديثًا، وأبعدهم من الفحش والأذى] (٣). ما رُئي ملاحيًا ولا مماريًا أحدًا، حتى سمَّاه قومُه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة، فكان أبو طالب يحفظه ويحوطه وينصره ويعضُده حتى مات. وقال محمد بن سعد (٤): أخبرنا خالد بن خِدَاش (٥)، حدّثنا معمر بن سليمان: سمعتُ أبي يحدِّث عن أبي مِجلَز أنَّ عبد المطلب أو أبا طالب -شكَّ خالد- قال: لما مات عبد الله عطف على محمد [ ﷺ ] فكان لا يسافر سفرًا إلا كان معه فيه، وإنه توجَّه نحو الشام، فنزل منزلًا، فأتاه فيه راهب فقال: إنَّ فيكم رجلًا صالحًا. [فقال: إن فينا من يَقْرِي الضيف، ويفكُّ الأسير، ويفعل المعروف. أو نحوًا من هذا.] ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال فقال: ها أنا ذا وَلِيُّه -أو قيل هذا وليُّه- قال: احتفظْ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام، إنَّ اليهودَ حُسُد، وإني أخشاهم عليه. قال: ما أنت تقول ذلك، ولكنَّ الله يقوله. فردَّه. قال: اللهمَّ إني أستودِعُكَ محمدًا. ثم إنه مات. حكى السُّهيلي (٦) عن سِيَرِ الزهري أنَّ بَحِيرى كان حَبْرًا من أحبار اليهود. قلت: والذي يظهرُ من سياقِ القصَّة أنه كان راهبًا نصرانيًا. والله أعلم. وعن المسعودي أنه كان من عبد القيس وكان اسمه جِرْجِيس (٧). وفي كتاب المعارف لابن قتيبة (٨): سُمع هاتفٌ في الجاهلية قبل الإسلام بقليل يهتف ويقول: ألا إن

стр. 1049

خير أهل الأرض ثلاثة: بَحِيرى، ورِئَاب بن البراء الشَّنِّي، والثالث المنتظر. وكان الثالثُ المنتظر هو رسول ﷺ . قال ابن قتيبة (١): وكان قبرُ رِئَاب الشَّنيِّ وقبرُ ولدِه من بعده لا يزال يُرى عندهما طَشٌّ. وهو المطر الخفيف (٢). فصل: في مَنْشَئِه ﵊ ومَرْبَاه وكفاية الله له، وحِيَاطته، وكيف كان يتيمًا فآواه وعائلًا فأغناه قال محمد بن إسحاق (٣): فشبَّ رسولُ الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه ويحوطُهُ من أقذار الجاهلية لما يُريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أنْ كان رجلًا أفضلَ قومِهِ مروءةً، وأحسنَهُمْ خُلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنَهُمْ جِوارًا، وأعظمهم حِلْمًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدَهُمْ من الفُحْش والأخلاق التي تُدَنِّسُ الرجال تنزُّهًا وتكرُّمًا، حتى ما اسمه في قومِهِ إلا الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة. وكان رسولُ الله ﷺ فيما ذُكر لي -يُحدِّثُ عما كان الله يحفظُهُ به في صِغَرِه وأمْر جاهليته أنَّهُ قال: "لقد رأيتُني في غلمان من قريش ننقلُ (٤) الحجارةَ لبعض ما يلعَبُ به الغلمان، كلنا قد تعرَّى وأخذ إزاره وجعله على رقبته فحمل (٥) عليه الحجارة، فإني لأُقبل معهم كذلك وأُدْبر، إذْ لَكَمني لاكمٌ ما أراه لكمةً وجيعةً، ثم قال: شُدَّ عليك إزارك. قال: فأخذتُه فشددتُه عليّ، ثم جعلتُ أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليَّ من بين أصحابي". وهذه القصة شبيهةٌ بما في الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقُلُ هو وعمُّه العباس، فإنْ لم تكنْها فهي متقدِّمَةٌ عليها كالتوطئة لها. والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق (٦): أخبرنا ابنُ جُرَيج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله

стр. 1050

يقول: لما بُنيت الكعبة ذهب رسولُ الله ﷺ ينقل (١) الحجارة، فقال العباسُ لرسولِ الله ﷺ : اجْعَلْ إزارَك على عاتقك من الحجارة، ففعل، فخرَّ إلى الأرض، وطمحَتْ عيناه إلى السماء. ثم قام فقال: "إزاري [إزاري] " فَشَدَّ عليه إزاره. أخرجاه في "الصحيحين" من حديث عبد الرزاق (٢). وأخرجاه أيضًا من حديث رَوْح بن عبادة عن زكرياء بن إسحاق عن عَمْرو بن دينار عن جابرٍ بنحوه (٣). وقال البيهقي (٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدّثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدّثنا محمد بن بُكَيْر الحَضْرَمي، حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدَّشْتَكِيّ، حدّثنا عمرو بن أبي قيس، عن سِمَاك عن عِكْرِمة، حدّثني ابنُ عباس عن أبيه، أنه كان ينقُلُ الحجارة إلى البيت حين بَنَتْ قريشٌ البيت، قال: وأفردت قريش رجلَيْن رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشِّيد (٥). قال: فكنتُ أنا وابنُ أخي، وكُنَّا نحمل على رقابِنا وأُزُرنا تحتَ الحجارة، فإذا غشينا الناس ائْتَزَرْنا (٦). فبينما أنا أمشي ومحمد [ ﷺ ]، أمامي، قال: فخرَّ وانبطحَ على وجهه، فجئتُ أسعى، وألقَيْتُ حَجَري وهو ينظرُ إلى السماء، فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره قال: "إني نُهيت أَنْ أمشيَ عُرْيانًا". قال: وكنت أكتمها الناس (٧) مخافةَ أنْ يقولوا مجنون. وروى البيهقي (٨) من حديث يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق (٩)، حدّثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمة عن الحسن بن محمد بن عليِّ بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما همَمْتُ بشيءٍ مما كان أهلُ الجاهلية يهمُّون به من النساء إلا

стр. 1051

ليلتين، كلتاهما عصمني الله فيهما. قلتُ ليلةً لبعض فتيان مكة -ونحن في رعاية غنمِ أهلنا (١) - فقلتُ لصاحبي أبْصِرْ لي غنمي حتى أدخلَ مكة، أسمرُ فيها كما يسمرُ الفتيان. فقال: بلى. قال: فدخلتُ حتى [إذا] (٢) جئتُ أوَّلَ دارٍ من دور مكة سمعتُ عَزْفًا بالغرابيل والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: تزوَّج فلانٌ فلانة. فجلستُ أنظر، وضَرَب الله على أذنيّ، فوالله ما أيقظني إلا مسُّ الشمس، فرجعتُ إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلتُ شيئًا، ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلتُ له ليلةً أخرى: أبصِرْ لي غنمي حتى أسمُرَ [بمكة] (٨) ففعل، فدخلتُ، فلما جئتُ مكة سمعتُ مثلَ الذي سمعتُ تلك الليلة، فسألتُ، فقيل: نكح فلانٌ فلانة، فجلستُ أنظر، وضرَبَ الله على أذنيّ، فوالله ما أيقظني إلا مسُّ الشمس؛ فرجعتُ إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلتُ: لا شيء، ثم أخبرته الخبر. فوالله ما هممتُ ولا عدت بعدها لشيءٍ من ذلك، حتى أكرمني الله بنبوته (٣). وهذا حديث غريب جدًا؛ وقد يكونُ عن عليٍّ نفسه، ويكون قوله في آخره: "حتى أكرمني الله بنبوَّته" مُقْحمًا، والله أعلم. وشيخُ ابن إسحاق هذا ذكره ابنُ حِبَّان في "الثقات" (٤). وزعم بعضُهم أنَّه من رجالِ "الصحيحيْنِ"، قال شيخنا في تهذيبه (٥): ولم أقف على ذلك. والله أعلم. وقال الحافظ البيهقي (٦): حدّثنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدّثنا الحسن بن علي بن عفان (٧) العامريّ، حدّثنا أبو أُسامة، حدّثنا محمد بن عمرو عن أبي سَلَمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حَاطِب، عن أسامةَ بن زيد، عن زيد بن حارثة، قال: كان صنمٌ من نُحاسٍ يُقال له: إسَاف ونائلة (٨)، يتمسَّحُ به المشركون إذا طافوا. فطاف رسولُ الله ﷺ وطُفْتُ معه، فلما مررْتُ مسحتُ به، فقال رسول الله ﷺ : "لا تمسَّه". قال زيد: فطُفْنا، فقلت في نفسي: لأمسَّنَّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسولُ الله ﷺ : "ألم تُنْهَ"؟ قال البيهقي: زاد [فيه] (٩) غيره عن

стр. 1052

محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنمًا [قطُّ] حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه (١). وتقدم قوله ﵊ لِبَحِيرى حين سأله باللاتِ والعُزَّى: "لا تسألني بهما فوالله ما أبغضتُ شيئًا بُغْضَهُما" (٢). فأما الحديث الذي قاله الحافظ أبو بكر البيهقي (٣): أخبرنا أبو سعد المَالِيني، أخبرنا أبو أحمد بن عَدِيِّ الحافظ، حدّثنا إبراهيم بن أسْباط، حدّثنا عثمان بن أبي شَيبة، حدّثنا جَرير، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل (٤)، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبيُّ ﷺ يشهدُ مع المشركين مشاهدَهم، قال: فسمع مَلَكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهبْ بنا حتى نقومَ خلف رسولِ الله ﷺ . قال: كيف نقومُ وإنما عَهْدُه باستلام الأصنام فُبيل؟ قال: فلم يَعُدْ بعد ذلك أن يشهدَ مع المشركين مشاهدَهم. فهو حديثٌ أنكره غيرُ واحدٍ من الأئمة على عثمانَ بن أبي شَيبة حتى قال الإمام أحمد فيه: لم يكنْ أخوهُ يتلفَّظ بشيءٍ من هذا (٥). وقد حكى البيهقي عن بعضهم (٦) أنَّ معناه أنه شهد مع من يستلم الأصنام، وذلك قبلَ أن يُوحى إليه والله أعلم. وقد تقدَّم في حديث زيد بن حارثة أنه اعتزل شهودَ مَشَاهِد المشركين حتى أكرمه الله برسالته (٧). وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمُزْدَلِفَةِ ليلةَ عَرَفة، بل كان يقف مع الناس بعَرَفات، كما قال يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر عن عثمان بن أبي سليمان، عن نافع بن جُبير بن مُطْعِم، عن أبيه جُبير، قال: لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ وهو على دين قومه، وهو يقفُ على بعيرٍ له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم، توفيقًا من الله له. قال البيهقي (٨): معنى قوله: على دين قومه: ما كان بقي من إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉

стр. 1053

[في حَجِّهم ومناكحهم وبيوعهم]، ولم يُشْرِكْ بالله قطّ، صلواتُ الله وسلامه عليه دائمًا. قلت: ويُفهم من قوله هذا أيضًا، أنه كان يقفُ بعَرَفات قبل أنْ يُوحى إليه. وهذا توفيق من الله له. ورواه الإمام أحمد (١) عن يعقوب، عن محمد بن إسحاق به. ولفظُه: رأيتُ رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه وإنه لواقفٌ على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم [منها] (٢) توفيقًا من الله. وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن (٤) محمد بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه قال: أضْلَلْتُ بعيرًا لي بعرفة، فذهبتُ أطلبُه، فإذا النبيُّ ﷺ واقف، فقلتُ: إنَّ هذا من الحُمس (٥)، ما شأنُه ها هنا؟ وأخرجاه (٦) من حديث سُفيان بن عُيينة به. ذكْرُ شهودِهِ ﵊ حربَ الفِجَار قال ابن إسحاق (٧): هاجت حربُ الفِجَار ورسولُ الله ﷺ ابنُ عشرين سنة، وإنما سُمِّي يومَ الفِجار، بما استحلّ فيه هذانِ الحيَّان -كنانة وقيس عَيْلان- من المحارم بينهم. وكان قائدَ قريشٍ وكنانة حَرْبُ بنُ أُمَيَّة بن عبد شمس. وكان الظَّفَر في أولِ النهار لقيس على كِنَانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانةَ على قيس. وقال ابن هشام (٨): فلما بلغ رسولُ الله ﷺ أربعَ عشرةَ سنةً -أو خمسَ عشرةَ سنة- فيما حدّثني أبو عُبيدة النَّحْوي عن أبي عمرو بن العلاء: هاجَتْ حربُ الفِجار بين قريشٍ ومن معها من كِنانة، وبين قيس عيلان، وكان الذي هاجها أنَّ عُروة الرَّحَّال بن عُتْبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن

стр. 1054

صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجاز (١) لَطِيمةً -أي تجارة (٢) - للنعمان بن المنذر، فقال [لَهُ] البَرَّاضُ بن قيس -أحدُ بني ضَمْرَة بن بكر بن عبدِ مناة بن كِنانة- أتجيزُها على كنانة؟ قال: نعم وعلى الخلق. فخرج فيها عُروة الرَّحَّال، وخرج البَرَّاض يطلبُ غَفْلَته، حتى إذا كان بتَيْمن ذي طَلَّال (٣) بالعالية غفَل عُروة، فوثب عليه البَرَّاضُ فقتلَهُ في الشهر الحرام، فلذلك سُمِّي الفِجَار، وقال البرَّاض في ذلك: [من الوافر] وداهيةٍ تَهُمُّ الناسَ قَبْلي … شدَدْتُ لها بني بَكْرٍ ضلوعي هدمتُ بها بيوتَ بني كلابٍ … وأرْضعتُ المواليَ بالضروعِ رفعتُ له بذي طَلَّالَ كَفِّي … فَخَرَّ يَميدُ كالجِذْع الصَّرِيعِ (٤) وقال لَبِيدُ بن رَبيعةَ بن مالك بن جعفر بن كلاب: [من الوافر] وأبْلِغْ -إنْ عرضتَ- بني كلابٍ … وعامرَ والخُطُوبُ لها مَوَالي وأبْلِغْ -إنْ عرضتَ- بني نُمَيْرٍ … وأخوالَ القَتيلِ بني هِلالِ بأنَّ الوافِدَ الرَّحَّالَ أمْسَى … مُقيمًا عندَ تَيْمِنَ ذي طَلالِ (٥)

стр. 1055

قال ابن هشام (١): فأتى آتٍ قريشًا فقال: إنَّ البرَّاضَ قد قتل عُرْوَةَ، وهو (٢) في الشهر الحرام بعُكاظ، فارتحلوا وهَوَازنُ لا تشعر بهم، ثم بلغهم الخبر، فاتبعوهم فأدركوهم قبلَ أنْ يدخُلوا الحَرَم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، فدخلوا الحرم، فأمسكت هَوَازنُ عنهم، ثم التقَوْا بعد هذا اليوم أيامًا، والقومُ متساندون (٣) على كلِّ قَبيلٍ من قريش وكِنانة رئيسٌ منهم، وعلى كلِّ قبيلٍ من قيس رئيسٌ منهم. قال: وشهد رسولُ الله ﷺ بعدُ (٤) أيامَهم. أخرجه أعمامُه معهم. وقال رسولُ الله ﷺ : "كنتُ أُنَبِّل على أعمامي" أيْ أرُدُّ عليهم نَبْلَ عدوِّهم إذا رمَوْهم بها (٥). قال ابنُ هشام (٦): وحديثُ الفِجار أطولُ ممَّا ذكرت، وإنما منعني من استقصائه قَطْعُه حديثَ سيرةِ رسولِ الله ﷺ . وقال السُّهيلي (٧): والفِجار، بكسر الفاء على وزن قِتال. وكانت الفِجَارات في العرب أربعة ذكرهنَّ المسعودي (٨). وآخرهن، فِجَار البَرَّاض هذا. وكان القتال فيه في أربعة أيام، يوم شَمْطَةَ (٩)، ويوم العبلاء، وهما عند عُكاظ، ويوم الشَّربْ (١٠) -وهو أعظمُها يومًا- وهو الذي حضَرَهُ رسولُ الله ﷺ وفيه قيَّدَ رئيسُ قريشٍ وبني كنانة -وهو حَرْبُ بن أمية- وأخوهُ سفيان أنفسَهما لئلا يَفِرَّا (١١). وانهزمتْ يومئذٍ قيس إلا بني نصر (١٢) فإنهم ثبتوا. ويوم الحُرَيْرَة عند نخلة (١٣). ثم تواعدوا من العام المقبل إلى عكاظ، فلما توافَوُا الموعد ركب عُتْبَةُ بنُ ربيعة جملَه ونادى:
следующие страницы →