← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فنمت، فجاءني (١) فقال: احفر بَرَّة. قال: قلت: وما بَرَّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمتُ، فجاءني فقال: احفر المَضْنُونة (٢). قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمتُ فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تَنْزِفُ أبدًا ولا تُذَم (٣)، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفَرْث والدم، عند نُقرة الغراب الأَعْصَم (٤)، عند قرية النمل. قال: فلما بيّنَ لي شأنها، ودلَّ على موضعها، وعَرَف أنه قد صدق، غَدا بمعوله ومعَه ابنُه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ ولد غيره، فحفر، فلما بدا لعبد المطلب الطّي (٥) كَبَّر، فعرفَتْ قريشٌ أنه قد أدرك حاجته. فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقًا، فأشرِكْنا معك فيها. فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خُصصتُ به دونَكم، وأُعْطيتُه من بينكم. قالوا له: فأنصفنا، فإنا غيرُ تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم مَنْ شئتم أُحاكِمُكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعد بن هُذَيْم. قال: نَعَم. وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطّلب ومعه نفرٌ من بني أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفرٌ، فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة، فاستسقوا مَن معهم، فأبَوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة، وإنا نخشى على أنفسنا مثلَ ما أصابكم. [فقال عبد المطلب: إني أرى أن يحفر كلُّ رجلٍ منكم حفرته لنفسه بما لكم] (٦) الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابُه في حفرته ثمّ واروه حتى يكون آخرُهم رجلًا واحدًا، فضَيْعةُ رجلٍ واحدٍ أيسر من ضيعة ركبٍ جميعًا (٧). فقالوا: نِعمّا أمرت به. فحفر كلّ رجل (٨) لنفسه حفرة، ثمّ قعدوا ينتظرون الموت عطشًا. ثمّ إن عبد المطلب قال لأصحابه إن إلقاءنا بأيدينا (٩) هكذا للموت لا نضرِب في الأرض، لا نبتغي لأنفسنا لَعَجْزٌ، فعسى أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا (١٠) فارتحلوا، حتى إذا بَعَثَ عبدُ المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عينُ ماء عذبٍ، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابُه، ثمّ نزل فشرب

стр. 982

وشرب أصحابُه، واستسقوا حتى ملؤوا أسقيتَهم، ثم دعا قبائل قريش وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال، فقال: هلموا إلى الماء، فقد سقانا الله. فجاؤوا، فشربوا واستقوا كلّهم، ثمّ قالوا: قد والله قُضِيَ لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سَقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو (١) الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبين زمزم (٢). قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغني عن علي بن أبي طالب في زمزم. قال ابن إسحاق: وقد سمعت مَنْ يُحدّث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمرَ بحفر زمزم: [من الرجز] ثُمَّ ادعُ بالماءِ الرِّوَى غيرِ الكَدِرْ … يسقي حَجيجَ الله في كل مَبَرّ (٣) ليس يُخافُ منه شيء ما عَمَرْ (٤) قال: فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلَّموا أني قد أُمرت أن أحفر زمزم؟ قالوا: فهل بُيِّن لك أين هي؟ قال: لا! قالوا: فارجع إلى مَضْجَعك الذي رأيتَ فيه ما رأيت، فإن يكُ حقًا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعودَ إليك فرجع، فنام (٥). فأُتي فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لن تندم. وهي تراثٌ من أبيك الأعظم. لا تنزِف أبدًا ولا تُذَم. تسقي الحجيج الأعظم. مثل نَعام حافل لم يُقْسَم. ينذر فيها ناذرٌ لِمُنْعم. تكون ميراثًا وعقدًا مُحْكم. ليست لبعض ما قد تعلم. وهي بين الفَرْث والدم (٦). قال ابن إسحاق: فزعموا أن عبد المطلب حين قيل له ذلك قال: وأين هي؟ قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدًا. فالله أعلم أين ذلك كان. قال: فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وليسِ له يومئذ ولد غيره، زاد الأُموي: ومولاه أصرم (٧)، فوجد قرية النمل، ووجد الغرابَ ينقر عندها بين الوثَنَيْن إسَاف ونائلة اللذين كانت قريش تَنْحَر عندهما، فجاء بالمعوَل وقام ليحفر حيث أُمر، فقامت إليه قريش وقالت (٨) والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين (٩) اللذين ننحر عندهما. فقال عبد المطلب لابنه

стр. 983

الحارث: ذُدْ عني حتى أحفر، فوالله لأمضيّن لما أُمرتُ به. فلما عرفوا أنه غير نازع (١) خلّوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرًا حتى بدا له الطّي، فكبَّر، وعرف أنه قد صُدِق. فلما تمادى به (٢) الحفر وجد فيها غزالين من ذهب اللذين (٣) كانت جرهم قد دفنتهما، ووجد فيها أسيافًا قَلَعِيَّةً وأدرعًا. فقالت له قريش: يا عبدَ المطّلب لنا معك في هذا شِرْك وحق. قال: لا، ولكن هَلُمّ إلى أمر نَصَفٍ بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: أجعلُ للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له. قالوا: أنصفت. فجعلَ للكعبة قدحين أصفرين، وله أسودين، ولهم أبيضين، ثم أعطوا القداح للذي يضرب عند هُبل، وهُبل أكبر أصنامهم، ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: أعلُ هُبَل. يعني هذا الصنم. وقام عبد المطلب يدعو الله (٤). وذكر يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق أن عبد المطلب جعل يقول: [من الرجز] لاهُمّ أنتَ الملِكُ المحمود … ربي فأنتَ المُبدِئُ المعياد (٥) وممسك الراسيةِ الجلمودِ … مِن عندك الطارفُ والتليد إن شئتَ ألهمتَ كما تريد … لموضع الحِليةِ والحديد فبيّن اليوم لما تريد … إني نَذَرتُ العاهدَ المعهود اجعله ربِّ لي فلا أعود (٦) قال: وضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حلية للكعبة فيما يزعمون. ثم إن عبد المطلب أقام سِقاية زمزم للحجاج. وذكر ابن إسحاق وغيره أن مكة كان فيها بئار كثيرة قبل ظهور زمزم في زمن عبد المطلب، ثم عدّدها

стр. 984

ابن إسحاق (١)، وسمّاها، وذكر أماكنها من مكة، وحافِرِيها، إلى أن قال: فَعفَّت زمزمُ على البئار كلّها، وانصرف الناس كلّهم (٢) إليها، لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلّها وعلى سائر العرب. وقد ثبت في صحيح مسلم (٣) في حديث إسلام أبي ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال في زمزم: "إنّها لَطَعامُ طُعْمٍ، وشِفاءُ سُقْمٍ". وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا عبد الله بن الوليد، حدّثنا عبد الله بن المؤمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ماءُ زَمزم لما شُرِب منه". وقد رواه ابن ماجه (٥) من حديث عبد الله بن المؤمَّل، وقد تكلّموا فيه، ولفظُه: "ماء زمزم لما شرب له". ورواه سويد بن سعيد، عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "ماء زمزم لما شُرِب له". ولكن سويد بن سعيد ضعيف. والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمَّل كما تقدم (٦). وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب له". وفيه نظر (٧). والله أعلم. وهكذا روى ابن ماجه (٨) أيضًا والحاكم (٩) عن ابن عباس أنه قال لرجل: إذا شَرِبْتَ من زمزم فاستقبلِ الكعبةَ، واذكرِ اسمَ الله، وتنفّس ثلاثًا، وتضَلَّع منها (١٠)، فإذا فرغتَ فاحمد الله فإن رسول الله ﷺ قال: "إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلّعون من ماء زمزم". وقد ذُكِرَ عن عبد المطلب أنه قال: اللهم إني لا أُحِلُّها لمغتسل، وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ. وقد ذكره

стр. 985

بعض الفقهاء عن العباس بن عبد المطلب، والصحيح أنه عن عبد المطلب نفسه، فإنه هو الذي جدّد حفر زمزم كما قدمنا والله أعلم. وقد قال الأموي في "مغازيه": حدّثنا أبو عبيد، أخبرني يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن حَرْملة، سمعت سعيد بن المسيِّب يحدّث أن عبد المطلب بن هاشم حين احتفر زمزم. قال: لا أُحلُّها لمغتسل وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ. وذلك أنه جَعَل لها حَوضين: حوضًا للشرب، وحوضًا للوضوء. فعند ذلك قال: لا أحلّها لمغتسلٍ لينزّه المسجدَ عن أن يُغْتَسَل فيه. قال أبو عبيد: قال الأصمعي: قوله: (وبل) إتباع قال أبو عبيد (١): والإتباع لا يكون بواو العطف، وإنما هو كما قال معتمر بن سليمان إن (بل) بلغة حمير مُباح (٢)، ثم قال أبو عبيد: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عاصم بن أبي النجود، أنه سمع زرًا، أنه سمع العباس يقول: لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ. وحدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن علقمة أنه سمع ابن عباس يقول ذلك، وهذا صحيحٌ إليهما، وكأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والإعلام بما اشترطه عبد المطلب عند حفره لها، فلا ينافي ما تقدم، والله أعلم. وقد كانت السقاية إلى عبد المطلب أيام حياته، ثمّ صارت إلى ابنه أبي طالب مدةً، ثمّ اتفق أنه أملق في بعض السنين، فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف إلى الموسم الآخر، وصرفها أبو طالب في الحجيج في عامه فيما يتعلق بالسقاية (٣)، فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شيء، فقال لأخيه العباس: أسلفني أربعة عشر ألفًا أيضًا إلى العام المقبل أعطيك جميع مالك. فقال له العباس: بشرط إن لم تُعطني تترك السقاية لي أكْفِكَها. فقال: نعم. فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبي طالب ما يعطي العباس، فترك له السقاية، فصارت إليه، ثمّ من بعده صارت إلى عبد الله ولده، ثمّ إلى علي بن عبد الله بن عباس، ثمّ إلى داود بن علي، ثم إلى سليمان بن علي، ثم إلى عيسى بن علي، ثم أخذها المنصور واستناب عليها مولاه أبا رزين. ذكره الأُموي. * * * ذكر نذر عَبد المطلب ذبح أحد ولده (٤) قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب فيما يزعمون نَذَر حين لقي من قريشٍ ما لقي

стр. 986

عند (١) حفر زمزم: لئن وُلِد له عشرةُ نفرٍ ثمّ بلغوا معه حتى يمنعوه لَيَنْحَرنّ (٢) أحدَهم لله عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة، وَعَرف أنهم سيمنعونه، وهم: الحارث، والزبير، وحَجل، وضرار، والمقرّم، وأبو لَهب، والعباس، وحمزة، وأبو طالب، وعبد الله (٣)، جمعهم ثمّ أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كلُّ رجلٍ منكم قِدْحًا، ثمّ يكتبُ فيه اسمَه، ثم ائتوني. ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هُبَل في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يُهدَى للكعبة، وكان عند هُبل قِدَاح سبعة، وهي الأزلام التي يتحاكمون إليها إذا أعضل عليهم أمر من عَقْل أو نَسَب أو أمرٍ من الأمور جاؤوا فاستقسموا بها، فما أمرتهم به أو نهتهم عنه امتثلوه (٤). والمقصود أن عبد المطلب لما جاء يستقسم بالقدح عند هُبل خرج القدح على ابنه عبد الله، وكان أصغرَ ولده وأحبَّهم إليه، فأخذ عبد المطلب بيد ابنه عبد الله، وأخذ الشفرةَ، ثمّ أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا: ما تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه. فقالت له قريش وبنوه أخوة عبد الله: والله لا تذبحه أبدًا حتى تُعْذِر فيه، لئن فعلتَ هذا لا يزال الرجل يجيء بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا (٥). وذكر يونس بن بكير، عن ابن إسحاق أن العباس هو الذي اجتذب عبدَ الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال: إنه شج وجهه شجًا لم يزل في وجهه إلى أن مات. ثمّ أشارت قريش على عبد المطلب أن يذهب إلى الحجاز فإن بها عَرَّافة لها تابعٌ فيسألها عن ذلك، ثمّ أنت على رأس أمرك إن أمرتك بذبحه فاذبحه، وإن أمرتك بأمرٍ لك وله فيه مخرج قبلته. فانطلقوا حتى أتوا المدينةَ، فوجدوا العرّافة وهي سَجَاح (٦) -فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق- بخيبر، فركبوا حتى جاؤوها فسألوها، وقصَّ عليها عبدُ المطلب خبرَه وخبرَ ابنه، فقالت لهم: ارجعوا عني اليومَ حتى يأتيني تابعي فأسأله. فرجعوا من عندها. فلما خرجوا قام عبد المطلب يدعو الله، ثمّ غدوا عليها فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدِّيةُ فيكم؟ قالوا: عشرٌ من الإبل، وكانت كذلك. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرِّبوا صاحبَكم وقرّبوا عشرًا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على

стр. 987

صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربُّكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قرّبوا عبدَ الله وعشرًا من الإبل، ثمّ ضربوا فخرج القِدح على عبد الله، فزادوا عشرًا ثمّ ضربوا فخرج القِدح على عبد الله، فزادوا عشرًا. فلم يزالوا يزيدون عشرًا عشرًا ويخرج القِدحُ على عبد الله حتى بلغت الإبل مئة. ثمّ ضربوا فخرج القدح على الإبل. فقالت عند ذلك قريش لعبد المطلب، وهو قائم عند هُبل يدعو الله: قد انتهى، رضيَ ربُّك يا عبد المطلب. فعندها (١) زعموا أنه قال: لا، حتى أضرب عليها بالقداح ثلاثَ مرات، فضربوا ثلاثًا ويقع القِدح فيها على الإبل، فنُحِرَت ثم تُرِكَت لا يُصَدُّ عنها إنسان ولا يُمْنع. قال ابن هشام: ويُقال: ولا سَبُع (٢). ويقال (٣): إنه لما بلغت الإبل مئة خرج على عبد الله أيضًا، فزادوا مئة أخرى حتى بلغت مئتين، فخرج (٤) القدح على عبد الله، فزادوا مئة أخرى فصارت الإبل ثلاثمائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فنحرها عند ذلك عبد المطلب. والصحيح الأول. والله أعلم. وقد روَى ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزُّهْري، عن قبيصة بن ذُؤيب أن ابن عباس سألته امرأة أنها نَذَرت ذبح ولدها عند الكعبة، فأمرها بذبح مئة من الإبل، وذَكَر لها هذه القصة عن عبد المطلب. وسألتْ عبدَ الله بن عمر فلم يفتها بشيء بل توقّف. فبلغ ذلك مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة فقال: إنهما لم يُصيبا الفُتيا، ثم أمر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير، ونهاها عن ذبح ولدها ولم يأمرها بذبح الإبل. وأخذ الناس بقول مروان في ذلك (٥). والله أعلم. * * * ذكر تزويج عبد المطلب ابنه عبد الله من آمنة بنت وهب الزُّهَرية قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبدُ المطلّب آخذًا بيد ابنه عبد الله، فمرّ به -فيما يزعمون- على امرأة من بني أسد بن عبد العُزَّى بن قُصي، وهي أم قتال أخت ورَقَة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصي وهي عند الكعبة، فنظرت إلى وجهه فقالت: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي. قالت: لك مثل

стр. 988

الإبل التي نُحرت عنك وقَعْ عليَّ الآن. قال: أنا مع أبي ولا أستطيع خِلافه ولا فراقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى وهْبَ بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لؤي بن غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا (١) وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ سيدةُ نساء قومها، فزعموا أنه دخل عليها حين أُمْلِكَها مكانه (٢)، فوقع عليها فحملت منه برسول الله ﷺ ، ثمّ خرج من عندها فأتى المرأة التي عَرَضت عليه ما عَرَضت، فقال لها: مالك لا تعرضين عليَّ اليومَ ما كنتِ عرضتِ (٣) بالأمس؟ قالت له: فارقك النورُ الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك (٤) حاجة. وكانت تسمع من أخيها وَرَقَة بن نوفل -وكان قد تنصَّر واتَّبع الكتبَ- أنه كائن في هذه الأمة نبي (٥)، فطمعت أن يكون منها، فجعله الله تعالى في أشرف عنصر وأكرم محتد وأطيب أصل، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنفال: ١٢٤]. وسنذكر المولد مفصلًا. ومما قالت أم قتال بنت نوفل من الشعر تتأسف على ما فاتها من الأمر الذي رامته، وذلك فيما رواه البيهقي من طريق يونُس بن بكير، عن محمد بن إسحاق ﵀: [من الوافر] عليكَ بآلِ زهرةَ حيثُ كانوا … وآمنةَ التي حَمَلت غلاما نرى المهديَّ حينَ نزا عليها … ونورًا قد تَقَدّمه أماما [إلى أن قالت] (٦): [من الوافر] فكلُّ الخَلْق يرجوهُ جميعًا … يسودُ الناسَ مهتديًا إماما براه اللهُ من نورٍ صَفَاه … فأذهبَ نورُه عنّا الظلاما وذلكَ صُنْعُ ربك إذ حَباهُ … إذا ما سارَ يومًا أو أقاما فيهدي أهلَ مكةَ بعدَ كُفرٍ … ويفرضُ بعدَ ذلكمُ الصِّياما وقال أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي: حدّثنا علي بن حرب، حدّثنا محمد بن عمارة القرشي، حدّثنا مسلم بن خالد الزنجي، حدّثنا ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: لما انطلق عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجَه مرَّ به على كاهنة من أهل تَبَالة مُتهوِّدة قد قرأت الكتب،

стр. 989

يقال لها: فاطمة بنت مُرّ الخثعمية، فرأت نور النبوّة في وجه عبد الله، فقالت: يا فتى هل لك أن تقع عليَّ الآن وأُعطيكَ مئة من الإبل؟ فقال عبد الله: [من الرجز] أمَّا الحرامُ فالمماتُ دونَهُ … والحِلُّ لا حِلَّ فأَسْتبينه فكيفَ بالأمرِ الذي تبغينَه … يحمي الكريمُ عِرضَه ودينه (١) ثم مضى مع أبيه، فزوّجه آمنةَ بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة، فأقام عندها ثلاثًا. ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته إليه الكاهنة، فأتاها. فقالت: ما صنعتَ بعدي؟ فأخبرها. فقالت: والله ما أنا بصاحبة رِيبة، ولكني رأيتُ في وجهك نورًا، فأردتُ أن يكون فيَّ. وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد. ثم أنشأت فاطمة تقول: [من الكامل] إنّي رَأيتُ مَخِيْلةً لَمَعتْ … فتلألأتْ بِحَنَاتِم القَطْر (٢) فَلَمَأْتُها نُوْرًا يُضيء له … ما حولَه كإضاءةِ البَدر (٣) ورجوتُها فخرًا أبوءُ به … ما كلُّ قادحِ زَندِه يُورِي لله ما زُهريَّةٌ سلبت … ثوبَيْك ما استَلبت وما تدري (٤) وقالت فاطمة أيضًا: [من الطويل] بني هاشمٍ قد غادرتْ من أخيكُمُ … أمينةُ إذ للباهِ يَعْتَرِكانِ كما غادرَ المصباحُ عند خُموده … فتائلَ قد مِيثَت له بدِهان (٥) وما كل ما يحوي الفتى من تِلادهِ … بحزمٍ ولا ما فاتَه لِتَواني فأَجملْ إذا طالبتَ أمرًا فإنه … سيكفيكه جَدّانِ يعتلجان (٦) سيكفيكه إما يد مقفعلَّةٌ … وإما يدٌ مبسوطةٌ ببنان (٧) ولما حَوت منه أمينة ما حوت … حوت منه فخرًا ما لذلك ثان (٨) وروى الإمام أبو نعيم الحافظ في كتاب "دلائل النبوة" من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن

стр. 990

عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن جعفر، عن أبي عَون (١)، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة، عن ابن عباس قال: إن عبد المطلب قدم اليمن في رحلة الشتاء، فنزل على حَبْرٍ من اليهود، قال: فقال لي رجلٌ من أهل الديور، يعني أهل الكتاب: يا عبد المطلب أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك؟ قال: نعم إذا لم (٢) يكن عورة. قال: ففتح إحدى مَنْخَرَيّ فنظر فيه، ثمّ نظر في الآخر فقال: أَشْهدُ أن في إحدى يديك مُلكًا، وفي الأخرى نُبُوَّة، وإنّا نجد ذلك في بني زُهْرة، فكيف ذلك؟ قلت: لا أدري. قال: هل لك من شاعة؟ قلت: وما الشاعة؟ قال: زوجة. قلت: أمّا اليوم فلا. قال: فإذا رجعت فتزوج فيهم. فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهْب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت حمزة وصفية، ثمّ تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب، فولدت رسول الله ﷺ فقالت قريش حين تزوّج عبد الله بآمنة: فَلَجَ، أي: فاز وغلب عبد الله على أبيه عبد المطلب (٣). * * *

стр. 991

كتاب سيرة رسول الله ﷺ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١). ولما سأل هِرَقْلُ ملكُ الروم لأبي سفيان تلك الأسئلة عن صفاته ﵊ قال: كيف نَسَبُهُ فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسَب. قال: كذلك الرُّسُلُ تُبعث في أنساب قومها. يعني في أكرمها أحسابًا وأكثرِها قبيلة صلواتُ الله عليهم أجمعين. فهو سيِّد ولدِ آدم، وفخرُهم في الدنيا والآخرة، أبو القاسم، وأبو إبراهيم، محمد، وأحمد، والماحي الذي يُمْحَى به الكفر، والعاقِبُ الذي ما بعدَهُ نَبِيّ، والحاشِرُ الذي يُحْشَرُ الناس على قدميه (٢)، والمُقَفِّي (٣)، ونبيُّ الرحمة، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ المَلْحَمة، وخاتم النبيين، والفاتح، وطه، ويس، وعبد الله. قال البيهقي (٤): وزاد بعضُ العلماء فقال: سماه الله في القرآن رسولًا، نبيًّا، أُمِّيًّا (٥)، شاهدًا، مُبَشِّرًا، نذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنِه وسراجًا منيرًا، ورُؤُوفًا رحيمًا، [ونذيرًا مبينًا]،، ومُذَكِّرًا. وجعله رحمةً ونعمةً وهاديًا، [وسمَّاه عبدًا]. وسنورد الأحاديث المرويَّة في أسمائه عليه [الصلاة و] (٦) السلام في بابٍ نَعْقِدُهُ بعد فراغ السيرة؛ فإنه قد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، اعتنى بجمعها الحافظان الكبيران: البيهقيّ، وأبو القاسم بن عساكر. وأفرد الناسُ في ذلك مصنفات (٧) حتى رام بعضُهم أن يجمع له ﵊ ألف اسم. وأما الفقيه الكبير أبو بكر بن العربي المالكي شارحُ الترمذي بكتابه الذي سمَّاه الأحْوَذِي (٨)، فإنه ذكر من ذلك أربعة وستين (٩) اسمًا. والله أعلم.

стр. 992

وهو ابن عبد الله، وكان أصغر (١) أبيه عبد المطلب، وهو الذبيح الثاني المُفَدَّى بمئةٍ من الإبل كما تقدَّم (٢). قال الزُّهْرِيّ (٣): وكان أجملَ رجالِ قريش. وهو أخو الحارث، والزُّبير، وحمزة، وضِرار، وأبي طالب -واسمه عبد مناف- وأبي لهب -واسمه عبد العُزَّى- والمُقَوَّم -واسمه عبد الكعبة- وقيل: هما اثنان، وحَجْل -واسمه المغيرة- والغَيْدَاق وهو كبير الجود -واسمه نوفل- ويقال: إنه حَجْل. فهؤلاء أعمامه ﵊. وعماته ستٌّ وهنّ: أرْوَى، وأُميمة، وبَرَّة، وصَفِيَّة، وعاتِكة، وأمُّ حكيم -وهي البيضاء-. وسنتكلم على كلٍّ منهم فيما بعد إنْ شاء الله تعالى. كلُّهم أولادُ عبد المطلب -واسمه شَيْبَة- يقال: لشيبةٍ كانت في رأسه، ويقال له: شيبة الحَمْد لجوده. وإنما قيل له: عبد المطلب، لأنَّ أباه هاشمًا لما مرَّ بالمدينة في تجارته إلى الشام، نزل على عمرو بن زيد بن لَبِيد بن حَرَام بن خِدَاش بن خِنْدِف بن عَدِيِّ بن النجَّار (٤) الخَزْرَجي النجَّاري، وكان سيِّدَ قومه، فأعجبَتْه ابنتُه سَلْمى، فخطبها إلى أبيها فزوَّجها منه، واشترط عليه مقامها عنده؛ وقيل: بل اشترط عليه أنْ لا تلد إلا عنده بالمدينة، فلمَّا رجع من الشام بنى بها وأخذها معه إلى مكة، فلما خرج في تجارة أخذها معه وهي حُبْلى فتركها بالمدينة ودخل الشام فمات بغزَّة، ووضعت سَلْمى ولدَها فسمَّتْه شَيْبَة؛ فأقام عند أخواله بني عديِّ بن النجَّار سبعَ سنين، ثم جاء عمُّه المطلب (٥) بن عبد مَنَاف، فأخذه خُفْيَةً من أمه، فذهب به إلى مكة. فلما رآه الناس ورأَوْهُ على الراحلة قالوا: من هذا معك؟ فقال: عبدي ثم جاؤوا فهنَّؤوه به، وجعلوا يقولون له: عبد المطلب لذلك؛ فغلب عليه، وساد في قريش سيادةً عظيمة، وذهب بشرَفهم ورياستهم. فكان جماعُ أمْرِهم عليه، وكانت إليه السِّقايةُ والرِّفادة بعد المطلب، وهو الذي جدَّد حفر زَمْزَم بعدما كانت مَطْمومةً من عهد جُرْهُم، وهو أوَّلُ من حَلَّى الكعبة بذهب في أبوابها من تينك الغزالتين (٦) اللتين من ذهب، وجدهما في زمزم مع تلك الأسياف القَلَعية (٧).

стр. 993

قال ابن هشام (١): وعبد المطلب أخو أسد، ونَضْلَة (٢)، وأبي صَيْفي، وحَيَّة، وخالدة، ورُقَيَّة، والشِّفَاء، وضعيفة. كلُّهم أولاد هاشم، واسمه عمرو، وإنما سُمي هاشمًا لهشمه الثريد مع اللحم لقومه في سِنيِّ المَحْل، كما قال مطرود بن كعب الخُزَاعي في قصيدته، وقيل للزِّبَعْرَى والد عبد الله: [من الكامل] عَمْرو الذي هَشَم الثريدَ لقومِهِ … ورجالُ مكةَ مُسنِتون عِجافُ سُنَّتْ إليْه الرِّحْلَتانِ كلاهما … سَفَرُ الشتاءِ ورِحلةُ الأصياف (٣) وذلك لأنه أول من سنَّ رِحْلتي الشتاءِ والصيف، وكان أكبرَ ولد أبيه. وحكى ابنُ جرير (٤) أنه كان تَوْأَمَ أخيه عبد شمس، وأنَّ هاشمًا خرج ورجلُه ملتصقةٌ برأس عبد شمس، فما تخلَّصت حتى سال بينهما دم، فتفاءل (٥) الناس بذلك أنْ يكون بين أولادهما حروب، فكانت وقعة بني العباس مع بني أمية بن عبد شمس سنة ثنتين (٦) وثلاثين ومائة من الهجرة. وشقيقهم الثالث المطلب، وكان المطلب أصغرَ ولد أبيه، وأمُّهم عاتكة بنت مُرَّة (٧) بن هلال. ورابعهم نوفل، من أم أخرى، وهي واقِدَة بنت عمرو المازنيَّة. وكانوا قد سادوا قومهم بعد أبيهم، وصارت إليهم الرياسة، وكان يقال لهم: المُجِيرون؛ وذلك لأنهم أخذوا لقومهم قريش الأمان من ملوك الأقاليم ليدخلوا في التجارات إلى بلادهم، فكان هاشم قد أخذ أمانًا من ملوك الشام والروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس من النجاشي الأكبر ملك الحبشة، وأخذ لهم نوفل من الأكاسرة، وأخذ لهم المطلبُ أمانًا من ملوك حمير. ولهم يقول الشاعر: [من الكامل] يا أيها الرجلُ المحوِّلُ رَحْلَه … ألَّا نزلتَ بآلِ عبدِ منافِ (٨)

стр. 994

وكان إلى هاشم السقايةُ والرِّفادَةُ (١) بعد أبيه، وإليه وإلى أخيه المطلب نسَبُ ذوي القُرْبَى، وقد كانوا شيئًا واحدًا في حالتي الجاهلية والإسلام لم يفترقوا، ودخلوا معهم في الشِّعْب، وانخذل عنهم بنو عبد شمس ونوفل، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته (٢): [من الطويل] جَزَى اللّهُ عَنَّا عبدَ شمسٍ ونَوْفلًا … عُقوبةَ شرٍّ عاجلًا غَيْرَ آجلِ ولا يُعْرف بنو أبٍ تباينوا في الوفاة مثلهم؛ فإنَّ هاشمًا مات بغزَّةَ من أرض الشام، وعبد شمس مات بمكة، ونوفل مات بَسَلامَان (٣) من أرض العراق، ومات المطلب -وكان يقال له: القمر لحُسْنه- بِرَيْمَان من طريق اليمن. فهؤلاء الأخوة الأربعة المشاهير وهم هاشم، وعبد شمس، ونوفل، والمطلب. ولهم أخ خامس ليس بمشهور، وهو أبو عمرو واسمه عبد (٤)، وأصل اسمه عبد قُصَيّ، فقال الناس عبد بن قُصَيّ، دَرَج (٥) ولا عقب له. قاله الزُّبير بن بكَّار وغيره. وأخوات ستّ، وهنّ: تُماضِر، وحَيَّة، ورَيْطَة، وقِلابة، وأم الأخْثَم، وأم سفيان. كلُّ هؤلاء أولاد عبد مناف، ومناف اسم صنم، وأصل اسم عبد مناف: المغيرة. وكان قد رأَس في زمن والده، وذهب به الشرفُ كلَّ مذهب - وهو أخو عبد الدار الذي كان أكبر ولد أبيه، وإليه أوصى بالمناصب كما تقدَّم. وعبد العُزَّى، وعَبْد، وبَرَّة، وتَخْمُر، وأمُّهم كلهم حُبَّى بنت حُلَيل بن حُبْشِيَّة (٦) بن سَلُول بن كعب بن عمرو الخُزَاعي، وأبوها آخر ملوك خزاعة، وولاة البيتِ منهم. وكلُّهم أولاد قُصَيّ واسمه زيد. وإنما سُمِّي بذلك، لأن أمه تزوجت بعد أبيه بربيعة بن حَرَام بن عُذْرة (٧)، فسافر بها إلى بلاده وابنُها صغير، فسمي قصيًّا لذلك. ثم عاد إلى مكة وهو كبير.

стр. 995

ولمَّ شَعَث قريش، وجمعها من متفرِّقات البلاد، وأزاح يدَ خُزَاعة عن البيت، وأجلاهم عن مكة ورجع الحق إلى نصابه، وصار رئيسَ قريش على الإطلاق، وكانت إليه الرِّفادةَ (١) والسِّقاية -وهو سنَّها- والسِّدانة والحِجَابة واللواء، ودارُه دار الندوة كما تقدم بَسْط ذلك كلِّه (٢) - ولهذا قال الشاعر (٣): [من الطويل] قُصَيُّ، لعَمْرِي كان يُدْعى مُجَمِّعًا … به جَمعَ الله القبائلَ من فِهْرِ وهو أخو زُهْرَة، كلاهما ابن كلاب أخي تَيْم، ويَقَظة أبي مخزوم، وثلاثتهم أبناء مُرَّة أخي عدي وهُصَيص، وهم أبناء كعب، وهو الذي كان يخطب قومه كلَّ جمعة، ويبشِّرهم بمبعث رسول الله ﷺ . ويُنْشد في ذلك أشعارًا كما قدَّمنا (٤)، وهو أخو عامر وسَامَةَ وخُزَيمة وسعد والحارث وعوف، سبعتُهم أبناءُ لُؤَيّ أخي تَيْم الأَدْرَم، وهما أبناء غالب أخي الحارث ومحارب، ثلاثتُهم أبناء فِهْر، وهو أخو الحارث، وكلاهما ابن مالك، وهو أخو الصَّلْت، ويَخْلُد، وهم بنو النَّضْر الذي إليه جماع قريش على الصحيِح، كما قدَّمنا الدليل عليه، وهو أخو مالك ومِلْكَان وعبد مناة وغيرهم، كلُّهم أولاد كِنانَة أخي أسد وأَسَدَة والهُوْن أولاد خُزَيمة، وهو أخو هُذَيْل، وهما ابنا مُدْرِكة، واسمه عمرو أخو طابخة، واسمه عامر، وقَمَعَة، ثلاثَتُهم أبناء إلياس، وأخو إلياس هو عَيْلان والد قيس كلِّها، وهما ولدا مُضَر أخي ربيعة. ويقال لهما: الصريحان من ولد إسماعيل، وأخواهما أنمار وإياد تيامَنا (٥)، أربعتهم أبناء نزار أخي قضاعة -في قول طائفةٍ ممن ذهب إلى أنَّ قُضاعة حجازيَّة عدنانية- وقد تقدَّم بيانه (٦)، كلاهما أبناء مَعَدِّ بن عدنان. وهذا النسب بهذه الصفة لا خلاف فيه بين العلماء، فجميع قبائل عرب الحجاز ينتهون إلى هذا النسب، ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٧): لم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله ﷺ نسَبٌ يتصل بهم. وصدق ابن عباس ﵁ فيما قال وأزِيدُ فيما (٨) قال؛ وذلك أن جميع قبائل العرب العدنانية تنتهي إليه بالآباء، وكثير منهم بالأُمَّهات أيضًا،

стр. 996

كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره في أُمَّهاته وأُمَّهات آبائه وأُمَّهاتهم ما يطول ذِكره. وقد حرَّره ابنُ إسحاق (١) ﵀ والحافظُ ابن عساكر (٢). وقد ذكرنا في ترجمة عدنان نسبه وما قيل فيه، وأنه من ولد إسماعيل لا محالة؛ وإن اخْتُلف في كم بينهما أبًا؟ على أقوال قد بسطناها فيما تقدم (٣) والله أعلم. وقد ذكرنا بقية النسب من عدنان إلى آدم، وأوردنا قصيدة أبي العباس الناشئ المتضمِّنة ذلك (٤)، كل ذلك في أخبار عرب الحجاز ولله الحمد. وقد تكلَّم الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في أول تاريخه على ذلك كلامًا مبسوطًا جيدًا محرَّرًا نافعًا. وقد ورد في حديث انتسابه ﵇ إلى عدنان، وهو على المنبر، ولكن الله أعلم بصحته كما قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٥): أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر (٦) بن حفص المقرئ -ببغداد- حدّثنا أبو عيسى بكَّار بن أحمد بن بكَّار، حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى بن سعيد -إملاءً- سنة ست وتسعين ومئتين، حدّثنا أبو جعفر محمد بن أبان القَلانسيّ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن ربيعة القُدَامي، حدثنا مالك بن أنس، عن الزُّهْري، عن أنس، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام. قالا: بلغ النبيَّ ﷺ أنَّ رجالًا من كِنْدة يزعمون أنهم منه وأنه منهم، فقال: "إنما كان يقولُ ذلك العباسُ وأبو سفيانَ بنُ حَرْب فيأمنا بذلك (٧)، وإنَّا لن نَنْتَفيَ من آبائنا، نحن بنو النَّضْرِ بن كِنَانة". قال: وخطب النبيُّ ﷺ فقال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيِّ بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيِّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنَانة بن خُزَيْمةَ بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَرَ بنِ نِزَار؛ وما افترق الناسُ فِرْقتين إلا جعلني الله في خيرهما (٨) فأُخْرجتُ من بين أبويّ، فلم يُصِبْني شيءٌ من عُهْر الجاهلية، وخرجتُ من نكاح ولم أخْرُج من سِفَاح من لَدُن آدمَ حتى انتهيتُ إلى أبي وأمي؛ فأنا خيركم نفسًا، وخيركم أبًا".

стр. 997

وهذا حديث غريب جدًا من حديث مالك، تفرَّد به القُدَامي وهو ضعيف (١). ولكن سنذكر له شواهد من وجوه أُخَر. فمن ذلك قوله: "خرجتُ من نكاح لا من سِفَاح". قال عبد الرزاق (٢): أخبرنا ابنُ عُيَيْنَة عن جعفر بن محمد عن أبيه أبي جعفر الباقر في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال: لم يصبْهُ شيء من ولادة الجاهلية. قال: وقال رسول الله ﷺ : "إني خرجتُ من نكاح ولم أخْرُجْ من سفاح" وهذا مرسلٌ جيد. وهكذا رواه البيهقي (٣) عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصَّغاني (٤)، عن يحيى بن أبي بُكَيْر، عن عبد الغفار بن القاسم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله أخرجني من النكاح، ولم يُخْرِجْني من السفاح". وقد رواهُ ابن عَدِي (٥) موصولًا فقال: حدّثنا أحمد بن حفص، حدّثنا محمد بن أبي عُمر العَدَنيّ المكيّ (٦)، حدّثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال: أشهدُ على أبي حدّثني عن أبيه، عن جدِّه، عن عليِّ بن أبي طالب، أنَّ النبي ﷺ قال: "خرجتُ من نكاح، ولم أخرُج من سِفَاح، من لَدُنْ آدمَ إلى أنْ ولدني أبي وأمي، ولم يُصْبني من سِفَاحِ الجاهليَّة شيءٌ". هذا غريبٌ من هذا الوجه ولا يكادُ يصحّ (٧). وقال هُشَيم: حدّثنا المديني عن أبي الحويرث، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ولدني من نكاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاحٌ كنكاح الإسلام".

стр. 998

وهذا أيضًا غريب، أورده الحافظ ابن عساكر (١)، ثم أسنده من حديث أبي هريرة، وفي إسناده ضعف والله أعلم. وقال محمد بن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم، عن عمه الزُّهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ولدت من نكاحٍ غير سِفاح" (٣). ثم أورد ابن عساكر (٤) من حديث أبي عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. قال: من نبيٍّ إلى نبيّ، حتى أُخرجت نبيًّا. ورواه عن عطاء. وقال محمد بن سعد (٥): أخبرنا هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: كتبتُ للنبيِّ ﷺ خمسمائة أُمّ، فما وجدتُ فيهنَّ سِفَاحًا ولا شيئًا مما كان من أمْر الجاهلية. وثبت في صحيح البخاري (٦) من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المَقبُرِي، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ من خيرِ قُرونِ بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بُعِثتُ (٧) من القرن الذي كنتُ فيه". وفي صحيح مسلم (٨) من حديث الأوزاعي، عن شدَّاد أبي عمار، عن واثلة بن الأسْقع، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله اصطفى من ولَدِ إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". وقال الإمام أحمد (٩): حدّثنا أبو نُعيم عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وَدَاعة قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعضُ ما يقول الناس، فصَعِد المنبر فقال: "مَنْ أنا؟ " قالوا: أنت رسولُ الله. قال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنَّ الله خَلقَ

стр. 999

الخَلْقَ فجعلَني في خيرِ خَلْقِه، وجعلهم فرقتَيْن (١) فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خيرِ قبيلة، وجعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيرُكم بيتًا وخيركم نَفْسًا" (٢). صلوات الله وسلامه عليه دائمًا أبدًا إلى يوم الدين. وقال يعقوبُ بن سفيان (٣): حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ قريشًا إذا التقَوْا، لَقِيَ بعضُهم بعضًا بالبشاشة، وإذا لَقُونا لَقُونا بوجوهٍ لا نعرفها. فغضب رسولُ الله ﷺ عند ذلك غضَبًا شديدًا ثم قال: "والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يدخلُ قلبَ رجلٍ الإيمانُ حتى يُحِبَّكم لله ولرسوله" فقلت: يا رسول الله، إنَّ قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم فجعلوا مَثَلك كَمَثَلِ نخلةٍ في كَبْوَةٍ من الأرض (٤). فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يوم خَلَقَ الخَلْق جعلني في خيرهم، ثم لما فرَّقهم جعلني في خيرِ [الفريقين، ثم حين جعل القبائل جعلني في خير] هم قبيلة، ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم، فأنا خَيْرُهم نفسًا وخيرُهم بيتًا". ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (٥) عن ابن فُضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن [عبد المطلب بن] ربيعة بن الحارث قال: بلغ النبي ﷺ ، فذكره بنحو ما تقدَّم ولم يذكر العباس. وقال يعقوب بن سفيان (٦): حدّثني يحيى بن عبد الحميد، حدّثنا قيس بن عبد الله (٧)، عن الأعمش عن عَبَايَة بن رِبْعيّ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله قسم الخَلْق قسمين، فجعلني في خيرهما قسمًا، فذلك قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ … وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٢٧ و ٤١]، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خيرُ أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثًا، فجعلني في خيرها ثُلثًا، فذلك قوله:

стр. 1000

﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] فأنا من السابقين، وأنا خيرُ السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] وأنا أتقى ولدِ آدمَ وأَكْرَمُهم على الله ولا فخر؛ ثم جعل القبائل بيوتًا فجعلني في خيرها بيتًا، وذلك قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. فأنا وأهلُ بيتي مطهَّرون من الذنوب. وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة (١). وروى الحاكم والبيهقي (٢) من حديث محمد بن ذكوان -خال ولد حماد بن زيد- عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر قال: إنا لقعودٌ بِفِنَاءَ النبيِّ ﷺ إذْ مرَّتْ به امرأة، فقال بعض القوم: هذه ابنةُ رسولِ الله ﷺ . قال أبو سفيان: مَثَلُ محمد في بني هاشم مَثَلُ الرَّيحانة في وسط النَّتْن. فانطلقتِ المرأةُ فأخبرتِ النبيَّ ﷺ فجاء رسولُ الله ﷺ يُعْرَف في وجهه الغَضَبُ فقال: "ما بالُ أقوالٍ تبلغُنُي عن أقوام: إنَّ الله خلق السماواتِ سبعًا، فاختار العُلْيا منها فأسكنها مَنْ شاءَ من خلقه، ثمِ خلق الخَلْق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مُضَر، واختار من مُضَر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم؛ فأنا من خيار إلى خيار، فمَنْ أحبَّ العرب فبحبَّي أحَبَّهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم". وهذا أيضًا حديثٌ غريب. وثبت في الصحيح (٣) أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أنا سيِّدُ ولدِ آدم يومَ القيامةِ ولا فَخْر". وروى الحاكم والبيهقي (٤) أيضًا من حديث موسى بن عُبيدة، حدثنا عمرو بن عبد الله بن نوفل، عن الزُّهْري عن أبي أسامة وأبي سلمة (٥)، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "قال لي جبريل: قلَّبت الأرض من مشارقها ومغاربها فلم أجدْ رجلًا أفضلَ من محمد، وقلَّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضلَ من بني هاشم". قال الحافظُ البيهقيّ (٦): وهذه الأحاديث وإنْ كان في رواتها من لا يُحْتَجُّ به (٧)،

стр. 1001

فبعضها يؤكِّدُ بعضًا، ومعنى جميعها يرجعُ إلى حديثِ واثلةَ بن الأسْقَع (١)، والله أعلم. قلت: وفي هذا المعنى يقول أبو طالب يمتدح النبيَّ ﷺ : [من الطويل] إذا اجتمعت يومًا قريشٌ لِمَفْخَرٍ … فعَبْدُ مَنَافٍ سِرُّها وصَمِيمُهَا (٢) فإنْ حُصِّلتْ أشرافُ عبدِ مَنَافِها … ففي هاشِمٍ أشرافُها وقَدِيمُهَا وإنْ فَخَرتْ يومًا فإنَّ محمدًا … هو المُصْطَفى من سِرِّها وكريمُها تداعَتْ قريشٌ غَثُّها وسَمينُها … علينا فلم تَظْفَرْ وطاشَتْ حُلُومُها وكُنَّا قديمًا لا نُقِرُّ ظُلامةً … إذا ما ثَنَوْا صُعْرَ الخُدودِ نُقِيمُها ونَحْمي حِماها كلَّ يوم كَريهةٍ … ونضربُ عن أحجارِها من يَرُومُها بنا انتعشَ العُودُ الذَّوِيُّ وإنَّما … بأكنافنا تَنْدَى وتَنْمى أُرُومُها (٣) وقال أبو السُّكَين (٤) زكريا بن يحيى الطائي في الجزء المنسوب إليه المشهور: حدَّثني عمُّ أبي -زَحْرُ بن حِصْن- عن جدِّه حُميد بن مُنْهِب قال: قال جَدِّي خُرَيم بن أوس: هاجرتُ إلى رسول الله ﷺ ، فقدِمْتُ عليه منصرفَهُ من تَبُوك، فأسلمتُ، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله ﷺ : "قل لا يَفْضُضِ الله فاك". فأنشأ يقول (٥): [من المنسرح] من قبلها طِبْتَ في الظِّلال وفي … مستودعٍ، حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقٌ (٦) ثم هَبَطْتَ البلادَ لا بَشَرٌ … أنْتَ ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ بل نُطْفَةٌ تركبُ السَّفِين وقد … ألْجَمَ نَسْرًا وأهلَهُ الغَرَقُ

стр. 1002

تُنْقَلُ من صَالَبٍ إلى رَحِمٍ … إذا مضى عالَمٌ بَدَا طَبَقُ (١) حتى احْتَوى بَيْتُكَ المُهَيْمنُ من … خِنْدِفَ علياءَ تحتها النُّطُقُ (٢) وأنتَ لما وُلِدْتَ أشرقَتِ الْـ … أرْضُ وضاءَتْ بنورِكَ الأُفُقُ (٣) فنحن في ذلك الضِّياءَ وفي الْـ … ـنُورِ وسُبْلَ الرشادِ نَخْتَرِقُ (٤) وقد رُوي هذا الشعر لحسان بن ثابت؛ فروى الحافظُ أبو القاسم بن عساكر (٥) من طريق أبي الحسن بن أبي الحديد، أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر، أخبرنا عبد السلام بن أحمد بن محمد (٦) القرشي، حدّثنا أبو حَصِين محمد بن إسماعيل بن محمد التميمي، حدّثنا محمد بن عبد الله الزاهد الخراساني، حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن بَيَان (٧)، حدثنا سلَّام بن سليمان أبو العباس المكفوف المدائني، حدّثنا ورقاء بن عمر، عن ابن أبي نَجِيح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس قال: سألتُ رسول الله ﷺ فقلت: فداك أبي وأمي، أين كنتَ وآدم في الجنة؟ قال: فتبسَّم حتى بَدَتْ نواجذه ثم قال: "كنت في صُلْبه ورُكِبَ بي السفينة في صُلْب أبي -نوح- وقُذِف بي في صلب أبي إبراهيم، لم يلتقِ أبوايَ على سفاحٍ قطّ، لم يزل الله ينقلُني من الأصلاب الحَسِيبة إلى الأرحام الطاهرة، صفتي مَهْدي، لا تتشعَّب شعبتان إلا كنتُ في خيرهما، وقد أخذ الله بالنبوَّة ميثاقي، وبالإسلام عهدي، ونشر في التوراةِ والإنجيلِ ذِكري، وبيَّن كلُّ نبيٍّ صفتي، تشرق الأرضُ بنوري، والغمامُ لوجهي وعلَّمني كتابه - ورُوي:

стр. 1003

في سحابه (١) - وشقَّ لي اسمًا من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمد (٢)، ووعدَني أنْ يَحْبُوني بالحَوْضِ والكوثر، وأن يجعلَني أولَ شافعٍ وأول مُشَفَّع، ثمّ أخرجني من خيرِ قرنٍ لأُمتي، وهم الحمَّادون، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر". قال ابن عباس: فقال حسان بن ثابت في النبيِّ ﷺ (٣): [من المنسرح] من قَبْلَها طِبْتَ في الظِّلال وفي … مستودَعٍ يَوْمَ يُخْصَفُ الوَرَقُ (٤) ثم سكنْتَ البلادَ لا بَشَرٌ … أنتَ ولا نُطفَةٌ ولا عَلَقُ مُطَهَّرٌ تركبُ السَّفينَ وقد … ألْجَمَ نَسْرًا وأهلَهُ الغَرَقُ تُنْقَلُ من صالَبٍ (٥) إلى رَحِمٍ … إذا مضى طَبَقٌ بَدَا طَبَقُ فقال النبيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ الله حسَّان" فقال عليُّ بن أبي طالب: وجَبتِ الجنةُ لحسَّان وربِّ الكعبة. ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث غريب جدًا -قلت: بل منكر جدًا (٦) - والمحفوظ أنَّ هذه الأبيات للعباس ﵁. ثم أوردها من حديث أبي السُّكين زكريا بن يحيى الطائي كما تقدم. قلت: ومن الناس من يزعم أنها للعباس بن مِرْداس السُّلَمي. فالله أعلم. تنبيه: قال القاضي عياض في كتابه "الشفا" (٧): وأما أحمد الذي أتى في الكتب، وبشَّرت به الأنبياء، فمنع الله بحكمته أنْ يُسمَّى به أحدٌ غيره، ولا يُدْعَى به مدعوٌّ قَبْلَهُ، حتى لا يدخل لَبْسٌ على ضعيف القلب أو شكّ؛ وكذلك محمد لم يُسَمَّ به أحدٌ من العرب ولا غَيرُهم، إلى أن شاع قُبَيل (٨) وجوده [ ﷺ ]، وميلاده، أنَّ نبيًّا يُبعث اسمُه محمد؛ فسمَّى قومٌ قليلٌ من العرب أبناءهم بذلك، رجاءَ أنْ يكون أحَدُهم هو [و] ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وهم: محمد بن أُحَيْحَة بن الجُلاح

стр. 1004

الأوْسي، ومحمد بن مَسْلَمة (١) الأنصاريّ، ومحمد بن البراء البكري (٢)، ومحمد بن سفيان بن مُجَاشِع، ومحمد بن حُمْران الجُعْفِيّ، ومحمد بن خُزَاعي السُّلَمي لا سابع لهم. ويقال: إنَّ أول من سُمِّي محمدًا: محمد بن سفيان بن مجاشع؛ واليَمَنُ تقول: بل محمد بن الْيُحمد من الأزْد. ثم إنَّ الله حمى كلَّ من تسمَّى به أن يَدَّعي النبوَّة أو يدَّعِيها له أحد، أو يظهر عليه سببٌ يشكِّك أحدًا في أمْرِه، حتى تحقَّقت السِّمَتان (٣) له ﷺ [و] لم ينازَعْ فيهما. هذا لفظه. باب مولد رسول الله ﷺ تسليمًا كثيرًا ولد صلوات الله عليه وسلامه يوم الاثنين. لما رواه مسلم في صحيحه (٤) من حديث غَيْلان بن جَرِير سمع عبد الله بن معبد الزِّمَّاني، عن أبي قتادة، أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله! ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ فقال: "ذاك يوم وُلِدْتُ فيه، وأُنْزِل عليَّ فيه". وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش الصَّنْعاني، عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، واستُنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ورفع الحَجَر الأسودَ يوم الاثنين. تفرّد به أحمد. ورواه ابن عُفَير وابن بُكَير (٦) عن ابن لَهِيعة، وزاد: نزلت سورة المائدة يوم الاثنين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به، وزاد أيضًا: وكانت وقعة بدر يوم الاثنين. وممن قال هذا يزيد بن أبي حَبيبٍ (٧)، وهذا منكر جدًا.

стр. 1005

قال ابن عساكر (١) والمحفوظ أنَّ بدرًا ونزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] يوم الجمعة. وصدق ابن عساكر. وروى عبيد الله بن عمر عن كُريب، عن ابن عباس: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين (٢). وهكذا روي من غير هذا الوجه عن ابن عباس أنه ولد يوم الاثنين. وهذا ما لا خلاف فيه أنه ولد ﷺ يوم الاثنين. وأبعدَ بل أخطأ من قال: ولد يوم الجمعة لسبعَ عشرَة خلَتْ من ربيع الأول. نقله الحافظ ابن دِحْية (٣) فيما قرأه من كتاب "إعلام الورى بأعلام الهدى" لبعض الشيعة. ثم شرع ابنُ دحية في تضعيفه، وهو جدير بالتضعيف، إذ هو خلاف النص. ثم الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الأول، فقيل: لليلتين خَلَتا منه. قاله ابنُ عبد البرّ في "الاستيعاب" (٤)، ورواه الواقدي (٥) عن أبي معشر نَجِيح بن عبد الرحمن المدني. وقيل: لثمانٍ خلَوْن منه حكاهُ الحُميدي (٦) عن ابن حزم. ورواه مالك، وعُقَيْل، ويونس بن يزيد، وغيرهم، عن الزُّهْري عن محمد بن جُبير بن مُطْعِم، ونقل ابنُ عبد البر عن أصحاب التاريخ أنهم صحَّحوه، وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسى الخُوَارِزْمي، ورجَّحه الحافظ أبو الخطاب بن دحْية في كتابه "التنوير في مولد البشير النذير". وقيل: لعشر خلون منه. نقله ابنُ دِحْية في كتابه. ورواه ابنُ عساكر (٧) عن أبي جعفر الباقر، ورواه مجالد عن الشعبي كما مر. وقيل: لثنتي عَشْرة خلَتْ منه، نصَّ عليه ابن إسحاق (٨)؛ ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٩) عن

стр. 1006

عفَّان عن سعيد بن مِيناء عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، يوم الاثنين الثانىِ عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات. وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم. وقيل: لسبعَ عشرة خلَتْ منه كما نقله ابن دِحْية عن بعض الشيعة. وقيل: لثمانٍ بَقِين منه، نقله ابنُ دحية من خط الوزير أبي رافع ابن الحافظ أبي محمد بن حزم، عن أبيه. والصحيح عن ابن حزم الأول أنه لثمان مضين منه كما نقله عنه الحميدي وهو أثبت. والقول الثاني: أنه ولد في رمضان، نقله ابن عبد البر عن الزُّبير بن بكَّار، وهو قولٌ غريبٌ جدًا، وكان مستنده أنه ﵊ أُوحي إليه في رمضان بلا خلاف، وذلك على رأس أربعين سنةً من عمره، فيكون مولدُه في رمضان، وهذا فيه نظر والله أعلم. وقد روى خَيْثَمة بن سليمان الحافظ عن خلف بن محمد -كُرْدُوس الواسطي- عن المعلَّى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين في ربيع الأول، وأُنزلت عليه النبوَّة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول، وأُنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول. وهذا غريب جدًا، رواه ابن عساكر (١). قال الزبير بن بكَّار: حملَتْ به أمُّه في أيام التشريق، في شِعْب أبي طالب، عند الجمْرة الوسطى، وولد بمكة بالدار المعروفة بمحمد بن يوسف -أخي الحجَّاج بن يوسف- لثنتي عَشْرَة خلت من شهر رمضان. ورواه الحافظ ابن عساكر (٢) من طريق محمد بن عثمان بن عقبة بن مكرم، عن المسيّب بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: حُمل برسول الله ﷺ في عاشوراء المحرَّم، وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، سنة ثلاثٍ وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وذكر غيره أنَّ الخَيْزُران -وهي أمُّ هارون الرشيد- لما حجَّتْ أمرت ببناء هذه الدار مسجدًا. فهو يعرف (٣) بها اليوم. وذكر السُّهيلي (٤) أنَّ مولدَه ﵊، كان في العشرين من نَيْسان، وهذا أعدل الأزمانِ

стр. 1007

والفصول، وذلك لسنة ثنتين وثمانين وثمانمئة لذي القرنين، فيما ذكر أصحابُ الزِّيج. وزعموا أن الطَّالِعَ كان لعشرين درجةً من الجَدْي، وكان المُشْتري وزُحَل مقترنَيْن في ثلاث دَرَج من العقرب وهي دَرَجَةٌ وَسْط السماء. وكان موافقًا من البروج الحَمَل، وكان ذلك عند طلوع القمر أوَّلَ الليل. نقله كلَّه ابنُ دِحْية والله أعلم. قال ابن إسحاق (١): وكان مولده ﵊ عام الفيل. وهذا هو المشهور عن الجمهور. قال إبراهيمُ بن المنذر الحِزَاميّ: وهو الذي لا يشكُّ فيه أحَدٌ من علمائنا أنه ﵊ وُلد عام الفيل، وبُعث على رأس أربعين سنةً من الفيل. وقد رواه البيهقي (٢) من حديث أبي إسحاق السَّبيعي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: ولد رسولُ الله ﷺ عام الفيل. وقال محمد بن إسحاق (٣): حدَّثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمة، عن أبيه، عن جدِّه قيس بنِ مَخْرَمة، قال: ولدتُ أنا ورسولُ الله ﷺ عام الفيل، كنا لِدَيْن (٤). قال: وسأل عثمانُ ﵁ قَبَاثَ بن أَشْيَم أخا بني يَعْمَر بن لَيْث: أنتَ أكبرُ، أمْ رسولُ الله ﷺ ؟ فقال: رسولُ الله ﷺ أكْبَرُ مني وأنا أقْدَمُ منه في الميلاد، ورأيتُ خِثْيَ الفيلِ أخضرَ مُحِيلا (٥). ورواه الترمذي (٦) والحاكم (٧) من حديث محمد بن إسحاق به. قال ابن إسحاق (٨): وكان رسول الله ﷺ عام عُكَاظ ابنَ عشرين سنة. وقال ابن إسحاق (٩): كان الفِجار بعد الفيل بعشرين سنة، وكان بناءُ الكعبة بعد الفِجار بخمس عشرة سنة، والمَبْعَث بعد بنائها بخمس سنين. وقال محمد بن جُبير بن مُطْعِم: كانت عُكاظ بعد الفيل بخمسَ عشرةَ سنة، وبناء الكعبة بعد عُكاظ بعشر سنين، والمبعث بعد بنائها بخمس عشرة سنة. وروى الحافظ

стр. 1008

البيهقي (١) من حديث عبد العزيز بن أبي ثابت المديني، حدّثنا الزُّبير بن موسى، عن أبي الحويرث قال: سمعتُ عبد الملك بن مروان يقول لِقَبَاث بن أَشْيَم الكِنَاني ثمَّ اللَّيثي: يا قَبَاث، أنتَ أكبرُ، أمْ رسولُ الله ﷺ ؟ قال: رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أسنُّ؛ ولد رسولُ الله ﷺ عام الفيل، ووقفَتْ بي أُمِّي على رَوْث الفيل مُحِيلًا أعقله. وتُنُبِّئ رسولُ الله ﷺ على رأس أربعين سنة. وقال يعقوب بن سفيان (٢): [حدثنا أحمد بن الخليل] حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بُكير، حدّثنا نعيم -يعني ابنَ مَيْسَرة- عن بعضهم عن سُويد بن غَفَلة قال: أنا لِدَةُ رسولِ الله ﷺ ، ولدتُ عامَ الفيل. قال البيهقي (٣): وقد رُوي عن سُويد بن غَفَلة أنه قال: أنا أصغَرُ من رسولِ الله ﷺ بسنتين. قال يعقوب (٤): وحدّثنا إبراهيم بن المنذر: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، حدّثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان النَّوفلي، عن أبيه، عن محمد بن جُبير بن مُطْعِم قال: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، وكانت بعده عُكاظ بخمسَ عشرةَ سنة، وبُني البيت على رأس خمسٍ وعشرين سنة من الفيل، وتنبَّأَ رسولُ الله ﷺ على رأس أربعين سنة من الفيل. والمقصود أنَّ رسولَ الله ﷺ ولد عامَ الفيل على قول الجمهور، فقيل بعده بشهر، وقيل بأربعين يومًا، وقيل بخمسين يومًا -وهو أشهر- وعن أبي جعفر الباقر، كان قدوم الفيل للنصف من المُحَرَّم، ومولد رسول الله ﷺ بعده بخمس وخمسين ليلة، وقال آخرون: بل كان عامُ الفيل قبل مولد رسولِ الله ﷺ بعشر سنين. قاله ابن أَبْزَى. وقيل بثلاثٍ وعشرين سنة، رواه شُعيب بن شعيب عن أبيه، عن جَدِّه كما تقدم. وقيل بعد الفيل بثلاثين سنة، قاله موسى بن عقبة عن الزُّهْري ﵀. واختاره موسى بن عُقْبة أيضًا ﵀. وقال أبو زكريا العجلاني: بعد الفيل بأربعين عامًا. رواه ابن عساكر (٥). وهذا غريبٌ جدًّا، وأغربُ منه ما قال خليفة بن خيَّاط (٦): حدّثني شعيب بن حَيَّان عن عبد الواحد بن أبي عمرو، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله ﷺ قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وهذا حديث غريب ومنكر وضعيف أيضا (٧). قال خليفة بن خياط (٨): والمجتمع عليه أنه ﵇ ولد عام الفيل.

стр. 1009

صفة مولده الشريف ﵊ قد تقدَّم أنَّ عبد المطلب لما ذبح تلك الإبلَ المئة عن ولده عبد الله، حين كان نَذَرَ ذَبْحَه فسلَّمه الله تعالى، كان قدَّر في الأزل من ظهور النبيِّ الأُمِّيِّ ﷺ ، خاتم الرسل وسيِّدِ ولد آدم من صُلْبه؛ فذهب كما تقدَّم، فزوَّجه أشرفَ عَقِيلةٍ في قريش، آمنةَ بنت وَهْبِ بن عبد مناف بن زُهْرَة الزُّهْريَّة. فحين دخل بها وأفْضَى إليها حملَتْ برسول الله ﷺ ، وقد كانت أُمُّ قِتَال رُقيقةُ بنت نَوْفل -أختُ وَرَقة بن نوفل- توسَّمَتْ ما كان بين عينَيْ عبد الله قبل أن يجامع آمنة من النور، فودَّت أن يكون ذلك متصلًا بها لما كانت تسمع من أخيها من البشارات بوجود محمد ﷺ ، وأنه قد أَزِف زمانُه، فعرضت نفسها عليه. قال بعضهم: ليتزوجها -وهو أظهر والله أعلم- فامتنع عليها، فلما انتقل ذلك النور الباهر إلى آمنة بمواقعته إياها كأنَّه تندَّم على ما كانت عرضَتْ عليه، فتعرَّض لها لتعاوده، فقالت: لا حاجة لي فيك. وتأسفَتْ على ما فاتها من ذلك، وأنشدَت في ذلك ما قدَّمناه من الشعر الفَصِيح البليغ (١). وهذه الصِّيانة لعبد الله ليست له، وإنما هي لرسولِ الله ﷺ ، فإنَّه كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقد تقدَّم الحديث المرويُّ من طريق جَيِّدة: أنه قال ﵊: "ولدتُ من نكاح لا من سِفَاح" (٢). والمقصود أنَّ أُمَّهُ حين حملَتْ به توفي أبوه عبد الله وهو حَمْل في بطنِ أمه على المشهور. قال محمد بن سعد (٣): حدّثنا محمد بن عمر -هو الواقدي- حدّثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذِي (٤) [عن محمد بن كعب]، وحدّثنا سعيد بن أبي زيد عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قالا: خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عِيرٍ من عِيَرَاتِ (٥) قريش يحملون تجارات. ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا، فمرُّوا بالمدينة وعبدُ الله بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: [أنا] أتخلَّفُ عند أخوالي بني عَدِيِّ بن النجَّار. فأقام عندهم مريضًا شهرًا، ومضى أصحابُه فقدِمُوا مكة، فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد الله، فقالوا: خلَّفْناه عند أخواله بني عديِّ بن النجَّار وهو مريض. فبعث إليه

стр. 1010

عبدُ المطلب أكبرَ ولدِهِ الحارث. فوجده قد توفِّي، ودُفن في دار النابغة (١) -[وهو رجلٌ من بني عديِّ بن النجار، في الدار التي إذا دخلتَها فالدُّويرة عن يسارك- وأخبره أخوالُهُ بمرضه وبقيامهم عليه، وما وَلُوا من أمره، وأنهم قبروه]، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوَجَد (٢) عليه عبدُ المطلب وإخوتُه وأخواته وَجْدًا شديدًا، ورسولُ الله ﷺ يومئذ حَمْل. ولعبد الله بن عبد المطلب يوم تُوفِّي خمسٌ وعشرون سنةً. قال الواقدي (٣): هذا هو أثبت الأقاويل في وفاة عبد الله وسِنِّه عندنا. قال الواقدي (٣): وحدّثني مَعْمَر عن الزُّهْري أن عبد المطلب بعث عبد الله إلى المدينة يمتارُ له تمرًا فمات. قال محمد بن سعد (٤): وقد أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن عَوَانة بن الحكم قالا: تُوفي عبد الله بن عبد المطلب بعدما أتى على رسول الله ﷺ ثمانيةٌ وعشرون شهرًا، وقيل سبعة أشهر. وقال محمد بن سعد (٤): والأول أثبت أنه تُوفي ورسولُ الله ﷺ حَمْل. وقال الزُّبير بن بكَّار: حدّثني محمد بن حسن، عن عبد السلام، عن ابن خَرَّبُوذ قال: توفي عبد الله بالمدينة ورسول الله ﷺ ابن شهرين، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين، ومات جَدُّه وهو ابنُ ثمان سنين، فأوصى به إلى عَمِّه أبي طالب. والذي رجَّحه الواقدي وكاتبه الحافظ محمد بن سعد، أنه ﵊ تُوفي أبوه وهو جنينٌ في بطن أُمِّه. وهذا أبلغ اليُتْم وأعلى مراتبه. وقد تقدم في الحديث (٥) "ورؤيا أمي التي رأتْ حين حَملتْ بي كأنَّه خرج منها نورٌ أضاءَتْ له قصورُ الشام". وقال محمد بن إسحاق (٦): فكانت آمنة بنت وَهْب أمُّ رسولِ الله ﷺ تحدِّث أنها أُتيتْ حين حملَتْ برسولِ الله ﷺ فقيل لها: إنَّكِ قد حملْتِ بسيّد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: [من الرجز]

стр. 1011

أُعِيذُهُ بالواحِدِي (١) من شَرِّ كُلِّ حاسِدِي في كلِّ بَرٍّ عَاهِدِي (٢) وكُلِّ عَبْدٍ رائِدِي [يَرُ] ودُ غَيْرَ رائدي (٣) عبدُ الحميدِ الماجِدِي حتى أراهُ وقائدَ المَشَاهِدِي (٤) وآيةُ ذلك أنه يخرجُ معه نورٌ يملأ قصورَ بُصْرَى من أرض الشام، فإذا وقع فسمِّيه محمدًا، فإنَّ اسمه في التوراة أحمد، يَحْمَدُهُ أهلُ السماء وأهلُ الأرض، واسمه في الإنجيل أحمد، يحمدُهُ أهل السماء وأهل الأرض، واسمه في القرآن محمد (٥). وهذا وذاك يقتضي أنها رأتْ حين حملَتْ به ﵊، كأنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام. ثم لما وضعَتْه رأتْ عيانًا تأويلَ ذلك كما رأتْهُ قبل ذلك ها هنا. والله أعلم. وقال محمد بن سعد (٦): أنبأنا محمد بن عمر -هو الواقدي- حدّثنا محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري (ح) (٧) وقال الواقدي: وحدّثنا موسى بن عُبيدة عن أخيه، ومحمد بن كعب القُرَظي (ح) وحدّثني عبد الله بن جعفر الزُّهْري، عن عمَّتِه أمِّ بكر بنت المِسْوَرِ، عن أبيها ح وحدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم المَدَني (٨) وزياد بن حَشْرَج، عن أبي وَجْزَة. وحدّثنا معمر، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد (ح) وحدّثنا

стр. 1012

طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- أنَّ آمنة بنت وَهب قالت: لقد علقتُ به -تعني رسولَ الله ﷺ - فما وجدْتُ له مَشَقَّةً حتى وضعتُه، فلما فصل مني خرج معه نورٌ أضاء له ما بين المشرق وإلى المغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضةً من التراب، فقبضها ورفع رأسه إلى السماء. وقال بعضهم: وقع جاثيًا على ركبتيه، رافعًا رأسه إلى السماء (١)، وخرج معه نورٌ أضاءَتْ له قصورُ الشام وأسواقُها حتى رأيتُ أعناق الإبل ببصرى. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢): أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق (٣)، حدّثنا أبو بِشْر (٤) مُبَشِّر بن الحسن، حدّثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدّثنا عبد العزيز ابن عمران، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه، عن ابن أبي سُوَيد الثقفي، عن عثمان بن أبي العاص، حدّثتني أمِّي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وَهْب رسولَ الله ﷺ ليلةَ ولدَتْه، قالت: فما شيءٌ أنظرُ إليه في البيت إلا نُوِّر، وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لَيَقَعْنَ عليّ. وذكر القاضي عياض (٥) عن الشِّفَا (٦) أمِّ عبدِ الرحمن بن عوف، أنها كانت قابِلَتَه، وأنها أُخبرت به حين سقَطَ على يديها واستهلّ، سمعَتْ قائلًا يقول: يرحمكَ الله، وأنه سطع نور منه نَوَّرَ رأتْ منه قصورَ الرُّوم (٧). قال محمد بن إسحاق (٨): فلمَّا وضعَتْهُ بعثَتْ إلى عبد المطلب جاريتَها -وقد هلك أبوه وهي حُبْلَى، ويقال: إنَّ عبدَ اللهِ هلك والنبيُّ ﷺ ابنُ ثمانيةٍ وعشرين شهرًا، فاللهُ أعلم أيَّ ذلك كان- فقالت: قد وُلد

стр. 1013

لك غلامٌ فانظرْ إليه، فلمَّا جاءها أخبرَتْهُ وحدَّثَتْهُ بما كانتْ رأتْ حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسمِّيه. فأخذه عبدُ المطلب، فأدخله على هُبَل في جوف الكعبة، فقام عبد المطلب يدعو ويشكر الله ويقول: [من الرجز] الحمدُ للهِ الذي أعطاني هذا الغلامَ الطيِّبَ الأرْدان (١) قد سادَ في المَهْدِ على الغِلْمانِ أُعِيذُه بالبيتِ ذي الأرْكانِ حتى يكونَ بُلغةَ الفِتْيَانِ حتى أراه بالغَ البُنْيانِ أعيذُهُ من كلِّ ذي شَنَآنِ من حاسدٍ مضطَرِبِ العِنان ذي هِمَّةٍ ليس له عَيْنانِ حتى أراه رافعَ اللسان (٢) أنتَ الذي سُمِّيتَ في القرآن في كُتُبٍ ثابتة المَباني (٣) أحمدُ مكتوبٌ على اللسان وقال البيهقي (٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أنبانا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الدَّارَابْجِردي (٥) -بمرو- حدّثنا أبو عبد الله البوشَنْجي، حدّثنا أبو أيوب سليمان بن سلمة الخبائري، حدّثنا يونس بن عطاء بن عثمان بن ربيعة بن زياد بن حارث الصُّدَّائي -بمصر- حدّثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: وُلِدَ رسولُ الله ﷺ مَخْتُونًا مَسْرُورًا، قال فأعجب ذلك جدَّه عبد المطلب وحظِيَ عنده وقال: ليكوننَّ لابني هذا شأن. فكان له شأن (٦).

стр. 1014

وهذا الحديث في صِحَّتِه نظر، وقد رواه الحافظ ابن عساكر (١) من حديث سفيان بن محمد المصِّيصي، عن هشيم، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ كرامتي على الله أني وُلدْتُ مَخْتُونًا ولم ير سوأتي أحد". ثمَّ أورده (٢) من طريق الحسن بن عرفة عن هشيم به. ثم أورده (٣) من طريق محمد بن محمد بن سليمان -هو الباغَنْدِي- حدّثنا عبد الرحمن بن أيوب الحمصي، حدّثنا موسى بن أبي موسى المقدسي، حدّثني خالد بن سلمة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ولد رسول الله ﷺ مسرورًا مختونًا. وقال أبو نعيم (٤): حدّثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي، حدّثنا الحسين بن أحمد بن عبد الله المالكي، حدّثنا سليمان بن سلمة الخَبَائري، حدّثنا يونس بن عطاء، حدّثنا الحكم بن أبان، حدّثنا عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه العباس قال: وُلد رسولُ الله ﷺ مختونًا مسرورًا، فأَعجبَ ذلك جدَّهُ عبد المطلب وحَظِيَ عنده، وقال: ليكونَنَّ لابني هذا شأن. فكان له شأن. وقد ادَّعى بعضُهم صِحَّتَه لما ورد له من الطرق، حتى زعم بعضُهم أنه متواتر، وفي هذا كُلِّهِ نظر. ومعنى مختونًا: أي مقطوع الخِتان: ومسرورًا: أي مقطوع السُّرَّةِ من بَطْنِ أُمِّه. وقد روى الحافظُ ابن عساكر (٥) من طريق عبد الرحمن بن عُيينة البصري، حدّثنا عليُّ بن محمد المدائني السلمي، حدّثنا سلمة بن محارب بن مسلم بن زياد عن أبيه، عن أبي بكرة، أنَّ جبريل خَتَنَ النبي ﷺ حين طَهَّر قَلْبَه. وهذا غريبٌ جدًا. وقد رُوي أنَّ جدَّهُ عبد المطلب خَتَنهُ وعمِلَ له دَعْوَةً جمع قريشًا عليها، والله أعلم. وقال البيهقي (٦): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأني أحمد (٧) بن كامل القاضي -شفاهًا- أنَّ محمد بن إسماعيل حدَّثَه -يعني السلمي (٨) - حدّثنا أبو صالح [عبدُ الله بن صالح قال:] (٩) حدّثني معاوية بن صالح

стр. 1015

عن أبي الحكم التَّنوخي. قال: كان المولُود إذا وُلد في قريش دفعوه إلى نسوةٍ من قريش إلى الصبح يَكْفَأْنَ عليه بُرْمَةَ (١)، فلما ولد رسولُ الله ﷺ دفعه عبد المطلب إلى نسوةٍ فكفأنَ عليه بُرْمَةً، فلما أصبحن أَتَيْنَ فوجدنَ البُرْمَةَ قد انفلقت عنه باثنتين، ووجدْنَهُ مفتوحَ العينين، شاخصًا ببصره إلى السماء، فأتاهُنَّ عبدُ المطلب، فقلْنَ له: ما رأينا مولودًا (٢) مثله، وجدناهُ قد انفلقتْ عنه البُرْمة، ووجدناهُ مفتوح العينين (٣)، شاخصًا ببصره إلى السماء. فقال: احْفَظْنَهُ فإنِّي أرجو أن يكون له شأن، أو أن يُصيبَ خيرًا. فلما كان اليومُ السابع ذبح عنه ودعا له قريشًا، فلما أكلوا قالوا: يا عبدَ المطلب، أرأيتَ ابنَكَ هذا الذي أكرمتنا على وجهه ما سمَّيْتَه؟ قال سمَّيْتُه محمدًا. قالوا: أفرَغِبْتَ به عن أسماء أهل بيته؟ قال: أردتُ أنْ يَحْمَدَهُ اللهُ في السماء وخَلْقُه في الأرض. قال أهلُ اللغة: كُلُّ جامعٍ لصفاتِ الخير يُسَمَّى محمدًا، كما قال بعضُهم: [من الطويل] إليك -أبيتَ اللعنَ- أعملْتُ ناقتي … إلى الماجدِ القَرْمِ الكريمِ المحمَّدِ (٤) وقال بعض العلماء: ألهمهم الله أنْ سمَّوه محمدًا لما فيه من الصفات الحميدة، ليلتقيَ الاسمُ والفعل، ويتطابق الاسمُ والمسمَّى في الصورة والمعنى، كما قال عمُّهُ أبو طالب، ويروى لحسَّان (٥). وشقَّ له من اسمِهِ ليُجِلَّهُ … فذو العَرْشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ وسنذكرُ أسماءَهُ ﵊ وشمائلَهُ -وهي صفاتهُ الظاهرة وأخلاقُه الطاهرة- ودلائل نبوَّتِهِ وفضائلَ منزلَتِهِ في آخر السيرة إنْ شاء الله. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٦): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدّثنا أحمد بن شيبان الرَّمْلي، حدّثنا أحمد بن إبراهيم الحَلَبي (٧)، حدّثنا الهيثم بن جميل، حدّثنا زهير، عن محارب بن دثار، عن عمرو بن يثربي، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، دعاني إلى الدخول فىِ دِينك أمارةٌ لنبوَّتك، رأيتُكَ في المَهْد تُنَاغي القمرَ وتشيرُ إليه بإصْبَعِك، فحيثُ أشرتَ إليه مال. قال: "إنِّي كنتُ أُحَدِّثه، ويحدِّثُني، ويُلْهيني عن البكاء، وأسمعُ

стр. 1016

وَجْبَتَه (١) حين يسجدُ تحت العرش". ثم قال: تفرَّد به الحَبَلي (٢) وهو مجهول (٣). فصل: فيما وقع من الآيات ليلة مولده ﵊ قد ذكرنا في باب هواتف الجانّ ما تقدَّم (٤) من خُرورِ كثيرٍ من الأصنام ليلتئذٍ لوجوهها وسقوطها عن أماكنها، وما رآه النجاشيُّ ملكُ الحبشة، وظهور النور معه حتى أضاءت له قصورُ الشام حين ولد، وما كان من سقوطِهِ جاثيًا رافعًا رأسه إلى السماء، وانفلاقُ تلك البُرْمَة عن وجهه الكريم، وما شوهد من النور في المنزل الذي ولد فيه، ودنوّ النجوم منهم وغير ذلك. حكى السهيلي (٥) عن تفسير بَقِيِّ بن مَخْلَد الحافظ، أنَّ إبليسَ رَنَّ أربعَ رنَّات (٦): حين لُعِن؛ وحين أُهبط؛ وحين وُلد رسولُ الله ﷺ ؛ وحين أُنزلت الفاتحة. قال محمد بن إسحاق (٧): وكان هشام بن عروة يحدِّث عن أبيه، عن عائشة قالت: كان يهوديٌّ قد سكن مكة يتَّجِر بها، فلما كانت الليلةُ التي وُلد فيها رسولُ الله ﷺ قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل وُلد فيكم الليلةَ مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلمه. فقال: الله أكبر، أما إذا (٨) أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقولُ لكم: وُلد هذه الليلة نبيُّ هذه الأمَّةِ الأخيرة، بين كتفيه علامةٌ فيها شعراتٌ متواتراتٌ كأنهنَّ عُرْفُ فرس، لا يرضعُ ليلتين، وذلك أنَّ عِفْريتًا من الجنِّ أدخل أُصبعه في فمه، فمنعه الرضاع. فتصدَّع القومُ من مجلسهم وهم يتعجَّبون من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كلُّ إنسانٍ منهم أهله، فقالوا: قد والله وُلد لعبد الله بن عبد المطلب غلامٌ سمَّوهُ محمدًا، فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديثَ اليهودي؟ وهل بلغكم مَوْلِدُ هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاؤوا اليهوديَّ فأخبروه الخبر؛

стр. 1017

قال: فاذهبوا معي حتى أنظر إليه. فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة، فقالوا (١): أخرجي إلينا ابْنَكِ، فأخرجَتْه، وكشفوا له عنِ ظهره، فرأى تلك الشامة، فوقع اليهوديُّ مَغْشيًا عليه؛ فلما أفاق قالوا له: مالك ويلك؟ قال: قد ذَهبَتْ والله النبوَّةُ من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش؟ والله ليَسْطُوَنَّ بكم سَطْوَةً يخرج خبرُها من المشرق والمغرب (٢). وقال محمد بن إسحاق (٣): حدّثني صالح بن إبراهيم عن يحيى بن [عبد الله بن] عبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة قال: حدّثني منْ شئتَ من رجالِ قومي ممَّنْ لا أتَّهِم عن حسَّان بن ثابت قال: إنِّي لغلامٌ يَفَعَةٌ ابن سبعِ سنين أو ثمانِ سنين، أعقِلُ ما رأيتُ وسمعت، إذا بيهوديٍّ في يثرب يَصْرُخ ذاتَ غداة: يا معشر يهودَ؛ فاجتمعوا إليه -وأنا أسمع- فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قد طلع نجمُ أحمد الذي يولد به في هذه الليلة. وروى الحافظُ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة" (٤) من حديث أبي بكر بن عبد الله العامري، عن سليمان بن سُحيم ورُبَيْح (٥) بن عبد الرحمن كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد [الخُدْري] عن أبيه قال: سمعت أبي مالك بن سنان يقول: جئتُ بني عبد الأشهل يومًا لأتحدَّث فيهم، ونحن يومئذٍ في هُدْنةٍ من الحرب، فسمعت يوشع اليهوديَّ يقول: أظلَّ خروجُ نبيٍّ يقالُ له: أحمد، يخرجُ من الحرم. فقال له خليفةُ بن ثعلبةَ الأشهلي كالمستهزئ به: ما صفته؟ فقال: رجلٌ ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يلبس الشَّمْلَة، ويركب الحمار، سيفُه على عاتقه، وهذا البلد مُهاجَرُه. قال: فرجعت إلى قومي بني خُدْرَة، وأنا يومئذ أتعجَّبُ مما يقول يوشع، فأسمع رجلًا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده؟! كلُّ يهودِ يثربَ يقولون هذا. قال أبي مالكُ بن سنان: فخرجتُ حتى جئتُ بني قُرَيظة، فأجد جمعًا، فتذاكروا النبيَّ ﷺ فقال الزبير بن باطا: [قد] طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبيٍّ أو ظهوره، ولم يبق [أحد] إلا أحمد وهذا مُهاجَرُه. قال أبو سعيد: فلما قدم النبيُّ ﷺ [المدينة] أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "لو أسلم الزبير وذووه (٦) من رؤساء اليهود، إنما هم له تبع".

стр. 1018

وقال أبو نعيم (١): حدّثنا عمر بن محمد، حدّثنا إبراهيم بن السِّنْدي، حدّثنا النَّضْرُ بن سلمة، حدثنا إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت، عن أُمِّ سعد بنت سعد بن الربيع سمعت زيد بن ثابت يقول: كان أحبار يهود بني قُرَيظة والنَّضِير يذكرون صفةَ النبيِّ ﷺ ، فلما طلع الكوكبُ الأحمر أخبروا أنه نبيّ، وأنَّهُ لا نبيَّ بعدَه، واسمه أحمد، ومُهاجره إلى يثرب، فلما قدم رسولُ الله ﷺ المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا. وقد أورد هذه القصة الحافظ أبو نعيم في كتابه (٢) من طرق أُخرى ولله الحمد. وقال أبو نعيم (٣): حدّثنا أبو محمد بن حبان، حدّثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدّثنا وهْبُ بن مُنَبِّه، حدّثنا خالد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد قال: قال زيد بن عمرو بن نُفيل: قال المُوبَذَان -حَبْرٌ من أحبار الشام-: قد خرج في بلدك نبيّ -أو هو خارج- قد خرج نجمُه، فارجِعْ فصدِّقْهُ واتَّبِعْه. ذكر ارتجاج الإيوان (٤) وسقوطِ الشُرُفات وخمودِ النيران ورؤيا المُوبَذَان وغير ذلك من الدَّلالات قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه "هواتف الجِنَّان" (٥): حدّثنا عليُّ بن حرب، حدّثنا أبو أيوب يعلى بن عمران -من آل جرير بن عبد الله البجَلي- حدّثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه -وأتت عليه خمسون ومئة سنة- قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس (٦) إيوانُ كسرى وسقطَتْ منه أربعَ عشرةَ شُرْفَة، وخمدَت نار فارس، ولم تخمُدْ قبل ذلك بألفِ عام، وغاضَتْ بُحيرة ساوَة (٧)، ورأى المُوبَذَان (٨) إبلًا صِعَابًا تقودُ خيلًا عِرابًا قد قطعتْ دِجْلة

стр. 1019

وانتشرت في بلادها. فلما أصبح كِسْرى أفزعَهُ ذلك، فتصبَّر عليه تشجُّعًا، ثم رأى أنه لا يدَّخِرُ ذلك عن مرازبته؛ فجمعهم ولَبِس تاجَهُ وجلس على سريره، ثم بعث إليهم؛ فلمَّا اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيما (١) بعثتُ إليكم؟ قالوا: لا، إلا أن يُخبِرَنا الملك. فبينما هم كذلك إذْ ورد عليهم كتابٌ بخُمودِ النيران، فازداد غمًّا إلى غمِّه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله، فقال المُوبَذَان: وأنا -أصلح الله الملك- قد رأيتُ في هذه الليلة رؤيا. ثم قصَّ عليه رؤياه في الإبل، فقال: أيُّ شيءٍ يكونُ هذا يا مُوبَذان؟ قال: حَدثٌ يكون في ناحية العرب -وكان أعلمَهم في أنفسهم- فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر؛ أمَّا بعد، فوجِّه إليَّ برجلٍ عالمٍ بما أريدُ أنْ أسألَه عنه. فوجَّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حَيَّان بن بُقَيْلة (٢) الغسَّاني؛ فلما ورد عليه قال له: ألك علمٌ بما أريد أن أسألك عنه؟ فقال: لتخبرني، أو ليسألني الملكُ عمَّا أحب، فإنْ كان عندي منه علم، وإلا أخبرتُه بمن يعلمه. فأخبره بالذي وجَّه به إليه فيه؛ قال: علم ذلك عند خالٍ لي يسكنُ مشارفَ الشام يقال له: سَطِيح، قال: فأتِهِ فاسألْهُ عما سألتُكَ عنه، ثم أنبِئْني بتفسيره. فخرج عبدُ المسيح، حتى انتهى إلى سَطِيح، وقد أشفى على الضَّريح، فسلَّم عليه وكلَّمه، فلم يردَّ إليه سَطِيحٌ جوابًا، فأنشأ يقول: [من الرجز] أصَمُّ أم يسمعُ غِطْريفُ اليمن (٣) أمْ فازَ فازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَنَنْ (٤) يا فاصِلَ الخُطَّةِ أعيَتْ مَنْ ومَنْ (٥) أتاكَ شيخُ الحيِّ من آلِ سَننْ وأُمُّهُ من آلِ ذِئبِ بْنِ حَجَنْ أزرَقُ مَهْمُ النابِ صرَّارُ الأذُن (٦)

стр. 1020

أبيضُ فَضْفَاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ رسولُ قَيْلِ العُجْمِ يَسْرِي للوَسَنْ (١) تَجُوبُ بي الأرضَ عَلَنْدَاةٌ شَجَنْ (٢) لا يَرهَبُ الرَّعْدَ ولا ريْبَ الزَّمَنْ ترفَعُ بي وَجْنًا وتَهْوي بي وَجَنْ (٣) حتى أتى عاري الجآجِي والقَطَنْ (٤) تَلُفُّهُ في الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ (٥) كأنما حُثْحثَ من حِضْنَيْ ثَكَنْ (٦) قال: فلما سمع سَطيح شعره رفع رأسه يقول: عبدُ المسيح، على جملٍ مُشيح، أتى (٧) سطيح، وقد أوفى على الضَّريح، بعثك ملكُ بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخُمود النيران، ورؤيا المُوبَذَان، رأى إبلًا صعابًا، تقودُ خيلًا عِرابًا، قد قطعَتْ دجلةَ، وانتشرت في بلادها، يا عبدَ المسيح، إذا كثرتِ التِّلاوة، وظهر صاحب الهِرَاوة، وفاض وادي السماوة، وغاضَتْ بُحيرة ساوَهْ، وخمدَتْ نار فارس، فليس الشام لسَطيح شامًا، يملكُ منهم ملوكٌ ومَلِكات، على عدد الشُّرُفات، وكلُّ ما هو آتٍ آت. ثم قضى سَطِيحٌ مكانَه، فنهض عبدُ المسيح إلى راحلته وهو يقول: [من البسيط]
следующие страницы →