← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ثم روى (١) من طريق عبد الملك بن هارون بن عَنْتَرة (٢)، عن أبيه، عن جدِّه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: كانت اليهود بخيبر تقاتل غطَفَان، فكلَّما التقَوْا هُزمت يهود خَيْبر، فعاذتِ اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهم إنّا نسألك بحقِّ محمدٍ النبيِّ الأمي (٣)، الذي وعدتنا أن تخرجَهُ لنا في آخر الزمان إلَّا نصرتنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقَوْا دعَوْا بهذا الدعاء فهزموا غطَفَان، فلمَّا بُعث النبيُّ ﷺ كفروا به، فأنزل اللهُ : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [البقرة: ٨٩] (٤). وروى عطيَّةُ عن ابن عباس نحوه (٥). وروى عن عكرمة من قوله نحو ذلك أيضًا. وقال ابن إسحاق (٦): وحدّثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لَبيد (٧)، عن سَلَمة بن سَلامة بن وَقْش (٨) -وكان من أهل بَدْر- قال: كان لنا جارٌ من يهود في بني عبد الأشْهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته حتى وقف على بني عبد الأشْهَل -قال سَلَمة: وأنا يومئذٍ أحدثُ مَنْ فيه سِنًّا، على فروةٍ لي، مضطجع فيها بفناء أهلي- فذكر القيامةَ والبَعْثَ والحساب والميزان والجنَّة والنار، قال: فقال ذلك لقومٍ أهلِ شِرْك، أصحابِ أوثان، لا يَرَوْنَ أنَّ بَعْثًا كائنٌ بعد الموت؛ فقالوا له: ويحك يا فلانٍ، أو ترى هذا كائنًا أنَّ الناس يُبعثون بعدَ موتهم إلى دارٍ فيها جنَّةٌ ونار، يُجزَوْن فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يُحلف به، ويودُّ أنَّ له بحظِّهِ من تلك النار أعظمَ تَنُّور في الدار يحمونه ثم يُدخلونه إياه، فيُطبقونه عليه، وأنْ ينجُو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك يا فلان! فما آيةُ ذلك؟ قال: نبيٌّ مبعوثٌ من نحو هذه البلاد -وأشار بيدهِ إلى نحو مكةَ واليمن- قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال: إنْ يستنفِدْ هذا الغلام عمُرَه يدركْه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللهُ رسولَهُ وهو حيُّ بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بَغْيًا وحسَدًا؛ قال: فقلنا له: ويحك يا فلان؟ ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكن ليس به.

стр. 1087

رواه أحمد (١) عن يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق (٢). ورواه البيهقي (٣) عن الحاكم بإسناده، من طريق يونس بن بُكير. وروى أبو نعيم في "الدلائل" (٤) عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، عن سلمة (٥) قال: لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهوديٌّ واحد يقال له: يوشع، فسمعتُه يقول - وإني لغلام في إزار: قد أظلَّكم خروجُ نبيٍّ يُبعث من نحو هذا البيت -ثم أشار بيده إلى بيت الله- فمَنْ أدركه فلْيصدِّقْه. فبُعث رسولُ الله ﷺ فأسلمنا، وهو بين أظهرنا، لم يُسلم حسدًا وبغيًا. وقد قدَّمنا حديثَ أبي سعيد عن أبيه في أخبار يوشع هذا عن خروج رسولِ الله ﷺ وصفته ونعْته وإخبار الزُّبير بن باطا عن ظهور كوكب مولدِ رسولِ الله ﷺ (٦). قال ابن إسحاق (٧): حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قُرَيظة قال: قال لي: هل تدري عمَّ كان إسلام ثَعلبة بن سَعْيَة، وأَسِيدِ بن سَعْية، وأَسدِ بن عُبيد - نفرٍ من بني هَدْل، إخوةِ بني قُرَيظة كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادَتهُم في الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنَّ رجلًا من اليهود من أرض الشام، يقال له: ابن الهَيَّبان، قدم علينا قبل الإسلام بسنين، فحلَّ بين أظْهُرِنا، لا والله ما رأينا رجلًا قط، لا يصلِّي الخَمْس أفضلَ منه؛ فأقام عندنا، فكنا إذا قَحَط عنا المطرُ قلنا له: اخرجْ يا ابنَ الهَيَّبان فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدِّموا بين يدي مَخْرَجكم صدقة. فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مُدَّين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرجُ بنا إلى ظاهر حرثنا (٨) فيستسقي لنا، فوالله ما يبرحُ مجلسَه حتى يمر السحاب ونُسقَى؛ قد فعل ذلك غيرَ مرَّة ولا مرتين ولا ثلاث. قال:

стр. 1088

ثم حضرَتْه الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يَهُود، ما ترَوْنه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدِمتُ هذه البلدة أتوكف (١) خروجَ نبيٍّ أظلَّ زمانه، هذه البلدة مُهَاجَرُه، فكنتُ أرجو أن يُبعث فأتبعه، وقد أظلَّكم زمانُه، فلا تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يُبعث بسفك الدماء، وسَبْي الذَّرَاري ممَّن (٢) خالفه، فلا يَمْنَعنَّكم ذلك منه، فلما بُعث رسولُ الله ﷺ وحاصر بني قُريظة قال هؤلاء الفتية -وكانوا شبابًا أحداثًا-: يا بني قُرَيظة، والله إنه للنَّبيُّ الذي عهِد إليكم فيه ابنُ الهَيَّبان. قالوا: ليس به؛ قالوا: بلى والله إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءَهم وأموالَهم وأهليهم. قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أحبار (٣) يهود. قلت: وقد قدَّمْنا في قدوم تُبَّع اليماني (٤)، وهو أبو كَرِب تُبَّان أسعد إلى المدينة، ومُحاصرته إيَّاها، وأنه خرج إليه ذانك الحَبْرَان من اليهود فقالا له: إنه لا سبيل لك عليها، إنها مهاجَرُ نبيٍّ يكونُ في آخرِ الزمان؛ فثَنَاهُ ذلك عنها. وقد روى أبو نُعيم في الدلائل (٥)، من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سَلام عن أبيه عن جدِّه. قال: قال عبد الله بن سلام: إن الله [ ] لما أراد هُدى زيدِ بن سَعْنَة (٦) قال زيد: لم يبق من علاماتِ النبوَّة شيء إلا وقد عرفتُها في وجْه محمدٍ ﷺ حين نظرتُ إليه إلا اثنتين لم أخبُرْهما منه: يسبقُ حِلْمُه جهلَه، ولا يزيدُه شدَّة الجهلِ عليه إلا حِلْمًا. قال: فكنتُ أتلطَّف له لأنْ أُخالطه فأعرفَ حِلمه وجهله. فذكر قصة إسلافِهِ للنبيِّ ﷺ مالًا في ثمرة، قال: فلما حلَّ الأجل (٧) أتيتُه فأخذتُ بمجامع قميصه وردائه -وهو في جنازة مع أصحابه- ونظرتُ إليه بوجه غليظ، وقلت: يا محمد، ألا تقضيني حقي؟ فوالله ما علمتُكم بني عبد المطلب [إلَّا] لمُطُل (٨)، قال: فنظر إليَّ عمر وعيناه تدورانِ في وجهه كالفلك

стр. 1089

المستدير، ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسولِ الله ﷺ ما أسمع؟! وتفعل ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لَوْمه (١) لضربتُ بسيفي رأسك. ورسولُ الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكونٍ وتُؤَدَةٍ وتبسُّم، ثم قال: "أنا وهو كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عمر: أن تأمرني بحُسْن الأداء، وتأمرَهُ بحُسْنِ التِّبَاعة، اذهبْ به يا عمر فاقْضِهِ حقه. وزد عشرين صاعًا من تمر" (٢). فأسلم زيد بن سَعْنة ﵁، وشهد بقيةَ المشاهد مع رسولِ الله ﷺ وتوفي عام تبوك، ﵀. ثم ذكر محمد بن إسحاق ﵀ إسلامَ سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه فقال (٣): حدّثني عاصم بن عمر بن قتادةَ الأنصاريّ، عن محمود بن لَبيد، عن عبد الله بن عباس قال: حدّثني سلمان الفارسي من فيه قال: كنتُ رجلًا فارسيًا من أهل أصْبهان، من أهلِ قريةٍ يُقال لها: جَيّ (٤)، وكان أبي دِهقَان (٥) قريتهِ، وكنتُ أحَبَّ خلقِ الله إليه، فلم يزل به حبُّه إيَّاي حتى حبسني في بيته كما تُحبس الجارية؛ واجتهدتُ في المجوسية، حتى كنتُ قَطِن (٦) النارِ التي يوقدها، لا يتركها تَخبو ساعةً (٧). قال: وكانتْ لأبي ضيعةٌ عظيمة، قال: فشُغل في بُنْيان له يومًا، فقال لي: يا بني، إني قد شُغلت في بُنياني هذا اليومَ عن ضَيعتي، فاذهبْ إليها فاطَّلعها، وأمرني فيها ببعض ما يُريد، ثم قال لي ولا تحتبس عني، فإنك إن احْتبستَ عني كنتَ أهمَّ إليَّ من ضَيعتي، وشغَلْتَني عن كلِّ شيءٍ من أمري. قال: فخرجتُ أريد ضيعتَه التي بعثني إليها، فمررتُ بكنيسةٍ من كنائس النصارى، فسمعتُ أصواتَهم فيها وهم يُصَلُّون، وكنتُ لا أدري ما أمْرُ الناس لحَبْسِ أبي إياي في بيته، فلما سمعتُ أصواتهم دخلتُ عليهم أنظرُ ما يصنعون، فلما رأيتُهم أعجبَتْني صلاتُهم ورغبتُ في أمرهم وقلت: هذا والله خيرٌ من الدِّين الذي نحن عليه، فوالله ما بَرِحْتُهم حتى غَرَبتِ الشمس، وتركتُ ضيعةَ أبي فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فرجعتُ إلى أبي وقد بعث في طلبي، وشغلتُهُ عن أمره كله، فلما جئتُ قال: أيْ بُني، أين كنت؟ ألم أكنْ أعهدُ إليكَ ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبة، مررتُ بأناسٍ يصلُّون في كنيسةٍ لهم، فأعجبني ما رأيتُ من دينهم، فوالله ما زلتُ عندهم حتى غرَبَتِ الشمس. قال: أيْ بُني، ليس في ذلك الدين خير، دينُكَ ودينُ آبائك خيرٌ منه.

стр. 1090

قال: قلت: كلا والله، إنه لخيرٌ من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رِجْلي قيدًا، ثم حبسني في بيته. قال: وبعثتُ إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركْبٌ من الشام فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركبٌ من الشام، فجاؤوني النصارى (١) فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضَوْا حوائجَهم وأرادوا الرَّجْعَة إلى بلادهم فآذِنوني قال: فلما أرادوا الرجعةَ إلى بلادهم أخبروني بهم؛ فألقَيْتُ الحديدَ من رجلي ثم خرجتُ معهم حتى قدمتُ الشام، فلما قدمتُها قلت: مَنْ أفضلُ أهلِ هذا الدِّين عِلْمًا؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكنيسة. قال: فجئتُه فقلتُ له: إني قد رغبتُ في هذا الدِّين، وأحببتُ أن أكونَ معك وأخدُمكَ في كنيستك، وأتعلَّم منك، فأصلِّي معك. قال: ادخُلْ. فدخلتُ معه، فكان رَجُلَ سَوْء، يأمرُهم بالصدقة ويرغِّبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئًا كنزَهُ لنفسه، ولم يُعطِهِ المساكين، حتى جمع سبع قِلالَ من ذهبٍ ووَرِق. قال: وأبغضتهُ بُغْضًا شديدًا لِمَا رأيته يصنع، ثم مات، واجتمعت له النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إنَّ هذا كان رجُلَ سوء، يأمرُكم بالصدقة ويرغِّبكم فيها، فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه، ولم يُعْطِ المساكين منها شيئًا. قال: فقالوا لي: وما عِلْمك بذلك. قال: فقلتُ لهم: أنا أدلُّكم على كَنْزه. قالوا: فدُلَّنا. قال: فأريتُهم موضِعَه، فاستخرجوا سبع قِلال مملوءةً ذهبًا ووَرِقًا، فلما رأوها قالوا: لا ندفنُه أبدًا. قال: فصلبوه ورجموه بالحجارة، وجاؤوا برجلٍ آخر فجعلوه موضعه. قال سلمان: فما رأيتُ رجلًا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا. قال: فأحببتُه حُبًّا لم أُحِبَّ شيئًا قبلَه مثلَه. قال: فأقمتُ معه زمانا، ثم حضرَتْهُ الوفاةُ فقلتُ له: إني قد كنتُ معك وأحببتُكَ حبًّا لم أُحِبَّهُ شيئًا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمْرِ الله تعالى، فإلى من تُوصي بي؟ وبمَ تأمُرني به؟ قال: أيْ بُني، والله ما أعلم اليوم أحدًا على ما كنتُ عليه. لقد هلك الناس وبدَّلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالمَوْصل، وهو فلان، وهو على ما كنتُ عليه، فالحَقْ به. قال: فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحبِ المَوْصل (٢)، فقلت: يا فلان، إنَّ فلانًا أوصاني عند موته أنْ ألحقَ بك، وأخبرني أنك على أمره. فقال لي: أقِمْ عندي. فأقمتُ عنده فوجدتُه خيرَ رجلٍ على أمْر صاحبه، فلم يلبثْ أن مات؛ فلما حضرَتْهُ الوفاةُ قلت له: يا فلان، إنَّ فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من تُوصي بي؟ وبما (٣) تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنَّا عليه إلا رجلًا بنَصيبين (٤) وهو فلان، فالحق به؟

стр. 1091

فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب نَصيبين، فأخبرتُه خبري وما أمرني به صاحبي (١). فقال: أقم عندي، فأقمتُ عنده، فوجدتُه على أمر صاحبيه، فأقمتُ مع خيرِ رجل، فوالله ما لَبِث أن نزل به الموت، فلما حُضر قلت له: يا فلان، إنَّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان (٢) إليك، فإلى من تُوصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: يا بني، والله ما أعلمهُ بَقِيَ أحدٌ على أمرنا آمرُكَ أنْ تأتيَهُ إلا رجلٌ بعَمُّورِيَّة (٣) من أرض الرُّوم، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإنْ أحببتَ فأْته فإنَّه على أمرنا. فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب عَمُّورية فأخبرتُه خبَري، فقال: أقمْ عندي. فأقمتُ عند خيرِ رجل، على هَدْي أصحابه وأمرهم. قال: واكتسبتُ حتى كانتْ لي بقرات وغُنيمة. قال: ثم نزل به أمْرُ الله، فلما حُضر قلت له: يا فلان، إني كنتُ مع فلان فأوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلانٌ إلى فلان ثم أوصى بي فلانٌ (٤) إليك، فإلى مَنْ تُوصي بي أنت؟ وبم تأمرني؟ قال: أيْ بُني، والله ما أعلمُه أصبح أحدٌ على مثل ما كنَّا عليه من الناس آمرك أنْ تأتيَه، ولكنه قد أظلَّ زمانُ نبي مبعوثٍ بدينِ إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجَرُه إلى أرض بين حرَّتين، بينهما نَخْل، به علاماتٌ لا تخفى، يأكلُ الهديَّة، ولا يأكلُ الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوَّة؛ فإنِ استطعتَ أن تلحقَ بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغُيِّب، ومكثتُ بعمُّورية ما شاء الله أنْ أمكث، ثم مرَّ بي نَفَرٌ من كلبٍ، تجَّارٌ، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغُنيمتي هذه، قالوا: نعم. فأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا واديَ القُرَى ظلموني، فباعوني من رجلٍ يهودي عبدًا، فكنتُ عنده، ورأيتُ النخلَ فرجوتُ أن يكون البلدَ الذي وصف لي صاحبي، ولم يَحِقَّ في نفسي؛ فبينا أنا عنده إذْ قَدِم عليه ابنُ عمٍّ له، من بني قُرَيظة من المدينة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتُها بصفة صاحبي لها، فأقمتُ بها، وبُعث رسولُ الله ﷺ فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر، ممَّا أنا فيه من شغل الرِّقّ؛ ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأسِ عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعضَ العمل. وسيدي جالس تحتي، إذ أقبل ابنُ عمٍّ له حتى وقف عليه فقال: يا فلان، قاتل الله بني قَيْلَة، والله إنهم لمجتمعون الآن بقُبَاء (٥) على رجلٍ قدم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبيّ. قال سلمان: فلما

стр. 1092

سمعتُها أخذتْني العُرَواءُ (١) حتى ظننتُ أني ساقط على سَيِّدي، فنزلتُ عن النخلة، فجعلتُ أقول لابن عمه: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيِّدي فلكمني لكمةً شديدةً، ثم قال: مالك ولهذا؟! أقبلْ على عملك. قال: فقلت: لا شيء، إنما أردتُ أن أستبينَهُ (٢) عمَّا قال. قال: وقد كان عندي شيءٌ قد جمعتُه، فلما أمسيتُ أخذتُه، ثم ذهبتُ به إلى رسولِ الله ﷺ وهو بقُبَاء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح، ومعك أصحابٌ لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيءٌ كان عندي للصدَقة، فرأيتكم أحقَّ به من غيركم. قال: فقرَّبتُه إليه فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كُلوا" وأمسكَ يدَهُ فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة؛ ثم انصرفتُ عنه فجمعتُ شيئًا، وتحوَّل رسولُ الله ﷺ إلى المدينة؛ ثم جئته [به] (٣) فقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هديَّة أكرمتُكَ بها. قال: فأكل رسولُ الله ﷺ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلتُ في نفسي: هاتان ثنتان. قال: ثم جئتُ رسولَ الله ﷺ وهو ببقيع الغَرْقد، قد تبع جنازةَ رجلٍ من أصحابه (٤) وعليَّ شملتان لي، وهو جالس في أصحابه، فسلمتُ عليه. ثم استدبرتُه أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسولُ الله ﷺ استدبرته عَرَف أني أستثبت في شيءٍ وُصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتم فعرفتُه، فأكْبَبْتُ عليه أقبِّلُه وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحوَّل" فتحولتُ بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدَّثتك يا ابن عباس. فأُعجب رسولُ الله ﷺ أن يسمع ذاك أصحابه. ثم شَغَلَ سلمانَ الرِّقُّ حتى فاته مع رسولِ الله ﷺ بَدْرٌ وأُحُد. قال سلمان: ثم قال لي رسولُ الله ﷺ : "كاتِبْ يا سلمان" فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائة نخلة أُحْيِيها له بالفَقِير (٥)، وأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعينوا أخاكم". فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين وَدِيَّة (٦)، والرجل بعشرين ودِيَّة، والرجل بخمس عشرة ودِيَّة، والرجل بعشرة (٧). يُعين الرجلُ بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة وَدِيَّة؛ فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهبْ يا سلمانُ ففقِّرْ

стр. 1093

لها، فإذا فرغْتَ فأتِني أكُنْ أنا أضَعُها بيدي". قال: ففقَّرْتُ، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغتُ جئتهُ فأخبرته، فخرج رسولُ الله ﷺ معي إليها. فجعلنا نقرِّبُ إليه الوَدِيَّ ويضَعُه رسولُ الله ﷺ بيده، حتى إذا فرَغْنا -فوالذي نفسُ سلْمان بيده ما ماتت ودية واحدة- فأدَّيت النخل وبقي عليَّ المال. فأُتي النبيُّ ﷺ بمثل بَيْضة الدجاجة من ذهب، من بعض المعادن، فقال: "ما فعل الفارسيُّ المكاتَب"؟ قال: فدُعيت له، قال: "خذْ هذه فأدِّها ممَّا عليك يا سلْمان" قال: قلت: وأين تقعُ هذه مما عليَّ يا رسول؟ قال: "خُذْها فإنَّ الله سيؤدِّي بها عنك" قال: فأخذتُها فوزنتُ لهم منها -والذي نفسُ سلمانَ بيده- أربعين أُوقيَّة، فأوفيتهم حقَّهم [منها] (١) وعَتَقَ سلْمان. فشهدتُ مع رسول الله ﷺ الخندق حُرًّا، ثم لم يفُتْني معه مشهد. قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن رجلٍ من عبد القيس، عن سلمان أنه (٣) قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذي عليَّ يا رسول الله؟ أخذها رسول الله ﷺ : فقلَّبها على لسانه، ثم قال: "خُذْها فأوفِهم منها" فأخذتُها فأوفيتهم منها حقَّهم كلَّه، أربعين أوقية. وقال محمد بن إسحاق (٤): حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، حدّثني مَنْ لا أتَّهم، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال: حُدِّثت عن سلمان أنه قال لرسول الله ﷺ حين أخبره خَبَره: أن صاحب عَمُّورية قال له: ائتِ كذا وكذا من أرض الشام، فإنَّ بها رجلًا بين غَيْضتَيْن يخرج كلَّ سنةٍ من هذه الغيضة مستجيزًا يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحدٍ منهم إلا شُفي فاسألْهُ عن هذا الدِّين الذي تبتغي فهو يُخبرك عنه. قال سلمان: فخرجتُ حتى جئتُ حيثُ وصف لي، فوجدتُ الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك، حتى خرج (٥) لهم تلك الليلةَ مستجيزًا من إحدى الغيضتَيْن إلى الأخرى، فغشيه الناسُ بمَرْضاهم، لا يدعو لمريضٍ إلا شُفي، وغلبوني عليه، فلم أخلُصْ إليه حتى دخل الغيضةَ التي يريدُ أن يدخل إلا مَنْكِبَه؛ قال: فتناولتُه فقال: من هذا؟ والتفت إليّ قال: قلت: يرحمك الله، أخبرني عن الحنيفيَّة دين إبراهيم. قال: إنك لتسألُ عن شيء ما يسأل عنه الناسُ اليوم، قد أظلَّك زمانُ نبيٍّ يُبعثُ بهذا الدين من أهل الحَرم، فأْتِهِ فهو يَحْمِلُكَ عليه. ثم دخل فقال رسول الله ﷺ لسلمان: "لئنْ كنتَ صدقتني يا سلمان لقد لَقِيتَ عيسى بن مَرْيَم". هكذا وقع في هذه الرواية، وفيها رجلٌ مُبْهَم، وهو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة؛ وقد قيل إنه الحسن بن عمارة، ثم هو منقطع، بل مُعْضلٌ بين عمر بن عبد العزيز وسلْمان ﵁.

стр. 1094

قوله: "لئن كنتَ صدقتني يا سلمان لقد لَقِيت عيسى بن مريم" غريبٌ جدًا بل مُنْكَر؛ فإنَّ الفترة أقلُّ ما قيل فيها أنها أربعمئة سنة، وقيل ستمئة سنة بالشمسيَّة، وسلمان أكثر ما قيل: إنه عاش ثلاثمئة سنة وخمسين سنة. وحكى العباس بن يزيد البَحْراني إجماع مشايخِهِ على أنه عاش مئتين وخمسين سنة. واختلفوا فيما زاد إلى ثلاثمئة وخمسين سنة. والله أعلم. والظاهر أنه قال: "لقد لَقِيت وصيَّ عيسى ابن مريم" فهذا ممكن بالصواب (١). وقال السُّهيلي (٢): الرجل المُبْهم هو الحسن بن عُمَارة، وهو ضعيفٌ [بإجماعٍ منهم] فإنْ صحَّ لم يكنْ فيه نكارة. لأنَّ ابن جَرِير ذكر أنَّ المسيح نزل من السماء بعد ما رفع، فوجد أُمه وامرأةً أخرى يبكيانِ عند جذع المصلوب، فأخبرهما أنه لم يقتل، وبعث الحواريين بعد ذلك. قال: وإذا جاز نزوله مرَّة جاز نزوله مرارًا، ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسِرُ الصليب، ويقتل الخنزير، ويتزوَّج حينئذٍ امرأةً من بني جُذَام، وإذا مات دُفن في حُجْرة روضةِ رسولِ الله ﷺ . وقد روى البيهقي في كتاب "دلائل النبوة" (٣) قصةَ سلمان هذه، من طريق يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق كما تقدَّم، ورواها أيضًا (٤) عن الحاكم، عن الأصمّ، عن يحيى بن أبي طالب: حدّثنا عليُّ بن عاصم، حدّثنا حاتم بن أبي صَغِيره (٥)، عن سِمَاك بن حَرْب، عن زيد (٦) بن صُوحان أنه سمع سلمان يحدِّث كيف كان أول إسلامه؛ فذكر قصةّ طويلة، وذكر أنه كان من رامَهُرْمُز (٧)، وكان له أخٌ أكبر منه غنيّ، وكان سلمانُ فقيرًا في كنَفِ أخيه، وأنَّ ابنَ دِهْقانها (٨) كان صاحبًا له، وكان يختلف معه إلى معلِّم لهم، وأنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عُبَّاد من النصارى في كهفٍ، لهم، فسأله سلمان أنْ يذهبَ به معه إليهم، فقال له: إنك غلام، وأخشى أنْ تَنُمَّ عليهم فيقتلهم أبي. فالتزم له أن لا يكون منه شيءٌ

стр. 1095

يكرهه، فذهب بهِ معه. فإذا هم ستة أو سبعة، كأنَّ الرَّوحَ قد خرجتْ منهم من العبادة، يصومونَ النهار ويقومونَ الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا، فذكر عنهم أنهم يؤمنونَ بالرُّسُل المتقدِّمين، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه وابنُ أمَتِه، أيَّدَهُ بالمعجزات. وقالوا له: يا غلام، إنَّ لك ربًّا وإنَّ لك معادًا، وإنَّ بين يديك جنةً ونارًا، وإنَّ هؤلاء القومَ الذين يعبدون النِّيرانَ أهلُ كفرٍ وضلالة، لا يرضى الله بما يصنعون، وليسوا على دين. ثم جعل يتردَّدُ مع ذلك الغلام إليهم، ثم لزمهم سلمانُ بالكليَّة؛ ثم أجلاهم ملِكُ تلك البلاد، وهو أبو ذلك الغلام الذي صحبه سلمان إليهم عن أرضه، واحتبسَ الملكُ ابنَهُ عنده، وعرض سلمان دِينَهم على أخيه الذي هو أكبر منه، فقال: إني مشتغل بنفسي في طلب المعيشة، فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسةَ المَوْصل، فسلَّم عليهم أهلُها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم، فأبَيْتُ إلا صُحْبتَهم؛ فخرجوا حتى أتَوْا واديًا بين جبال، فتحدَّر إليهم رهبانُ تلك الناحية يسلِّمون عليهم، واجتمعوا إليهم وجعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنه، ويسألونهم عني فَيُثنون عليَّ خيرًا. وجاء رجلٌ معظَّم فيهم، فخطبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، وذكَرَ الرُّسل وما أُيِّدوا به، وذكر عيسى ابن مريم، وأنه كان عبدَ الله ورسولَه، وأمرهم بالخير ونهاهم عن الشر، ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان ولزمه. قال: فكان يصومُ النهار ويقوم الليل، من الأحد إلى الأحد، فيخرج إليهم ويَعِظُهم ويأمرُهم وينهاهم، فمكث على ذلك مُدَّةً طويلة، ثم أراد أن يزور بيت المَقْدِس، فصحبه سلمانُ إليه. قال: فكان فيما يمشي يلتفتُ إليَّ ويُقبل عليّ، فيعِظُني ويُخبرني أنَّ لي ربًا، وأنَّ بين يديَّ جنةً ونارًا وحسابًا، ويعلِّمني ويذكِّرُني نَحْوَ ما كان يُذكِّر القومَ يومَ الأحد. قال: فيما يقول لي؟ يا سلمان، إنَّ الله سوفَ يَبْعَثُ رسولًا اسمُه أحمد، يخرج من تِهَامة (١)، يأكل الهديَّة، ولا يأكل الصدقة، بين كتفَيْه خاتم، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأمَّا أنا فإني شيخٌ كبير، ولا أحسبني أُدركه، فإن أدركتَهُ أنتَ فصدِّقْه واتَّبعْه. قلت له: وإنْ أمرني بترك دينكَ وما أنت عليه؟ قال: وإنْ أمرك، فإنَّ الحقَّ فيما يجيءُ به، ورِضَى الرحمن فيما قال. ثم ذكر قدومَهما إلى بيت المقدس، وأنَّ صاحبه صلَّى فيه هاهنا وهاهنا، ثم نام، وقد أوصاه أنه إذا بلغ الظِّلُّ مكان كذا أنْ يُوقظه، فتركه سلمانُ حينًا آخر أزْيَدَ مما قال ليستريح، فلما استيقظ ذَكَرَ الله ولامَ سلمانَ على تَرْك ما أمْرَهُ بهِ من ذلك. ثم خرجا من بيت المقدس، فسأله مُقْعَدٌ فقال: يا عبد الله، سألتُكَ حين وصلت فلمْ تعطني شيئًا، وها أنا أسألك. فنظر فلم يجدْ أحدًا، فإخذ بيده وقال: قُمْ بسم الله، فقامَ وليس به بأسٌ ولا قَلَبَه (٢)، كأنما نَشِط من عِقَال (٣)؛ فقال لي يا عبد الله، احْمِلْ عليَّ متاعي حتى

стр. 1096

أذهبَ إلى أهلي فأبشِّرَهُم، فاشتغلتُ به، ثم أدركتُ الرجل فلم ألحقه ولم أدْرِ أين ذهب، وكلَّما سألتُ عنه قومًا قالوا: أمامك، حتى لقيني ركبٌ من العرب من بني كلب، فسألتهم، فلما سمعوا لغتي أناخ رجلٌ منهم بعيرَه، فحملني خلفه، حتى أتَوْا بي بلادَهم. فباعوني، فاشترَتْني امراةٌ من الأنصار، فجعلَتْني في حائطٍ لها، وقدِم رسولُ الله ﷺ . ثم ذكر ذهابَهُ إليه بالصَّدَقةِ والهديَّة ليستعلم ما قال صاحبُه، ثم تطلَّب النظر إلى خاتم النبوَّة، فلما رآه آمن من ساعته. وأخبر رسولَ الله خبرَهُ الذي جرى له. قال: فأمر رسولُ الله ﷺ أبا بكر الصديق، فاشتراه من سيدته فأعتقه. قال: ثم سألتُه يومًا عن دين النصارى، فقال: "لا خير فيهم". قال: فوقع في نفسي من أولئك الذين صحِبْتُهم، ومن ذلك الرجل الصالح الذي كان معي ببيت المقدس، فدخلني من ذلك أمْرٌ عظيم، حتى أنزل الله على رسول الله ﷺ : ﴿[لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١) ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾. فدعاني رسولُ الله ﷺ فجئتُ وأنا خائف، فجلستُ بين يديه، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ الآيات [المائدة: ٨٢]، ثم قال: "يا سلمان، أولئك الذين كنتَ معهم وصاحِبُك لم يكونوا نَصارى، كانوا مسلمين" فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لهو أمرني باتِّباعك، فقلت له: فإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال: نعم فاتركه، فإنَّ الحق وما يرضي الله فيما يأمرك. وفي هذا السياق غرابةٌ كثيرة، وفيه بعضُ المخالفة لسياق محمد بن إسحاق، وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسنادًا وأحسن اقتصاصًا، وأقرب إلى ما رواه البخاريُّ في صحيحه (٢)، من حديث معتمر بن سليمان بن طَرْخان التَّيْمي عن أبيه، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن سلمانَ الفارسي، أنَّهُ تداوَلَهُ بضعةَ عشرَ، من ربٍّ إلى ربّ. أي: من معلِّم إلى معلِّم (٣)، ومُرَبٍّ إلى مثله، والله أعلم. قال السُّهيلي (٤): تداولَهُ ثلاثونَ سيدًا، من سَيِّد إلى سَيِّد. فالله أعلم. وكذلك استقصى قصةَ إسلامِهِ الحافظُ أبو نعيم في "الدلائل" (٥)، وأورد لها أسانيدَ وألفاظًا كثيرة، وفي بعضها أنَّ اسْمَ سيِّدتِه التي كاتبَتْه خُليسة (٦). فالله أعلم.

стр. 1097

ذكر أخبار غريبة في ذلك قال أبو نعيم في "الدلائل" (١): حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا محمد بن زكرياء الغَلابي، حدّثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي السَّويَّة المِنْقَري، حدّثنا عبَّاد بن كسيب، عن أبيه، عن أبي عِتْوَارة الخُزاعي عن سَعْر (٢) بن سوادة العامري قال: كنتُ عَسِيفًا لعقيلةٍ من عقائل الحيّ، أركبُ لها الصَّعْبَ والذَّلول (٣)، لا أبقي (٤) من البلاد مَطْرَحًا (٥) أرجو ربحًا في متجر إلا أتيتُه، فانصرفتُ من الشام بحرثٍ وأثاث، أريدُ به كُبَّة (٦) الموْسم ودهماءَ العرب، فدخلتُ مكة بليلٍ مُسْدِف، فأقمتُ حتى تعرَّى عني قميص الليل، فرفعتُ رأسي، فإذا قِبابٌ مُسَامِتَةٌ شَعَفَ الجبال، مضروبة بأنْطاعِ الطائف (٧)، وإذا جُزُرٌ تُنحَر، وأخرى تُساق، وإذا أكَلَةٌ وحَثَثةٌ على الطهاة يقولون: ألا عَجِّلُوا ألا عجلوا. وإذا رجل يجهز على نشَز من الأرض، ينادي: يا وَفْد الله مَيِّلوا إلى الغَدَاء. وأُنَيْسَانٌ على مَدْرَجَةٍ يقول: يا وفد الله، من طعِم فلْيَرُحْ إلى العشاء، فجَهَرَني ما رأيت (٨)، فأقبلتُ أريد عَميدَ القوم، فعرف رجلٌ الذي بي، فقال: أمامك. وإذا شيخ كأن في خدَّيه الأساريع (٩)، وكأنَّ الشِّعرَى توقد من جبينه، قد لاث على رأسه عِمامةً سوداء، قد أبرز من ملائها جُمَّةً فَيْنَانة، كأنها (سَاسَمْ) (١٠) - قال في بعض الروايات: تحته كرسيُّ سَاسَم- ومن دونها نُمْرُقةٌ، بيده قضيب يتخصَّر (١١) به، حوله مشايخُ جَلَسَةٌ جِلَّة، نواكسُ الأذقان، ما منهم أحد يفيض بكلمة. وقد كان نُمي إليَّ خَبرٌ من أخبار الشام، أنَّ النبيَّ الأميَّ هذا أوانُ نُجومه،

стр. 1098

فلما رأيته ظننتُه ذلك، فقلت: السلامُ عليك يا رسول الله. فقال: مه مه، كلا وكأنْ قد، وليتني إيَّاه. فقلت: من هذا الشيخ؟ فقالوا: هذا أبو نَضْلة، هذا هاشم بن عبد مَنَاف. فولَّيتُ وأنا أقول: هذا والله المجد لا مجد آلِ جفنة. يعني ملوكَ عرب الشام من غسان، كان يقال لهم: آل جفنة، وهذه الوظيفة التي حكاها عن هاشم هي الرِّفادة، يعني إطعام الحجيج زمن الموسم (١). وقال أبو نعيم (٢): حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدّثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، حدّثنا سعيد بن عثمان (٣)، حدّثنا علي بن قتيبة الخراساني، حدّثنا خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، عن أبيه، عن جده قال: سمعتُ أبا طالبٍ يحدِّث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحِجْر إذ رأيت رؤيا هالتني، ففزِعْتُ منها فزعًا شديدًا، فأتيتُ كاهنةَ قريش، وعليَّ مطرف خزّ، وجُمَّتي تضربُ مَنْكِبي، فلما نظرتْ إليّ عرفتْ في وجهي التغيير، وأنا يومئذٍ سيِّد قومي، فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغيِّرَ اللَّون؟ هل رابه من حَدَثان الدهر شيء؟ فقلت لها: بلى! وكان لا يكلِّمها أحدٌ من الناس حتى يُقَبِّل يدَها اليمنى، ثم يضع يده على أُمِّ رأسها ثم يذكر حاجته، ولم أفعل لأني كنت كبير قومي؛ فجلستُ فقلت: إني رأيت الليلةَ وأنا نائم في الحِجْر، كأنَّ شجرةً تنبت، قد نال رأسها السماء، وضربتْ بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيتُ نورًا أزهر منها، أعظم من نور الشمس سبعين ضعفًا (٤)؛ ورأيتُ العرب والعجم ساجدين لها، وهي تزدادُ كلَّ ساعةٍ عِظَمًا ونورًا وارتفاعًا، ساعة تخفى وساعة تزهر، ورأيتُ رَهْطًا من قريش قد تعلَّقوا بأغصانها، ورأيتُ قومًا من قريش يريدون قطعها، فإذا دَنَوْا منها أخَّرَهم شابٌّ لم أر قطُّ أحسنَ منه وجهًا، ولا أطيبَ منه ريحًا، فيكسِرُ أظهرهم، ويقلع أعينهم؛ فرفعت يدي لأتناول منها نصيبًا، فمنعني الشاب، فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلَّقوا بها وسبقوكَ إليها. فانتبهتُ مذعورًا فزِعًا، فرأيت وجه الكاهنة قد تغيَّر، ثم قالت: لئن صدقَتْ رؤياك ليخرجَنَّ من صُلْبك رجلٌ يَملِكُ المشرق والمغرب، ويَدين له الناس ثم قال - يعني عبد المطلب لأبي طالب -: لعلك تكونُ هذا المولود. قال: فكان أبو طالب يحدِّثُ بهذا الحديث [بعدما وُلد رسولُ الله ﷺ وبعد ما بُعث. ثم قال] (٥): كانت الشجرةُ والله أعلم أبا القاسم الأمين. فيقال لأبي طالب: ألا تؤمن؟ فيقول: السُبَّة والعار (٦).

стр. 1099

وقال أبو نعيم (١): حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا محمد بن زكرياء الغَلابي، حدّثنا العباس بن بكَّار الضَّبِّي، حدّثنا أبو بكر الهُذَلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال العباس: خرجتُ في تجارةٍ إلى اليمن في ركبٍ منهم أبو سفيان بن حرب، فقدِمتُ اليمن، فكنتُ أصنع يومًا طعامًا، وأنصرف بأبي سفيان وبالنَّفَر، ويصنع أبو سفيان يومًا، ويفعل مثل ذلك، فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرفَ إلى بيتي وترسل إليَّ غداءك؟ فقلت: نعم. فانصرفتُ أنا والنفر إلى بيته، وأرسلتُ إلى الغداء، فلما تغدَّى القوم قاموا واحتبسني، فقال: هل علمت يا أبا الفضل أنَّ ابن أخيك يزعم أنه رسول الله؟ فقلت: أيُّ بني أخي؟ فقال أبو سفيان: إياي تكتم؟ وأيُّ بني أخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجل واحد؟ قلت: وأيُّهم على ذلك؟ قال: هو محمد بن عبد الله. فقلت: قد فعل؟ قال: بلى قد فعل. وأخرج كتابًا باسمه من ابنه حنظلة بن أبي سفيان فيه: أخبرك أنَّ محمدًا قام بالأبْطَح فقال: "أنا رسول، أدعوكم إلى الله " فقال العبَّاس: قلت: أجدُه يا أبا حنظلة صادقًا (٢). فقال: مهلاً يا أبا الفضل، فوالله ما أحبُّ أن تقول مثل هذا، إني لا أخشى أنْ يكونَ عليَّ ضَيْرٌ من هذا الحديث، يا بني عبد المطلب، إنه والله ما برحتْ قريش تزعم أنَّ لكم هَنَةً وهَنَة (٣)، كلُّ واحدةٍ منهما غاية. لنَشدْتُكَ يا أبا الفضل، هل سمعتَ ذلك؟ قلت: نعم، قد سمعت. قال: فهذه والله شؤمتكم. قلت: فلعلَّها يُمْنَتُنا. قال: فما كان بعد ذلك إلا ليالٍ (٤) حتى قدم عبد الله بنُ حُذَافةَ بالخبر وهو مؤمن. ففشا ذلك في مجالس اليمن؛ وكان أبو سفيان يجلس مجلسًا باليمن يتحدَّث فيه حَبْرٌ من أحبار اليهود، فقال له اليهودي: ما هذا الخبر؟ بلغني أنَّ فيكم عمَّ هذا الرجل الذي قال ما قال؟ قال أبو سفيان: صدقوا، وأنا عمُّه. فقال اليهودي: أخو أبيه؟ قال: نعم. قال: فحدِّثني عنه. قال: لا تسألني، ما أحبُّ أن يدَّعي هذا الأمر أبدًا، وما أحبُّ أن أعيبه، وغَيْرُه خيرٌ منه. فرأى اليهوديُّ أنه لا يُغمض (٥) عليه ولا يحبُّ أن يَعِيبه. فقال اليهودي: ليس به بأس (٦) على اليهود، وتوراة موسى. قال العباس: فناداني الحَبْر، فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر، فقلت للحبر: بلغني أنك سألتَ ابن عمي عن رجل منا زعم أنه رسول الله ﷺ فأخبرك أنه عمُّه، وليس

стр. 1100

بعمه، ولكن ابن عمه، وأنا عمُّه وأخو أبيه. قال: أخو أبيه؟ قلت: أخو أبيه. فأقبل على أبي سفيان فقال: صدق؟ قال: نعم صدق. فقلت: سلني فإن كذبتُ فليردَّ (١) عليّ. فأقبل عليّ. فقال: نشدتُكَ، هل كان لابن أخيك صَبْوةٌ أو سفهة؟ قلت: لا وإلَه عبد المطلب، ولا كذَب ولا خان، وإنه كان اسمُه عند قريش الأمين. قال: فهل كتب بيده؟ قال العباس: فظننت أنه خيرٌ له أن يكتب بيده، فأردتُ أن أقولها، ثم ذكرتُ مكان أبي سفيان أنه يكذبني ويردُّ (٢) عليَّ، فقلت: لا يكتب. فوثب الحَبْر وترك رداءَهُ وقال: ذُبحت يهود، وقُتلت يهود. قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا. قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إنَّ اليهود تفزع من ابن أخيك. قلت: قد رأيتَ ما رأيت. فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به؟ فإنْ كان حقًّا كنتَ قد سبقت، وإنْ كان باطلًا فمعك غيرك من أكفائك. قال: لا أومن به حتى أرى الخيل في كَدَاء (٣)، قلت: ما تقول؟ قال: كلمةٌ جاءتْ على فمي، إلا أني أعلم أنَّ الله لا يترك خيلًا تطلع من كَدَاء. قال العباس: فلما استفتح رسولُ الله ﷺ مكة، ونظرنا إلى الخيل وقد طلعتْ من كداء، قلت: يا أبا سفيان تذكر الكلمة. قال: إي والله إني لذاكرها، فالحمد لله الذي هداني للإسلام. وهذا سياقٌ حسن عليه البهاء والنور، وضياء الصدق، وإن كان في رجاله من هو متكلَّمٌ فيه (٤)، والله أعلم. وقد تقدم ما ذكرناهُ في قصة أبي سفيان مع أمية بن أبي الصلْت (٥)، وهو شبيهٌ بهذا الباب، وهو من أغرب الأخبار وأحسن السياقات، وعليه النور. وسيأتي أيضًا قصة أبي سفيان مع هرقل (٦) ملك الروم حين سأله عن صفات رسولِ الله ﷺ وأحواله، واستدلاله بذلك على صدقه ونبوَّته ورسالته. وقال له: كنتُ أعلم أنه خارج، ولكن لم أكن أظنُّ أنه فيكم، ولو أعلم أني أخْلُص إليه لتجشَّمتُ لُقِيَّه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولئن كان ما تقول حقًا ليملكنَّ موضع قدميَّ هاتين. وكذلك وقع ولله الحمد والمنة. وقد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار والأخبار عن الرهبان والأحبار والعرب، فأكثر وأطنب، وأحسن وأطيب، ﵀ ورضي عنه.

стр. 1101

قصة عمرو بن مُرَّة الجُهَني قال الطبراني (١): حدّثنا عليُّ بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي، حدّثنا عبد الله بن داود بن دِلْهاث بن إسماعيل بن عبد الله بن مسرع (٢) بن ياسر بن سُويد - صاحب رسول الله ﷺ - حدّثنا أبي، عن أبيه دِلْهاث، عن أبيه إسماعيل أنَّ أباه عبد الله حدّثه عن أبيه، أنَّ أباه ياسر بن سُويد حدّثه عن عمرو بن مُرَّة الجُهَني قال: خرجتُ حاجًّا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في نومي وأنا بمكة، نورًا ساطعًا خرج من الكعبة حتى وصل إلى جبل يَثْرِب، وأشْعَرِ جُهينة (٣)، فسمعت صوتًا بين النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبُعث خاتم الأنبياء. ثم أضاء إضاءةً أخرى، حتى نظرتُ إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن (٤)، وسمعتُ صوتًا من النور وهو يقول: ظهر الإسلام، وكُسرت الأصنام، ووُصِلَت الأرحام. فانتبهتُ فزعًا، فقلت لقومي: والله ليحدُثَنَّ لهذا الحيِّ من قريش حَدَث، وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا إلى بلادنا جاء [الخبر] (٥) والله رجلاً يقال له: أحمد، قد بُعث فأتيتُه فأخبرتُه بما رأيت، فقال: "يا عمرو بن مُرَّة أنا النبيُّ المرسل إلى العباد كافة، أدعوهم إلى الإسلام، وآمرهم بحَقْن الدماء وصِلَة الأرحام، وعبادة الله، ورفض الأصنام، وحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان من اثني عشر شهرًا. فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار. فآمن بالله يا عمرو يُؤمنك الله من هَوْل جهنم". فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله، آمنت بما جئت به من حلالٍ وحرام، وإنْ رغَّم ذلك كثيرًا من الأقوام (٦). ثم أنشدتُه أبياتًا قلتُها حين سمعت به، وكان لنا صنم، وكان أبي سادنًا به، فقمتُ إليه فكسرته. ثمَّ لَحِقت بالنبيِّ ﷺ وأنا أقول: [من الطويل] شهدتُ بأنَّ اللهَ حقٌّ وأنني … لآلهةِ الأحجارِ أولُ تارِكِ

стр. 1102

وشمَّرتُ عن ساق (١) الإزارِ مُهاجرًا … إليكَ أجوبُ القَفْر بعد الدَّكَادِكِ (٢) لأصحبَ خيرَ الناسِ نفسًا ووالدًا … رسولَ مَليكِ الناس فوقَ الحبائكِ (٣) فقال النبيُّ ﷺ : "مرحبًا بك يا عمرو بن مُرَّة". فقلت: يا رسول الله ابعثْني إلى قومي، لعل الله يمنُّ عليهم بي كما مَنَّ عليَّ بك. فبعثَني إليهم. وقال: "عليك بالرِّفْق، والقول السديد، ولا تكنْ فظًّا، ولا متكبِّرًا ولا حسودًا". فذكر أنه أتى قومه، فدعاهم إلى ما دعاه إليه رسولُ الله ﷺ فأسلموا كلُّهم، إلا رجلاً واحدًا منهم، وأنه وفد بهم إلى رسولِ الله ﷺ ؛ فرحَّب بهم وحيَّاهم، وكتب لهم كتابًا هذه نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من الله (٤) على لسان رسول الله ﷺ ، بكتابٍ صادق، وحقٍّ ناطق مع عمرو بن مُرَّة الجُهَني، لجُهينة بن زيد: إنَّ لكم بطونَ الأرض وسهولَها، وتلاعَ الأودية وظهورها، تزرعون (٥) نباته، وتشربون صافيه، على أن تُقِرُّوا بالخُمُس، وتصلُّوا صلاة الخَمْس، وفي التيْعَة (٦) والصُّرَيمة [شاتانِ] إنِ اجتمعتا، وإنْ تفرَّقتا [فـ] شاة شاة (٧)، ليس على أهل المُثيرة (٨) صدقة، ليس الوردة اللبقة (٩). وشهد على نبيِّنا ﷺ مَنْ حضر من المسلمين بكتاب قيس بن شمَّاس".

стр. 1103

وذكر شعرًا قاله عمرو بن مُرَّة في ذلك كما هو مبسوطٌ في المسند الكبير (١)، وبالله الثقة وعليه التكلان. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧]. قال كثيرون من السلف: لما أخذ الله ميثاق بني آدم يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. أخذ من النبنِّين ميثاقًا خاصًا؛ وأكد مع هؤلاء الخمسة أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أوَّلُهم نوح وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة" (٢) من طرق، عن الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سئل رسول الله ﷺ متى وجبت لك النبوة؟ قال: "بين خَلْقِ آدمَ ونَفْخ الرُّوح فيه". وهكذا رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم، وقال: حسنٌ غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٣). وقال أبو نعيم (٤): حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي (٥)، حدّثنا أبو جعفر النُّفَيْلي، حدّثنا عمرو بن واقد، عن عروة بن رُويم، عن الصُّنَابِحي قال: قال عمر: يا رسول الله، متى جُعلت نبيًّا؟ قال: "وآدمُ مُنْجَدِلٌ في الطِّين". ثم رواه (٦) من حديث نَصْر بن مُزَاحم، عن قيس بن الربيع، عن جابر الجُعْفي، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله: متى كنتَ نبيًّا؟ قال: "وآدمُ بين الروح والجسَد". وفي الحديث الذي أوردناه في قصة آدمِ حين استخرج الله من صُلْبه ذُرِّيَّته خصَّ الأنبياء بنورٍ بين أعينهم. والظاهر- والله أعلم- أنه كان على قدْر منازلهم ورُتَبِهم عند الله. وإذا كان الأمر كذلك، فنور محمدٍ ﷺ كان أظهرَ وأكبر وأعظمَ منهم كُلِّهم؛ وهذا تَنْويهٌ عظيم وتنبيهٌ ظاهرٌ على شَرَفِهِ وعُلُوِّ قَدْره.

стр. 1104

وفي هذا المعنى الحديث الذي قال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُويد الكلبي، عن عبد الله بن هلال السلمي (٢)، عن العِرْباض بن سارية. قال: قال رسول الله ﷺ : "إني عندَ الله لَخَاتمُ النبيِّين، وإنَّ آدم لمُنْجَدِلٌ في طينته، وسأنبِّئُكم بأوَّل ذلك: دَعْوَةُ أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورُؤْيا أُمي التي رأتْ، وكذلك أمهات النَّبيِّين (٣) يرين". ورواه اللَّيث (٣)، وابن وهب، عن عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وزاد:" إنَّ أُمَّهُ رأتْ حين وضعَتْه نورًا أضاءَتْ منه قصورُ الشام". وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا منصور بن سعد (٥)، عن بُدَيل، عن عبد الله بن شَقيق، عن مَيْسَرة الفَجْر قال: قلت: يا رسولَ الله، متى كنتَ (٦) نبيًّا؟ قال: "وآدمُ بينَ الرُّوح والجَسد". [إسناده جيد أيضًا (٧). وهكذا رواه إبراهيم بن طَهْمان (٨)، وحمَّاد بن زيد وخالد الحذَّاء عن بُدَيل بن مَيْسَرة به. ورواهُ أبو نعيم (٩) عن محمد بن عمر بن سالم (١٠)، عن محمد بن بكر بن عمرو الباهلي، عن شيبان، عن الحسن بن دينار (١١)، عن عبد الله بن شقيق (١٢)، عن ميسرة الفَجْر قال: قلت: يا رسول الله

стр. 1105

متى كنت (١) نبيًا؟ قال: "وآدمُ بين الرُّوح والجسد"] (٢). وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه "دلائل النبوة" (٣): حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، حدّثنا الحسن بن سفيان، حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن خُليد بن دَعْلج، وسعيد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] قال: "كنتُ أوَّلَ النبيِّين في الخَلْق وآخرَهُمْ في البَعْث" (٤). ثم رواه من طريق هشام بن عمَّار، عن بقيَّة، عن سعيد بن بَشيرْ (٥)، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله. [وقد رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال مثله] (٦). وهذا أثبت وأصحّ، والله أعلم. وهذا إخبارٌ عن التنويه بذكرهِ في الملأ الأعلى، وأنَّه معروفٌ بذلك بينهم بأنه خاتمُ النبيِّين، وآدم لم يُنفخ فيه الرُّوح، لأنَّ عِلْمَ اللهِ تعالى بذلك سابقٌ قبل خلقِ السمواتِ والأرض لا محالة، فلم يبق إلا هذا الذي ذكرناه من الإعلام به في الملأ الأعلى. والله أعلم. وقد أورد أبو نُعيم (٧) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة الحديث المتفق عليه. "نحنُ الآخِرُون السابقونَ يومَ القيامة (٨)، المقضي لهم قبل الخلائق، بَيْدَ أنهم أُوتوا الكتابَ من قَبْلنا، وأوتيناه من بعدهم. وزاد أبو نعيم في آخره: فكان ﷺ آخرَهُمْ في البعث، وبه خُتمت النبوَّة. وهو السابق يوم القيامة. لأنه أولُ مكتوبٍ في النبوَّة والعَهْد. ثم قال: ففي هذا الحديث الفضيلةُ لرسولِ الله ﷺ : لما أوجب الله له النبوة قبل تمام خلق آدم. ويحتملُ أن يكون هذا الإيجاب هو ما أعلم اللهُ ملائكتَهُ ما سبق في علمه وقضائه من بعثتهِ له في آخر الزمان.

стр. 1106

وهذا الكلام يوافق ما ذكرناه ولله الحمد. وروى الحاكم في "مستدركه" (١) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وفيه كلام - عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب رضي لله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لما اقترف آدمُ الخطيئة قال: يا رب، أسألُكَ بحقِّ محمد إلَّا (٢) غفرت لي. فقال الله: يا آدم، كيف عَرفْتَ محمدًا ولم أخلُقْهُ بعد؟ فقال: يا رب، لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخْتَ فيَّ من روحك، رفعتُ رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله. فعلمتُ أنك لم تُضِفْ إلى اسمك إلا أحبَّ الخَلْقِ إليك. فقال الله: صدقتَ يا آدمَ، إنه لأحبُّ الخَلْقِ إليّ، وإذ قد سألتني بحقه فقد غفرتُ لك، ولولا محمد ما خلقتك". قال البيهقي: تفرَّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف (٣)، والله أعلم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران: ٨١، ٨٢]. قال عليُّ بن أبي طالب وعبدُ الله بن عباس ﵄: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذَ عليه الميثاق، لئن بُعث محمدٌ ﷺ وهو حيٌّ ليؤمنَنَّ به ولَينصُرَنَّه، [وأمرَه أنْ يأخذَ الميثاق على أُمته، لئن بُعث محمدٌ وهم أحياء ليؤمنُنَّ به ولينصرُنَّه] (٤). وهذا تنويهٌ وتنبيهٌ على شرفِهِ وعظمته في سائر المِلَل، وعلى ألسنة الأنبياء، وإعلامٌ لهم ومنهم برسالته في آخر الزمان، وأنه أكرمُ المرسلين وخاتمُ النبيِّين. وقد أوضح أمره وكشف خبرَه وبيَّن سرَّه (٥)، وجلَّى مجده (٦) ومولده وبلده، إبراهيمُ الخليل في قوله ﵇ حين فرغ من بناء البيت: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩] فكان أوَّلُ بيانِ أمرهِ على الجليَّة والوضوح بين أهلِ الأرض، على لسان إبراهيم الخليل أكرم الأنبياء على الله بعد محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء.

стр. 1107

ولهذا قال الإمام أحمد (١): حدّثنا أبو النضر، حدّثنا الفرج - يعني ابن فَضَالة، حدّثنا لقمان بن عامر [قال]: سمعتُ أبا أُمامة قال: قلت: يا نبيَّ الله، ما كان بَدْءُ أمرِك؟ قال: "دَعْوَةُ أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورأتْ أُمي أنَّهُ يخرجُ منها نورٌ أضاءتْ منه قصورُ الشام". تفرَّد به الإمام أحمد، ولم يخرِّجْهُ أحدٌ من أصحاب الكتب الستة (٢). وروى الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب المولد، من طريق بقيَّةَ، عن صفوان بن عمرو، عن حُجْر، عن أبي مريم (٣) أنَّ أعرابيًا قال: يا رسول الله، أيُّ شيءٍ كان أول أمْر نبوتك؟ فقال: أخذَ اللهُ مني الميثاقَ كما أخذ من النبيِّينَ ميثاقَهم. ورأتْ أمُّ رسولِ الله ﷺ في منامها أنه خرج من بين رجلَيْها سراجٌ أضاءتْ له قصورُ الشام". وقال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار (٤): حدّثني ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن أصحابِ رسولِ الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرْنا عن نفسك. قال: "دَعْوةُ أبي إبراهيم، وبُشْرى عيسى. ورأت أمي حين حملَتْ (٥) كأنَّهُ خرجَ منها نورٌ أضاءَتْ له بُصرى من أرْضِ الشام". إسنادُه جيد أيضًا. وفيه بشارةٌ لأهل محلَّتنا، أرضِ بُصْرى، وأنها أوَّلُ بُقْعَةٍ من أرض الشام خَلَص إليها نورُ النبوَّة، وللهِ الحَمْدُ والمِنَّة؛ ولهذا كانت أولَ مدينةٍ فُتحت من أرض الشام، وكان فتحُها خَلَص في خلافةِ أبي بكر الصدِّيق ﵁ كما سيأتي بيانُه - وقد قدِمَها رسولُ الله ﷺ مرَّتين في صُحبة عَمِّه أبي طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنةّ، وكانت عندها قصة بَحِيرى الراهب كما بينَّاه، والثانية ومعه مَيْسرة مولى خديجة في تجارةٍ لها. وبها مَبْرَك الناقةِ التي يقال لها: ناقة رسولِ الله ﷺ بركت عليه، فأثَرُ ذلك فيها فيما يذكر، ثم نُقل وبُني عليها مسجدٌ مشهور اليوم. وهي المدينةُ التي أضاءتْ أعناقُ الإبل عندها من نور النار التي خرجتْ من أرض الحجاز سنة أربعٍ وخمسين وستمائة، وفق ما أخبر به رسولُ الله ﷺ في قوله: "تَخْرُجُ نارٌ من أرضِ الحجاز، تُضيءُ لها أعناق الإبل ببُصْرى " وسيأتي الكلامُ على ذلك في موضعه إنْ شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان (٦). وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ

стр. 1108

وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية. قال الإمام أحمد (١): حدّثنا إسماعيل، عن الجُرَيْرِي، عن أبي صخر العقيلي (٢)، حدّثني رجلٌ من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياةِ رسول الله ﷺ : فلما فرغتُ من بيعي (٣) قلت: لألقيَنَّ هذا الرجل، فلأسمعنَّ منه. قال: فتلقاني بين أبي بكبر وعمر يمشون، فتبعتُهم [في أقفائهم] حتى أتَوْا على رجل من اليهود، ناشر التوراة يقرؤها، يُعَزِّي بها نفسه عن ابنٍ له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله (٤). فقال رسول الله ﷺ : "أنْشُدُك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك، ذا صفتي ومَخْرَجي؟ " فقال برأسه هكذا - أي لا - فقال ابنه: إي والذي أنزلَ التوراة إنَّا لنَجِدُ في كتابنا صفَتَك ومَخْرَجك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسولُ الله. فقال: "أقيموا اليهوديَّ عن أخيكم". ثم وليَ جَنَنَهُ (٥) وكَفَنَهُ والصلاة عليه. هذا إسنادٌ جيِّد، وله شواهدُ في الصحيح عن أنس بن مالك، ﵁. وقال أبو القاسم البغوي: حدّثنا عبد الواحد بن غياث، أبو بَحْر، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدّثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن الفَلَتان (٦) بن عاصم، وذكر أن خاله قال: كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ إذْ شخَصَ بصَرُه إلى رجل، فإذا يهوديٌّ عليه قميص وسراويل ونعلان، قال: فجعل النبيُّ ﷺ يكلِّمُه وهو يقول: يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "أتشهدُ أني رسولُ الله "!؟ قال: لا. قال رسول الله ﷺ : أتقرأ التوراة قال: نعم. قال: "أتقرأ الإنْجيل"؟ قال: نعم. قال: "والقرآن "؟ قال: لا، ولو تشاءُ قرأتُه. فقال النبيُّ ﷺ : "فبمِ تقرأ التوراة والإنجيل، أتَجِدُني نبيًّا؟ " قال: إنَّا نَجِدُ نَعْتَكَ ومَخْرَجَك، فلمَّا خرجتَ رَجَوْنا أنْ تكون فينا، فلما رأيناك عرفناك أنَكَ لَسْتَ به. قال رسولُ الله ﷺ : "ولمَ يا يهودي"؟ قال: إنَا نجدُه مكتوبًا: يدخلُ من أمَّتِهِ الجنَّةَ سبعونَ ألفًا بغير حساب، ولا نرى معك إلا نفرًا يسيرًا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أمتي لأكثر من سبعين ألفًا وسبعين ألفًا".

стр. 1109

هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، ولم يُخَرِّجوه (١). وقال محمد بن إسحاق (٢) عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة: قال: أتى رسول الله ﷺ [بيتَ المِدْراس] (٣) فقال: "أخْرِجُوا [إليَّ] أعْلَمَكم" فقالوا: عبد الله بن صوريا، فخلا به رسولُ الله ﷺ ، فناشده بدينه، وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المَنِّ والسَّلوى، وظلَّلهم به من الغمام: "أتَعْلَمُني رسولَ الله ﷺ "؟ قال: اللهمَّ نعم. وإنَّ القومَ ليعرفونَ ما أعرف، وإنَّ صفتَكَ ونَعْتَك لَبيِّنُ (٤) في التوراة، ولكنهم حسدوك. قال: "فما يَمْنَعُكَ أنت"؟ قال: أكره خلافَ قومي، وعسى أن يتبعوكَ ويُسلموا فأسلم. وقال سَلَمة بن الفَضْل عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقول: كتب رسولُ الله ﷺ إلى يهودِ خَيْبَر: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمدٍ رسولِ الله صاحب موسى، وأخيه، والمصدِّق بما جاء به موسى، ألا إنَّ الله قال لكم: يا معشرَ يَهود وأهلَ التوراة، إنَّكم تجدونَ ذلك في كتابكم: إنَّ محمدًا ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾] (٥). وإنِّي أنْشُدُكم بالله، وبالذي أُنزل عليكم، وأنشُدكم بالذي أطْعَمَ مَنْ كان قبلَكُم من أسلافكم وأسباطكم المنَّ والسَّلْوَى، وأنشُدكم بالذي أيبسَ البحرَ لآبائكم حتى أنْجَاكم من فرْعون وعمله، إلَّا أخبرتمونا، هل تجدونَ فيما أنزلَ اللهُ عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإنْ كنتمُ لا تجدون ذلك في كتابكم، فلا كُرْهَ عليكم، قد تبيَّنَ الرُّشْدُ من الغَيّ. وأدعوكم إلى اللهِ تعالى وإلى نبيِّه" ﷺ . وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسَار في كتاب "المبتدأ" (٦)، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن كعب الأحبار.

стр. 1110

وروى غيره (١) عن وهْب بن مُنَبِّه، أنَّ بختنَصَّر بعد أنْ خرَّب بيتَ المَقْدِس، واستذَلَّ بني إسرائيل بسبع سنين رأى في المنام رؤيا عظيمةً هالَتْه، فجمع الكَهَنة والحُزَّار، وسألهم عن رؤياه تلك. فقالوا ليقصَّها الملكُ حتى نخبرَهُ بتأويلها. فقال: إني أنسيتُها. وإنْ لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتُكُمْ عن آخركم. فذهبوا خائفين وَجِلين من وعيده. فسمع بذلك دانيالُ ﵇ وهو في سجنه، فقال للسَّجَّان: اذهبْ إليه فقل له: إنَّ هاهنا رجلاً عنده عِلْمُ رؤياك وتأويلُها. فذهب إليه، فأعلمه، فطلبه، فلما دخل عليه لم يسجُدْ له، فقال له: ما منعك من السجود لي؟ فقال: إنَّ الله آتاني علمًا وعلَّمني، وأمرني أنْ لا أسجدَ لغيره. فقال له بختنَصَّر: إني أُحبُّ الذين يوفون لأربابهم بالعهود، فأخبرْني عن رؤياي. قال له دانيال: رأيتَ صنمًا عظيمًا، رِجْلاه في الأرض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب ووسطه من فضَّة، وأسفله من نُحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخَّار، فبينا أنتَ تنظر إليه، قد أعجبك حسنُه وإحكامُ صنعتِه، قذَفَهُ الله بحجرٍ من السماء، فوقع على قِمَّة رأسهِ حتى طحنه، واختلط ذهَبُه وفضَّته، ونحاسه وحديده وفخَّاره، حتى تخيَّل لك أنَّه لو اجتمع الإنس والجنُّ على أن يميزُوا بعضَهُ من بعض، لم يقدروا على ذلك؛ ونظرتَ إلى الحجر الذي قُذف به، يَرْبُو ويَعْظُم وينتشر، حتى ملأ الأرض كلَّها، فصرتَ لا ترى إلا الحجر والسماء. فقال له بختنَصَّر: صدقت! هذه الرُّؤيا التي رأيتُها، فما تأويلها؟ فقال دانيال: أما الصنم فأُمَمٌ مختلفةٌ قي أوَّل الزمان وفي وسطه وفي آخره؟ وأما الحجَرُ الذي قُذف به الصنم فدِينٌ يَقْذِفُ اللّه به هذه الأممَ في آخر الزمان، فيظهرَهُ عليها، فَيَبْعَثُ اللهُ نبيًّا أُمِّيًّا من العرب، فيدوِّخ به الأمم والأديان، كما رأيتَ الحجرَ دوَّخ أصنافَ الصنم، ويظهر على الأديانِ والأمم، كما رأيتَ الحجر ظهر على الأرض كلِّها؛ فيمحِّص الله به الحق، ويُزْهقُ به الباطل، ويَهْدي به أهلَ الضلالة، ويعلِّم به الأميِّين، ويقوِّي به الضَّعَفة، ويُعِزُّ به الأذلَّة، وينصر به المستضعفين. وذكر تمامَ القصة في إطلاق بختنَصَّر بني إسرائيل على يدي دانيال ﵇. وذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الإسكندرية وسؤاله له عن صفات رسول الله ﷺ قريبًا من سؤال هرقل لأبي سفيان صخر بن حرب، وذكر أنه سأل أساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول الله ﷺ وأخبروه عن ذلك، وهي قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في "الدلائل" (٢). وثبت في "الصحيح" أنَّ رسولَ الله مرَّ بمِدْرَاس (٣) اليهود فقال لهم: "يا معشر يَهُود، أسلموا، فوالذي نفسي بيده، إنَّكم لتَجِدُون صفتي في كُتبكم … " الحديث.

стр. 1111

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لَقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفات رسول الله ﷺ في التوراة. فقال: أجَلْ، والله إنَّه لموصوفٌ في التوراة بصفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحِرْزًا للأُميِّين، أنت عَبْدي ورسولي، سمَّيْتُكَ المُتَوكِّل، لستَ بفظِّ ولا غَلِيظ (٢)، ولا سَخَّابٍ بالأسواق (٣)، ولا يدفعُ بالسِّيئةِ السيئة، ولكنْ يعفو ويغفر، ولن يَقْبضَهُ اللهُ حتى يُقيموا المِلّة (٤) العَوْجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، يفتح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا. ورواهُ البخاري (٥) عن محمد بن سِنان العَوَقي، عن فُلَيح به. ورواه أيضًا (٦) عن عبد الله - قيل ابن رجاء، وقيل ابن صالح (٧) - عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن علي (٨)، ولفظه قريبٌ من هذا وفيه زيادة. ورواه ابن جرير (٩) من حديث فُليح، عن هلال، عن عطاء، وزاد: قال عطاء: فَلقِيتُ كعبًا فسألته عن ذلك، فما اختلف حرفًا. وقال في البيوع (١٠): وقال سعيد عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سَلام. قال الحافظ أبو بكر البيهقي (١١): أخبرناه أبو الحسين بن الفَضْل القطَّان، حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا يعقوب بن سفيان (١٢)، حدّثنا أبو صالح، حدّثنا الليث، حدّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن

стр. 1112

أبي هلال [عن هلال] (١) بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سَلام أنَّهُ كان يقول: إنَّا لنَجِدُ صفةَ رسولِ الله ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحِرْزًا للأمِّيِّين، أنت عَبْدِي ورسولي، سمَّيْته المتوكِّل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يَجْزي السِّيئة مثْلَها، ولكنْ يعفو ويتجاوز، ولن يَقْبِضَهُ حتى يُقيم به المِلَّة العَوْجاء بأنْ يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، يفتح به أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا. وقال عطاء بن يسار: وأخبرني الليثي أنه سمع كعبَ الأحْبار يقولُ مثل ما قال ابنُ سلام. قلت: وهذا عن عبد الله بن سَلام أشبه، ولكنَّ الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر، مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتَيْن من كُتب أهل الكتاب (٢)، وكان يحدِّثُ عنهما كثيرًا؛ وليُعْلَمْ أنَّ كثيرًا من السلف كانوا يُطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب، فهي عندهم أعمُّ من التي أنزلها الله على موسى، وقد ثبت شاهدُ ذلك من الحديث. وقال يونس عن محمد بن إسحاق (٣): حدّثني محمد بن ثابت بن شُرَحبيل، عن أم الدرداء (٤) قالت: قلت لكعب الأحبار: كيف تجدونَ صفةَ رسولِ الله ﷺ في التوراة؟ قال: نجدُهُ محمد رسول الله، اسمُهُ المتوكل، ليس بفَظٍّ ولا غَليظ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، وأُعطي المفاتيح، فَيُبَصِّر الله به أعْيُنًا عُورًا، ويُسمع بهِ آذانًا وُقْرًا، ويُقيم به ألْسُنًا مُعْوجَّة، حتى يشهدوا (٥) أنْ لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شريكَ له، يُعين به المظلوم ويمنعه. وقد رُوي عن كعب من غير هذا الوجه (٦). وروى البيهقيُّ (٧) عن الحاكم، عن أبي الوليد الفقيه، عن الحسن بن سفيان، حدّثنا عُقْبة (٨) بن مُكْرَم، حدّثنا أبو قَطَن عمرو بن الهيثم، حدّثنا حمزةُ الزيَّات، عن سُليمان الأعمش، عن علي بن

стр. 1113

مُدْرك، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦] قال: نُودوا: يا أمَّةَ محمد، استجَبْتُ لكُمْ قبلَ أنْ تدعُوني، وأعطيتكُم قبل أنْ تسألوني. وذكر وَهْبُ بن مُنَبِّه (١) أنَّ الله تعالى أوحى إلى داود في الزَّبُور: يا داود إنَّهُ سيأتي من بَعْدِك نبيٌّ اسْمُه أحمد ومحمد (٢)، صادقًا سيِّدًا، لا أغضَبُ عليه أبدًا، ولا يعصيني (٣) أبدًا، وقد غفرتُ له قبلَ أن يعصِيَني ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، وأمَّتُه مَرْحُومة، أعطيتُهم من النوافِل مثلَ ما أعْطيتُ الأنبياء، وفرضْتُ عليهم الفرائضَ التي افترضتُ على الأنبياءِ والرُّسُل، حتى يأتوني يومَ القيامةِ ونورهُمْ مِثْلُ نورِ الأنبياء. إلى أن قال: يا داود، إني فضَّلْتُ محمدًا وأُمَّتَه على الأمم كلها. والعِلْمُ بأنه موجودٌ في كُتب أهل الكتاب مَعْلُومٌ من الدِّين ضَرُورةً، وقد دلَّ على ذلك آياتٌ كثيرة في الكتاب العزيز تكلَّمنا عليها في مواضعها ولله الحمد. فمن ذلك قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص: ٥٢، ٥٣]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]. أي إنْ كان وَعَدنا ربُّنا بوجودِ محمدٍ وإرساله لكائنٌ لا محالة؛ فسبحان القدير على ما يشاء لا يُعجِزُه شيء. وقال تعالى إخبارًا عن القِسِّيسينَ والرُّهْبان: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. وفي قصَّة النَّجاشي وسَلْمان وعبد اللّه بن سَلام وغيرِهم كما سيأتي شواهدُ كثيرةٌ لهذا المَعْنى وللّه الحَمْدُ والمِنَّة. وذكَرْنا في تضاعيف قصص الأنبياء ما تقدَّم الإشارة إليه من وصْفِهم لبعثةِ رسولِ اللّه ﷺ ونَعْته، وبلد مولده ودار مُهاجَرِه، ونعت أُمَّتِه في قصة موسى وشعيا وأرميا ودانيال وغيرهم، وقد أخبر اللّهُ تعالى عن آخر أنبياءِ بني إسرائيل وخاتمهم عيسى ابن مريم، أنه قام في بني إسرائيل خَطيبًا قائلًا لهم: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ [الصف: ٦]. وفي الإنجيل البِشارة بالفارقليط (٤) والمرادُ به محمد ﷺ .

стр. 1114

وروى البيهقي (١) عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس بن بُكير، عن يونس بن عمرو، عن العَيْزَار بن حُرَيث (٢)، عن عائشةَ ﵂، أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال: "مَكْتوبٌ في الإنجيل: لا فظٌّ ولا غَليظ، ولا سَخَّابٌ في الأسواق، ولا يَجْزي بالسيِّئةِ مِثْلَها، بل يَعْفُو ويَصْفَح". وقال يعقوب بن سفيان (٣): حدّثنا فيض البَجَلي، حدّثنا سَلام بن مِسْكين، عن مقاتل بن حَيَّان قال: أوحى اللّه إلى عيسى ابن مريم: جِدَّ في أمْري، واسمع وأطِعْ يا بن الطاهر (٤) البِكْر البَتُول، أنا خلقتُكَ من غير فَحْل فجعلتك آيةً للعالمين؛ فإيَّاي فاعبُدْ، فبين لأهل سوران بالسُّرْيانية، بَلِّغْ من بين يديك أني أنا الحقُّ القائم الذي لا يزول (٥)، صدِّقوا بالنبيّ الأُمِّيِّ العربي، صاحب الجمل والمِدْرَعة والعمامة -وهي التاج- والنعلَيْنِ والهِرَاوة- وهي القضيب- الجَعْدِ الرأس، الصَّلْتِ الجبين (٦)، المَقْرُونِ الحاجبيْن، الأَنْجَلِ العينَيْن، الأهدبِ الأشفار (٧)، الأدعجِ العينين (٨)، الأقْنَى الأنف (٩)، الواضحِ الخدَّين، الكثِّ الفَحْية، عَرَقُهُ في وَجْهه كاللُّؤْلُؤ، ريح المسك يَنْفَحُ (١٠) منه، كأنَّ عُنُقَهُ إبْرِيقُ فِضَّة، وكأنَّ الذهب يَجْري في تَرَاقيه، له شَعَراتٌ من لَبَّتِهِ إلى سُرَّته، تجري كالقَضيب، ليس في بطنه شَعَرٌ غيره، شَثْن الكَفِّ والقَدَم (١١)، إذا جاء مع الناس غمَرَهُم، وإذا مشى كأنما يتقلَّعُ (١٢) من الصخر ويتحدَّر من صَبَب، ذو النسل القليل - وكأنَّهُ أرادَ الذكورَ من صُلْبِه. هكذا رواهُ البيهقي في "دلائل النبوَّة" من طريق يعقوب بن سفيان (١٣).

стр. 1115

وروى البيهقيُّ (١) عن عمر (٢) بن الحكم بن رافع بن سِنَان، حدّثني بعض عمومتي وآبائي، أنهم كانتْ عندهم ورقةٌ يتوارثونها في الجاهلية، حتى جاء اللّه بالإسلامُ، وهي (٣) عندهم، فلما قَدِم رسولُ اللّه ﷺ المدينة ذكروها له، وأتوه بها مكتوبٌ فيها: بسم اللّه وقولُه الحق، وقولُ الظالمين في تباب. هذا الذِّكْر لأُمَّةٍ تأتي في آخرِ الزمان يغسلُون (٤) أطرافَهم، ويَأْتَزِرُون (٥) على أوساطهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاةٌ لو كانت في قوم نوحٍ ما أُهلكوا بالطُّوفان، وفي عادٍ ما أهلكوا بالرِّيح، وفي ثَمُودَ ما أُهلكوا بالصَّيْحَة. بسم الله، وقولُه الحق، وقولُ الظالمين في تباب. ثم ذكرَ قصةً أخرى، قال: فعجب رسولُ اللّه ﷺ لما قُرئت عليه، لمَا فيها. وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الأعراف (٦): ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] قصةَ هشام بن العاص الأموي حين بعثَهُ الصديق، في سريةٍ إلى هِرَقْل يدعوهُ إلى اللّهِ ، فذكر أنَّهُ أخرج لهم صُوَرَ الأنبياء في رُقعة، من آدم إلى محمدٍ صلواتُ اللّه عليه وسلامُه عليهم أجمعين، على النَّعْتِ والشَّكْلِ الذي كانوا عليه؛ ثم ذكر أنه لما أخرج صورةَ رسولِ اللّه ﷺ قام فائمًا إكرامًا له، ثم جلس وجعل ينظرُ إليها ويتأمَّلُها؛ قال: فقلنا له: من أين لك هذه الصورة؟ فقال: إنَّ آدمَ سأل ربَّهُ أن يُريَهُ الأنبياءَ من ذريته، فأنزل عليه صورَهم، فكان في خزانةِ آدم ﵇ عند مَغْرِب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين، فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما واللّه إنَّ نفسي قد طابتْ بالخروج من مُلْكي وأني كنتُ عبدًا لأشَرِّكُمْ مَلَكَةً (٧) حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرَّحَنا. فلما أتينا أبا بكرٍ الصَّدِّيق فحدثْناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا، فال: فبكى وقال: مسكين لو أراد اللّهُ به خيرًا لفعل. ثم قال: أخبرنا رسولُ اللّه ﷺ أنهم واليهود يجدون نَعْتَ محمدٍ عندهم. رواهُ الحاكمُ بطوله فَلْيُكْتَب هاهنا من التفسير. ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٨).

стр. 1116

وقال الأموي (١): حدّثنا عبد اللّه بن زياد، عن ابن إسحاق قال: وحدّثني يعقوب بن عبد الله بن جعفر [بن عمرو] (٢) بن أمية، عن أبيه، عن جدّه عمرو بن أمية قال: قدِمتُ برقيقٍ من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لي: يا عمرو لو رأينا رسولَ اللهِ لعرفناهُ من غير أن تُخْبِرَنا. فمرَّ أبو بكر ففلت: اْهو هذا؟ قالوا: لا. فمرَّ عمر فقلت: أهو هذا؟ قالوا: لا، فدخلنا الدار، فمرَّ رسولُ اللّه ﷺ فنادَوْني: يا عمرو، هذا رسولُ اللّه ﷺ فنظرت، فإذا هو هو من غير أنْ يُخبرَهم به أحد، عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم. وقد تقدَّم إنذارُ سَبَأٍ لقومِهِ، وبشارتُهُ لهم بوجودِ رسولِ اللّه ﷺ في شعرٍ أسلفناه في ترجمته (٣) فأغنى عن إعادته، وتقدَّم قولُ الحبرَيْن من اليهود لِتُبَّعٍ اليَماني حين حاصَرَ أهلَ المدينة: إنها مُهَاجَرُ نبيٍّ يكونُ في آخر الزمان، فرجع عنها ونظم شعرًا يتضمن السلام على النبي ﷺ (٤). قصَّةُ سَيْفِ بنِ ذي يَزَن الحِمْيَرِي وبشارتُه بالنبيِّ الأمِّيّ وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه "هواتف الجِنَّان" (٥): حدّثنا علي بن حرب، حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيم (٦)، حدّثنا عمرو بن بكر (٧) -هو ابن بكار القَعْنَبي- عن أحمد بن القاسم عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد اللّه بن عباس قال: لما ظهر سَيْفُ بن ذي يَزَن- قال أبو المنذر (٨): واسمه النعمان بن قيس - على الحبشة، وذلك بعد مولد رسولِ اللّه ﷺ بسنتين أتته وفودُ العرب وشعراؤها تهنِّئُه وتمدحه، وتذكر ما كان من حُسْن بلائه، وأتاه فيمن أتاه وفود قريش، فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد اللّه بن جُدْعان، وخُويلد بن أسَد،

стр. 1117

في أناسٍ من وجوه قريش، فقدِمُوا عليه صنعاء، فإذا هو في رأسِ غُمْدا (١) الذي ذكره أمية بن أبي الصَّلْت: [من الطويل] واشْرَبْ هنيئًا عليكَ التاجُ مرتفقًا … في رأسِ غُمدانَ دارًا منك مِحْلالًا (٢) فدخل عليه الآذن، فأخبره بمكانهم، فأذِن لهم، فدنا عبد المطلب، فاستأذنه في الكلام، فقال له: إنْ كنتَ ممن يتكلَّم بين يدي [الملوك] فقد أذِنَّا لك. فقال له عبد المطلب: إنَّ اللّه قد أحلَّك أيها الملك محلًا رفيعًا، صعبًا منيعًا، شامخًا باذِخًا، وأنبتك مَنْبِتًا طابتْ أَرُومَتُه، وعزَّت جُرْثُومَته (٣)، وثبت أصله، وبَسَق فَرْعُه في أكرم موطن، وأطيب مَعْدِن، فأنتَ -أبيتَ اللَّعْن (٤) - ملكُ العرب، وربيعها الذي تُخصب به البلاد، ورأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومَعْقِلُها الذي يلجأ إليه العباد. سَلَفُكَ خير سلف، وأنت لنا منهم خَيْرُ خَلَف، فلن يَخْمُلَ (٥) مَنْ هم سَلَفُه، ولن يَهْلِكَ من أنت خَلَفُه؛ ونحن أيها الملك أهلُ حَرَم، وَسَدَنَةُ بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكَرْبَ الذي فدَحَنا، [فنحن] وَفْدُ التهنئة لا وفد المَرْزِئة (٦). قال: وأيُّهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: ادْنُ. فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبًا وأهلًا، وناقة ورَحْلًا، ومُستناخًا سهلًا، وَمَلْكًا رِبَحلًا (٧) يُعطي عطاءً جَزْلًا. قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهلُ الليل والنهار، ولكم الكرامةُ ما أقمتم، والحِبَاء (٨) إذا ظعنتم. ثم أُنهضوا إلى دارِ الكرامة والوفود، فأقاموا شهرًا لا يصلون إليه ولا يأذنُ لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلِسَه وأخلاه ثم قال: يا عبد المطلب، إني مفضٍ (٩) إليك من سِرِّ عِلْمي، ما إنْ لو يكون غيرك

стр. 1118

لم أبُحْ به، ولكني رأيتك مَعْدِنَه، فأطلعتكَ طَلِيعَه (١)، فلْيكن عندك مطويًّا حتى يأذَنَ الله فيه، فإنَّ اللّه بالغُ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون، والعِلْم المخزونِ الذي اخترناه لأنفسنا واحتجنَّاهُ دونَ غيرنا خبرًا عظيمًا، وخطرًا جسيمًا، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامّةً، ولرَهْطك كافةً ولك خاصة. فقال عبد المطلب: أيها الملك، مثلك سَرَّ وبرَّ، فما هو فداؤك أهل الوبَر. زمرًا بعد زُمَر؟ قال: إذا ولد مولودٌ بتهامة، غلامٌ بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزَّعامة إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: أبيتَ اللَّعَن، لقد أُبْتُ بخير ما آبَ به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته (٢) إياي ما أزدادُ به سرورًا. قال ابنُ ذي يَزَن: هذا حِينه الذي يولد فيه، أو قد وُلد، واسمه محمد، يموت أبوه وأمُّه، ويكفله جدُّه وعَمُّه. ولَّدناه مرارًا، واللهُ باعثُه جهارًا، وجاعل له منا أنصارًا يُعِزُّ بهم أولياءَه، ويُذِل بهم أعداءَه، يضربُ بهم الناس عن عُرْض، ويستبيحُ بهم كرائمَ الأرض، يكسر الأوثان، ويُخمِد النيران، يعبد الرحمن، ويَدْحَر الشيطان، قوله فَصْل، وحكمه عَدْل، يأمر بالمعروف ويفعَلُه، وينهى عن المنكر ويُبطله. فقال عبد المطلب: أيها الملك عزَّ جدُّك وعلا كَعْبُك، ودام ملكك، وطال عمرك؛ فهل الملكُ سارِّي (٣) بإفصاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح؟ فقال ابن ذي يَزَن: والبيتِ ذي الحُجُب، والعلاماتِ على النُّصُب (٤)، إنك يا عبد المطلب، لجَدُّه غير كذِب. فخرَّ عبد المطلب ساجدًا، فقال: ارفَعْ رأسَك، ثَلَج صَدْرُك، وعلا أمْرُكَ، فقد أحسستَ شيئًا مما ذكرتُ لك. فقال: أيها الملك، كان لي ابن، وكنتُ به مُعْجَبًا، وعليه رفيقًا، فزوَّجته كريمةً من كرائم قومه، آمنةَ بنت وَهْب، فجاءتْ بغلامٍ سمَّيْتُه محمدًا، فمات أبوه وأمُّه، وكفَلْتُهُ أنا وعَمُّه. قال ابنُ ذي يَزَن: إنَّ الذي قلتُ لك كما قلت، فاحتفظْ بابنك واحذَرْ عليه اليهود، فإنهم له أعداءٌ، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلًا، واطوِ ما ذكرتُ لك دون هؤلاء الرَّهْطِ الذين معك، فإني لستُ آمَنُ أن تدخل لهم (٥) النَّفَاسَةُ من أن تكون لهم (٦) الرياسة، فيطلبون له

стр. 1119

الغوائل (١)، وينصِبونَ له الحَبَائل، فهم فاعلونَ أو أبناؤهم، ولولا أني أعلم أنَّ الموت مجتاحي قَبْلَ مَبْعَثِه، لسرتُ بخيلي ورَجِلي حتى أصيِّرَ يَثْربَ دارَ مُلْكي (٢)، فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أنَّ بيثرب اسْتِحْكامَ أمْرِه، وأهْلَ نصرته، ومَوْضعَ قبره؛ ولولا أني أقيهِ الآفات، وأحْذَرُ عليه العاهات لأعلنتُ على حداثة سِنِّهِ أمْرَه، ولأوطأتُ أسنانَ العرب عَقِبَه، ولكني صارفٌ ذلك إليك، من (٣) غير تقصيرٍ بمن معك. قال: ثم أمر لكلِّ رجلٍ منهم بعشرة أعْبُد وعشر إماءٍ وبمئةٍ من الإبل، وحُلَّتين من البرود، وبخمسةِ أرطالٍ من الذهب، وعشرة أرطالِ فضَّة وكَرِشٍ مملوءٍ (٤) عَنْبَرًا، وأمَرَ لعبد المطلب بعشرةِ أضعافِ ذلك وقال له: إذا حالَ الحَوْل فأتني. فمات ابنُ ذي يَزَن قبل أن يحولَ الحول؛ فكان عبد المطلب كثيرًا ما يقول: لا يغبِطْني رجلٌ منكم بجزيلِ عطاء الملك، فإنه إلى نفاد، ولكنْ لِيَغْبطْني بما يبقى لي ولعَقِبي من بعدي، ذِكره وفخره وشرفه، فإذا قيل له: متى ذلك؟ قال: سيُعلم ولو بعد حين. قال: وفي ذلك يقول أُميَّة بن عبد شمس (٥): [من الوافر] جلبْنا النُّصْح تَحْقُبُه (٦) المطايا … على أكوارِ أجمالٍ ونُوقِ مُغَلْغَلَةً مَرَافِقُها (٧) تَغَالَى … إلى صنعاءَ من فجٍّ عَمِيقِ تؤمُّ بنا ابنَ ذي يَزَن وتَفْرِي … بذاتِ بُطُونها ذمَّ الطريق (٨) وترعَى من مخايلِهِ بُروقًا … مُوَاصِلَةَ الوميضِ إلى بُرُوقِ (٩) فلما واصلتْ (١٠) صَنعاءَ حلَّتْ … بدارِ المُلْكِ والحَسَب العريقِ وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في "الدلائل" (١١) من طريق عمرو بن بكير بن بكَّار القعنبي (١٢).

стр. 1120

ثم قال أبو نعيم (١): أُخبرت عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن عبد ربه (٢) بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن (٣) عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن، حدّثني أبي أبو يَزَن إبراهيم، حدّثنا عمي أحمد بن محمد (٤) أبو رجاء (٥) به، حدّثنا عمي محمد بن عبد العزيز، حدّثني عبد العزيز بن عفير، عن أبيه، عن زرعة بن سيف بن ذي يزن الحميري قال: لما ظهر جدي سيف بن ذي يزن على الحبشة. وذكره بطوله (٦). وقال أبو بكر الخرائطي (٧): حدّثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القُلُوسي، حدّثنا العلاء بن الفضل بن أبي سَوِيَّة، أخبرني أبي عن أبيه عبد الملك بن أبي سَوِية، عن جدِّه أبي سوية، عن أبيه خليفة قال: سألت محمد بن عَدِي (٨) بن ربيعة بن سواءَة بن جُشَم (٩) بن سعد فقلت: كيف سمَّاك أبوك محمدًا؟ فقال: سألتُ أبي عمَّا سألتني عنه، فقال: خرجتُ رابعَ أربعةٍ من بني تميم أنا منهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، وأسامة بن مالك بن جُنْدب بن العَنْبَر (١٠)، ويزيد بن ربيعة بن كابِيَة (١١) بن

стр. 1121

حُرْقُوص (١) بن مازن، ونحن نُريد ابنَ جفنة ملك غسَّان، فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات، فتحدَّثنا فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال: إنَّ هذه لغةٌ ما هي بلغةِ [أهلِ] (٢) هذه البلاد. قلنا: نعم، نحن قومٌ من مُضَر. قال: من أيِّ المُضَريِّين؟ قلنا: من خِنْدِف. قال: أما إنه سيبعث [فيكم] (٢) وشيكًا نبيٌّ خاتم النبيين، فسارِعُوا إليه وخذوا بحظِّكم منه ترشُدوا. فقلنا له: ما اسمه؟ قال: اسمه محمد. قال: فرجعنا من عند ابن جَفْنَة، فولد لكلِّ واحدٍ منا ابنٌ فسمَّاه محمدًا. يعني أنَّ كلَّ واحدٍ منهم طمع في أن يكون هذا النبيُّ المبشَّر به ولدَه. وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي (٣): حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، حدّثنا حازم بن عِقَال بن (٤) حبيب بن المنذر بن أبي الحِصْن (٥) بن السمَوْأل بن عادياء، [حدثني جامع بن خَيْران (٦) بن جُميع بن عثمان بن سماك بن أبي الحِصْن (٧) بن السمَوْأل بن عاديا] (٨) قال: لما حضرتِ الأوسَ بنَ حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاةُ، اجتمع إليه قَوْمُه من غسَّان فقالوا: إنه قد حضر من أمر اللّه ما ترى، وقد كنَّا نأمُرك بالتزويج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخَزْرَج له خمسة بنين، وليس لك ولدٌ غير مالك. فقال: لن يَهْلِكَ هالك تركَ مثل مالك، إنَّ الذي يُخرج النارَ من الوَثيمة (٩)، قادرٌ أن يجعل لمالكٍ نَسْلًا، ورجالًا بُسْلًا، وكلٌّ إلى الموت. ثم أقبل على مالك وقال: أيْ بُني، المنيَّة ولا الدنيَّة، العقاب ولا العتاب، التجلُّد ولا التلدّد (١٠)، القبر خيرٌ من الفقر، إنَّه مَنْ قلَّ ذَل (١١)؛ ومن كَرَمِ الكريم الدَّفْعُ عن الحريم؛ والدَّهْر يومان، فيوم لك، ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطَرْ، وإذا كان عليك فاصطبِرْ، وكلاهما سينحسِر، ليس يفلتُ منهما الملك المتوَّج، ولا اللئيم المُعَلْهَج (١٢)، سَلِّم ليومك حيَّاك ربك، ثمّ أنشأ يقول: [من الطويل]

стр. 1122

شَهِدتُ السبايا يومَ آلِ مُحَرِّقٍ … وأدرك عُمْري (١) صيحةَ اللّه في الحِجْرِ فلم أرَ ذا مُلكٍ من الناسِ واحدًا … ولا سُوقةً إلَّا إلى الموتِ والقبرِ فعلَّ الذي أرْدَى ثمودًا وجُرهمًا … سَيُعقِبُ لي نَسْلًا على آخر الدهْر تقرُّ بهم من آلِ عمرو بن عامرٍ … عيونٌ لدى الداعي إلى طلَب الوِتْر (٢) فإن لم تكُ الأيَّام (٣) أبلينَ جِدَّتي … وشيَّبْنَ رأسي والمشيبُ مع العُمْرِ فإنَّ لنا ربًا علا فوقَ عرشِهِ … عليمًا بما يأتي من الخَيْرِ والشرِّ ألم يأتِ قومي أنَّ للّه دعوةً … يفوزُ بها أهلُ السعادة والبرِّ إذا بُعث المبعوثُ من آلِ غالبٍ … بمكةَ فيما بين مكةَ والحِجْرِ هنالك فابْغُوا نَصْرَهُ ببلادكم … بني عامرٍ إن السعادةَ في النَّصْرِ قال: ثم قضى من ساعتا (٤). باب في هواتف الجانّ وما ألقته الجِنَّان على ألسنة الكهان ومسموعًا من الأوثان وقد تقدَّم كلامُ شِقٍّ وسَطِيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسولِ اللّه ﷺ (٥). رسولٌ زكي، يأتي إليه الوَحْي، من قبل العلي. وسيأتي في المولد قول سَطِيح لعبد المسيح (٦): إذا كثرتِ التلاوة، وغاضت بحيرة ساوه، وظهر صاحبُ الهِرَاوة، يعني بذلك رسولَ اللّه ﷺ كما سيأتي بيانه مفصلًا. وقال البخاري (٧): حدّثنا يحيى بن سليمان الجُعْفي، حدّثني ابنُ وَهْب، حدّثني عُمر -وهو ابن محمد بن زيد- أن سالمًا حدَّثه عن عبد اللّه بن عمر قال: ما سمعتُ عمر يقولُ لشيءٍ قطّ: إني لأظنُّه كذا

стр. 1123

إلا كان كما يظُنّ. بينما عمر بن الخطاب جالسٌ إذْ مرَّ به رجلٌ جميل، فقال [عمر:] لقد أخطأ ظني، أو: إنَّ هذا على دينهِ في الجاهلية، أو لقد كان كاهِنَهُم، عليَّ الرَّجُل. فدعا به (١) فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استَقْبَل به رجلًا مسلمًا (٢). قال: فإني أعزمُ عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنتُ كاهِنَهُم في الجاهلية (٣). قال: فما أعجبُ ما جاءَتْكَ به جِنِّيَّتُك؟ قال: بينما أنا يومًا في السُّوق، جاءَتْني أعرفُ فيها الفَزَع، فقالت: [من الرجز] ألَمْ ترَ الجِنَّ وإبلاسها (٤) … ويأسَها من بعدِ إنكاسِها (٥)؟ ولحُوقها بالقِلاصِ وأحْلاسِها (٦)

стр. 1124

قال عمر: صدق، بينما أنا نائمٌ عند آلهتهم إذْ جاء رجلٌ بِعْجلٍ فذبحَهُ، فصرخ به صارخٌ لم أسمعْ صارِخًا قطُ أشدَّ صَوْتًا منه يقول: يا جَليح (١)، أمْرٌ نَجِيح، رجلٌ فصيح، يقوِل: لا إله إلا الله. فوثب القوم، فقلت: لا أبْرَحُ حتى أعلمَ ما وراءَ هذا. ثمّ نادى: يا جليح، أمرٌ نجِيح، رجلٌ فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمتُ فما نَشِبْنا أنْ قيل: هذا نبيّ. تفرَّد به البخاري. وهذا الرجل هو سَوَاد بن قارِب الأزْدي، ويقال السَّدُوسي، من أهل الشَّرَاة من جبال البَلْقاء (٢) له صحبة ووفادة. قال أبو حاتم وابن مَنْدَه: روى عنه سعيد بن جبير، وأبو جعفر محمد بن علي، وقال البخاري: له صحبة. وهكذا ذكره في أسماء الصحابة أحمد بن [هارون بن] (٣) روح البَرْذَعي الحافظ، والدَّارَقُطْني (٤)، وغيرُهما. وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد المِصْري (٥): سَوَاد بن قارِب بالتخفيف. وقال عثمان الوقَّاصي عن محمد بن كعب القُرَظي: كان من أشراف أهل اليمن. ذكره أبو نعيم في "الدلائل" (٦). وقد رُوي حديثُه من وجوهٍ أُخر مطوَّلة بأبسطَ من روايةِ البخاري (٧).

стр. 1125

وقال محمد بن إسحاق (١): حدَّثني من لا أتَّهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان، أنه حُدِّث أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله ﷺ إذْ أقبل رجلٌ من العرب داخل (٢) المسجد يريد عمر بن الخطاب، فلما نظر إليه عمر قال: إنَّ الرجل لعلى شِرْكه، ما فارقَهُ بعد، أو لقد كان كاهنًا في الجاهلية. فسلَّم عليه الرجل ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فهل كنتَ كاهنًا في الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين! لقد خِلْتَ فيّ (٣)، واستقبلْتَني بأمرٍ ما أراك قلتَهُ لأحدٍ من رعيتك منذ وَليت ما وليت. فقال عمر: اللهم غَفْرًا، قد كنَّا في الجاهلية على شرٍّ من هذا، نعبُد الأصنام، ونعتنق الأوْثان، حتى أكرمنا الله برسولهِ وبالإسلام. قال: نعم والله يا أمير المؤمنين، لقد كنتُ كاهنًا في الجاهلية. قال: فأخبِرْني ما جاء به صاحِبُك. قال: جاءني قبل الإسلام بشهر أو شَيْعِه (٤) فقال: ألم تَرَ إلى الجِنِّ وإبْلاسها، وإياسِها من دينها، ولحوقها (٥) بالقِلاص وأحْلاسِها. قال ابن إسحاق (٦): هذا الكلام سجع، وليس بشعر. [قال عبد الله بن كعب]: فقال عمر عند ذلك يحدِّث الناس: والله إني لعند وَثَنٍ من أوثان الجاهلية في نفَرٍ من قريش، قد ذَبَحَ له رجلٌ من العرب عِجْلًا، فنحن ننتظر أن يقسمَ لنا منه، إذ سمعتُ من جَوْف العجل صوتًا ما سمعتُ صوتًا قطُ أشدَّ منه، وذلك قبل الإسلام بشهرٍ أو شَيْعِه يقول: يا ذَرِيح، أمْرٌ نَجيح، رجلٌ يصيع (٧)، يقول: لا إله إلا الله. قال ابن هشام: ويقال رجل يصيح (٧)، بلسان فصيح (٨)، يقول: لا إله إلا الله. قال: وأنشدني بعضُ أهل العلم بالشعر: [من السريع]
следующие страницы →