← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

حُرْقُوص (١) بن مازن، ونحن نُريد ابنَ جفنة ملك غسَّان، فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات، فتحدَّثنا فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال: إنَّ هذه لغةٌ ما هي بلغةِ [أهلِ] (٢) هذه البلاد. قلنا: نعم، نحن قومٌ من مُضَر. قال: من أيِّ المُضَريِّين؟ قلنا: من خِنْدِف. قال: أما إنه سيبعث [فيكم] (٢) وشيكًا نبيٌّ خاتم النبيين، فسارِعُوا إليه وخذوا بحظِّكم منه ترشُدوا. فقلنا له: ما اسمه؟ قال: اسمه محمد. قال: فرجعنا من عند ابن جَفْنَة، فولد لكلِّ واحدٍ منا ابنٌ فسمَّاه محمدًا. يعني أنَّ كلَّ واحدٍ منهم طمع في أن يكون هذا النبيُّ المبشَّر به ولدَه. وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي (٣): حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، حدّثنا حازم بن عِقَال بن (٤) حبيب بن المنذر بن أبي الحِصْن (٥) بن السمَوْأل بن عادياء، [حدثني جامع بن خَيْران (٦) بن جُميع بن عثمان بن سماك بن أبي الحِصْن (٧) بن السمَوْأل بن عاديا] (٨) قال: لما حضرتِ الأوسَ بنَ حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاةُ، اجتمع إليه قَوْمُه من غسَّان فقالوا: إنه قد حضر من أمر اللّه ما ترى، وقد كنَّا نأمُرك بالتزويج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخَزْرَج له خمسة بنين، وليس لك ولدٌ غير مالك. فقال: لن يَهْلِكَ هالك تركَ مثل مالك، إنَّ الذي يُخرج النارَ من الوَثيمة (٩)، قادرٌ أن يجعل لمالكٍ نَسْلًا، ورجالًا بُسْلًا، وكلٌّ إلى الموت. ثم أقبل على مالك وقال: أيْ بُني، المنيَّة ولا الدنيَّة، العقاب ولا العتاب، التجلُّد ولا التلدّد (١٠)، القبر خيرٌ من الفقر، إنَّه مَنْ قلَّ ذَل (١١)؛ ومن كَرَمِ الكريم الدَّفْعُ عن الحريم؛ والدَّهْر يومان، فيوم لك، ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطَرْ، وإذا كان عليك فاصطبِرْ، وكلاهما سينحسِر، ليس يفلتُ منهما الملك المتوَّج، ولا اللئيم المُعَلْهَج (١٢)، سَلِّم ليومك حيَّاك ربك، ثمّ أنشأ يقول: [من الطويل]

стр. 1122

شَهِدتُ السبايا يومَ آلِ مُحَرِّقٍ … وأدرك عُمْري (١) صيحةَ اللّه في الحِجْرِ فلم أرَ ذا مُلكٍ من الناسِ واحدًا … ولا سُوقةً إلَّا إلى الموتِ والقبرِ فعلَّ الذي أرْدَى ثمودًا وجُرهمًا … سَيُعقِبُ لي نَسْلًا على آخر الدهْر تقرُّ بهم من آلِ عمرو بن عامرٍ … عيونٌ لدى الداعي إلى طلَب الوِتْر (٢) فإن لم تكُ الأيَّام (٣) أبلينَ جِدَّتي … وشيَّبْنَ رأسي والمشيبُ مع العُمْرِ فإنَّ لنا ربًا علا فوقَ عرشِهِ … عليمًا بما يأتي من الخَيْرِ والشرِّ ألم يأتِ قومي أنَّ للّه دعوةً … يفوزُ بها أهلُ السعادة والبرِّ إذا بُعث المبعوثُ من آلِ غالبٍ … بمكةَ فيما بين مكةَ والحِجْرِ هنالك فابْغُوا نَصْرَهُ ببلادكم … بني عامرٍ إن السعادةَ في النَّصْرِ قال: ثم قضى من ساعتا (٤). باب في هواتف الجانّ وما ألقته الجِنَّان على ألسنة الكهان ومسموعًا من الأوثان وقد تقدَّم كلامُ شِقٍّ وسَطِيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسولِ اللّه ﷺ (٥). رسولٌ زكي، يأتي إليه الوَحْي، من قبل العلي. وسيأتي في المولد قول سَطِيح لعبد المسيح (٦): إذا كثرتِ التلاوة، وغاضت بحيرة ساوه، وظهر صاحبُ الهِرَاوة، يعني بذلك رسولَ اللّه ﷺ كما سيأتي بيانه مفصلًا. وقال البخاري (٧): حدّثنا يحيى بن سليمان الجُعْفي، حدّثني ابنُ وَهْب، حدّثني عُمر -وهو ابن محمد بن زيد- أن سالمًا حدَّثه عن عبد اللّه بن عمر قال: ما سمعتُ عمر يقولُ لشيءٍ قطّ: إني لأظنُّه كذا

стр. 1123

إلا كان كما يظُنّ. بينما عمر بن الخطاب جالسٌ إذْ مرَّ به رجلٌ جميل، فقال [عمر:] لقد أخطأ ظني، أو: إنَّ هذا على دينهِ في الجاهلية، أو لقد كان كاهِنَهُم، عليَّ الرَّجُل. فدعا به (١) فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استَقْبَل به رجلًا مسلمًا (٢). قال: فإني أعزمُ عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنتُ كاهِنَهُم في الجاهلية (٣). قال: فما أعجبُ ما جاءَتْكَ به جِنِّيَّتُك؟ قال: بينما أنا يومًا في السُّوق، جاءَتْني أعرفُ فيها الفَزَع، فقالت: [من الرجز] ألَمْ ترَ الجِنَّ وإبلاسها (٤) … ويأسَها من بعدِ إنكاسِها (٥)؟ ولحُوقها بالقِلاصِ وأحْلاسِها (٦)

стр. 1124

قال عمر: صدق، بينما أنا نائمٌ عند آلهتهم إذْ جاء رجلٌ بِعْجلٍ فذبحَهُ، فصرخ به صارخٌ لم أسمعْ صارِخًا قطُ أشدَّ صَوْتًا منه يقول: يا جَليح (١)، أمْرٌ نَجِيح، رجلٌ فصيح، يقوِل: لا إله إلا الله. فوثب القوم، فقلت: لا أبْرَحُ حتى أعلمَ ما وراءَ هذا. ثمّ نادى: يا جليح، أمرٌ نجِيح، رجلٌ فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمتُ فما نَشِبْنا أنْ قيل: هذا نبيّ. تفرَّد به البخاري. وهذا الرجل هو سَوَاد بن قارِب الأزْدي، ويقال السَّدُوسي، من أهل الشَّرَاة من جبال البَلْقاء (٢) له صحبة ووفادة. قال أبو حاتم وابن مَنْدَه: روى عنه سعيد بن جبير، وأبو جعفر محمد بن علي، وقال البخاري: له صحبة. وهكذا ذكره في أسماء الصحابة أحمد بن [هارون بن] (٣) روح البَرْذَعي الحافظ، والدَّارَقُطْني (٤)، وغيرُهما. وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد المِصْري (٥): سَوَاد بن قارِب بالتخفيف. وقال عثمان الوقَّاصي عن محمد بن كعب القُرَظي: كان من أشراف أهل اليمن. ذكره أبو نعيم في "الدلائل" (٦). وقد رُوي حديثُه من وجوهٍ أُخر مطوَّلة بأبسطَ من روايةِ البخاري (٧).

стр. 1125

وقال محمد بن إسحاق (١): حدَّثني من لا أتَّهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان، أنه حُدِّث أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله ﷺ إذْ أقبل رجلٌ من العرب داخل (٢) المسجد يريد عمر بن الخطاب، فلما نظر إليه عمر قال: إنَّ الرجل لعلى شِرْكه، ما فارقَهُ بعد، أو لقد كان كاهنًا في الجاهلية. فسلَّم عليه الرجل ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فهل كنتَ كاهنًا في الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين! لقد خِلْتَ فيّ (٣)، واستقبلْتَني بأمرٍ ما أراك قلتَهُ لأحدٍ من رعيتك منذ وَليت ما وليت. فقال عمر: اللهم غَفْرًا، قد كنَّا في الجاهلية على شرٍّ من هذا، نعبُد الأصنام، ونعتنق الأوْثان، حتى أكرمنا الله برسولهِ وبالإسلام. قال: نعم والله يا أمير المؤمنين، لقد كنتُ كاهنًا في الجاهلية. قال: فأخبِرْني ما جاء به صاحِبُك. قال: جاءني قبل الإسلام بشهر أو شَيْعِه (٤) فقال: ألم تَرَ إلى الجِنِّ وإبْلاسها، وإياسِها من دينها، ولحوقها (٥) بالقِلاص وأحْلاسِها. قال ابن إسحاق (٦): هذا الكلام سجع، وليس بشعر. [قال عبد الله بن كعب]: فقال عمر عند ذلك يحدِّث الناس: والله إني لعند وَثَنٍ من أوثان الجاهلية في نفَرٍ من قريش، قد ذَبَحَ له رجلٌ من العرب عِجْلًا، فنحن ننتظر أن يقسمَ لنا منه، إذ سمعتُ من جَوْف العجل صوتًا ما سمعتُ صوتًا قطُ أشدَّ منه، وذلك قبل الإسلام بشهرٍ أو شَيْعِه يقول: يا ذَرِيح، أمْرٌ نَجيح، رجلٌ يصيع (٧)، يقول: لا إله إلا الله. قال ابن هشام: ويقال رجل يصيح (٧)، بلسان فصيح (٨)، يقول: لا إله إلا الله. قال: وأنشدني بعضُ أهل العلم بالشعر: [من السريع]

стр. 1126

عَجِبْتُ للجِنِّ وإبْلاسِها … وشدِّها العِيسَ بأحْلاسِها تَهْوي إلى مكة تبغي الهُدَى … ما مؤمنو (١) الجِنِّ كأنجاسِها وقال الحافظ أبو يَعْلى المَوْصلي (٢): حدّثنا يحيى بن حُجْر بن النعمان السَّامي (٣)، حدّثنا علي بن منصور الأبناوي (٤)، عن عثمان (٥) بن عبد الرحمن الوقَّاصي، عن محمد بن كعب القُرَظي. قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم جالس، إذ مرَّ به رجل، فقيل: يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المارّ؟ قال: ومن هذا؟ قالوا: هذا سَوَاد بن قارب الذي أتاه رَئيُّهُ بظهورِ رسولِ الله ﷺ ، قال: فأرسل إليه عمر، فقال له: أنت سَواد بن قارِب؟ قال: نعم. قال: فأنت على ما كنتَ عليه من كهانتك؟ قال: فغضب، وقال: ما استقبلني بهذا أحدٌ منذُ أسلمتُ يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: يا سبحان الله! ما كنا عليه من الشرك أعظمُ مما كنتَ عليه من كهانتك! فأخبرني ما أنبأك رَئيُّكَ بظهور رسولِ الله ﷺ ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا ذات ليلةٍ بين النائم واليقظان إذْ أتاني رَئَيِّي فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، واسمعْ مقالتي، واعقِلْ إنْ كنتَ تعقِل، إنه قد بُعث رسولٌ من لُؤَيِّ بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته. ثم أنشأ يقول: [من السريع] عجبتُ للجِنِّ وتَطْلابها … وَشدِّها العيسَ بأقْتَابها (٦) تهوي إلى مكّةَ تبغي الهُدى … ما صادقُ الجِنِّ ككذَّابها فارْحَلْ إلى الصِّفْوةِ مِن هاشمٍ … ليسَ قُدَامَاها كأذنابها (٧) قال: قلت: دعني أنام فإني أمسيتُ ناعسًا. قال: فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله

стр. 1127

وقال: قم يا سواد بن قارِب واسمعْ مقالتي، واعقِل إن كنتَ تعقل، إنه بُعث رسولٌ من لُؤيِّ بن غالب، يدعو إلى اللّه وإلى عبادته، ثمّ أنشأ يقول: [من السريع] عجبتُ للجنّ وتَخبارِها … وشَدِّها العِيسَ بأكْوارِها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجنِّ ككُفَّارِها فارْحَلْ إلى الصِّفْوةِ من هاشمٍ … بينَ رَوابيها وأحْجَارها قال: قلت: دَعني أنام، فإني أمسيتُ ناعسًا. فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارِب، فاسمعْ مقالتي، واعقل إنْ كنت تعقل، إنه قد بُعث رسولٌ من لؤي بن غالب، يدعو إلى اللّه وإلى عبادته ثم أنشأ يقول: [من السريع] عجبتُ للجنِّ وتَحْساسِها (١) وشدِّها العيسَ بأحلاسها تهوي إلى مكةَ تبغي الهدى … ما خيّرُ الجنِّ كأنْجاسها فارْحَلْ إلى الصِّفْوة من هاشمٍ … واسمُ بعينيكَ إلى رأسِها قال: فقمتُ وقلت: قد (٢) امتحن اللّه قلبي، فرحَّلْتُ ناقتي ثم أتيت المدينة -يعني مكة- فإذا رسول اللّه ﷺ وأصحابه حَوْلَه، فدنوتُ فقلت: اسمع مقالتي يا رسول اللّه. قال: هات، فأنشأتُ أقول: [من الطويل] أتاني نَجِيِّي بعدَ هدْءٍ ورقْدةٍ … ولم يكُ فيما قد بلَوْت (٣) بكاذبِ ثلاثَ ليالٍ قولُه كلَّ ليلةٍ … أتاكَ رسولٌ من لُؤيِّ بنِ غالبٍ فشمَّرتُ عن ذيلي الإزارَ ووسَّطَتْ … بيَ الذِّعْلِبُ الوَجْناءُ غُبْرَ السَّبَاسِبِ (٤) فأَشهدُ أنّ اللّه لا شيءَ غيرُه … وأنَّكَ مأمونٌ على كلِّ غائبِ وأنَّكَ أدْنَى المرسلينَ وَسيلةً … إلى اللّه يا بنَ الأكرمينَ الأطايبِ فمُرْنا بما يأتيكَ يا خيرَ مَنْ مَشَى … وإنْ كان فيما جاء شَيْبُ الذوائبِ وكنْ لي شفيعًا يومَ لا ذو شفاعةٍ … سِواكَ بِمُغْنٍ عن سَوَادِ بن قارِبِ

стр. 1128

قال: ففرح رسولُ اللّه ﷺ وأصحابُه بمقالتي فرحًا شديدًا، حتى رُئي الفرَحُ في وجوههم. قال: فوثب إليه عمرُ بن الخطاب فالتزمه وقال: قد كنتُ أشتهي أنْ أسمعَ هذا الحديثَ منك، فهل يأتيك رَئيُّك اليوم؟ قال: أمَّا منذُ قرأتُ القرآن فلا، ونعم العِوَضُ كتابُ اللّه من الجِنّ. ثم قال عمر: كنا يومًا في حيٍّ من قريش يقال لهم: آل ذَرِيح، وقد ذبحوا عِجْلًا لهم والجزَّار يُعالجه، إذ سمعنا صوتًا من جَوْفِ العجل ولا نرى شيئًا، قال: يا آل ذريح، أمرٌ نَجيح، صائح يَصيح، بلسانٍ فصيح، يشهدُ أن لا إله إلَّا اللّه. وهذا منقطعٌ من هذا الوجه، ويشهد له روايةُ البخاري. وقد تساعدوا على أنَّ السامعَ الصوتَ من العجل هو عمر بن الخطاب واللّه أعلم. وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه الذي جمعه في هواتف الجِنَّان (١): حدّثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤدِّب، حدّثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدّثنا سعيد بن عبيد اللّه الوصَّافي (٢)، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: دخل سَوَادُ بن قارِب السَّدُوسي على عمرَ بن الخطاب ﵁ فقال: نشدتُكَ بالله يا سواد بن قارب، هل تُحسن اليوم من كَهَانتك شيئًا؟ فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما استقبلتَ أحدًا من جُلَسالْك بمثل ما استقبلتني به! قال: سبحان اللّه يا سواد! ما كنا عليه من شِركنا أعظمُ مما كنتَ عليه من كهانتكَ؛ واللّه يا سواد، لقد بلغني عنك حديثٌ إنه لعجَبٌ من العجَب! [قال: إي واللّه يا أمير المؤمنين إنه لعجبٌ من العجب] (٣). قال: فحدِّثنيه. قال: كنتُ كاهنًا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلةٍ نائمٌ إذْ أتاني نَجِيِّي، فضربني برجله، ثم قال: يا سَوَاد، اسمعْ أقلْ لك. قلت: هات. قال: [من السريع] عجِبْتُ للجِنِّ وأنجاسها … ورَحْلِها العيسَ بأحْلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى … ما مؤمنوها مثلُ أرْجَاسها فارحلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ … واسمُ بعينيكَ إلى رأسها قال: فنمتُ ولم أحفِل بقوله شيئًا؛ فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله ثمّ قال لي: قم يا سَوَاد بن قارب، اسمع أقلْ لك. قلت: هات. قال: [من السريع] عجِبْتُ للجِنِّ وتطلابها … ورَحْلها (٤) العيسَ بأقتابها

стр. 1129

تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما صادقو الجِنِّ ككُذَّابها فارحلْ إلى الصفوة من هاشمٍ … ليس المقاديمُ كأذنابها قال: فحرَّك قولُه مني شيئًا، ونمت؛ فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله ثمّ قال: يا سواد بن قارب، أتعقِلُ أم لا تعقل؟ قلت: وما ذاك؟ قال: ظهر بمكة نبيٌّ يدعو إلى عبادة ربِّهِ (١) فالْحَقْ به، اسمع أقل لك. قلت: هات، قال: [من السريع] عجبتُ للجنِّ وأخبارها (٢) … ورَحْلِها العيسَ بأكْوارها تهوي إلى مكةَ تبغي الهدى … ما مؤمنوها مثل كُفَّارها (٣) فارْحَلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ … بينَ روابيها وأَحجارها (٤) قال: فعلمتُ أنَّ اللّه أرادَ بي خيرًا؛ فقمتُ إلى بُرْدة لي، ففتقتُها ولبستُها، ووضعتُ رجلي في غَرْز (٥) ركاب الناقة، وأقبلتُ حتى انتهيتُ إلى النبي ﷺ فعرض عليَّ الإسلام، فأسلمتُ، وأخبرتُه الخبر. قال: "إذا اجتمع المسلمونَ فأخبِرْهم". فلما اجتمع المسلمون قمت فقلت: [من الطويل] أتاني نَجِيِّي بعدَ هدْءٍ ورَقْدةٍ … ولم يكُ فيما قد بَلَوتُ بكاذبِ ثلاث ليالٍ قولُه كُلَّ ليلةٍ … أتاك رسولٌ من لُؤَيِّ بن غالبِ فشمرتُ عن ذيلي الإزارَ ووسَّطَتْ … بيَ الذِّعلبُ الوَجْناءُ غُبْر السَّبَاسِبِ وأعلمُ أنَّ اللّه لا ربَّ غيرُه … وأنَّك مأمونٌ على كلِّ غائبِ وأنك أدنى المرسلينَ وسيلةً … إلى اللّهِ يا بنَ الأكرمينَ الأطايبِ فمُرْنا بما يأتيكَ يا خيرَ مرسَلٍ … وإنْ كان فيما جاءَ شَيْبُ الذوائبِ قال: فسُرَّ المسلمون بذلك، فقال عمر: هل تُحِسُّ اليومَ منها بشيء؟ قال: أمَّا مُذْ (٦) علَّمني اللّه القرآنُ فلا. وقد رواه محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، عن عمر بن حفص قال: لما ورد سَوَاد بن قارب على عمر قال: يا سَوَاد بن قارب، ما بقي من كهانتك؟ فغضب وقال: ما أظنُّك يا أمير المؤمنين استقبلتَ أحدًا من العرب بمثل هذا، فلما رأى ما في وجهه من الغضَب، قال: انظرْ سواد، للَّذي كنَّا عليه قبلَ اليوم من

стр. 1130

الشِّرْك أعظم. ثمّ قال: يا سواد، حدّثني حديثًا كنتُ أشتهي أسمعه منك. قال: نعم، بينا أنا في إبلٍ لي بالشراه (١) ليلًا وأنا نائم، وكان لي نَجِيٌّ، فأتاني (٢) فضربني برجله فقال لي: قم يا سواد بن قارب، فقد ظهر بتهامة نبيٌّ يدعو إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيم. فذكر القصة كما تقدم وزاد في آخر الشعر: [من الطويل] وكُنْ لي شفيعًا يومَ لا ذو قرابةٍ … سواكَ بمغنٍ عن سَوَاد بن قاربِ فقال رسولُ الله ﷺ : "سِرْ في قومِكَ وقل هذا الشعر فيهم". ورواه الحافظ ابن عساكر (٣) من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي، عن عباد بن عبد الصمد عن سعيد بن جبير قال: أخبرني سواد بن قارب الأزْدي. قال: كنتُ نائمًا على جبل من جبال الشراة فأتاني آتٍ فضربني برجله. وذكر القصة أيضًا. ورواه (٤) أيضًا من طريق محمد بن البراء عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال سواد بن قارب: كنت نازلًا بالهند فجاءني رَئيِّي ذات ليلة، فذكر القصة. وقال بعد إنشاد الشعر الأخير فضحك رسول الله ﷺ حتى بدتْ نواجذُه وقال: "أفلحتَ يا سَوَاد". وقال أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة" (٥): حدّثنا عبد اللّه بن جعفر (٦)، حدّثنا عبد الرحمن بن الحسن، حدّثنا علي بن حرب، حدّثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السّائب، عن أبيه، عن عبد اللّه العُمَاني (٧) قال: كان منا رجلٌ يقال له: مازن بن الغضوبة (٨) يَسْدُنُ صنمًا بقريةٍ يقال لها: سمايا، من عُمان، وكانتْ تعظِّمه بنو الصامت وبنو خِطامة (٩) ومهرة، وهم أخوال مازن- أمه (١٠) زينب بنت

стр. 1131

عبد الله بن ربيعة بن خويص (١). أخبرني أحد بني نمران - قال مازن: فعتَرْنا ذات يوم عند الصنم عَتِيرة - وهي الذبيحة (٢) - فسمعتُ صوتًا من الصنم يقول: يا مازن، اسمعْ تُسَرّ، ظَهر خيرٌ وبُطن شَرّ، بُعث نبيٌّ من مُضَر، بدينِ اللّهِ الأكبر (٣)، فدَع نَحيتًا من حجَر، تَسْلَم من حَرِّ سَقَر. قال: ففزعتُ لذلك فزَعًا شديدًا، ثمّ عتَرْنا بعد أيام عَتيرة أخرى، فسمعتُ صوتًا من الصنم يقول: أقبلْ إليَّ أقبل، تسمعْ ما لا يُجهل، هذا نبيٌّ مرسل، جاء بحق مُنزَل، فآمنْ به كي تُعْدَل، عن حَرِّ نارٍ تُشعل، وقودها الجَنْدل (٤). قال مازن: إنَّ هذا لعجب، وإنَّ هذا لخَيْرٌ يُرادُ بي. وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلت: ما الخبر وراءك؟ فقال: ظهر رجلٌ يقال له: أحمد، يقول لمن أتاه: أجيبوا داعيَ اللّه، فقلت: هذا نبأ ما سمعتُ، فثُرتُ إلى الصنم فكسرْتُه أجذاذا (٥)، وركبتُ راحلتي حتى قدمت على رسول اللّه ﷺ فشرح اللّه صدري للإسلام، فأسلمت، وقلت: [من البسيط] كسّرْتُ باجِرَ أجْذاذًا وكانَ لنا … رَبًا نُطيفُ به ضُلًّا بتَضْلالِ (٦) بالهاشميِّ هَدانا مِن ضَلالتنا … ولم يكُنْ دينُه منّي على بالِ يا راكبًا بلِّغنْ عَمْرًا وإخوتَها (٧) … إني لِمَنْ قال ربي باجِرٌ قالِ يعني بعمرو بني الصامت وإخوتها خطامه (٨). فقلت: يا رسول اللّه إني امرؤ (٩) مولَعٌ بالطرب، وبالهَلُوك من النساء (١٠) وبشرب الخمر، وألحَّتْ علينا السِّنُونَ فأذهبْنَ الأموال، وأهْزَلْن الذَّرَاري، وليس لي ولد، فادْعُ اللّه أن يُذهب عني ما أجد، ويأتينا بالحَيَا، ويهب لي ولدًا. فقال النبيُّ ﷺ : "اللهم أبدلْهُ بالطربِ قراءةَ القرآن، وبالحرام الحلال، وبالإثم وبالعُهْر عِفَّةً، وآتِهِ بالحيا، وهَبْ له ولدًا" قال: فأذهبَ اللّه عني ما أجد، وأُخصبتْ عُمان، وتزوجتُ أربع حرائر، وحفظت شَطْر

стр. 1132

القرآن، ووهب لي حَيَّان بن مازن، وأنشأ (١) يقول: [من الطويل] إليكَ رسولَ اللّهِ خبَّتْ مطيَّتي … تجوبُ الفيافي من عُمَانَ إلى العَرْج (٢) لتشفعَ لي يا خيرَ من وطئ الثرى … فيغفر لي ربي فأرجعُ بالفَلْج (٣) إلى معشرٍ خالفتُ في الله دينهم … فلا رأْيُهُم رأيي ولا شرجُهم شَرْجي (٤) وكنتُ امرأً بالخمر والعُهْر مُولَعًا … شبابيَ حتى آذنَ الجسمُ بالنَّهجِ (٥) فبدَّلني بالخمرِ خَوْفًا وخشيةً … وبالعُهْر إحصانًا فحصَّن لي فرْجي فأصبحت هَمِّي في الجهادِ ونيَّتي … فللهِ ما صَوْمي وللّه ما حجِّي (٦) قال: [فلما أتيت قومي أنَّبُوني وشتموني] (٧)، وأمروا شاعرًا لهم فهجاني، فقلت: إن رددْتُ عليه فإنما أهجو نفسي؛ فرحلتُ عنهم فأتَتْني منهم زُلْفَةٌ عظيمة، وكنتُ القيِّمَ بأمورهم، فقالوا: يا بن عم، عِبْنا عليك أمرًا وكرهنا ذلك، فإنْ أبيت ذلك فارجعْ وقُمْ بأمورنا، وشأنك وما تدين به. فرجعتُ معهم وقلت: [من البسيط] لَبُغْضُكُمْ عندنا مُرٌّ مذاقتُه … وبُغْضُنا عندكمْ يا قومَنا لَبَنُ (٨) لا يفطنُ الدَّهْرُ إن بُثَّتْ معايبُكم … وكلُّكم حينَ يثنى عَيْبُنَا فَطِنُ شاعرُنا مُفْحَمٌ عنكم وشاعركم … في جَدْبِنا مُبْلِغٌ في شتمِنا لَسِنُ (٩) ما في القلوب عليكم فاعلموا وَغَرّ (١٠) … وفي قلوبِكُمُ البغضاءُ والإحَنُ قال مازن: فهداهم الله بعدُ إلى الإسلام (١١) جميعًا.

стр. 1133

وروى الحافظ أبو نعيم (١)، من حديث عبد اللّه بن محمد بن عقيل (٢)، عن جابر بن عبد اللّه قال: إنَّ أول خبرٍ كان بالمدينة بمبعث رسولِ اللّه ﷺ أنَّ امرأةً بالمدينة كان لها تابعٌ من الجن، فجاء في صورة طائرٍ أبيض، فوقع على حائطٍ لهم، فقالت له: لِمَ لا تنزلُ إلينا فتحدِّثنا ونحدِّثك، وتخبرنا ونخبرك؟ فقال لها: إنه قد بُعث نبيٌّ بمكة حرَّم الزِّنا ومنع منا القرار (٣). وقال الواقدي: حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزُّهري، عن علي بن الحسين قال: إنَّ أولَ خبير فدم المدينة عن رسولِ اللّه ﷺ أنَّ امرأةً تُدعى فاطمة كان لها تابع، فجاءها ذات يوم، فقام على الجدار، فقالت: ألا تنزل؟ فقال: لا، إنه قد بُعث الرسول الذي حرَّم الزِّنا (٤). وأرسله بعض التابعين (٥) أيضًا وسمَّاه بابن لوذان، وذكر أنه كان قد غاب عنها مدة، ثمّ لما قدم عاتَبَتْهُ فقال: إني جئتُ الرسولَ فسمعته يحرِّم الزِّنا، فعليك السلام. وقال الواقدي: حدّثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: قال عثمان بن عفان: خرجنا في عير إلى الشام قبل أن يُبعث رسولُ اللّه ﷺ فلما كنا بأفواه الشام- وبها كاهنة- فتعرضَتْنا، فقالت: أتاني صاحبي فوقف على بابي، فقلت: ألا تدخل؟ فقال: لا سبيل إلى ذلك، خرج أحمد، وجاء أمْرٌ لا يُطاق. ثم انصرفتُ، فرجعتُ إلى مكة، فوجدتُ رسولَ الله ﷺ قد خرج بمكة يدعو إلى اللّه . وقال الواقدي (٦): حدّثني محمد بن عبد اللّه الزهري قال: كان الوحي يُسمع، فلما كان الإسلام مُنعوا، وكانتِ امرأةٌ من بني أسد يقال لها: سعيرة، لها تابع من الجن، فلما رأى الوحيَ لا يُستطاع، أتاها فدخل في صدرها، فضجَّ في صدرها، فذهب عقلُها، فجعل يقول من صدرها: وُضع العناق، ومُنع الرِّفاق، وجاء أمر لا يُطاق، وأحمد حرَّم الزِّنا.

стр. 1134

وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي (١): حدّثنا عبد الله بن محمد البلوي بمصر، حدّثنا عُمارة بن زيد، حدّثنا عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، عمن حدّثه، عن مِرْداس بن قيس الدَّوْسي (٢) قال: حضرتُ النبيَّ ﷺ وقد ذُكرتْ عنده الكهانةُ، وما كان من تعبيرها (٣) عند مخرجه فقلت: يا رسول اللّه، قد كان عندنا في ذلك شيءٌ، أُخبرك أنَّ جاريةً منّا يقال لها: الخَلَصة، لم نعلم عليها إلا خيرًا، إذْ جاءتنا فقالت: يا معشر دَوْس، العَجَب العَجَب لما أصابني! هل علمتم إلا خيرًا؟ قلنا: وما ذاك؟ قالت: إنِّي لفي غنمي، إذْ غشيتني ظُلْمة، ووجدتُ كحَسِّ الرجل مع المرأة، فقد خَشِيتُ أن أكونَ قد حَبِلْت. حتى إذا دنتْ ولادتها، وضعتْ غلامًا أغضف (٤)، له أذنان كأُذُني الكلب، فمكث فينا حتى إنَّه ليلعب مع الغلمان إذْ وثب وثبةً، وألقى إزاره، وصاح بأعلى صوته وجعل يقول: يا وَيْلَهُ يا وَيْلَهُ! يا عَوْلهُ يا عَوْلَه (٥)! يا ويل غَنْم! يا ويل فهم، من قابس النار. [من الرجز] الخَيْلُ واللّهِ وراءَ العَقَبَهْ … فيهنَّ فتيانٌ حِسَانٌ نَجَبَهْ قال: فركبنا وأخذْنا للأداة (٦)، وقلنا: يا ويلك! ما ترى؟ فقال: هل من جاريةٍ طامث؟ فقلنا: ومن لنا بها؟ فقال شيخٌ منا: هي واللّهِ عندي، عفيفة الأم، فقلنا: فعجِّلْها، فأُتي بالجارية، وطلع الجبل، وقال للجارية: اطرحي ثوبَكِ واخْرُجي في وجوههم. وقال للقوم: اتَّبعوا أثرها. وقال لرجل منا يقال له: أحمر بن حابس، فقال: يا أحمر بن حابس، عليك أوَّلَ فارس. فحمل أحمر، فطعن أولَ فارسٍ فصرعه، وانهزموا فغنمناهم. قال (٧): فابتنينا عليهم بيتًا وسمَّيناه ذا الخَلَصَة، وكان لا يقول لنا شيئًا إلا كان كما يقول؛ حتى إذا كان مبعثُك يا رسول اللّه قال لنا يومًا: يا معشر دَوْس نزلت (٨) بنو الحارث بن كعب فاركبوا، فركبنا، فقال لنا: اكْدِسُوا الخيلَ كَدْسًا (٩)، [و] (١٠) احشوا القوم رَمْسًا،

стр. 1135

الْقَوْهم (١) غُدَيَّة، واشربوا الخمر عشيَّة. قال: فلقيناهم. فهزمونا وغلبونا، فرجعنا إليه فقلنا: ما حالك؟ وما الذي صنعتَ بنا؟ فنظرنا إليه وقد احمرَّت عيناه وانتصبتْ (٢) أذناه وانبرم غضبانًا (٣) حتى كاد أن ينفطر، وقام؛ فركبنا واغتفرنا هذه له، ومكثنا بعد ذلك حينًا، ثم دعانا فقال: هل لكم في غزوةٍ تهب لكم عِزًّا، وتجعل لكم حِرْزًا، ويكون في أيديكم كنزًا؟ فقلنا: ما أحوجنا إلى ذلك! فقال: اركبوا فركبنا فقلنا: ما تقول؟ فقال: بنو الحارث بن مسلمة، ثم قال: [قفوِا. فوقفنا، ثم قال] (٤): عليكم بفَهْم. ثم قال: ليس لكم فيهم دم، عليكم بمُضَر، هم أربابُ خيلٍ ونعَم. ثمّ قال: لا، رَهْطُ دُريد بن الصِّمَّة، قليلُ العدد، وفيُّ الذِّمَّة. ثمّ قال: لا، ولكن عليكم بكعب بن ربيعة، واسكنوها ضيعة (٥) عامر بن صعصعة، فليكن بهم الوقيعة قال: فلَقيناهم، فهزمونا وفضحونا (٦)، فرجعنا وقلنا: ويلك! ماذا تصنع بنا؟ قال: ما أدري، كذَّبني الذي كان يصدُقني؛ اسجنوني في بيتي ثلاثًا، ثمّ ائتوني. ففعلنا به ذلك، ثمّ أتيناه بعد ثالثة ففتحنا عنه، فإذا هو كأنه جمرة (٧) نار، فقال: يا معشر دَوْس، حُرستِ السماء، وخرج خير الأنبياء. قلنا: أين؟ قال: بمكة وأنا ميِّت، فادفنوني في رأس جبل، فإني سوف أضطرمُ نارًا، وإنْ تركتموني كنتُ عليكم عارًا، فإذا رأيتمُ اضطرامي وتلهُّبي، فاقذفوني بثلاثةٍ أحجار، ثمّ قولوا مع كل حجر: باسمك اللهمّ. فإني أَهْدَى وأطْفَى (٨). قال: وإنَّه مات، فاشتعل نارًا، ففعلنا به ما أمر، وقذفناه بثلاثةٍ أحجار، نقول مع كلِّ حجر: باسمك اللهم. فخمد وطَفِئ، وأقمنا حتى قدم علينا الحاج، فأخبرونا بمبعثك يا رسول اللّه. غريب جدًا. وروى الواقدي (٩) عن ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جُنْدُب، عن النَّضْر بن سفيان الهُذَلي، عن أبيه، قال: خرجنا في عيرٍ لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزَّرْقاء ومَعَان (١٠) قد عرَّسْنا من

стр. 1136

الليل (١)، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها النيام هُبُّوا، فليس هذا بحينِ رُقاد، قد خرج أحمد، فطُرِّدت الجنُّ كل مُطَّرَد. ففزعنا ونحن رفقة حَزَاوِرَة (٢)، كلُّهم قد سمع بهذا، فرجعنا إلى أهلنا، فإذا هم يذكرونَ اختلافًا بمكَّة بين قريش، في نبيٍّ قد خرج فيهم، من بني عبد المطلب اسمه أحمد. ذكره أبو نُعيم (٣). وقال الخرائطي (٤): حدّثنا عبد الله بن محمد البَلَوي بمصر، حدّثنا عُمارة بن زيد، حدّثني عبد الله (٥) ابن العلاء، حدّثنا يحيى بن عروة، عن أبيه، أنَّ نفرًا من قريش، منهم وَرَقَةُ بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، وزيد بن عمرو بن نُفَيْل، وعُبيد الله (٦) بن جَحْش بن رئاب، وعثمان بن الحُويرث، كانوا عند صنمٍ لهم يجتمعون إليه، قد اتخذوا ذلك اليومَ من كلِّ سنةٍ عيدًا، كانوا يعظمونه وينحرون به الجَزُور (٧)، ثم يأكلونَ ويشربونَ الخمر، ويعكفُون عليه؛ فدخلوا عليه في الليل فرأَوْه مكبوبًا على وجهه، فأنكروا ذلك، فأخذوه فردُّوه إلى حاله، فلم يلبثْ أن انقلب انقلابًا عنيفًا، فأخذوه فردُّوه إلى حاله، فانقلب الثالثة، فلما رأوا ذلك اغتمُّوا له وأعظموا ذلك. فقال عثمان بن الحُويرث: ما له قد أكثر التنكُّس؟ إنَّ هذا لأمرٍ قد حدث! وذلك في الليلة التي ولد فيها رسولُ الله ﷺ فجعل عثمان يقول: [من الطويل] أيا صنمَ العيدِ الذي صُفَّ حولَهُ … صَناديدُ وفدٍ من بعيدٍ ومن قُرْب تنكَّستَ مغلوبًا فما ذاكَ قُلْ لنا … أذاكَ سفيهٌ أن تنكَّستَ للعَتْب (٨) فإن كان من ذَنْب أتينا فإننا … نَبُوءُ بإقرارٍ ونُلْوي عن الذَّنْبِ وإنْ كنتَ مغلوبًا ونكِّستَ صاغرًا … فما أنتَ في الأوثانِ بالسيِّدِ الربِّ قال: وأخذوا الصنم فردُّوه إلى حاله، فلما استوى هتف بهم هاتفٌ (٩) من الصنم بصوتٍ جهير، وهو يقول: [من الطويل]

стр. 1137

تردَّى لمولودٍ أنارتْ بنورِهِ … جميعُ فِجاجِ الأرضِ في الشّرق والغربِ وخرَّتْ له الأوثانُ طُرًّا وأُرعدتْ … قلوبُ ملوكِ الأرضِ طُرًّا من الرُّعْب ونارُ جميعِ الفُرْس باختْ وأظلمت … وقد بات شاهُ الفرسِ في أعظَم الكَرْبِ (١) وصدّتْ عن الكُهَّان بالغيبِ جِنُّها … فلا مخبرٌ عنه بحقٍّ ولا كِذْبِ فيالَ قُصَيٍّ ارجعوا عن ضلالِكم … وهبُّوا إلى الإسلام والمنزلِ الرَّحْبِ قال: فلما سمعوا ذلك خلَصُوا نَجِيًّا، فقال بعضهم لبعض: تصادقوا ولْيَكْتُمْ بعضكم على بعض، فقالوا: أجل. فقال لهم ورقة بن نوفل: تعلمون واللّه ما قومكم على دين، ولقد أخطؤوا المحَجَّة (٢)، وتركوا دينَ إبراهيم؛ ما حجَرٌ تُطيفونَ به، لا يسمع ولا يُبصر، ولا ينفع ولا يضرّ! يا قوم، التمسوا لأنفسكم الدين. قال: فخرجوا عند ذلك، يضربون في الأرض، ويسألون عن الحنيفيَّةِ، دين إبراهيم ﵇. فأمَّا ورقة بن نوفل فتنصَّر، وقرأ الكتب حتى علم علمًا؛ وأما عثمان بن الحُويرث فصار (٣) إلى قيصر فتنصَّر وحسنت منزلته عنده؛ وأما زيد بن عمرو بن نُفيل فأراد الخروج فحُبس، ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض، حتى بلغ الرقَّةَ من أرض الجزيرة، فلقي بها راهبًا عالمًا فأخبره بالذي يطلب، فقال له الراهب: إنك لتطلبُ دينًا ما تجدُ منْ يحملك عليه، ولكنْ قد أظلَّكَ زمانُ نبيٍّ يخرج من بلدك، يُبعث بدين الحنيفيَّة. فلما قال له ذلك رجع يريدُ مكَّة، فغارت عليه لَخْمٌ فقتلوه؛ وأما عُبيد اللّه بن جَحْش فأقام بمكة حتى بُعث النبيُّ ﷺ ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصَّر وفارق الإسلام، فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيًا. تقدم في ترجمة يزيد بن عمرو بن نُفيل له شاهد (٤). وقال الخرائطي (٥): حدّثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوزَّان (٦)، حدّثنا عمرو بن عثمان،

стр. 1138

حدّثني أبي، حدّثني (١) عبد اللّه بن عبد العزيز، حدّثني محمد بن عبد العزيز، عن الزُّهْري عن عبد الرحمن بن أنس السُّلمي، عن العباس بن مرداس، أنَّه كان يُغير (٢) في لِقاحٍ له نصفَ النهار، إذْ طلعتْ عليه نعامةٌ بيضاء، عليها راكبٌ عليه ثيابُ بياض مثل اللَّبَن، فقال: يا عباَّس بن مِرْدَاس، ألم ترَ أنَّ السماءَ قد كفَّتْ أحراسَها، وأنَّ الحرب تجرَّعتْ أنفاسها، وأنَّ الخيل وضعتْ أحلاسها (٣)، وأنَّ الدِّين (٤) نزل بالبرِّ والتقوى، يومَ الاثنين ليلةَ الثلاثا، صاحب الناقة القَصْوا (٥). قال: فرجعتُ مَرْعوبًا قد راعني ما رأيتُ وسمعت، حتى جئتُ وثنًا لنا يُدعى الضّمار (٦)، وكنَّا نعبدُه ونكَلَّم من جَوْفه؛ فكنستُ ما حوله، ثمّ تمسَّحْتُ به وقتَلْته، فإذا صائحٌ، من جوفه يقول: [من الكامل] قلْ للقبائلِ من سليمٍ كُلِّها … هلكَ الضّمَارُ (٣) وفازَ أهلُ المسجدِ هلكَ الضّمَارُ (٣) وكان يعبدُ مَرَّةً … قَبلَ الصلاةِ مع النبيِّ محمَّدِ إنَّ الذي ورِثَ النبوَّةَ والهُدَى … بَعْدَ ابْنِ مريمَ من قريشٍ مهتدِ (٧) قال: فخرجتُ مَرْعُوبًا حتى أتيتُ قومي، فقصصتُ عليهم القصة، وأخبرتُهم الخبر، وخرجتُ في ثلاثمئة من قومي من بني حارثة إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة، فدخلنا المسجد، فلما رآني رسولُ اللّه

стр. 1139

ﷺ قال لي: "يا عباس، كيف كان إسلامُك"؟ فقصصت عليه القصة. قال: فسُرَّ بذلك، وأسلمتُ أنا وقومي. ورواهُ الحافظ أبو نعيم في "الدلائل" (١) من حديث أبي بكر بن أبي عاصم، عن عمرو بن عثمان به. ثمّ رواهُ أيضًا (٢) من طريق الأصمعي، حدّثني الوصافي، عن منصور بن المعتمر، عن قَبيصة بنِ عمرو بن إسحاق الخُزاعي، عن العبَّاس بن مِرْداس السُّلَمي قال: [كان] أوّل إسلامي أنَّ مِرْداسًا أبي لما حضرَتْهُ الوفاةُ أوصاني بصنمٍ له يقال ضمار (٣)، فجعلتُه في بيت وجعلتُ آتيهِ كُلَّ يومٍ مرَّة، فلما ظهر النبيُّ ﷺ [إذْ] سمعتُ صوتًا مرسلًا في جَوْفِ اللَّيل راعني، فوثبتُ إلى ضمار (٣) مستغيثًا، وإذا بالصوت من جوفه وهو يقول: [من الكامل] قل للقبيلة من سُلَيْمٍ كُلِّها … هلك الأنيسُ وعاش أهلُ المسجدِ أودى ضمار (٣) وكان يُعْبَدُ مرة (٤) … قبل الكتابِ إلى النبيِّ محمَّدِ إنَّ الذي وَرِثَ النبوَّةَ والهُدى … بعدَ ابنِ مَرْيمَ من قريشٍ مُهْتَدِ قال: فكتمتُه (٥) الناسَ، فلما رجع الناسُ من الأحزاب، بينا أنا في إبلي بطرَفِ العَقيق من ذاتِ عِرْقٍ راقدًا (٦)، سمعتُ صوتًا، وإذا برجلٍ على جناح نعامةٍ وهو يقول: النور الذي وقعَ ليلةَ الثلاثاء مع صاحب الناقة العَضْباء (٧) في ديار إخوان بني العنقاء. فأجابه هاتفٌ من شماله وهو يقول: بَشِّرِ الجِنَّ وإبْلاسَها أنْ وضَعتِ المَطِيُّ أحلاسَهَا، وكَلأتِ السماءُ أحراسَها. قال: فوثبتُ مذعُورًا، وعلمتُ أنَّ محمدًا مُرْسَل، فركبتُ فرسي وأحثثتُ (٨) السيرَ حتى انتهيتُ إليه، فبايعتُه ثم انصرفت إلى ضما (٩)، فأحرقتُه بالنار، ثم رجعتُ إلى رسول اللّه ﷺ فأنشدتُه شعرًا أقول فيه: [من الطويل]

стр. 1140

لعمرُكَ إنِّي يومَ أجعلُ جاهلًا … ضمارًا لِربِّ العالمينَ مُشاركا وتَرْكي رسولَ اللّهِ والأوس حوله … أولئك أنصارٌ له ما أولئكا كتاركِ سهل الأرضِ والحَزْن يَبْتغي … ليسلُكَ في وَعْثِ الأمورِ المسالكا فآمنتُ بالله الذي أنا عبدُهُ … وخالفتُ مَنْ أمسى يريد المهالكا ووجَّهتُ وجهي نحو مكةَ قاصدًا … أبايعْ نبيَّ الأكرمينَ المباركا (١) نبيٌّ أتانا بعدَ عيسى بناطقٍ … من الحقِّ فيه الفَصْلُ فيه كذلكا أمينٌ على القرآنِ أولُ شافعٍ … وأولُ مبعوث يجيبُ الملائكا تلافى عُرى الإسلامِ بعدَ انتقاضها … فأحكمَها حتى أقام المناسكا عَنَيْتُكَ يا خيرَ البريَّةِ كُلِّها … توسطتَ في الفرعين والمجدِ مالِكا وأنت المُصَفَّى من قريشٍ إذا سَمَتْ … على ضُمْرِها تبقَى القَرُونَ المباركا (٢) إذا انتسبَ الحَيَّانِ كعبٌ ومالكٌ … وجَدْناكَ مَحْضًا والنساءَ العَوَارِكا (٣) قال الخرائطي (٤): وحدّثنا عبد الله بن محمد البَلَوي بمصر، حدّثنا عُمارة بن زيد، حدّثنا إسحاق بن بشر وسلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدّثني شيخٌ من الأنصار يقال له: عبد اللّه بن محمود، من آل محمد بن مَسْلَمة قال: بلغني أنَّ رجالًا من خثعم كانوا يقولون: إنَّ مما دعانا إلى الإسلام أنَّا كنَّا قومًا نعبد الأوثان، فبينا نحن ذاتَ يومٍ عند وثنٍ لنا إذْ أقبل نفرٌ يتقاضَوْن إليه، يرجون الفرجَ من عندهِ لشيءٍ شجَرَ بينهم، إذْ هتف بهم هاتف يقول (٥): [من الرجز] يا أيُّها الناسُ ذوو الأجسامِ … من بينِ أشياخٍ إلى غُلامِ ما أنتمُ وطائشُ الأحلامِ … ومسندُ الحُكم إلى الأصنام أكلُّكم في حَيْرة نيام (٦) … أمْ لا ترَوْنَ ما الذي أمامي

стр. 1141

من ساطعٍ يَجْلو دُجى الظلامِ … قد لاحَ للناظر من تِهَامِ ذاكَ نبيٌّ سيّدُ الأنامِ … قد جاء بعد الكُفْرِ بالإسلامِ أكرمَه الرحمنُ من إمامِ … ومن رسولٍ صادقِ الكلامِ أعدَلُ ذي حكمٍ من الحكَّامِ … يأمرُ بالصلاةِ والصِّيامِ والبِرِّ والصِّلاتِ (١) للأرحامِ … ويزجُرُ الناسَ عن الآثامِ والرِّجْسِ والأوثانِ والحَرَامِ … من هاشمٍ في ذِرْوَةِ السَّنَامِ مستعلنًا في البلدِ الحرامِ قال: فلما سمعنا ذلك تفرَّقْنا عنه، وأتينا النبيَّ ﷺ فأسلمنا. وقال الخرائطي (٢): حدّثنا عبد اللّه البَلَوي، حدّثنا عُمارة، حدّثني عبد الله (٣) بن العلاء، حدّثنا محمد بن عكبر (٤)، عن سعيد بن جُبير، أنَّ رجلًا من بني تميم يقال له رافع بن عُمير؛ وكان أهدى الناسِ للطريق، وأسْرَاهم بليل، وأهجمهم على هَوْل؛ وكانت العربُ تُسَمِّيه لذلك دُعْمُوص العرب، لهدايته وخَرَاتَتِهِ (٥)، وجَرَاءته على السير، فذكر عن بُدُوِّ إسلامه قال: إني لأسيرُ برمْلِ عالِج (٦) ذاتَ ليلة، إذْ غلبني النوم، فنزلتُ عن راحلتي وأنَخْتُها، وتوسَّدتُ ذراعَها ونصت، وقد تعوَّذتُ قبل نومي فقلت: أعوذُ بعظيم هذا الوادي من الجِنّ، من أنْ أوذَى أو أُهاج، فرأيتُ في منامي رجلًا شابًا يرصُدُ ناقتي، وبيده حربةٌ يريد أن يضعها في نَحْرِها؛ فانتبهتُ لذلك فزعًا! فنظرتُ يمينًا وشمالًا فلم أرَ شيئًا، فقلت: هذا حُلْم، ثمّ عدتُ فغفَوْت، فرأيت في منامي مثلَ رؤياي الأولى، فانتبهت، فدرتُ حولَ ناقتي فلم أرَ شيئًا، وإذا ناقتي ترعد؛ ثمَّ غفَوْت فرأيتُ مثلَ ذلك، فانتبهت، فرأيتُ ناقتي تضطرب، والتفت، فإذا أنا برجلٍ شابٍّ، كالذي رأيتُ في المنام بيده حربة، ورجلٌ شيخٌ ممسِكٌ بيده يردُّهُ عنها وهو يقول: [من الكامل] يا مالكَ بنَ مُهَلهلِ بنِ دِثارِ (٧) … مهلًا فِدًى لك مِئْزَري وإزاري

стр. 1142

عن ناقةِ الإنْسيِّ لا تعرضْ لها … واختَرْ بها ما شئتَ من أثواري ولقد بدَا لي منك ما لم أحتسِبْ … ألا رعَيْتَ قرابتي وذِماري (١) تسمو إليه بِحَرْبةٍ مسمومةٍ … تَبًّا لِفِعلكَ يا أبا الغفَّارِ (٢) لولا الحياءُ وأنَّ أهلَكَ جِيرةٌ … لَعَلِمتَ ما كشَّفت من أخباري قال: فأجابه الشاب وهو يقول: [من الكامل] أأردتَ أن تعلو وتخفضَ ذِكرنا … في غيرِ مَرْزِئَةٍ أبا العَيْزار (٣) ما كانَ فيهمْ سيِّدٌ فيما مضى … إنَّ الخيارَ هُمُ بنو الأخيار فاقصِدْ لقصدِك يا معكبرُ إنما … كانَ المجيرُ مُهلهِلَ بنَ إثَار (٤) قال: فبينما هما يتنازعان إذْ طلعت ثلاثة أثوارٍ من الوحش، فقال الشيخ للفتى: قمْ يا بن أُختِ، فخذْ أيَّها شئتَ فداءً لناقةِ جاري الإنسي. فقام الفتى، فأخذ منها ثورًا وانصرف؛ لمّ التفتَ إليَّ الشيخُ فقال: يا هذا، إذا نزلتَ واديًا من الأودية فخفتَ هَوْلَه فقل: أعوذُ باللّه ربِّ محمدٍ من هَوْلِ هذا الوادي، ولا تَعُذْ بأحدٍ من الجِنّ فقد بطل أمْرُها. قال: فقلت له: ومَنْ محمد هذا؟ قال: نبيٌّ عربيّ، لا شرقيٌّ ولا غربي، بُعث يوم الاثنين. قلت: وأنَّى مسكنُهُ؟ قال: يثرب ذات النخل. قال: فركبتُ راحلتي حين بَرَق ليَ الصبح وجدَدْتُ السيرَ حتى تقحَّمْتُ المدينة، فرآني رسولُ الله ﷺ فحدّثني بحديثي قبل أن أذكُرَ له منه شيئًا، ودعاني إلى الإسلام فأسلمت. قال سعيد بن جُبير: وكنا نرى أنه هو الذي أَنْزَلَ الله فيه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]. وروى الخرائطي (٥) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة (٦)، عن داود بن الحُصَين (٧)، عن عكرمة، عن ابن عباس عن علي قال: إذا كنتَ بوادٍ تخاف السَّبُعَ فقل: أعوذ بدانيال والجب من شَرِّ الأسد. وروى البَلَوي (٨) عن عُمارة بن زيد، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، حدّثني يحيى بن عبد اللّه بن الحارث، عن أبيه، عن ابن عباس قصة قِتالِ عليٍّ الجِنَّ بالبئر ذات العلم التي بالجُحْفَة حين

стр. 1143

بعثَهُ رسول الله ﷺ يستقي لهم الماء، فأرادوا مَنْعَه، وقطعوا الدَّلْوَ فنزل إليهم. وهي قصة مطوَّلة منكرة جدًّا، واللّه أعلم. وقال الخرائطي (١): حدّثني أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقي وغيره، حدّثنا سليمان بن بنتِ شُرَحبيل الدمشقي (٢)، حدّثنا عبد القدوس بن الحجَّاج (٣)، حدّثنا مجالد (٤) بن سعيد، عن الشعبي، عن رجل (٥) قال: كنتُ في مجلسِ عمرَ بنِ الخطاب، وعنده جماعةٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ يتذاكرون فضائلَ القرآن، فقال بعضهم: خواتيم سورةِ النحل؛ وقال بعضهم: سورة يس. وقال علي: فاين أنتم عن فضيلةِ آية الكرسي؟ أما إنها سبعوا (٦) كلمة في كل كلمة سبعوا (٧) بركة. قال: وفي القوم عمرو بن مَعْدِي كَرِب لا يُحيرُ جوايًا. فقال: أين أنتم عن بسم اللّه الرحمن الرحيم؟ فقال عمر: حدّثْنا يا أبا ثَوْر. قال: بينا أنا في الجاهلية إذْ جهدني الجوع، فأقحمتُ فرسي البرِّيَّة فما أصبتُ إلَّا بَيْضَ النَّعام، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخٍ عربيٍّ في خيمة، وإلى جانبه جاريةٌ كأنها شمسٌ طالعة، ومعه غُنيمات له، فقلت له: اسْتأْسِر (٨) ثَكِلَتْك أُمُّك. فرفع رأسه إليَّ وقال: يا فتى، إنْ أردتَ قِرّى فانزِلْ، وإنْ أردتَ معونةً أعنَّاك. فقلت له: أستأسر. فقال: [من الطويل] عَرضْنا عَليكَ النزْلَ مِنَّا تكرُّمًا … فلم ترعوي جَهْلًا كفِعلِ الأشائم (٩) وَجِئتَ ببُهْتانٍ وزُورٍ ودونَ ما … تمنّيتَه بالبيضِ حزَّ الغَلاصِمْ (١٠) قال: ووثب إليَّ وثبةً وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. فكأني مَثَلْتُ تحته، ثم قال: أقتُلك أم

стр. 1144

أُخَلِّي عنك؟ قلتُ: بل خلِّ عني. قال: فخلَّى عني. ثم إنَّ نفسي جاذبتْني بالمعاودة فقلت: استأسِرْ ثكلَتْك أمُّك. فقال: [من الوافر] بِبسم الله والرَّحْمنِ فُزْنا … هُنالكَ والرحيمِ به قَهَرْنا وما تُغْني جَلادَةُ ذي حِفَاظٍ … إذا يَوْمًا (١) لمعركةٍ برزنا ثم وثب إليَّ (٢) وثبةً كأني مَثَلْتُ تحته، فقال: أقتلُكَ أمْ أُخَلِّي عنك؟ قال: قلت: بل خَلِّ عني. فخلَّى عني، فانطلقتُ غيرَ بعيد، ثم قلتُ في نفسي: يا عمرو أيقهرُك مِثْلُ هذا الشيخ!؟ واللّهِ لَلْمَوْتُ خيرٌ لك من الحياة. فرجعتُ إليه فقلت له: استأسِرْ، ثكلَتْك أمك. فوثب إليَّ وثبةً وهو يقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فكأني مثلتُ تحتَه، فقال: أقتلُكَ أم أخلِّي عنك؟ قلت.: بل خلِّ عني، فقال: هيهات، يا جاريةُ ائتيني بالمُدْية. فأتَتْه بالمدية، فجزَّ ناصيتي، وكانتِ العرب إذا ظَفِرَتْ برجل فجزتْ ناصيتَه استعبدَتْه، فكنتُ معه أخدُمه مُدَّةً. ثم إنَّهُ قال: يا عمرو، أريد أن تركب معي البرِّيَّة، وليس بي منك وجَل، فإني ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق. قال: فسرنا حتى أتينا واديًا أشِبًا نَشِبًا (٣) مَهُولًا مَغُولًا (٤)، فنادى بأعلى صوته: بسم اللّه الرحمن الرحيم. فلم يبقَ طَيْرٌ في وَكْرِه إلا طار، ثم أعادَ القول، فلم يبقَ سَبُعٌ في مَرْبِضِه إلا هرب، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحَبَشيٍّ قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السَّحُوق، فقال لي: يا عمرو، إذا رأيتَنا قدِ اتَّخَذْنا (٥) فقل: غلَبَهُ صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم. قال: فلما رأيتُهما قدِ اتَّخذا قلت: غلَبَهُ صاحبي باللاتِ والعُزَّى، فلم يصنعِ الشيخُ شيئًا، فرجع إليَّ وقال: فد علمتُ أنَّكَ قد خالفتَ قولي. قلت: أجل، ولستُ بعائد. فقال: إذا رأيتَنا قدِ اتَّخذنا فقل: غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم. قلت: أفعل، فلما رأيتهما قد اتخذا، قلت: غلبه

стр. 1145

صاحبي ببسم اللَّه الرحمن الرحيم. قال: فاتكأ عليه الشيخ فبعجَهُ بسيفه، فاشتق (١) بطنه، فاستخرج منه شيئًا كهيئةِ القِنْديل الأسود، ثم قال: يا عمرو، هذا غِشُّه وغِلُّه. ثم قال: أتدري مَنْ تلك الجارية؟ قلت: لا. قال: تلك الفارعَةُ بنتُ السُّليل (٢) الجُرْهُمي، وكان أبوها (٣) من خيارِ الجِنّ، وهؤلاء أهلُها بنو عمِّها يغزونني منهم كلَّ عامٍ رجلٌ ينصرني الله عليه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم. ثم قال: قد رأيتَ ما كان مني إلى الحَبَشىّ، وقد غلب عليَّ الجوعُ، فأْتني بشيء آكلُه، فأقحمتُ فرسي (٤) البرِّيَّة فما أصبتُ إلا بَيْضَ النَّعَام، فأتيتُه به فوجدْتُه نائمًا، وإذا تحتَ رأسِهِ شيءٌ كهيئة الخشبة، فاستلَلْتُه فإذا هو سيفٌ عَرْضُه شِبْر، في سبعة أشبار، فضربتُ ساقَيْهِ ضربةً أبنْتُ الساقَيْنِ مع القدمَيْن، فاستوى على فَقَارِ ظَهْرِه وهو يقول: قاتلك اللَّه ما أغدَرَكَ يا غدَّار! قال عمر: ثم ماذا صنعت؟ قلتُ: فلم أزلْ أضربُه بسيفي (٥) حتَّى قطَّعْتُه إرْبًا إرْبًا. قال: فوجَمَ لذلك ثم أنشأ يقول: [من الكامل] بالغدرِ نلْتَ أخا الإسلام عن كَثَبٍ … ما إنْ سمعتُ كَذَا (٦) في سالِفِ العَرَب والعُجْمُ تأنفُ مما جئتَه كَرَمًا … تَبًّا لما جئتَه في السِّيد الأرِب (٧) إني لأعجبُ أنَّى نِلْتَ قِتْلَتَهُ … أم كيفَ جازاكَ عند الذَّنبِ لم تَتُبِ؟ قَرْمٌ عفا عنك مرَّاتٍ وقد عَلِقت … بالجسمِ منكَ يداهُ مَوْضِعَ العَطَبِ لو كنتُ آخُذُ في الإسلام ما فعلوا … في الجاهليَّةِ أهلُ الشِّرْكِ والصُلُب (٨) إذًا لنالتْكَ من عَدْلي مُشَطَّبةٌ (٩) … تدعو (١٠) لذائِقها بالويْلِ والحَرَب (١١) قال: ثم ما كانَ من حالِ الجارية؟ قلت: ثم إني أتيتُ الجارية، فلمَّا رأتْني فالت: ما فعل الشيخ؟ قلتُ: قتلَهُ الحَبَشِيُّ. فقالت: كذبتَ، بل قتلتَهُ أنتَ بغَدْرِك. ثم أنشأت تقول: [من الخفيف]

стр. 1146

عينٌ (١) جُودي للفارسِ المِغْوارِ … ثم جُودي بواكفاتٍ غِزارِ لا تَمَلِّي البكاءَ إذْ خانكِ الدَّهـ … رُ بوافي حقيقةٍ صبَّارِ وتقيٍّ وذي وَقارٍ وحِلْمٍ وعديلِ … الفَخَارِ يومَ الفَخارِ لهفَ نفسي على بقائِكَ عمرٌو … أسلمتْكَ الأعمارُ للأقدار ولعمري لو لم تَرُمْهُ بغَدْرٍ … رُمتَ ليثًا بصارِمٍ بتَّارِ (٢) قال: فأحفظَني قولُها، فاستللتُ سيفي، ودخلتُ الخيمةَ لأقتُلَها، فلم أرَ في الخيمة أحدًا، فاستقتُ الماشية وجئتُ إلى أهلي. وهذا أثرٌ عجيب. والظاهر أنَّ الشيخ كان من الجانِّ، وكان ممن أسلم وتعلَّم القرآن. وفيما تعلَّمه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. وكان يتعوَّذُ بها. وقال الخرائطي (٣): حدَّثَنَا عبد اللَّه بن محمد البَلَويّ، حدّثنا عُمارة بن زيد قال: حدّثني عبد اللَّه (٤) ابن العلاء، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جدَّته أسماءَ بنتِ أبي بكر قالت: كان زيدُ بن عمرو بن نُفَيل، ووَرَقَةُ بن نَوْفَل يذكرانِ أنَّهما أتيا النجاشيَّ بعد رجوع أبْرَهة من مكة. قالا: فلما دخلنا عليه قال لنا: اصْدُقاني أيها القرشيَّان، هل وُلد فيكم مولودٌ أراَد أبوهُ ذبْحَه، فضُربَ عليه بالقداح فسَلِم، ونُحرت عنه إبلٌ كثيرة؟ قلنا: نعم. قال: فهل لكما علم به ما فَعَل؟ قلنا: تزوَّج امرأةً يقال لها: آمنة بنت وَهْب، تركها حاملًا وخرج. قال: فهل تعلمان ولد أمْ لا؛ قال ورقةُ بن نوفل: أُخبرك أيها الملك أني ليلة قد بتُّ عند وثَنٍ لنا، كنَّا نُطيف به، ونعبده، إذْ سمعتُ من جَوْفه هاتفًا يقول: [من الوافر] وُلد النبيُّ فذلَّتِ الأملاكُ … ونأى الضَّلالُ وأَدْبَرَ الإشْراكُ ثمّ انتكس الصنَمُ على وجهه، فقال زيد بن عمرو بن نُفيل: عندي كخبره أيها الملك. قال: هات. قال: إني في مثل هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه، خرجتُ من عند أهلي وهم يذكرون حَمْلَ آمنةَ، حتى أتيتُ جبلَ أبي قُبيس أريد الخُلُوَّ فيه لأمرٍ رابني، إذْ رأيتُ رجلًا نزل من السماء، له جناحان أخضران، فوقف على أبي قُبيس، ثم أشرف على مكة فقال: ذَلَّ الشيطانُ وبطَلَتِ الأوثان، ووُلد الأمين. ثم نشر ثوبًا معه، وأهوى به نحو المَشْرِق والمغرب، فرأيتُه قد جلَّلَ ما تحت السماء، وسطع نورٌ كاد أن يختطف بصري، وهالني ما رأيت. وخفق الهاتفُ بجناحَيْه حتَّى سقط على الكعبة؛ فسطع له نورٌ أشرقت له تِهَامة، وقال: ذَكت (٥) الأرضُ وأدَّتْ ربيعَها. وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة

стр. 1147

فسقطتْ كلُّها. قال النجاشي: ويحكما. أخبركما عمَّا أصابني، إنِّي لنائم في الليلةِ التي ذكرتما في قُبَّة، وقتَ خَلْوتي، إذ خرجَ عليَّ من الأرض عُنق ورأس، وهو يقول: حلَّ الويل بأصحاب الفيل، رمَتْهُم طَيْرٌ أبابيل، بحجارةٍ من سِجِّيل، هلك الأشرمُ المعتدي المجرم، وولد النبيُّ الأمي، المكي الحَرَمي، مَنْ أجابه سَعِد، ومن أباه عند. ثم دخل الأرض فغاب، فذهبتُ أصيح فلم أُطق الكلام، ورُمْتُ القيام، فلم أطقِ القيام، فقرَعتُ القُبَّة بيدي؛ فسمع بذلك أهلي، فجاؤوني، فقلت: احجبُوا عني الحبشة. فحجبوهم عني، ثم أُطلق عن لساني ورجلي (١). وروى الحافظ أبو القاسم بنُ عساكر في "تاريخه" (٢) في ترجمة الحارث بن هانئ بن المُدْلِج بن المِقْداد بن زَمْل بن عمرو العُذْري، عن أبيه، عن جدِّه عن أبيه، عن زَمْل بن عمرو العُذْري قال: كان لبني عُذْرَة صنمٌ يقالُ له: حمام، وكانوا يُعَظِّمونه، وكان في بني هند بن حَرَام بن ضِنَّة (٣) بن عبد بن كبير (٤) بن عُذْرة، وكان سادِنُه رجلًا يقال له: طارق، وكانوا يَعْترونَ عند (٥)، فلما ظهر رسولُ اللَّه ﷺ سمعنا صوتًا يقول: يا بني هند بن حَرَام. ظهر الحق وأودى حمام، ودفع الشركَ الإسلام. قال: ففزعنا لذلك وهالَنا، فمكثنا أيامًا، ثمّ سمعنا صوتًا وهو يقول: يا طارق يا طارق، بُعث النبيُّ الصادق، بوَحْيٍ ناطق، صدع صادع بأرض تِهامَة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامَة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة. قال زَمْل: فوقع الصنم لوجهه. قال زَمْل: فابتعتُ راحلةً ورحلت، حتَّى أتيتُ النبيَّ ﷺ مع نَفَرٍ من قومي وأنشدته شعرًا قلتُه: [من الطويل] إليكَ رسولَ اللّهِ أعملتُ نَصَّها … وكلَّفتُها حَزْنًا وغَورًا من الرَّمْلِ (٦) لأنصرَ خيرَ الناسِ نصرًا مؤزَّرًا … وأعقِدَ حَبْلًا من حِبالك في حَبْلي وأشهَدَ أنَّ اللّهَ لاشيءَ غيرَهُ … أدينُ به ما أثقلتْ قدمي نعلي (٧)

стр. 1148

قال: فأسلمتُ وبايعتُه. وأخبرناه بما سمعنا فقال: "ذاك من كلامِ الجِنّ". ثم قال: "يا معشر العرب إنِّي رسولُ اللّهِ إليكم وإلى الأنام كافة، أدعوهم إلى عبادةِ اللّهِ وحده، وأني رسولُه وعبدُه، وأنْ يحجُّوا البيت، ويصوموا شهرًا من اثني عشرَ شهرًا، وهو شهرُ رمضان، فمَنْ أجابني فله الجنة نُزُلا، ومن عصاني كانت النار له مُنْقلبا". قال: فأسلَمْنا وعقد لنا لواءً. وكتب لنا كتابًا نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ رسولِ اللّهِ لزَمْلِ بن عمرو ومَنْ أسلم معه خاصّة، إني بعثته إلى قومه عامد (١)، فمن أسلم ففي حِزْب اللَّه ورسوله. ومن أبى فله أمانٌ شهرين. شهد على بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة الأنصاري" ثمّ قال ابنُ عساكر: غريبٌ جدًا. وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه: حدّثني محمد بن سعيد - يعني عمَّه - قال محمد بن المنكدر: إنه ذُكر لي عن ابن عباس قال: هتف هاتفٌ من الجِنّ على أبي قُبيس فقال: [من الخفيف] قبَّحَ اللهُ رأيَكُمْ آلَ فِهْرٍ … ما أدقَّ العقول والأفهام (٢) حِينَ تُغْضي لِمَنْ يعيبُ عَلَيها … دينَ آبائِها الحماةِ الكرامِ حالفَ الجنُّ جِنُّ بُصرى عليكم … ورجالُ النّخيلِ والآطامِ توشِكُ الخيلُ أن تَرَوْها نهارًا … تقتلُ القومَ في حرام تَهَام (٣) هَلْ كريمٌ مِنْكُم لَهُ نفسُ حِرٍّ … مَاجِدِ الوالدَيْن والأعمام (٤) ضَارِبٌ ضربَةً تكونُ نكالًا … ورواحًا من كُربةٍ واغتمامِ قال ابنُ عباس: فأصبح هذا الشعر حديثًا لأهل مكة يتناشدونه بينهم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا شيطانٌ يكلِّمُ الناسَ في الأوثان يقالُ له: مِسْعَر، واللّهُ مُخْزِيه" فمكثوا ثلاثةَ أيَّام، فإذا هاتفٌ يهتفُ على الجبل يقول: [من الرجز] نحنُ قتلْنا في ثلاثٍ مِسْعرا إذْ سفَّهَ الجنَّ وسنَّ المُنْكرا قنَّعتُه سيفًا حُسامًا مُشْهَرا بشتمِهِ نبيَّنا المُطَهَّرا فقال رسولُ الله ﷺ : "هذا عِفْريتٌ من الجِنّ، اسمه سمج، آمَنَ بي سمَّيتهُ عبد اللَّه، أخبرني أنه

стр. 1149

في طلبه ثلاثةَ أيام". فقال عليّ: جزاهُ اللَّه خيرًا يا رسول اللَّه. وقد روى الحافظُ أبو نُعيم في "الدلائل" (١) قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي حرب الصفَّار، حدّثنا عباس بن الفرج الرِّياشيّ، حدّثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبيه، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حَوْشب عن ابن عباس، عن سعد بن عُبادَة قال: بعثني رسولُ الله ﷺ -إلى حَضْرَمَوت في حاجةٍ قبل الهجرة، حتَّى إذا كنتُ في بعض الطريق ساعةً من الليل، فسمعت هاتفًا يقول: [من الوافر] أبا عَمرٍو تأوَّبَني (٢) السُّهودُ … وراحَ النومُ وامتنعَ الهُجُودُ لِذكْرِ عِصابةٍ سلفوا وبادُوا … وكلُّ الخَلْقِ قَصْرُهُمُ يَبِيدُ تولَّوْا واردينَ إلى المنايا … حِياضًا ليس مَنْهَلُها الورودُ مضَوْا لِسبيلهمْ وبَقِيتُ خَلْفًا … وَحيدًا ليسَ يُسعِفُني وحيدُ سُدًى لا أستطيعُ عِلاجَ أمرٍ … إذا ما عالَجَ الطفلُ الوليدُ فَلأْيًا ما بَقِيتُ إلى أناسٍ … وقدْ باتَتْ بمَهْلِكها ثَمُودُ وعادٌ والقرونُ بذي شَعُوبٍ … سواءٌ كلُّهم أرِمٌ حَصِيد (٣) قال: ثم صاح به آخر: يا خرعب، ذهب بك العجب (٤)، إن العجب كل (٥) العجب بين زهرة ويثرب. قال: وما ذاك يا شاصب (٦)؟ قال نبيُّ السلام، بُعث بخير الكلام، إلى جميع الأنام، فأخرج من البلد الحرام إلى نَخيل وآطام. قال: ما هذا النبيُّ المرسل، والكتابُ المنزل، والأمِّيُ المفضَّل؟ قال: رجلٌ من ولد لُؤَيِّ بنِ غالب بن فِهْرِ بن مالك بن النَّضْرِ بن كِنَانة. قال: هيهات، فات عن هذا سِنِّي، وذهب عنه زَمَني، لقد رأيْتُني والنضرَ بنَ كنانةَ نرمي غَرضًا واحدًا، ونشربُ حَلبًا باردًا، ولقد خرجتُ به من دُومه (٧)، في غداة شبمة، وطلع مع الشمس وغرب معها، يروي ما يسمع ويُثبت ما يُبصر. ولئن كان هذا من ولده لقد سُلَّ السيف، وذهب الخوف، ودُحِضَ الزِّنا، وهَلَك الرِّبا. قال:

стр. 1150

فأخبرني ما يكون؟ قال ذهبتِ الضرَّاء والبؤس والمجاعة (١)، والشدة والشجاعة، إلا بقيَّةً في خُزاعة. وذهبتِ الضرَّاءُ والبُوس، والخلُق المَنْقُوس (٢) إلا بقية من الخَزْرَج والأوْس، وذهبتِ الخُيَلاءُ والفَخْر (٣)، والنميمة والغَدْر، إلا بقيةً في بني بكر - يعني ابن هوازن - وذهب الفعل المُنْدِم، والعمل المُؤْثم، إلا بقيةً في خَثْعَم. قال: أخبرني ما يكون؟ قال: إذا غُلبتِ التَّرَّة (٤)، وكُظِمتِ الجِرَّة (٥)، فاخْرُجْ من بلاد الهِجْرَة، وإذا كُفَّ السلام، وقُطعتِ الأرحام، فاخرُجْ من البلد الحرام. قال: أخبرني ما يكون؟ قال: لولا أُذُنٌ تسمع، وعينٌ تلمع لأخبرتُكَ بما تفزَع. ثم قال: [من الخفيف] لا منامٌ هَدَّأتَه بنعيمٍ … يا ابنَ غوطٍ ولا صباحٌ أتانا (٦) قال: ثم صرصر (٧) صرصرةً كأنها صرصرةُ حُبْلى، فذهب الفجر، فذهبتُ لأنظر، فإذا عَظَايَةٌ وثعبان ميتان. قال: فما علمتُ أنَّ رسول الله ﷺ هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث. ثمّ رواه عن محمد بن جعفر، عن إبراهيم بن علي، عن النضر بن سلمة، عن حسان بن عبادة بن موسى، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر، عن ابن عباس، عن سعد بن عُبَادة قال: لما بايعنا رسولَ الله ﷺ ليلةَ العَقَبة خرجتُ إلى حَضْرَموت لبعض الحاج، قال: فقضَيْتُ حاجتي ثم أقبلتُ حتَّى إذا كنتُ ببعض الطريق نمت، ففزِعْتُ من الليل بصائح يقول: [من الوافر] أبا عمرٍو تأوَّبَني (٨) السُّهُودُ … وراحَ النومُ وانقطعَ الهجودُ وذكر مثله بطوله. وقال أبو نعيم: حدّثنا عمر (٩) بن محمد بن جعفر، حدّثنا إبراهيم بن علي، حدّثنا النَّضْر بن سلمة،

стр. 1151

حدّثنا أبو غزيَّةً (١) محمد بن موسى، عن العطَّاف بن خالد الوابصيّ (٢)، عن خالد بن سعيد، عن أبيه قال: سمعتُ تميمًا الداريَّ يقول: كنتُ بالشام حين بُعث النَّبِيّ ﷺ ، فخرجتُ لبعضِ حاجتي، فأدركني الليل، فقلت: أنا في جِوارِ عظيم هذا الوادي الليلة. قال: فلما أخذتُ مضجعي إذا أنا بمنادٍ يُنادي - لا أراه - عُذْ باللّه، فإنَّ الجنَّ لا تُجيرُ أحدًا على اللَّه. فقلت: أيم اللَّه تقول (٣)؟ فقال: قد خرج رسولُ الأمِّيِّين رسولُ اللَّه، وصلَّينا خلفه بالحَجُون، فأسلمنا واتَّبَعْناه، وذهب كَيْدُ الجِنّ، ورُميَتْ بالشُّهب، فانطلِقْ إلى محمد رسولِ ربِّ العالمين فأسلِم. قال تميم: فلما أصبحتُ ذهبتُ إلى دير أيُّوب، فسألتُ راهبًا وأخبرتُه الخبر، فقال الراهب: قد صدَقُوكَ، يخرجُ من الحرم ومهاجَرُهُ الحرم، وهو خيرُ الأنبياء فلا تُسْبَق إليه. قال تميم: فتكلَّفْتُ الشخوصَ حتَّى جئتُ رسولَ اللَّه ﷺ فأسلمت. وقال حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن يزيد الهُذَلي، عن عبد اللَّه بن ساعدة الهُذَلي، عن أبيه، قال: كُنَّا عند صنَمِنا سُوَاع، وقد جلَبْنا إليه غنمًا لنا مئتي شاة، قد أصابها جَرَب، فأدْنَيْتُها منه لِتَطَلُّبِ بركتِه، فسمعتُ مناديًا من جَوْف الصَّنَم يُنادي: قد ذهب كَيْدُ الجِنّ، ورُمينا بالشُّهب، لنبيٍّ اسمُهُ أحمد. قال: فقلت: غَوَيْتُ واللّه، فصرَفْتُ وَجْهَ غنَمي مُنْجِدًا إلى أهلي (٤)، فخبَّرَني بظهورِ النبيّ ﷺ . ذكرَهُ أبو نُعيم هكذا معلَّقًا (٥)، ثم قال (٦): حدّثنا عمر بن محمد بن جعفر، حدّثنا إبراهيم بن السِّنْديّ، حدّثنا النَّضْر بن سلَمة، حدّثنا محمد بن سلمة (٧) المَخْزومي، حدّثنا يحيى بن سليمان، عن حكيم بن عطاء الظفري (٨) - من بني سُليم من ولد راشد بن عبد ربِّه - عن أبيه، عن جدِّه، عن راشد بن عبد رَبِّهِ قال: كان الصَّنَمُ الذي يُقال له: سُوَاع بالمَعْلاة من رُهاط (٩)، تَدينُ له هُذَيل وبنو ظفر بن سُليم، فأرسلَتْ بنو ظَفَر راشدَ بن عبد ربِّهِ بهديَّةٍ من

стр. 1152

سليم إلى سُوَاع، قال راشد: فأُلْقيتُ مع الفَجْرِ إلى صنم قِبَلَ صنمِ سُواع، فإذا صارخٌ يصرخ من جَوْفِه: العجَب كلَّ العَجَب، من خروج نبيٍّ من بني عبد المطلب، يُحزَّم الزِّنا والرِّبا والذَّبْحَ للأصنام، وحُرستِ السماء، ورُمينا بالشُهُب، العجَب كلَّ العجَب. ثم هتف صنمٌ آخَرُ من جوفه: تُرك الضِّمَار (١) وكان يُعبد، خرج النبيُّ أحمد، يُصَلِّي الصلاة، ويأمرُ بالزكاةِ والصِّيام، والبِر والصِّلاتِ للأرحام. ثم هتف من جوفِ صنمٍ آخَرَ هاتفٌ يقول: [من الكامل] إنَّ الذي ورثَ النبوَّةَ والهُدَى … بَعْدَ ابنِ مَرْيَمَ من قريشٍ مهتدِ نبيٌّ أتى يُخبِرُ بما قد سبق … وبما يكونُ اليومَ حقًّا أو غد (٢) قال راشد: فألفَيْتُ سُواعًا مع الفجر وثَعْلَبانِ يلحسانِ ما حولَه، ويأكلان ما يُهدى له، ثم يَعُوجانِ عليه بِبَوْلهما، فعند ذلك يقولُ راشدُ بن عبدِ ربِّه (٣): [من الطويل] أربٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ برأسِه … لقد ذلَّ مَنْ بالَتْ عليه الثعالبُ وذلك عند مَخْرَج النبي ﷺ ومهاجَرِه إلى المدينة، وتسامع الناسُ به، فخرج راشدٌ حتَّى أتى النَّبِيّ ﷺ المدينةَ ومعه كلبٌ له، واسم راشدٍ يومئذٍ ظالم، واسْمُ كلبِهِ راشد، فقال له النبي ﷺ ﷺ : "ما اسمك؟ " قال: ظالم. قال: "ما اسْمُ كَلْبِك؟ " قال: راشد. قال"اسمك راشِد، واسم كلبك ظالم" وضحِك النبيُّ ﷺ ، وبايعَ النبيَّ ﷺ وأقامَ بمكة معه، ثم طلبَ من رسولِ اللَّه ﷺ قَطِيعة برُهاط - ووصفَها له - فأقطعَهُ رسولُ الله ﷺ بالمَعْلاة من رُهَاط، شَأْوَ الفَرَس (٤)، ورَمْيَتَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ بحَجَر، وأعطاهُ إدَاودة (٥) مملوءةً من ماءً، وتفَلَ فيها وقال له: "فرِّغْها في أعلى القَطيعة ولا تمنع الناسَ فُضُولَها" ففعل، فجعلَ الماءُ معينًا يجرى (٦) إلى اليوم، فغرس عليها النخل.

стр. 1153

ويقال: إنَّ رُهَاط كلَّهَا تشربُ منه، فسمَّاها الناسُ ماء الرسولِ ﷺ ؛ وأهلُ رُهاط يغتسلون بها. وبلغَتْ رَمْيَةُ راشدٍ الرَّكيب، الذي يقال له: رَكيب الحَجَر (١) وغدا راشدٌ على سُوَاعٍ فكسره. وقال أبو نعيم (٢): حدثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا علي بن إبراهيم الخُزاعيُّ الأهوازيّ، حدثنا أبو محمد عبدُ اللَّه بن داود بن دِلْهاث بن إسماعيل بن مُسْرع (٣) بن ياسر بن سويد صاحبِ رسولِ الله ﷺ حدّثنا أبي عن أبيه دِلْهاث، عن أبيه إسماعيل، أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر أنَّ أباه ياسرًا حدَّثه عن عمرو بن مُرَّة الجُهني أنه كان يحدَّث قال: خرجتُ حاجًّا في جماعةٍ من قومي في الجاهلية، فرأيتُ في المنام وأنا بمكة نورًا ساطعًا من الكعبة، حتَّى أضاء في جبلِ يثربَ وأشْعر جُهينة (٤)، فسمعتُ صوتًا في النور وهو يقول: انقشعتِ الظلماء، وسطَعَ الضياء، وبُعث خاتمُ الأنبياء، ثم أضاء إضاءةً أخرى حتى نظرتُ إلى قصورِ الحيرة وأبيضِ المدائن (٥)، فسمعتُ صوتًا في النُّور وهو يقول: ظهر الإسلام، وكُسرتِ الأصنام، ووُصلتِ الأرحام. فانتبهتُ فزِعًا! فقلت لقومي: واللّه ليحدثَنَّ في هذا الحيِّ من قريش حدَث، وأخبرتُهم بما رأيت؛ فلما انتهينا إلى بلادِنا جاءنا رجلٌ فأخبرنا أنَّ رجلًا يقالُ له: أحمد قد بُعث، فأتيتُه فأخبرتُه بما رأيت، فقال: "يا عمرو بن مُرَّة إني المُرْسَل إلى العبادِ كافَّةً، أدعوهم إلى الإسلام، وآمُرُهمْ بحَقْن الدِّماء، وصِلَة الأرحام، وعبادةِ اللَّه، ورَفْضِ الأصنام، وحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشرَ شهرًا، فمَنْ أجاب فله الجنَّة، ومن عصَى فله النار؛ فآمِن يا عمرو بنَ مُرَّة يُؤَمّنْكَ اللّهُ من نار جهنَّم". فقلت: أشهدُ أنْ لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول الله. آمنتُ بكلِّ ما جئتَ به من حلالٍ وحرام، وإنْ أرْغَمَ ذلك كثيرًا من الأقوام؛ ثم أنشدتُه أبياتًا قلتُها حين سمعتُ به وكان لنا صنم، وكان أبي سادِنًا له، فقمتُ إليه فكسرته، ثم لحِقْتُ النبيَّ ﷺ وأنا أقول: [من الطويل] شهدتُ بأنَّ اللّهَ حقُّ وأنني … لآلِهةِ الأحجارِ أولُ تارِكِ

стр. 1154

فشمَّرْتُ عن ساقي إزارًا مُهاجِرًا … إليكَ أدِبُّ الغَوْرَ بعدَ الدَّكَادِكِ (١) لأصحبَ خيرَ الناسَ نفسًا ووالدًا … رسولَ مليكِ الناسِ فوقَ الحَبَائك (٢) فقال النَّبِيُّ ﷺ : "مرحبًا بك يا عَمْرَو بن مُرّة" (٣). فقلت: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأمي ابعثْ بي إلى (٤) قومي لعلَّ اللّهَ أنْ يَمُنَّ بي عليهم كما مَنَّ بكَ علىّ. فبعثني إليهم وقال: "عليك بالقولِ السَّدِيد، ولا تكنَّ فَظًّا ولا متكبِّرًا ولا حَسُودًا "فأتيتُ قومي فقلت لهم: يا بني رِفاعة، ثم يا بني جُهَينة، إني رسولٌ من رسولِ اللَّه إليكم، أدعوكم إلى الجنَّة، وأُحَذِّركمُ النَّار، وآمرُكُمْ بحَقْنِ الدَّمَاء، وصلةِ الأرحام، وعبادةِ اللَّه، ورفض الأصنام، وحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان، شهرٌ من اثنيْ عشرَ شهرًا؛ فمن أجابَ فله الجنَّة، ومن عَصَى فله النار؛ يا معشرَ جُهينة، إِنَّ اللَّه - وله الحمد - جعلكم خيارَ مَنْ أنتم منه، وبغَضَ إليكم في جاهليَّتِكم ما حُبِّبَ إلى غيركم من الرَّفث - لأنهم كانوا يجمعونَ بين الأُخْتَين، ويَخْلُفُ الرجلُ على امرأةِ أبيه - والتِّراتِ (٥) في الشهر الحرام؛ فأجيبوا هذا النَّبِيَّ المرسل ﷺ من بني لُؤَيِّ بن غالب، تنالوا شرفَ الدنيا وكرامةَ الآخرة، سارعوا وسارعوا في ذلك، تكنْ في ذلك لكم فضيلةٌ عند اللَّه. فأجابوا إلا رجلًا منهم قام فقال: يا عمرَو بن مُرَّة، أمَرَّ اللّهُ عليك عَيْشَك! أتأمرُنا أنْ نرفُضَ آلهتنا، ونُفَرِّقَ جماعتنا بمخالفةِ دينِ آبائنا إلى ما يدعُو هذا القرشيُّ من أهل تهامة؟ لا، ولا مَرْحبًا ولا كرامة، ثم أنشأ يقول: [من الكامل] إنَّ ابنَ مُرَّة قد أتى بمقالةٍ … ليستْ مقالةَ من يُريدُ صَلاحا إني لأحسِبُ قولَهُ وفعالَهُ … يومًا وإنْ طالَ الزمانُ رياحا أتسفِّهُ الأشياخَ ممَّنْ قدْ مَضَى … مَن رامَ ذلكَ لا أصابَ فَلاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب مني ومنك أمَرَّ اللَّه عيشه، وأبْكَمَ لسانه، وأكْمَهَ بصرَه. قال عمرو بن مُرَّة: واللّهِ ما مات حتَّى سقط فُوه، وكان لا يجدُ طعمَ الطعام، وعمِيَ وخرِس. وخرج عمرو بن مُرَّة ومَنْ أسلمَ من قومه حتَّى أتَوا النبي ﷺ ، فرحَّبَ بهم وحيَّاهم (٦)، وكتب لهم كتابًا هذة (٧) نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من اللّهِ على لسانِ رسولِ اللهِ، بكتابٍ

стр. 1155

صادق، وحقٍّ ناطق، مع عمرو بن مُرَّة الجُهَنيِّ لجُهينة بن زيد، إنَّ لكم بُطُونَ الأرض وسُهولَها، وتِلاع الأوديةِ وظهورَها، ترعَوْن نباتَه، وتشربونَ صافيه، على أنْ تُقِرُّوا بالخُمس، وتصلُّوا الصلواتِ الخَمْس، وفي التِّيعَةِ والصُّريمة شاتان (١) إنِ اجتمعتا، وإنْ تفزَّقَتا (٢) فشاةٌ شاة. ليس على أهل المُثيرة (٣) صدَقة، ليس الوردة اللبقة". وشهد من حضرَنا من المسلمين بكتابِ قيس بن شماس ﵃. وذلك حين يقول عمرو بن مرة: [من الطويل] ألم ترَ أنّ اللّهَ أظهرَ دِينَهُ … وبَيَّنَ بُرْهانَ القُرانِ لعامرِ كتابٌ منَ الرحمنِ نورٌ لجَمْعِنا … وأحْلافِنا في كُلِّ بادٍ وحَاضرِ إلى خيرِ من يَمْشي على الأرض كلِّها … وأفضلِها عند اعْتكارِ الضَّرَائر (٤) أطعنا رسولَ اللّهِ لمَّا تقطَّعَتْ … بطونُ الأعادي بالظُّبَى والخَواطِر (٥) فنحنُ قبيلٌ قد بُني المجدُ حولَنا … إذا اجتُلبت في الحرب هامُ الأكابرِ بنو الحَرْبِ نَقْرِيها بأيدٍ طويلة … وبيضٍ تلالا في أكُفِّ المغاوِرِ ترى حوله الأنصارَ تحمي أميرَهم (٦) … بِسُمر العوالي والصِّفَاح البواتِر إذا الحربُ دارت عند كلِّ عظيمةٍ .... ودارت رحاها باللُّيُوثِ الهواصِرِ تبلَّجَ منهُ اللَّونُ وازداد وجهه … كَمِثلِ ضياء البدْرِ بينَ الزواهرِ وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدّثنا عبد اللَّه، حدّثنا أبو عبد اللَّه، حدّثنا المُجَالد بن سعيد والأجْلَح عن الشعبي، حدثني شيخٌ من جُهينةَ قال: مرض رجلٌ منا مرضًا شديدًا فثَقُلَ، حتى حفرنا له قبرَه، وهيأنا أمْرَه، فأُغمي عليه ثم فتح عينيه، وأفاق فقال: أحفرتُمْ لي؟ قالوا: نعم. قال: فما فعل القُصَل (٧) - وهو ابنُ عمٍّ له - قلنا: صالح، مرَّ آنفًا يسألُ عنك. قال: أما إنَّه يُوشك أنْ يُجعل في حفرتي، إنه أتاني آتٍ حين أُغمي عليَّ فقال: ابكِ هُبَل، أما ترى حُفْرَتَك

стр. 1156

تنْتَثَل (١)، وأمُّك قد كادت تَثْكَل؟ أرأيتَكَ إن حوَّلْناها عنك بالمِحْوَل، ثم ملأناها بالجَنْدَل، وقذفنا فيها القُصَل، الذي مَضَى فأجزأك، وظنَّ أنْ لن يفعل؟ أتشكرُ لرَبِّكَ وتُصَلّ، وتدَعُ دينَ مَنْ أشرك وضَلّ؟ قال: قلت: نعم. قال: قُمْ، قد برئت. قال: فبرئ الرجل. ومات القُصَل فجُعل في حُفْرته. قال الجُهَنيُّ: فرأيتُ الجُهنيَّ بعد ذلك يصلَّي ويسبُّ الأوثانَ ويقَعُ فيها (٢). وقال الأموي: حدّثنا عبد اللَّه قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ في مجلس يتحدَّثون عن الجن، فقال خُريم بن فاتك الأسدي: ألا أحدِّثك كيف كان إسلامي؟ قال: بلى. قال: إني يومًا في طلب ذَوْدٍ لي، أنا منها على أَثَر، تنصَبُّ وتصعد (٣)، حتى إذا كنت بأبْرَقِ العَزَّاف (٤)، أنختُ راحلتي وقلت: أعوذُ بعظيم هذه البلدة، أعوذ برئيس هذا الوادي، فإذا بهاثف يهتف بي: [من الرجز] ويحكَ، عُذْ باللهِ ذي الجلالِ … والمجدِ والعلياءَ والإفضالِ ثم اتلُ آياتٍ من الأنفال … ووحِّدِ اللهَ ولا تبالي قال: فذُعرت ذُعْرًا شديدًا، ثمَّ رجعتُ إلى نفسي فقلت: [من الرجز] يا أيُّها الهاتفُ ما تقولُ؟ … أرَشَدٌ عندكَ أمْ تَضْليلُ؟ بيِّنْ هداك اللهُ ما الحَوِيلْ (٥) قال: فقال: [من الرجز] هذا رسولُ اللَّه ذو الخيراتِ … بِيَثْربٍ يَدْعُو إلى النَجاةِ يأمر بالبرِّ وبالصَّلاةِ … ويَرْدَعُ الناسَ عن الهَنَاتِ (٦) قال: قلت له: والله لا أبرَحُ حتَّى اَتيَة وأؤمنَ به، فنصبتُ رِجْلي في غَرْز (٧) راحلتي وقلت: [من الرجز] أرشِدْني أرشِدْني هُديتا (٨) … لا جُعتَ ما عشتَ ولا عَرِيتا

стр. 1157

ولا برحتَ سيِّدًا مُقِيتا … لا تُؤثَرِ الخيرَ الذي أُتيتا على جميعِ الجِنِّ ما بَقِيتا فقال: [من الرجز] صاحبَكَ اللّهُ وأذَى رَحْلَكا … وعظَّمَ الأجْرَ وعافى نَفْسَكا آمِنْ به أفلَجَ ربِّي حقَّكا … وانْصُرْهُ أعز ربِّي نصْرَكا (١) قال: قلت: مَنْ أنتَ عافاك اللَّه؟ حتَّى أخبرَهُ إذا قدِمتُ عليه؟ فقال: أنا ملك بن ملك، وأنا نَقيبُه على جِنِّ نَصِيبين. وكُفيت إبلَكَ حتَّى أضُمَّها إلى أهلك إنْ شاء اللَّه. قال: فخرجتُ حتَّى أتيتُ المدينةَ يوم الجُمعة والناسُ أرسالٌ إلى المسجد، والنَّبِيّ ﷺ على المنبر كأنه البدْر يخطُب الناس، فقلت: أُنيخ على باب المسجد حتَّى يُصلي، وأدخلُ عليه فأسلِّم وأُخْبره عن إسلامي؛ فلما أنختُ خرج إليَّ أبو ذرٍّ فقال: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، قد بَلَغَنا إسلامُك، فادخُلْ فصلِّ. ففعلتُ، ثم جئتُ إلى رسول الله ﷺ -فأخبرني بإسلامي. فقلت: الحمد للّه. قال: "أما إنَّ صاحِبَك قد وفَى لك، وهو أهْلُ ذلك، وأدَّى اللّهُ إبلَك إلى أهلك" (٢). وقد رواه الطبراني في ترجمة خُرَيم بن فاتك من "معجمه الكبير" قائلًا (٣): حدَّثَنَا الحسين بن إسحاق التُّسْتَرِيُّ (٤)، حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدَّثَنَا عبد اللَّه بن موسى الإسكندري، حدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرةَ قال: قال خُرَيْمُ بن فاتِك لعمرَ بن الخطاب: يا أميرَ المؤمنين، ألا أخبرك كيف كان بُدُوُّ إسلامي؟ قال: بلى، فذكره، غيرَ أنه قال: فخرج إليَّ أبو بكرٍ الصدِّيق فقال: ادخلْ، فقد بلغَنا إسلامُك. فقلت: لا أُحْسِنُ الطُهُور. فعلَّمَني، فدخلتُ المسجد، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ كأنه البدْرُ وهو يقول: "ما من مسلمٍ توضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوء، ثم صلَّى صلاةً يَحْفَظُها ويَعْقِلُها إلا دَخَلَ الجنَّة" فقال لي عمر: لتأتينِّي على هذا ببيِّنة أو لأُنكِّلَنَّ بك. فشهِدَ لي شيخَ قُريش عثمانُ بن عفَّان، فأجازَ شهادَتَه.

стр. 1158

ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة (١)، عن محمد بن تيم (٢)، عن محمد بن خليفة، عن محمد بن الحسن، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك: حدثني بحديثٍ يعجبني (٣). فذكر مثل السياق الأول سواء. وقال أبو نعيم (٤): حدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شُرَحْبِيل، حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْبَاني (٥)، عن عبد اللَّه بن الدَّيلمي قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: بلغنا أنك تذكرُ سَطِيحًا، تزعم أنَّ الله خلقه، لم يخلقْ من بني آدم شيئًا يشبه؟ قال: نعم، إنَّ اللَّه خلق سَطيحًا الغسَّانيَّ لحمًا على وضَم (٦)، ولم يكن فيه (٧) عظمٌ ولا عصَب إلا الجُمْجُمة، والكفَّان. وكان يُطْوَى من رجلَيْهِ إلى تَرْقُوَتهِ كما يُطوى الثوب، ولم يكن فيه شيءٌ يتحرَّك إلا لسانه. فلما أراد الخروجَ إلى مكة حُمل على وَضَمِه فأُتِي به مكة، فخرج إليه أربعةٌ من قريش: عبد شمس وهاشم ابنا عبد مَنَاف بن قُصَيّ، والأحوصُ بن فهر، وعقيل بن أبي وقاص، فانتمَوْا إلى غير نسَبِهم وقالوا: نحن أناسٌ من جُمَح، أتيناك، بلَغَنا قدومُك، فرأينا أنَّ إتياننا إيَّاك حق لك واجبٌ علينا، وأهْدَى إليه عقيل صفيحةً هنديَّة، وصَعْدَة رُدَيْنيَّة، فوضعت على باب البيت الحرام (٨) لينظروا، أهل يراها سَطيحٌ أمْ لا؟ فقال: يا عقيل، ناولْني يدَك. فناولَه يدَه فقال:

стр. 1159

يا عقيل، والعالِمِ الخفيَّة، والغافر الخطيَّة، والذِّمَّةِ الوفيَّة، والكعبةِ المبنيَّة، إنك للجائي بالهديَّة، الصفيحةِ الهندية، والصعدةِ الرُّدَينيَّة. قالوا: صدقتَ يا سَطيح، فقال والآتي (١) بالفَرَح، وقوسِ قزَح، وسائرِ القُرَّح (٢)، واللَّطيم المُنْبَطِح (٣)، والنَّخْلِ والرُّطَب والبَلَح، إنَّ الغراب حيثُ مرَّ سَنَح، فأخبر أنَّ القومَ ليسوا من جُمَح، وأنَّ نسبَهُم من قريشٍ ذي البُطَح. قالوا: صدقتَ يا سَطيح، نحن أهلُ البيت الحرام، أتيناك لنزوركَ لما بَلَغنا من عِلْمِك، فأخْبِرْنا عمَّا يكونُ في زماننا هذا، وما يكون بعده، فلعل أنْ يكونَ عندك في ذلك عِلْم. قال: الآن صدقتم، خذوا مني ومن إلهام اللّهِ إيَّاي، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرَم، سواءٌ بصائركم وبصائر العَجَم، لا علم عندكم ولا فَهْم، ويَنْشَؤُ من عَقِبكم ذوو فَهْم (٤)، يطلبون أنواعَ العلم، فيكسرون الصَّنَم، ويبلغون الرَّدْم (٥)، ويقتلون العُجْم، يطلبون الغُنْم. قالوا: يا سَطيح، فمن يكون أولئك؟ فقال لهم: والبيت ذي الأركان، والأمن والسكان (٦) ليَنْشَؤُنَّ من عقبكم وُلْدان، يكسرون الأوثان، ويُنكرون (٧) عبادة الشيطان، ويوحِّدُونَ الرحمن، وينشُرون دينَ الدَّيَّان، يُشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان (٨). قالوا: يا سطيح، من نَسْلِ مَنْ يكونُ أولئك؟ قال: وأشرفِ الأشراف، والمُحْصي للإسراف، والمزعزعِ الأحْقَاف (٩)، والمضعِفِ الأضعاف، ليَنْشَؤُنَّ الآلاف، من عبدِ شمسٍ وعبدِ مَناف، نُشوءًا يكون فيه اختلاف. قالوا: يا سوءتاهُ يا سَطيح ممَّا تخبرنا من العلم بأمرهم! ومن أيِّ بلدٍ يخرج أولئك؟ فقال: والباقي الأبَد، والبالغِ الأمَد، ليخرجَنَّ من ذا البلد، فتىً يَهْدي إلى الرَّشَد، يرفضُ يَغُوثَ والفَنَد (١٠)، يبرَأ من عبادة الضدد، يعبدُ ربًّا انفرد، ثم يتوفاه اللَّه محمودًا، من الأرض مفقودًا، وفي السماء مشهودًا. ثم يلي أمره الصدِّيق إذا قضى صدق، في ردِّ الحقوق لا خرِقٌ ولا نزِق؛ ثم يلي أمره الحَنيف، مُجَرِّبٌ غِطْريف، ويترك قولَ العنيف (١١). قد ضاف المضيف. وأحكم التحنيف. ثم يلي أمره داعيًا لأمره مجرِّبا (١٢). فتجتمع له جموعًا

стр. 1160

وعُصَبًا (١)، فيقتلونه نِقمةً عليه وغضَبًا، فيؤخذ الشيخ فيذبَحُ إرْبًا، فيقوم به رجالٌ خُطَبا، ثم يلي أمره الناصر (٢)، ويخلطُ الرأيَ برأي النَّاكر (٣)، يظهر في الأرض العساكر؛ ثم يلي بعدَهُ ابنه، ياخذُ جَمْعَه، ويُقلُّ حمدَه، ويأخذُ المالَ ويأكلُ وَحْدَه، ويَكْثُر المالُ بعقبِه (٤) من بعده؛ ثم يلي من [بعده عدةُ ملوك، لا شكَّ، الدَّمُ فيهم مسفوك، ثم] (٥) بعدهم الصُّعْلوك، يطويهم كطيِّ الدُّرْنُوك (٦) ثم يلي من بعده عظهور (٧)، يُقْصي الخلق (٨) ويُدْني مُضَر، يفتتح الأرضَ افتتاحًا منكرًا، ثم يلي قصيرُ القامة، بظهره علامة يموت موتًا وسلامة؛ ثم يلي قليلًا باكر، يترك الملك بائر (٩)، يلي أخوه بسنَّته سائر، يختص بالأموال والمنابر، ثم يلي من بعدِهِ أخْوَج، صاحبُ دنيا ونعيم، مُخَلَّج (١٠)، يُثاوِرُه معاشرُه وذووه، ينهضونَ إليه يخلعونَهُ بأخذِ الملك ويقتلونَه، ثم يلي أمْرَهُ من بعده السابع، يترك الملك مُخلَّى ضائع، تثوَّرَ في ملكه كالمُشَوَّهِ جائع، عند ذلك يطمعُ في الملك كل عُرْيان، ويلي أمْرَهُ اللَّهْفان، يُوطئ (١١) نزارًا جمعَ قحطان، إذا التقيا بدمشق جمعان، بين بَنْيان (١٢) ولُبْنان، يُصنَف اليمن يومئذ صنفان: صنف المَسَرَّة (١٣)، وصنف المخذول، لا ترى إلا حباء محلول (١٤). وأسيرًا مغلول (٤). بين القراب والخيول. عند ذلك تخرب المنازل [وتسلب الأرامل] (١٥)، وتُسقطُ الحوامل، وتظهر الزلازل،
следующие страницы →