← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

موضعه. واختلفوا: هل كان قبل (١) السموات والأرض شيء مخلوق قبلهما؟ فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنَّه لم يكن قبلهما شيء وأنهما خلقتا (٢) من العدم المحض. وقال آخرون: بل كان قبل السموات والأرض مخلوقات أُخَر، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] الآية. وفي حديث عمران بن حُصَيْنٍ -كما سيأتي-: "كان اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ قَبْلهُ وكَانَ عَرْشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءً، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْضَ" (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا بهْزٌ، حدثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا يَعْلَى بن عَطَاء، عن وكيع بن حُدُس (٥)، عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي، أنه قال: يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كَانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلق السَّموات والأرْض؟ قال: "في عماءٍ ما فوْقَهُ هواءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الماء" (٦). ورواه عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، ولفظه: "أيْنَ كَانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلقَ خَلْقَهُ؟ " (٧)، وباقيه سواء. وأخرجه الترمذى (٨) عن أحمد بن منيع، وابن ماجه (٩) عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، ومحمد بن الصبَّاح، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، وقال الترمذي: حسنٌ (١٠). واختلف هؤلاء في أيها خُلِق أولًا؟ فقال قائلون: خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها، وهذا هو اختيار

стр. 107

ابن جرير (١)، وابن الجوزي، وغيرهما. قال ابن جرير (٢): وبعد القلم السحاب الرقيق، وبعده العرش. واحتجوا بالحديث الذي رواه [الإمام] (٣) أحمد، وأبو داود والترمذي (٤)، عن عُبادة بن الصامت، ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ. ثُمَّ قالَ لَهُ اكْتُبْ، فجرى في تلك السَّاعة بما هُوَ كائنٌ إلى يَوْمِ القيَامَةِ" لفظ أحمد. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (٥). والذي عليه الجمهور، فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهَمَذَاني وغيره: أنَّ العرش مخلوق قبل ذلك، وهذا هو الذي رواه ابن جرير (٦) من طريق الضحاك عن ابن عباس، كما دلَّ على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" حيث قال: حدّثني أبو الطاهر أحمدُ بْن عمرو بن السَّرْح، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخَوْلاني، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (٧)، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَاديْرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ بخَمْسين ألْفَ سَنةٍ، قالَ: وعَرْشُهُ على المَاءِ" (٨)، قالوا: فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقاديرَ. وقد دلَّ هذا الحديثُ أنَّ ذلك بعد خلق العرش، فثبتَ تقدُّم العرش على القلم الذي كتبت به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويُحمل حديثُ القلم على أنَّه أوَّلُ المخلوقات من هذا العالم. ويؤيد هذا ما رواه البخارى (٩)، عن عِمْران بن حصين: قال: قال أهلُ اليمن لرسول اللَّه ﷺ : جِئْنَاكَ

стр. 108

لنَتَفقَّه في الدِّيْن وَلنَسْألَكَ عَنْ أوَّلِ الأمْرِ. فَقَالَ: "كانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ -وفي رواية: معه، وفي رواية: غيره- وكَان عَرْشُهُ عَلَى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وخَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ"، وفي لفظ: " ثمَّ خَلقَ السَّمواتِ والأرْضَ" (١). فسألوه عن ابتداء خلق السَّمواتِ والأرض، ولهذا قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فأجابهم عمَّا سألوا فقط. ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبي رَزين المتقدم (٢). قال ابن جرير (٣): وقال آخرون: بل خلقَ اللَّهُ الماءَ قَبْلَ العَرْشِ. رواه السُّدّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ قالوا (٤): إنَّ اللَّه كان عرشُه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. وحكى ابن جرير (٥) عن محمد بن إسحاق أنَّه قال: "أول ما خلقَ اللَّه النور والظلمة، ثمَّ ميَّز بينهما، فجعل الظلمة ليلًا أسودَ مظلمًا، وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا". قال ابن جرير: وقد قيل: "إنَّ الذي خلقَ رَبُّنا بعدَ القلم الكرسيُّ، ثمَّ خلق بعد الكرسيّ العرش. ثمَّ بعد ذلك خلق الهواء والظلمة. ثمَّ خلق الماء [فوضع عرشه على الماء] " (٦). [وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة علي بن الحسن (٧) بن محمد بن أحمد بن جميع الغَسَّاني الصَّيْداوي (٨)، من طريق الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، عن أبيه (٩)، عن جده أحمد بن جميع؛ حدَّثنا محمد بن المعافى الصدوق، حدَّثنا محمد بن خلف، حدَّثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجلٌ عبدَ اللَّه بن عمرو: ممَّ خُلق الخلق؟ قال: من النور والظلمة والماء والثرى. وقال: إيت ابن عباس واسأله؛ فأتاه وسأله، فقال له مثل ذلك. فقال ارجع إليه فسلْه ممّ خلق ذلك كله؟ فرجع إليه، فسأله، فتلا قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا

стр. 109

فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. قال: قال ابن معين: لم يرو الفريابي حديثا أغرب من هذا. قلت: غالب هذه المذكورات من الإسرائيليات الذي لا يصدَّق ولا يكذَّب، إلا ما قام دليل على صدق بعضها أو كذبه. واللَّه أعلم] (١). * * * فصل فيما ورد في صفة خلق (٢) العرش والكرسي قال اللَّه تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. وقال اللَّه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في غير ما آيةٍ (٣) منَ القُرْآنِ. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقال تَعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. وفي الدعاء المروي في "الصحيح" (٤)، في دعاء الكرب: "لا إلَهَ إلا اللَّه العَظيم الحَليم (٥) لا إلَهَ

стр. 110

إلا اللَّه رَبُّ العَرْشِ الكَريم، لا إلَهَ إلا اللَّه رَبّ السَّماواتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبّ العَرْشِ الكَريم". وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا يحيى بنُ العلاء، عن عمِّه شُعيب بن خالد، حدَّثني سمَاكُ بن حرب، عن عبد اللَّه بن عَميرةَ، عن الأحنفِ بن قَيْسٍ (٢)، عن عبَّاس بن عبد المطلب قال: كُنَّا جُلُوسًا مع رسول اللَّه ﷺ بالبطحاء، فمرَّتْ سحابةٌ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أتَدْرُون ما هَذَا؟ " قال: قُلْنا: السَّحابُ. قال: "والمزنُ". قلنا: والمزْن. قال: "والعَنان"، قال: فسكتنا، فقال: "هَلْ تدْرُونَ كمْ بيْن السَّماءِ والأرْضِ"؟ قال (٣): قلنا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أعلم. قال: "بَيْنهُما مَسِيرَة خَمْسمئة سنةٍ، ومن (٤) كُلِّ سَماءٍ إلى سماء مَسيرة خمسمئة سَنَةٍ وكثف كُلّ سَماء مَسِيْرة خَمْسمئَةِ سنةٍ، وفوْق السَّماء السَّابعة بحْرٌ بِين أسْفله وأعْلاهُ كما بَيْن السَّماء والأرْضِ [ثُمَّ فَوْق ذلكَ ثَمَانيةُ أوْعَالٍ بيْن رُكبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السَّماء والأرْضِ، ثُمَّ عَلى ظُهُورهم (٥) العَرْضُ بَيْنَ أسْفَلهِ وَأعْلاهُ كمَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ] (٦). واللَّهُ فَوْقَ ذلك، وليْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ منْ أعْمالِ بَني آدَمَ شَيْءٌ". هذا لفظ الإمام أحمد. ورواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي (٧) من حديث سماك بإسناده، نحوه. وقال الترمذي (٨): هذا حديث حسن. وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك وَوقفَهُ. ولفظ أبي داود: "وهَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ؟ " قالوا: لا نَدْري. قال: "بُعْدُ ما بَيْنَهُمَا إمَّا واحدةٌ أو اثنتان (٩) أو ثلاثة وسَبْعُونَ سَنَة"، والباقي نحوه (١٠).

стр. 111

وقال أبو داود (١): حدَّثنا عبد الأعلى بن حَماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرِّباطي (٢) قالوا: حدَّثنا وَهْب بن جرير -قال أحمد: كتبناه من نسخته، وهذا لفظه- قال: حدَّثنا أبي قال (٣): سمعت محمد بن إسحاق يُحدِّث عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مُطعم، عن أبيه، عن جده قال: أتى رسول اللَّه ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ اللَّه: جهِدَتِ الأنْفُسُ، وَجَاعت (٤) العيالُ، وَنُهكتِ الأمْوالُ [وهَلَكتِ الأنْعامُ]، فاسْتَسْق اللَّهَ لَنا، فإنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفعُ باللَّه عَلَيْكَ. فقال (٥) رسول اللَّه ﷺ : "وَيحكَ؛ أتَدْري ما تَقُولُ"؟! وَسَبَّحَ رسولُ اللَّه ﷺ فما زال يُسَبِّحُ حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه. ثمَّ قال: "وَيْحكَ؛ إنَّهُ لا يُسْتَشْفعُ باللَّهِ على أحدٍ منْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أعْظمُ منْ ذَلكَ. وَيْحكَ، أتَدْري ما اللَّهُ؟ إن عَرْشَهُ على سَمواتِهِ لَهَكذا" -وقال بأصابعه مثل القبة عليه- "وَإنَّهُ لَيَئِطُ بهِ أطِيْطَ الرَّحْل بالرَّاكب". قال ابنُ بشار في حديثه: "إنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَعرْشُهُ فَوْقَ سَمواتِهِ"؛ وساق الحديث. وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير، عن أبيه عن جده. والحديث بإسناد أحمد بن سعيد أيضًا، [هو الصحيح، وافقه عليه جماعةٌ، منهم يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضًا] (٦) وكان سَماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني (٧). تفرد بإخراجه أبو داود.

стр. 112

وقد صنَّف الحافظ أبو القاسم بنُ عساكر الدمشقي جزءًا في الرد على هذا الحديث. سمَّاه: "بيانُ الوَهْمِ والتخليط الواقع في حديث الأطيط"، واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن يسار راويه. وذكر كلام النَّاسِ فيه. ولكنْ قد (١) رُوي هذا اللفظ من طريقٍ أخرى عن غير محمد بن إسحاق؛ فرواه عَبْد بن حُميد (٢)، وابن جرير (٣) في "تَفْسيريْهما"، وابن أبي عاصم والطبراني في كتابي "السُّنَّة" لهما، والبَزَّار في "مُسنده"، والحافظ الضياء المقدسي في "مختاراته" من طريق أبي إسحاق السَّبيعي (٤) عن عبد اللَّه بن خَليفة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أتَتِ امْرأةٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقالت: ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخلني الجنَّةَ قال: فَعَظَّمَ الرَّبَّ ﵎، وقال: "إنَّ كُرْسيَّهُ وَسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ، وَإنَّ لَهُ أطيطًا كَأطِيْط الرحل الجديد منْ ثقلِهِ". عبد اللَّه بن خليفة ليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثمَّ منهم من يرويه موقوفًا ومُرْسلًا، ومنهم من يزيد فيه زيادةً غريبةً. فاللَّه أعلم. وثبت في "صحيحِ البخاري" (٥) عن رسول اللَّه ﷺ أنَّهُ قال: "إذا سَألْتُم اللَّهَ الجَنَّةَ فَسَلُوْهُ الفِرْدَوسَ فَإنَّهُ أعْلى الجنَّةِ (٦)، وَفوقهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ". يُروى: "وفوقَه" بالفتح على الظرفية، وبالضم (٧)، قال شيخُنا الحافظُ المِزِّي (٨): وهو أحسن، أي: وأعلاهما عَرْشُ الرحمنِ. وقد جاء في بعض الآثار: أنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يسمعون أطيطَ العَرْشِ، وهو تَسْبِيْحُهُ وتعظيمه، وما ذاك إلا لقربهم منه.

стр. 113

وفي "الصحيح" (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَقَدِ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحمنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعاذ". وذكر الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة (٢) في كتاب "صِفَة العرش" عن بَعض السلف أنَّ العَرْشَ مخلوقٌ من ياقوتةٍ حَمْراء بُعْدُ ما بَيْنَ قُطْريه مسيرةُ خَمسين ألف سنةٍ (٣). وذكرنا (٤) عند قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] أنه بُعْد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرةُ خمسين ألف سنةٍ، واتساعُه (٥) خمسون ألف سنة (٦). وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنَّ العرش فلكٌ مستدير من جميع جوانبه، محيطٌ بالعالم من كل جهة، ربما سَمَّوهُ: الفلك التاسع والفلك الأطلس والأثير. وهذا ليس بجيدٍ؛ لأنَّه قد ثبت في الشرع أنَّ له قوائمَ تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يُحمل، وأيضًا فإنَّهُ فوق الجنَّة، والجنةُ فوق السماوات، وفيها مئةُ درجة، ما بين درجتين كما بين السماء والأرض، فالبعد الذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك إلى فلك. وأيضًا فإنَّ العرش، في اللغة: عبارة عن السرير الَّذي لِلْمَلِكِ، كما قال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وليس هو فلكًا، ولا تَفهم منه العرب ذلك. والقرآن إنَّما نَزل بلغة العرب، فهو سريرٌ ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقُبَّة على العالم، وهو سقفُ المخلوقات (٧).

стр. 114

قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقد تقدَّم في حديث الأوعال (١) أنَّهم ثمانية، وفوق ظهورهنَّ العَرشُ، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وقال شهْرُ بْن حوْشب: حملةُ العرْش ثمانيةٌ؛ أربعةٌ منهم يقولون: سُبْحانك اللَّهُمَّ وبحَمْدكَ، لَكَ الحمْدُ على حلْمكَ بَعْدَ عِلْمِكَ (٢)، وأربعة يقولون: سُبْحانكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدكَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى عَفْوكَ بَعْدَ قُدْرَتكَ. فأما الحديثُ الذي رواه الإمام (٣) أحمد (٤): حدَّثنا عبد اللَّه بن محمد هو أبو بكر [بن أبي شَيْبة] (٥)، حدَّثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنَّ رسول اللَّه ﷺ صدَّق أمية بن أبي الصَّلْت (٦) في شيء من شعره فقال: [من الكامل] رجُلٌ وثَوْرٌ تحْتَ رِجْلِ يَمينهِ … والنَّسْرُ للأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصدٌ (٧) فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق". فقال: [من الكامل] والشَّمْسُ تَطْلع كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ … حَمْراءَ يُصْبحُ لَوْنُها يَتَورَّدُ تَأْبَى فما تَطلع لَنا في رِسْلِها … إلا مُعَذَّبَةً وإلا تُجْلَدٌ (٨) فقال رسول اللَّه ﷺ : "صَدَقَ". فإنَّهُ حديثٌ صحيحُ الإسناد، رجالُه ثقات (٩). وهو يقتضي أنَّ

стр. 115

حَملة العرش اليومَ أربعةٌ (١)، فيعارضه حديث الأوعال (٢)؛ اللهمَّ إلا أن يُقال: إن إثبات هؤلاء (٣) الأربعة على هذه الصفات لا ينفي ما عداهم، واللَّه أعلم. ومن شعر أميَّة بن أبي الصَّلْت في العرش قولُه: [من الخفيف] مجِّدُوْا اللَّهَ فَهْوَ للْمَجْد أهْلُ … رَبُّنا في السَّماءِ أمْسَى كَبيرا (٤) بالبنَاءَ العَالي الَّذي بَهَرَ النَّا … س وَسَوَّى فَوْقَ السَّماءِ سَريرًا (٥) شرْجعًا لا يَنالُهُ بَصَرُ العَيْـ … ــنِ تَرَى حَوْلهُ الملائِكَ صُوْرا (٦) صُور: جمع أصْور، وهو المائل العنق لنظره إلى العلو (٧). والشَّرْجعُ: هو العالي المنيف. والسرير: هو العرش، في اللغة. ومن شعر عبد اللَّه بن رَوَاحة ﵁ الذي عرَّض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته (٨): [من الوافر] شهدْتُّ بأنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ … وَأنَّ النَّارَ مَثْوى الكَافِرينا وأنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ … وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العَالمينا وتحْملُهُ ملائكةٌ كرَامٌ … مَلائكةُ الإلهِ مُسَوَّمينا (٩) ذكره ابن عبد البر (١٠)، وغير واحد من الأئمة.

стр. 116

وقال أبو داود (١): حدَّثنا أحمد بن حفص بن عبد اللَّه، حدَّثني أبي، حدَّثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، أنَّ النبي ﷺ قال: "أذنَ لي أنْ أُحدِّثَ عنْ مَلكٍ منْ مَلائِكةِ اللَّهِ منْ حَملةِ العَرْشِ: إنَّ ما بينَ شَحْمةِ أُذُنهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرةُ سبعمئة عامٍ" (٢). ورواه ابن أبي حاتم، ولفظه: "مخفق الطير مسيرة سبعمئة عام". وأمَّا الكُرْسي فَرَوى ابن جرير (٣) من طريق جويبر -وهو ضعيف- عن الحسن البصري أنَّه كان يقول: الكرسي هو العَرش. وهذا لا يصح عن الحَسَن، بل الصحيحُ عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنَّهما قالا في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي علمه (٤).

стр. 117

والمحفوظ عن ابن عباس، كما رواه (١) الحاكم في "مستدركه" (٢) -وقال: إنَّه على شرط الشيخين، ولم يخرجاه- من طريق سفيان الثوري، عن عمار الدُّهْني (٣)، عن مسلم البَطين (٤)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٥) أنه قال: الكرسي موضع القدمين (٦)، والعرش لا يقدر قدره إلا اللَّهُ (٧). وقد رواه شجاع بن مخلد الفلَّاس (٨) في "تفسيره" عن أبي عاصم النبيل، عن الثوري، فجعله مرفوعًا، والصواب أنَّه موقوف على ابن عباس. وحكاه ابن جرير (٩) عن أبي موسى الأشعري، والضحاك بن مزاحم، وإسماعيل بن عبد الرحمن (١٠) السّدِّي: السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش (١١). وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك، عن ابن عباس أنَّه قال: لو أنَّ السماوات السبع والأرضين السبع بُسطن، ثمَّ وُصِلْن بعضهن إلى بعض، ما كُن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة (١٢). وقال ابن جرير (١٣): حدَّثني يونس، حدَّثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدَّثني أبي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما السماواتُ السَّبْع في الكرسي إلا كَدَراهمَ سَبْعةٍ أُلْقيتْ في تُرسٍ". قال: وقال أبو ذرّ: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما الكُرْسيُّ في العَرْشِ إلا كَحلْقَةٍ منْ حَديدٍ أُلْقيتْ بَيْنَ

стр. 118

ظَهْري فَلاةٍ منَ الأرْضِ (١) ". أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع. وقد رُوي عنه من طريق أخرى موصولًا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره": أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، أنبأنا عبد اللَّه بن وهيب الغَزِّي (٢)، أنبأنا محمد بن أبي السَّري العَسْقلاني، أنبأنا محمد بن عبد اللَّه التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذر الغفاري أنَّه سأل رسول اللَّه ﷺ عن الكرسي، فقال رسول اللَّه (٣) ﷺ : "والذي نَفْسي بيدِهِ ما السَّماوات السَّبْعُ والأرَضُون السَّبْعُ عِنْدَ الكُرْسي إلا كَحَلْقةٍ مُلْقاةٍ بأرْضٍ فلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ العَرْش على الكُرْسي كفَضْلِ الفَلاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ" (٤). وقال ابن جرير في "تاريخه" (٥): حدَّثنا ابن وكيع [قال] (٦): حدَّثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: سُئل ابن عباس عن قوله : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أي شيء كانَ الماء؟ قال: على متن الريح. والسَّماوات (٧) والأرضون (٨) وكل ما (٩) فيهنّ من شيء يحيط بها البحار، ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل [-فيما قيل-] (١٠) الكرسي. وروى (١١) عن وهب بن منبه نحوه. وفسَّر وهْبٌ الهيكلَ فقال: شيء (١٢) من أطراف السماوات

стр. 119

محدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط (١). وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة أنَّ الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الذي يُسَمُّونه فلك الكواكب الثوابت. وفيما زعموه نظر؛ لأنه قد ثبت أنَّه أعظم من السماوات السبع بشيء كثير كما ورد [في] (٢) الحديث المتقدم بأنَّ نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة، وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك. فإن قال قائلُهم: فنحن نعترف بذلك، ونسمّيه مع ذلك فلكًا، فنقول: الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك، وإنَّما هو -كما قال غير واحد من السلف-: بين يدي العرش كالمرقاة إليه. ومثل هذا لا يكون فلكًا. وزعمهم (٣) أنَّ الكواكب الثوابت مرصَّعة، لا دليل لهم عليه. هذا مع اختلافهم في ذلك أيضًا، كما هو مقرر في كتبهم. واللَّه أعلم. * * * ذِكرُ اللَّوْح المحفُوْظ قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٤): حدَّثنا محمد بن عثمان (٥) بن أبي شَيبة، حدَّثنا مِنْجاب بن الحارث، حدَّثنا إبراهيم بن يوسف، حدَّثنا زياد بن عبد اللَّه، عن ليث، عن عبد الملك بن سعيد (٦) بن جبير [عن أبيه] (٧)، عن ابن عباس أنَّ نبي اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفوظًا منْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ صَفحاتُها منْ يَاقُوتةٍ حَمْراءَ، قَلَمُهُ نُوْرٌ، وكِتَابُهُ نُوْرٌ، للَّهِ فِيْهِ في كُلِّ يَوْمٍ سِتونَ وَثَلاثُ مئة لحظة (٨) يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُميتُ وَيُحْيي وَيُعزُّ وَيُذلُّ وَيَفْعلُ ما يَشَاءُ" (٩). وقال إسحاق بن بشر: أخبرني مُقاتل وابنُ جُرَيْج عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إنَّ في صَدْر اللَّوْح: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحْدَهُ (١٠)، دِيْنُهُ الإسْلام، ومُحمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَمنْ آمَنَ باللَّهِ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ

стр. 120

واتَّبَعَ رُسُلَه، أدْخَلَهُ (١) الجنَّةَ. قال: وَاللَّوْحُ: لَوْحٌ منْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ. طُولُهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعَرْضُه ما بين المشرِقِ والمغْرب، وحافتاهُ الدرُّ والياقوتُ، ودفتاهُ ياقوتةٌ حَمراءُ، وَقَلمُهُ نُورٌ، وكلامهُ مَعْقُودٌ بالعَرْشِ، وأصْلُه في حجر ملك. وقال أنس بن مالك، وغيره من السلف: اللَّوْحُ المحفوظ في (٢) جبهةِ إسْرافيل. وقال مقاتل: هو عن يمين العرش. * * * باب ما ورد في خلق السماوات والأرض وما بينهما قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. وفال تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩] في غير ما آية من القرآن (٣). وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين: فالجمهور على أنها كأيامنا هذه (٤). وعن ابن عبَّاس، ومجاهد، والضَّحَّاك، وكعب الأحبار: [أن] (٥) كلَّ يوم منها كألف سنةٍ مما تَعُدُّون. رواه ابن جرير (٦)، وابن أبي حاتم. واختار هذا القول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد

стр. 121

فيه على الجَهْمية (١) وابن جرير وطائفة من المتأخرين واللَّه أعلم (٢). وسيأتي ما يدل على هذا القول. وروى ابن جرير (٣) عن الضَّحَّاك بن مُزاحم، وغيره أن أسماء الأيام الستة: أبجد، هَوَّز، حطّي، كلمن، سعفص، قُرشت. وحكى ابن جرير (٤) في أول الأيام ثلاثة أقوال، فروي عن محمد بن إسحاق أنه قال: يقولُ أهل التوراة: ابتدأ اللَّه الخلق يوم الأحد، ويقول أهل الإنجيل: ابتدأ اللَّه الخلقَ يومَ الإثنين. ونقول نحن المسلمين، فيما انتهى إلينا عن رسول اللَّه ﷺ : ابتدأ اللَّه الخلقَ يَوْمَ السبت. وهذا القول الذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، وغيرهم. وسيأتي (٥) فيه حديث أبي هريرة "خَلَقَ اللَّهُ التربةَ يومَ السَّبتِ". والقول بأنَّه الأحد رواه ابن جرير (٦) عن السُّدّي، عن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عبَّاس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن جماعة من الصَّحابة. ورواه أيضًا عن عبد اللَّه بن سلام، واختاره ابن جرير (٧). وهو نص التوراة، ومال إليه طائفة آخرون (٨) من الفقهاء، وهو أشبه بلفظ الأحد، ولهذا كمل (٩) الخلق في ستة أيام، فكان آخرهن الجمعة، فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع -وهو اليوم الذي أضل اللَّهُ عنه أهلَ الكتاب قبلنا- كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه.

стр. 122

وقال (١) تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. فهذا يدل على أن الأرض خُلقت قبلَ السماء، لأنها كالأساس للبناء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا. . .﴾ إلى أن قال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، أي: فصلنا ما بينَ السماءِ والأرضِ حتى هَبَّتِ الرِّياحُ ونَزلت الأمطارُ وجرتِ العيونُ والأنهار وانتعش الحيوان. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: عَمَّا خَلَق فيها من الكواكب الثوابت، والسَّياراتِ والنجوم الزاهرات والأجرام النيرات، وما في ذلك من الدلالة (٢) على حكمة خالق الأرض والسماوات. كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥ - ١٠٦]. فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ (٣) أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) (٤) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] فقد تمسَّك بعضُ الناس بهذه الآية على تقدُّمِ خلقِ السماءِ على خلق الأرض، فخالفوا صريْحَ الآيتين المتقدمتين، ولم يفهموا هذه الآية الكريمة، فإنَّ مقتضى هذه الآية (٥) أنَّ دَحْي الأرض، وإخراج الماء

стр. 123

والمرعى (١) منها بالفعل بعد خلق السماء، وقد كان ذلك فيها (٢) مقدَّرًا بالقوة؛ كما قال تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠]. أي: هَيّأ أماكن الزرع ومواضعَ العيون والأنهار. ثم لما أكْمل خلقَ صورةِ العالم السفلي والعلوي؛ دحَى الأرض فأخرج ما كان مُوْدَعًا فيها، فخرجت العيون، وجرت الأنهار، ونبتت الزروع والثمار، ولهذا فسر الدحي بإخراج الماء والمرعى منها وإرساء الجبال فقال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ أي: قرَّرها في أماكنها التي وضعها فيها وثبَّتها وأكدها وأطدها (٣). وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٩]، بأيدٍ، أي: بقوة. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٤)، وذلك أن كل ما علا اتَّسعَ، فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها. ولهذا كان المرسل أعلى من السماوات، وهو أوسع منهن كلهن. والعرش أعظم من ذلك كله بكثير (٥). وقوله بعد هذا: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ أي: بَسَطناها وجعلناها مهدًا، أي: قارَّةً ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم. ولهذا قال: ﴿فنَعْمَ الْماهِدُونَ﴾، والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع، وإنما تقتضي الإخبار المطلق في اللغة (٦). واللَّه أعلم. وقال البخاري (٧): حدَّثنا عُمر بن حفص بن غياث (٨)، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش، حدَّثنا جامع بن شدَّاد، عن صَفوان بن مُحْرز: أنه حدَّثه عن عِمْران بن حُصَيْن قال: دَخلتُ على النَّبيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ ناقتي بالباب، فأتاهُ ناسٌ من بني تميم، فقال: "اقبَلُوا البُشْرى يا بني تميمٍ" (٩)، قالوا: قد بَشَّرْتَنَا (١٠) فأعطنا -مَرَّتين- ثم دخل عليه ناسٌ من اليمن فقال: "اقْتلُوا البُشْرَى يا أهلَ اليَمن إِذْ (١١) لَمْ يَقْبَلها بَنُو تميمٍ"، قالوا (١٢): قد قبلْنا يا رسولَ اللَّه، قالوا: جئناكَ نسألك عنْ هذا الأمر. قال: "كانَ اللَّهُ ولَمْ يكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وكَانَ عَرْشُهُ على المَاءَ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ (١٣) كُلَّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّماواتِ

стр. 124

والأرْضَ"، فنادى منادٍ: ذهبتْ ناقتُك يا ابْنَ الحُصَيْن، فانْطلقتُ فإذا هي يقطع دُونها السراب، فواللَّه لوَدِدْتُ أني كُنْتُ تركتها، هكذا رواه هاهنا. وقد رواه في كتاب المغازي (١)، وكتاب التوحيد (٢)، وفي بعض ألفاظه: "ثمَّ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْضَ"، وهو لفظُ النَّسائي (٣) أيضًا. وقال الإمامُ أحمد (٤): حدَّثنا حجاج، حدثني ابن جُريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ بيدي فقال: "خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبةَ يومَ السَّبْتِ، وخَلقَ الجِبالَ فِيْها يومَ الأحدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيْها يَوْمَ الإثْنين، وخلقَ المَكْرُوه فيها يومَ الثَّلاثاءَ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبعاءِ، وَبثَّ الدَّواب فيها (٥) يومَ الخَميسِ، وخَلَقَ آدمَ بعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمُعةِ آخر الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ منْ سَاعاتِ الجُمُعةِ فِيْما بينَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ". وهكذا رواه مسلم (٦) عن سُرَيْج بن يونس وهرون بن عبد اللَّه، والنَّسائي (٧) عن هارون ويوسف بن سعيد، ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المِصِّيصي (٨) الأعور، عن ابن جُرَيْج، به مثله سواء. وقد رواه النَّسائي (٩) في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجُوْزجَاني (١٠)، عن محمد بن الصَّباح، عن

стр. 125

أبي عُبيدة الحدَّاد، عن الأخضر (١) بن عجلان، عن ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، أخذَ بِيَدِهِ فقال: "يا أبا هُرَيْرةَ إنَّ اللَّهَ خَلقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنهما في ستَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتوى على العَرْشِ يَوْمَ السَّابعِ، وخَلَقَ التُّرْبةَ يومَ السَّبْتِ"، وذكر تمامه بنحوه، فقد اختلف فيه على ابن جريج (٢). وقد تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي، وغيرهم من الحفاظ (٣). قال البخاري في "التاريخ" (٤): وقال بعضُهم: عن كعب، وهو أصح، يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقَّاه من كعب الأحبار، فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث، فهذا يُحدِّثُه عن صحفه، وهذا يحدثه بما يصدّقه عن النبي (٥) ﷺ فكان هذا الحديث مما تلقّاه أبو هريرة، عن كعب، عن صحفه، فوهم بعضُ الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبي ﷺ وأكَّدَ رفعَه بقوله: "أخَذَ رسول اللَّه ﷺ بيدي". ثم في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات (٦)، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن (٧)، لأنَّ الأرض خُلقت في أربعة أيام، ثم خُلقت السماواتُ في يومين من دُخان، وهو بُخار الماء الذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الذي خلق من رُبدة (٨) الأرض بالقدرة العظيمة البالغة، كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي الكبير في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمْداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]

стр. 126

قال: إن اللَّه كان عرشُه على الماء، ولم يخلق شيئًا مما خلَقَ قبل الماء (١)، فلما أراد أن يخلُق الخلقَ أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء، فَسَما عليه، فسمَّاه: سماءً، ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعل سَبْع أرضين في يومين (٢): الأحد والإثنين، وخلق الأرض على حُوت، وهو النون الذي قال (٣) اللَّه تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوت في الماء، والماء على صفاه (٤)، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح. وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرب (٥)، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فَقَرَّت (٦)، وخلق اللَّهُ يومَ الثلاثاء الجبالَ وما فيهن من المنافع، وخلقَ يومَ الأربعاء الشجرَ والماءَ والمدائن والعمران والخراب، وفتَقَ السماء وكانت رَتْقًا (٧) فجعلها سبعَ سمَاوات في يوم الخميس والجمعة وإنما سُمَّى: الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]. قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة [والخلق الذي فيها] (٨) والبحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره (٩). ثم زيَّن السماءَ [الدنيا] بالكواكب فجعلها زينةً وحفظًا تحفظ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. هذا الإسناد يَذْكُرُ به السّدّي أشياء كثيرة فيها غرابة، وكأن كثيرًا منها متلقى من الإسرائيليات؛ فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب (١٠) ﵁ بأشياء من علوم أهل الكتاب، فيسمع له عمر تأليفًا له، وتعجُّبًا مما عنده مما يوافق كثيرٌ منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر، فاستجاز كثيرٌ من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، ولما جاء من الإذن في التحديث عن بني إسرائيل (١١)، لكن كثيرًا ما يقع فيما يرويه غلط وليس هو منه، ولكنه من الكتب التي ينقل عنها لأنها قد دخلها غلط كبير وخطأ كثير.

стр. 127

وقد روى البخاري في "صحيحه" (١) عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار: وإنْ كُنَّا لنَبْلُوَ عليه [الكذب] (٢)، أي فيما ينقله؛ لا أنه يتعمد ذلك. واللَّه أعلم. ونحن نورد ما نورده من الذي يسوقه كثير من كبار الأئمة المتقدمين عنهم، ثم نتبع ذلك من الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يُكذِّبه، ويبقى الباقي مما لا يصدَّق ولا يكذب، وباللَّه المستعان، وعليه التُّكلان. قال البخاري: حدَّثنا قتيبة، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القُرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرجِ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كتابِهِ، فهوَ عِنْدهُ فوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمتي غَلَبتْ غَضَبي" (٣). وكذا رواه مسلم، والنسائي عن قتيبة به (٤). ثم قال البخارى (٥): * * * باب (٦) ما جاء فى سبع أرضين وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ

стр. 128

اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ثم قال: حدَّثنا (١) عليُّ بن عبد اللَّه، أخبرنا (٢) ابن عُلَيَّة، عن عليّ بن المبارك، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض، فدخل على عائشة فذكرَ لها ذلك. فقالت: يا أبا سلمة! اجتنبِ الأرضَ، فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "منْ ظلمَ قِيْدَ شِبْرٍ طُوِّقه منْ سبع أرضينَ" (٣). ورواه أيضًا في كتاب المظالم (٤)، ومسلم من طرقٍ (٥)، عن يحيى بن أبي كثير به. ورواه أحمد من حديث محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة به (٦). ورواه أيضًا عن يونس، عن أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة بمثله (٧). ثم قال البخاري: حدَّثنا بشر بن محمد، قال: حدَّثنا عبد اللَّه، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، قال: قال النبىُّ ﷺ : "منْ أخذ شيئًا من الأرض بغير حقِّه خُسِفَ به يومَ القيامةِ إلى سبع أرضين" (٨). ورواه في المظالم أيضًا (٩): عن مسلم بن إبراهيم، عن عبد اللَّه -هو ابن المبارك- عن موسى بن عُقبة به، وهو من أفراده. وذكر البخاري هاهنا (١٠) حديث محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الزمانَ قد استدارَ كهيئته يوم خلقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، السنة اثنا عشرَ شهرًا. . . " الحديث. ومراده -واللَّه أعلم- تقرير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثني عشر مطابقةٌ لعدة الشهور عند اللَّه في كتابه الأول، فهذه (١١) مطابقة في الزمن، كما أن تلك مطابقة في المكان.

стр. 129

ثم قال البخاري (١): حدَّثنا عُبيد بن إسماعيل، حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أنَّه خاصمته أروى في حقٍّ زعمتْ أنه انتقصَه لها إلى مروان، فقال سعيد ﵁: أنا أنتقصُ من حقِّها شيئًا؟ أشهدُ لسمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "منْ أخذَ شِبْرًا من الأرض ظُلمًا فإنه يُطوَّقه يومَ القيامة من سبع أرضينَ" ورواه (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا حسن، وأبو سعيد -مولى بني هاشم- قالا: حدَّثنا عبُد اللَّه بن لَهيعة، حدَّثنا عُبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول اللَّه! أي الظلم أعظم؟ قال: "ذراع من الأرض ينتقصُه المرءُ المسلمُ من حقِّ أخيه، فليست حصاةٌ من الأرض يأخذها أحد إلا طُوِّقها يوم القيامة إلى قعرِ الأرضِ، ولا يعلمُ قعرَها إلا الذي خلقَها". تفرَّد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عفان، حدَّثنا وُهيب، حدَّثنا سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "من أخذَ شِبْرًا من الأرض بغير حقِّه طُوِّقه من سبع أرضين" تفرَّد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم. وقال أحمد (٥): حدَّثنا يحيى، عن ابن عَجْلان، حدَّثني أبي، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "منِ اقتطعَ شِبْرًا من الأرض بغير حقِّه طُوِّقه إلى سبع أرضين" تفرَّد به أيضًا، وهو على شرط مسلم. وقال أحمد أيضًا (٦): حدَّثنا عفان، حدَّثنا أبو عَوانة، عن عمرَ بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "منْ أخذَ من الأرض شِبْرًا بغير حقِّه طُوِّقه من سبع أرضين" تفرَّد به أيضًا،

стр. 130

وقد رواه الطبرانيُّ (١) من حديث مُعاوية بن قُرَّة عن ابن عباس مرفوعًا مثله. فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين، والمراد بذلك أن كلَّ واحدة فوقَ الأخرى، والتي تحتَها في وسطها عند أهل الهيئة، حتى ينتهيَ الأمر إلى السابعة، وهي صمَّاء لا جوفَ لها، وفي وسطها المركز، وهي نقطة مقدَّرة متوهَّمة. وهو محطُّ الأثقال، إليه ينتهي ما يَهبطُ من كلِّ جانب إذا لم يُعاوقه مانع. واختلفوا هل هنَّ متراكمات بلا تفاصل، أو بين كلِّ واحدة والتي تليها خَلاء (٢)؟ على قولين. . وهذا الخلاف جارٍ في الأفلاك أيضًا. والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الأخرى مسافة، لظاهر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآية. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا سُريج، حدَّثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ إذ مرَّت سحابة، فقال: "أتدرون ما هذه؟ " قال: قلنا: اللَّه ورسوله أعلمُ. قال: العَنان، ورَوايا (٤) الأرض يسوقُه إلى من لا يشكرونَه من عباده ولا يَدْعونه، أتدرون ما هذه فوقكم؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلمُ. قال: الرَّقيع (٥)، موجٌ مكفوفٌ وسقفٌ محفوظٌ. أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلم. قال: مسيرة خمسمئة عام. ثم قال: أتدرون ما الذي فوقَها؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: مسيرة خمسمئة عام، حتى عدَّ سبعَ سماوات. ثم قال: أتدرونَ ما فوقَ ذلك؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلمُ. قال: العرش. أتدرونَ كم بينَه وبين السماء السابعة؟ قلنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: مسيرة خمسمئة عام. ثم قال: أتدرون ما هذه تحتكم؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلم. قال: أرض، أتدرونَ ما تحتها؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: أرض أخرى، أتدرون كم بينهما؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: مسيرة سبعمئة عام، حتى عدَّ سبع أرضين. ثم قال: وايم اللَّه لو دلَّيتم أحدكم إلى الأرض السفلى السابعة لهبطَ. ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. ورواه الترمذي (٦): عن عبد بن حميد، وغيرُ واحد عن يونسَ بن محمد المؤدب، عن شيبانَ بن عبد الرحمن، عن قتادةَ، قال: حدَّث الحسنُ، عن أبي هريرة. . وذكرَه، إلا أنه ذكرَ أن بُعدَ ما بين كل

стр. 131

أرضين خمسمئة عام، وذكرَ في آخره كلمة ذكرناها (١) عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، قال: ويُروى عن أيوب، ويونسَ بن عُبيد، وعلي بن زيد أنهم قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة (٢). ورواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في "تفسيره" من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، فذكرَ مثل لفظ الترمذي سواء بدون الزيادة في آخر (٣). ورواه ابن جرير في "تفسيره" عن بشر، عن يزيد، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة مرسلًا (٤). وقد يكون هذا أشبه واللَّه أعلم. ورواه الحافظان أبو بكر البزَّار والبيهقيُّ من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ (٥) بنحوه. ولكن لا يصح إسناده واللَّه أعلم. وقد تقدَّم (٦) عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يُخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة وما يشهد له. وفيه: وبعدُ ما بين كلِّ سماءين خمسمئة عام، وكثفها، أي: سمكها خمسمئة عام. وأما ما ذهبَ إليه بعض المتكلِّمين على حديث "طُوَّقهُ من سَبْعِ أرْضِيْنَ" (٧) أنها سبعة أقاليم. فهو قول يُخالف ظاهرَ الآية والحديثَ الصحيح، وصريحَ كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الذي أوردناه من طريق الحسن عن أبي هريرة. ثم إنه حَمْلٌ للحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند ولا دليل، واللَّه أعلم. وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب، وتلقَّاه عنهم طائفة من علمائنا، من أن هذه الأرض من تراب، والتي تحتَها من حديد، والأخرى من حجارة من كبريت، والأخرى من كذا، فكل هذا إذا لم يُخْبر به ويصح سندُه إلى معصوم فهو مردود على قائله.

стр. 132

وهكذا الأثر المرويُّ عن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه، حتى آدم كآدمكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، فهذا ذكرهُ ابن جرير (١) مختصرًا، واستقصاه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢) وهو محمولٌ -إن صحَّ نقلُه عنه- على أنه أخذَه ابن عباس ﵁ عن الإسرائيليات، واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا يزيد، حدَّثنا العوَّام بن حَوْشب، عن سُليمان بن أبي سُليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "لما خلق اللَّه الأرضَ جعلتْ تميدُ (٣)، فخلقَ الجبالَ، فألفاها عليها فاستقرَّتْ، فتعجبتِ الملائكةُ من خَلْق الجبالِ، فقالتْ: يا ربّ: هل من خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم الحديدُ. فقالت: يا ربِّ: فهل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الحديد؟ قال: نعم النَّار. قالت: يا ربِّ! فهلُ من خَلقكَ شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ (قالَ: الماء. قالت: يا ربِّ! فهل من خلقك شيء أشدُّ من الماء؟) (٤)؛ قال: نعم الرِّيحُ. قالت: يا ربِّ! فهل من خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الريح؟ قال: نعم ابنُ آدمَ يتصدَّق بيمينهِ يُخفيها من شمالِه". تفرَّد به أحمد (٥). وقد ذكرَ أصحابُ الهيئة أعدادَ جبال الأرض في سائر بقاعها شرقًا وغربًا، وذكروا أطوالَها وبُعدَ امتدادها وارتفاعها، وأوسعوا القولَ في ذلك بما يطول شرحه هاهنا. وقد قالَ اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] قال ابن عباس وغير واحد: الجُدَدُ: الطرائقُ. وقال عكرمة وغيره: الغرابيب: الجبال الطّوال السُّود (٦). وهذا هو المشاهدُ من الجبال في سائر الأرض، تختلفُ باختلاف بقاعها وألوانها. وقد ذكرَ اللَّه تعالى في كتابه ﴿الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] (٧) على التعيين، وهو جبل عظيم (٨) شرقي جزيرة ابن عمر إلى جانب دجلة، عند الموصل، امتداده من الجنوب إلى الشمال مسيرة ثلاثة أيام، وارتفاعه مسيرة نصف يوم، وهو أخضرُ لأن فيه شجرًا من البلُّوط، وإلى جانبه قرية يُقال لها: قرية "الثمانين" (٩)

стр. 133

لسكنى الذين نجوا في السفينة مع نوح ﵇ في موضعها، فيما ذكره غيرُ واحد من المفسرين (١)، واللَّه أعلم. وذكر تعالى ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ وقد روى (٢) الحافظُ البهاء ابن عساكر في كتابه (المستقصى في فضائل المسجد الأقصى) في ترجمة الجبال المقدسة من طريق عمرو بن بكر، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي هريرة قال: أقسمَ ربُّنا بأربعة أجبل، فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] فالتين: طور زيتا مسجدُ بيت المقدس، والزيتون: طور تينا، وطور سينين، وهذا البلد الأمين: جبل مكة (٣). وقال قتادة: التين جبل عليه دمشق، والزيتون: جبل عليه بيت المقدس (٤). وروى الحافظ ابن عساكر عن كعب الأحبار أنَّه قال: أربعة أجبل يوم القيامة: جبل الخليل، والتين، والطور، والجودي، يكون كل واحد منها يوم القيامة لؤلؤة بيضاء تضيء ما بين السماء والأرض، يرجعن إلى بيت المقدس حتى تجعل في زواياه، ويضعُ (الجبَّارُ ﷻ (٥) عليها كرسيَّه حتى يُقضى بين أهل الجنة والنار ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) [الزمر: ٧٥]. ومن طريق الوليد بن مسلم، حدثنا عمَّار بن أبي العالية، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى اللَّه إلى جبل قاسيون أن هَبْ ظلَّكَ وبركتكَ لجبل بيت المقدس، قال: ففعلَ، فأوحى اللَّه إليه: أما إذ فعلتَ فإني سأبني لي في حضنكَ بيتًا؛ يعني مسجدَ دمشق، أُعْبَدُ فيه بعد

стр. 134

خراب الدنيا أربعين عامًا، ولا تذهبُ الأيام والليالي حتى أردَّ عليكَ ظلَّك وبركتَك، قال: فهو عند اللَّه بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرِّع (١). وعن خليد بن دَعْلَج: أنَّ صفية زوج النبي ﷺ أتتْ طرفَ بيت المقدس فصلّتْ فيه، وصعِدت إلى طور زيتا فصلَّت فيه، وباتت على طرف الجبل، فقالت: (من هاهنا يتفرَّقُ النَّاسُ يومَ القيامة إلى الجنة وإلى النار) (٢) (٣). * * * فصل في البحار والأنهار قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٤ - ١٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] وقال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] فالمراد بالبحرين: البحر الملح المرُّ، وهو الأجاج، والبحر العَذْبُ، هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار لمصالح العباد؛ قاله ابن جريج وغير واحد من الأئمة. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٢ - ٣٤] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣١ - ٣٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ

стр. 135

وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقره: ١٦٤]. فامتنَّ تعالى على عباده بما خلقَ لهم من البحار والأنهار، فالبحرُ المحيط بسائر أرجاء الأرض وما ينبثقُ منه في جوانبها، الجميع مالحُ الطعم، مُرٌّ، وفي هذا حكمة عظيمة لصحَّة الهواء، إذ لو كان حلوًا لأنتنَ الجوُّ وفسدَ الهواء بسبب ما يموتُ فيه من الحيوانات، فكان يُؤَدِّي إلى تفاني بني آدم، ولكن اقتضت الحكمةُ البالغةُ أن يكونَ على هذه الصفة لهذه المصلحة. ولهذا لما سُئلَ رسول اللَّه ﷺ عن البحر قال: "هو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلُّ مَيْتَتهُ" (١). وأما الأنهار، فماؤُها حلوٌ عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُها لمن أراد ذلك. وجعلَها جارية سارحة يُنْبِعُها تعالى في أرضٍ ويسوقُها إلى أخرى رزقًا للعباد. ومنها كبارٌ ومنها صغارٌ بحسب الحاجة والمصلحة. وقد تكلَّم أصحابُ علم الهيئة والتسبير (٢) على تعداد البحار والأنهار الكبار، وأصول منابعها، وإلى أن ينتهي سيرُها بكلام فيه حكمٌ ودلالاتٌ على قدرةِ الخالق تعالى، وأنَّه فاعلٌ بالاختيار والحكمة وقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] فيه قولان: أحدُهما أنَّ المرادَ به البحر الذي تحتَ العرش المذكور في حديث الأوعال (٣). وأنه فوقَ السماوات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماءٍ إلى سماء، وهو الذي ينزلُ منه المطرُ قبلَ البعث فتحيا منه الأجسادُ من قبورها. وهذا القولُ هو اختيار الربيع بن أنس (٤). والثاني أنَّ البحرَ اسمُ جنس يعمُّ سائرَ البحار التي في الأرض، وهو قول الجمهور. واختلفوا في معنى ﴿المسجور﴾ فقيل: المملوء، وقيل: الذي يصيرُ يومَ القيامة نارًا تأجَّجُ، فيُحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في "التفسير" (٥) عن عليّ، وابن عباس، وسعيد بن جُبير، وابن مجاهد، وغيرهم. وقيل: المراد به الممنوع المكفوفُ المحروسُ عن أن يطغى فيغمرَ الأرضَ ومنْ عليها

стр. 136

فيغرقوا (١). رواه الوالبي (٢) عن ابن عباس، وهو قول السُّدِّي وغيره، ويُؤيِّده الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد: حدَّثنا يزيدُ، حدَّثنا العوَّام، حدَّثني شيخٌ كان مرابطًا بالساحل، قال: لقيتُ أبا صالحٍ مولى عمرَ بن الخطاب، فقال: حدَّثنا عمرُ بن الخطَّاب عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليسَ من ليلةٍ إلا والبحرُ يُشرفُ فيها ثلاثَ مراتٍ يستأذنُ اللَّه أن ينفضح (٣) عليهم، فيكُفَّه اللَّه " (٤). ورواه إسحاق بن راهويه: عن يزيد بن هارون، عن العوَّام بن حَوْشب، حدَّثني شيخ مرابط، قال: خرجتُ ليلة لمحرسٍ لم يخرجْ أحدٌ من الحرس غيري، فأتيتُ الميناءَ فصَعِدتُ، فجعل، يخيَّلُ إليَّ أن البحرَ يشرفُ يُحاذي برؤوس الجبال، فعلَ ذلك مرارًا وأنا مستيقظٌ، فلقيتُ أبا صالح، فقال: حدَّثنا عمرُ بن الخطَّاب أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما منْ ليلةٍ إلا والبحرُ يُشرفُ ثلاثَ مَرَّاتٍ يستأذنُ اللَّهَ أن يَنْفَضِحَ عليهم فيكُفَّه اللَّه " (٥) في إسناده رجل مبهم، واللَّه أعلم. وهذا من نعمه تعالى على عباده أن كفَّ شرَّ البحر عن أن يطغى عليهم، وسخَّره لهم يحمل مراكبَهم ليبلغوا عليها إلى الأقاليم النائيه (٦) بالتجارات وغيرها، وهداهم فيه بما خلقَه في السماء والأرض من النجوم والجبال التي جعلَها لهم علاماتٍ يهتدون بها في سيرهم، وبما خلقَ لهم فيه من اللآلئ الحسنة الثمينة والجواهر النفيسة العزيزة التي لا تُوجد إلا فيه وبما خلقَ فيه من الدوابِّ الغريبة، وأحلَّها لهم حتى مَيْتَتِها، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وقال النبي ﷺ : "هو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلُّ مَيْتَتُه" (٧) وفي الحديث الآخر "أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ ودَمَانِ: السَّمكُ والجَرادُ، والكَبِدُ، والطُّحَالُ" رواه أحمد (٨) وابن ماجه (٩)، وفي إسناده نظر (١٠).

стр. 137

وقد قال الحافظُ أبو بكر البَزَّارُ في "مسنده" (١): وجدتُ في كتابي، عن محمد بن معاوية البغداديِّ، حدَّثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، رفعه، قال: "كلَّم اللَّه هذا البحر الغربيَّ، وكلَّم البحرَ الشرقيَّ، فقالَ للغربيِّ: إنِّي حاملٌ فيكَ عِبادًا من عبادي، فكيفَ أنت صانعٌ بهم؟ قال: أُغْرقُهم. قال: بأسُكَ في نواحيكَ، فحَرمهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ، وكلَّم هذا البحرَ الشَّرْقيَّ، فقال: إني حاملٌ فيكَ عبادًا من عبادي فما أنتَ صانعٌ بهم؟ قال: أحملُهم على يدي، وأكونُ لهم كالوالدةِ لولدِه، فأثابَه الحِلْيَة والصَّيْد". ثم قال (٢): لا نعلمُ أحدًا رواه عن سُهَيْل إلا عبدُ الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر، وهو منكر الحديث. قال: وقد رواه سُهيل، عن النعمان بن أبي عيَّاش، عن عبد اللَّه بن عمرو، موقوفًا. قلتُ: الموقوفُ على عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أشبهُ، فإنه قد كان وجدَ يومَ اليرموك زاملتين (٣) مملوءتين كتبًا من علوم أهل الكتاب، فكانَ يُحدِّث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات، منها المعروفُ والمشهورُ والمنكورُ والمردود. فأما المرفوع فتفرَّد به عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، أبو القاسم المدنيّ، قاضيها؛ قال فيه الإمام أحمد (٤): ليس بشيء، وقد سمعتُ منه، ثم مزقتُ حديثه، كان كذابًا، وأحاديثه مناكير. وكذا ضعَّفه ابن معين (٥)، وأبو زُرعة (٦)، وأبو حاتم (٧)، والجوزجاني (٨)، والبخاري (٩)، وأبو داود (١٠)، والنَّسائي (١١)، وقال ابن عديّ (١٢): عامَّة أحاديثه مناكير، وأفظعها حديث البحر. قال علماء التفسير المتكلِّمون على العُروض والأطوال والبحار والأنهار والجبال والمساحات، وما في الأرض من المدن والخراب والعمارات والأقاليم السبعة الحقيقية في اصطلاحهم، والأقاليم

стр. 138

المتعدِّدة العرفية، وما في البلدان والأقاليم من الخواصِّ والنباتات، وما يُوجد في كل قطر من أصناف (١) المعادن والتجارات، قالوا: الأرض مغمورة بالماء العظيم إلا مقدار الربع منها، وهو تسعون درجة، والعناية الإلهية اقتضت انحسار الماء على هذا القدر منها لتعيشَ الحيوانات عليها، وتنبت الزرع والثمار منها، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٣]. قالوا: والمغمور من هذا البادي منها قريبُ الثلثين منه أو أكثر قليلًا. وهو خمس وتسعون (٢) درجة. قالوا: فالبحر المحيط الغربيّ، ويُقال له: أوقيانوس، وهو الذي يُتاخمُ بلادَ المغرب، وفيه الجزائرُ الخالدات، وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبًا، وهو بحر لا يُمكن سلوكه ولا ركوبه؛ لكثرة هيجه واغتلامه (٣)، واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج، وليس فيه صيد (٤)، ولا يُستخرجُ منه شيء، ولا يُسافَر فيه لمتجر ولا لغيره، وهو آخذٌ في ناحية الجنوب حتى يُسامتَ الجبال القُمْر، ويُقال: جبال القمر التي منها منبع أصل نيل مصر، ويتجاوز خطَّ الاستواء. ثم يمتد مُشَرِّقًا، ويصير جنوبي الأرض. وفيه هناك جزائر الزنج (٥)، وعلى سواحله خراب كثير. ثم يمتدُّ شرقًا وشمالًا حتى يتصلَ ببحر الصين والهند. ثم يمتدُّ شرقًا حتى يُسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة، وهناك بلاد الصين. ثم ينعطفُ في شرقي الصين إلى جهة الشمال حتى يُجاوزَ بلاد الصين، ويُسامتَ سد (٦) يأجوج ومأجوج. ثم ينعطفُ ويستديرُ على أرضٍ غير معلومة الأحوال. ثم يمتدُّ مُغَرِّبًا في شمالي الأرض ويُسامتُ بلادَ الروس ويتجاوزها، ويعطف مُغَرِّبًا وجنوبًا، ويستديرُ على الأرض ويعودُ إلى جهة الغرب وينبثق من الغربي العربى (٧) إلى متن الأرض الزقاق، الذي ينتهي أقصاه إلى أطراف الشام من الغرب. ثم يأخذُ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم. وينبعث من المحيط الشرقي بحارٌ أُخر، فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال: إن في بحر الهند ألفا جزيرة وسبعمئة جزيرة، فيها مدن وعمارات سوى المدن العاطلة، ويقال لهذا البحر: الأخضر، فشرقيُّه بحرُ الصين، وغربيُّه بحر اليمن، وشماليه بحر الهند، وجنوبيه غير معلوم.

стр. 139

وذكروا أن بين بحر الهند وبحر الصين جبالًا فاصلة بينهما، وفيها فجاج تسلك المراكب بينها، يسَّرها لهم الذي خلقَها، كما جعل مثلها في البر أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]. وقد ذكرَ بطليموس (١) في كتابه المسمَّى "بالمجسطي" الذي عُرِّبَ (٢) في زمان المأمون، وهو أصلُ هذه العلوم: أن البحار المتفخرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي كثيرة جدًا. ومنها ما هو واحد، ولكن يُسمى بحسب البلاد المتاخمة له. فمن ذلك بحر القُلْزُم. والقُلْزُم (٣): قريةٌ على ساحله قريب من أيلة. وبحر فارس وبحر الخزر، وبحر وَرَنْك، وبحر الروم، وبحر بُنْطش، وبحر الأزرق، مدينة على ساحله، وهو بحر القَرْم أيضًا، ويتضايق حتى يصبَّ في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية، وهو الخليج القسطنطيني (٤)، ولهذا تُسرعُ المراكبُ في سيرها من القَرْم إلى بحر الروم، وتُبطئ إذا جاءت من الإسكندرية إلى القَرْم، لاستقبالها جريان الماء. وهذا من العجائب في الدنيا، فإنَّ كلَّ ماءٍ جارٍ فهو حلوٌ إلا هذا، وكلُّ بحر راكد فهو ملحٌ أجاجٌ، إلا ما يُذكر عن بحر الخزر، وهو بحر جرجان وبحر طبرستان، أنَّ فيه قطعةً كبيرة ماءً حلوًا فُراتًا، على ما أخبر به المسافرون عنه. قال أهل الهيئة: وهو بحرٌ مستديرُ الشكل إلى الطول ما هو. وقيل: إنَّه مثلث كالقِلَعْ (٥)، وليس هو متصلًا بشيء من البحر المحيط، بل منفردٌ وحده، وطوله ثمانمئة ميل وعرضه ستمئة، وقيل: أكثر من ذلك، واللَّه أعلم. ومن ذلك البحرُ الذي يخرجُ منه المدُّ والجَزْرُ عند البصرة، وفي بلاد المغرب نظيرُه أيضًا، يتزايدُ الماء من أوَّل الشهر، ولا يزالُ في زيادة إلى تمام الليلة الرابعة عشرة منه [وهو المدُّ] (٦). ثم يشرعُ في النقص وهو الجَزْرُ إلى آخر الشهر (٧). وقد ذكروا تحديدَ هذه البحار ومسراها (٨) ومنتهاها، وذكروا ما في

стр. 140

الأرض من البُحيرات المجتمعة من الأنهار وغيرها من السيول، وهي البطائح (١). وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، وذكروا ابتداءَها وانتهاءَها، ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه، وإنما نتكلَّم على ما يتعلَّق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. وفي الصحيحين (٢): من طريق قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعة، أن رسول اللَّه ﷺ لما ذكرَ سِدْرة المنتهى، قال: "فإذا يخرجُ من أصلها نهرانِ باطنان، ونهرانِ ظاهران. فأمَّا الباطنان ففي الجنَّة، وأما الظاهران فالنيلُ والفراتُ". وفي لفظ في البخاري (٣): "عنصرُهما" أي: مادَّتُهما، أو شكلُهما، وعلى صفتهما ونعتهما، وليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وفي صحيح مسلم (٤): من حديث عُبيد اللَّه بن عمر، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حَفْص بن عاصم، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيْحانُ وجَيْحان والفرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة". وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا ابن نُميرٍ ويزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُجِّرَتْ أربعةُ أنهارٍ من الجنة: الفراتُ، والنيلُ، وسَيْحان وجَيْحان". وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وكأن المراد واللَّه أعلم من هذا أن هذه الأنهار تُشبه أنهارَ الجنَّة في صَفائها وعُذوبتها وجَريانها، ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها، كما قال في الحديث الآخر الذي رواه الترمذي وصحَّحه (٦): من طريق سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "العَجْوةُ من الجَنَّة، وفيها شِفَاءٌ من السُّمِّ (٧) " أي: تُشبه ثَمرَ الجنَّة. فإن الحسنَ يشهدُ بخلاف ذلك، فتعيَّن أن المرادَ غيره.

стр. 141

وكذا قوله ﷺ : "الحمَّى من فَيْحِ جهنَّم فأبردُوها بالماء (١) " (٢) وكذا قوله: "إذا اشتدَّ الحَرُّ فأبردُوا بالصَّلاة، فإن شدة الحرِّ من فيْحِ جهنَّم" (٣). وهكذا هذه الأنهار أصلُ منابعها مُشاهدٌ من الأرض. أما النيل، وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبُعد مسراه فيما بين مبتداه إلى منتهاه، فمبتداه من الجبال القُمْر، أي: البيض، ومنهم من يقول: جبال القَمَر (٤)، بالإضافة إلى الكوكب، وهي في غربيّ الأرض وراءَ خط الاستواء إلى الجانب الجنوبي. ويُقال: إنَّها حُمْر يَنبعُ من بينها عيون، ثم يجتمعُ من عشر مَسِيلاتٍ متباعدة، ثم يجتمعُ كلُّ خمسة منها في بحرةٍ، ثم يخرجُ منها أنهارٌ ستة، ثم تجتمع كلها في بحيرة أخرى، ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل، فيمرُّ على بلاد السُّودان بالحبشة، ثم على النوبة ومدينتها العُظمى دُمْقُلة، ثم على أسوان، ثم يفد على ديار مصر. وقد يحمل إليها من بلاد الحبشة زياداتِ أمطارها، وما اجترفَ (٥) من ترابها وهي محتاجة إليهما معًا، إن مطرَها قليلٌ لا يكفي زروعَها وأشجارَها، وتربتُها رمالٌ لا تُنبتُ شيئًا حتى يجيءَ النيل بزيادته وطينه، فينبتُ فيه ما يحتاجون إليه، وهي من أحق الأراضي بدخولها في قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] ثم يجاوزُ النيلُ مصرَ قليلًا، فيفترقُ شطرين عند قرية على شاطئه، يقال لها: شَطَّنُوف (٦)، فيمرُّ الغربيّ منه على رشيد ويصبُّ في البحر المالح. وأما الشرقيُّ فيفترقُ أيضًا عند جَوْجرَ فرقتين، تمرُّ الغربيّةُ منهما على دِمياط من غربيِّها، ويصبُّ في البحر، والشرقية منهما تمرُّ على أشْمُون (٧) طَنَّاح، فيصبُّ هناك في بحيرة شرقي دِمْياط، يُقال لها: بحيرة تِنِّيْس، وبحيرة دمياط. وهذا بُعد عظيم فيما بين مبتداه إلى منتهاه، ولهذا كان ألطف المياه. قال ابن سينا: له خصوصيات دون سائر مياه الأرض، فمنها: أنه أبعدها مسافة من مجراه

стр. 142

إلى أقصاه. ومنها أنه يجري على صخور ورمال ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال، ومنها أنه لا يخضرُّ فيه حجر ولا حصاة، وما ذاك إلا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته، ومنها أن زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار، ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها، وأما ما يذكره بعضُهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع اطَّلع عليه بعضُ الناس فرأى هناك هولًا عظيمًا وجواريَ حِسانًا وأشياءَ غريبةً، وأن الذي اطَّلعَ على ذلك (١) لم يمكنْه الكلامُ بعد هذا، فهو من خرافاتِ المؤرِّخين وهذيانات الأفَّاكين (٢). وقد قال عبدُ اللَّه بن لَهِيْعة (٣): عن قيس بن الحجَّاج، عمَّن حدثه قال: لمّا فُتحتْ مصر، أتى أهلها عمرَو بن العاص حين دخلَ بؤنة -من أَشْهُرِ العجم- فقالوا: أيُّها الأمير! إن لنيلنا هذا سُنَّةً لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان لِثنتي عشرة ليلةً خلتْ من هذا الشهر عَمَدْنا إلى جاريةٍ بكْرٍ بين أبويها، فارْضَيْنا أبويْها وجعلنا عليها من الحليِّ والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام. إنَّ الإسلامَ يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤنةَ، والنِّيلُ لا يجري قليلًا ولا كثيرًا. وفي رواية: فأقاموا بؤنةَ وأبيب ومِسْرى (٤) وهو لا يجري، حتَّى همُّوا بالجلاء. فكتبَ عمرو إلى عمرَ بن الخطَّاب بذلك. فكتب إليه إنَّك قد أصبتَ بالذي فعلتَ، وإني قد بعثتُ إليكَ ببطاقةٍ داخلَ كتابي هذا فألقِها في النيل. فلما قدمَ كتابُه، أخذَ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد: فإن كنتَ لا تجري إلا من قِبَلكَ فلا تَجْرِ، وإن كان اللَّه الواحدُ القهَّارُ هو الذي يُجريك فنسألُ اللَّهَ أنْ يُجريَكَ. قال: فألقى البطاقةَ في النيل، فأصبحَ يومَ السبت قد زادَ ستةَ عشرَ ذراعًا في ليلة واحدة، وقطعَ اللَّه (٥) تلك السُّنَّة عن أهل مصر إلى اليوم (٦). وأما الفرات: فأصلُها من شمال أَرْزَن الروم، فتمرُّ إلى قرب مَلطية ثم تمر على سُمَيْساط، ثم على إلبيرة (٧) قِبْليِّها، ثم تُشَرِّقُ إلى بالس (٨) وقلعة جعبرَ (٩)، ثم الرَّقّة، ثم إلى الرحبة شماليِّها، ثم إلى

стр. 143

عانة، ثم إلى هيت، ثم إلى الكوفة، ثم تخرجُ إلى فضاء العراق، وتصبُّ في مصالح كبار، أي بحيرات وترد إليها، ويخرج منها أنهار كبار معروفة. وأما سَيحان: ويُقال له: سَيْحون أيضًا، فأوَّلُه من بلاد الروم، ويجري من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق، وهو غربيّ مجرى جيحان، ودونَه في القدْر، وهو ببلاد الأرمن التي تُعرف اليوم ببلاد سِيس، وقد كانت في أول الدولة الإسلامية، فلما تغلَّب الفاطميون (١) على الديار المصرية، وملكوا الشام وأعمالَها عجزوا عن صَوْنها عن الأعداء، فتغلب أليقفور الأرمني على هذه البلاد، أعني بلادَ سيس في حدود الثلاثمئة، وإلى يومنا هذا -واللَّه المسؤول عودُها إلينا بحوله وقوته- ثم يجتمعُ سَيحان وجَيحان عند أذنةَ، فيصيران نهرًا واحدًا، ثم يَصُبَّان في بحر الروم بين إياسَ وطرَسوس. وأما جيحان: ويُقال له: جيحون أيضًا، وتسمية العامة جاهان. وأصلُه في بلاد الروم، ويسير في بلاد سِيس من الشمال إلى الجنوب، وهو يُقارب الفرات في القدر، ثم يجتمعُ هو وسيحان عند أذنَة فيصيران نهرًا واحدًا. ثم يَصُبَّان في البحر عند إياسَ وطرَسوس، واللَّه أعلم. * * * فصل قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٣ - ٤]. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦٠ - ٦١]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١٣].

стр. 144

يذكر (١) تعالى ما خلقَ في الأرض من الجبال والأشجار والثِّمار والسهول والأوعار، وما خلق من صنوف المخلوقات من الجمادات والحيوانات في البراري، والقِفار والبر والبحار مما يدلُّ على عظمته وقدرته وحكمته ورحمته بخلقه، وما سهَّل لكلِّ دابَّة من الرزق الذي هي محتاجة إليها في ليلها ونهارها، وصيفها وشتائها، وصباحها ومسائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. وقد روى الحافظُ أبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عُبيد بن واقد، عن محمد بن عيسى بن كَيْسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن عمر بن الخطَّاب، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "خلقَ اللَّه ألفَ أُمَّة: منها ستمئة في البحر، وأربعمئة في البرِّ، وأوَّلُ شيءٍ يهلكُ من هذه الأمم الجرادُ، فإذا هلكَ تتابعتْ مِثْل النِّظام إذا قُطِعَ سِلْكُه" (٢). عبيد بن واقد: أبو عبَّاد البَصْري، ضعَّفهُ أبو حاتم (٣)، وقال ابن عديّ (٤): عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه، وشيخه أضعف منه (٥). قال الفَلَّاس (٦) والبخارىِّ (٧): منكر الحديث. وقال أبو زُرْعة (٨): لا ينبغي أن يُحدَّث عنه. وضعَّفه ابنُ حِبَّان (٩) والدارقطني (١٠)، وأنكر عليه ابن عديّ هذا الحديث بعينه وغيره (١١)، واللَّه أعلم. وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]. * * *

стр. 145

باب ذكر ما يتعلَّق بخلق السماوات وما فيهن من الآيات قد قدَّمنا أنَّ خلقَ الأرض قبل خلق السماء، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]. وقد أجبنا عن قوله جل ذكره: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. بأنَّ الدحي (١) غير (٢) الخلق، وهو بعد خلق السماء. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١ - ٥]. وقال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٢ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١ - ٦٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].
следующие страницы →